ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 التعددية الدينية \ محمد مهدي الآصفي

[ومن يتبع غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه، وهو في الآخرة من الخاسرين] آل عمران / ٨٥.

¬الأسباب التاريخية لظهور التعددية الدينية:

كان ظهور التعددية الدينية في أوروبا بمثابة (رد فعل) لحالة الكنيسة الكاثوليكية السائدة في أوروبا قبل الثورة الصناعية، ومن المعروف إن الكنيسة كانت في هذه الفترة تمارس نوعاً من الأضطهاد الديني والانغلاق والممارسة القهرية للمعرفة.

فلم تقتصر الكنيسة الكاثوليكية في هذه الفترة على الأنغلاق وقطع الحوار الديني والمعرفي مع الآخرين، وإنما مارست هذا السلوك داخل الأطار المسيحي …. وتاريخ الكنيسة الكاثوليكية في هذه الفترة حافلة بمشاهد كثيرة من الأضطهاد الديني والمعرفي، وقد أدى هذا السلوك الديني في أوروبا الى ردود الفعل قوية جداً، كان منها حركات الأصلاح الديني في هذه …. ومنها الإنشطار الكبير الذي قاده مارتن لوتر وكالفن في المسيحية، ومنها ظهور نظرية (التعددية الدينية)، التي هي موضوع حديثنا في هذه المقالة.

وقد عاش (جان هيك) الأمريكي طرفاً من هذه الحالة من الانغلاق الفكري على الرأي الآخر.

والحواجز الفكرية التي تفصل المسيحية بعضها من بعض، والمسيحية من غيرها من الأتجاهات الفكرية، والمقاطعة الفكرية الصارمة، فتحركت في نفسه فكرة التعددية الدينية، ورفض المطلق في الحق والباطل، وكتب كتابة المعروف عن (فلسفة الدين). ثم توسع المفكرون في الغرب في (التعددية الدينية)، حتى تحول الى تيار فكري في الغرب.

التعددية في التعامل الثقافي والمعرفة:

ولكي ندخل هذا البحث لابد أنّ نفرق بين نوعين من (التعددية). التعددية في التعامل الأجتماعي والثقافي، والتعددية في المعرفة، ويختلف احدهما عن الآخر، كما يختلف حكم كل منهما عن الآخر.

والمشكلة التي تسببت في أوروبا الى ظهور ردود فعل وأزمات ثقافية واسعة هي الأنغلاق في المجال الأجتماعي والتعامل الثقافي …. وكان من جملة ردود الفعل لهذه الحالة التعددية في المعرفة.

لقد كانت الكنيسة الكاثوليكية في أوروبا ترفض الأنفتاح على الرأي الآخر، وتواجهه بالأضطهاد والمقاطعة، ولا تحُْسَن الأصغاء الى الرأي الآخر.

وهذه هي المشكلة، إلاّ إنّ ردود الفعل الأوروبية تجاوزت حدود المشكلة وأدّت الى ظهور نظرية التعددية في مجال المعرفة.

ونتعجل مناقشة هذه النقطة الآن قبل أن ندخل تفاصيل هذا البحث، ونقول: إن القرآن يفتح باباً واسعاً للحوار الديني والمعرفي والثقافي والفكري، ويرفض الأنغلاق في التعامل والتعاطي الثقافي والفكري، ويدعو الى استماع الرأي الآخر والانفتاح عليه، ويحذر من القسوة والغلظة والجفوه في التعامل مع الآراء والأفكار، مهما كانت، ويرغب الى أتباع أدب الحوار، والانفتاح على الحوار.

يقول تعالى: [وجادلهم بالتي هي أحسن، فإذا الذي بينك وبينه عداوه كأنّه ولي حميم].

ويقول تعالى: [الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه].

و (الأستماع) حالة الأنفتاح للرأي الآخر. في مقابل الأنغلاق والقطيعة.

و (الجدال) حالة التعاطي في الفكر والثقافة ويشفع القرآن حالة الانفتاح والاستماع بانتقاء الأفضل (فيتبعون أحسنه)، ويشفع حالة الجدال والتعاطي بأتباع أدب الحوار (وجادلهم بالتي هي أحسن).

ولكن هذا الأنفتاح والتعاطي في الثقافة والفكر ليس بمعنى نسبيّة الدين والمعرفة، وتعددية المعرفة الدينية.

نظرية شلايوماخر في التعددية الدينية:

هناك أكثر من صورة وفرضية للتعددية الدينية، من هذه الصور ما يذهب إليه الباحث الألماني (شلايوماخر) من علماء الكلام في الغرب:

فهو يذهب إلى إن الدين لب وقشور.

أما اللب فهو الأنسلاخ عن الذات والعروج الى الله.

وأما القشور فهو سائر ما في الدين من التعليمات، والأحكام والطقوس.

وكل الأديان على هذه الطريقة. ومن شأن القشور أن تحافظ على اللب.

وعلى ذلك فيجب أن نحافظ على جوهر الدين وأما التعليمات والأحكام والطقوس والتصورات الأخرى في الأديان فلا يجب أن نأخذ بها بصورة قطعية مطلقة.

والأديان كلها تشترك في هذا الجوهر الذي شرحناه آنفاً. والأسلام والمسيحية واليهودية والبوذية والزرادشته والصائبة والهندوس كلها سواء في هذه الحقيقة التي هي جوهر الأديان ولبّها.

وتختلف هذه الأديان في سائر النقاط والتعليمات، وليس لدين من هذه الأديان أن تدعى أنها تحتكر الحقيقة كلها لنفسه دون سائر الأديان.

فإذن الأديان الألهية تتفق كلها في التوحيد والعودة الى الله، وتختلف في الأحكام والتعليمات الأخرى.

وهذه الأحكام والتعليمات في هذه الأديان لا تعبّر عن كل الحقيقة، وإنما لكل دين، وكل فئة دينية حظ من الحقيقة، وفي كل دين من الأديان الألهية، وفي كل مذهب من مذاهب هذه الأديان يجد الإنسان طريقاً الى الله قد تختلف عن الطريق الآخر، ولكنها تلتقي جميعاً في النهاية، في آخر نقطة عند الله.

هكذا يقول شلايوماخر لتوجيه التعددية في المسيحية.

وهكذا وضوع أسس (الشك في الدين) تحت عنوان الأنفتاح والتعددية في الدين.

أخذ (جان هيك) اللمسات الأولى لنظرية (التعددية الدينيّة) أو (البلوراليه). وانتهى الى أن الأديان والمذاهب جميعاً تحتفظ بجوهر الدين.

والتعليمات الدينية، على أختلافها، تخدم وتحقق وتفعّل هذا الجوهر في حياة الإنسان، على درجات مختلفة.

نقد نظرية شلايوماخر:

يتوجه - على الأقل – الى التصور الذي يحمله هذا العالم الكلامي المسيحي (المتكلم المسيحي) نقدان أساسيان.

النقد الأول: أن التعددية الدينية في الرسالات الألهية الأساسية كالاسلام والمسيحية واليهودية والصائبة لم تحصل اعتباطاً، وليس بعضها في عرض بعض، وإنما جاءت هذه الرسالات في امتداد البعض، بصورة تكاملية، يكمل اللاحق منها السابق، ويعد السابق منها اللاحق، وعليه فلا يجوز تصحيح السابق منها في دور لاحق من أدوار حياة الإنسان. ويشبه – الى حد ما - أن يقتصر الطالب على مرحلة سابقة متقدمة من الدراسة، ولا يدخل المراحل المتأخرة منها.

صحيح أن الغاية من الدراسة في كل مرحلة طلب العلم، والتخلص من الجهل، ولكن للتخلص من الجهل في كل مرحلة من مراحل حياة الإنسان تعريف.

فما يتخلص به الإنسان من الجهل في مرحلة الطفولة، غيره في مرحلة المراهقة، وهو غيره في مرحلة الشباب.

إن اليهودية مرحلة من مراحل التكامل الفطري الديني في حياة الإنسان، وليست كمالاً مطلقاً للأنسان، وما يكون كمالاً للأنسانية في مرحلة متقدمة يعتبر نقصاناً له في مرحلة متأخرة.

وليس للتعددية الدينية في رسالات الله تفسيراً غير هذا التفسير.

وما يتصوره هذا المفكر (المتكلم) المسيحي قشوراً للدين، إنما هو مجموعة مناهج علمية وتربوية وتنظيمية تصب في تحقيق هذه الغاية، وهي تحرر الإنسان عن سلطان (الأنا) و (الهوى)، وعروجه الى الله تعالى.

والنقد الثاني: أن هذه الأديان لم تسلم من التحريف في التاريخ …. عدى الإسلام في أصوله وأحكامه الأساسية.

يقول تعالى: [إنا نحن نزلنا الذكر، وإنا له لحافظون]، وأما اليهودية والمسيحية والصائبة فقد تعرضّت لتحريف واسع خلال هذه القرون.

فاضافوا اليها ونقصوا منها الكثير …. وهذه الزيادة والنقيصة تؤدي الى الأخلال بجوهر الدين الذي يتحدث عنها هذا المتكلم المسيحي، ويسلب من هذه الأديان الخاصية الرئيسية للدين، وهي التوحيد.

يقول تعالى عن الذين يقولون ان الله ثالث ثلاثة:

[لقد كفر الذين قالوا: أن الله ثالث ثلاثة، وما من إله إلاّ آله واحد، وان لم ينتهوا عما يقولون، ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم] المائدة / ٧٣.

ويقول تعالى: [وقالوا أتخذ الرحمن ولداً. لقد جئتم شيئاً إذاً، تكاد السموات يتفّطرن منه، وتنشق الأرض، وتخر الجبال هذا] مريم ٨٨ – ٩٠.

فلا يصلح أن تكون اليهودية أو المسيحية أو الصائبة منهجاً للعروج الى الله، بعد هذا التحريف الكبير الذي لحقها خلال العصور المتقدمة.

نظرية جان هيك عن التعددية الدينية:

ويحمل جان هيك في كتابه (فلسفة الدين) تصوراً آخر عن (التعددية الدينية).

وهذا التصور، يقوم على أساس نفي الأطلاق في الحق والباطل في هذه الأديان.

يقول هيك: الذي عرفت هذه النظرية بأسمه: إنّ الصورة التي تقدمها الأديان لـ (الله، الكون، الإنسان) ليست هي الصورة المطلقة للحق. وكل دين من هذه الأديان ومذهب من هذه المذاهب مزيج من الحق ومما يحمله أصحاب هذه الرسالات عن الحق …. وليس مطلق الحق. معنى ذلك أن التصور الديني مزيج من (الموضوعية والذاتية)، كالذي يذهب إليه أيمانوئيل كانت في قيمة المعرفة، حيث يعتقد إن المعرفة الإنسانية خليط من الموضوعية والذاتية.

ونحن نوضح هنا أولاً: مذهب كانت في المعرفة ثم نتحدث عن نقد هذه النظرية …. ثم ننقد نظرية جان هيك في التعددية الدينية (البلوراليه).

نظرية كانت في المعرفة:

يعتقد أيمانونيل كانت – الفيلسوف الألماني – أننا لا ندرك من المادة إلاّ أعراضاً وظواهر نتلقاها بالحس والتجربة مباشرة. أما المادة نفسها، فلا سبيل للحس والتجربة الى إدراكها.

ثم يقوم العقل بتنظيم هذه المدركات الحسيّة والتجربية بموجب المقولات (القوالب) العقلية، الموجودة في العقل بصورة قبلية. وهذه المقولات موجودة في الذهن من قبل، ومهمتها تنظيم الظواهر والأعراض المدركة بالحس.

إذن مواد الأدراك (الأعراض والظواهر الطبيعية التي تدخل حقل التجربة) مدركة بالحس وأما صورتها فهي حاصلة نتيجة فعالية العقل الإنساني من خلال القوالب والمقولات الموجودة في العقل.

إذن، الظواهر الطبيعية التي يدركها العقل مزيج من الواقع الموضوعي الذي يتلقاها الحس وتدخل حقل التجربة، والنشاط العقلي الذي يقوم به العقل من خلال المقولات الموجودة في الذهن بصورة قبلية كالزمان والمكان والعلية.

فنحن لا ندرك من التفاحة – مثلاً – غير الطعم والرائحة والحجم والوزن واللمس واللون …. وهذه جميعاً أعراض وظواهر للتفاحة، وليست هي التفاحة. وأما التفاحة فهي صياغة لذهن الإنسان، وفعالية ذهنية يقوم بها الذهن من خلال المقولات العقلية القبلية الموجود في الذهن كالزمان والمكان.

فالمعرفة التصورية إذن مزيج من المواقع الموضوعي والفعالية الذهنية (الموضوعية والذاتيّة). إن الواقع الموضوعي الذي نتلقاه هو الأعراض فقط، أما التفاحة فهي مزيج من هذا الواقع الموضوعي ومن الفعالية الذهنية التي تشكل الشطر الذاتي من هذه المعرفة.

وكذلك في مجال المعرفة التصديقية نحن لا ندرك شيئاً غير الحرارة والتمدد في المعدن …. وتقدّم الحرارة على التمدد، وهذا كل الواقع الموضوعي الذي يدركه الذهن بالحس والتجربة.

اما علاقة الظاهرة الثانية بالظاهرة الأولى، فهي فعالية ذهنية ذاتية، طبقاً للمقولات القبلية الموجودة في الذهن، وهي مقولة العلية والسببية، التي تربط هذه المدركات الذهنية الموضوعية بعضها ببعض، وهو الشطر الذاتي من هذه المعرفة التصديقية.

فكل معرفة إذن في التصورات والتصديقات مزيج من الواقع الموضوعي والذاتية.

نقد نظرية المعرفة عند كانت:

وعلى نحو الأجمال والأختصار نقول: ان مآل نظرية ايمانونيل كانت في المعرفة هو نفي الواقع الموضوعي للمعرفة.

فإن الدور الذي يعطيه (كانت) للعقل في المعرفة، فعل عقلي، وليس انعاكساً للواقع الموضوعي، وهو ما ذكرناه قريباً من ان المعرفة عند كانت في حقل المادة مزيج من (الموضوعية)، وهي الظواهر الطبيعية التي يتلقاها الحس وتخضع للتجربة، و (الذاتية) التي هي دور العقل في ربط الظواهر الطبيعية بعضها ببعض برابط الزمان أو المكان أو العلية والسببيّة.

وليس إدراك العقل للعلاقة العلية – على رأي كانت – بين تبخير الماء والحرارة، انعكاساً للعلاقة الموضوعية بين هاتين الظاهرتين في الطبيعة. وإنما هو فعل عقلي من خلال مقولات عقلية معبئة في الذهن بصورة قبلية.

وعلى ذلك فإن نظرية كانت في المعرفة تؤول الى نوع من المثالية والمعدّلة.

وتفسير الدين طبقاً لنظرية هذا الفيلسوف الألماني يؤدي بالمآل إلى إنكار واقعية الرسالات الألهية، جميعاً.

نقد نظرية جان هيك:

وعلى هذا الأساس ان مآل نظرية جان هيك هو رفض علاقة الرسالات الألهية بالله تعالى من خلال الوحي، في كل ما ينطق به الأنبياء (عليهم السلام).

ومما لا يختلف فيه الألهيون على اختلاف الأديان أن هذه الأديان بكل ما فيها من التعليمات في الأصول والفروع متخذة من الوحي الألهي مباشرة …. وإنكار أرتباط الدين بالوحي يساوي إنكار علاقة الدين بالله تعالى مباشرة، عند كافة الألهيين وليس بينهم في ذلك خلاف.

والذي يقوله جان هيك من أن الدين مزيج من الواقع الموضوعي للحق الذي جاء الأنبياء من عند الله والمعرفة الذاتية البشرية لهؤلاء الأنبياء، وان الشطر الأول كله حق، وهو ما تتطابق فيه الأديان وان الشطر الثاني، هو ما يختلف فيه الأديان ……

أقول إنّ هذا التصور مخالف لكل الأديان الألهية، وهو بمعنى رفض علاقة الرسالات الألهية، والانبياء (عليهم السلام) بالله تعالى.

حقيقة التعددية الدينية:

إنّ التعددية الدينية، عودة حديثة لمدرسة الشك على الصعيد الديني.

وهذه مدرسة قديمة تظهر وتندثر لعدة مرات في التاريخ، وها هي العودة الجديدة لهذه المدرسة، في نطاق المعرفة الدينية.

وكانت البداية الأولى لمدرسة الشك على يد الفلاسفة (السوفسطائيين) في اليونان الذي كانوا ينفون الواقع الموضوعي للأشياء والحقائق التي يدركها الإنسان إلاّ أن موجة الشك في اليونان لم تقاوم المدارس اليقينية، التي كانت تثبت الواقع الموضوعي للحقائق التي يدركها الإنسان، وآل أمرها الى الإندثار الكامل، وحلت محلها الفلسفات اليقينية.

لكنها ظهرت مرة أخرى في أوروبا الحديثة، على يد الفلاسفة الأوروبيين، وفي مقدمتهم (باركلي) الذي كان يعتقد أن الواقع الموضوع لا يتجاوز ما يُدرِك وما يُدرَك.

أما (مايُدْرِك) فهو النفس، وأما (مايُدْرَك) بالفتح فلا يتجاوز الادراكات النفسية للإنسان، وعليه فلا يتجاوز الواقع الموضوعي: النفس ومُدْركات النفس.

وجاء بعده دافيد هيوم وعمق مبدء الشك الحديث، وعمم الشك على قانون العلية، لأن هذا القانون لايتجاوز مدركات النفس البشرية، وعليه فلا سبيل للإنسان لمعرفة الواقع الموضوعي لقانون العلية خارج إدراكات النفس، وإذا سقط قانون العليّة عن الموضوعية لايبقي سبيل لمعرفة (الله) كما يقول دفيد هيوم، وهذا هو ما أضافه هيوم على سلفه (باركلي).

هذه الموجة من الشكية الحديثة سقطت في أوروبا كما سقطت المدرسة الشكّية في اليونان من قبل، ولم تقاوم الدراسات الفلسفية اليقينية التي تثبت الواقع الموضوعي لحقائق الكون (المادة وما وراء المادة).

إلاّ اننا شهدنا عودة جديدة لمدرسة الشك هذه على يد جان هيك مرة أخرى علىصعيد المعرفة الدينية.

فإن مآل (التعددية الدينية – البلوراليه) هو نفي الواقع الموضوعي للتعليمات الدينية، والتشكيك في القيم والتعليمات والاحكام والتصورات التي جاء بها الأنبياء (عليهم السلام) من عند الله.

إلاّ إن دعاة التعددية الدينية لا يملكون الجرأة والشجاعة التي كان يملكها (باركلي) و (هيوم) في نفي الواقع الموضوعي للأشياء، فيتوسلون بهذه الطريقة الى نفي الاطلاق في الحق والباطل والقيم واضداد القيم، والتعليمات الدينية …. وان ليس هناك حق مطلق وباطل مطلق وقيمة مطلقة، كما تقول الرسالات الألهية.

ويرجع هذا الأمر الى التشكيك في رسالات الله جميعاً …. فإن دعوى هذه الرسالات جميعاً إنها مرتبطة بالله تعالى عن طريق الوحي، وإنها تأخذ الحق والهداية والقيم من عند الله. وما يكون من عند الله لايشوبه الباطل بالتأكيد. نعم، تتكامل هذه الرسالات في مسيرتها التاريخيه، ويكمل اللاحق منها السابق، كما إن السابق منها يبشر باللاحق …. وهذه الدعوى لا تنافي أن يكون كلا من هذه الرسالات تمثل الحق المطلق في تعليماتها في ظرفها الزمني.

الأدلة التي يتمسك بها دعاة التعددية

يقول دعاة التعددية الدينية أن الهداية الألهية، ومن ورائها الجنة، ونعيم الآخرة لايصّح إحتكارها لدين واحد، وحرمان سائر الأديان عن نعمة الهداية ونعيم الجنة.

فإن الله تعالى واسع الرحمة، هدايته عامة شاملة، وحصر الهداية والفلاح والنجاح وأخيراً نعيم الجنة في دين واحد تحجيم لرحمة الله وهدايته.

مسألة الهداية:

والجواب إن هداية الله تعالى واسعة وشاملة، ورحمته وسعت كل شيء، لا إشكال في ذلك ولا ريب. ولكن ذلك ليس بمعنى تعدد الحق وتناقصه. إن الحق واحد، لا يتعدد ولا يتناقص، والصراط الى الله واحد …. وسعة رحمة الله وهدايته ليس بمعنى أن يكون الشيء وخلافة حق، التثليت حق والتوحيد حق، والرهبانية حق، وخلافها حق.

إن القوانين الدينية كالقوانين العلمية في الفيزياء، والكيمياء، والرياضيات لاتتعدد ولا تتبدل.

ودليل ذلك واضح، فإن أحكام الله في التشريع نابعة ومتطابقة مع سنن الله في التكوين …. إن التشريع والتكوين حقلان مختلفان، ولكنهما متطابقان، ورب التكوين هو رب التشريع، ولن يكون التشريع صالحاً إلاّ إذا كان متطابقاً مع التكوين، ونابعاً منه، فإذا صح أن يذهب أحد الى التعدد في سنن الله في التكوين يصح القول بالتعدد في أحكام الله في التشريع.

وإذا تبيّنت هذه الحقيقة نقول: أن الله تعالى قد بين للإنسان سبل الهداية والرشد، وأوضح له كل شيء، يتعلق بهدايته، حتى تبيّن له الرشد من الغي لو أنه يطلب الرشد والهداية.

[قد تبين الرشد من الغي]

وله بعد ذلك أن يهتدي أو يضل.

[إنّا أهديناه السبل إما شاكراً أو كفوراً]

[فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر]

مسألة العذاب:

ولا علاقة دائماً بين مسألة الهداية ومسألة العذاب فأن الله غفورٌ رحيم، يغفر لمن يشاء، ويعذّب من يشاء.

والقاعدة إن الناس تجاه مسألة الهداية والضلالة على ثلاثة أقسام:

١ - يعرف الحق ويعانده، ويتمّرد عليه، ويكفر ويصدّ عن سبيل الله فسبيله إلى العذاب إلا من يرحم الله، والله واسع الرحمة.

٢ - لا يعرف الحق، ولم يجد سبيلاً إلى الهداية، ولم يكن في وسعه أن يهتدي، ولم يكن له في ذلك تقصير ….

وهؤلاء هم المستضعفون. وليس عليهم عقاب، ولا يؤاخذهم الله، وتسعهم رحمته الواسعة …

٣ - لا يعرف الحق، ولم يهتد إليه، ولكن كان بوسعه أن يهتدي فقصّر، إلا إنه ليس معانداً للحق كالقسم الأول، ولكنه مقصّر في التعرّف على الحق …. هؤلاء لايشملهم عذاب الأستضعاف، ويستحقون العقاب على قدر تقصيرهم في البحث عن الحق، ولكن الله رحمن رحيم، وسعت رحمته كل شيء، يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء، وغلبت رحمته غصبة.

المنطلقات العقلية والعلمية لوحدة الدين:

هناك قضايا تصلح للتعددية في الرأي، ونذكر مثلاً على ذلك القضايا الجمالية، والقضايا النسبية.

فمن الممكن أن يتعدد الرأي في القضايا الجمالية، كما يختلف أصحاب الذوق الأدبي في تذوق قطعة من الشعر، أو يختلف الناقدون في تقييم قصة، أو لوحة فنية، وكما يختلف الناس في تذوق الألوان ومشاهد الجمال.

وقد يختلف الناس في الحكم في القضايا النسبية، كما يختلف حكم الناس في تقييم بناية حسب اخلافات حاجاتهم. فالبناء الصالح للمستشفى لايصلح للمدرسة وهو لايصلح للسكن.

في أمثال هذه الأبواب تصح التعددية في التقييم والنقد والرأي والحكم.

ولكن هناك حقول من العلم والمعرفة لايمكن قبول التعددية فيها مطلقاً.

من هذه الحقول: الحقول الرياضية والطبيعية، فلا مجال للتعددية فيها إطلاقاً. إن زاويا المثلث تساوي ١٨٠ْ في كل مكان، وكل زمان، ولا تقبل هذه القضية أختلافاً في الرأي. والنور أسرع من الصوت، والماء يغلي في درجة حراريّة معيّنة على مستوى البحار، والمعادن تنصهر بدرجات حرارية معيّنة، ولكل معدن درجة حراريّة تخصها، ويبقى مستوى السوائل في الأواني المستطرقة واحداً …. وأمثال ذلك.

وهناك طائفة أخرى من الحقائق، لاتقبل التعددية والأختلاف، وهي الحقائق الغيبية الخارجة عن نطاق التجربة والحسن من قبل (الله، الملائكة، الصراط، الميزان، الجن، الروح)، فلا معنى للتعددية في هذه الحقائق، وهي كالحقائق الطبيعية والرياضية لها حالة واحدة لا تتعدد.

فالناس في وجود (الجن) على رأيين مختلفين يعتقد ناس بوجوده، وينفي آخر وجود الجن، ولا معنى لتصحيح الرأيين معاً، وهو في فرض الوجود اما أن يكون محسوساً أو غير محسوس، ولا معنى لقبول الرأيين معاً …. وكذلك الملائكة، والروح والجنة، والنار …. لا معنى عقلاً لتصحيح التعددية في الحقائق الغيبية. ولايصح أن نصحح المنكرين للملائكة، والقائلين بها معاً، ولا يمكن أن نصحح المنكرين للوحي والقائلين به …. وهكذا لا نعرف معنى معقولاً لتصحيح التعددية في الحقائق الغيبية في الكون.

وهناك طائفة ثالثة من الحقائق لا تقبل التعددية في الرأي، ولا يصح فيها التعدد والأختلاف، وهي القيم وأضداد القيم، مثل الصدق، والكذب، والعدل، والظلم، والأمانة، والخيانة، وأمثال ذلك ….

فلا يصح أختلاف الرأي وتعدده في أمثال هذه القضايا.

فإن العدل حسن واجب عل كل حال، والظلم قبيح يجب أن يتجنبه الإنسان على كل حال، وكذلك الصدق والكذب.

وإذا كانت المصلحة تبرر الكذب في موضع، فلا يدل ذلك على أن الكذب حسن، والصدق قبيح، وإنما معنى ذلك وجود مصلحة أهم من مفسدة الكذب، والعقل يحكم في موضع تزاحم المصلحتين بتقديم الأهم منهما على المهم، وليس ذلك بمعنى إلغاء حسن الصدق وقبح الكذب …. وإنما يحكم العقل بجواز ارتكاب المفسدة لتجنب الأمر الأكثر فساداً، أو جواز ارتكاب الفاسد لتحقيق مصلحة أهم من مفسدة الفاسد.

العلاقة بين المعارف والعلوم:

العلوم هي التي تقرر كينونة الأشياء، وجودها، وعدمها، مثل الفيزياء، والكيمياء، والرياضيات، والمعمارية، والصيدلة والطب، والفلك، النجوم، الفضاء، الذرة، الألكترون …. وغير ذلك.

مهمة هذه العلوم هي الكشف عن حقائق هذا الكون: أبعاد المجرات، خصائص المواد الكيمياوية، وتفاعلاتها، العلاقة بين الأرقام في الرياضيات. ما يضر الإنسان وينفعه. التفاعلات في الكيمياء، والفيزياء، والميكانيك، وأمثال ذلك …. هذه هي العلوم، وهي قضايا مستقلة عما ينبغي أو لاينبغي او يجب أو يحْظَرُ على الإنسان أن يفعله تجاه هذه الأشياء.

والمعارف هي التي تقرر موقف الإنسان تجاه المسائل والقضايا، والأشياء والأمور التي تواجهها، وهي من نوع أفعل ولا تفعل، وينبغي ولا ينبغي، مثل الحكم بحرمة الخيانة، ووجوب الأمانة وحرمة الكذب، ووجوب الصدق، وحرمة الظلم ووجوب العدل، ووجوب الصلاة …. ووجوب الإيمان بالله ورسله وملائكته، وكذلك الأحكام الوضعية كالملكية والزواج والطلاق، وهي أيضاً أحكام، ولكن ليس من سنخ التكليف.

إذن المعارف البشرية على طائفتين:

الطائفة الأولى: تبحث عن قضايا الكينونة في الكون.

والطائفة الثانية: تبحث عما يجب أو يحظر على الإنسان، وهو الحكم.

والمعارف والعلوم بين هاتين الكلمتين الكينونة والحكم.

وقد إصطلحنا على القضايا التي تبحث عن قضايا الكينونة بالعلوم وعلى القضايا التي تتولى الحكم في حياة الإنسان بالاحكام التكليفية أو الوضعية (بالمعارف).

والذي نريد أن نقول هنا.

إن العلوم حقائق ثابتة، لايصح فيها التعدد والاختلاف في الرأي والحكم، فلا يمكن أن نقول أنَّ كلاّ من الرأيين في حركة الأرض حول الشمس، وحركة الشمس حول الأرض صحيح، ولا يمكن أن نقول أن من يدعي وجود الجاذبية، ومن ينفي وجود الجاذبية لكل منهما نصيب من الصحة والواقعية.

وإذا تثبتنا من هذه الحقيقة وعرفنا إن حقائق (العلم) لا تتعدد ولا تختلف، وهي واحدة وثابتة، مهما تعددت آراء العلماء فيها …. نقول إن المعارف التي تتولى الحكم في حياة الإنسان تعتمد الحقائق الثابتة في العلوم.

وبين المعارف والعلوم علاقة وثيقة. ونقصد بالعلوم الحقائق العلمية الثابتة، وليس النظريات العلمية التي يختلف فيها العلماء.

إن الحكم على الإنسان بالوجوب والحظر والإلزام بالفعل أو الترك يعتمد على الحقائق الموجودة في الكون.

فإن هذا الحكم لابد أن يقرر موقف الإنسان في العلاقة بالله أو بنفسه أو بالآخرين أو بالأشياء …. وكل هذه الأمور حقائق كونية ثابتة لاتتعدد ولا تختلف، فلا محالة يكون الحكم الذي يتطابق مع هذه الحقائق واحداً ثابتاً، كما إن هذه الحقائق واحدة ثابتة.

وكذلك الأحكام الوضعية كالملكية والزواج.

ولنأخذ (الزواج) مثالاً على ذلك.

إن الزواج حكم شرعي يعتمد الحاجات الحقيقية الموجوده عند كل من الجنسين الى المشتركة.

إن حاجة كل من الجنسين الى الحياة المشتركة مع الجنس الآخر قضيّة علمية ثابتة، وحقيقة كونية إنسانية ثابتة.

و (الزواج) حكم شرعي ديني يترتب على هذا الواقع النفسي والغريزي لكل من الجنسين، ويتطابق مع هذه الحقيقة القائمة في نفس كل من الجنسين.

وكما لا يتعدد الواقع النفسي لكل من الجنسين كذلك لا يمكن أن يتعدد واقع الحكم الديني في الزواج.

وكما لا يصح التعدد في (العلوم)، لا يصح التعدد في (المعارف)، وكما لا يصح التعدد في (قضايا الكينونة)، كذلك لا يصّح التعدد في (قضايا الحكم).

ومهمة الدين في حياة الإنسان الحكم.

والحكم ليس من قبل الرغبات والأهواء التي يعرفها الناس، وإنما هو تقرير واقعي وموضوعي لما يطابق الحقائق الكونية الثابتة في علاقتها بالإنسان، وعلاقة الإنسان بها …. من الأحكام والتكاليف والإلزامات بالفعل أو الكف أو الأحكام الوضعية التي تنظم هذه العلاقات وتطابق معها.

وهذه القوانين والأحكام بالضرورة تكون واحدة لا تتعدد، كما إن قوانين الكون واحدة، وثابتة ولا تتعدد.

آية الفطرة في القرآن:

ولنتأمّل في آية الفطرة، في كتاب الله. يقول تعالى: فأقم وجهك للدين حنيفاً [فطرة الله التي فطر الناس عليها، لا تبديل لخلق الله، ذلك الدين القيم، ولكن أكثر الناس لا يعلمون] الروم / ٣٠.

إن الفطرة التي فطر الله الناس عليها فطرة ثابتة، لا تبديل فيها [فطرة الله التي فطر الناس عليها، لا تبديل لخلق الله].

وهذه حقيقة مهمة في غاية الأهمية لمعرفة الدين.

ثم يسبق هذه الحقيقة، ويلحقها الحكم الألهي بأن هذا هو الدين، وإن الدين مشتق من هذه الفطرة، ومتطابق معها.

وهذه الفطرة خلقها الله للإنسان، ولا تبديل فيها، وهو تعالى أدرى بها، وبتفاصيلها وتراكيبها المعقدة، وبما يصلحها من أحكام والزامات …. هذا الدين هو الدين القيّم …. والتعبير بالقيّم في هذا الموضع من الآية الكريمة دقيق. فأن هذا الدين النابع من فطرة الإنسان يصلح فقط أن يقوم سلوك الإنسان.

والذي يلفت النظر في آية الفطرة أنها مسبوقة بالأمر بإقامة الدين، ويلحقها الحكم الألهي، بإن هذه الفطرة هي الدين القيم في حياة الإنسان، ولهذا السبب كان ضرورياً أن يكون الدين صادراً من الوحي مباشرةً، لأن رب الوحي هو رب الكون سبحانة وتعالى …. والذي خلق فطرة الإنسان فأحكمها وركبها في الإنسان هو أدرى وأعلم بما يصلح الإنسان ويفسده.

ولما كانت فطرة الإنسان حالة إنسانية واحدة لا تتعدد ولا تختلف، وإن اختلفت آراء العلماء ونظرياتهم، كان الدين لا محالة واحداً لا يتعدد.

إن الدين، ليس قضية ذوقية، من نوع الجماليات، ولا نسبية من نوع النسبيات حتى يتعدد مع تعدد المذاهب والآراء والنظريات …. وإنما هو نظام تشريعي وتوجيهي وتثقيفي للإنسان قائم على النظام الكوني الواحد، الحاكم على حياة الإنسان وعلاقاته.

الصراط المستقيم:

ولعل أجمل تعبير عن الدين هو الصراط المستقيم الوارد في القرآن، وفي أم الكتاب (اهدنا الصراط المستقيم)، فإن الصراط المستقيم خط واحد بين نقطتين، وهما بداية إنطلاقة الإنسان، وغاية انطلاقه، ولا يمكن أن يتعدد الصراط المستقيم. ولم تعرف اللغة العربية جمعاً للصراط، بخلاف السبيل والطريق، والإسلام هو الصراط المستقيم الى الله، وليس من صراط مستقيم آخر في حياة الإنسان غير هذا الصراط، وكل سبيل، وطريق، ومذهب لا يطبق إنطباقاً كاملاً على هذا الصراط فهو باطل.

وحدة الدين في القرآن:

الآية ٨٥ من آل عمران تضع حداً فاصلاً لهذه القضية، وتعلن الرفض القاطع للتعددية الدينية، يقول تعالى [ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه] آل عمران / ٨٥.

وهو بيان واضح وصريح لايقبل التأويل والتكلف. والإسلام هو ما جاء به رسول الله محمد بن عبد الله (ص) من عند الله تعالى.

ورسالات الله في التاريخ مراحل متكاملة من التوجيه، والتشريع، والتثقيف الألهي في حياة الإنسان كل منها يخص المرحلة التي نزلت فيها الرسالة من عند الله …. وينتهي دورها التشريعي والتثقيفي في حياة الإنسان بنزول الرسالة التالية، وهكذا …. وكل من هذه الرسالات تصّدق بالرسالة السابقة عليها، وتبشر بالرسالة اللاحق لها.

وتشبه دور المراحل المدرسية المتكاملة في نمو الإنسان العلمي، فالمرحلة المتقدمة من الدراسة تُعِدّ للمرحلة اللاحقة، وتكمَّل المرحلة اللاحقة دورالسابقة من غير ان تلغيها …. وهكذا يتكامل الإنسان الفرد في هذه المراحل مرحلة بعد مرحلة، ولا تصلح المرحلة السابقة له في الطور الجديد.

وشأن الإنسانية في أدوار التاريخ المختلفة شأن الإنسان الفرد في الأطوار المتعدده من نموه وحياته.

والآيات ٤٤ – ٥٠ من سورة المائدة توضّح هذه الحقيقة.

ولنقرأ مقتطفات من هذه الآيات:

[إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور، يحكم بها النبيون الذين أسلموا…. ].

القرآن يصدق بالتوراة، ويقول عنها انها هدى ونور.

وقد أنزل الله في التوراة تشريعاً وتثقيفاً للناس [وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين …. ].

وجاء من بعد موسى (عليه السلام) عيسى بن مريم (عليهما السلام) وجاء من عند الله بالانجيل …. فيه هدى ونور وفيه التصديق بما أنزل الله في التوراة من قبل [وقفينا على آثارهم بعيسى بن مريم مصدقاً لما بين يديه من التوراة، وآتيناه الأنجيل فيه هدى ونور، ومصدّقاً لما بين يديه من التوراة، وهدى وموعظة للمتقين].

وقد أنزل الله تعالى في الأنجيل الى الناس بطائفة من التشريعات والتوجيهات، وأمر الناس أن يحكموا بما أنزل الله فيه، في عصرهم (عصر أهل الأنجيل).

[وليحكم أهل الأنجيل بما أنزل الله فيه. ومن لم يحكم بما أنزل الله فاؤلئك هم الفاسقون].

ثم في المرحلة الثالثة بعث الله تعالى رسوله خاتم الأنبياء محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بالكتاب (القرآن)، مصدقاً لما جاء قبله من الأنبياء، ولما أنزل الله قبله من التوراة والأنجيل ومهيمناً عليهما …. وأمر الله تعالى الناس بعد عصر الأنجيل ان يحكموا القرآن في حياتهم، كما أمر الناس بعد عصر التوراة، أن يحكموا الأنجيل في حياتهم، ونتلوا عليك هذا الجزء من آيات (المائدة) [وأنزلنا إليك الكتاب بالحق، مصدقاً لما بين يديه من الكتاب، ومهيمناً عليه].

وكلمة (مهيمنا) دقيقة. إن القرآن جاء في المرحلة الأخيرة من تاريخ تكامل الإنسان فهو مهيمن بالضرورة على ما نزل قبله من الكتاب، ليس يلغيه، ولا يبطله، ولكنه مهيمن عليه، ومرحلة متكاملة بالنسبة لما قبله. فلا يجوز بعد نزول القرآن الرجوع والتحاكم الى ما نزل قبله من الكتب.

فأمر الله نبيه أن يحكم بين الناس بالقرآن، كما أمر عيسى (عليه السلام) من قبله: أن يحكم الناس بالأنجيل، وكما أمر الله تعالى موسى (عليه السلام) من قبل عيسى أن يحكم الناس بالتوراة.

فاسمع إليه تعالى، مخاطباً رسوله صلى الله عليه وآله في هذه المرحلة من التاريخ [وإن أحكم بينهم بما أنزل الله، ولاتتبع اهواءهم]، فكما لايجوز التجزيء فيما أنزل الله من الحق [أفتؤمنون ببعض الكتاب، وتكفرون ببعض؟ ].

كذلك لايجوز الرجوع من القرآن الى ما نزل قبله من الكتب.

[وان أحكم بينهم بما أنزل الله، ولاتتّبع اهواءهم، واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك] المائدة / ٥٠.

المرونة في التعامل الثقافي والسياسي والأجتماعي:

وإذا كانت حصيلة هذه الجولة العقلية والدينية وحدة الدين، ورفض التعددية الدينية …. فلنا أن نقول ليس معنى ذلك المقاطعة الثقافية والسياسية والأجتماعية للآخرين، وبرفضهم، ورفض الحوار معهم، ورفض التعاطي معهم في العمل الثقافي والسياسي والعلمي.

فقد أمرنا الله تعالى أن نصغي إلى الآخرين، ولا ننغلق عليهم أولاً.

وأمرنا أن نحاورهم ثانياً، بأحسن ما نعرف من أساليب الحوار، أدباً، وليناً.

وأمرنا أن ندعوهم الى الله وسبيله بأجمل ما نعرف من أساليب الدعوة ثالثاً.

وأمرنا أن نتعاطي معهم التعاون على البر والقسط بأفضل ما نستطيع رابعاً.

وأمرنا الله تعالى أن نتعاطي مع الناس العلم والفكر والثقافة خامساً.

وإليك تفصيل ما أجملت:

حسن الأصغاء:

لقد أمرنا الله تعالى أن ننفتح على الآخرين، ولا ننغلق عليهم ونصغي إليهم، وتُحسن الأصغاء …. ثم ننتقي أحسن ما أصغينا إليه. والأصغاء الى الغير مرحلة من مراحل كسب الغير. فإن الأنفتاح يدعوا الى الانفتاح، كما إن الأنغلاق يدعوا الىالأنغلاق.

يقول تعالى: [الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه]، وليس من بأس على الإنسان أن يفتح سمعه وقلبه على خصمه الفكري والثقافي، ولعله يجد في حديثة ما ينتفع به، ولعله يجد حديثه منفذاً، ينفذ من خلاله الى عقله وقلبه.

حسن الجوار:

وأمرنا الله تعالى أن نتعاطى مع الآخرين الحوار الثقافي والفكري، بأحسن ما نعرف من أساليب الحوار والجدال. فإن الحوار أخذ وعطاء. وللأخذ أدب وللعطاء أدب …. ويجب أن تعطي لخصمك فرحته ليقول ما يريد، وتستمع إليه، كما تُحبُّ أن يستمع إليك خصمك …. وهذا أدب الأخذ، وأدب العطاء: أن تقول له ما تريد بكل ما تعرف من لين وأدب وموضوعية، وتحترز أن تثيره.

وليست الغاية من الحوار الأفحام غالباً، وإنما هي الوصول الى قناعة مشتركة لدى المتحاورين ما أمكن.

إن تهذيب لغة الحوار مع الخصم من أفضل الوسائل التي يمكّن الإنسان المسلم من تحقيق القناعة المشتركة مع خصمه، وإن يكسبه الى الأصغاء إليه من خلال عقله وعاطفته.

يقول تعالى: [وجادلهم بالتي هي أحسن] النحل / ١٢٥.

ويقول تعالى: [ولا تستوي الحسنة، ولا السيئة. أدفع بالتي هي أحسن، فإذا الذي بينك وبينه عدواة كأنّه ولي حميم] فصلت ٣٤ – ٣٥.

إن المسلم لابد ان يقف موقف الدفاع والدفع على كل حال عن نفسه وثقافته وفكره …. ولكن شتان بين دفع ودفع …. فإذا دفع خصمه بأحسن ما يعرف كان حرّياً أن يكسب ودّه، وإحترامه في هذه الخصومه [أدفع بالتي هي أحسن، فإذا الذي بينك وبينه عداوه كانه ولي حميم].

ويقول تعالى: [ولا تجادلوا أهل الكتاب إلاّ بالتي هي أحسن].

حسن الدعوة:

وأمرنا الله تعالى أن ندعوا الآخرين الى الله وسبيله بأحسن ما نعرف من الحكمة والموعظة الحسنة. فإن الغاية من الدعوة هي أن نكسب قلوب الناس وعقولهم ونقربهم إلينا ما أستطعنا، لا أن نثيرهم ونغيظهم وننفرهم.

يقول تعالى: [أدع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة] النحل / ١٢٥.

والحكمة سبيل العقل، والموعظة الحسنة سبيل القلب، ولا بد من استخدامهما معاً. الأسلوب القوي الذي يقنع العقول وهو (الحكمة)، والأسلوب العاطفي الرقيق الذي يرقق القلوب ويفتح القلوب الموصده وهو (الموعظة الحسنة).

ويقول تعالى: [اذهبا الى فرعون أنّه طغى، فقولا له قولاً ليّنا، لعله يتذكر أو يخشى] طه / ٤٣.

حسن التعامل:

ويوجهنا الله تعالى إلى أن نتعامل مع الآخرين بأفضل ما نعرف من التعاون، والبر والقسط. وليس الأختلاف في الدين بمعنى التقاطع الثقافي والاجتماعي، إلاّ أن يكون الغير في موقع، الحرب، والقتال، والظلم فيختلف الأمر. يقول تعالى: [لاينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين، ولم يخرجوكم من دياركم، أن تبروهم وتقسطوا إليهم. إن الله يحب المقسطين، إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين، وأخرجوكم من دياركم، وظاهروا على أخراجكم، أن تولوهم، ومن يتولهم فاؤلئك الظالمون] الممتحنة / ٨.

حسن التعارف:

يقول تعالى: [يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل، لتعارفوا. إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم] الحجرات / ١٣.

ان التعارف في آية الحجرات شيء أكثر من التلاقي والتعارف بالوجوه والأسماء …. أنه تبادل في المعرفة، والخبرات الحضارية، والثقافية، والأدب، والعلم، والفن …. وهذا التبادل نوع من التلاقح الحضاري …. وهو أمر يحبّه الله تعالى …. إنّ ثقافتنا من مصدر الوحي من غير ريب، ولا نتلقى الثقافة من أي مصدراً آخر …. ولكن هناك نوع من الخبرات، والتجارب الحضارية، والحكم، والمعرفة في تاريخ الأمم وثقافتها، وتراثها، لاتتقاطع مع تراثنا بل تتجاوب معها وتؤكدها …. والتعاطي الثقافي، والمعرفي، والأدبي، والعلمي، الفني بهذا المعنى من التلاقح الحضاري فيما بين الأمم.

والله تعالى يريد هذا التلاقح فيما بين الأمم، وهذا التلاقح الفكري والثقافي يقرّب الأمم الى التوحيد والإسلام …. كما يُُثرى تجاربنا وخبراتنا الفكرية، والأدبية، والفنية، والعلمية.

إذن وحدة الدين، ورفض التعددية الدينية، ليس بمعنى مقاطعة الآخرين في التعامل الثقافي والعلمي والإنساني.



[ Web design by Abadis ]