ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 الجامع و الجماعة تأسيسات معرفة في البناء الحضاري \ عبد الرحمن الوائلي *

الكتاب: الجامع والجامعة والجماعة

الكاتب: زكي الميلاد

الناشر: المعهد العالمي للفكر الإسلامي - القاهرة

الصفحات: (٧٣) صفحة قطع كبير

سنة النشر: الطبعة الأولى ١٩٩٨م.

[١]

لابد لكل نسق معرفي من نسق لفظي يشكل بنيته الأساسية، وهو في نفس الوقت منظومة من الإشارات اللغوية التي تنطوي على دلالات خاصة ومتعددة، وهذه الدلالات تتضمن معنى أساسياً ومعنى سياقياً لايمكن الكشف عنه إلا بتفكيكه وردّه إلى أصله الأول، ومن ثم معرفة ما يرمي إليه من معنى.

وتحليل هذا النسق اللفظي والكشف عن مستوى طاقته في البناء المفاهيمي

ـ

* كاتب من العراق.

عملية ضرورية لمعرفة الأفكار وما تشكله من خطوط تواصلية بين أفراد المجتمع الواحد. لذلك كان البحث في بنية المفاهيم وتوزعها المنهجي من أهم الأعمال التي يقدمها الباحث على غيرها في بحوثه ودراساته، لاسيما إذا اراد أن يقدم رؤية جديدة تؤسس مدخلاً واسعاً لتفسير تراثه الفكري وربطه بمقتضيات العصر الراهن، كما فعل ذلك الباحث (زكي الميلاد) في كتابه الذي بين أيدينا الآن، والذي يدرس ثلاثة مفاهيم أساسية في فكرنا العربي والإسلامي على الخصوص، وفي الفكر العالمي على العموم، لوجود القواسم المشتركة بين تجليات هذه المفاهيم في المؤسسات الاجتماعية. لقد ظلّت مفاهيم مثل (الجامع والجامعة والجماعة) في منأى عن الدراسة البحثية في أصلها واشتقاقها وما ترمي إليه من دلالات، قديماً‏وحديثاً على حدّ سواء… ومن هنا تأتي أهمية وضرورةالموضوع الذي تناوله الكتاب عبر أقسامه الثلاثة.

مادام الكتاب يبحث في المكونات المفاهيمية والتكامل المعرفي، لابد إذن للباحث من أنْ يستهل القسم الأول من أطروحته هذهِ بتفصيل المصطلحات الثلاثة، والكشف عما يَرمي إليه الجذر اللغوي الذي يربط بينهما جميعاً. ليس ذلك فحسب، وإنما سعى المؤلف إلى أخذ المشتركات اللفظية بين هذه المصطلحات بعد اشتقاقها اللّغوي ليكتشف لاحقاً أن ثمة أسراراً في هذا الإشتراك تكسب العلاقة الوجودية فيما بينها أهمية إضافية للوجود الإنساني نفسه. إذ سوف ترتكز هذه المفاهيم إلى بنية معرفية تسعى إلى تجليات تنظيمية على أرض الواقع، خصوصاً فيما يتعلق بالمجتمع والأمة، وأمورهما العامة، وماله من أهمية وضرورة على حياتهم، في حاضرهم ومستقبلهم.

(الجامع) وهو اصطلاح متعدد الوجوه والسياقات كما يورد ذلك الكاتب (الميلاد) في بحثه، يجمع بين كونه اسماً من أسماء الله الحسنى، وهو في مجال اللغة ما يجمع الناس. والأمر الجامع في (معجم ألفاظ القرآن الكريم) هو الذي يقتضي أن يجتمع الناس له ويتعانوا عليه، وكذلك فإنَّ الأمر يصدق على كل ما من شأنه أن يجمع امر الناس في انتظام حياتهم وحفظ نظامهم العام بشكل مستمر. كوجود الدستور والقانون والسلطة وما شابه… وفي هذا الإطار يستفيد الباحث من الرجوع إلى التفاسير القرآنية المختلفة في تحديد معنى (الجامع)، ويميل إلى الآراء التي أطلقت الأمر الجامع من حدوده الضيقة وجعلته يدور في دائرة واسعة تشمل أمور السلم والحرب، والشؤون الداخلية والخارجية، والأمور العبادية والسياسية والإقتصادية والاجتماعية والتربوية وما إلى ذلك.

ومن الأسماء والإصطلاحات التي تنضمّ إلى كلمة (الجامع) أيضاً يلفت الباحث النظر إلى (الكلام الجامع) الذي يرتبط باللّغة ونظمها البلاغية، وقدرتها على تكثيف المعاني، فهو يعني ما قلَّت ألفاظه وكثرت معانيه.

وبهذا المعنى أيضاً يُقال (جوامع الكلم) وهو ما اتصف به البيان القرآني كما جاء على لسان النبي الأكرم (ص) «أُتيت جوامع الكلم» يعني القرآن الكريم، الذي اجتمعت فيه المعاني الكثيرة التي لاتنفد في الألفاظ القليلة… وقد أشار الباحث إلى بُعد هذهِ السمة القرآنية بقوله «إنَّ المفسرين إلى اليوم، مع كثرة التفاسير، القديمة والحديثة والمعاصرة، وتنوع اختصاصاتها اللغوية والكلامية والتربوية والعرفانية، ومع ما يوليه العلماء والمختصون من اهتمام بالقرآن وتفسيره وعلومه ومعارفه، فلا أحد منهم يقطع بأنه تمّ استنفاد معاني القرآن، بل إنّ أكثر من يشعر بكثافة معاني القرآن وتجدده هم المفسرون أنفسهم» ص٥.

ولحيوية القرآن الكريمة هذه، أهمية بالغة في صياغة نمط الحياة في كل عصر وزمان، ولذلك، أكد الباحث على أنّ افضل طريقة للتعامل مع معارف القرآن أنْ ننظر إليه في كل عصر كما لو أنه أنزل علينا الآن… وقد وصف القرآن نفسه فظهر عجز البشرية على الإحاطة بكل ما احتواه من كنوز ومعارف، كما في قوله تعالى {ولو أنَّ ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات اللّه إنَّ اللّه عزيز حكيم}.

إنّ المؤلف يشتغل على محور مهم ينطلق على شكل شعاع من مصدر واحد، فلفظ (الجامع) يستبطن الكثير من المعاني في وقت واحد… إلاّ أن معنى خاصاً ومحدداً‏هو المقصد الرئيسي في دراسة هذا المفهوم - كما يقرر الكاتب ذلك، ألا وهو (المسجد) المكان الخاص للعبادة، وما بين الجمع والمسجد من حيث الإستعمال في العرف واللّغة هناك ثلاثة استعمالات أوردها الكاتب بهذا الخصوص:

الأول: الإستعمال على سبيل الترادف، كأنْ نطلق على المكان الخاص للعبادة، تارة عنوان المسجد، وتارة عنوان «الجامع» كما هو حاصل في المجتمعات الإسلامية، ففي مناطق كالخليج والجزيرة العربية ويستعملون اسم «المسجد» وفي بلاد الشام والعراق وشمال أفريقيا يستعملون اسم «الجامع «.

الثاني: يقال المسجد الجامع، مع الألف واللام في لفظ المسجد، والجامع هنا نعت للمسجد لأنه علامة للإجتماع.

الثالث: يقال مسجد الجامع، من غير الألف واللام في لفظ المسجد، ويُراد من الجامع هنا الإضافة، كقولك: الحق اليقين وحق اليقين، بمعنى مسجد اليوم الجامع، وحق الشيء اليقين، لأن إضافة الشيء إلى نفسه لاتجوز إلا على هذا التقدير.

إنَّ المؤلف لايرغب - كما يبدو من سياق بحثه - أنْ يستعجل في طرح وجهة نظره التي ارتكزت على بحثه الحثيث عن إمكانية وجود تفريق في الإستعمال بين (المسجد الجامع) و (المسجد) حيث تأتي إضافته في هذا المجال في الإشارة إلى؟ وجود تفريق عملي في التعاطي مع الأول أو الثاني، إذ يمكن القول - والكلام للمؤلف - إنّ «المسجد» هو مفهوم خاص ومضمونه عبادي، والجامع مفهوم عام ومضمونه اجتماعي، في المفهوم الخاص يلحظ في المسجد علاقة الإنسان بالله سبحانه وتعالى، وفي المفهوم العام يلحظ في الجامع علاقة الناس بعضهم ببعض (ص٧).

ثم يسوق الكاتب مجموعة من الأدلة التي تُبرّر تسمية مكان العبادة هذا بـ (المسجد) وما يرمي إليه (السجود) من عملية تربوية تصنع الإنسان كماينبغي أن يكون تطهيراً له من صنعة التكبر التي هي جذر صفات الفساد والإفساد في الأرض. أدلة الباحث ارتكزت بالدرجة الأولى إلىآيات القرآن الكريم وتفاسيرها المشهورة والمقبولة عند جميع المسلمين.

أما عن مفهوم الجامع وعلاقة ذلك بالمضمون الإجتماعي، والذي نستفيده من دلالات اللفظ، ومن حقيقته، ومن حكمة المسجد في الإسلام وفلسفته في التشريع الإسلامي. الجامع إنما سمّي بهذا الإسم، لأنه المكان الذي يجمع الناس ويجتمعون فيه، ويكون جامعاً‏لهم، وهذا الجمع والإجماع يكون على نحوين: على نحو الإنشاء، وعلى نحو الإخبار، وعلى كليهما يصحّ، فعلى نحو الإنشاء، فإنَّ الإسلام أعطى من المكانة للمسجد، ما يجعله محوراً‏في حياة المجتمع وفي أنشطتهم العامة، وذلك لمحورية الدين في حياة الأمة… وإذا كان في كل مجتمع بشري محور ومركز يلقي ويجتمع فيه الناس، ويتبادلون فيه قضاياهم ومنافعهم، ويتشاورون في أمورهم فإنّ المسجد هو محور ومركز المجتمع الإسلامي… وما يكشف عن محورية المسجد في المجتمع الإسلامي، هو وصفه ونعته بالجامع، أي الذي يكون جامعاً على الدين لكل الناس بكل فئاتهم المهنية، للمعلم والطبيب والمهندس والمحامي والإداري وللباحث الإجتماعي وغيرهم، وطبقاتهم الاجتماعية للفقير والغني، للرجل والمرأة، ومذاهبهم الدينية التي تلتقي على أصول الدين، لأن المسجد هو بيت الله في الارض، فلا يصح أن يكون لمذهب دون آخر، أو لمرجع دون مرجع، أو لمنطقة دون منطق

ة، أو لجماعة دون جماعة، أو لعائلة دون عائلة، أو لفئة دون فئة (وأنّ المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً)، فالمسجد هو المؤسسة التي تؤسس لوحدة الأمة وتحفظ ترابطها وتماسكها، وتجمعها على الدين الواحد (ص١٠).

من هنا، يؤكد الباحث على ضرورة أن يحرص المسلمون في كل مكان على وحدة المسجد لأنه عنوان دينهم وأطروحتهم التي تحمل الحل الناجع للآخرين، فالإسلام الحضاري بإشعاعه العلمي والأخلاقي الرفيع يجب أنْ ينطلق من المسجد الذي يتجاوز الإختلاف ويترفع عن الصغائر التي هي أساس الشقاق والفرقة، ليعطي بذلك النموذج الأمثل لوحدة الناس وتكاتفهم واجتماعهم على أمرٍ واحد.

وثمة علاقة ثلاثية الأبعاد بين المسجد كمضمون عبادي وبينه كمضمون اجتماعي تتلخص في علاقة العبد بربه وخالقه جلّ وعلا، وبين الإنسان وأخيه الإنسان، وبين الإنسان ونفسه، والإسلام جاء كما هو معروف ليلبي حاجة الإنسان إلى هذه العلاقات الرئيسة والعامة، لأنّ تعاليم الإسلام تتفرع إلى ثلاثة أمور: إلى تعاليم عقائدية، وتعاليم أخلاقية، وأحكام تشريعية (ص١٤).

[٢]

ثم انتقل المؤلف إلى إكمال ما بدأه من البحث في المكونات المفاهيمية لمصطلحي (الجامعة والجماعة) فأورد على الأول منها جملة من الإستخدامات المشفوعة بالأحاديث والروايات والتواريخ الزمنية، وكلها تصب في معانٍ متشابهة تقريباً. فمن (الجامعة) وهو سفر من الأسفار في الكتاب المقدس العهد القديم، إلى (الجامعة) وهو كتاب في تاريخ التشريع الإسلامي اشتهر عند الشيعة الإمامية، وينسب إلى الإمام علي (ع) أملاه عليه رسول الله (ص) يفصل فيه الحلال والحرام وأمور الدين وكل شيء يحتاج إليه الناس… كما يطلق لفظ (الجامعة) على الغُلّ أي القيد وقيل له ذلك لأنه يجمع اليدين إلى العنق.

أما أقرب مصداقٍ للأذهان على هذا المفهوم (الجامعة) فهو تلك المؤسسة التي تدرس التعليم العالي. فاستعرض المؤلف جزءاً من تاريخ هذه المؤسسة منذ نشأتها حتى الوقت الحاضر. لكن أهم مفصل في الحديث عن هذا المفهوم هو تحليله الذي عمد الباحث إلى إبرازه من خلال ردّ (اللفظ) إلى اصله اللّغوي والمعاني التي يحتويها فيخلص (الميلاد) إلى إضافته في هذا المجال، وهي دراسة العلاقة بين أمرين اثنين يجتمعان في هذه المؤسسة هما (الإنسان والعلم). هذه العلاقة التي ترسم ملامح مسيرة الإنسان العلمية في (الجامعة) حيث يتلقى العلم مجتمعاً بعد أنْ كان متفرقاً، وهذا يؤكد على حيوية وضرورة التعليم الجامعي للإنسان والمجتمع، لأنّ في هذه المرحلة يكتسب الإنسان النضج العلمي بما يُهيئه على العطاء العلمي وتحكيم العلم في حياته وعلاقاته ومواقفه، والنظر إلى الأمور من حوله من أحداث ووقائع وقضايا ومتغيرات من منظور العلم، الذي يكسب صاحبه التبين والتثبت والإحاطة، وأخذ الأمور بجدية وموضوعية، وكل هذه المواصفات هي من شروط المجتمع المتحضر… ونحن بحاجة إلى؟ أنْ نرتقي إليها، والإسلام بنظرته إلى العلم يقدم لنا الإختيار الأمثل لهذه المواصفات، لو أننا حاولنا أنْ نتفهم هذه

النظرة ونحيط بأبعادها وشروطها.

أما لفظ (الجماعة) فينال حظه من البحث أيضاً‏في هذا الإطار، فيسوق الباحث هنا تعريف اللفظ وجملة مصاديقه على أرض الواقع التي تتعدى حدود الإنسان أيضاً إلى الحيوان والشجر. ومن ميزات هذا اللفظ أيضاً أنه يصنف الأشياء تقديماً وتأخيراً وتعداداً وغير ذلك… يذكر المؤلف أنّ الجماعات البشرية تصنف في أوسع وأبسط أصنافها إلى صنفين رئيسين هما: ‏الجماعة الأولية، والجماعة الثانوية… وتتسم كل واحدة منهما بسمات خاصة تميزها عن الأخرى من حيث لمبدأ والغاية على حد سواء.

في علم النفس يطلقون على الجماعة الأولية بالجماعة المرجعية وتعرف عندهم بالجماعة التي نعتبر أنفسنا من أعضائها والمنتمين إليها، ومنها نستمد القيم والأهداف والمعايير الرئيسية.

أما في الدراسات الاجتماعية فيفرقون بين ثلاثة ظواهر اجتماعية، بين التجمع والجماعة والمجتمع.

ويسوق المؤلف دلائل وابعاد (الجماعة) في المنظور الإسلامي ضمن حقائق ثلاث عرض لها بشكل مفصل وموجز في سياق حديثه، واستنتجها مدعّمةً بالأحاديث الشريفة للرسول الكريم (ص). حيث يتوصل بعدها إلى حقيقة مهمة وهي أنّ كل ما نراه من الإسلام من تأكيد على الجماعة والتعاون والتراحم والتكافل هو الذي يوصل بالمجتمع في صورته المتحضرة إلى مجتمع المؤسسات الأهلية والتعاونية.

من هنا فإن المفهوم الذي يقدمه الإسلام عن المجتمع هو في حقيقته ما يصطلح عليه بالمجتع الأهلي، أي المجتمع الذي يبلور نفسه وأنشطته في أطر تعاونية ومؤسسات أهلية تقوم بواجب الصالح العام، والخدمة الاجتماعية العامة بما يحقق للمجتمع تعاونه وتراحمه وتكافله، وتقدمه وتحضره (ص٢١).

[٣]

بعد أن انتهى الباحث من تحليل المفاهيم على طريقة تفكيكه لها بشكل مستقل، واستجلى دلائلها ومكوناتها واستعمالاتها واستخداماتها، عمد إلى تركيبها من جديد، ولكنه صنف هذا التركيب إلى (جزئي وكلّي).

في التركيب الجزئي بحث المؤلف علاقات هذه المفاهيم ثنائياً، ولايخفى ما لهذه الطريقة من أهمية بالغة في دراسة القرائن واتجاهاتها المعرفية في أطرها الخاصة، حيث - كما أشار الباحث - أن القصد من وراء التركيب الجزئي في دراسة المفاهيم ثنائياً، هو السعي وراء اكتشاف ما بين هذه المفاهيم من دلالات وعلاقات ومكونات، تمهيداً‏للتشخيص التام في صياغة التكامل المعرفي… مستعيناً في ذلك بما توصل إليه في علم اللسانيات من معرفة أهمية العلاقات الدلالية بين الكلمات.

أولاً: الجامع والجامعة

يشير الباحث إلى وجود علاقات دلالية بين هذين الإصطلاحين، كلاهما يجمع الناس لغرض معين، الأول للعبادة والثاني للعلم، وليس بين العلم والعبادة اي تباين أو تضاد. وينطلق (الميلاد) من (العلم) ليكشف عن جوهر العلاقة المفترضة بين الجامع الذي محوره العبادة وبين الجامعة ومحورها العلم من خلال المنظور الإسلامي. فيورد بعضاً من مكونات هذا المنظور تتلخص في:

١ـ إن الإسلام شرع العلم قبل العبادة، والدليل على ذلك واضح في الكتاب والسنة وأنّ ثمة دلائل يمكن اعتبارها قواعد ثابتة في تفصيل هذه الخطوة التشريعية هي:

- الإسلام يبني حركة الإنسان في الحياة على قاعدة العلم.

- الأمر الإلهي القرآني (إقرأ) يُفيد الإستمرار ويعني عدم التوقف عن طلب العلم.

- القراءة لاتصدق إلا على شيء مكتوب، مما يكسب المجتمع الأمانة العلمية والتوثيق وحفظ التراث والعلم وتراكمه وانتقاله، وكل هذه من موجبات الحضارة.

- بين تسمية كتاب الله سبحانه بـ (القرآن) و (القراءة) يمتد خط دلالي يشير إلى الإستمرارية في قراءة هذا الكتاب العظيم وتدبر معانيه وفهمه على أكمل وجه، واستنطاقه في كل عصر.

٢ـ إن الإسلام أعطى للعلم منزلة العبادة، وفضله عليها، والتفضيل هو على غير العبادة الواجبة، مما يشير إلى أهمية العلم وخطورته في حياة الإنسان… وساق المؤلف بعض الأحاديث التي تؤيد هذا الرأي وأبرز أهم الحقائق التي تحتويها هذه الأحاديث الشريفة.

٣ـ أعطى الإسلام من المكانة للعلم ما جعل به الإنسان يرتفع درجات، وجعله أيضاً مقياساً للتفاضل. وفي هذا الإطار يشير الباحث إلى التقدم العلمي والحضاري الذي ناله المسلمون في عصورهم الذهبية، حينما كانوا يضعون العلم في مقدمة الواجبات التي يؤدونها تجاه دينهم ومجتمعهم، بل والعالم أجمع، وذلك لوجود علاقة وثيقة بين العلم والدين الذي جاء من أجل البشرية جمعاء، وهذا ما يؤكد - على حدّ رأي الباحث - أنّ العلاقة بين الجامع والجامعة ليست علاقة افتراضية، أو أنّ من غير الممكن أن تجتمع هذه العلاقة، بل هي العلاقة التي يكشف عنها الواقع التجريبي بأصالة العلاقة بين العلم والدين… ثم فصل الباحث أهم الأهداف التي أُنشئت من أجلها الجامعات العربية ومناهجها. موضحاً العلائق الوشيجة التي بين الجامع والجامعة كونهما يديران دفّة العلم في سفينة واحدة، إن لم يكن الجامع يفوق الجامعة بحيويته الاجتماعية ووظائفه الإنمائية في ميادين الإنماء الثقافي والعلمي والإجتماعي في المجتمع.

ثانياً: الجامع والجماعة

الجماعة - كما يرى الباحث الميلاد - أحد مكونات الجامع مفهومياً، وهذا طبيعي لأنّ الجامع بدون جماعة يفقد دوره الإجتماعي بشكل واضح. من هنا فإنّ وظيفة الجامع هي إيجاد الرابط المفاهيمي الذي يجمع الناس فيه، وبذلك يكتسب الجامع صفة حركية مستديمة تجمع الناس في كل شؤونهم العامة… وقد ركز الإسلام على ضرورة تواصل المجتمع مع الجامع ابتداءً من الصلاة انتهاءً بحلقات العلم والتدارس بكل ما هو جديد في حياة المسلمين ومستجدات الحياة والعالم الذي يعيشون فيه وينتمون إليه…

ولعل منهجية الأحاديث الشريفة المنسوبة إلى الرسول الكريم (ص) والأئمة الطاهرين من آله (عليهم السلام) عملت على ترويض المسلمين وتعويدهم على الإتصال بالجامع على شكل جماعات لتحصيل الكثير من الفوائد التي يلمسونها لاحقاً بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.

هذه المنهجية التي ترتكز على المضامين الاجتماعية يستكشفها الباحث من تأكيد الإسلام على المقاصد الاجتماعية في الأحكام والأخلاق والمفاهيم وغيرها. ومن هنا تأتي ضرورة الفهم الإجتماعي للنص الديني، هذه النصوص التي تشترك حتماً في تأسيس تصورات عامة عن كل المفاصل والمفاهيم المهمة في الدين الإسلامي وتشريعه، بل وحتى في المفاهيم السياسية والتنظيمات المدنية على حد سواء، مثل مفهوم (الأمة) و (الحكم) وما إلى ذلك من المفاهيم.

الإسلام هنا، له تصوراته أيضاً عن المجتمع والتاريخ والعلاقات الإقتصادية والاجتماعية والسياسية والتربوية، كما للمذاهب الفلسفية الأخرى من تصورات ونظريات ومفاهيم، لكنه يعتبر؟ أنَّ المدرسة الاجتماعية الأولى تنطلق من الجامع الذي يجمع الناس ويحتك بهم باستمرار، عبادياً واجتماعياً.

ثالثاً: الجامعة والجماعة

أخيراً يبحث المؤلف في القسم الأخير من الكتاب العلاقة بين الجامعة والجماعة، وهي علاقة نسبة العموم المطلق التي لانريد الدخول في تفصيلاتها، بل كل ما تريد الإشارة إليه هنا هو أنّ الجامعة مثلها مثل الجامع في تواصله مع الجماعة وظيفةً وتنظيماً، فمع التغير المستمر في هذه الجماعة الأكاديمية (الجماعة في الجامعة)، بين من يتخرج منها، وبين من ينضمّ إليها، الشيء الذي يجعل الجامعة تستوعب أجيالاً كثيرة ومتلاحقة من المجتمع الكبير، مما يضيف إليها القدرة على أن تُنشئ جامعاً بين الناس مداره قاعدة العلم… الجامعة تُنشئ جماعة على النحو العلمي وبالقدرات العلمية، والجماعة تنشئ جامعة على النحو المادي وبالقدرات المادية… وأول ما تأسست الجامعة قامت على القدرات الأهلية وفي مجتمع أهلي لأنها جاءت تلبية لحاجاته ومتطلباته من النمو والتقدم، وهذا يفترض أنّ العلاقة بينهما - بين المجتمع والجامعة - وثيقة الصلة والإرتباط.

ولهذه العلاقة الوطيدة بين الميدانين خطورة واضحة، فالجامعة مادامت ضرورة اجتماعية يجب أنْ تتخلص من الكثير من المساوئ التي قد تعترضها في مسيرتها العلمية. وقد اشار الكاتب إلى هذه المساوئ في معرض حديثه عن أهمية الدور الذي تقوم به الجامعة في المجتمع وذكر أهمها مثل (اتخاذ هذه المراكز العلمية مشاريع تجارية وحسب، ووجود قطيعة معرفية بين مايدرس في الجامعة من علوم وبين الواقع المعاش مما يجعل الجامعة تشبه إلى حد كبير برجاً عاجياً ينظر المرء من خلاله إلى المجتمع من شاهق بعيد كما حدث مع بعض الجامعات الغربية في بعض العصور)

ولقد ساق الباحث جملة من الآراء والنظريات التي تبين خطورة الدور الذي تقوم به الجامعة في المجتمع، لأنها تتوجه أولاً إلى الجماعة الإنسانية التي تنشأ في وسطها مما يحتّم عليها أنْ تقوم بخدمتها الاجتماعية أولاً وفوق كل اعتبار.

وفي هذا السياق يتطرق الباحث إلى الأزمات التي تعاني منها جامعاتنا العربية التي لم تستفد حتى من التجارب الإنسانية العالمية (ألمانيا وكندا). وفصل الكلام في ذلك مدعوماً بالأدلة والبراهين الحية وبأقوال أشهر الجامعيين في هذين البلدين.

إنّ الطرح الذي يؤكد على خطورة الدور الجامعي في الخدمة الاجتماعية يتفق مع المنظور الإسلامي - كما يرى ذلك الباحث - حيث استجلى مجموعة من الحقائق والنصوص الإسلامية كان أهمها: ١ـ إنّ العلم ليس كسباً ذاتياً للنفع الخاص، بل هو مسؤولية في النشر والتبليغ.

٢ـ إنّ العلم ليس ملكاً لأحد من الناس أو لأمة خاصة بل هو لكل الإنسانية جمعاء.

٣ـ إنّ هذا يصدق على جنس العلم وكل ما يدخل تحت عنوانه من إنماء وعمران وتقدم شامل.

٤ـ إنّ أشد أنواع العلم تأكيداً على نشره، وذماً على كتمانه هو علم الدين.

٥ـ إنّ الإسلام بهذا التأكيد والإلزام إنما يريد أنْ يقضي على كل مظاهر الجهل والأمية والتخلف.

٦ـ إنّ التثقيف والتوعية والتبليغ هي مسؤوليات يشترك فيها كل إنسان اكتسب علماً فيه نفع للناس. ومن هنا تأتي مسؤولية تبادل المعلومات بين الناس في المجتمع الواحد، وبين المجتمعات المختلفة أيضاً.

وقد أثبت الباحث علاقة الجامعة بالجماعة من خلال بعض الصور التاريخية في العصر الإسلامي التي جمعت الناس في جامعات العلم والتي انطلقت من الجوامع نفسها تماشياً مع سمات تلك العصور.

[٤]

ثم يصل الباحث (الميلاد) إلى القسم الثالث والأخير من كتابه، وقد بحث فيه مسألة التكامل المعرفي الكلّي التي أشرنا إليها في مكان سابق من هذه القراءة.

يبدأ المؤلف من التمعن في الواقع ودراسته من أجل أنْ يتشخص الموضوع الخارجي، وحتى يتسنى التعرف على نوع الإشكاليات المعرفية، وحجم المشكلات الموضوعية واستحضارها، كمعطيات حيوية يستعان بها على بلورة وتأسيس ما يمكن تأسيسه من التكامل المعرفي، خصوصاً - كما يرى الكاتب ـ؟ أنّ الواقع قد يكشف لنا كيف ولماذا تفككت الروابط بين هذه الأبعاد والمفاهيم التي اجتمعت وتكاملت في ظل الحضارة الإسلامية، والتي لاتتكامل على ما يبدو إلا مع حالة حضارية تبعث على الإحياء والإنماء والتقدم.

إنّ ثمة أزمة يحددها الباحث قد أصابت هذه المفاهيم (الجامع والجامعة والجماعة) أفقدتها تماسكها وعناصر فاعليتها الحيوية، وتشكل بنيتها النظامية على صورة مؤسسات فاعلة، وهذا ما حاول الباحث أن يتعرف عليه قبل أنْ يشرع في دراسة التكامل المعرفي بين هذه المفاهيم.

إنّ الأزمة التي أشار إليها الكاتب في هذا القسم من الكتاب توزعت في مشكلة عانت منها هذه المؤسسات الثلاثة وأفقدتها حيويتها.

بالنسبة للجامع في مجتمعاتنا الإسلامية الراهنة فقد الكثير من عناصر قوته التي كانت تُكسبه مكانة محورية في حياة المجتمع ووظائفه العامة، وقد تحجم كثيراً في ميادين أنشطته وفعالياته، حيث فقد دوره العلمي الحيوي مما سبب انفكاك الجامع عن الجامعة مما أثر بشكل كبير على المستوى الثقافي، حيث يبدو ذلك واضحاً من الفرق الشاسع بين العصر الذي نعيشه وإمكانية التعاطي مع هذه المؤسسة وبين تعاطي المسلمين لها في العصور الذهبية للإسلام. وينطبق هذا القول على الجانب الإجتماعي أيضاً، وما أصاب الأمة الإسلامية من تقسيمات مفرقة انعكست على الجامع أيضاً ضمن طوائف ومذاهب متعددة من جهة، وغياب بعض الحالات الاجتماعية في هذه المؤسسة من جهة أخرى كانحسار حضور المرأة للجامع في عصرنا الراهن.

ومشكلة الجامعة هي تلك القطيعة الواضحة بين واقعها العملي وبين واقعها النظري الذي بنت الشعوب من خلالها آمالها وطموحاتها الكبيرة، خصوصاً ونحن نعيش زمناً مثقلاً بالمشكلات العلمية والفكرية والاجتماعية والتربوية على حد سواء، ففي الوقت الذي كان من المنتظر أن تقدم هذه المؤسسات التعليمية البرامج والخطط والحلول الجادة والمدروسة لمشكلات الواقع، أُصيبت هي بنفس المشكلات، وبصورة تعرضت من خلالها للضعف الذي يقارب الشلل.

وقد فصّل الكاتب بعض المشكلات التي وقعت فيها الجامعات الإسلامية في عصورها الأولى وامتدت حتى عصرنا الحاضر، وساق جملة من الأدلة التاريخية التي توضح تأثير هذه المشكلات على الدور الريادي للجامعات الإسلامية في المجتمع بشكل عام، كما فصل الباحث الحديث أيضاً عن بعض المشكلات الخاصة بمنهجية الدراسة والبحث العلمي وأهميته الحضارية القصوى في إبراز القيمة العلمية في تحليل الأوضاع الراهنة التي تعيشها الأمة.

ومشكلة (الجماعة) تتلخص في أننا في العالم العربي والإسلامي نعاني من نقص واضح لظاهرة الجماعات الأهلية المتطوعة، بل إنّ الموجود منها يحمل في داخله قابلية التفتت جزئياً أو كلياً، أو أنها معرضة للإنقسام والإنشطار والمنازعات في داخلها. خصوصاً‏تلك التي لم تتحصن ن رواسب الواقع المتخلف.

غلبة الشخص على المجموع أيضاً‏من أبرز مشاكل (الجماعة) في واقعنا العربي والإسلامي مع ضعف نظام الشورى في حياة الجماعة، ونقص في الخبراء والكفاءات العالية وسيطرة حالة التحزّب التي قد تصل إلى نوع من العصبية. يطرح الباحث (الميلاد) بعد هذا العرض لمشكلات المؤسسات الثلاثة، صور التكامل المعرفي، بعد أنْ قام بنقد وتفكيك هذه المصطلحات ودراسة مكوناتها المفاهيمية، ويقصد بالتكامل المعرفي تركيب المكونات المفاهيمية لهذه المصطلحات في إطار منهجي يقبل الضبط والإستيعاب ما أمكن، ليصل في النهاية إلى نظرية هي محصلة البحث. إنّ ثمة مشتركات كقواسم عامة لهذه المصطلحات الثلاثة يستفيد الباحث منها كمعطيات يوردها على شكل نقاط موجزة هي:

١ـ الإرتكاز على العنصر البشري، فهذا العنصر مقصود في مفهوم الجامع والجماعة والجامعة.

٢ـ خاصية الجماعية.

٣ـ هذه المفاهيم تعبر عن حالة لها خاصية الجمع، الجامع محوره الدين والعبادة، والجامعة محورها العلم، والجماعة هي الأخرى تأسس على صفة الجمع في كل الأحوال.

٤ـ إن كل واحد من هذه المفاهيم يتمثل ويستوعب المفاهيم الأخرى، فمن الممكن أن تجتمع الجامعة والجماعة في الجامع، وأنْ يجتمع الجامع والجماعة في الجامعة، وهكذا بالنسبة إلى الجامعة.

وبهذا يمكن صياغة التكامل المعرفي على ثلاثة محاور هي:

أولاً: التكامل المعرفي في صورة أن تتكامل هذه المفاهيم في كل واحد منها.

ثانياً: التكامل المعرفي في صورة أن تكون الجماعة هي القاسم المشترك للجامع والجماعة.

ثالثاً: التكامل المعرفي في صورة أن تتكامل هذه المفاهيم التي نتوصل عن طريقها إلى نظرية تأخذ من كل هذه المفاهيم.

أما الحديث عن التكامل الوظيفي، فيشير الباحث إلى أنّ المسجد سوف يقوم بوظيفة ذات أبعاد ثلاثة هي: الوظيفة الدينية والوظيفة العلمية والوظيفة الاجتماعية. وقد فصّل الحديث حول آلية الإستفادة من المسجد كمؤسسة فعالة تقوم بكل هذه الوظائف وساق المبررات الكافية التي تلزم الجميع بمن فيهم الدولة والسلطة للتوجه لتفعيل هذه المؤسسة، لا أنْ تسلبها وظائفها وخدماتها المتعددة في المجال العلمي والديني والاجتماعي. ولابد لكي يقوم المسجد بوظائفه هذه من أنْ يتداخل مع الجامعة لضرورة هذا التداخل، واستشهد الباحث بمقولات شهيرة في هذا المجال كمقولة المفكر الإسلامي المرحوم مالك بن نبي «شبر للجامع في الجامعة خير من أمتار للجامع خارج الجامعة «.

إذن ثمة تكامل معرفي ووظيفي يرتبطان بهذه المؤسسات ويشاركان في تطويرها بشكل مباشر وفعال في الوسط الإجتماعي الإسلامي.

بقي التكامل على مستوى التأسيس والذي تحدث عنه الكاتب مشيراً إلى أهمية أن تنبثق هذه المؤسسات في التجمعات البشرية على أساس العلم والدين مستشهداً بمقولة السيد محمد باقر الصدر (رض) أن الإستخلاف من الله تعالى استخلاف للجماعة وهي (الجماعة) مسؤولة أمام الله تعالى. مما يعني أنّ الإسلام يريد أن يستنهض كل الأمة لكي يؤهلها للقيام بوظيفتها العامة في عمران الحياة وبناء الحضارة.

ومن هذه الصورة يصل الباحث إلى المستخلص النهائي الذي يبلور من خلاله نظرية هي محصلة البحث، وهي باختصار شديد.

الدين والعلم والإنسان = البناء الحضاري

الدين يرمز إلى الجامع، والعلم يرمز إلى الجامعة والإنسان يرمز إلى الجماعة، وباهتمامهم بمنهجية التكامل المعرفي يتحقق البناء الحضاري والعمران الإنساني… الدين والعلم يصنعان الإنسان، والإنسان بالدين والعلم يصنع البناء الحضاري.

هكذا يفصّل الباحث العلاقة الوطيدة بين هذه المفاهيم الثلاثة تحت عناوين متعددة تعطي هذه المفاهيم أبعاداً جديدة، أو لنقل أبعادها الحقيقية التي ينبغي أنْ ندركها كما هي في الحقيقة… هذه الأبعاد تزيل كل الإلتباسات الحاصلة في هذا الموضوع الذي يربط بين الإنتاج الفكري الذي تقدمه هذه المؤسسات الثلاثة للمجتمع، حيث نكتشف بعد هذا الفهم الواعي لهذه التيارات الثلاثة في المجتمع الإنساني أنْ لاتناقض بين الدين والعلم، كما أنه لاتناقض بين الجامع والجامعة، وكل هذه الخلافات السائدة في بعض الكتابات حول هذا الموضوع إنما هي مصطنعة ومزيفة ولاترتكز إلاّ إلى فهمٍ خاطئ للدين وتجلياته في أرض الواقع والتي تتمثل في الاجتماع الإنساني في الجامع والجماعة.

والخلاصة التي يخرج بها الكاتب هي أنّ البناء الحضاري المتوازن، والعمران الإنساني الناضج والفاعل، إنما يتشكل من ثلاثة أركان أساسية: الدين والعلم والانسان، وبعبارة أخرى الجامع والجامعة والجماعة.

[٥]

مناقشة وتقويم:

تفكيك المفاهيم وتحليلها وردّها إلى بنيتها المعرفية ليس بالعملية السهلة، على الرغم من مقدرة بعض الكتاب على ذلك بصورة عملية، ذلك لأنها تحتاج إلى إحاطة استثنائية بتاريخ تكوّن المفهوم وتطور دلالاته عبر الزمن، والذي يشكل بصورة رئيسية محور العملية الإيصالية التي أصبحت في عصرنا الراهن عاملاً مهماً‏وحاسماً في التنظيمات الاجتماعية. نحن نفهم العالم وكل ما حولنا من خلال الألفاظ التي تختلف أحياناً‏في بنيتها اللغوية والمعرفية عن استخدامنا المغلوط لها، مما يولّد في نفوسنا الخوف والقلق من احتمال ابتعادنا عن معناها الحقيقي، ولانستعيد الرضا والإطمئنان إلى هذا المعنى الحقيقي إلاّ إذا استخدمن منهجية صارمة في البحث عنه والوصول إليه.

والمحور الذي اختاره المؤلف (زكي الميلاد) لكتابه هذا محور خطير وحساس في نفس الوقت، ذلك لأنه يتضمن - كما أرى - المفاهيم الأساسية لعلم الاجتماع ذاته، فعلماء الإجتماع، ومنذ زمن بعيد جداً حاولوا تفسير ظاهرة الدين من خلال دراسة أماكنها التي تتكثف فيها ابتداءً من الكهف ومروراً بالبيع والصوامع والكنائس انتهاءً بالمسجد الذي اكتسب صفة الجامع في ديننا الإسلامي. كذلك فيما يخص الجامعة، وهي ظاهرة اجتماعية تسترعي الإنتباه تدخل ضمن الإهتمامات الرئيسية لعلم الاجتماع لأنها ترمز إلى مكان العلم وهو ظاهرة اجتماعية أيضاً تعبر عن تفاعل الإنسان مع الطبيعة وتعاطيه لها انسجاماً ونفوراً وقلقاً وسعادة… أما المفهوم الثالث وهو (الجماعة) فعلاقته بعلم الإجتماع لاتحتاج إلى شرح وتفصيل.

من هنا تأتي ضرورة التركيز على بنية التطور التاريخي لدلالات المفهوم نشوءاً وتكويناً ووجوداً‏واستخداماً وتحليلاً على صعيد الأبعاد النفسية والاجتماعية التي يتجلى من خلالها هذا المفهوم في أرض الواقع. ولعل الباحث (الميلاد) في كتابه الذي بين أيدينا حاول أن يمسك بطرفٍ قصير من كل ما ذكرنا، دون أن يكلف نفسه عناء تتبع وتقصي المفاهيم الثلاثة المدروسة دلالياً حسب المنهج الحديث في علم الدلالة من (اللسانيات). ولو أنه فعل ذلك، كان سيخرج حتما بنتائج أكثر دقة مما هي عليه الآن في الكتاب. صحيح إنّ اتجاه بحثه لم يستهدف التوقف عند محطة (الدلالة) كثيراً، لكننا نأخذ عليه هذه النقطة بوصفه باحثاً، وعلى الباحث أن لايغفل شيئاً ضرورياً لبحثه بهذا المستوى، لاسيما وهو ـ؟ أي الميلاد - يبحث كما قلنا آنفاً في موضوع اجتماعي خطير وحساس كالذي يحمله عنوان الكتاب.

قولنا هذا لايلغي بطبيعة الحال، تمكن الكاتب من إبراز أهم الجوانب الأخرى من الموضوع بشكل يكاد يكون شمولياً مسجلاً نجاحه في الربط العضوي بين مفاصل الموضوع الرئيسية، خصوصاً في القسم الثاني من الكتاب الذي فصّل فيه الباحث التركيب الجزئي للمفاهيم، حيث قرّب إلى الإفهام القواسم المشتركة بشكل ثنائي تمهيداً للتركيب الكلّي الذي أوضحه في القسم الثالث من الكتاب ضمن محور التكامل المعرفي، وهو ما ينبغي أن يكون، حيث حدّد وجهة نظره ورؤيته التي أفصحت عن فهمه الواعي لكل أبعاد المشكلة التي تعاني منها مصاديق هذه المفاهيم الثلاثة. من جانب؟ آخر، أبدع الباحث في الكشف عن الوشائج القوية بين الأنساق المعرفية التي تربط هذه المفاهيم بشبكة علاقات حيوية تستأثر بالإهتمام البالغ في المجتمع العربي والإسلامي، ولعل الإلتفاتة المهمة من قبل الباحث إلى مساهمة هذه المفاهيم في البناء الحضاري تكسب الموضوع أهمية قصوى بالنسبة لمجتمعاتنا بالدرجة الأولى، لأننا بابتعادنا عن تفعيل هذه المفاهيم التي تشكل الحجر الأساس للمؤسسات الحضارية المتقدمة نكون قد ساهمنا بدون وعي في تخلفنا الذي يزيد من ابتعادنا عن مسيرة العالم المتقدم، على الرغم من أنّ المؤلف لم يتوسع ك

ثيراً في الحديث عن كل ما هو اجتماعي وله علاقة بهذه المفاهيم، مما يكشف عن رغبةٍ في عدم التفلت من أسر البحث الموجّه دينياً، مما أدى إلى رجحان كفة الإستدلال الديني لتفعيل هذه المفاهيم أكثر من المبررات الأخرى بشكل عام، صحيح إنّ الدين يمتد بما يشبه القاعدة الواحدة لهذه المفاهيم الثلاثة، إلاّ إننا أنَّ بإمكان المفهوم الثاني والثالث أن يقوما بدون الإرتكاز إلى المفهوم الأول، على الأقل فيما يخص الكثير من الأمور الاجتماعية التي ترتكز إلى قيمة اجتماعية لاتتعارض مع الدين، وإنما هي شأن دنيوي يتوخى تنظيم الحياة وفق مقوماتها وإمكانياتها الخاصة والمحددة في مجتمع من المجتمعات… إنّ هذا الأمر يعيدنا إلى مقولة الإختلاف حول تعريف الحضارة، والتي هي نتيجة النظرية محصلة البحث عند (زكي الميلاد). فإن كانت الحضارة الغربية اليوم عند (الميلاد) كما جاء في الكتاب المشترك بينه وبين الأستاذ تركي الربيعو «الإسلام والغرب: الحاضر والمستقبل» انظر الكلمة العدد ١٩‏ـ حضارة حقيقية فليتذكر إذن أنها قامت على المفهومين الآخرين فقط (الجامعة والجماعة) دون الإعتماد على المفهوم الأول (الجامع) الذي هو «بيت الدين «، وإن لم يكن الباحث يعتبر الحضارة الغربية حض

اة حقيقية، فعليه إذن والحالة هذه أن يضع تعريفاً جديداً للحضارة لايُسقط منه مفهوم (الدين) الذي يتجلى في مؤسسة عبادية واجتماعية يطلق عليها (الجامع) وهي أحد أركان البحث التي تناولها الكتاب.

أخيراً نقول: إنّ الموضوع جديد في طرحه، وممتع ونافع في نفس الوقت، والكتاب مساهمة جدّية لتأسيس حالة جديدة من البحوث التي تعنى بالمفاهيم الأساسية التي نعاصرها اليوم وتمتد في جذورها الفكرية والتاريخية إلى البناء الأول للإسلام فهي ـ؟ اي هذه المفاهيم - حاضرة في الشعور غائبة بشكلها الذي ينبغي ان تكون عليه في الوعي.

ولايعيد إدراكها وتمثلها ذهنياً وواقعياً إلا بحثها ودراستها بتفصيل دقيق وموسعٍ وشامل كالذي فعله الباحث (زكي الميلاد) في كتابه هذا.



[ Web design by Abadis ]