ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 القسم ٨

لا تنظر إليّ بوصْفي حَيّـًا، لأنني لستُ كذلك.

ـ لا تنظر إلى اعوجاجي، بل انظر إلى هذا الكلام المستقيم؛

حديثي سَهْمٌ، وأنا كالقوْس.

ـ هذا الرأسُ الشّبيهُ بالقَرْعة فوق رأسي، وهذا الدّلَقُ (*) لجسمي؛

أُشْبهُ مَن أنا، أُشبهُ مَنْ أنا في سوق الدّنيا؟

ـ وعندما تكون القَرْعةُ فوق رأسي مملوءةً بالشّراب

أجعلُها مقلوبةً، وبرغم ذلك لا أدَع قطرةً تنسكب منها.

ـ وحتى إن أذنتُ لها بأن تنسكب، فانظرْ أنتَ إلى قدرة الحقّ،

إذْ آخذُ مِنَ البحر جواهرَ بدلاً من تلك القَطْرة.

ـ ومِثْلُ السّحابة عينايَ تأخذان الجواهرَ من ذلك البحر؛

وسحابةُ روحي هذه تصعدُ إلى سماء الوفاء.

أُمْطِرُ في حضرةِ شمسِ الحقّ التبريزي،

لكي ينمو السَّوسَنُ في صورة لساني.

# # #

١٨٢ / ١٤٩٠

ـ أيّها السّاقي، روحي جارٍ في أثَرِ العِشق،

ولكن بسبب ملَلِكَ يُقطع لِساني.

ـ أطيرُ كالسّهْمِ نحو عِشْرتك وصُحبتك السّارّة؛

أيّها الحبيبُ، لا تكسِرْ قوسي بضروب جَفائك.

ـ مثل الخيمة أبقى واقفـًا أمامَكَ على قَدَمٍ واحدة؛

أيّها الحبيبُ، أدخلْني إلى خيمتك وأجلِسْني هناك.

ـ هيّا، ضَعْ شَفَةَ الكأس على شفتي الجافّة؛

وعندئذ اسمعْ السِّحْرَ المحقّق مِنْ فمي.

ـ اسمعْ خبرَ بابل وحكايةَ وائل؛

لأنّني من طريق الفِكرة والتأمّل سَيّاحُ العالَمِ.

ـ اعذرْني إذا تجاوز صخبي الحَدّ؛

ذاك لأنّ العِشقَ لم يُعطني الأمانَ لحظةً واحدة.

ـ عندمـا تكـون ماّلاً، أكـون ماًّلا بسبب ملَلِك؛

وعندما تغسلُ يديكَ منّي، أعضُّ أصابعي.

ـ في الليل عندما تبعث النّورَ كالقمر حتى السّحَر،

على أثرِ قمرك أجري كالنّجم السّيّار؛

ـ وفي النهار عندما تُطلِعُ رأسَكَ من الشّرق كالشّمس،

أكونُ كلِّي روحـًا، كالشمس.

ـ وفي النهار عندما تغدو كالرّوحِ غائبـًا عن عيني،

أرتجفُ هَمّـًا مِثلَ قلب الطائر.

ـ وفي النهار عندما يشعُّ نورُك من نافذتي

أرقصُ في حجرتي طَرَبـًا مِثْلَ الذرّة.

أيتها النفسُ الناطقةُ، اصمُتي وامضي متواريةً كالفكرة،

لكي لا يجد مَنْ لا يفكّر إلاّ بالأسباب أثرًا لي.

# # #

١٨٣ / ١٥٠٤

ـ أنا الغلامُ الذي حرّر السيِّد،

أنا مَن جعلَ الأستاذَ أستاذًا.

ـ أنا ذلك الرّوحُ الذي وُلِد من العالَمِ الليلةَ الماضية؛

وبرغم ذلك وضعتُ الأساس للعالَم القديم.

ـ أنا الشَّمْعُ الذي دَعْواه هذه:

«أنا الذي جعلَ الفولاذَ فولاذًا».

ـ كحّلتُ كثيرًا من غير المُبصرين،

علّمتُ كثيرًا ممّن لا عقْلَ لهم.

ـ أنا السّحابةُ السّوداء في ليلِ الغمّ،

التي أبهجتْ يومَ العيد.

ـ أنا التُّراب العجيبُ الذي بسبب نار العشق

ملأ بالرّيح دماغ الفلَك.

ـ وبسبب السّرور لم ينمْ ذلك السّلطانُ اللّيلةَ الماضية،

لأنّني، أنا العبدَ، ذكرتُه.

ـ ليس ثـمّـة ملامةٌ؛ لأنّك اسكرْتَني،

إذا كنتُ مُخْزيـًا واقترفتُ المظالِمَ.

اصمتْ؛ لأنّ المرآةَ قد صَدِئتْ؛

وعندما نفختُ فيها صرختْ عليّ.

# # #

١٨٤ / ١٥٠٩

ـ سافرتُ، جريْتُ إلى كلِّ مدينة،

ولم أرَ أحدًا بلُطفك وحسْنكَ.

ـ عُدْتُ من الهجران والغُربة،

ومرّةً أخرى ظفِرتُ بهذه الحظوة.

ـ ومنذ أن ابتعدتُ عن حديقة مُحيّاكَ،

لم أرَ ورْدًا، لم أقطفْ ثمرةً.

ـ ومنذ أن وقعتُ بعيدًا عنكَ بسبب سوء الحظّ،

تحمّلتُ من كلّ سيّئ الحظّ مائة إزعاج.

ـ ماذا أقول؟ ! كنتُ ميتـًا تمامـًا من دونك؛

وقد خلقني الحقُّ من جديد مرّة أخرى.

ـ فواعجبـًا ! أيمكن أن تقول إنّني رأيتُ وجهَك؟ ـ

أيمكن أن تقول إنّني سمعتُ صوتَك؟

ـ دَعْني أقبّلْ يدَكَ وقدَمك؛

أعْطِ العيديّةَ؛ لأنّ اليومَ عيدي.

أيْ يوسفَ مِصْر، ها قد اشتريتُ

لكَ هديّةً هذه المرآة الصّقيلة.

# # #

١٨٥ / ١٥١٦

ـ ما أقربَ روحَكَ من روحي !

فإنّ كلّ شيء تفكّر فيه أعرفُه.

ـ ولديّ علامةٌ حتى مما هو أقرب من هذا؛

فادْنُ وتأمّلْ علامتي.

ـ في هيئة درويش تعالَ في البَيْن [بين الناس]؛

لا تمزَحْ، ولا تَقُلْ: «إنّني في البَيْن».

ـ أنا كالعَمود وسْطَ بيتك؛

أنا كالميزاب مُتَدلّ من سقفك.

ـ أنا نجيُّكَ في الحشْر وفي النّشْر،

ولستُ ضيفـًا عابرًا كأصدقاء الدّنيا.

ـ وسْطَ مأدبتك أدورُ كالخمرة،

وإبّانَ معركتك أتقدّم أمامَكَ مِثلَ السّنان.

ـ وإذا جعلْتُ الموتَ حِرفةً مِثلَ البرق،

فإنّني من دون لسان مثل بَرْقِ حُسْنك.

ـ دائمـًا أنا مسرورٌ؛ ولا فرق عندي

بينَ أن أُعطي روحي وأن آخذَ روحـًا.

ـ وإذا أعطيتُك روحي، فإنّ هذه ستكون تجارةً رابحةً؛

فإنّك ستُعطيني بكلّ روحٍ مائةَ حياةٍ.

ـ في هذا البيت آلافٌ، وأكثر من ذلك موتى؛

وأنت جالسٌ هناك تقول: «انظرْ إلى منزلي وأثاثه».

ـ حفنةُ ترابٍ تقول: «كنتُ ضفيرةً»؛

حفنةٌ أخرى تقول: كنتُ عَظمـًا».

ـ تصبحُ حَيرانَ، وعلى حين غرّة يأتي العشْقُ

قائلاً: «امثُلْ أمامي فإنّني الحيُّ الخالدُ؛

ـ اكشف عن صدري الفضّيّ؛

لكي أحرِّركَ من نفسِكَ هذه اللحظة».

الزم الصّمتَ، أي خسرو، لاتتحدثْ كثيرًا عن شيرين؛

فإنّ فمي يحترق بالحلوى (*).

# # #

١٨٦ / ١٥٢٢

مِنَ العالَمِ كلِّه أختارُك وحدَك؛

أتجدُ من اللاّئق أن أجلس حزينـًا؟

ـ إنّ قلبي مِثْلُ القَلَم في كفّك؛

وهو لكَ سواءٌ أكنتُ مسرورًا أم حزينـًا.

ـ وما ذا أكونُ غيرَ ما تريده أنتَ؟

وماذا أرى سوى ما تُظهره أنتَ؟

ـ حينـًا تُنبتُ الشّوْك وحينـًا آخر الورْدَ؛

حينـًا أشتمّ الورْد، وحينـًا أقطفُ الشّوك.

ـ ولأنّك تجعلني كذلك، أنا كذلك ـ

ولأنّك تريدُني هكذا أكون هكذا.

ـ في ذلك الرّاقود حيث تعطي صِبْغـًا للقَلْب،

ماذا يمكن أن أكون أنا؟ - ما حبّي وكُرهي؟

ـ كنتَ الأولَ، وستكون الآخِرَ،

اجعل آخِري خيرًا من أوّلي.

ـ عندما تتوارى أكونُ من أهل الكُفر؛

وعندما تظهر أكون من أهل الإيمان. ‍

وماذا عندي غير الأشياء التي أعطيتَها؟ ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍!

فعمّ تبحثُ في جيبي وكُمّي؟ ‍ !

# # #

١٨٧ / ١٥٣٢

ـ تعالَ، لأنّنا اليومَ صيدٌ للمِلك؛

وليس بنا حاجةٌ إلى النفس وإلى العالَمِ.

ـ تعالَ، لأنّنا اليومَ مثل موسى بن عمران

نرفع بشجاعةٍ الطّين من البحر.

ـ كلّ ليلة كنّا نقعُ مِثلَ العصا؛

وعندما جاء النهارُ نكون من دون قرار كالثُّعبان.

ـ وإذْ طُفْنا حوْلَ صَدْرنا،

فإننا نُخرجُ اليدَ البيضاء من جَيب الرُّوح.

ـ وبتلك القُدرة التي صيّرت العَصا حيّةً

في كلّ ليلة نكون كالعصا، وفي النهار حيّةً؛

ـ من أجل فرعون المستبدّ نحن حيّات؛

ومن أجل موسى نحنُ عِصِيّ ومطيعون.

ـ بالهمّة نُريقُ دَمَ أمثال النّمرود؛

فلا تنظر إلى كوننا نحيلينَ مثل البعوضة.

ـ نتغلّب على الأسود والفيلة،

برغمَ أنّنا في كفّ ذلك الأسدِ عاجزون.

ـ وبرغم أننا كالجِمال مُعْوجّو الطبيعة

فإنَنا كالجمال ننطلقُ نحو الكعبة مُسْرعين.

ـ لا نقيّد قلوبنا بإقبال [حظّ] يومَيْن،

لأنّنا موفّقون في الإقبال الباقي.

ـ نحن كالشمس والقمر، متقاربون ومتباعدون؛

وكالعشق والقلبِ خفيّون وظاهرون.

ـ ومن أجل العشق اللاّعق للدّم والآكلِ للدّم

نكون لكلاب العِشْق كالدَّم في وعاء كبير.

نحن صامتونَ كالسّمك وقتَ الصّمتِ،

وفي وقتِ القولِ نحن القمرُ الذي لا غبارَ عليه.

# # #

١٨٨ / ١٥٣٩

ـ كنتُ ماضيـًا في البحث عن حِيلةٍ؛

لأنّ ذلك القمريّ الوَجه قد يضع وجْهَه على وجهي.

ـ قلتُ: «في خاطري كلمةٌ واحدة؛

تعالَ لكي أهمسَ بها في أذنك.

ـ رأيتُ رؤيا اللّيلةَ الماضية، أيْ روحي،

وأريد أن أطلب منك تعبيرها [الرّؤيا].

ـ وليس لديّ مَنْ يقيم حُرْمةً لهذه الرّؤيا غيرك؛

فأصغ، أي مليكي المطبوعَ على السَّتْر».

ـ هزّ رأسَه وضحك ـ

ذلك الرأسَ الذي يعرفني شعرةً شعرةً ـ

ـ كأنه يقول: «أنتَ تدبِّر حيلةً لتعبث بي،

لأنّني المرآةُ لكّل لونٍ وشذا».

ـ أنا مثلُ اللّعبة في يده،

لأنّني نقشُ إبرته التي تطرّز بالذّهب.

لن يكون من دون حياةٍ النقشُ الذي نقشه؛

أنا أصغرُ نقوشه، ولذلك فإنّني في بهجة غامرة.

# # #

١٨٩ / ١٥٤٧

ـ رحلتُ، فخلّصتُ العالَمَ من صُداع حضوري،

خرجتُ من الألَمِ وحملتُ روحي.

ـ حيّيتُ جُلسائي،

نقلتُ روحي إلى العالم الذي لا علامةَ له.

ـ خرجتُ من هذا البيتِ ذي الأبواب الستّة،

وببهجةٍ حملْتُ متاعي نحو اللاّمكان.

ـ عندما رأيتُ أميرَ صَيْدِ الغَيب،

طِرْتُ مِثْلَ السَّهمِ، حاملاً قوسي؛

ـ عندما جاء صولجان [مِـحْـجَنُ] الأجَلِ إليّ

أبعدتُ كُرةَ السّعادة من البَيْن [الوسْط].

ـ من نافذتي أضاء قمرٌ عجيب؛

فذهبتُ نحو السّطح، حاملاً سُلّمـًا.

ـ سطْح الفَلكِ هذا، الذي هو مجمعُ الأرواح،

كان خيرًا مِنْ كلّ ما تخيّلتُ.

ـ وعندما ذبل حاملُ وردتي

حملتُه ثانيةً إلى الحديقة وروضة الوَرْد.

ـ وعندما لم يكنْ هناك مُشْترٍ لنقْدي [عُمْلتي]

حملتُه سريعـًا إلى أصلِ أصْلِ المنجم.

ـ ومن هؤلاء المزوّرين حملتُ

قُراضةً من روحي أيضـًا إلى الصّائغ على سبيل الهَديّة.

ـ في الغَيْب رأيتُ العالمَ الذي لا حدّ له؛

وإلى ذلك الحدّ حملتُ خيمتي.

ـ لا تبْكِ عليّ؛ لأنّني سعيد بسبب هذا السّفر،

ذلك لأنّني سلكتُ الطّريق المفضي إلى الجِنان.

ـ اكتبْ هذا القَولَ على قبري؛

أنّني خرجتُ آمنـًا البلاءَ والامتحان.

ـ فنمْ طيّبَ النّفسِ أيُّها الجَسدُ، في هذه الأرض؛ لأنّني

حملتُ رسالتكَ إلى السّماء،

ـ اربط على ذقني؛ لأنّني حملتُ

الأنّاتِ كلَّها إلى خالق الأنّات.

لا تتحدّثْ كثيرًا عن غمِّ قلبكَ هذا؛

لأنّني حملتُ قلبك إلى جناب عالِمِ الغَيب.

# # #

١٩٠ / ١٥٥٥

ـ ندخل في الرّقص كالذرّات،

إذْ إنّنا مسخّرون لشمسِكَ.

ـ في كلّ سَحَرٍ نطلعُ من مشرق العِشق

مِثْلَ الشمس.

ـ ندور في العالم اليابس والرّطْب،

فلا نغدو جافّين ولا نَصيرُ رطبين.

ـ وقد سمعنا النُّحاسَ يُصدر كثيرًا من الأنين:

«أيّها النّورُ، أضئ لكي نغدو مِثلَ الذّهب».

ـ ومن أجل حاجتهم وألمِهم؛

نصعد إلى السّماء والنجوم.

ـ نأتي كالعَنْبر من أجل قلادة

من المعشوق ذي الصّدرِ الفضّيّ.

ـ وقد ضَرَبْنا خِرْقتَنا (*)،

لكي نأتي من ذلك إلى قَباء شُشْترَ.

ـ نحن الشّاربون صِرْفَ المُدام على طريق الفقر؛

ونأتي ثملين بالنّبيذ الأحمر.

ـ لو وضعوا علينا سُمَّ العالَم

لأتينا كالسُّكّر بسبب باطننا الرّائع.

ـ وفي ذلك اليوم الذي يفِرّ فيه الشّجعان،

نأتي نحنُ في قَلْبِ الوغى مِثْلَ سنجر.

ـ من دماء الأعداء نصنع نبيذًا،

ثم نشربه ونأتي كالخناجر.

ـ نحنُ حَلْقةُ العشّاق الثّملين،

وفي كلّ يومٍ نأتي كالحَلْقة على الباب.

ـ كتبَ طُغَراء الأمان لنا؛

فكيف نأتي إلى غَرْغرة الموت؟ !

ـ في الملَكوت واللاّمكان نأتي

على مُهْر الفَلَكِ الأخضرِ.

ـ اختفينا من عالَمِ الجسم،

ونأتي أكثر ظهورًا في عالَمِ العِشق.

ـ في الجسْمِ صار الرّوحُ طاهرًا؛

ونغدو من دون جِسْم فنأتي أكثر طهارةً.

إنّ شَمس تبريز هو روحُ الرّوحِ،

وفي بُرْج الأبد نأتي مُساوين له.

# # #

١٩١ / ١٥٦٠

ـ اللّيلةَ الماضيةَ عاهدتُ من جديد؛

أقسمتُ بحياتكَ

ـ أن لا أرفع عيني عن وجهِكَ؛

ولو ضربتَ بالسّيف لما تحوّلتُ عنكَ.

ـ لنْ أبحث عن علاجٍ لدى أيّ شخصٍ آخر؛

لأنّ مرضي إنما هو من فِراقِك.

ـ وحتى إذا ألقيتني في النّار،

فلستُ رجلاً لو أنّني تأوّهتُ.

نهضتُ من طريقكَ مِثْلَ الغُبار؛

والآن أعود إلى غبار طريقك.

# # #

١٩٢ / ١٥٦٣

ـ إذا لَمْ أعبِّر عن أناقتك بالكلام،

فإنّني أمتلكُ حُبّك داخلَ صَدْري.

ـ وإذا ما شممتُ وردةً من دون حبّكَ

فأحرقْني في الحال مثلَ الشّوْك.

ـ فإذا كنتُ صامتـًا مِثْلَ السَّمك،

فإنّني لا أهدأ مِثلَ الموج ومِثْلَ البحر.

ـ يا مَنْ وضعتَ خَتْمـًا على شفتي،

اجذبْ إليك مِهاري (*)

ـ ما مقصودُك؟ - ماذا أعرفُ أنا؟

لا أعرفُ إلاّ أنّني في هذا القطار (**)

‍ـ اجترُّ غمّك مِثْلَ الجَمَل؛

مِثلَ جَمَلٍ هائجٍ أقذفُ الزّبد.

ـ ومهما اختفيتُ وامتنعتُ عن القول،

فإنّني في حَضْرة العِشق واضح.

ـ أنا كالبذْرة تحت التّراب،

أنتظرُ إشارة الرّبيع،

حتّى، من دون نَفَسي، أتنفّس جيّدًا،

وحتّى، من دون رأسي، أحكُّ رأسـًا.

# # #

١٩٣ / ١٥٦٣

ـ في اليوم الذي تمرُّ فيه بقبري،

تذكّر هذا الهول والاضطراب منّي.

ـ املأ بالنّور قَعر ذلك القبر،

أيْ عيْنَ نوري ومصباحَه.

ـ لكي يقدّم لكَ جسمي الصّبورُ هذا

سجودَ الشّكر في اللّحد.

ـ أيْ بَيْدَر الوَرْدِ، لا تمرّ بي سريعًا؛

أبهجْني لحظةً بذلك البخور؛

ـ وعندما تمرّ لا تظنّ أنّني

بعيدٌ عن نافذتك وعتبتك.

ـ وإذا ما سدّت حجارةُ القَبْر طريقي

ففي طريق الخيال لن أكون فاترًا.

ـ وحتّى إذا كان لديّ مائةُ كفنٍ من الأطلس [الحرير]،

فإنّني عارٍ، من دون خِلْعةِ صورتك.

ـ سأصعدُ إلى صحنِ قصْرك،

وفي فَتْح ثقبٍ في الجدار ربما أكون كالنّملة.

ـ أنا نملتُك، وأنت سليمانُ؛

فلا تدَعْني لحظةً من دون حضورك.

ـ صمَتُّ أنا، فقلْ أنتَ الباقي،

فقد سئمتُ قولي واستماعي.

أيْ شمس تبريز، ادْعُني؛

فإنّ دعوتَك نَفْخُ صوري.

# # #

١٩٤ / ١٥٧٧

ـ نحن أحياء بنُور الكِبرْياء،

نحنُ غرباء، ومعروفون جدّ ًا.

ـ النفسُ مِثْلُ الذّئبِ، لكنّنا في سِرِّنا [باطننا]

نفوقُ يوسفَ مِصْر.

ـ يتوبُ القمَرُ من غروره،

عندما نعرضُ عليه وجوهَنا؛

ـ ويحترق ريشُ الشمسِ وجناحها

عندما نبسط ريشَنا وجناحَنا.

ـ هيكلُ الآدميّ هذا حجابٌ؛

ونحن القِبلةُ لكلّ السّجدات.

ـ انظر إلى ذلك النّفَس، لا ترى ابن آدم،

لكي نختطف روحَكَ بلُطفٍ.

ـ نظر إبليسُ نظرًا منفصلاً،

وظنّ أنّنا منفصلون عن الحقّ.

ـ شمسُ تبريز نفسُه ذريعةٌ؛

فنحن الذين في حُسْن اللّطف، نحنُ.

ـ ومن أجْلِ الحجاب قُلْ للنّاس:

«هو الملِك الكريم، ونحن المستجْدون».

ـ وأيُّ شأنٍ لنا بالمُلْك والاستجداء؟ !

فنحنُ سعداء لأننا خليقون بالمَلِك.

نحن ممحوّون بحُسْن شمس تبريز

وفي المحو لا يكون هو، ولا نكون نحنُ.

# # #

١٩٥ / ١٥٨٦

ـ يا عالمَ الماء والطّين، منذُ أن عرفتُك

عرفتُ مائةَ ألفِ مِحْنةٍ وألمٍ وبلاء.

ـ أنتَ مرتعٌ للحمير، وليس مقامَ عيسى؛

فلِمَ عرفتُ أنا مرتعَ الحمير هذا؟ ‍ !

ـ لم تُعطني الماء العذب، لكي تبسط الخِوان،

وقد قيّدْتَ يدي وقدمي، حتى عرفتُ اليدَ والقدَم.

ـ ولِمَ لا تقيّدُ اليدَ والقدَمَ؟ - والحقّ دعاكَ أرجوحةً،

وأنا أطلِقُ اليدَ والقدَمَ، حتى عرفتُ فَتْح القدَم.

ـ ومثل الشجرة أرفعُ يديّ من تحت التراب،

في هوى مَنْ عرفتُ منه الهوى.

ـ أيّها العنقودُ، كيف صِرْتَ، وأنت في سنّ الطفولة، شيخـًا ناضجـًا؟

قال: «تحرّرتُ من الصِّبا [المَيْل] عندما عرفتُ الصَّبا».

ـ الفَرْعُ يمضي إلى الأعلى لأنّه جاء من الأعلى؛

وأنا أسارعُ إلى أصلي، لأنّني أعرفُ أصلي.

ـ إلى متى أتحدّثُ عن «تحت» و «فوق»؟ - فاللاّمكان هو أصلي؛

أنا لستُ من مكانٍ، وقد عرفتُ من أين يأتي المكان.

لا، الزمِ الصّمتَ، امضِ إلى العَدَم، صرْ لاشيء في العدَم؛

انظرْ كيف أنّني أعرف الأشياء ممّا ليس هو بأشياء‍!

# # #

١٩٦ / ١٥٩١

ـ منذ أن سَمَتْ شمسي ونجمي على الصّورة،

أنا أكثرُ بهجةً في الذهاب من المعاني [الحقائق] إلى المعاني.

ـ صِرْتُ ضائعـًا في المعاني، ومِثْلُ هذا أكثر حلاوةً؛

أنا لن أعودَ إلى الصّورة، ولن أنظر إلى العالَمَين كليهما (*)

ـ أذوبُ في المعاني حتى أغدو من لَوْنه تمامـًا،

لأن المعنى كالماء، وأنا فيه مِثلُ السُّكّر.

ـ لا يشمئزّ قلبُ إنسانٍ من حياة روحهِ،

وتبعـًا لهذا المعنى، لن أتذكّر الصّورةَ طبْعـًا.

ـ أتبخترُ منْ حديقة إلى حديقة مع الرّوحانييّن،

لطيفـًا كالورد الأحمر، ونضِرًا كالنّيلوفر.

ـ أنا كالموجةِ لسفينة الجسد، أُحطِّمها خشبةً خشبةً؛

أحطِّمُ نفسي عندما أكونُ مِرْساةً لنفسي.

ـ وإذا ما ضعُفتُ في شؤوني بسبب قسوة القلب،

انقذفتْ شُعَلُ ناري سريعـًا من البحر.

ـ أضحك بسعادة مثلَ الذّهب وسط نارِهِ،

لأنّني لو خرجتُ من النار لتجمّدتُ مِثلَ الذّهب.

ـ ومن الرُّقْيةِ وضعتُ رأسي على خطّه كالحيّة؛

أيْ أُخَي، ماذا سيقعُ على رأسي مِنْ خطّه؟

ـ سئمتُ الصّورةَ، جئتُ إلى الصّفات؛

وكلُّ صفةٍ تقول: «ادخلْ ههنا، فإنّني البحرُ الأخضرُ».

فيا شمس تبريز، إنّ لي مُلكـًا كمُلك الإسكندر؛

ولذلك فمن اللّطف أنّني قائدُ الجيش نحو جيوش المعنى.

# # #

١٩٧ / ١٦٠٥

ـ أعطِني خمرةَ اللّيلة الماضية هذه؛ لأنّني ثملٌ من جرْعتك،

ياحاِتمَ العالَمِ، أعطني في يدي قدَحـًا كبيرًا.

ـ أي ساقيَ الرِّجال، لا تُدِرْ وجهكَ عنّي لحظةً؛

لا تحطّم قلي، وإلا فسأحطّم القدَحَ والزّجاجة.

ـ كان القدحُ في يدي، ألقيتُه، فكسرتُه؛

فجرحتُ أخمص مائة قدمٍ عارية بتلك الزجاجة؛

ـ أنتَ عابدٌ لتلك الزّجاجة لأنّ شرابَك من الزجاجة؛

أمّا خمرتي فليست منَ العصير، فلِمَ أعبدُ الزّجاجة؟

ـ اشربْ، أيُّها القلبُ، الخمرة الرّوحيّة، ونَمْ مطمئنّـًا فارغ البال؛

لأنّني قطعتُ رأسَ الغُصَص، وتحرّرتُ من الغمّ والغُصّة.

ـ مضى قلبي إلى أعلى، مضى جسمي إلى أسفل،

فأينَ أنا، المسكين؟ - لستُ فوق ولا تحت.

ـ أيةُ تُفّاحةٍ معلّقةٍ رائعة أنا، لا تصبر عن حَجَرك !

وكيف أصبرُ أنا عن «بلى» إذا كنتُ ثمِلاً بـ «ألستُ»؟ ‍!

ـ اسألْ عنّي، أيُّ كنزٍ هذا العشقُ، وماذا فيه ‍!

اسأله أيضـًا عنّي، لكي يقول لك مَنْ أنا.

ـ لِمَ تدور حول ضِفّة النّهر؟ - ثِبْ من النّهر، إذا كنتَ رجلاً؛

ثِبْ من النهر وابحث عني؛ لأنّني وثبتُ من النهر.

ـ إنْ أقمتَ أقمنا، وإنْ رحلْتَ رحَلنا،

وعندما أكلتَ أكلنا، وعندما جلستَ جلسْنا.

ـ أنا ذلك القارعُ للطّبْل الثّمِلُ، الذي ذهبَ ثمِلاً إلى الميدان،

وقد ربطتُ طبلي كالعَلَمِ على رأس رُمحي.

أيُّ مليكٍ سعيدٍ وإيثاريّ أنت ! هيّا اصمتْ كالسَّمك ـ

وطالما أنّني تحرّرْتُ من الوجود، لِمَ تُعيدني إلى الوجود؟ ‍!

# # #

١٩٨ / ١٦١١

ـ أنا ذلك العاشقُ لعشقك الذي ليس له عمَلٌ سوى هذا العمل،

إذْ ليس عندي سوى الإنكار لمَنْ هو غيرُ عاشق.

ـ لا ابحث عن قلبٍ غير قلبك أنتَ، ولا أسرعُ إلاّ إليك؛

لا أشتمُّ ورودَ كلِّ حديقةٍ، ولا أبالي بكلّ شوك.

ـ فيك أضعُ إيماني، وقد صار قلبي مسْلمًا؛

وقلبي قال لك: «أيْ روحي، ليس عندي معشوق مثلك».

ـ ولأنّك عيني ولساني لا أرى اثنين، لا أتلو اثنين،

ولا أقرُّ بأحدٍ إلا بحبيبٍ واحدٍ هو أنتَ.

ـ ولأنّني أشرب من شَهْدك، لِـمَ أبيعُ الخلَّ؟

ولِـمَ أسعى في سبيل الرزق؟ ليس الأمرُ أنّني لاأمتلك نصيبـًا كبيرًا.

ـ ومن كعْك السّلطان المحلّى بالسّكّر، وليس من ضيافة الشيطان،

آكل حتى الشّبع على هذا الخِوان، وليس عندي شهية للغداء.

ـ لن أحزن، لن أحزن، لن أفاخر بالرّياضة والتزهّد؛

وإذا كنتُ لاأمتلك ذهبـًا كثيرًا فانظرْ إلى وجهي الشبيه بالذهب.

ـ لايحزنُ خُسْرو القلْبِ إلاّ مِنْ أجل شيرين؛

بأيّ قلب أحزنُ؟ - في النهاية، ليس عندي قلبٌ يحزن.

ـ سأشرح للجميع؛ لكلّ خائفٍ وآمنٍ؛ ولكن

ليس لديّ القلبُ الذي يتحدّث بكلام الباطن.

ـ أنتَ يامَنْ لم يسِمْك الجنونُ بسِمة، أخبرني الآن: كيف حالك؟

لأنه ليس لديّ آثارٌ أخرى عن كيف، وعلى أيّة طريقة.

عندما طلَع عليّ من تبريز قمرُ شمسِ الحقّ والدّين،

لم أعُدْ أبالي بقمر مَهجعِ [مكان النوم] الآمِرِ.

# # #

١٩٩ / ١٦١٦

ـ إذا كنتُ أصفِّق بيدَيّ، فلستُ منَ المصفّقين؛

لستُ من هذا ولا من ذاك، أنا من تلك المدينة العظيمة.

ـ لستُ من أجل الزّمْر والقِمار، لستُ من أجل الخمر والعُقار،

لستُ خميرًا ولا خُمارًا، لستُ كهذا ولا كذاك.

ـ وإذا كنتُ ثملاً وخرابـًا، فلستُ ثمِلاً بالشّراب مِثلَكْ؛

لستُ من التّراب، لست من الماء، لستُ من أهل هذا الزمان.

ـ وعقْلُ ابنِ آدم، أيُّ خبرٍ لديه عن هذا التعبير؟ ـ

لأنّني مُتوارٍ عن جُملة العالَم بمائتي حجاب.

ـ لاتسمع هذا الكلام على أنّه منّي، ولامن هذا الخاطر المضيء؛

لأنّني لا أقبلُ ولا آخذُ من هذا الظّاهر والباطن.

ـ وبرغم أنّ وجهَكَ جميلٌ، فإنّ قفص روحك من الخشب؛

فأبعدْ عنّي لكي لا تحترق، لأنّ لساني شُعلة.

ـ لستُ ذا عبير، ولا ذا لَون، لستُ ذا شهرة ولا ذا عار؛

فحاذر سَهْمي المصمي؛ لأنّ الحق قوسي.

ـ لا آخذ خمرة لمّا تتعتّق، ولا أقترضُ من أحد،

لا آخذُ نَفَسـًا وشرَكًا، فهيّا يا حظّي الشّابّ.

ـ أنا مِثْلُ روضة ورْد الجنان، أنا حديقة طرَب العالَم؛

لأنّ روحي منسابٌ في أرواح الرّجال جميعـًا.

ـ قَصْباء (*) سُكّر خيالك تجلبُ لي مُربّى الورْد؛

وفي روضة ورْد الحقائق أنثُرُ الورْدَ ذا المائة بتلَة [ورقة].

ـ عندما أدخلُ روضةَ ورْدِ وِصالِكَ التي تنثرُ الورْد،

أجلسْني لأنّني هدفٌ لميسَمك.

ـ عجبـًا أيُّها العِشقُ، أيُّ قرينٍ أنتَ، أيُّ غريبٍ، أي عجيبٍ !

عندما أمسكتَ بفمي، ذهبَ بياني إلى الدّاخل.

عندما يصلُ روحي إلى تبريز، إلى شمس الحقّ والدّين،

سأوصِلُ إلى النهاية كلّ أسرار الكلام.

# # #

٢٠٠ / ١٦٢١

ـ هناك هَوَسٌ في رأسي لأنّه لا مَيْلَ عندي إلى البشر؛

وهذا الهوسُ يجعلني على حالٍ أكون فيها غافلاً عن نفسي.

ـ مَلِكُ العِشقِ يعطي كلّ لحظةٍ ألفَيْ مملكةٍ؛

أمّا أنا فلا طمعَ لي منه بغير جماله

ـ نطاقُ عِشْقِه وقبّعتُه كافيان لي في الدّنيا والآخرة؛

وماذا يكون لو وقعَ نطاقي؟ ولِمَ الغمّ إذا لم يكن عندي نطاق

ـ في أحَدِ الأسحار حَمَل عِشقُه قلبي المعنّى إلى مكانٍ

تجاوزتُ فيه النّهارَ واللّيلَ، ولم يكن عندي خبرٌ عن السَّحَر.

ـ ألقى سفرٌ روحي في ولاية المعاني [الحقائق]،

يقول الفَلَكُ والقمرُ: «ليس لديّ مِثْلُ هذا السَّفر».

ـ ولو أنّ روحي، بسبب الفِراق، نَثَر الدُّرّ من عينيّ

فلا تظنّ أنّني لا أملك قلبـًا مفعمـًا بالجوهر منه.

ـ أيُّ بائع سُكّر لديّ يبيعُ السُّكّرَ إليّ!

فلَمْ يعتذرْ يومـًا: «امضِ، ليس عندي سُكّرٌ».

ـ وقد أظهرتُ أمارةً من أمارات جماله، لكنّ

العالَـمَيْـن (*) يضطربان، وليس لديّ ميلٌ إلى الاضطراب والشّرّ.

ايْ تبريز، لقد تعهّدتُ بأنه عندما يأتي شمسُ الدّين

سأحني هذا الرأسَ شكرًا؛ لأنه لا شيء عندي غير الرأس.

# # #

(*) - جبة من الصّوف يرتديها الصّوفية [المترجم].

(*) - يوظّف الرّوميّ هنا قصّة الحبّ المعروفة في الأدب الفارسي بين خسرو، أي كسرى، وشيرين حبيبته؛ ثم يجانس بين شيرين هذه و «شيرني» في آخر البيت بمعنى الحلوى [المترجم].

(*) - الخِرقة هي رداء الصوفي [المترجم].

(*) - المهار: العودُ يجعل في أنف الجمل، يجذب به.

(**) - جماعة الإبل، يتلو بعضُها بعضًا.

(*) - يريد الدّنيا والآخرة.

(*) - مزرعة القصب [المترجم].

(*) - الدنيا والآخرة [المترجم].



[ Web design by Abadis ]