بسم الله الرحمن الرحیم
ا.د. محمد علي آذرشب
استاذ في جامعة طهران
• هاتف: ٨٨٣١٤٨٢٤ ۲۱ ٩٨+
• ایمیل: [email protected]
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥

الحج و الحرم المكي في الآداب الفارسيّة
الحج و الحرم المكي في الآداب الفارسيّة

مقدمة

الحديث عن الحج والحرم المكي في الآداب الفارسيّة هو حديثٌ عن الثقافة التي جعلت من الايرانيين جزءً من هذه الأمة الاسلاميّة، وعن مكونات هذه الثقافة، وعن دور مكّة في هذا التكوين الثقافي، ثم دورها في الدفع الحضاري أو الاقلاع الحضاري - كما يسميه مالك بن نبي - لهذه الأمة.

إنّ الثقافة هي المزيج النظري والعملي لتكوين الانسان، وهذا المزيج يدفع الجماعة البشرية الى سلّم الارتقاء الحضاري بقدر مافيه من طاقة وقوّة دفع وقدرة على الاستمرار.

حركة الانسان المسلم نحو مكّة … هي حركة نحو "الله" بكل ما تتطلبه هذه الحركة من تغلب على الذات وعلى انشداد الانسان بالصغائر من مال ومتاع… ومناسك الحج فيها توثيق للعلاقة بالمثل الأعلى المطلق سبحانه، بجميع ما يتضمنه هذا المثل الأعلى من علم وسعة ورحمة وجلال وجمال. واجتماع الحجّ فيه أعظم ما تتطلبه الحركة الحضارية من معرفة وتعارف وتركيز للقيم الانسانية التي تتعالى على اختلافات اللون واللغة والجنس، وترفض التمييز الاجتماعي والطبقي.

غاية الاسلام هو حركة البشرية نحو الله، وليس بين البشر والله سبحانه فاصلة جغرافية يتحركون باتجاهها، بل هي حركة تكامل لتحقيق مظاهر الاستخلاف، أي إنها حركة نحو كل صفات الله من قوّة وعزّة وكرامة وعلم وسعة ورحمة… وهذه هي الحركة الحضارية… والحركة نحو مكّة تستوعب بشكل حركي عملي كل رموز هذه بالمخزون الثقافي اللازم للحركة الحضارية.

وقد يكون هذا – والله أعلم – هو سبب تسمية مكة بأم القرى… لأن القرية هي المدينة والمدينة هي مظهر التمدّن والحضارة، والأم هي التي تغذّي الابناء وتمدّهم بأسباب النموّ والنشوء والتكامل.

الحج والحرم في الآداب الفارسيّة يعبّر عن انشداد الأمة بمصدر حركتها الحضارية … بعزّتها وكرامتها وتحرّرها من قيود الذاتية ومن ظلمات الحمأ المسنون، وإخراجها الى نور نفخة ربّ العالمين.

نقتصر في هذا المقال على نوعين أدبيين هما: الرحلات والشعر، لنجد أن رحلات الحج هي أهمّ ماكُتب في أدب الرحلات باللغة الفارسية. وكتّاب الرحلات فيهم الأدباء والامراء والمفكرون والصحفيون. وفيها يضمّنون أهمّ مرحلة من مراحل حياتهم، وأجمل وأعمق تحوّل روحيّ مرّ بهم. ويعبّرون عن مشاعرهم تجاه حركات المناسك ورموزها وتجاه هذا الاندماج في المجاميع البشرية التي لا يجمعها الاّ الانتساب الى الدين الحنيف، ولا يوحّد وجودها في موسم الحج الاّ الحركة نحو الله سبحانه.

وفي الشعر تبرز المشاعر العاطفية بوضوح حين يمرّ الشاعر بتجربة شعورية في موسم الحج تتفجّر فيه أعمق التصورات تجاه هذه العبادة، فيرى في معالم الحرم مالا يراه الانسان العادي، وينظر الى الكعبة والمشاعر والمناسك نظرة تسمو على البناء الظاهري والأرض الظاهرية والحركة الظاهرية.

الرحلات

١ـ رحلة ناصر خسرو، عزم على الحج سنة ٤٢٧هـ، واستغرقت رحلته ٧ سنوات، وكتب أول رحلة في اللغة الفارسية. وهو مؤسس أدب الرحلات في هذه اللغة. اكتفى في حديثه عن الحج بوصف ظاهر المناسك ولم يتعرّض لمحتواها.

يصف وصوله جدّة، وما لقيه من استقبال أميرها تاج المعالي بن أبي الفتوح، ثم يصف المدينة، ويصف مكة والمسجد الحرام والسعي، يتحدث عن أبنية كان الخلفاء العباسيون قد أقاموها في المدينة وأوشكت على الخراب، وعن ملوحة ماء مكة، وعن الماء العذب الذي أتى به أمير عدن من المياه الجوفية الى مكة، ثم يفصّل الحديث عن الكعبة وأبعادها وأركانها وملحقاتها، ويصف المدينة المنورة.

ولناصر خسرو أربعة أسفار الى مكة له في كلِّ منها حديث وصفي عن أماكن الحج. وفي أحد أسفاره يشير الى ما أصاب الناس من قحط في تلك السنة، مما جعل الناس بسبب الجوع والفاقة يفرّون من الحجاز.

٢ - رحلة مكة، كتبها سلطان محمد سيف الدولة، من أمراء الاسرة القاجارية ومن أبناء فتح علي شاه القاجاري. أدّى فريضة الحج سنة ١٢٧٩هـ. تحدّث فيها عن سفره الذي بدأه من طهران ثم بحر الخزر ثم تفليس واستانبول ومكة، وعاد عن طريق العراق وجنوب إيران الى طهران.

أسمى كتابه "سفرنامه مكه" = رحلة مكة، وفيها يتحدث عن الاوضاع الجغرافية والسياسية والاجتماعية لما مرّ به من بلاد ومدن. ومما يلفت النظر في حديثة عن مكة إشارته العابرة الى مايجاور المسجد الحرام من مدارس.

٣ - رحلة فراهاني: كتبها الميرزا محمد حسن فراهاني، كان من الملازمين لناصر الدين شاه القاجاري، أدّى فريضة الحج مرتين كانت الثانية سنة ١٣٠٢هـ، وكتب عنها بأمر ناصر الدين شاه بالتفصيل. حج مُخِفّاً لأنه "نجى المخفّون وهلَكَ المثقلون" كما يقول.

يقول إن زاده في سفره كان نصيحة أسداها اليه شيخ إذ قال له: "لا يمكن أن تصل الى السعادة إذا كان همك أنا ونحن".

في إشارة الى ضرورة التخلص من الذاتية والانانية للوصول الى مراتب الكمال.

ومن الملفت في هذه الرحلة حديثه عن القنصل الايراني في جدة، وهو من المفروض أن يكون حامياً لمصالح الحجاج الايرانيين، لكنه كان يفرض عليهم أتاوة يملأ بها جيبه.

ويذكر أيضاً زيارته لقبر حواء في جدّة وطوله أكثر من مائة وخمسين ذراعا. وكان متولّي القبر يطلب من الحجاج بكل حماقة أن يقبّلوا سرّة أمهم حواء !

والكاتب كان له ذوق شعري، ومما أنشده في هذه الرحلة:

در طي ره عشـق اگر رنج كشيديـم

المنّة لله كه بـه مقصـود رسيديم

گفتند بجز سنگ وگِلـي بيـش نباشـد

ما در دل هر سنگ و گلي يـار بديديم

الترجمة: _ إنْ كنّا عانينا من المشقة على طـريق العشق / فالمنّة لله أن قـد وصلنـا الـى المقصـود.

ـ قالوا ليست الكعبة سوى مجموعة أحجار وطين / نحن في قلب كل حجر ولبنة رأينا الحبيب.

ويشير في كتابه الى حادثة تاريخية دون أن يذكر لها مصدراً، وهي أن أهالي مكة كانوا يحتفلون ويبتهجون بيوم العاشر من محرم لرواية تذكر أن سفينة نوح استوت على الجوديّ في ذلك اليوم، والشريف عبد المطلب وبعده الشريف عبدالله والشريف عون منعوا هذه الاحتفالات احتراما لذكرى مقتل الحسين في هذا اليوم.

٤ - تحفة الحرمين: اسم كتاب رحلة دوّنه محمد معصوم من أبناء التجار الايرانيين، حج سنة ١٣٠٥ هـ، والكاتب عُرف بمنزلته العرفانية والدينية، وكان يحمل من ناصر الدين شاه لقب "نايب الصدر" ورثه عن أبيه. سافر عن طريق قزوين وجيلان وباد كوبه وباطوم والقسطنطينية والاسكندرية ثم أمّ الجزيرة العربية.

والكاتب يشكو أيضا من الأتاوات التي يقبضها القنصل الايراني والسفير الايراني في الحجاز، ويقول: "تعاهد شريف مكة والقائم مقام والقنصل والمطوّف والمقدّم والجمّال والعكام والحمله دار وأمير الجبل والسفير الكبير على إفراغ جيوب الزوّار…".

ويذكر تفاصيل فساد الجهاز الدبلوماسي الايراني في الخارج وهكذا الفساد المالي للمتولين على شؤون الحرمين آنئذ. كما يتحدث عن جهل بعض الحجاج، وعن تعمّد الكذب في شهادة رؤية الهلال من أجل أن يكون يوم عرفة في يوم الجمعة، وأن يكون ذلك الحج حجاً أكبر.

وكتاب الرحلة هذا يعكس جانباً من الوضع المتردي الذي آل اليه العالم الاسلامي في القرن التاسع عشر.

٥ - رحلة الحج، وصف لرحلة قام بها ميرزا علي خان أمين الدولة بعد عزله عن الصدارة (أي رآسة الوزراء) سنة ١٣١٦هـ. إذ أحسّ أمين الدولة بأن مؤامرة ستدبّر لقتله بعد إقصائه من منصبه، كما هو شأن مَن قبله من المقصيين عن رآسة الحكومة. وقد يكون ذلك هو سبب عزمه على سفر الحج، ويبدو أن مظفر الدين شاه القاجاري قد عارض هذا السفر بسبب أخبار الوباء في مكة ذلك العام، لكنّ وساطات نساء البلاط (كنّته كانت بنت الشاه) وفّرت له إجازة السفر: كتب هذه الرحلة مجد الملك أخو أمين الدولة.

يظهر أن أمين الدولة كان يودّ أن لا تحاط زيارته بمراسيم رسميّة، لكنه كان يحظى باستقبال رسمي أينما حلّ. وحين استقبله قنصل جدّه قال له أمين الدولة:

"الوصول الى الله سبحانه يتطلب رِجلاً حافيا، وقلبا صافيا، لقد هربت من المظاهر وأردت أن أحجّ مثل رجل عادي، من الذي أخبرك بقدومي وكيف عرف الوالي بسفري فأغرقتموني بالتشريفات والمراسيم؟ !".

يتحدث أمين الدولة عن مشاهداته، ويكثر التأفف من قاذورات منى والذبح فيها الى جوار الخيام. ومع أنه كان يرغب أن يكون كسائر الناس، لكنه كان يتعامل مع الامور تعامل الصدر والحاكم.

٦ - رحلة التشرف بمكة المكرمة، رحلة حول العالم طاف فيها ميرزا على أصغر خان أتابك سنة ١٣٢١هـ. يذكر صاحب الرحلة باعثه عليها فيقول: "لقد لُمت نفسي كثيراً حين أقدمت للمرة الثانية على الاقتراض من الخارج لايران، فقد رأيت بأم عيني مانزل بالاموال المقترضة في المرة الأولى. والآن إذ دُعيت الى الاقتراض للمرة الثالثة، فاني هرباً من هذه العملية وفقت إجباراً لزيارة بيت الله".

كانت السفرة عن طريق ميناء أنزلي على بحر قزوين، بادكوبة، موسكو، سيبريا، قبچاق، بحيرة بايكال، منشوريا، شينغ يانغ، بكين، شانغهاي، ميناء ناكاساكي، كيوتو، طوكيو، أمريكا، فرانسا، ايطاليا، القاهرة، جدة، مكة، المدينة، دمشق، بعلبك، بيروت، بيت المقدس، ثم العودة الى ايران عن طريق اسطنبول.

يتحدث عن أدائه لمناسك الحج، ويذكر القوافل المحملة بالهدايا التي كانت تأتي الى أرض الحرمين الشريفين من الشام ومصر، ويصف البيت الحرام من الداخل والخارج، ويأسف لما رآه من مظاهر الفساد جوار المسجد الحرام.

ويضمن رحلته بعض الابيات التي تستثير روح التأمل والعرفان في تلك البقاع الطاهرة.

٧ - رسالة في ذكريات سفر الحج، للحاج سلطان حسين تابنده الگنابادي (رضا عليشاه). كانت رحلته سنة ١٣٢٤هـ. سافر بالطائرة من طهران الى البصرة، وأحرم بالنذر منها. يتحدث فيها عن أهمية فريضة الحج في وحدة المسلمين وتزكيتهم. ويفسّر بعض مناسك الحج وفق رؤية الطريقة الگنابادية التي يترأسها. ويشير تابنده الى اختلاف يوم العيد بين ايران والسعودية ويذكر عمل بعض ال