ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 القسم ٥

ـ وآمينُه هو الذي يعطي الإنسانَ الذّوق السّرور؛

يجعله ظاهرًا وباطنـًا حلوًا وطيّبـًا كالتّين.

ـ فالذوقُ] سرور النفس [هو الذي في الخير والشرّ يعطي القوّة إلى

اليد والقدم؛ لأنّ هذا الذّوق يزوّج قوّة أشباه رُسْتَم من جسد المسكين.

ـ فبالذّوق يكون المسكين رُسْتَمَ (*)، ومن دون الذّوق يكون رستم غايةً

في الحزن والأسى، وإذا لم يكن ثـمّـة ذوق فكيف يعطي حبيبُ الرّوح التمكين للرّوح؟

أرسلت قلبي في الوقت المناسب، لأنه يعرف كيف

يقطع الطريق سريعـًا، كي ينقل أوصافَ شمس الدين إلى تبريز الوفاء.

# # #

٦٤ / ٥٣٢

ـ لا تكون النصيحةُ من أيّ إنسانٍ مفيدةً للعاشقين؛

ذلك أن العشق ليس من قبيل السيل الذي يستطيع أي إنسان سدّه.

ـ وليس ثـمّـة عاقلٌ يعرف ذوقَ] سرور، نشوة [الثّمِـل،

وليس ثـمّـة صاحبُ إدراك يعرف حالَ قلب من فقد الإدراك.

ـ والملوك سيشمئزّون من الـمُلْـك لو أنهم ظفروا بأثارةٍ

من تلك الخمْرة التي يتعاطاها العشاق في مجلس القلب.

ـ ويودّع كسرى مُلْكَه من أجل شيرين؛

وفرهاد أيضـًا من أجلها يضرب الفأسَ في الجبل.

ـ وينثني المجنونُ عن حلقة العاقلين بسبب عشق ليلى،

وقد ضحك الوامقُ من سَبَلة كلّ مغرور.

ـ ذابلٌ ذلك العمرُ الذي انقضى من دون ذلك الرّوح الطيّب،

ومُنْتنٌ ذلك العقلُ الغافلُ عن تلك الجبنة الطازجة.

ـ وهذه السماء إن لم تكن والهةً وعاشقةً مِثْلَنا،

فستملُّ دورانها وتقول: «يكفيني، إلى متى، إلى متى؟ »

ـ العالمُ مثلُ السُّرناي، وهو ينفخ في كلّ ثقوبه،

ويقينـًا فإنّ كلّ أنّةٍ من أنّاته فيها سُّكّرٌ من تلكما الشفتين الشبيهتين بالسُّكّر.

ـ انظر كيف أنه عندما ينفخ في كلّ كتلة طينٍ وفي كلّ قلبٍ،

يعطي الحاجةَ، ويعطي العِشقَ الذي يزيل الشكوى من الألم.

ـ إذا أبعدتَ القلبَ عن الحقّ، فبمن تربطه عندئذ؟ - أخبرني.

إنسانٌ من دون روحٍ ذلك الذي يقدر على أن يفصل قلبه عن الحق لحظة واحدة.

أكتفي أنا، وصِرْ أنت رشيقـًا، وفي الليل اصعد إلى أعلى

هذا السّطح؛ وأثِرْ صَخَبـًا جميلاً في المدينة، ياروحي، في صوتٍ مرتفع.

# # #

٦٥ / ٥٣٧

ـ جاء ربيعُ العاشقين ليغدو حوضُ التّراب بستانـًا؛

جاء نداء السّماء ليغدو طائر الرّوح متمكّنـًا من الطيران.

ـ والبحرُ أيضـًا يغدو مليئـًا بالجواهر، والسّبخة المالحة أيضـًا تغدو مثل الكوثر،

والحجر أيضـًا يغدو ياقوتاً في المنجم، والجسم كلّه أيضـًا يغدو روحًا.

ـ ولو أنّ أعينَ العاشقين وأرواحهم تُمطر طوفانـًا كالسّحاب،

لكنّ القلبَ في سحاب الجسد يضيء كالبرق.

ـ أتعرفُ لِمَ صارت أعينُ العاشقين كالسّحاب في العشق؟

لأنّ ذلك القمر صار أكثر اختفاء في السحب.

ـ أيّة ساعة سعيدة وضاحكة، عندما أخذت تلك السُّحب تبكي!

ياربُّ، أيّةُ حالٍ مباركةٍ هذه، عندما أخذت تلك البروق تضحك!

ـ مـن مئات آلافِ القَطْر، لا تنزل قطرةٌ واحدةٌ على الأرض،

ولو أنها نزلت على الأرض لصارت جملةُ العالم إلى خراب.

ـ وبرغم أن جملة العالم تصير إلى خراب، فإنّ كلّ خراب بفضل العشق

يغدو مع نوح في السفينة نفسها، ويصير بعد ذلك صديقـًا حميمـًا للطوفان.

ـ ولو سكن الطوفانُ لما دارت السّماء؛

وبسبب ذلك الموج الخارج عن الاتجاه تظلّ هذه الجهات الستّ متحركةً.

ـ فيا أيها الباقي تحت الجهات الستّ، احزنْ ولا تحزن،

فإنّ تلك البذور تحتَ الأرض ستغدو يومـًا مزرعةً للنّخل.

ـ وفي يومٍ من الأيام، سيرفع ذلك الجذرُ رأسه من التراب،

وسيغدو فرعـًا طريّـًا؛ وإذا ما جفّ فرعان أو ثلاثة فإنّ الباقي من فروع الشجرة سيغدو محمّلاً بالحياة؛

ـ وعندما يغدو ذلك الفرعُ الجافّ ناراً، تغدو النارُ فَرِحة كالرّوح أيضـًا؛

وإذا لم يكن ذلك هذا فإنّه يغدو هذا؛ وإذا لم يكن هذا ذلك، فإنه سيغدو ذلك.

هناك شيء أغلق فمي؛ كأنه يقول: «ثمِلٌ وعلى حافة السّطح؟ ‍

كلُّ شيء يغدو حيرانَ بسببه، فذلك الشيءُ يغدو حيرانَ بسببه».

# # #

٦٦ / ٥٣٧

ـ لا يتركني الحبيب أحكُّ رأسي؛

وإنّ هيكل حبيبي هو الذي يضغطني في صدره.

ـ حينـًا يجذبني وراءه مثل قطار الإبل،

وحينـًا يضعني الملِكُ في المقدّمة مثل قائد جيشه.

ـ حينـًا يمصّني كالخاتم المنقوش لكي يضع عليّ خَتْمَه؛

وحينـًا يجعلني حَلْقةً ويربطني على بابه.

ـ يأخذ الدّم فيصنع نطفة، يأخذ النطفة فيصنع خَلْقـًا؛

يقتلُ الخلق ويصوغ عقلاً، ويُعْلِن محشره.

ـ حينًا يطردني بناي كالحمامة من الوطن،

وحينًا يدعوني بمائة رجاء إلى حضرته.

ـ حينـًا يقلّني كالسّفينة في سفر على سطح اليمّ،

وحينـًا يجعلني أعرج ويربطني إلى مرساته.

ـ حينًا يجعلني ماء من أجل طالبي الطهارة،

وحينـًا يجعلني شـوكًا في طريق غير ذوي الحظوة لديه.

ـ الجنانُ الثماني للأبد لم تغدُ منظرًا لذلك الملك؛

فما أسعد قلبي هذا الذي يجعله هو منظرًا له.

ـ لم أغدُ بالشهادتين مؤمنـًا بذلك الجمال للرّوح،

بل أصبحت مؤمنًا به فقط حين صرت كافرًا بنفسي.

ـ كلُّ من دخل في صفّه أمِنَ من تلفِه؛

وقد رأيت السيف في كفّه، فأحرقتُ تُرسي ذلك.

ـ كنتُ مشاركـًا في الجناح لجبريل، كان لي ستمائة جناحٍ؛

والآن إذ وصلتُ إلى صدره، ماذا سأفعل بأجنحتي؟ ‍ !

ـ كنتُ حارسـًا لجوهر روحي أيّـامـًا ولياليَ؛

والآنَ في قعر بحر الجوهر لا أبالي بجوهري.

كم ستستخدمُ من صفات لكي تصفه؟ - إذ لايحيط به

الوصفُ؛ فكُفّ، لعلي أمضي فوق اهتياجي.

# # #

٦٧ / ٥٥٩

ـ الحبيبُ يجذب مِهاري من جديد مِثْلَ الجِمال؛

فإلى أيّ قطار يجذب جَمَلَه الثَّمِل؟

ـ فقد جرح روحي وجسمي، وكسر زجاجتي،

وقيّد عنقي، فإلى أيّ صنيعٍ يجذبني؟

ـ شـصّه يحملني كالأسماك نحو اليابسة؛

وصنّارته تجذب قلبي نحو أمير الصّيد.

ـ ذلك الذي يصنع قطار السّحاب تحت الفلك كالجِمال

ابتغاء أن يسقي الفلاةَ، يجذبني فوق الجبل والغار.

ـ الرّعدُ يقرع طَبْلَه؛ فصار الجزء والكلّ حيَّـيْن؛

وعبيرُ الربيع يسري في قلب الفرع ولُبِّ الورد.

ـ وذلك الذي يجعل ضمير البذرة عِلّةَ الفاكهة

هو الذي يرفع سِـرَّ قلب الشجرة على المشانق.

إنّ لُطْفَ الربيع يَحْطِم ألَمَ خُمار البستان،

برغم أنّ جفاء الشتاء ما يزال يجذب نحو الخُمار.

# # #

٦٨ / ٥٦٥

ـ ياقلبي، اجلسْ قرب ذلك الشخص الذي لديه خبرٌ عن القلب،

وامضِ تحتَ تلك الشجرة التي لديها ورودٌ طريّة.

ـ ولا تذهب في سوق العطّارين هذا في كلّ ناحية كالمتعطلّين،

واجلس في دكان شخصٍ لديه سُّكّرٌ في دكّانه.

ـ وإذا لم يكن لديك ميزانٌ، فإن كلّ واحدٍ يقطع عليك الطريق؛

يزيّن أحدهم العملة المزيّفة، فتظنّ أنت أنّ لديه ذهبـًا،

ـ يُجلسك عند الباب احتيالاً، أي: «إنني آتٍ»،

فلا تجلسْ منتظرًا عند الباب؛ فإنّ لذلك البيت بابين.

ـ لا تأتِ بقصعتك إلى كلّ قِدْرٍ تغلي، ولا تجلسْ ثـمّـة؛

فإنّ كلّ قِدْرٍ تغلي في داخلها شيء آخر.

ـ ليس كلّ قصبةٍ فيها سُكّرٌ، ولا كلّ تحت له فوقُ،

ولا كلّ عين فيها نظرٌ، ولا كلّ بحر فيه جوهر.

ـ فئِنّ، أيها البلبلُ الغِرّيدُ، لأنّ أنين الثّملين

له تأثيرٌ، له تأثيرٌ حتى في الصّخر والحجر.

ـ فنحِّ رأسَك جانبـًا إذا لم يتّسع المكان؛ لأنه إذا

لم يدخل الخيطُ في سَمِّ الخِياط فلأنّ له رأسـًا.

ـ مصباحٌ هذا القلبُ اليقظ؛ فأمسِكْ به تحت ردائك؛

ومُرَّ بعيدًا من هذه الرّيح وهذا الهواء، فإنّ الهواء يعصف به.

ـ فإذا اجتزتَ الرّيحَ صِرْتَ مقيمـًا في العين،

صرتَ رفيقـًا للحليف الذي يسكب ماء على الكبد.

وعندما تجعل الماء على كبدك تكون كالشجرة الخضراء

التي تُثمر فاكهةً جديدة دائمـًا، وتسافرُ داخل القلب.

# # #

٦٩ / ٥٦٧

ـ صنمٌ فتّـانٌ طولَ الليل يُعلّم الزُّهرةَ والقمرَ الحِيَلَ،

وعيناه بِسحْرهما تخيطانِ عيني الفلك.

ـ فاحفظوا قلوبكم، أيّها المسلمون، لأنني في الأحوال جميعـًا

قد اندمجت به إلى حدّ أنه لا يندمج بي قلبٌ.

ـ ففي البدء وُلِدتُ من عشقه، وفي النهاية أعطيتُه قلبي؛

فإنّه عندما تولدُ الفاكهةُ من الغُصن، تُعلَّق بذلك الغُصن.

ـ أفرُّ من ظلّي، لأنّ النور يختفي بوجود الظلّ؛

فأين يستقرُّ في النهاية من يفرّ من ظلّه؟

ـ ورأسُ ذؤابته يقول: «هيّا، أسرع إلى لعبة الحَبْل»،

وخدُّ شمعه يقول: «أين الفراشة، لكي تحترق؟ »

ـ ومن أجل لُعبة الحَبْل هذه تشجّع، وصرْ حَلْقةً؛

ألقِ بنفسك في النّار، عندما يحترق شمعُه.

فإذا أدركتَ سرور الاحتراق فلن تصبر مرّة أخرى على فراق النار،

وإذا أتاك ماء الحياة فلن يثيرك على النار.

# # #

٧٠ / ٥٧٧

ـ قلبي مِثْلُ المحارة، وخيالُ المعشوق هو الدُّرّ؛

والآن أيضـًا لا يتّسع لي المكانُ؛ لأنّ هذا البيت ممتلئٌ به.

ـ وقد شقّ الليلُ شفةً لروحي بسبب حلاوة حديثه؛

وأعجبُ ممّن يقول: «حديثُ الحقّ مُرٌّ».

ـ تأتي الأغذيةُ من الخارج، أمّا غذاء العاشق فمن الباطن؛

يجترّ من داخله ويمضغ؛ لأنّ العاشق مثلُ الجمل.

ـ امضِ خفيفـًا مثل الپرى، وتعرّ من جسمك؛

والعُرْي غيرُ مباحٍ لشخص فيه عُرّ] جَرَب [.

جاء صلاحُ الدّين إلى الصّيد؛ كلُّ الأسود صيْدُه،

أما غُلامُه فذلك الشخصُ المتحرِّر من العالَـمَـيْن.

# # #

٧١ / ٥٨٠

ـ مرّة أخرى أخذتْ رؤوس الثّملين، بسبب السُّكْر، في السّجود؛

أيمكن أن يكون مطربُ الأرواح عزف الموسيقا من السّتارة؟

ـ والمغامرون بالرأس والرّوح مرّة أخرى أخذوا يشغبون

فالوجودُ قد انتقل إلى الفَناء، والفناء دخل في الوجود.

ـ ومرّة أخرى غـدا العالَمُ ممتلئـًا بصوت صُورِ إسرافيل،

وظهر أميرُ الغيب؛ لأنّ الزّاد والمتاع قد جاءت إلى الرّوح.

ـ انظر إلى أجزاء الأرض التي تلقّت حياةً جديدة؛

كلُّ أرضيّتها صارت طهارةً، وكلّ ضرّها صار نفعـًا.

ـ ذلك العالَـمُ لا لونَ لهُ؛ ولكن بسبب بُوتقة النّظر،

فإنّه كالنّور، صدر هذا الأحمرُ والأزرقُ عن الرّوح المختلط الألوان.

ـ نصيبُ الجسد من هذا هو اللّونُ، ونصيبُ الرّوح هو اللذّةُ؛

لأنّ حظّ القِدْر من نار المطبخ إنما هو الدّخان.

ـ فاحترقْ أيها القلبُ، لأنك ما دمتَ نيئـًا لن تأتي منك

رائحة القلب، فمتى رأيتَ إنسانـًا ظفِرَ برائحة العود من دون نار؟

ـ فالرّائحة دائمـًا مع العُود ما ذهبتْ عنه ولا عادت إليه؛

يقول أحدهم: «جاءت متأخرة»، ويقول آخر: «جاءت مبكّرة».

لم يفرّ الملِكُ العظيمُ من الصفوف، لكنّ الخوذة والدّرع

كانا حجابـًا فقط؛ والحجابُ فوق وجهه الشبيه بالقمر خوذةٌ لصدّ ضربات الخلق.

# # #

٧٢ / ٥٨٢

ـ هاقد انقضى كانونُ الأول وكانونُ الثاني؛ فتعالَ، لأن الربيع

قد جاء؛ واخضوضرت الأرض وابتهجت، وقد حان زمان شقائق النعمان.

ـ انظر إلى الأشجار التي تترنّح وتُميل رؤوسها كالسّكارى؛ والصَّبا تتلو

التعاويذ لتظلّ الرّياضُ من دون قرار.

ـ وقال النيلوفر للياسمين: «انظر تلافيفي وتجاعيدي»؛

وقال الزّهرُ للمَرْج: «جاء فضْلُ الفعّال».

ـ وقد ركعَ البنفسجُ عندما انحنى السُّنبلُ خشوعـًا؛

عندما غمز النرجس أنْ: «جاء وقتُ الاعتبار».

ـ ماذا قال ذلك الصفصافُ المترنِّح الذي صار خفيف الرأس

بسبب السُّكْر؟ - وماذا قال ذلك السّروُ الجميلُ القَدّ، ذلك أنه مضى وعاد ثابتَ القدم؟

ـ وقد أخذ الفرشاةَ النقّاشون، الذين روحي ثمِلةٌ بأيديهم؛

لأنّ تصاويرهم الجميلة أعارت الجمالَ للبُستان.

ـ وآلافُ الطّيور الحلوة الأجنحة جلست فوق المنابر،

وأخذت تتلو آيات الثناء والحَمْـد؛ فقد جاء وقتُ الانتشار.

ـ وعندما يقول طائرُ الرّوح: «يا هو» تقول الفاختة:

«أينَ؟ - أين؟ »] كو، كو - بالفارسية [؛ فيقول: «لأنّكِ لم تظفري بالرّائحة، فإنّ نصيبكِ الانتظار».

ـ وقد أُمرتِ الأزاهيرُ بأن تُظهر قلوبها؛

فإنّ من غير المناسب إخفاء القلب عند تجلِّي حبيب الغار.

ـ قالت الوردة للبُلبل: «انظرْ إلى السوسن الأخضر؛

فرغم أنّ لديه مائةَ لسانٍ فإنه صبورٌ وحافظٌ للسِّرّ».

ـ فأجابها البلبلُ: «امضي، وانشغلي بكشف سرِّي؛

لأنّ هذا العشق الذي أتمتّعُ به متهوّرٌ مثلُك».

ـ وقد خفض الصِّنّار وجهَهُ إلى الكَرْمَة: «أيّها السّاجدُ، قُمْ»؛

فأجابته الكرمةُ: «إنّ هذه السّجدة منّي ليست اختياراً.

ـ أنا حاملٌ بتلك الشّرْبة التي تضرب الثّمِلين؛

وإنّ باطني كالنّار، وظاهرك صِنّارٌ».

ـ ظهرَ الزّعفرانُ سعيدًا، وعلامةُ العاشقين على خدّه،

فرَقّ له الوردُ وقال: «آه، هذا المسكين، كم هو بائسٌ !».

ـ وقد وصل هذا الصِّدام إلى سمع التفاح الياقوتيّ الضاحك الوجه

الذي قال للورد: «هو لايعرف أنّ المعشوق يتحمّل طويلاً».

ـ وعندما قدّمَ التّفاحُ ادّعاءه: «إنني أُحسنُ الظنّ

بالمولى»، إلى الامتحان، تقاطر الحجرُ من كلّ مكان.

ـ يرميه أحدُهم بالحجر؛ لو كان صادقـًا لضحك،

فلِمَ لا تضحكُ شيرينُ إذا جاءها نِثارٌ من كسرى؟ !

ـ إنّ إلقاء الحِسان المَدَرَ إنما يعني دعوة العاشق،

وجفاء الحبيب للحبيب ليس أمارةً للنّفور.

ـ فإذا كانت زليخا في تلك اللحظة قدّت قميص يوسف،

فاعلم أنه بالتجميش واللعب كشفتْ سِرّه.

ـ فالتفاحة تأكل الضرب بالحجر ولا تنزل، قائلة: «أنا سعيدة

بأن أكون معلّقةً؛ لأن هذا التشريف بأن أكون معلّقةً في الأعالي قد جاءني، مثل منصور (*).

ـ فأنا منصور المعلّق على فرع مشنقة الرّحمن؛

ومِثلُ هذا التقبيل والعناق قد جاءني بعيدًا عن شفاه القبيحين».

التقبيل محظورٌ؛ فأخفِ قلبك مثل السّنبوسة؛

وفي الصّدر الفظْ سِرًّا الكلامَ الذي لا حصر له.

# # #

٧٣ / ٥٩٥

ـ اليومَ جمالك له سيماء أخرى،

اليومَ شفتُك الشّهْدية لها حَلْوى أخرى؛

ـ اليومَ وَرْدُك الياقوتيّ قد نما من فرعٍ آخر،

اليومَ قدّك السَّرْويُّ له طولٌ آخر؛

ـ اليومَ قمرك لا يتّسع له الفلَك،

وسِكّتُك الشبيهة بالفلك لها اتساعٌ آخر.

ـ اليومَ لستُ أدري من أي جانبٍ نهضت الفتنةُ،

أعرف فقط أنّه بسببها كان للعالم فتنةٌ أخرى.

ـ ذلك الغزالُ الهازمُ للأسد، يظهر من عينيه أنّه

خارجَ العالَميْن] الدنيا والآخرة [له صحراء أخرى.

ـ رحل هذا القلبُ المجنونُ؛ وضاع القلبُ والجنونُ،

لأنّ لديه جنونـًا آخر أسمى من هذا الجنون.

ـ إذا لم تكن للعاشق قدَمٌ طار بجناح الأزل،

وإذا لم يكن له رأسٌ فإنّ لديه رؤوسـًا أخرى.

ـ بحرُ العينين بحث عنه وغدا فارغـًا؛

لم يكن يعرف أنّ بحرًا آخر يحتوي ذلك الدُّرّ.

ـ في العشق، جعلتُ عاليَ العالَمين سافِلَهما؛

فلِمَ فتّشتَ عنه هنا؟ - إنّ له مكانـًا آخر.

ـ يومُ قلبي هو العِشقُ، وغَدُ قلبي هو المعشوق؛

ويومُ قلبي لديه في قلبه غدٌ آخر.

فإذا كان صلاحٌ قد توارى عن الأنظار فلا عجب في ذلك؛

لأنّه بسبب غَيرة الحقّ كلّ لحظةٍ لديه غلامٌ آخر.

# # #

٧٤ / ٥٩٩

ـ أيّها الأحبّةُ الذين تنهضون في السَّحَر، مَنْ ذلك الذي يظفر بالصّبح؟

من يظفر بنا راقصينَ في تلاحمٍ مثل الذرّات؟

ـ مَنْ لديه الحظّ لكي يأتي إلى ضفّة النهر ليشرب ماء من ذلك

النهر، ويظفر أيضـًا بصورة القمر؟

ـ من مثلُ يعقوب، من قميص يوسف يطلب رائحةَ ابنه، ثم يظفر

بدلاً من ذلك بنور بصره؟

ـ أو عطشان مثل أعرابيّ يُلقي دلوًا في البئر،

وفي الدّلو يظفر بحسناء مثل عِدْل السُّكر.

ـ أو مثل موسى يبحث عن نارٍ فيدفعه ذلك إلى أن يمضي

إلى شجرة؛ يأتي ليحمل النار، فيظفر بمائة صبحٍ وسَحَر.

ـ وفي البيت يقفز عيسى لينجو من الأعداء؛

ومن البيت يجد على حين غرّة ممـّرًا إلى السّماء.

ـ أو مثل سليمان يشقّ السّمكة،

وفي بطن تلك السمكة يظفر بخاتم ذهب.

ـ وإذ يأتي عمرُ ممتشقـًا حسامه قاصدًا الرّسول

يقع في فخّ الحقّ، ويظفر بنظر جديد بسبب حُسْن الطالع.

ـ أو مثل ابن أدهم، يندفع نحو غزالٍ لكي يصطاده،

فإذا به يظفر بصيد آخر.

ـ أو مثل محارة عطشى تأتي فاغرةً فاها

لتدخِلَ قطرةَ ماء في جوفها، فتظفر في داخلها بجوهرة.

ـ أو رجل يجمع العَلَف يمضي نحو الخرائب،

ثم على حين غرّة يظفر في الخَرِبة بمعلومات عن الكنز.

ـ أيها السّالك، دع الخرافات، لعلّ صديقًا حميمًا أو غريبًا يظفر

بنور (ألم نشرح (من دون شرحك أنت.

كلّ من يتقدّم خطوةً نحو شمس الدّين صادقـًا،

برغم أنّ قدَمه قد تضعفُ، سيظفر بجناحين من العشق.

# # #

٧٥ / ٦٠٦

ـ أيّها الحبيبُ، السُّكّرُ أحلى أم ذلك الذي يصنع السّكّر؟

أيّها الحبيب، القمرُ أجمل أم ذلك الذي يصنع القمر؟

ـ فدعِ السُّكّرَ ودع الأقمارَ؛

فهو يعرف شيئـًا آخر، يصنع شيئـًا آخر.

ـ وفي البحر عجائبُ غير الجواهر،

ولكن ليس كالسلطان أحدٌ يصنع البحرَ والدُّرر.

ـ وغيرُ الماء هناك ماء آخر ينبع من دولاب عجيب؛

ومن دون نقص ومن دون نوم يعطي قوّة للقلب.

ـ ومن دون العقل لا يمكن إعداد صورة لحمّامٍ؛

فكيف سيكون ذلك العِلمُ الذي يصنع العقل والخِبْرَ؟ !

ـ ومن دون العلم لا تستطيع أن تستخلص الزّيت من الشّحم؛

فانظر إذًا إلى ذلك العِلْم الذي يصنع نظرًا من الشّحم.

ـ الأرواحُ ذاهلةٌ، من دون أكلٍ ومن دون نوم،

بسبب المأدبة العجيبة التي يعدّها وقتَ السّحَر.

ـ فيا أيها السَّحَرُ العجيب، الذي هو حسرةٌ لكلّ قمر، عندما

يجعل يديْه نطاقـًا حول خاصرتي !

ـ يضحك هذا الفلكُ من سَبَلةِ ذلك المفتون؛

ذلك الهُزْأةُ (*) يجعل نفسه حمارًا في سلسلة حمارين أو ثلاثة.

ـ وذلك الحمارُ يُلقي بنفسه في الذّهب كما لو أنه شعيرٌ؛

وهو غافلٌ عن الملِك الذي يصنع من الحجر جوهرًا.

اكتفيتُ، اكتفيتُ، حبستُ الأنفاس؛

فسيتكلّمُ المعشوقُ نفسُه، الذي يصنع من الأذن بصرًا.

# # #

٧٦ / ٦١٥

ـ ذلك العبد المتشرّد عاد، عاد؛

جاء أمامك يحترق ويذوبُ مثلَ الشمع.

ـ ومثل العبهر والقَنْد أيّها الرّوح، ابتسم في وجهه أيّها الروح؛

لا تغلق البابَ أيها الروحُ، لأنه جاء محتاجًا.

ـ وحتى لو أغلقتَ الباب، سيضع رأسَه لحُكمك؛

وقد بدت الحاجةُ على العبد، وبدا الدّلال والتباهي على الملِك.

ـ كلُّ شمعةٍ ذائبة غدتْ ضياء للعين؛

لأن من عانى الذّوبان صار حَرَمـًا للسّرّ.

ـ لو فرّقتُ بين الماء المسمّم والخمرة في يده،

لجاء روحي في طريق الرّوح، واللهِ، مجازاً.

ـ وأنّى لحيوان أن يشرب ماء الحياة لديه؟ !

وأنّى لعينٍ مغمضة أن ترى مُحيّاه؟ !

ـ ها قد عزفتُ عن السّفَر، وأقمتُ مع الحبيب،

وقد أمِنتُ الموتَ؛ لأن ذلك العمر المديد قد جاء.

أيها القلبُ، وأنتَ في هذا النهر كيف تبحث عن الماء؟

وإلى متى ستظلّ تقول: «تعال إلى المأدبة؟ » - فقد حان وقت الصلاة.

# # #

٧٧ / ٦٢٢

ـ لِـمَ ينبغي أن أرقصَ في ضياء شمسه؟

لأنّه عندما ترقصُ الذرّةُ، يمكن أن تأتيه ذكراي.

ـ كلُّ ذرّةٍ صارتْ حاملاً من ضياء وجهه،

وكلُّ ذرّة من تلك اللّذّة تلدُ مائةَ ذرّة.

ـ انظر كيف أنّ الجسم بسبب عِشقِ خفيفِ الرّوح

يدقّ نفسَه ويسحنها في الهاون حتى تغدو ذرّة.

ـ وإذا كنتَ جوهرًا ومرجانـًا فلا تكن سوى ذرّة صغيرة هنا،

لأنه في هذه الحضرة لا تليق سوى الذّرة.

ـ انظرْ جوهرَ الرّوح في صدف هذا الجسم،

كيف يعضّ أصابعه في يد الأسى.

ـ عندما يطيرُ الرّوحُ منك، يعود هذا الجوهر السّجينُ

إلى أصله كالذرّة، تناديه، لكنه لا يأتي.

ـ وبرغم أنّ قيده محكمٌ ويحفر في الدّم،

وبرغم أنه طولَ العمر يمضي في الدّم، لا تتلوّث شعرةٌ منه.

ـ وليس له منزلٌ سوى بئر بابل،

وما لم يغدُ الرّوحُ ساحراً، فإنه لا يستقرّ في مكان.

أي تبريزُ ! إذا أضاء شمس الدّين من بُرجكِ

فإنه حتى السّحابُ يغدو مثل القمر، والقمرُ نفسه يزداد نوره.

# # #

٧٨ / ٦٢٣

ـ الروحُ في كلّ ساعةٍ يذبلُ وينمو أمامك،

فمن أجل روحٍ واحدٍ كيف يمكن لإنسانٍ أن يتحدث معك؟

ـ وفي كلّ مكان تضع فيه قدمـًا ينمو رأسٌ من التراب؛

فمن أجل رأسٍ واحدٍ كيف يمكن لإنسانٍ أن يغسل يديه منك؟

ـ وفي اليوم الذي يطير فيه الروح ابتهاجـًا برائحتك،

يعرف الرّوحُ، ويعرف الرّوحُ أيَّ شذا ينبعث من الحبيب.

ـ وفي اللحظة التي يقلّ فيها خُمارُكَ في الدّماغ،

يصعِّد الرأسُ مائة نوحة، وكلُّ شعرة تئنّ.

ـ ها قد أفرغْتُ البيتَ، لأنني امتلأتُ بمتاعك؛

وأنا أنحُلُ من أجل أن يزداد عشقك ويتضاعف.

إنّ روحي في رَكب عشق شمسِ الحقّ التبريزيّ

يندفع من دون قَدَمٍ مثلَ السّفين في البحر.

# # #

٧٩ / ٦٣٢

ـ لا تيأسْ أيّها الرّوحُ، فقد ظهر الأملُ للعيان،

أمَلُ الأرواح جميعـًا وصَلَ منَ الغيب.

ـ لا تيأس، برغم أنّ مريم قد ذهبت من يدك،

فإنّ ذلك النور الذي جذبَ عيسى إلى السماء قد جاء.

ـ لا تيأسْ، أيّها الروح، في ظلمة هذا السجن،

لأن الملِك الذي استردّ يوسفَ من الحبس قد جاء.

ـ وقد خرج يعقوب من حجاب السّتر،

وجاء يوسفُ الذي كشف أمر زليخا.

ـ أنتَ يامن أمضيتَ الليلَ حتى السّحر تردّد: ياربُّ، ياربّ،

ها قد سمعتِ الرّحمةُ «ياربّ، ياربّ» المصعّدةَ منك، وجاءت.

ـ أيها الألمُ الذي غدا مُزمنـًا، ابتهجْ؛ فقد جاء الشّفاء،

ويا أيها القُفْلُ المحْكم، انفتحْ، فقد جاء المفتاح.

ـ أيُّها الصائمُ عن مائدة العُلا،

أفطِرْ فَرِحـًا فرِحـًا؛ فقد جاءت غُرّةُ العيد.

اصمُتْ، اصمُت، لأنه بأمر «كُنْ»

فاقتْ سَكْتة الحَيرة كلّ كلام.

# # #

٨٠ / ٦٣٧

ـ موتوا الآنَ، موتوا الآنَ، في هذا العشق موتوا؛

فعندما تموتون في هذا العشق، ستتلقّون جميعـًا روحـًا جديدًا.

ـ موتوا الآن، موتوا الآنَ، ولا تخشوا هذا الموتَ؛

لأنكم ستخرجون من هذا التراب، وتمسكون بالسماواتِ.

ـ موتوا الآنَ، موتوا الآنَ، واقطعوا الصّلة بهذه النّفْس؛

لأنّ هذه النَّفْس مثل القَيْد، وأنتم مِثلُ الأسرى.

ـ خذوا مطرقةً لتحفروا السّجن؛

فعندما تحطّمون السِّجنَ ستكونون جميعـًا ملوكـًا وأمراء.

ـ موتوا الآنَ، موتوا الآنَ أمام المليك الفتّان؛

فعندما تموتون أمام المليك، ستكونون جميعـًا ملوكـًا وأصحاب شهرة.

ـ موتوا الآنَ، موتوا الآنَ، واخرجوا من هذا الغَيم؛

فعندما تخرجون من هذا الغيم، ستكونون جميعـًا بدورًا منيرة.

اصمتوا، اصمتوا، فالصّمتُ علامةُ الموت؛

فإنّه بسبب الحياة أيضـًا تفرّون من الصّامت.

# # #

٨١ / ٦٣٩

ـ ذهبَ الملولونَ جميعـًا، فأغلِقوا بابَ البيت؛

فاضحكوا كلُّكم أجمعون من ذلك العقل الملول.

ـ واصعدوا بالمعراج؛ لأنكم من آل الرسول؛

قبِّلوا وَجْهَ القمر، لأنكم فوق سطح عالٍ.

ـ فإذا كان هو قد شقّ القمر، فلِمَ تكونون أنتم غيمـًا؟ ـ

وإذا كان هو مَرِحـًا وظريفـًا فكيف تكونون أنتم عاطلين عن العمل؟

ـ أيّها الملولون، لمَ انصرفتم؟ - لأنكم لم تشقّوا الجبلَ في لحظة

مثل الرجال الحقيقيّين في هذا الطريق كفرهاد وشدّاد.

ـ ولأنكم لستُم قَمَريّي الوجوه، لا تديروا وجوهكم عن القمريّي الوجوه؛

ولأنكم غيرُ متألمين، لا تعصبوا رؤوسكم.

ـ هكذا صار، ومثل هذا صار؛ وهكذا لا يأتي صحيحـًا؛

لا تعرفوا كيف أنتم، لا تعرفوا كم عِدّتُكم.

ـ وإذْ رأيتُم تلك العينَ، لِـمَ لم تُصبحوا ماء؟ !

وإذ رأيتُم تلك النفسَ، لِمَ استحسنتُم أنفسكم؟ !

ـ وإذْ نبتُّم في قصب السّكّر، لِمَ تكونون حامضي الوجوه؟ !

وإذ أنتم في ماء الحياةِ، لمَ تكونون جافّين وذابلين؟ !

ـ لا تجادلوا كثيرًا، ولا تفرّوا من الهناءة،

أيّة إمكانية للفرار وأنتم في شبكة الصّيد.

ـ أنتم أسارى شبكة الصيد التي لا أمانَ لها البتّة،

لا تلفّوا لا تلفّوا، لا تحكّوا على الوشيعة.

ـ وكالفراشة المضحّية بنفسها احتكّوا بهذا الشمع؛

لِمَ أنتم موقوفون للرّفيق؟ لِمَ أنتم مرتبطون بالسّلسلة.

ـ احترقوا بهذا الشمع، أشعلوا القلب والرّوحَ،

ارتدوا جسدًا جديدًا عندما تطرحون هذا القديم.

ـ لِمَ تخشون الثعلبَ، وأنتم من أرومة الأسد؟

لِمَ تكونون حميرًا عُرْجـًا، وأنتم من أصلاب الجياد السّريعة؟

ـ يأتي الحبيبُ نفسُه، فينفتحُ بابُ السّعادة؛ لأنّ

ذلك الحبيب مفتاحٌ؛ وأنتم جميعـًا أقفال.

اصمتوا، لأنّ الكلام قد ابتلعكم؛

المشتري مثلُ الببغاء، وأنتم قصب السّكّر.

# # #

٨٢ / ٦٤٥

ـ منذُ أن غدت صورتُك قعيدةَ بيتِ صدورنا،

صار كلُّ مكانٍ نقعد فيه كالفردوس الأعلى.

ـ وتلك الفِكَر والخيالات التي كانت مثلَ يأجوج ومأجوج،

كلٌّ منها صار كطَلْعة الحورية وكالدّمية الصينية.

ـ وتلك الصورةُ التي بسببها ينوحُ الرّجالُ والنساء جميعـًا،

إذا كانت يومـًا «بئسَ القرين»، فقد صارت الآن «نعمَ القرين».

ـ وفوق الجميع طلع بستانٌ، وتحتَ الجميع كنزٌ،

فأيُّ شيء أنتَ، حتى صار العالمُ بسببك على هذه الصورة؟

ـ منذ اليوم الذي رأيناه فيه نزداد يوميّـًا؛

والشوكُ الذي بحث عنه صار يقينـًا روضةً من رياض الورد.

ـ وكلّ حِصْرم صار بفضل الشمس عنبـًا ناضجـًا ممتلئـًا بالسّكّر؛

وذلك الحجرُ الأسود أيضـًا صار بفضلها ياقوتـًا ثمينًا.

ـ وكثيرٌ من الأرَضين صار بتفضيل الحقّ إياه سماء،

وكثيرٌ من الأيدي اليُسرى صار بكفّ الإقبالِ أيديـًا يُمنى.

ـ وإذا كان مرّةً ظلمةً للقلب، فقد صار الآن نافذةً للقلب؛

وإذا كان مرّةً قاطع طريق للدّين، فقد صار الآن قدوةً للدين.

ـ وإذا كان جُبَّ الابتلاء الذي كان مَحْبسَ يوسف،

فقد صارَ حَبْلاً متينـًا من أجل انتشاله.

ـ كلّ جزء مثل «جُنْد الله» خاضعٌ لأمر الله؛

فقد صار أمانـًا لعَبْد] الله [، كمينـًا للكافر.

ـ فالصّمت ! لأنّ كلامك مِثلُ النِّيل؛

على القبط مثلُ الدّم، وعلى السِّبط كالماء المعين.

الصّمت ! لأنّ كلامك تينٌ ناضجٌ،

ولكنْ ليس كلُّ طيرٍ من طيور الجوّ مناسبـًا للتّين.

# # #

٨٣ / ٦٥٠

ـ وقتَ السّحر بدا قمرٌ في السّماء،

نزل من السّماء وأخذ ينظر إليّ.

ـ ومِثْلَ بازيّ اختطف طائرًا أثناء الصّيد

اختطفني ذلك القمرُ وانطلق فوق السّماء.

ـ وعندما نظرتُ إلى نفسي لم أرَ نفسي؛

لأنّه في ذلك القمر صار جسمي من اللّطف مِثْلَ الرّوح.

ـ وعندما سافرتُ في الرّوحِ لم أرَ سوى القمر،

حتى بانَ سرُّ تجلِّي الأزلِ كلُّه.

ـ وقد غابت تسعة كواكب الفَلَك في ذلك القمر،

وسفينةُ وجودي كلّه توارتْ في البحر.

ـ وقد ماج ذلك البحرُ وطلَعَ العقلُ من جديد

وألقى صوتـًا؛ هكذا حدَثَ، وهكذا صار.

ـ وقد أزبدَ ذلك البحرُ، وفي كلّ فقاعة زبد

ظهرتْ صورةٌ لفلانٍ، وتشكّل جسمٌ لفلان.

ـ وكلّ قطعة من زبَد الجسم، من تلك التي ظفرتْ بعلامةٍ من ذلك البحر،

ذابت حالاً وصارت روحـًا في ذلك البحر.

ومن دون الحظّ الملِكيّ لشمس الحقّ التبريزيّ

لايمكن الإنسانَ أن يرى القمر، ولاأن يصير البحر.

# # #

٨٤ / ٦٥٧

ـ أيها الطّيورُ، الذين تنفصلون الآنَ عن قفصكم،

أظهروا وجوهكم ثانيةً، وقولوا أين أنتم.

ـ هاقد توقّفت سفينتكم فوق هذا الماء محطّمةً؛

يا مَنْ لكم صفةُ الأسماك، اظهروا لحظةً من هذا الماء.

ـ أتحطّمَ القالبُ وانضمّ ذلك الحبيبُ؟

أم ضاعت أحبولةُ الصيّد من اليد، وابتعدتُم عن الصّيد؟

ـ أأنتم اليومَ حطبٌ لنار أنفسكم؟

أم ماتتْ ناركم، وأنتم نورُ الله؟

ـ أصارتْ تلك الرّيح وباء فجمّدتكُمْ؟ ـ

أم صارت ريحَ الصَّبا، في كلّ مكانٍ تدخلونه؟

ـ في كلّ كلمةٍ جوابٌ من أرواحكم،

ولو أنّكم لم تفتحوا أفواهكم بجوابٍ.

ـ ما أكثرَ الدُّرَرَ التي سحقتموها في هاون الأيّام ‍!

ذلك كحْلٌ للعَيْن؟ فاسحقوا، اسحقوا.

ـ فيامن وُلدتُمْ عندما وصلتُم إلى الموت،

هذه ولادةٌ ثانيةٌ، فكونوا من المولودين، كونوا من المولودين.

ـ وسواء أوُلدتُم هنودًا أم تُركـًا في المرّة الثانية،

فستغدون واضحين في ذلك اليوم الذي تزيلون فيه الحجبَ عن الوجوه.

ولوحدث أن كنتم جديرين بشمس الحقّ التبريزيّ

لكنتم، واللهِ، خاصّةَ يوم الجزاء.

# # #

٨٥ / ٦٦٣

ـ لوكان العالمُ كلُّه مليئـًا بالأشواك،

لظلّ قلبُ العاشق كلُّه روضة أزهار؛

ـ ولو صار دولابُ الفلك من دون عَمَلٍ،

لظلّ عالَمُ العاشقين جادّ اً في العمل نشِطـًا.

ـ ولو صار الناسُ جميعـًا حزانى لظلّ روحُ العاشق

لطيفـًا وسعيدًا ومفعمـًا بالحيويّة والنشاط.

ـ أعطِ العاشقَ كلّ مكانٍ أُطفئت فيه الشموع؛

لأنّ لديه مائة ألف نور.

ـ وإذا كان العاشقُ وحيدًا، فإنه ليس وحيدًا على الحقيقة؛

فهو رفيقُ ذلك المعشوق الخفيّ.

ـ شرابُ العاشقين يجيش في الصّدْر؛

ورفيقُ العِشْق في أعمق أعماق الأسرار.

ـ العشق غيرُ راضٍ بمائة وعْدٍ

لأنّ مَكْرَ المعشوقين كثيرٌ.

ـ وإذا رأيتَ عاشقـًا مريضًا

أفليس الفَتّانُ عند رأس المريض؟

ـ فكُنْ ممتطيـًا العِشقَ ولا تخش الطريق؛

لأنّ جواد العشق سريعٌ جدّ ًا؛

ـ فإنه بحملة واحدة يوصلك إلى المنزل،

برغم أن الطريق وَعْرٌ.

ـ وروح العاشق لا يعرف شيئـًا عن أكل العَلَف،

لأنّ أرواحَ العاشقين صَنّاعةٌ مُبْدعة للخمرة.

ستظفرُ من شمس الدين التبريزيّ

بقلبٍ ثمِلٍ لكنه صاحٍ جدّ ًا.

# # #

٨٦ / ٦٦٩

ـ خرَج رجبُ ودَخَل شعبان؛

خرجَ الرّوحُ من الجسد، ودخل المعشوق.

ـ خرج نَفَسُ الجهل ونَفَسُ الغَفْلة،

ودخل نَفَسُ العِشق ونَفَسُ الغُفْران.

ـ يُنبِتُ القلبُ الورْدَ والنّسرينَ والرّيحان،

عندما يَصل المطرُ من سحاب الكَرَم.

ـ وتضحك ثغورُ أرباب الحَزَن جميعًا،

بسبب هذا السُّكّر الذي دخل الأسنانَ.

ـ وكالشمس، يتلفّع الإنسان بقماش مُذَهّب؛

لأن ذلك القمريّ الوجه النّاثر للذّهب قد دخل.

ـ فصفِّقْ وقُلْ، يا مُطرِبَ العِشق؛

لأنّ ذلك الفتّان الضارب الأرض بقدميه قد دَخَل.

ـ إذا ذهب الأمْسُ، فليبْق اليومُ،

وإذا ذهب عُمَرُ، فقد دَخَل عثمان.

ـ العُمرُ المنقضي كلّه يعود؛

لأنّ هذا الإقبال السّرمديّ قد دَخَل.

ـ إذا كنتَ ثمِلاً ونائمـًا في سفينة نوح،

فلِمَ تحزنُ إذا ألمّ الطّوفان؟

ها قد صار ثرى تبريز لألاء كالسّماء،

لأنّ شمس الدّين قد دخل ذلك الميدان.

# # #

٨٧ / ٦٩٣

ـ رحلنا، وليبقَ الباقون،

لا بدّ لكلّ من وُلد أن يرحَل.

ـ لم يرَ فنجانُ السّماء البتّةَ

صَحْنـًا لم يقعْ في النهاية من السّقفْ (*).

ـ لا تدُرْ كثيراً، لأنّه في هذه الأرض

غدا التلميذُ تمامـًا كالأستاذ.

ـ أيّها الجميلُ، لا تتفاخر، فإنّه في ذلك القبر

كثيرٌ من مثيلات شيرين صِرْن عدمـًا، كَفَرْهاد.

ـ وفي النهاية، أيُّ وفاء

لِصَرْحٍ أعمدتُه قطعٌ من الرّيح؟ !

ـ إذا كنا سيّئين حَملْنا السيئ؛

وإذا كنا طيّبين، فربّما تتذكّرون !

ـ وحتى إذا كنتَ أوحدَ دهرِك

فستمضي اليومَ كالآحاد.

ـ وإذا لم تُرد البقاء وحيداً

فاصنعْ أولادًا من الطّاعة والخير.

ـ ذلكَ الخيطُ من نور الغيب باقٍ،

لأنّه لُبابُ روح الأوتاد.

ـ وذلك الجوهرُ للعشق الذي هو الزّبدةُ والخلاصة

يظلّ موجودًا إلى أبد الآباد.

ـ وإذا كان هذا الرّملُ الجاري من دون قرار،

فإنه يوضع شكلٌ آخرُ من الأساس.

ـ أنا مِثلُ سفينة نوح في هذه اليابسة؛

لأنّ ذلك الطوفان خَتْمُ الميعاد.

ـ جعل نوح بيتَه سفينة؛

لأنّه رأى من الغيب الموْجَ له بالمرصاد.

ها قد نمنا بين الصّامتين؛

لأننا تجاوزنا الحدودَ في الصّخب والعويل.

# # #

٨٨ / ٧٠٨

ـ جاء يوسُفُ ذو العذار الفتّان؛

وجاء عيسى الزّمان.

ـ وجاء العَلَمُ ذو المائةِ ألف انتصار

مرفرفـًا فوق موكب الرّبيع.

ـ يا من شُغْلُك إحياء الميّت،

انهض، فقد جاء يوم الشُّغْل.

ـ والأسَدُ الذي يُمسك بالأسود مصطادًا إيّاها

جاء إلى المَرج ثمِلاً.

ـ مضى أمسِ واليومُ الذي قبلَهُ، فخُذ النّقْدَ؛

فقد جاء ذلك النّقدُ الرّائعُ العِيار.

ـ هذه المدينةُ اليومَ مثلُ الجنّةِ؛

وهي تقولُ: «جاء الأميرُ».

ـ فاقرعِ الطبْلَ لأنه يومُ العيد؛

واطربْ؛ لأنّ الحبيب قد جاء.

ـ قمرٌ أطلعَ رأسَه من الغيب،

لم يكن هذا القمرُ سوى غبارٍ مقارنةً به.

ـ ومن حُسْن ذلك الذي هو قرارٌ وراحةٌ للأرواح

صار العالَمُ كلُّه من دون قرارٍ وراحةٍ.

ـ تنبّهوا، وانشروا أرديةَ العِشْق

فقد جاء النِّثارُ من السّماء التاسعة.

ـ أيّها الطائرُ الغريبُ المقصوصُ الجناح،

ها قد جاءك بدلاً من جناحَيْك أربعة أجنحة.

ـ ها، أيُّها القلبُ المغلقُ في الصدر، انفتحْ

فقد جاء إلى حضنك ذلك الذي افتقدته.

ـ ويا أيتها القدمُ، تعالَيْ ودُقّي القَدَمَ على الأرض؛

لأنّ ذلك الساقي الذائعَ الصّيت قد جاء.

ـ لا تتحدّث عن شيخٍ طاعن في السنّ؛ فقد غدا شابّـًا،

ولا تتحدّث عن السنة الماضية؛ لأنّ الحبيب قد جاء.

ـ وقد قلتَ: «أيّ اعتذار سأقدّم للمليك؟ »؛

ها قد جاء المليك نفسه ملتمسًا العذْرَ.

ـ وقلتَ: «أين سأجد مفرّ اً من يده؟ »

ها قد جاءت يَدُه تقدِّم كلَّ عونٍ ومساعدة.

ـ رأيتَ نارًا، ثم جاء نورٌ؛

رأيتَ دمـًا، ثم جاءت عُقار] الخمرة [.

ـ وذلك الذي يَفِـّر من حظّه،

وقد فرّ، عاد خجلاً.

الزم الصّمتَ، ولا تعدّدْ ألطافَه؛

فقد جاء لطفٌ ليس له عـدٌّ.

# # #

٨٩ / ٧٢٣

ـ ها قد سَكِرْنا وابتعد عنّا القلْبُ،

لاذَ منّا بالفرار، فإلى أيّ مكان مضى؟

ـ عندما رأى أن قَيْدَ العقل قد قُطِع،

حالاً لاذ قلبي بالفِرار.

ـ لن يكون قد ذهب إلى أيّ مكان آخر،

لقد ذهب إلى خَلْوة الحقّ.

ـ لا تبحث عنه في البيت؛ لأنّه هوائيٌّ،

إنّه طائر هواء، وقد صار في الهواء [الجوّ].

إنّه البازيُّ الأبيضُ لدى المليك؛

وقد طار، ومضى إلى المليك.

# # #

٩٠ / ٧٢٩

ـ نحن أعداء لأنفسنا، وأصدقاء لمن يقتلُنا؛

نحن غرقى في البحر، ويقتُلنا موجُ البحر.

ـ ولذلك، فإننا نتخلّى عن الحياة الحلوة ضاحكين طيّبي النفوس،

لأنّ ذلك الملِك يقتُلُنا بالشَّهْد والقَنْد] السّكّر [والحلوى.

ـ نسمّن أنفسنا لكي نكون أُضحية العيد،

لأنّ قصّابَ العاشقين يذبح الجميلين جدّ ًا والرّائعين.

ـ وإبليس الذي لا ضياء له يطلب منه] الحقّ [نَظِرةً] مهلة [؛

وقد أعطاهُ نَظرةً، لكي يقتلَهُ بعد غدٍ.

ـ ومِثْلَ إسماعيل، ضَعْ رقبتك أمام السّكين طيّبَ النفس؛

ولا تَسْرِقْ حَلْقَك منه، إذا ذَبَح، لكي يذبح.

ـ ليس لعِزرائيل يدٌ وطريقٌ إلى العاشقين؛

فالعشقُ نفسه والهُيام هو الذي يقتل عشّاقَ العِشق.

ـ والقتلى يصرخون: (ياليتَ قومي يعلمون (؛

ففي السِّرّ يعطي المعشوقُ مائةَ حياةٍ، وفي العَلَن يقتُل.

ـ افصلِ الرأسَ عن تراب البدن، وانظر عندئذ

كيف أنه إمّا أن يرفعك إلى السّماء، وإمّا أن يقتلك.

ـ يأخذُ روحَ الرّيح، ويعطي روحَ الرّاحة؛

يطلق بازَ الرّوح، ويقتلُ بومَ الغمّ.

ـ وتلك الفكرةُ يحملها المسيحيّ، وليس لدى المُسلم تلك الفكرة؛

لأنه يقتل مسيحَ نفسه على الصّليب.

ـ وكلُّ عاشق صادق مثلُ منصور] الحلاّج [؛ يقتلون أنفسَهم؛

أرني شخصـًا غير عاشق يقتلُ نفسَه عَمدًا؟ !

ـ يطلبُ الأجَلُ الناسَ كلَّ يومٍ مائة طلب؛

وعاشقُ الحقّ يقتلُ نفسه من دون طلب.

ـ سأكتفي، أو سأقول أنا نفسي سرّ موتِ العاشقين،

برغم أنّ المُنكِرَ يقتُلُ نفسَه غضبـًا وغيظًا.

اعتلى شمسُ تبريز الأفق مِثْلَ الشمس

وهو يطفىء شموعَ النجوم من دون محاباة.

# # #

٩١ / ٧٣١

ـ انظر، فتلك الطّيورُ التي تضع بيضـًا ذهبيّاً

تُسرِجُ مُهْرَ الفلك السّريع كلّ سَحَرٍ.

ـ وعندما تعدو، تغدو السّماء السّابعة ميدانـًا لها؛

وعندما تنام، تجعل الشمسَ والقمرَ وسادًا لها.

ـ إنها أسماكٌ، في داخل روح كلِّ واحدةٍ منها «يونس»؛

وهي رياضُ وردٍ تجمِّل الفلَكَ وتنظمه جيّدًا.

ـ مذيقو النار، مانحـو الجنّة، في يوم القيامة

يكونون الحاكمين، لا يعرفون دُعاء ولا يلعنون.

ـ يجعلون الجبالَ ترقص، بسبب اللّطافة، في الهواء؛

ويجعلون البحارَ، بسبب الحلاوة، حلوةً كالسُّكّر.

ـ يجعلون الأجسامَ أرواحـًا، والأرواحَ خالدةً؛

يجعلون الحجارةَ مناجمَ للياقوت، ويحيلون الكفْرَ إيمانـًا.

ـ إنهم أظهرُ من الأشياء كلّها، وأخفى من الأشياء كلّها؛

وإذا شئتَ رؤيتهم عِيانـًا فإنهم يتعيّنون أمامَ عينيك.

ـ وإذا أردت أن ترى ببصر قويّ، فاجعل من تراب أقدامهم كُحلاً؛

لأنهم يجعلون الأكْمَهَ (*) يرى الطريق.

ـ وإذا كنتَ شوكةً فكن حادّ الرأس كالشوكة في الطّلب والبحث،

لكي يحوِّلوا شوكك كلّه إلى ما يُشْبه الورْدَ والنّسرين.

وإذا كان ثـمّـة مجالٌ للقولِ فسأقول

أشياء يمكن أن تُقال، لكي تستحسن الأرواح والملائكة في السماء.

# # #

٩٢ / ٧٣٦

ـ جاءت الليلةُ الماضيةُ فذكّرتْ فيلَنا بالهند من جديد،

وهكذا كان بسبب ما انتابه من نشوة يمزّق حجابَ اللّيل حتى الصباح.

ـ الليلةَ الماضية كانت أقداحُ السّاقي كلُّها تطفح بالخمرة،

فليتَ عَمْرَنا يظلّ كاللّيلة الماضية إلى يوم القيامة.

ـ الخمورُ تجيش بسببه والحُلوم تطيش بسببه؛

فَلْيُسرَّ الجزء والكلُّ، والشوك والوردُ، بمُحَيّاه الفتّان !

ـ وقد علا صوتُ تهنئة الثّمِلين بعضهم بعضـًا بالشرب إلى السّماء،

وفي أكفّنا كانت الخمرةُ، وفي رؤوسنا كانت الرّيحُ.

ـ وقد وقع في الفلَك منهم مائةُ ألفِ ضجيج،

وخرّ سـاجـدًا هناك مائة ألف كَيْقُباذ (*).

ـ إنّ يوم النصر والحظّ العظيم قد اندرج في ليلتنا؛

وإنّ ليلةً من ليالي إخوان الصفاء ولَدَتْ على حين غرّة مثل هذا اليوم.

ـ وقد ماج البحر واصطخب، وظفرت السّماء بإشارةٍ من هذه اللّيلة؛

ثمّ وضعتْ تلك الإشارة على رأسها ووجهها.

ـ كلُّ ناسوتيّ بسبب مافيه من ظلمة سدّ الطرق؛

أمّا النورُ الإلهيّ فبسبب ما فيه من رحمة فتَحَ المغالق.

ـ فأنّى للأشكال الحسّية أن تظلّ في مكانها أمامَ ذلك الهوى؟ !

وأنى لِمَنْ يظفرُ بهذا المُراد أن يظلّ في مكانه؟ !

ـ فلنبدأ الحياةَ من جديد، أيّها المسلمون؛ لأنّ الحبيب

حوّل المعدوماتِ إلى موجوداتٍ، ووزّع العَدل على العاشقين.

ـ ومن الآن فصاعدًا منح حبيبُنا الواقعين العُذْرَ؛

لأنّه حيثما يكون هو السّاقي لا يبقى أحدٌ على السّداد.

ـ وقد حطّم جَيَشانُ بحر العناية، أيّها المسلمون،

أبّهةَ الاجتهاد وبرنامج الاعتقاد.

وتلكَ العنايةُ هي الملِكُ صلاحُ الدّين؛ لأنه يوسُفُ

الذي على عزيز مصرَ نفسه أن يشتريه بثمنٍ عالٍ.

# # #

٩٣ / ٧٤٦

ـ جئتُ لكي أضعَ وجهي فوق تراب قدمي الحبيب؛

جئت لكي ألتمس العذْرَ لحظةً عن أعمالي.

ـ جئت لكي أتولّى من جديد خدمة روضة وَرْدهِ؛

جئتُ لأحضرَ النارَ وأضرمها في أشواكي.

ـ جئتُ لأتصفّى من غُبار كلّ ما مضى،

لكي أعُدّ أعمالي الصالحة سيّئةً من أجل معشوقي.

ـ جئتُ دامعَ العين لكي ترى عيني

عيونَ السَّلسبيل من حبّ ذلك العَـيّار الذي أمتلكه.

ـ انهضْ، أيّها العشقُ المجرّدُ، وتبنّ الحبّ من جديد؛

فقد مِتُّ وصِرتُ خِلْوًا من إقراري ومن إنكاري؛

ـ لأنّه من دون مصفاتك لا يمكن أن يكون صفاء في الوجود؛

ومن دونك لا يمكن أن ينجو أحدٌ من غمّه وأساه.

ـ صمتُّ في الظاهر؛ لكنك تعرف أنّني في الداخل

أمتلكُ كلامـًا ملطّخـًا بالدّم في قلبي الشّارب للدّم.

ـ انظرْ في حال الصّمت هذه وجهيَ جيّدًا،

لكي ترى على خدّي مائة ألفٍ من آثارك.

ـ وقد أتيتُ بهذا الغزَل قصيرًا؛ والباقي منه في قلبي؛

وسأقوله إذا ما أسكرتَني بعينك النرجسيّة الـمُسْـكِرة.

ـ أيّها الصّامتُ عن كلامك، ويا أيّها المنفصلُ عن قرينك،

كيف صرْتَ ذاهلاً عن عقلك الذكيّ؟

ـ أيّها الصامتُ، كيف تكون حالك مع هذه الفِكَر النارية؟

والأفكارُ تصِلُ بجيشها الجرّار.

ـ عندما يكون الناسُ وحيدين يكونون صامتين؛ والإنسانُ

يتكلّمُ مع الناس، ولا أحدَ يُفشي سرّ قلبه للباب والجدار.

ـ ألا يمكن أن لا تجد أناسـًا تتحدّث معهم، فتصمُتَ؟ ـ

ألا يمكن أن لاترى شخصـًا يكون شديد التقدير لكلامك؟

أيمكن أن تكون من عالمٍ طاهر؟ - ألستَ ممتزجـًا بالطبع؟

بكلاب الطّبع الملوّثة بجيفتها؟

# # #

٩٤ / ٧٦٣

ـ سيمزّقُ الميّتُ الكفنَ، ويطلعُ من القبر

إن جاء ذلك الميّتَ خبرٌ عن معشوقي.

ـ وماذا سيفعلُ الميتُ والحيُّ عندما يظفر بشيء منه؟ !

فإنه لو رآهُ الجبلُ لوثبَ من مكانه وتقدّم.

ـ لا أفِـرُّ من الملامة، لأنّ الملامة تأتي منك؛

فإنّه من مرارتك يأتي كلُّ طعمِ السُّكّر إلى الرّوح.

ـ التَهِمْ ذلك الذي وصلَ إليكَ، لا تدّخِرْهُ،

لأنك على ضفاف نهرٍ جارٍ، كلّما شربتَ جاءك المزيدُ.

ـ تأمّلْ صنعتَه الفائقةَ الجمال، استمع إلى وحيه للقلوب؛

صِرْ كلُّك نُورَ نَظَر - فإنّ الذّوق] النشوة [كلّه يأتي من النظر.

ـ لا تقطع الأملَ، قائلاً: «مضى عمري، والحبيبُ لم يأتِ»؛

فإنّه يأتي باكرًا وفي غير أوانه، ولا يأتي في السَّحَر فقط.

ـ كنْ مراقبـًا ويَقِظـًا في الوقت المناسب وفي غيره لأنه

على حين غِرّة يدخلُ مليكُنا الأعينَ مثلَ الكحْلِ العُزَيزيّ.

ـ عندما يدخلُ هذه العينَ تغدو هذه العينُ كالبحر؛

وعندما ينظر إلى البحر يأتي الجوهرُ من مائه كلِّه؛

ـ وليس ذلك الجوهرَ الميّتَ الذي لا يعرف جوهرَه،

جواهرُ ستأتي متكلمةً كلّ كلام، باحثةً كلّ البحث، حيّة تمام الحياة.

ـ وماذا تعرفُ، ماذا تعرف بشأن أيّ منجم أنتَ، وأيّ روح أنت؟ !.

فاللهُ وحده الذي يعلم ويرى المناقبَ التي تأتي من البشر.

تعوّدِ الكلامَ من دون شفتين، كالميزان؛

لأنّ الشفتين والأسنان لا تبقى عندما يمضي الإنسان من الدنيا.

# # #

٩٥ / ٧٦٦

ـ قلْ، لا تيأسْ لأن الحبيب يطردُك؛

فإذا ما طردك اليومَ أفلا يدعوكَ غدًا؟ !

ـ وإذا ما أغلق أمامك البابَ، فلا تنصرف؛ وكن صابرًا هناك؛

لأنه بعد الصّبر سيُجلسك في صدْر المجلس.

ـ وإذا ما أغلق عليك الطرقَ كلّها والمسالك،

فسيريكَ طريقـًا خفيّـًا، طريقـًا ليس لأحدٍ علمٌ به.

ـ أليست العادةَ أنّ القصّاب حين يقطع بسكّينه رأس الخروف

لا يُهمل ذبيحته، بل يذبح أولاً ثمّ يجذب؟

ـ عندما لا يبقى للخروف نَفَسٌ، يملؤه من نَفَسه هو؛

وأنت سترى الأمكنة التي سيوصلك إليها نَفَسُ الحقّ !

ـ وأنا أقولُ هذا في قالب التمثيل؛ وإلاّ فإنّ كرَمَهُ

لا يقتلُ أحداً، بل ينجيه من القَتْل.

ـ يعطي مُلْكَ سليمان كلّه لنملةٍ واحدة؛

يعطي العالَمَيْن [الدنيا والآخرة] ولا يروِّعُ قلبـًا واحدًا.

ـ طاف قلبي العالمَ ولم يظفر بمثله؛

يشبه مَنْ هو؟ ! - يشبه مَنْ؟ ! - يشبه مَنْ؟ ! - يشبه مَنْ؟ !

آهِ، الصّمتَ، لأنّه من غير كلام يذيق الجميعَ

من هذه الخمرة، يذيق، يذيق، يذيق.

# # #

٩٦ / ٧٧٢

ـ نعم، أيها العشّاقُ اسعَوا، عندما يذهب الجسمُ والرّوحُ،

لأن تطير قلوبُكم إلى السّماء، لا تبقوا ثقيلين كالبدن.

ـ اغسلوا القلبَ والرّوحَ من الغُبار بماء الحكمة،

نعم؛ لكي لا تظلّ عَيْنا الحسرة متّجهتين نحو الأرض.

ـ أليست الحالَ أنّ كلّ شيء في الدنيا العِشقُ روحُه؟

وكلُّ ما تراه خلا العشق لا يبقى خالدًا.

ـ عَدَمُك كالمشرق، وأجَلُك كالمغرب،

نحو سماء أخرى لا تُشبه هذه السّماء المشاهدة.

ـ الطريقُ إلى السماء في الباطن؛ فحرّك جناحي العشق ـ

وإذا قوي جناحُ العِشق فإنه لايبقى هناك قلقٌ بشأن السُّلّم.

ـ لا تتأمّل الدنيا من الخارج؛ لأنّ الدنيا في داخل العين؛

فعندما تغمضُ عينيك عن الدنيا، لا تبقى الدنيا.

ـ قلبُك مِثْلُ السّطح، وحواسّك مثلُ الميزاب؛

فاشرب الماء من السّطح، لأنّ الميزاب لا يبقى دائمًا.

ـ اقرأ هذا الغَزَل كلّه من لَوْح القَلْب،

لا تنظر إلى لساني، لأنّ الشفتين واللّسان لا تبقى.

جسمُ الإنسان قوسٌ، والنَّفَسُ والكلامُ سِهامُها؛

عندما تذهبُ السّهام والكنانة لايبقى عَملٌ للقوس.

# # #

٩٧ / ٧٨٠

ـ نام الجميعُ، وأنا العاشق لم يحملْني النّومُ،

وطوال اللّيل كانت عينايَ تعدّانِ النجومَ في السّماء.

ـ انصرف النومُ عن عينيّ على نحو لا يعود فيه البتّة؛

شرب نومي سمَّ فراقك، فمات.

ـ ما الذي سيحدث لو صنعتَ من اللقاء دواء

لأحد المرضى، فمن الذي أسلم قلبَه وعينيه ليديك؟

ـ لا، ليس من اللائق إغلاقُ باب الإحسان دفعة واحدة؛

فإذا لم تعطِ الخمرة صافيةً، ألا تعطي أقلّ من جرعة واحدة من الدُّرديّ؟

ـ وضع الحق كلّ أنواع البهجة في حجرة واحدة؛

ولا أحدَ من دونك وجد الطريقَ الصحيح إلى تلك الحجرة.

ـ إذا صِرْتُ ترابـًا في طريق العشْق فلاتنظر إليّ على أنني صغير؛

فكيف يكون صغيرًا من يقرع باب وِصالك؟ !

ـ املأ كُمّي من جواهر الغيب،

الكُمّ الذي مَسَح كثيرًا من الدّمع من هذه العين.

ـ إذا ما قيّد شِحْنةُ العِشق أحدًا في ليلة مظلمة،

شدّه قمرُك برحمةٍ إلى صدره الفِضّيّ.

ـ وإذا ما عاد القلْبُ الجوّالُ من كَرَمِك،

فإنها قصّةُ اللّيلِ، وقُرصِ القمر، والجَمَلِ، والكُرْد (*)

ـ ألم تكنْ هذه الجماداتُ منذ البَدْء من الماء؟

الدُّنيا مكانٌ باردٌ؛ وقد جاءت وتجمّدت واحدًا واحدًا.

ـ دَمُنا في جسدنا هو ماء الحياة، وهو حلوٌ؛

وعندما يخرج من مكانه، انظر كيف يكون شيئـًا واحدًا !

لا تجمّدْ ماء الكلام ولا تأتِ به من تلك العَين،

لكي يكون حريرًا في تلك الناحية وبُرْدًا مخطّطـًا في هذه.

# # #

٩٨ / ٧٨٣

ـ أهناك خبرٌ عن أنّ السّكّر قد صار رخيصـًا في المدينة؟

أهناك خبرٌ عن أنّ الشتاء قد ولّى وجاء الصيفُ؟

ـ أهناك خبرٌ عن أنّ الرّيحانَ والقرنفلَ في الحديقة

يضحكان خلسةً لأنّ الأمور صارت سهلة؟

ـ أهناك خبرٌ عن أنّ البلبل عاد من أسفاره،

ودخل في السّماع، وصار أستاذًا للطيور جميعـًا؟

ـ أهناك خبرٌ عن أنّ فروع الأشجار في الحديقة الآن

قد سمعت أنباء جديدة عن الورد وهزّت أيديها؟

ـ أهناك خبرٌ عن أنّ الرّوح صار ثَمِلاً من جام الرّبيع،

فابتهجَ ورقص في حرَم السلطان؟

ـ أهناك خبرٌ عن أنّ شقائق النعمان قد امتلأت خدودُها بالدّم؟

أهناك خبرٌ عن أنّ الوردَ صار حاجبَ الدّيوان؟

ـ أهناك خبرٌ عن لصوصيّة شهر كانون المجنون،

إذ جاء شِحْنةُ عَدْل الرّبيع، فتوارى هو عن الأنظار؟

ـ وقد أخذت تلك الحسانُ (*) إجازة المرور من الدّيوان،

لكي تغدو الأرضُ خضراء وتُرتّب على نحو غاية في الرّوعة.

ـ وإذا كانت حسناوات المرج السّنةَ الماضية قد فعلت الأعاجيب،

فإنّ كلّ واحدةٍ منها هذه السّنة قد بدت في حُسْنٍ مضاعف مئات المرّات.

ـ وقد جاء ذوو الخدود الوَرْديّة يدورون من العَدَم،

وقد صارت أنجمُ السَّماء نثارًا لأقدامهم.

ـ وذلك النرجسُ المعزولُ صار ناظر المملكة؛

والبرعمُ الصغيرُ مثل عيسى صار فطنـًا وقارئـًا.

ـ ومأدُبةُ أولئك المعْشَر اتخذت حُلّةَ الجمال مرّة أخرى؛

ومرّةً أخرى غدت ريحُ الصّبا مانحةَ الخمرةِ إلى البستان.

ـ كانت هناك صورٌ متوارية وراء حجاب القلب،

وقد صارت البساتينُ مرايا لِسرّ قلوبها.

ـ كلُّ ماتراه، اطلبْهُ من القلب، لا تطلبْه من المرآة؛

فالمرآةُ يمكن أن تتلقّى صورةً، لكن لا يمكن أن تغدو حيّةً.

ـ وموتى المَرج جميعـًا عادتْ إليهم الحياة بدعوة الحقّ؛

وضروبُ كفرهم جميعـًا صارت إيمانـًا برَحْمة الحقّ.

ـ باقون في لحودهم وقد صاروا جميعـًا يتململون؛

لأنّ الحيّ ليس في مقدروه أن يُرتهن في السّجن.

ـ قال: «كفى، لأنني سأشرح هذا خيرًا من هذا».

أغلقتُ فمي، لأنه جاء وصار ضامنـًا.

وكذا فإنّ شفتَي الملِك ستصفان كلّ شيءوصفـًا تامّـًا،

إذا صـارت الخـلاصةُ في كنف الكتمان بعيدًا عنكم.

# # #

٩٩ / ٧٩٢

ـ فرْخُ الحمام هذا عزَم على الانطلاق إلى الهواء وطار

عندما سمع صفيرًا ونداء من ناحية الغيب.

ـ وذلك المُرادُ من جانب العالَم كلّه عندما أرسل رسولاً قائلاً:

«تعالَ إليّ»، كيف لا يطير إليه روحُ المُريد؟

ـ كيف لا يطيرُ إلى الأعلى عندما ظفر بمثل هذا الجناح؟

كيف لا يمزّق ثوبَ البدن، عند وصول مثل هذه الرسالة؟

ـ أيّ قمرٍ هذا الذي يجذب هذه الأرواح جميعـًا !

أيّ طريقٍ ذلك الطريقُ الخفيّ الذي جذبَ به !

ـ أرسلتْ رحمتُه رسالةً أن: «عُدْ إلى هنا،

لأنّه في ذلك القفص الضيّق رفرفت روحُك كثيرًا.

ـ لكنْ في البيت الذي لاباب له أنتَ مِثْلُ طائرٍ من غير جناح؛

هكذا يفعَلُ طائرُ الهواء عندما يسقط إلى الأسفل.

ـ ومن دون قرارٍ يفتح له بابَ الرّحمة في النهاية،

فاقرع بجناحك البابَ والسّقف، فهذا هو المفتاح.

ـ وإن لم تدعُني فلن تعرف طريق الرّجوع؛

لأنّه بفضل دعوتنا يغدو الطريق واضحـًا للعقل».

ـ كلّ ما يمضي إلى الأعلى إذا كان قديمـًا صار جديدًا،

وكلُّ جديدٍ يأتي إلى هنا يغدو باليـًا رثّاً.

ـ نعم، امضِ متبخترًا في الغيب، ولا تنظر إلى الوراء؛

في أمان الله، لأنّه ههنا كلّ شيء مفيدٌ ويأتي منه المزيد.

ها، أيّها الصّامتُ، امضِ نحو ساقي الوجود،

الذي أعطاك خمرته الطّاهرة في هذا الكوب الملطّخ.

# # #

١٠٠ / ٨٠٧

ـ ياربّ، أهذه الرائحةُ الطيّبةُ تأتي من روضة الرّوح؟

أم هي نسيمٌ ينبعث من وراء الدنيا؟

ـ ياربّ، ماء الحياة هذا من أيّ وطن ينساب؟

ياربّ، نورُ الصفات هذا من أي مكانٍ يأتي؟

ـ عجبًا ! أهذا الصَّخبُ ينبعث من حشد الملائكة؟

عجبـًا ! أهذه القهقهةُ تصدرُ عن حُور الجنان؟

ـ أيّ سماع هذا، فإنّ الرّوح يدورُ راقصـًا؟

أيّ صفير هذا، فإنّ القلبَ يأتي مصفّقـًا بجناحيه؟

ـ أيّ عُرْسٍ ! أيُّ عروسٍ ! فإنّ السّماء كالخيمة؛

والقمرُ يأتي بهذا الطّبق الذهبيّ على سبيل الإشارة.

ـ أيُّ صيدٍ هذا ! فإنّ سهمَ القضاء هذا يطير؛

وإلاّ، فلِمَ يأتي صوتُ القوس؟

ـ بُشراكم بُشراكم، أيّها العشاقُ جميعـًا ! صفّقوا بأيديكم،

لأنّ من فرّ من أيديكم مرّةً يأتي مصفّقـًا.

ـ يأتي صوتُ الأمان من حِصْن الفلك،

ومن جهةِ البحر يأتي موجُ الخوف.

ـ وعَينُ الإقبال ثمِلةٌ بسبب إقبالكم؛

وهذا هو الدليلُ الذي يأتي إلى العينِ عيانـًا.

ـ تحرّروا من عالَم القَحْطِ هذا الذي فيه

التطاعنُ بالرّماحِ من أجل رغيفين أو ثلاثة من الخبز.

ـ أيُّ شيء أجملُ من الحياة؟ ! وإن كان للحياة أن تذهب فلا تخف؛

لِـمَ تحزنُ على ذهابها عندما يأتيك ما هو خيرٌ منها؟

ـ كلّ إنسان يَعجبُ من شيء، أمّا عجبي فمن أنّه

عندما يأتي بيننا لا يتضمّنه المكانُ.

فلأكتفِ؛ وبرغم أنه رمزٌ فلن أوضحه؛

فماذا تفعل بالبيان نفسه؟ إنّ روحَ البيان قادمٌ إليك.

# # #

١٠١ / ٨١٠

ـ الحمّاميّ الطّريف ! عندما يطلع من العزلة،

كلُّ صورة من صور الحمّام تخرُّ ساجدةً.

ـ والصّورُ المتجمّدةُ، الغافلة، الميتة

من انعكاسات عينيه تتفتّح أعينُها كالعَبْهَر.

ـ وبفضل أذنيه تغدو آذانُها مطّلعةً على الحكايات،

وبفضل عينيه تغدو أعينُها قابلة للمشاهد.

ـ أنت ترى كلَّ صورةٍ من صور الحمّام ثمِلةً وراقصةً،

مثل المُعاشر الذي من وقتٍ إلى آخر يغطس في الخمرة الحمراء.

ـ صحنُ الحمّام ممتلئٌ بصخبهم وصياحهم؛

وبسبب الصّياح والصّخب تأتي غُرّة] بدايةُ [المحشر.

ـ والنقوشُ يدعم بعضُها بعضـًا إلى جانبه،

ونقشٌ في تلك الزاوية يأتي ضاحكـًا من نقش آخر.

ـ ولكن ليس ثمة صورةٌ تظفر بالحمّاميّ نفسه،

برغم أنّ تلك الصورة في كرٍّ وفـّرٍّ بحثـًا عنه.

ـ كـلُّها تكون ذاهلةً، وهـو وراءها وأمامهـا،

غير مُدْرَكٍ، وملِكُ الأرواح يأتي على رأس الجيش.

ـ وروضةُ كلِّ ضميرٍ مملوءة بالوَرْدِ من خدّيه؛

وثوبُ كلِّ فقيرٍ مملوء بالنّضار من سَيْب كفّه.

ـ ضَعْ سلّتك أمامه، لكي يملأها من نَفْسه،

لكي تغدو سلّةُ فَقْرِك حسرةً لسنجر.

ـ القاضي والمدّعي كلاهما يتحرّران من الكثير والقليل،

عندما يدخلُ ذلك القمرُ إلى المجلس، لحظةً، ثملاً.

ـ الخمرةُ تغدو الحانةَ، والميّتُ يغدو ثمِلاً،

والجِذْعُ يغدو حَنّانـًا عندما يصعد المنبر.

ـ يحرمهم لقاءه، وتتجمّدُ صوَرُهم،

تتوارى أعينُهم، تُصَمُّ آذانُهم.

ـ وعندما يعود إلى الظهور تنفتح أعينهم،

وتمتلىء الحديقة بالطيّور، ويغدو البستان أخضر.

ـ فامضِ إلى روضة الورد والبستان، وانظر الأحبّة والحكاية؛

وعلى أثر هذه العبارة يأتي الرّوحُ إلى ذلك الـمَـعْبَر.

كيف يقدر الإنسانُ أن يتحدّث عما غدا واضحـًا، أيها الحبيب؟

أنّى للقَلَم أن يكتب ذلك، حتى عندما يدخل في المحبرة؟

# # #

١٠٢ / ٨٢٠

ـ شيئـًا فشيئـًا يصلُ جَمعُ السُّكارى،

شيئـًا فشيئـًا يصلُ عبّادُ المُدام.

ـ مدلّلو القلوب الغَنِجون في الطريق،

وذوو الخدود الوردية يتوافدون من البستان.

ـ شيئـًا فشيئـًا من دنيا الوجود والعَدَم هذه

انصرفَ أهلُ العَدَم ويصِلُ أهلُ الوجود.

ـ والجميعُ بثيابٍ مملوءة بالذّهب كالمنجم

يصِلون من أجل من يعانون ضيقَ ذاتِ اليدِ.

ـ والضّعافُ والمرضى يصلون من

مرعى العِشق سِمانـًا وصحاحَ الأجسامِ.

ـ وأرواحُ الطّاهرين كشُعاع الشمس

تصل من مثل هذا الحالِق] المرتفَع [إلى من كانوا في الأسفل.

ـ سعيدةٌ تلك الحديقةُ التي من أجل المريميّين (*)

تصلُ منها فواكه جديدة حتى في الشتاء.

أصلُهم لُطْفٌ، وعودتهُم لطفٌ؛

ويَصِلون أيضـًا من بستانٍ إلى بستان.

# # #

١٠٣ / ٨٢٢

ـ الضّحِكُ يحكي عن لُطفك،

والأنينُ يشكو من قهرك.

ـ وهاتان الرّسالتانِ المتعارضتان في الدنيا

ترويان قصّة معشوق واحد.

ـ اللّطف يخدعُ الغافِل على نحوٍ

لايفكِّر فيه بالقهْر، فيرتكب الجنايات.

ـ وذلك الآخرُ يمنحه القهرُ اليأسَ،

وهكذا يخضع لليأس التّامّ.

ـ والعشقُ، مثلُ الشفيع المُشْفِق،

يأتي ليحمي هذين الرّوحين الضائعَين.

ـ نقدّم الشّكرَ لهذا العشق، يا ألله،

الذي يعطي ألطافـًا لا نهاية لها.

ـ وكلّ ما نقصّر فيه في ميدان الشّكْر،

يكفي العشقُ مؤونة كفّارته.

ـ أكوثرٌ هذا العشقُ، أم هو ماء الحياة؟

فإنه يعطي عُمُرًا لا حدّ له ولا غاية.

ـ بين المجرم والحقّ، مثلُ الرسول،

يجري في كلّ اتجاه، ويسعى سَعيـًا قويّا.

اكتفِ آيةً آيةً؛ ولا تقرأ هذه؛

فالعِشقُ نفسُه يفسّر الآية.

# # #

١٠٤ / ٨٢٥

ـ العشّاقُ ظاهرون والمعشوق خفيّ،

فمَنْ رأى مِثْلَ هذا العشق في العالم كلّه؟

ـ لا تكون شفةٌ واحدةٌ قد وصلت إلى صورة المعشوق،

مئاتُ آلاف الأرواح قد لفظت أنفاسها.

ـ رمى «قابَ قوسين» سهمـًا من الأعالي،

وهكذا مزّق تروس السّماوات.

ـ غيرُ مجذوبٍ رداءُ معشوق الغيب،

وقلوبُ الآلاف عانت المحنة والضّرب؛

ـ ولم تُعضَّ شفةُ مَنْ شفتُه حلوةٌ،

وما أكثر ما عُضّت ظهورُ أيدٍ في الهجران !

ـ ولم يُرْعَ قصَبُ سُكّر شفته،

وقد رعى القلبُ آلافَ الضروب من دلاله وجاذبيّته.

ـ لم تتفتّح وردةٌ واحدةٌ من روضة ورْده،

ومئات الآلاف من الأشواك غُرزت في صدره.

ـ وبرغم أنّ الرّوحَ لم يرَ منه سوى الجفاء

فقد فرّ من ضروب الوفاء الفانية إلى الأمل فيه؛

ـ وقد فضّل ذلك الألَمَ على أنواع الكرَم، وآثر ذلك

الجفاء على الوفاء.

ـ وانتصر شوكُـه على الورد كلّه،

وقُفلُه أكثر إبهاجـًا للقلب من مائة مفتاح.

ـ وأبعد جَـوْرُه الكُرة عن دوران الحظ السعيد،

وطلع قصبُ السّكّر من سُمّ قهره.

ـ ردُّه خيرٌ من قبول الآخرين،

والياقوت واللؤلؤ مريدان لحَجَره.

ـ وهذه السّعاداتُ الدّنيويّة ليست بشيء؛

فاطلب تلك السّعادة التي يمتلكها بو سعيد (*).

ـ هذه الزيادات التي في هذا العالَم قليلة؛

فاطلب تلك الزيادة التي يمتلكها أبو يزيد.

ـ فتلك الزيادة هي يدُك حين يكون لها ستّ أصابع؛

قيمتها ضئيلة، برغم أنها في الظاهر زائدة.

ـ اطلب ذلك السّناء الذي شرحه سَنائي،

ذلك الفريدُ الذي كشف العطارُ فرادته.

ـ الطعامُ الدّسِمُ والحلو يبدو طاهرًا وطيّبـًا؛

برغم أنه يُمضي معك ليلةً واحدة، ثم يغدو قذارةً.

ـ فكُلِ الدّسمَ والحلو من غذاء العشق،

لكي ينمو جناحُك وتتعلّم الطيّران.

ـ وفي النهاية، إبراهيمُ حين كان طفلاً في الغار

رضَعَ من بنان لَبُؤة.

ـ دعْ ذلك. ذلك الجنينُ في الرَّحِم

رضع ماء الحياةِ من الدّم.

ـ القَدُّ المديدُ الذي جعله الفلَكُ منتصِبًا،

في النهاية غدا منحنيًا كقوس الفلك [السّماء].

ـ القَدُّ المديدُ الذي رفعه العشقُ إلى الأعلى،

تجـاوز قـدُّه العَرش المجـيـد.

لا، الزم الصّمتَ فإنّ عالِمَ السِّرّ حاضرٌ؛

وقد قال: (نحنُ أقربُ إليه من حبل الوريد (.

# # #

١٠٥ / ٨٣٤

ـ موتُنا هو عُرْسُ الأبد،

ما سرُّ ذلك؟ - «هو الله أحد».

ـ تفرّقتِ الشمسُ في النوافذ؛

أُغلقتِ النوافذُ فذهب التعدّدُ والكثرة.

ـ ذلك التعدّدُ الموجود في العِنَب،

غيرُ موجود في العصير الذي ينساب من العِنَب.

ـ كُلُّ مَنْ هو حيٌّ بنُور الله،

موتُ هذه الرّوح مدَدٌ صادقٌ له.

ـ لا تقلْ خيرًا، لا تقلْ شرّ ًا، في أولئك

الذين انصرفوا عن الخير والشرّ.

ـ ثبّتْ عينَك على الحقّ، ولا تتحدّث عمّا لا تراه،

لكي يضع لك في عينك عينـًا أخرى.

(*) - يمثّل رستمُ في الأدب الفارسي نموذج البطل ذي القوّة الشديدة [المترجم].

(*) - يشير الشاعر هنا إلى صَلْب الصوفيّ الشهير حسين بن منصور الحلاّج [المترجم].

(*) - الهُزأة: هو الشخص الذي يهزأ به الناس كثيرًا [المترجم].

(*) - وقوع الصحن من السّقف كناية عن انكشاف الأمر، كما أشرنا قبلُ [المترجم].

(*) - الكَمَهُ: العمى يولد به الإنسان [المترجم].

(*) - اسم أحد سلاطين سلاجقة الرّوم؛ ولعلّه أراد ملوكـًا عظماء [المترجم].

(*) - إشارة إلى قصة تبدو معروفة في الأدب الفارسي. وهي تتحدث عن كُرْديّ أضاع جَمَلَه، وقد وجده ثانيةً عندما طلع القمر، وقد شكر القمر كأنه هو الله [المترجم].

(*) - حرفيّاً: الأصنام، الأوثان، المعبودات [المترجم].

(*) - نسبة إلى السيّدة مريم عليها السلام [المترجم].

(*) - لعلّه يشير إلى الصوفيّ الشهير الشيخ أبي سعيد بن أبي الخير المتوفى سنة أربعين وأربعمائةهـ. انظر في شأنه: جامي، نفحات الأنس، الترجمة رقم ٣٦٩، تحقيق د. محمود عابدي [المترجم].



[ Web design by Abadis ]