ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 القسم ٦

ـ وتلك العينُ هي عينُ العين،

ولا يُفلت منها غيبٌ ولا سِرٌّ.

ـ ولأنّ نظرَها بنور الله،

أيّ شيء يخفى على مثل ذلك النّور؟

ـ وبرغم أنّ الأنوارَ كلّها هي نور الحقّ،

لا تسمِّ أنتَ تلك الأنوار كلّها نورَ الصّمد.

ـ النُّورُ الباقي هو الذي يكون نورَ الله،

أمّا النّورُ الفاني فهو صفةُ الجسم والجسد.

ـ النُّورُ في هذه العَيْن الفانية نارٌ،

ما خلا تلك العَيْن التي كحّلها الحقّ.

ـ نارُه غدت نورًا من أجل الخليل،

وعينُ العقل غدت مِثْلَ عين الحمار في الصفة.

ـ يا ألله، إنّ طائرَ العَـيْن الذي رأى عطاءك

يطير في هوائك.

ـ القُطْبُ، الذي هو فلَكُ الأفلاكِ،

في المرصد بحثـًا عنكَ؛

ـ فإمّا أن تعطيه عينـًا لكي يراك،

وإمّا أن لا تردّه بسبب هذا العيب.

ـ اجعلْ عينَ روحكَ غارقةً بالدّمع كلّ لحظةٍ،

واحفظها من فخّ القَدّ والخدّ.

ـ العينُ نائمة ونفسُك يقظةٌ،

ومِثلُ هذا النّوم كمالٌ ورُشْدٌ.

ـ لكنّ العَينَ النائمة التي لا تجد تعبيرًا] للرُّؤيا [

اطردْها من النّوم، برغم الحسد.

وإلاّ فإنها ستسعى وتجيش

في نار عِشْق الأحد، حتى اللّحْد.

# # #

١٠٦ / ٨٣٨

ـ إلى كلّ مكانٍ يأتي سرُّ الحقّ،

انظرْ كيف أنّ الخَلْق يأتونَ من دون رؤوس ومن دون أقدام؛

ـ بسبب ذلك الذي الأرواحُ كلُّها متعطّشةٌ إليه،

وإلى الظمآن يأتي صوتُ السَّقّاء.

ـ هم رُضّعُ كرَم الحقّ، ويتطلّعون

لكي يروا من أين تأتي الأمُّ.

ـ مفارقون، وينتظرون جميعـًا

من أين يأتي الوَصْلُ واللّقاء.

ـ من المسلمين، واليهود، والنصارى

يأتي كلَّ سَحَرٍ صوتُ الدُّعاء.

ـ رائعٌ ذلك العقلُ الذي يأتي إلى أذُنِ قلبه

منَ السّماء صوتُ «هيّا، تعالَ إلى هنا».

ـ طهِّرْ أذنكَ من الجفاء؛

لأنّ صوتـًا يأتي من السّماء؛

ـ والأذنُ الملوّثةُ لا تسمعُ ذلك الصوت،

وكلُّ مستحق ينال ما يستحقّه.

ـ لا تلوّثْ عينَك بالخدّ والخال،

لأنّ مليك البقاء والخلود آتٍ؛

ـ وإنْ غدتْ ملوّثةً فاغسِلْها بالدّمع،

لأنّ الدّواء يأتي من تلك الدّموع.

ـ وصلتْ قافلةُ السُّكّر من مِصْر؛

وصوتُ الخَطو والأجراس يأتي إلى الآذان.

هيّا، اصمُتْ، فإنّه من أجل إكمال باقي الغَزَل

يأتي مليكُنا المنطيق.

# # #

١٠٧ / ٨٤٢

ـ مرّةً أخرى شمسُ السّعادة صعِدتْ إلى السّماء؛

مرّةً أخرى وصل أمَلُ الأرواح من طريق الرّوح.

ـ مرّةً أخرى بسبب رضاء رضوان فُتحت أبوابُ الخُلد،

وكلُّ روح غطستْ إلى عنقها في حوض الكوثر.

ـ مرة أخرى دخل ذلك الملِك الذي هو قِبْلةُ الملوك،

ومرّة أخرى طلعَ ذلك القمرُ الذي هو أعلى من القمر.

ـ الذاهلون بالسّوداء امتطوا جميعـًا خيولَهم؛

لأنّ ذلك الملِك، الفارسَ الفَذّ، قد دخل في قلب الجيش.

ـ أجزاء التّراب المظلم حارت وذهلت،

إذ سمعت من اللاّمكان: «هيّا، انهضوا، فقد جاء المحشر».

ـ جاء نداء مبهمٌ، ليس من الدّاخل وليس من الخارج،

ليس من اليسار وليس من اليمين، ليس من الوراء وليس من الأمام.

ـ تقولُ: «أيّة جهةٍ تلك؟ » - تلك الجهة هي حيث يكون هناك بحثٌ؛

تقول: «إلى أين أتوجّه؟ » - إلى تلك الجهة التي أتى منها هذا الرأس؛

ـ تلك الجهة التي أوصلت هذا النّضجَ إلى الفواكه،

تلك الجهة التي أعطت الحجر صفاتِ الجوهر؛

ـ تلك الجهة التي جعلت الحوتَ اليابسَ حيّـًا أمام الخضر،

تلك الجهة التي صيّرت يدَ موسى كالقمر الأنور.

ـ هذا الاحتراقُ في قلوبنا صار مضيئـًا كالشّمع،

وهذا الحُكم فوق رؤوسنا غدا كتاج الفخار.

ـ ليس مأذونـًا للرّوح بأن يقول هذا البيان،

وإلاّ فإنّ كلّ كافرٍ سينجو من الكفر.

ـ الكافرُ وقتَ الشدّة يديرُ وجهَه إلى تلك الجهة؛

وعندما يعاني ألـمـًا في هذه الجهة، يؤمن بتلك الجهة.

ـ استمرَّ في الألم لكي يريكَ الألمُ الطريق إلى تلك الجهة،

ومن يرى تلكَ الجهة؟ - ذلك الشخصُ الذي يضطرّه الألمُ.

ذلك المليكُ الأعظم قد أغلق البابَ بإحكام؛

واليومَ ارتدى دَلَق آدميّ ودخل البابَ.

# # #

١٠٨ / ٨٥٤

ـ في مقدور البحر دائمـًا الاستغناء عن السّمك؛

لأنّ السّمك أمام البحر حقيرٌ ضيئل الشأن.

ـ لن تظفر بالسّمك، أيّها الرّوح، مثل بحر القُلْزُم؛

وفي بحر قُلْزُمِ الحقّ سمَكٌ كثير.

ـ البحرُ كالمُرضع، والسّمكُ كالرّضيع؛

دائمـًا الطفلُ المسكين يبكي من أجل الحليب.

ـ وبرغم هذا الحياد كلّه، إن كان للبحر ميلٌ إلى السّمك

رحمةً، فإنّ هذا فضلٌ كبير؛

ـ وذلك السّمك الذي يعرف أنّ البحر طالبٌ له،

تكون قدمُه، افتخاراً، فوق الأثير.

ـ ذلك السّمكُ الذي، برغم أنّ البحر لا يؤدّي عملَه أحدٌ،

يكون رأيُه مشيرًا لذلك البحر.

ـ يمكن أن تقول إنّ ذلك السّمك بسبب العناية الكبيرة سلطانٌ،

وذلك البحرَ الذي لا نهاية له وزيرٌ له.

ـ وإذا تجرّأ أحدٌ على أن يسمّيه سمكـًا،

فإن كلَّ قطرةٍ بقهره تكون كالسّهم.

ـ إلى متى تتكلّم رمزًا؟ - ورمزك يبعث الحيرة؛

أبنْ على نحو أكثرَ وضوحـًا، لكي يغدو القلبُ بصيرًا.

ـ شمسُ الدّين المخدوم سيّدٌ وعظيم أيضـًا،

لأنّه بفضله أرضُ تبريز مسكٌ وعبير.

ـ ولو أنّ أشواك العالم رأت ألطافَه،

لصارت في النعومة واللّطافة كالحرير.

لا كان لي روحٌ إن كان لروحي أن يظلّ

بعد تذوّق شرابه والسُّكْر بجماله مُدْركِـًا لنفسه.

# # #

١٠٩ / ٨٦٢

ـ لم يبق لُطفٌ لم يُسْدِه ذلك الصّنمُ] الحبيب [الفتّان؛

فأيّ جريرةٍ لنا إذا لم يعاملْكم بإحسان؟ !

ـ وأنتَ تُشنِّع لأنّ ذلك المعشوق قد جفا،

فمن رأى في الدّارين جميلاً لم يكن منه جَفاء؟

ـ عِشقُه سُكّرٌ كافٍ إذا لم يُعطِ هو السّكّر؛

وحُسْنُه كلُّه وفاء إذا لم يكن منه وفاء.

ـ أرني منزلاً ليس مملوءًا بالمصابيح منه؛

أرني صُفّةً لم يملأها وجهُه بالصّفاء.

ـ هذه العينُ وذلك المصباح نورانِ، كلٌّ منهما قائم بنفسه؛

وعندما يجتمعان لا يكون في وُسْع أحدٍ أن يُباعد بينهما.

ـ عندما فنيت الرّوحُ في التأمّل، قالت هذا:

«لم يتأمّلْ جمالَ الحقّ إلاّ الحقّ».

ـ كلُّ واحدٍ من هذه الأمثلة بيانٌ ومغلطةٌ؛

فبسبب الحسَدِ فقط سمّى الحقُ وجهَه «والضُّحى».

شمسُ وجْه مفخرة تبريز، شمس الدّين،

لم تسطعْ على فانٍ إلا أكسبته البقاء.

# # #

١١٠ / ٨٦٤

ـ همست النارُ أمسِ الأوّل في أذنِ الدُّخان:

«لا يصبر عنّي العودُ ومعي يكون سعيدًا

ـ هو يعرفُ قدري ويقدّم إليّ الشّكْر،

فقد أدرك هذا العودُ أنّ في فَنائه فائدةً.

ـ وقد رُبط العودُ وقُيِّد من رأسه إلى قدمِه؛

وفي إطلاق سراح العَدَم تُحَلّ هذه العُقدُ.

ـ أهلاً ومرحبـًا، أيْ حبيبي الآكلَ للّهيب،

أيْ فانيَّ وشهيدي ومفخر شهودي»

ـ انظر كيف أنّ السّماء والأرض رهْنُ الوجود،

ففِرَّ إلى العدم من عمى الأوّل وزرقة الآخر.

ـ كلُّ روح يفرُّ من الفَقْر والعَدَم

هو نحسٌ فارٌّ من الرّخاء والسُّعود.

ـ ومن دون المحْو لا يكون الشخصُ مستفيدًا من لَوْحِ العَدَم،

فألقِ الصُّلحَ بيني وبين المحو يا ودود.

ـ وذلك الترابُ المُعتم إذا لم يَفنَ عن نفسه

فلن يدخل في الزّيادة ولن يتحرّر من الرّكود.

ـ مادامت النّطفة نطفةً، ولم تغدُ ممحوّةً من المنيّ،

فلن تظفر بالقدّ الشبيه بالسّرْو ولا بجمال الخدود.

ـ وفي المعدة عندما يحترق ذلك الخبزُ والإدامُ

يغدو عندئذٍ عقلاً وروحـًا وحسرةً للحسود.

ـ والحجرُ الأسودُ إذا لم يفنَ عن نفسه

لن يغدو ذهبـًا وفضّةً ولن يجد طريقه إلى النقود.

ـ الذِّلّةُ والعبوديةُ أوّلاً ثم بعدئذ الملِكيّة،

وفي الصلاة يقفُ الناس أوّلاً وبعدئذ يأتي القعود.

ـ وقد جرّبتَ، على امتداد عمرك، وجودَك،

فعليك أن تُجرِّب مرّةً واحدةً العَدَم.

ـ وأُبهةُ الفقر والفناء وخُيلاؤهما ليستا تفاخرًا فارغًا

فحيثما كان دخانٌ، فإنّه لا يكون من دون نار.

ـ إذا لم يكن سِرُّنا وهوانا للعشق،

فأنّى له أن يختطف قلبنا وعمامتنا من اللّغو؟

ـ هاقد جاء العِشق وهو يجذبُنا من آذاننا

كلَّ صباح نحو مدرسة «يوفون بالعهود».

ـ وقد غططتَ في النوم وماءُ الخضر يتدفّق عليك؛

فانهض من غفوتك، وتناولْ كأسَ الخلود.

دَعِ العشق يخبرْك عن بقيّته مُخْفِيـًا ذلك عنّي؛

وكنْ من أصحابِ الكهف الذين همْ أيقاظٌ وهم رقودٌ.

# # #

١١١ / ٨٧٤

ـ بدا المعشوقُ نائمـًا فقلتُ للبستان:

«هيّا أسرعْ، فقد سرقتُ خوخة». لم يكن المعشوقُ نائمـًا على الحقيقة.

ـ ضحك وقال: «أنّى يكون سهلاً على الثعلب بما أوتي من مَكْرٍ

أن يختطف الصَّيدَ من يد الأسود؟ !»

ـ مَنْ يحلب السّحاب؟ ! ومن يصل إلى هناك؟ !

إلاّ إذا أظهر السّحابُ بنفسه الجود.

ـ كيف يستطيع المعدوم أن يأتي إلى الوجود؟ !

فضلُ الله هو الذي يعطي المعدومَ وجودًا.

ـ اجلسْ مِثْلَ المعدوم، لأنّه في الصلاة

لا يسلِّم الإنسانُ إلاّ في القعود.

ـ فبالتواضع يهزم الماءُ النارَ،

لأنّ النارَ قائمةٌ والماء في سجود.

عندما تصمتُ الشّفةُ يغدو للقلب مائةُ لسان؛

فالزمِ الصّمتَ، فكم تريد أن تجرّبه؟

# # #

١١٢ / ٨٨٠

ـ جاء الصُّبحُ وامتشق صفيحتَه المصقولة،

ومن السّماء طلع الكافورُ الأبيض] الفجر [.

ـ وقد مزّق صوفيّ الفلَك خرقتَه وشاله الأزرق

حتى موضع السُّرّة عمْدًا.

ـ وبعد الهزيمة، أنزل روميُّ النهار، عندما ظفر بالقوة،

زنجيَّ اللّيل عن كرسيّ المُلْك.

ـ ومن تلك الجهة التي وصل منها تُركيُّ السّرور وهنديّ الغمّ

هناك مجيء وذهاب دائمان، والطريق غير واضح.

ـ ياربّ، إلى أين فرَّ جيشُ مَلِك الحَبَش؟

ومن أين وصل على حين غِرّة جيشُ قيصر الرّوم؟

ـ مَنْ في مقدوره أن يلتقط عبيرَ هذا الطريق غير المرئيّ المعمّى؟

إنّه ذلك الذي احتسى من شراب عِشق الأزل، أو ذاقه.

ـ اللّيلُ حيرانُ في شأن مَنْ سوّد وجهه،

والنهارُ حيرانُ في شأن ذلك الذي خلقه جميلاً.

ـ والأرضُ حائرةٌ في أمر كيف صار نصفُها عشبًا،

والنصف الآخر آكلاً للعشب، ويرعى منه] العشب [دائمـًا.

ـ صار نصفُها آكلاً، ونصفٌ قابلاً للأكل،

نصفٌ حريصـًا على الطهارة، ونصف آخر نَجِس.

ـ اللّيلُ مات وعاد إلى الحياة ثانيةً؛ إنها حياةٌ بعد موت.

أيُّها الغمُّ، اقتُلْني؛ لأنّني الحُسَينُ، وأنتَ يزيد.

ـ وقد عقد الجوهرُ مَزادًا، قائلاً: «من يشتري هذا؟ »،

لم يكن لدى أحدٍ ثَمَنٌ؛ وهكذا اشترى الجوهرُ نفسَه من نفسه.

ـ أيها الساقي، اليومَ صِرْنا جميعـًا أضيافَك،

وكلّ ليلةٍ صارت بسببك ليلةَ القدرْ، وكلُّ يوم صار يوم العيد.

ـ قدِّمْ من جامِك] كأسك [خمرةَ «يُسْقَونَ من رحيق»؛

ذاك لآنّ القلق لا يوقفه سوى العِشرة الجديدة.

ـ الدّاعرون ذوو القلوب العطشى، عندما يشربون الخمرةَ بإسراف،

وعندما لا يُحسّون بأنفسهم، يظفرون بذلك المفتاح.

ـ اتّخذتَ مَقامَك قرب دَنّ الوحدة،

مع نوحٍ ولوطٍ والكَرْخيّ والشّبليّ وأبي يزيد.

هيّا اصمُتْ؛ لأن الرّوح يصفّق بجناحيه من الفَرح،

لكي يجري ذلك الشرابُ في الرأس وفي عروق الرّوح.

# # #

١١٣ / ٨٨٣

ـ ارتدى الكُفْرُ رداءً أسود؛ ووصل نورُ محمّد.

وقُرع طبْلُ البقاء؛ ووصل المُلْكُ المُخلّد.

ـ اخضرّ وجهُ الأرض؛ وشقّتِ السّماء جيوبها؛

وانشقّ القمرُ من جديد، ووصلَ الرّوحُ المجرّد.

ـ مُلئت الدّنيا سُكّراً؛ وعقدت السّعادة نطاقها؛

فانهضْ؛ لأنّ ذلك القَمَريّ الخدّ وصَلَ من جديد.

ـ والقلبُ، مثل الأسطرلاب، صار آية للسموات السّبع؛

وشَرْحُ صدْر أحمد (*) وصَلَ في سبعة مجلّدات.

ـ وفي ليلةٍ اقترب العقلُ المقيَّدُ من سلطان العشق،

فقال: «وصلتِ النفسُ المقيّدةُ إلى إقبالِكَ وفضلك».

ـ مضى رسولُ قلوبِ العشّاقِ منطلقـًا كالقلَم؛

ووصلت البُشرى حُلوةً كالسُّكّر إلى قلب الورق.

ـ إلى متى ستصبرُ الأرواحُ الطاهرةُ تحتَ التراب؟

فهيّا، انهضوا من لُحودكم، فقد وصَلَ النصرُ المؤيّد.

ـ وقد قُرِعَ طبْلُ القيامة، ونُفِخَ في صور الحَشْر؛

وحانَ الوقتُ، أيّها الموتى، ووصَلَ الحشْرُ المجدّد.

ـ «بُعثر ما في القبور، وحُصِّل ما في الصدور» (**)،

وجاء صوتُ الصّور؛ ووصل الرّوحُ إلى مَقْصِده.

ـ اللّيلةَ الماضية حدثت جَلَبةٌ في النجوم؛

لأنّ النجم الأسْعَد قد وصل من جهة النجوم الجميلة.

ـ خَلَعَ عُطاردُ العِذار، وكسَر اللّوحَ والقلَمَ،

وشدّت الزُّهرةُ في أَثَره، ووصلت ثمِلةً إلى الفَرْقد.

ـ شحُبَ لونُ قُرْصِ القمر، وفرَّ ناحيةَ الأسد؛

قلتُ: «هو خيرٌ» فقال: «وصَلَ السّاقي المتخلّي عن نفسه».

ـ أراد العقلُ في هذه الجَلَبَة أن يُظهر نفسَه،

يظلّ الطفلُ طفلاً، حتى إذا وصل إلى «أبجد».

ـ قُمْ، فإنّ هذا زمانُنا، ومَلِكُ العالَمِ هو ملكنا؛

ومنذُ أن وقع نظرُه على أرواحنا، وصل إلينا العمُرُ المؤبَّد.

ـ والسّاقي من دون لونٍ وتباهٍ صبّ الشّراب جُزافـًا،

فرقص جبَلُ قاف كالجَمَل، ووصل العيشُ المُمدّد.

ـ ومن جديد صاح سليمانُ الرّوح: «مرحبـًا إلى الصّبوح !»

ووصَلَ الصَّرْحُ المُمرّدُ لكي يفتن بلقيس.

ـ وبرغم حسّاد الدّين، وبرغم الشيطان اللّعين،

وَصَلَ كُحْلُ القَلبِ والعين إلى العين المُرْمَدّة.

ومن أجل الغُرَباء وضعتُ قُفلاً على الفم،

فقُم أيّها المطرب وغنِّ: «وصلتِ العِشرةُ السّرمدية»

# # #

١١٤ / ٨٨٨

ـ حملَ ثعلبٌ صغير أليةَ الخروف بعيدًا؛ أكان الأسدُ نائمـًا؟

الثعلب الأعمى والأزرقُ لا يحمل روحَه بعيدًا عن الأسد.

ـ تنحى الأسدُ قَصْدًا؛ وإلاّ فمن يصدِّق هذا،

أنّ الثعلب الأعرج اختطف ألية الخروف من الأسد؟

ـ يقول: «إنّ ذئبـًا أكل يوسف بن يعقوب»؛

حتى أسدُ الفلَك ليس في وُسْعه أن يغرز مخالبَه فيه.

ـ في كلّ لحظة يكونُ إلهامُ الحقّ حارسـًا لقلوبنا؛

فأنّى للشيطان الحسود أن ينتزع الهناءة من قلوبنا؟

ـ جاءتْ يدُ الحقّ ممتدّةً، فلا تخادع كفّ الحقّ؛

كلُّ منْ بَذَر حبّةً في طريق الحقّ حصد الحبّ الكثير.

ـ كلّ من يُهينُك، امضِ، وأسْلِمْ أمرَه إلى الله؛

وكل من يخيفُك، انصرف عنه سريعـًا موليّـًا وجهك شطر الله.

ـ الغُصَصُ والخوفُ والبلاءُ شبكةُ الصّيدِ في يد الحقِّ؛

فالألَمُ يأتي بكَ شادّ ًا إياكَ من أذُنك إلى عتبة الجود.

ـ «ياربُّ، ياربُّ»، صائحـًا، مديرًا وجهك نحو السّماء،

والدّمعُ من عينيكَ جارٍ فوق خدّيك الشاحبين، كالنهر.

ـ والعشبُ الأخضر طالعٌ من الماء فوق قلبك وروحك الخَرِبين؛

والصُّبحُ مزيلٌ النّقابَ «ذلك يومُ الخُلود».

ـ إذا كان رأسُ فرعون قد آلمه الوجَعُ والبلاء،

فكيف يأتي من ذلك العنيد أن يفخر بالألوهيّة؟

ـ وعندما حانت لحظةُ غرقه قال: «أنا أقلّ العبيد»؛

صار الكفرُ إيمانـًا وأبصر، عندما أظهر البلاءُ وجهَه.

ـ لا تُزِل الألَمَ عن الجسد، غطّسْه في قعْر نهر النيّل؛

لكي يغدو جسْمك الشبيه بفرعون طاهرًا من الجحود.

ـ النفسُ أميرةٌ في مِصْر، وأسيرةٌ في قَعْر نهر النّيل؛

فكُنْ مثلَ جبريل فوقه، أخرج الدُّخانَ من العُود.

ـ إنّه عودٌ بخيلٌ، لا يُوصِلُ إليك العبيرَ،

ولن يكشفَ سِرّه حتى يتحمّل النارَ والدّخان.

قال فَخرُ تبريز، شمسُ الحقّ والدّين، هامسـًا:

«العِشْقُ حامضُ الوَجْه إزاءك، فلا ينبغي زيادةُ الخَلّ».

# # #

١١٥ / ٨٩٣

ـ ها قد جاء شهرُ الصّيام، ووصَلَ عَلَمُ السّلطان؛

كفّ يدَك عن الطّعام، فقد وصلت مائدةُ الرّوح.

ـ تخلّص الرّوحُ من الهجران، وقيّد يدَ الطبيعة؛

كُسِر قلبُ الضلالة، عندما وصل جيشُ الإيمان.

ـ وضع جيشُ «والعاديات» يدَه في الغارة،

ومن نار «والمُوريات» وصلتِ النفسُ إلى التأوّه.

ـ كانت البقرة سليمةً، وظهر موسى بنُ عمران؛

وبسببه صار الميّتُ حيّـًا، عندما قُرِّبت قُربانـًا.

ـ الصّومُ كأنه قُربانُنا، وهو الحياة لروحنا؛

فلنقدِّمْ جسدنا كلّه قربانـًا؛ لأنّ الرّوح قد وصلَ ضيفـًا.

ـ الصّبرُ كالسّحاب الحُلْو، تنسكبُ الحكمةُ منه،

ولأنّه كان شهرَ الصّبر، نزل فيه القرآنُ.

ـ عندما تكون النفسُ محتاجةً ينطلق الرّوح إلى المعراج؛

وعندما يُكسر بابُ السّجن، يصلُ الرّوحُ إلى المعشوق.

ـ مزّق القلبُ ستارَ الظّلمة وطار إلى السّماء؛

ولأنّ القلبَ من الملائكة فقد عاد إليهم.

ـ تمسّكْ سريعـًا بالحَبْلِ في بئر الجسد هذه؛

وعند رأس بئر الماء قُلْ: «وصل يوسفُ كنعان».

ـ عندما تخلّص عيسى من الحمار صار دعاؤه مقبولاً؛

فاغسلْ يدَيْكَ؛ لأن المائدة والخِوان قد وصلا من السّماء.

اغسِلْ يدَيكَ وفمَك، لا تأكلْ ولا تتكلّم؛

وابحث عن تلك الكلمة واللّقمة اللّتين وصلتا إلى الصامتين.

# # #

١١٦ / ٩٠١

ـ تمسّكْ بأذيال لُطْفِه، لأنّه سيُفلتُ على نحو مفاجىء؛

ولكنْ لا تجذبْهُ كالسّهم، لأنّه سيُفلتُ من القوس.

ـ ما الصُّوَر التي يلعب بها، وما الحيل التي يدبِّرها !

وإذا كان حاضرًا في الصّورة، فإنّه سيفرّ بطريق الروح.

ـ ابحثْ عنه في السّماء وهو يضيء من الماء كالقمر؛

وعندما تدخل في الماء فإنه سيفرّ إلى السّماء.

ـ ادْعُه من اللاّمكان، وهو يحدّد لك المكان؛

ابحثْ عنه في المكان، يفرَّ إلى اللامكان.

ـ ألا يفرُّ طائرُ ظنّك كالسّهم في الوجود؟

اعلم يقينـًا أنّ اليقينَ يفرّ من الظنّ.

ـ سأفرُّ من هذا وذاك خوفـًا لا مللاً،

لأنّ معشوقي اللّطيف يفرُّ من هذا وذاك.

ـ فارٌّ كالرّيح أنا من عِشق الوَرد، وليس الورْدَ الذي

يفِرُّ من البُستان خوفـًا من ريح الخريف.

ـ هكذا يفرّ اسمُه عندما يرى قصدًا إلى الكلام،

حتى إنك لا تستطيع أن تقول: «سيفرُّ فلانٌ».

سيفرُّ مِنْكَ لدرجة أنك لو رسمتَ صورته

لطارتِ الصورةُ من اللّوح، وفرّت العلامةُ من القلب.

# # #

١١٧ / ٩١٠

ـ أيُّ ملِكٍ هذا الذي يصنع ملِكـًا من تراب،

ومن أجل سائل] مستجدٍ [أو سائلين يجعلُ نفسَه سائلاً !

ـ فبقوله: «اقرضوا اللهَ» يستجدي مثلَ المساكين،

لكي يعطيك مُلْكـًا، ويصنع لكَ متّكأً.

ـ يمرُّ بالميّت، ويعطي للميّت حياةً؛

وينظر إلى الأَلم، فيعطي دواء للألمِ.

ـ عندما يجمِّد الرّيح يصنع من الرّيح ماء،

وعندما يعرِّض الماء للغليان يصنع منه هواء.

ـ لا تنظر إلى الدنيا بشيءٍ من الصَّغار لأن هذه الدنيا فانيةٌ؛

لأنّه في العاقبة سيجعلُها عالَمَ بقاء.

ـ يتعجّب الناسُ من الكيمياء التي تحوّل النحاسَ إلى ذهب،

تأمّلِ النحاس الذي كلّ لحظة يصنع كيمياء !

ـ إذا كان على قلبكَ ألفُ قُفْلٍ فلا تخفْ؛

واطلبْ دكانَ العِشْق الذي يصنعُه الحبيب.

ـ ذلك الذي، من دون قلَمٍ وآلةٍ، يصنع

في بيت الأصنام ألفَ صورةٍ جميلةٍ من أجلنا ـ

ـ صنع من أجْلِنا ألفَ ليلى ومجنون ـ

فأيّةُ صورةٍ هذه التي يصنعُها الحقُّ من أجل الحقّ !

ـ وحتى لو كان قلبُك من حديدٍ، فلا تبْكِ من قَسوته،

لأنّ صيقلَ كرَمِه سيجعلُه مرآةً صافية.

ـ عندما تنقطع عن الأحبّة وتُدفَنُ تحتَ التّراب،

سيجعل من الحيّات والنِّمال رفاقـًا طيّبي اللِّقاء.

ـ ألَمْ يصنع موسى من الحيّة مددًا ومُدافعـًا؟

ألا يصنع كلَّ لحظةٍ وفاءً من خالص الجَفاء؟

ـ انظرْ هذه اللحظةَ داخلَ قبر جسدك،

أيّةَ أخيلةٍ خلاّبةٍ يصنع كلّ لحظة هناك !

ـ عندما تشقُّ صدْرك لا ترى فيه شيئـًا البتّة،

أيمكن لأحدٍ أن يقول لَغْوًا: «أين يصنعها»؟

ـ وقد صار مثلاً قولُهم: «كُلِ العنبَ، ولا تسأل عن البستان»؛

فإنّ الحق يصنع من الحجر مائتي عينٍ للرّضى.

ـ فتّش داخلَ الحجَـر، فلن تجد للماء أثرًا،

إنّه من الغَيْب يَصنع، لا من السُّفْلِ والعُلو.

ـ ومن غير المُحَدّد جاء هذا المحدَّد،

لأنّه من «لا» يصنعُ مائةَ ألفِ قائل: «بلى».

ـ انظرْ إلى نهرَيْن من النّور يجريان من قطعتي شَحْمٍ؛

فلا تعجبْ منه إنه يجعلُ العَصَا حيّةً.

ـ تأمّل هاتين الأذنين؛ أين كهرباء النّطق؟

عجيبٌ أمرُ ذلك الذي يصنعُ من الثُّقب كهرباء !

ـ يعطي البيتَ روحـًا ويجعله سيّدًا؛

وعندما يقتُل السيّد يصنع منه مرّةً أخرى بيتـًا.

ـ وبرغم أنّ صورة السيّد صارت تحت التراب،

يجعل ضميرَ السيِّد وطنـًا للكبرياء.

ـ وفي أعين عُبّادِ الصّورة، رَحَل السيّدُ،

لكنه يصنع للسيّد قَباءً من تصميم آخر.

الزم الصّمتَ، وتحدّث قليلاً بلسان المَدْح والثناء،

لكي يصنع لكَ الحقّ مَدْحـًا وثناءً.

# # #

١١٨ / ٩١٢

ـ يومَ الوفاةِ، عندما يُمشى بتابوتي سريعـًا،

لاتحسب أنّني متألمٌ بسبب مغادرة هذه الدنيا.

ـ لا تبكِ من أجلي ولا تقلْ: «وا أسفاه، وا أسفاه»؛

فستقع في حبائل الشيطان، وذلك سيكون مؤسفـًا حقـًا !

ـ عندما تبصر جنازتي لا تقل: «فراق، فراق»،

فذلك الوقتُ عندي وقتُ الوصال واللّقاء.

ـ عندما تودعني القبرَ لا تقلْ: «وداع، وداع»؛

لأنّ القبرَ حجابٌ يستر اجتماع الجِنان.

ـ إذا رأيتَ النزولَ فانظر إلى الصّعود؛

فأيّ ضرَرٍ في الغروب للشمس والقمر؟ !

ـ يتراءى لك غروبـًا، لكنه شروقٌ على الحقيقة،

واللّحدُ يبدو كالحَبْس، لكنّه خلاصُ الرّوح، على الحقيقة.

ـ أيّةُ بذرةٍ نزلتْ في الأرض ولمْ تَنْمُ؟

فلِمَ تظنُّ هذا الظنّ ببذرة الإنسان؟

ـ أيّةُ دلوٍ أُنزلتْ ولم تخرج ممتلئة؟

ولِمَ هذه الشكوى من الجُبّ لدى يوسف الرّوح؟

إذا أغلقتَ فمَك من هذه الناحية، فافتحه من

تلك الناحية؛ لكي يدويّ صوتُ انتصاركَ في جوّ اللاّمكان.

# # #

١١٩ / ٩٢٠

ـ أبْعدَ العشقُ النّومَ عن عينيّ، والعشقُ يطرد النومَ،

فالعشقُ لا يشتري الرّوحَ والعقلَ بنصف حبّة شعير.

ـ العشقُ أسدٌ أسودُ عطشانُ وشاربٌ للدّم،

ولا يرعى في غير دَمِ قلوب العشاق.

ـ وهو يلتصق بكَ بمحبّة، ويجذبُك نحو الشَّرَك؛

وعندما تقع ينظر إليك من بعيد.

ـ العشقُ أميرٌ طويلُ اليدِ، وشِحْنةٌ لا يهاب،

يُعذِّب، ويخنقُ الأبرياء.

ـ كلّ من يقع في قبضته يبكي مثل السّحاب،

وكلّ من يبتعد عنه يتجمّد كالثّلْجِ.

ـ كلّ لحظةٍ يكسر العشقُ ألف قدحٍ في قطع صغيرة،

وفي كلّ لحظةٍ يخيط ويمزّق ألفَ رداء.

ـ يُبكي ألْفَ عَيْنٍ ويمضي ضاحكـًا،

ويقتلُ ألفَ إنسانٍ، ويعدّهم شخصـًا واحدًا.

ـ وبرغم أنّ السِّيمُرْغ يطير بسعادة في جبل قاف،

عندما يبصر شَرَكَ العِشْق يقعُ ولا يطير ثانيةً.

ـ لم يتخلّص أحدٌ من حبائله] العشق [بالخداع أو بالجنون،

ولم ينجُ عاقلٌ بعقله من أشراكه.

ـ إنّ كلامي مضطربٌ بسبب العشق، وإلا

فقد أظهرتُ لك تلك الطرق التي يسافر فيها؛

أظهرتُ لك كيف يمسك العِشقُ بالأسد،

أظهرتُ لك كيف يصطاد العِشقُ الفريسة.

# # #

١٢٠ / ٩٢٨

ـ منَ الآن سيتحدّث البلبلُ في الحديقة عنّا،

سيتحدّث عن جمال ذلك الحبيب الخالب للألباب.

ـ عندما تقع الرّيحُ في رأس الصّفصاف ويبدأ بالرّقص،

الله وحدَه يعلَمُ ما يقول للهواء.

ـ يفهم الصِّنارُ] الدُّلْب [قليلاً عن احتراق المَرْج،

فيرفع يدَيْن عريضتَين على نحو رائع، ويدعو.

ـ وأنا أسألُ الوَرْد: «منْ أينَ سرَقْتَ ذلك الحُسْن؟ »؛

فيضحك الوَرْد ضحكًا خفيفًا بسبب مايعتريه من خجل، ولكن كيف يفصح؟

ـ وبرغم أنّ الورْدَ ثملٌ، فإنّه ليس خَرِبـًا مثلي،

وسيكشفُ لنا سرَّ النّرجس المخمور.

ـ إذا طلبتَ الأسرارَ، فامضِ وسط السُّكارى،

لأن الرأس الثَّمل يتحدّث عن الأسرار من دون حيَاء.

ـ ولأنَّ الخمرة ابنةُ الكَرْم وأسرةِ الكَرَم،

فقد فتحتْ فَمَ الكيس، وأخذتْ تتحدّثُ عن السَّخاء؛

ـ خاصّةً الخمرة المتعرِّشة من الكريم ذي الجلال؛

التي لا يتحدّث عن سخائها وكرمها سوى الحقّ.

ـ تلك الخمرةُ الجديدة تجيشُ من صَدْرِ العارف،

ومن قعر دَنّ الجسد تدعوك إلى المأدُبة.

ـ ولأنّ الصّدْرَ يعطي الحليبَ، فهو قادر على أن يعطي الخمرة؛

ومن الصَّدْر تحكي عينُه الجارية حكاية رائعة.

ـ عندما يغدو ذلك الرُّوحُ أكثر سُكْرًا يقامِرُ على خِرْقته،

ويضع قبّعتَه، ويتخلّى عن هذا القبَاء.

ـ عندما يشربُ العقلُ الصّهباء الحمراء كالدّم من دون مبالاة،

يفتح فاهُ، ويتحدّث عن أسرار الكِبرْياء.

ـ الزمِ الصّمتَ، فلن يصدّقك أحدٌ؛

فإن النّحاسَ الخسيس لا يزدردُ ما تقولُه الكيمياء.

فاحمل الأنباء نحو تبريز، فَخْرِ الآفاق؛

لكي يُثني عليك هناك شمسُ ديننا (*)

١٢١ / ٩٣٨

ـ عِشْقُك يجعلني ذاهلاً عن أقاربي وخاصّتي؛

لأنّ عشقك قد اقتلع أساسَ العافية؛

ـ لأنّ العشق لايريد سوى خراب الأمور،

لأنّ العِشقَ لا يقبل نُصحـًا من آفةٍ.

ـ فأيّ مكان للمال والسُّمعة الطّيبة والاحترام والأُبّهة؟

ما المنزلُ والأثاث والسّلامة، ما الأهلُ أو الوَلَد؟

ـ عندما يختطف سيفُ العشق روحَ العاشق،

يضع ألفٌ حيواتِهم المقدّسة في الشكر من أجل ذلك.

ـ ماهوى عِشْقِكَ والخوف عندئذ من الخراب؟

أتكون مغلقَ الكيس وتعشق عندئذ تلك الشفة السّكّرية؟

ـ أرجعْ رأسَك إلى الوراء واجلس في زاوية السّلامة؛

فإنّ اليد القصيرة لا تطمح إلى السَّرْو الطويل.

ـ امضِ ‍! في عمرك كلّه لم تحمِلْ رائحةَ العشق؛

ليس لديكَ عشْقٌ؛ هذا عقلٌ راضٍ بنفسه.

ـ ما الصّبرُ واختطافُ الرّداء من الفتنة،

وأنت جالسٌ لترى ما سينزلُ من السّماء في بضعة أيّام؟

ـ دخلت نارُ العِشق وحرقتْ كلّ ما حَولَه؛

ولأنّ كلّ شيء قد احترق، اجلسْ طيّب النفس واضحك بسرور.

ـ خاصّةً عشق ذلك الذي، منذ «ألستُ» حتى الآن،

لم يوجد شخصٌ مثلُه التزم بالنّقاء والطهارة.

ـ إذا قلتَ: «رأيتُه»، فمن أجل الله

افتح عينـًا أخرى وأغلق هاتين العينين؛

ـ فإنّه بسبب هاتين الباصرتين

هلَك آلاف الآلاف مثلي ومثلكَ في العالَميْن كليهما وعموا على الدّوام.

ـ وإذا أتى إلى عيني غيرُ ذلك الجمال

فلتُقْلَعْ عيناي كلاهما بالفأس ‍!

ـ صار بصَرُ الشّجعانِ جميعـًا عاجزًا؛

فكيف يصل الكسولُ إلى جَمال الملِكِ وجلاله؟ ‍!

ـ ليتَ الحقّ مزّق حجابَ الوجود،

كما مزّق عليّ حيدرُ (*) أبواب خيبر،

لكي ترى العينُ كيف أنّ الطبول على امتداد آلاف

السنين، خمسَ مرّاتٍ كلَّ يوم، تُقرع له في تلك الناحية ‍!

# # #

١٢٢ / ٩٤١

ـ اختطف عشقُك التّسبيح وأعطى الشّعرَ والغِناء؛

فصحتُ: «لا حول ولا قوة إلاّ بالله»، وندمتُ كثيرًا، لكنّ قلبي لم يسمع.

ـ وفي يد العشق صِرت منشدًا للغزَل، مصفّقـًا بكفيّ؛

فقد أحرق عِشقُك السُّمْعةَ والخجلَ وكلّ مالديّ.

ـ كنتُ في حينٍ من الدّهرِ عفيفـًا وزاهدًا وثابتَ القَدَم كالجبل:

وأيُّ جبلٍ لم تجذِبْه ريحُكَ كالقَشّ؟

ـ وإذا كنتُ جبلاً فإنّ لديّ صدًى من صوتِكَ؛

وإذا كنتُ قشّـًا ففي نارك أُحوَّلُ إلى دُخان.

ـ عندما أبصرتُ وجودَكَ صِرْت عدَمـًا بسبب الخجل؛

ومن عِشق هذا العَدَم جاء عالَمُ الرّوح إلى الوجود.

ـ وحيثما حَلّ العَدَمُ تضاءلَ الوجـود ـ

فما أروعَ العَدَمَ الذي إذا جاء ازداد بسببه الوجود ‍!

ـ السّماء زرقاء، والأرضُ مثلُ أعمى جالسٍ في الطريق؛

ومن يَرَ قمرَكَ يتحرّر من الأعمى والأزرق.

ـ إنّ مثَلَ روح الوليّ العظيم المتواري في جسد العالم

كمَثَلِ أحمد المُرسل بين المجوس واليهود.

ـ إن يمدحْك إنسان فقد مدَحَ على الحقيقة نفسه؛

فإنّ مادحَ الشَّمس إنما يمدح بذلك عينَيْه.

ـ إنّ مديحَك مِثْلُ البَحْر، ولسانَنا سفينةٌ؛

والرّوح يسافرُ في البحر، وعاقبتُهُ محمودة.

وعنايةُ البَحْرِ عندي مثلُ حظٍّ يَقِظٍ؛

فلِمَ أغتمُّ؛ إذا ما لا بَسَ النُّعاسُ عيني؟

# # #

١٢٣ / ٩٤٤

ـ عندَ صلاةِ المغرب، إذْ تغربُ الشّمسُ،

يُغلَق طريقُ الحواسّ هذا، ويُفتحُ الطّريقُ إلى الغيب.

ـ وعندئذٍ يدفعُ ملَكُ النّوم الأرواحَ أمامَه،

مثلَ الرّاعي الذي يحمي قطيعَه ويحافظ عليه.

ـ إلى اللاّمكان، نحو المرْج الرّوحانيّ،

فأيّةَ مدائن وأيّةَ رياضٍ يُظهر لها هناك ‍!

ـ يُبصر الرّوحُ ألفَ صورةٍ وشكلٍ عجيب،

عندما يمحو النّومُ عنه صورةَ العالَم.

ـ قد تقول إنّ الرّوح كان مقيمـًا دائمـًا هناكَ،

وهو لا يتذكّرُ هذا العالمَ، ولا يزدادُ ملالُه.

وهكذا يتحرّر قلْبُه من الحِمل والعبء

الذي طالما ارتجف بسببه هنا، إذ لا يعضُّه الغمّ.

# # #

١٢٤ / ٩٦٩

ـ تفّاحةٌ صغيرةٌ، نصفٌ منها أحمرُ والنّصفُ الآخرُ أصفر،

تحكي عن الوَرد والزّعفران.

ـ عندما ابتعد العاشقُ عن المعشوق

ازدان المعشوق بمُلاءة الفخر، وتألّم العاشق.

ـ هذان اللونان المتضادّان من هجران واحدٍ

أظهرهما العشقُ على خدّي كلٍّ منهما.

ـ من غير اللائق أن يكون خدّا المعشوق أصفرين؛

والحُمْرة والسُّمْنة عند العاشق غيرُ ملائمتين.

ـ إذا بدأ المعشوقُ بالتفاخر والمباهاة،

تحمَّلْ تفاخرَه، أيّها العاشق، ولا تقاوِمْه.

ـ أنا كالشّوْكِ، سيّدي كالورْد،

فهمـا اثنانِ، في الحقيقة فَـرْد (*)

ـ إنّهُ الشمسُ، إنّني كالظِّل،

منه حَرُّ البقا، ومنّي البَرْد

ـ إنّ جالوتَ بارزَ الطّالوتَ،

إنّ داودَ قدّروا في السَّرْد

ـ وُلِدَ القلبُ من الجسد لكنّه مَلِكُ الجسد،

كما يُولد الرّجلُ من المرأة.

ـ ومرّة أخرى، في القَلْب قَلْبٌ مُتوارٍ،

مثلما يتوارى الفارسُ في الغُبار؛

ـ وإثارةُ الغُبارِ من الفارس،

فهو الذي جَعَل هذا الغُبارَ يتراقص.

ـ ليس شطرنجَ لكي تستخدم فِكَرَك؛

فاقذف حَجَرَك متوكِّلاً على الله، كلاعب النّرد.

إنّ شمس تبريز هو شمسُ القلب؛

وتلك الحرارة مِنه هي التي أنضجت فواكِه القَلْب.

# # #

١٢٥ / ٩٨٢

ـ شِعري يُشبهُ خبزَ مِصر،

إذا مضى عليه اللّيلُ لم تستطع أكْلَه.

ـ فعليكَ أن تأكله طازجـًا؛

قَبْل أن يقع عليه الغُبار.

ـ مكانُه هو الإقليمُ الحارُّ للقلب؛

إذ يموتُ في هذه الدّنيا بَرْدًا.

ـ وكالسّمك يرتجف لحظةً على اليابسة،

ولا تمضي عليه ساعةٌ أخرى حتى تراه قد بَرَد.

ـ وإذا أكلتَه متخيّلاً أنّه طازجٌ،

فعليك أنْ تتخيّلَ صُوَرًا كثيرة.

إنّ ماتشربُه، هو على الحقيقة، خيالُكَ؛

وليس هو حكايةً قديمة، أيّها الرّجل الطيّب.

# # #

١٢٦ / ٩٨٥

ـ تنبّه، فقد حان وقتُ الصّابرين،

حانَ وقتُ الشِّدّة والامتحان.

ـ وفي وقتٍ كهذا تُضاعُ العهودُ،

إذ وصل السِّكينُ إلى العَظْم.

ـ صارت العهودُ والأيمانُ ضعيفةً جدّ ًا،

إذ هدّدت أمورُ الإنسان حياتَه.

ـ ها، أيّها القلبُ، لا تُضعِفْ نفسَك؛

قوِّ قلبَكَ فقد آن أوانُ ذلك.

ـ اضحكْ مِثْلَ الذّهب الأحمر في النّار،

لكي يُقالَ «إنّ ذهبَ المنجم قد جاء».

ـ مشتاقـًا طيّبَ النفسِ امضِ أمامَ سيفِ الأَجَل،

واصْرَخْ: «جاء المِقْدامُ».

ـ كن مع الله والتمس النُّصْرَةَ من جنابه،

فإنّ الأمداد جاءتْ من السّماء.

ـ ياربّ، انفُضْ كُمَّ الفَضْل،

عندما وصل العَبْدُ إلى العتبة.

ـ كالأصدافِ فَتَحْنا أفواهَنا،

لأنّ سَحابَ فَضلِك النّاشر للدُّرر قد جاء.

ـ ما أكثرَ الشّوكَ الجافّ الذي في قلبه

قد صار في حِماك روضةَ ورْدٍ.

ـ وقد أشرتُ إليكَ؛ لأنّه مِنْكَ

جاءت مسَرّاتٌ للقلوب لا إشارة لها.

ـ إنه وقتُ الرّحمةِ ووقتُ العاطفة،

فقد انهالت عليّ ضَرَباتٌ موجعة جدّ ًا.

ـ أيّتُها الأبابيلُ، تنبّهي؛ فقد ألمّ بالكعبة

جيشُ فِيَلةٍ لا حدودَ له.

ـ يقولُ العقلُ لي: «اصمُتْ، كافٍ ‍!؛

فإنّ الله العالِمَ للغيب قد جاء».

ـ صَمَتُّ، يا ألله؛ لكن من دون إرادتي

صَعِد الأنينُ من روحي.

و «ما رَميتَ إذ رميتَ» أيضـًا من الله،

السّهمُ الذي انطلق على نحو مفاجئ من هذه القوس.

# # #

١٢٧ / ٩٩٧

ـ قال أحدُهم: «ماتَ السيِّد سَنائي».

وموتُ مِثلِ هذا السيد ليس بالأمر اليسير.

ـ فليس هو قشّـًا طار مع الريح؛

وليس ماء تجمّد بالبَرْد؛

ـ وليس مِشْطـًا انكسَرَ بشَعْرةٍ،

وليس حبّةً فتّتها التّراب.

ـ كان كنْزَ ذَهَبٍ في حوض التّراب هذا،

فقد عَدَّ الدُّنيا والآخرة مُجرَّدَ حبّةِ شعير.

ـ ألقى قالبَ التّراب إلى التّراب،

وحَمَل روحَ العَقلِ إلى السّموات.

ـ الرّوحُ الثّاني الذي لا يعرف عنه الخلْقُ شيئـًا،

ونحن نُغَالط هنا، أسلمه هو إلى المعشوق.

ـ والخمرةُ الصِّرْفُ المختلطة بالدُّرديّ] العَكَر [،

ارتفعتْ إلى أعلى الدّنّ، وانفصلت عن الدُّرْديّ.

ـ التقى بعضُهم ببعضٍ، أيّها العزيز؛

المَرْغزيّ والرّازيّ والرّوميّ والكُرديّ؛

ـ وكلّ منهم يعود إلى بيته،

فمتى يكون الحريرُ مثلَ البُرْد] المقلَّم [؟

فالزم الصمتَ كنقاط] الحروف [؛

لأنّ الملكَ قد محا اسمَكَ من دفتر الكلام.

# # #

١٢٨ / ١٠٠٢

ـ آهِ، ماذا كان في تلك الشّمعة المنوِّرة

التي أشعلت النارَ في القلب، واختطفتِ القَلْبَ؟

ـ يا منْ أشعلتَ النّار في قلبي،

هاقد احترقتُ أيّها الحبيبُ، فتعالَ سريعـًا سريعـًا ‍!

ـ إنّ صورةَ القلب ليست صورةً مخلوقةً؛

لأنّه من خَدِّ القلب تجلّى جمالُ الحقّ.

ـ وغيرَ سُكّره ليس لي معينٌ،

وغيرَ شفته ليس لديّ ما أنتفع به.

ـ فتذكّرْ ذلك الذي في فجر ليلةٍ من اللّيالي

أطلقَ سَراحَ قلبي هذا من إسار ذُؤابتك.

ـ فيا روحي، منذ أوّل مرّةٍ أبصرتُك

سمع روحي من روحكَ شيئـًا.

عندما شَربَ قلبي الماءَ مِنْ عين مائك

غَرِقَ فيك واختطفني السَّيلُ.

# # #

١٢٩ / ١٠١٨

ـ جاء واحدٌ آخر من ذوي الوجوه الحامضة - أيمكن أن يكون الزّمهرير؟

فاسكُبْ كأسـًا فوق رأسه، أيّها السّاقي، حُلوًا كالسُّكّر.

ـ فأعْطِه خمرةً من البُلْبُلة] الكوز [، أو أرسِلْه في طريقه الآن؛

لأنّه من غير المستحسن أن يكون عفريت بين ذوي الخدود الوردية، أيّها الولد.

ـ أعْطِ الخمرة النبويّة لكي لا يظلّ الحِمارُ في الحِماريّة؛

فمن خمرة عيسى ينمو للحمار جناحانِ حالاً.

ـ وإذا جاء إلى مجلس السُّكارى صاحي القلب فلا تأذن له؛

فإنّك تعرف أنّ السُّكارى في حال السُّكْر يعتريهم الخيرُ والشرُّ.

ـ أيّها الحارسُ، اجلسْ بجانب الباب، ولا تأذن بالدّخول إلى مجلسنا

إلاّ لعاشق متحرّق القلب تأتي منه رائحة احتراق الكبد.

ـ إذا أردتَ يدًا أعطاك قَدَمـًا؛ وإذا أردت قدمـًا وضع رأسـًا؛

وإذا أردتَ أن تستعير مجرفةً أتاك مكانها بفأس.

ـ ومنذ أن غُمِرتُ في الشّراب صِرْتُ من دون خجَلٍ ومن دون قلب؛

والتُّرسُ لايضمن لي السّلامة، وأنا نفسي أمامَ السّيفِ كالتُّرس.

ـ أريدُ مُنشِدًا، ماءَ حياةٍ حيّا؛

ليُشْعِل النّارَ في النوم، ويظلّ ينشد هذا اللّحن حتى السَّحَر.

ـ إذا وجدتَ في جسمي عِرْقـًا واحدًا صاحيـًا، فأخرجْه؛

وإذا لم يكن الرّجلُ أسدًا مُمسكـًا بالحقّ، فعُدّه كَلْبـًا في هذا الطريق.

ـ قومٌ خرابٌ وثملون ومبتهجون، وقومٌ غِلْمانٌ لخمسة وستّة؛

أولئك فريقٌ وهؤلاء فريق، أولئك شيء وهؤلاء شيء آخر.

ـ وقد أكلتُ أكثر من اللّزوم، لأنني أضعتُ التقدير؛

شُدُّوا يدي، شُدُّوا فمي، هذا حفاظُ ذي السَّكَر (*)

تنبّهوا، اجعلوا سُمِّي عسلاً، وأعطوا أذنـًا لأنيني؛

اجعلونا مثلكم فاقدي الوَعْي، وفاقدُ الوعي ينظر إلينا.

# # #

١٣٠ / ١٠٢٣

ـ أمسِ في وقت السَّحَر كنتُ مارّ ًا بالمعشوق الذي قال لي:

«أنتَ ولهانُ ولا عِلْمَ عندكَ، فإلى متى سيستمرّ هذا؟ ‍!

ـ خدّي حَسَدُ الوَرْدِ؛ فهل ملأتَ عينَك

من دَمِ القَلْب بحثـًا عن الشوك؟ ‍!»

ـ قلتُ: «أمامَ قدِّك ليس السَّرْو سوى نبتة صغيرة»،

وقلتُ: «أمامَ خدِّكَ شَمْعُ الفلك مُظْلِمٌ ‍!».

ـ قلتُ: «السماء والأرضُ يُجْعَل عاليهما سافِلَهما بسببك،

فليس عجيبـًا إن لم يكن لي إذنٌ في الوصول إليك».

ـ قال: «أنا روحُك وقلبُك؛ فلِمَ أنتَ حيرانُ؟ !

فلا تنبس ببنت شفةٍ وابقَ باكيـًا أمامَ صدري الفضّيّ».

ـ فقلتُ: «أنتَ مَن سَرَق من قلبي وروحي القرار،

ليس لديّ القُدرة على السُّكون». فقال في الحال:

«أنتَ قطرةٌ من بحري؛ لِمَ تظلّ تتكلّم؟ ‍!

اغرقْ، واملأ روحَ الصَّدَف بالجواهر».

# # #

١٣١ / ١٠٢٦

ـ مرّة أخرى في المنام أعطاني أصلُ الصّحو

أفيونَ الثّورة والشرّ، وجعلني مضطربـًا، مضطربـًا.

ـ وبمائة حيلةٍ أحاول أن أكون غافلاً، أن أجعل نفسي جاهلاً إياه،

ويأتي ذلك البدرُ الكاملُ، وفي يده مثلُ هذه الكاس.

ـ يقول لي: «ألا تقول إلى متى بتلك النظرات الاستجدائية،

مثل أيّ إدْبارٍ] سوء حظّ [عارٍ، ستظلّ تستجدي عند كلِّ باب؟

ـ بهذه الشكوى والسِّباب تكون غلامَ الدَّلَق والإبريق؛

فإذا كنتَ صادقـًا ومحقِّقـًا فلِمَ أنتَ في هذا الجوالق؟

ـ ومن هذه الأشياء التي تلد منكَ يلحق العارُ بالملوك؛

كنتَ مَلَكًا، فلِمَ ينبغي أن تكون هُزْأةً للشيطان؟

ـ من يعرفُ قولَ ما يقوله هو؟ - فإنّ العالمَ ليس زوجـًا له؛

والعالَمُ أعمى والوجودُ أصمُّ عمّا يكشفه وعمّا يخفيه.

ـ ولو كان لي ذلك اللِّسانُ الذي يكشف سرّ الحبيب

لَقفَزَ كلُّ روحٍ سَمعَ، مِنْ هذا المعْبَر.

ـ وبسبب ذلك المعشوق السَّخيِّ القلب كالبحر، حالي في غاية الصعوبة؛

لأنّ الصَّدر خَرِبٌ من ذلك التجوال والكَرّ والفرّ.

ـ ولو حدّثتُ المؤمنين لصاروا جميعـًا كفّارًا حالاً،

ولو حدّثتُ الكفّارَ لما بقي في الدّنيا كافر واحد.

ـ وفي الليلة الماضية عندما جاء خيالُه في المنام سألَ

عنّي تفضّلاً: «كيف حالُك؟ » - قلتُ: «من دونك أنا مضطرٌّ جدًّا»

ولو كان لي مائةُ روحٍ، لصارت مسفوكةَ الدّم بسبب

الحُزْن عليك، أيّها الحبيب؛ وقلبُك حَجرٌ أو شوكٌ أو جبلٌ من مرمر!

# # #

١٣٢ / ١٠٣٨

ـ أسلِّم بأنّ أميرَك لديه ذَهَبٌ بحِمْل الحِمار؛

ولكن من أين لمالِكِ الذّهب خدٌّ كالذّهَب؟

ـ عندما سمعوا أنينـًا من العاشق المهتاج المتحرّق،

طلع الورْدُ ورياضُ الوَرْد من الأرض ليتأمّل المشهد.

ـ هيّا، انزَع عنكَ ثيابكَ حالاً؛ وانزِلْ في هذا الحوض،

لكي تتخلّص من رأسِكَ ومن ضغط العمامة من جديد.

ـ نحنُ أيضًا، مثلك، كنّا ننكر هذه الجَلَبة؛

ثمّ بغمزةٍ واحدةٍ صِرْنا صرعى المعشوق.

ـ فإلى متى تكسِرُ عاشقَكَ منَ الغَيرْة؟ ‍!

فدَع الأمرَ كذلك، لعلّ هذا القلبَ المريض يُصْدِر أنّتين أو ثلاثا.

ـ لا، لا، لاتدعِ الأمرَ كذلك، لأنّه بسبب أنينه المُوجع

لم يبق أهْلُ الأرضِ، ولا الفلَكُ الدّوّار.

ـ واليومَ ليس عجيبـًا أن لا ينكشف

ذلك العالَمُ المستورُ بأمْر السَّتّار.

ـ ومرّة أخرى، هذا القلبُ المجنونُ تحرّر من قَيْده،

وشَقّ زِيقَ قميصه مرّةً أخرى بسبب العشق.

فالصّمتَ! لأنّ الإشارة من سلطان العشق هي هكذا:

«بالصّبر، أمسِكْ واضغطْ عُنَقَ قَلبِك وروحك !»

# # #

١٣٣ / ١٠٤٨

ـ في هذا البَرْد والمَطَر يكون الحبيبُ أجملَ،

الحبيبُ الفتّانُ في الحِضْن والعِشقُ في الرأس.

ـ الحبيبُ الفتّانُ في الحِضْن وأيّ حبيبٍ فتّان ‍!

لطيفٌ وجميلٌ، ودَمِثٌ، ونَضِرٌ، وليّن.

ـ في هذا البَرْد دَعْنا نمضِ إلى حيّه،

فمِثْلَه لـم تلـدْ أمٌّ.

ـ وفي هذا الثّلج دعْنا نقبّل شفتيه؛

فإنّ الثّلج والسُّكّر يجدِّدان القَلْبَ.

ـ لَمْ تبق عندي طاقةٌ، ذهبتُ من اليد،

فقد أُخِذْتُ بعيدًا وأُعِدْتُ من جديد.

وعندما يدخلُ خيالُه في القلب على حين غِرّة

ينخلع القلبُ من مكانه؛ اللهُ أكبر.

# # #

١٣٤ / ١٠٥٣

ـ نورٌ وسْطَ الشَّعَر الأحمر،

أسمى من النظر والوَهْمِ والرّوح.

ـ أتريدُ أن تخيط نفسَك إليه؟

انهضْ إذًا ومزِّقْ حجابَ النفسِ.

ـ ذلك الرّوحُ اللّطيفُ غدا صورةً

ذاتَ حاجبٍ وعينٍ ولونٍ أسمر.

ـ تجلّى الحقّ الذي ليس كمثله شيء

لصورة المصطفى الرسول.

ـ وصورتُه تلك فنيتْ في الصّورة،

وعينُه النّرجسيّةُ مِثْلُ يومِ المحشر.

ـ كلّما نَظَر إلى الخَلْقِ

فَتَح الله مائةَ بابٍ.

وعندما غابت صورةُ المصطفى

أمسَكَ العالَمَ «اللهُ أكبر».

# # #

١٣٥ / ١٠٧٤

ـ لديّ طبعٌ سيّئ؛ أنّني ملولٌ، فاعذرْني.

وأنى لطبعي أن يكون حسَنـًا من دون وجهك الجميل، أيّها الفتّانُ؟

ـ ومن دونك أكونُ مِثْلَ الشّتاء، والخَلْقُ في عذابٍ بسببي؛

وبوجودك أكون مثلَ الرّبيع؛ طَبْعي طَبْعُ الرّبيع.

ـ من دونك أكون من غير عَقْل، ملولاً، وكلّ ما أقوله أعوج،

أنا خجِلٌ من العقل، والعقلُ خجِلٌ من نور وجهك.

ـ ما العلاجُ للماء السيّئ؟ - أن يعود إلى جيحون.

وما العلاجُ للطّبع السيِّئ؟ - رؤية الحبيب من جديد.

ـ أرى ماء الرّوح محبوسـًا في دوّامة الجسد هذه؛

أزيلُ التُّرابَ لكي أصنع طريقـًا نحو البحر.

ـ عندك شَربةٌ تُقدّمها، سِرّ ًا، لليائس؛

لكي لا يتأوّه الآملُ من حسرته.

أيّها القلبُ، لا ترفع عينَك عن المعشوق بقدر

ماتستطيع، سواء أبتعد عنكَ أم اجتذبك إلى حضنه.

# # #

١٣٦ / ١٠٧٨

ـ كلَّ لحظةٍ أظفر من حِضْني برائحة الحبيب؛

فكيف لا آخذ نفسي كلَّ ليلةٍ في حِضني؟

ـ في اللّيلة الماضية كنتُ في حديقة العِشق؛ فجرى ذلك الهوَسُ

في رأسي؛ لاحتْ شمسُه لعيني فبدأ النهرُ بالجريان.

ـ وكلُّ ورْدةٍ ضاحكةٍ تطلُعُ من ضفّة نهر الحبّ

نَجَتْ من شَوْك الوجود وتخلّصت من «ذو الفقار».

ـ والأشجارُ والأعشابُ كلّها كانت ترقصُ في المَرْج،

لكنّها في أعين العامة كانت مقيّدة وعديمة الحركة.

ـ وعلى حين غِرّة دخَل سَرْوُنا من إحدى الجهات،

لكي يدرك الذّهولُ الحديقة ويصفّق الصِّنار] الدُّلْب [بيديه.

ـ وجْهٌ كالنّار، وخمرةٌ كالنّار، وعشق هو النارُ، والثلاثة كلّها رائعةٌ؛

فصار الرّوحُ من النّيران المتمازجة مليئـًا بالأنين، «فأين الفرار؟ »

ـ في عالَمِ وحدة الحقّ لا مكان للتعدّد،

لكنّ العددَ يوجد بالضّرورة في عالّم الخمسة والأربعة.

ـ ويمكن أن تعدّ مائةَ ألفِ تفّاحةٍ حلوة في يدك؛

وإن أردت أن تجعلها واحدةً فاعصِرْها كلَّها معـًا.

ـ مائةُ ألفِ حبّةِ عِنَب ظهرتْ بسبب حجاب القِشر،

وعندما لا يبقى قِشْر، تبقى هناك خمرة الأمير.

ـ ومن دون أن تعدّ الحروفَ، انظر ماهيّةَ هذا النُّطْق في القلب؛

صفاء تامّ (*)، أليست شكلاً مستمدًّا من أصل الأمر؟

شمسُ تبريز جالسٌ مِثْلَ الملِك، وأمامه

أشعاري مصطفةً كالعبيد الطائعين.

# # #

١٣٧ / ١٠٨٣

ـ العقلُ قيْدٌ للمسافرين والعاشقين، يا بنيّ؛

فحطِّم القيدَ، ذاك أنّ الطريق منبسط وواضحٌ، يابنيّ.

ـ العقلُ قيْدٌ، والقلبُ خداعٌ، والجسمُ غرورٌ، والنفسُ حجابٌ؛

والطّريق خفيٌّ أمام هذه الأشياء الثقيلة كلّها، يابنيّ.

ـ إذا خرجتَ من العقل والنفس والقلب ونهضتَ،

فإن هذا اليقين وهذا العيان يظلاّن مشكوكاً فيهما، يابنيّ.

ـ والرّجلُ الذي لا يخرج من النفس ليس برجلٍ، يا بنيّ؛

والعشقُ الذي لا يكون في الرّوح ليس سوى خرافة، يابنيّ.

ـ اجعَلْ صدْرَك هدَفـًا أمامَ سَهْم حُكْمه،

ثم حذارِ، فإنّ سَهْم حكمه في القوسِ، يابنيّ.

ـ والصَّدْرُ الذي جَرَحَهُ ضَرْبُ سَهْم جَذْبه،

على حاجبه ووجهه مائة علامةٍ، يابنيّ.

ـ وحتى لوصَعدتَ إلى السّماء السّابعة مِثلَ إدريس،

فإن عِشْق الحبيب سُلّمٌ رائعٌ جدّ ًا، يابنيّ.

ـ وفي كلّ ناحيةٍ تمضي إليها قافلةُ الفخر والدّلال

انظر العشقَ الذي هو قِبْلةُ القافلة، يا بنيّ.

ـ وقد ألقى عشقُه ظِلاًّ على الأرض مثل شبكة الصّيد؛

وعِشقُه الشّبيهُ بالصيّاد يكون في السّماء، يابنيّ.

ـ لا تسألني عن العشق، لا تسأل أحدًا، اسأل العشق نفسه؛

والعشقُ في الحديث مِثْلُ السّحاب الذي ينثر الدُّرَر، يابنيّ.

ـ والعشقُ لا يحتاجُ إلى تَرْجُمان منّي ومن مائةٍ من أمثالي؛

ففي مجال الحقائق العشقُ ترجمان لنفسه، يابنيّ.

ـ وليس العشقُ من أعمال النّائمين أو الناعمين اللّطيفين،

بل هو صنيعُ الشّجعان والأبطال، يابنيّ.

ـ وكلُّ من أضحى عبْدًا للعاشقين والصّادقين،

هو خسرو] ملِك [وشاهنشاه، وصاحب قِران] حظّ [، يابني.

ـ لا تَدعْ هذه الدّنيا الفتّانة تصرفك عن العشق،

لأنّ هذه الدّنيا الغدّارة تتخطّاكَ، يابنيّ.

ـ وإذا أصبحتْ أبياتُ هذا الغَزَل طويلة في صِلاتها،

فإنّ النَّغمَ قد تغيّر، لكنّ المعنى بقي هو نفسه، يا بنيّ.

حذارِ، أغلقْ فمَكَ واصمُتْ من الآن فصاعدًا كالصَّدف؛

لأنّ لسانَكَ هذا هو على الحقيقة خصْمٌ للرّوح، يابنيّ.

# # #

١٣٨ / ١٠٩٣

ـ اللّيلةَ مَوعِدُ الوصالِ والنِّثارِ للنجوم، نِثارٌ

لأنّ في ناحية السّماء عروسـًا هي البدرُ ابن الأربع عشرة ليلةً.

ـ والزُّهرةُ لا تتسعُ لنفسها بسبب الأنغام اللّطيفة

كالبُلبل الذي يغدو ثمِلاً بالوَرْد في فصل الرّبيع.

ـ انظر الجَدْيَ] نجم القطب [كيف ينظر بدلالٍ إلى الأسد؛

وانظرِ الحوتَ الذي يثير الغبار في عمق البحر.

ـ والمشتري قد أجرى جواده نحو زُحَل الشيخ الكبير،

قائلاً: «استعدْ شبابَك وامضِ، وأئتِ بالبُشرى».

ـ ويَدُ المرّيخ، التي كانت مملوءة بالدّم من الإمساك بالسّيف،

غدتْ مانحةً للحياة كالشمس، ذات الآثار المشرَّفة.

ـ وعندما جاء الدَّلْوُ مملوءًا من ماء الحياة،

تُمْطِر السُّنبُلة (*) الجافة الجواهِرَ منه.

ـ والجوز (**) المليء باللُّبّ لا يخشى الميزانَ والكَسْر؛

وكيف يفِرُّ الحَمَلُ مِنْ أمّه مذعورًا؟

ـ وعندما وصَل سَهْمُ الغَمزة من ناحية القمر إلى قلْب القوس

احترف السَّيْرَ ليلاً، بسبب هَوَسِه به] القمر [، كالعقرب.

ـ وفي هذا العِيد، امضِ، وضَحِّ بثَوْر الفلَك،

وإلاّ فإنّك تكون معوجَّ المِشْيةِ في الوَحْل كالسَّرطان.

ـ هذا الفَلكُ هو الأسْطُرْلاب، والحقيقةُ هي العشق،

وكلُّ ما نقولُه عن هذا، استمعْ إلى معناه.

يا شمسَ تبريز، في ذلك الصُّبح الذي تضيء فيه

يُحوَّل اللّيلُ الدّامسُ إلى نهارٍ ساطعٍ بفضل وجهك الشبيه بالقمر.

# # #

١٣٩ / ١٠٩٦

ـ وضع ذلك المعشوقُ في يدي مِكْنسةً

قائلاً: «أَثِرِ الغبار من البَحْر !»

ـ وبعدئذ أحرق المكنسة في النار

قائلاً: «أخرج المكنسةَ من النار».

ـ وبسبب مانالني من حيرةٍ سجدتُ أمامه؛

فقال: «مِنْ دون ساجدِ، هاتِ سجودًا رائعًا»

ـ آهِ، من دون السّاجدِ كيف يكون السُّجود؟ ‍‍!

قال: «من دون كيفٍ، ومن دون دافع شخصيّ».

ـ حنيتُ رقبتي وقلتُ له:

«اقطعْ رأسَ السّاجد بـ (ذو الفقار)».

ـ وكلّما ضربَ بالسيف نما رأسي،

حتى نما في رقبتي مائةُ ألفِ رأسٍ؛

ـ كنتُ مصباحـًا وكلُّ رأس لي مِثْلُ الفتيل؛

وطار الشَّرارُ في كلّ اتجاه.

ـ طلعتِ الشّموعُ من رؤوسي،

ومن المشرق إلى المغرب مُلئتْ بالقِطَار.

ـ وما المشرقُ والمغربُ في اللاّمكان؟

موقِدُ حَمّامٍ مُظلِمٌ، وحمّامٌ يشتغِل.

ـ أنت، يا من مِزاجُك باردٌ، أين غمُّ قلبك؟ ‍!

إلى متى هذه الإقامةُ مرتاحـًا في هذا الحمّام؟ ‍!

ـ اخرجْ من الحمّام ولا تدخلِ الموقدَ،

تجرَّد من ملابسك وانظر إلى تلك الرّسوم والصُّوَر؛

ـ لكي ترى الرّسوم الخلاّبة،

لكي ترى ألوانَ رياض شقائق النُّعْمان.

ـ وإذا رأيتَ فانظرْ إلى النافذة؛

لأنّ ذلك الحبيبَ الفتّان صار فتّانـًا من خلال انعكاس صورته في النافذة.

ـ الجهاتُ السِّتُّ هي الحمّامُ والنافذةُ هي اللاّمكان؛

وفوق النافذة جمالُ الأمير.

ـ التّرابُ والماء من انعكاس صورته صارا ملوّنين،

وقد أمطر الرّوح فوق الترك والزنجبار.

ـ مضى النهارُ وقصّتي لم تقصُر،

فيا أيّها اللّيلُ والنهارُ اخجلا من حديثه وحكايته.

الملِكُ شمسُ الدّين التّبريزيّ

يجعلني ثَمِلاً، أُعالجُ خُمارًا فوق خُمار.

# # #

١٤٠ / ١١٠٤

ـ ذهبتُ إلى هناك ثمِلاً ثمّ قلتُ: «أيّها المعشوق،

متى جعلتني مجنونـًا، أصْغ ‍!»

ـ فقال: «انظرْ، في أُذني حَلْقة (*)،

صِرْ مرتبطـًا بتلك الحَلْقة مِثْلَ القُرْط».

ـ وسارعتُ بمَدِّ يدي إلى حَلْقته؛

فضربني قائلاً: «كُفّ يَدَك عنّي !

ـ ستظفر بالطريق إلى هذه الحلقة فقط عندما

تغدو دُرّ ًا مَلِكيّـًا في الصّفاء.

حَلْقتي الذهبيّةُ وبعدئذ خَرَزة ‍!

كيف يصعدُ عيسى إلى السّماء على حمار؟ »

# # #

١٤١ / ١١٢٢

ـ جاء الرّبيعُ الضّاحكُ، وجاء رسولُ الحبيب؛

ونحن ثمِلون وعاشقون نال منّا الخُمارُ وليس لنا قرار.

ـ أيُّها الحبيبُ الفتّان، سارعْ إلى البستان،

لا تدع حِسانَ المرج في الانتظار.

ـ ها قد وصَلَ الغُرباء من الغيب في المرج؛

تقدَّمْ فإنّ القاعدة هي: «القادِمُ يُزار».

ـ والوَرْدُ متابعـًا لقدومك جاء إلى رياض الورد؛

ومن أجل لقائك والاحتفاء بك صار الشوكُ ناعِمَ العِذار.

ـ أيُّها السَّرْوُ، استمع، لأنّ السّوسن في شرْح حالك

صار كلُّه لسانـًا على طرف النهر.

ـ البُرْعمُ صار عُقَدًا؛ ولطفُك يحلُّ العُقَد؟

والوَرْدُ تفتّح بفضلك، وهو ينثر بتلاته فوقك.

ـ قد تقولُ إنّها القيامة؛ فقد رفعتِ الرّؤوسَ من التّراب

تلك النباتاتُ التي تعفّنت في الكوانين*، وتلك التي ماتت السنة الماضية.

ـ والبذورُ التي كانت ميتةً استعادت الحياةَ الآن،

والسِّرّ الذي احتفظت به الأرض صار الآن مكشوفـًا.

ـ والفرعُ الذي لديه فاكهةٌ يظلّ يباهي بسبب النشاط،

والجذْرُ الذي ليس لديه شيء من ذلك صار خجِلاً ومستشعرًا العار.

ـ وفي الآخر، فإنّ أشجارَ الرّوحِ ستغدو هكذا أيضـًا،

والشجرةُ ذاتُ الأفرع الجميلة وصاحبة الحظوة ستغدو باديةً للعيان.

ـ وقد قاد ملِكُ الرّبيع جيشه وأعدَّ مؤونته؛

وأمسَكَ الياسمينُ بالتُّرْس، وأمسكَ العُشبُ الأخضر بـ «ذو الفقار»؛

ـ يقولون: «سنقطع رأسَ فلانٍ كالثّوم؛

فانظرْ ذلك عِيانـًا في صُنْع الخالق».

نَعَمْ؛ عندما يَصِلُ مدَدُ نُصْرة الحقّ

يأتي الهلاكُ إلى النّمرود من بعوضة.

# # #

١٤٢ / ١١٢٧

ـ لا تُرْخِ الوترَ، لأنّني سَهْمُك المريشُ بأربع ريشاتٍ،

ولا تُدِرْ وجهَك لأنّني رجُلٌ بقلبٍ واحدٍ، وليس لي رأسان.

ـ مِنْكَ ضرْبُ الحُسام، ومن القلْب والرّوح مائة رضى؛

أنا رجُلُ كلمةٍ واحدةٍ كالقضاء، لستُ رجلَ «إذا» و «ربما» !

ـ وإذا امتشقتَ «ذو الفقار» فأنا ثابتٌ وراسخُ القَدَم،

لا ألوذُ بالفرار كالرّيح، ولا أنطفئ كالشّرر.

ـ سأسْلِمُ الرّوحَ إلى السّيف، ولن أقول: «وا أسفاه»؛

فقد جعلني الحقُّ كالتُّرس لِضَرَبات سيفه.

ـ فيا أيتُها الشّمسُ، اضربي بسَيْفِ ألْقِك رقبةَ اللّيل؛

من أين تأتي ظُلمةُ اللّيالي؟ - مِنْ كير التُّرابِ الكدِر.

ـ الجسَدُ مَعْدِنُ الصَّبْر، والقلبُ معدِن الشُّكْر؛

والرّئةُ مَعدِنُ الضّحك، والكبدُ معدنُ الرّحمة.

ـ أيّها المليكُ، اجعلْ عَرْشك فوق رأسي مثْل القبّعة

لُزّني إلى صَدْرِك كالقَباء الضيّق.

ـ قال أحدهم: «من أين للعشق الصّورةُ واليَد؟ !»

العشقُ هو المَنْبتُ لكلِّ يدٍ وقدمٍ في الصّور.

ـ ألمْ يلعبْ والدُك ووالدتُك لعبة العشق لحظةً؟

وعندما اتّحدا] تزوّجا [أخذ شخصٌ مثلُكَ صورته.

ـ لا تنظر إلى العِشْقِ، الذي من دون يدٍ جعلَ يدك يدًا،

بوصفه من دون رأسٍ ويدٍ؛ انظر إليه على نحو مختلف.

يا من لديكَ عينان تُبصر بهما، اعلَمْ أنّ

لوْنَ الوجوه جميعـًا وماء الأنهار جميعـًا إنما هو شمسُ الحقّ فخرُ تبريز.

# # #

١٤٣ / ١١٣٢

ـ قال: «شفتي الحلوةُ مثلُ السُّكّر أهلٌ لكنز الجوهر».

آه، ليس عندي جوهر. قال: «ليس عندك؟ إذًا اشترِ !

ـ اصنع شبكةَ صيدٍ من أجل جوهري، وإذا لم ينجح ذلك، اقترض.

وقد أخطأتَ المنزلَ، أنت عاشقٌ من دون فضّة وذهب !

ـ ها قد جئتَ إلى القِمار؛ فأحضر كيسـًا مملوءًا بالذّهب.

وإلاّ، فذَرْنا وامضِ، أوقف الغُصَصَ وضروب الإزعاج.

ـ نحن قطّاعُ طريق، نحن ممزّقون للثياب؛

وإذا كنتَ واحدًا منّا، فادخل، واقرع القدح بالكوز واشرب.

ـ نمزّق شباكَ الصّيد كلَّها، نأكلُ المالَ كلّه؛

نحن خيرٌ من الجميع، برغم كلّ أعمى وأصمّ».

ـ وأولئك الذين يشترون الثياب مختلفون عن أولئك الذين يمزّقونها؛

فإن الذين يمزّقون الثيابَ ينتفون سَبَلة (*) كلّ شارٍ للثياب.

ـ وقد نتف موسى الرّوح سَبَلةَ فرعون الجسد؛

لكي يغدو الجسدُ كلُّه روحـًا، لكي يغدو رأسُ كلّ شعرة حيّـًا.

ـ ميِّز المسافرين على طريق عشقهِ بوجوههم المعصفرة؛

واعلَمْ أنّ جواهر العشق هي الدّموع، وأنّ حرير العشق هو دمُ القلب.

ـ ماقيمةُ الوجهِ الأصفر كالذهب؟ - قُلْ: ياقوتُ المعشوق.

وما قيمةُ دمعٍ كالدُّرّ؟ - قل: تلك النظرة.

ـ نحن عبيدٌ لذلك الساقي، وإلى الأبَد باقون؛

عالَمُنا آمنٌ مستقرٌّ، وأبناء العالَمِ عابرون.

ـ كلُّ من وُلِد ماتَ، وأسلَمَ روحَه إلى الملك الموكَّل؛

ولَمْ يُولَد العاشق من أحد، ليس للعشق أبٌ.

ـ إذا لمْ تكن من هذا الوجه، فاجلسْ وراء كالقفا؛

وإذا لمْ تكن القَفا، فتقدّم كالتُّرْس.

تقدّم مِثْلَ تُرْسٍ لا خبَرَ لديه، وانظرْ

كيف أنّ أصحابَ الخبَر لا خبرَ لديهم عن نَظَر ضرب الحبيب.

# # #

١٤٤ / ١١٣٧

ـ كتب الحقُّ حولَ وجه المعشوق

خطّـًا هو «فاعتبروا منه يا أولي الأبصار».

ـ ولأنّ العِشْقَ آكلٌ للناس فعلى الإنسان

أن يجعل نفسَه لُقمةً أمامَ العِشقِ الآكل للنّاس.

ـ أنتَ لُقمةٌ حامضة، وهضمُك بطيء جدّ ًا؛

أمّا الوَليُّ فلقمةٌ حلوةٌ سهلة الهضم كثيرًا.

ـ فهَلْ لك أن تكسر اللّقمة التي هي أنت، لأنّ ذلك الفم ضيّق؛

حتى إنّ ثلاثةَ فِيَلة لا تأكلُك، إلاّ على ثلاث دفعات.

ـ أمامَ حِرصكَ الفيلُ نفسُه لُقمةٌ،

فأنت كالطّير الأبابيل التي جعلت الفيلَ صيدًا لها.

ـ أنتَ مولودٌ من عَدَمٍ، جيء بك بعد قحطٍ طويل؛

وعندك الطّائرُ المسمّنُ، من جهة الغذاء، والعقربُ والحيّةُ سواء.

ـ وصلتَ إلى قِدْرٍ حارّة؛ فتحرق فمَك حينـًا،

وتسوِّد ثيابك وشفاهك وعمامتك حينـًا آخر.

ـ لا تشبعُ البتّةَ، كمعِدة جهنم،

إلاّ إذا وضع الخالقُ الجبّارُ قدَمَه عليك،

ـ مثلما يضَعُ الخالقُ قدَمَه فوق رأس جهنّم،

فتنادي جهنّم: «شبعتُ، كافٍ، ارفعْ قدَمَك !».

ـ يُشْبِعُ الحقُّ أعينَ الأولياء والخواصّ،

فقد تخلّصوا من النفس ومن الحِرْص على هذه الجيفة.

ـ لا يبقى لديهم حِرْصٌ على العِلم والبراعة، ولا حِرْصٌ على الجنّة؛

فإنّ راكبَ الأسد لا يبحث عن حمارٍ أو جَمَل.

ـ فالصّمتَ ! فإنّني لو حَسَبْتُ عطاياه ومِنَنه

لصار يومُ الحساب نفسُه حيرانَ ومندهشـًا بسبب ذلك الحساب.

فتعالَ أنتَ يا فخر تبريز! إنك شمسُ الدّين حقّـًا!

والشمسُ في فلكها الدّائر خادمٌ ذليل لك.

# # #

١٤٥ / ١١٤٠

ـ لا تبحث عن السُّرور عندما يكون مَيْلُ المعشوق إلى الغمّ؛

لأنك صيْدٌ في مخالب أسَدٍ، أيّها العزيزُ.

ـ وحتى لو صَبَّ الحبيب الجصّ فوق رأسك،

فاستقبل ذلك وكأنّه مِسْكُ التّتار.

ـ ولأنّ في داخلك عدوّ ًا متواريـًا،

فإنّه لا دفْعَ لذلك الشّبيه بالكلْب إلاّ بالجفاء.

ـ والشخصُ الذي يطرق اللّبْد (*) بالمِطْرق لايقصد إلى إيذاء اللِّبْد،

بل همُّه كلُّه في إخراج الغُبار منه.

ـ وضروبُ الغُبارِ التي تقع في داخلك مبعثها حجابُ «أنا»؛

ولا مُتخلّص من ذلك الغُبار بضربةٍ واحدةٍ؛

ـ بكلّ الجفاء وبكلّ الضّرْب، شيئـًا فشيئـًا يُصرَف

ذلك من وَجْه القَلْب، في النوم حينـًا، وفي اليقظة حينـًا آخر.

ـ إذا فررتَ إلى النوم، ففي الأحلام سترى

جفاءَ الحبيب وسقطات ذلك الفاعل للخير.

ـ وإنّ بَرْي العُود ليس من أجل إهلاك العُود،

بل من أجل مَصْلحة صحيحة في قلْب النجّار.

ـ ولهذا السّبب فإنّ كلّ شرّ في طريق الحقّ خيرٌ،

لأنّه سيُظهر الإنسانَ صافيـًا آخر الأمر.

ـ تأمّل الجِلْد الذي يظلّ الدّبّاغُ يفركه

بالأشياء القذرة ألفَ مرّة،

ـ حتى تخرج من الجلْد العِلّةُ الخفيّةُ،

برغم أنّ الجلْد لا يعرف شيئـًا عن القليل والكثير.

أنتَ، يا شمس فخر تبريز، لديك حُلولٌ كثيرة؛

فهيّا أسرِعْ، فإنّ لك قدرة عظيمة في الأسرار.

# # #

١٤٦ / ١١٤٣

ـ لو تحرّكتِ الشّجرةُ على قَدَمِ أو جناحٍ،

لما عانتْ من ألمِ المِنشار أو ضربات الفأس؛

ـ ولو لم تسافر الشمسُ على جناحٍ وقدَمٍ الليلَ كلّه

فـأنى للعالم أن يغدو منوّرًا عند السَّحَر؟

ـ ولَوْ لَم يصعد الماء المالحُ من البحر نحو الأفق،

فأنّى لروضة الوَرْد أن تغدو حيّةً بالسَّيْل والمطر؟ !

ـ وإذا ما رحلتِ القطرةُ عن وطنها ثمّ عادت،

صادفتْ صَدَفةً ثمّ صارتْ جوهرة.

ـ ألمْ يسافر يوسفُ عن أبيه باكيـًا،

ألمْ يصل بالسَّفر إلى السّعادة والمُلْك والظّفر؟ !

ـ ألمْ يسافر المصطفى نحو يثرب،

إذ ظفر بالسّلطنة وصار مليكـًا لمائة دولة؟

ـ وأنت، إذا لم تكن لديك قدَمٌ، فاختر السَّفَرَ في نفسك،

مثلما يكون منجمُ الياقوت متقبِّلاً الأثرَ من شعاع الشمس.

ـ فسافرْ من النفس إلى النفس، أيّها السيّد؛

فإنّه بمثل هذا السَّفَر صارتِ الأرضُ مَعْدِنـًا للذّهب.

ـ ومن المرارة والحموضة سافرْ نحو الحلاوة

مثلما تحرّر من المرارة ألفُ نوعٍ من الثِّمار.

اطلبِ الحلاوةَ من الشمس، فخر تبريز؛

لأنّ كلّ ثمرٍ إنما يظفر بالكمال من نور الشمس.

# # #

١٤٧ / ١١٤٤

ـ انظرْ إليّ؛ لأنّني سأكون مؤنسَكَ في القبر

في تلك اللّيلة التي تعبر فيها متجاوزًا الدّكّان والبيت.

ـ ستسمع سلامي في اللّحْد، وسيكون لديك عِلْمٌ

بأنّك لم تكن في وقت من الأوقات محجوبـًا عن عيني.

ـ أنا كالعقل والفِطنة داخلَ حجابك،

وقتَ اللّذّة والسُّرور، ووقتَ الألم والفتور.

ـ وفي الليلة الغريبة، عندما تسمع الصّوتَ مألوفـًا،

ستتحرّر من ضربة الحيّة وتتحاشى وحشة النّملة؛

ـ وخُمارُ العشق سيأتي لقبرك، على سبيل الإتحاف،

بالشّراب والمعشوق والشّمع والكَباب والنَّقْل والبخور.

ـ وفي ذلك الوقت الذي نُشعِلُ فيه مصباحَ العقل،

أيُّ صَخَبِ فَرَحٍ ذلك الذي يظهر من الموتى في القبور !

ـ وسيغدو ترابُ المقبرة مندهشـًا من ذلك الصّخب،

ومن صوت طبْل القيامة، ومن أُبّهة النشور.

ـ مُزِّق الكفَنُ، صُمّت الأذنان هَلَعـًا؛

وما ينفع الدِّماغُ والأذن أمامَ نفخةِ الصُّور؟ !

ـ وأينما نظرتَ رأيتَ صورتي

سواء أنظرتَ إلى نفسك أم إلى ذلك الاهتياج والاضطراب.

ـ فِرّ من الحَوَل، واجعَلْ عينيكَ على خير حال؛

لأنّ العينَ السيّئة في ذلك اليوم ستكون بعيدةً عن جمالي.

ـ إياكَ أن تُخطئني في صورتي البشرية؛

لأنّ الـرّوحَ لطيفٌ جـدًّا، والعشق جدُّ غيور.

ـ وأيُّ مكانٍ للصّورة، إذا صار اللِّبْدُ نَفسُه مضاعفـًا مائة مرّة؟

وإنّ شُعاعَ مرآةِ الرّوح هو الذي يجعل العَلَمَ ظاهرًا.

ـ فاقرعوا الطّبْلَ وتسلّلوا نحو مُطْربي المدينة،

فإنّه يومُ التّطهير لمراهقي طريق العشق.

ـ فلعلّهم طلبـوا الحقّ بدلاً من اللُّقمة والدّرهم،

فلنْ ترى أعمى جالسـًا على حافّة الخندق.

أيُّ بَيْتٍ للغمزاتِ فتحتَ في مدينتنا؟ !

مُغلقَ الفَمِ، أطلقِ الغمزاتِ، كالنّور.

# # #

(*) - إشارة إلى قوله تعالى: (ألم نشرح لك صدرك ( (سورة الشرح الآية ١).

(**) - وردت بالعربية هكذا في الأصل الفارسي [المترجم].

(*) - إشارة إلى شيخ مولانا؛ شمس الدين التبريزي [المترجم].

(*) - حيدر: لقب الإمام عليّ رضوان الله عليه؛ ويؤثَر عنه أنّ والدته هي التي لقّبته بهذا اللّقب. ومعنى حيدر: الأسد [المترجم].

(*) - هذا البيت والبيتان اللذان يليانه بالعربية في المتن الفارسي [المترجم].

(*) - عجز البيت هذا بالعربية في الأصل الفارسي.

(*) - حرفياً: موحّدة اللّون، لا تعدّد فيها للألوان [المترجم].

(*) يريد برج العذراء أو السّنبلة [المترجم].

(**) يريد الشاعر هنا «الجوزاء»، ويعمد إلى ضربٍ من التورية باستخدام ماله علاقة بالجوز والجوزاء [المترجم].

(*) - يريد: صرْتُ عَبدًا مملوكًا [المترجم].

(*) - حرفيًا بهمن ودي، ويقابلان في أشهر السنة الميلادية كانون الأول والثاني تقريبًا [المترجم].

(*) - السَّبَلة: هي ما على الشارب من الشّعَر [المترجم].

(*) - هو الصّوف المُلَـبّد الذي يُتّخذ بسـاطـًا للجلوس عليه، ويسمّى في سورية اللّباد. وطرْقُه ضربُه بالعُود المسمّى المِطرق لتخليصه من الغبار [المترجم].



[ Web design by Abadis ]