ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 بعد مرور ٧ قرون على مولده أسفار ابن بطوطة مازالت حديث العالم

لا يكاد يُذكر أسم "أدب الرحلات" إلا ويرد بخاطرة الفرد منا أحد أهم الرحالة العرب، الذي طاف العالم ونقل لنا مشاهد حقيقية وحوادث تاريخية واقعية، كثير منها مازال مجهولاً بالنسبة لنا وبالنسبة لأمم عديدة ومجتمعات كثيرة، لم يترك قرية أو مدينة إلا وقد زارها وتعرّف على أهلها، وذكر معالمها الجغرافية والبيئية وأشهر بيوتها وعلمائها. إنه شمس الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن إبراهيم الطنجي الشهير بـ "ابن بطوطة".

وتخليداً للذكرى المئوية السابعة لميلاد ابن بطوطة، واعترافاً منها بدوره الجليل في إثراء أدب الرحلات، أعلنت "منظمة الىونسكو" عام ٢٠٠٤ سنة دولية للاحتفاء بالرحالة العربي شمس الدين، والذي يعد أحد أهم الأعلام البارزين في الحضارة العربية الإسلامية.

ولد مفطوراً على حب الرحلات

شهدت مدينة طنجة المغربية منذ ٧ قرون ماضية، وتحديداً في يوم الاثنين السابع عشر من شهر رجب سنة ٧٠٣ هجرية الموافق ٢٤ فبراير سنة ١٣٠٤م، ميلاد شمس الدين آبو عبد الله لأب وأم من عائلة بربرية تعربت بعد الإسلام، وكانت عائلته تنتمي الى الطبقة المتوسطة المتعلمة في طنجة. وكثير من أفرادها مارسوا مهنة القضاء، مما يعني إنهم كانوا ضالعين في الفقه الإسلامي. وتشير الآراء الى أنه تلقى التربية الفقهية و الإسلامية ذاتها التي كانت شائعة في عائلته وطبقته.

وقد ولد ابن بطوطة مفطورًا على حب الرحلة والسفر والتجوال، حيث بدأ أولى رحلاته سنة ٧٢٥ هجرية، وهو في الثانية والعشرين من عمره. وانطلق شمس الدين من بلده المغرب صوب المشرق قاصداً أداء مناسك الحج، فعبر بلدان المغرب العربي حتى مصر التي اتجه منها الى أعالى النيل يريد عبور البحر الأحمر الى جدة، لكنه صادف حرباً طاحنة بين قبائل البجة والممالىك، مما اضطره للعودة الى القاهرة ومنها إلى الشام.

وفي الشام انضم الى قافلة للحجاج، فزار في طريقه فلسطين والبيت المقدس. ومن مكة سافر الى العراق يوم ٢٠ ذي الحجة ٧٢٦، ثم بلاد فارس التي عاد منها الى العراق فشبه الجزيرة العراقية التي قضي فيها ثلاث سنوات كاملة.

وفي ٧٣٠ هـ ركب ابن بطوطة البحر الى الىمن ومنها الى الصومال، حيث زار أفريقيا الشمالىة، حتى بلغ جنوب كينيا "وممباسا"، ثم انتقل عبر الخليج الى تركيا وأوزبكستان وأقام فيها في سمرقند وخوارزم، وأخذته رحلته الثالثة الى أفغانستان والهند، حيث أقام سبع سنين اشتغل خلالها كبير القضاة، ثم أوفده ملكها سفيراً لدي الصين التي سافر الىها، ومنها سافر الى سريلانكا فجزر المالديف وغرب تايلاند فبلاد البنغال.

وقادته رحلته الرابعة الى العودة للمغرب بلده الأم عبر مناطق آسيا الاستوائية "مالىزيا"، ومن المغرب سافر الى أسبانيا في رحلة خامسة قادته الى بلدان الساحل الأفريقي الغربي، حيث اكتشف مملكة مالى المسلمة. وبعد عودته للمغرب عيّن قاضياً علي إقليم تامستا، وأملى تفاصيل رحلاته العجيبة بأمر من السلطان المغربي وقتذاك أبي عنان المرينى علي الكاتب ابن جزي، علي نحو ما أكده المؤرخ ابن حجر.

١٢٠ألف كم قطعها في رحلاته

لقد كان ابن بطوطة أكبر رحالة في تاريخ البشرية على الإطلاق، منافساً من بعيد معاصره الرحالة الإيطالى ماركو بولو، حيث تجاوزت المسافات التي قطعها خلال رحلاته التي استغرقت ٣٠ عاما، ١٢٠ ألف كيلومتر، أي ما يعادل ثلاث مرات محيط كوكب الأرض. كما أن الكتاب الذي يؤرخ لتفاصيل رحلاته الخمس، ظل لقرون مرجعاً للجغرافيين والمؤرخين وعلماء الاجتماع وغيرهم، لما تضمنه من تفاصيل حياة الشعوب التي زارها. ولعل أبرز دليل على تلك الأهمية هي الترجمات التي نقلت قبل أزيد من قرن ونصف كتاب الرحلة إلى اللغات: الفرنسية والألمانية والإنجليزية والأسبانية والبرتغالىة والتركية والهندية.

وقد نشرت أكاديمية المملكة المغربية مؤخراً طبعة من خمسة مجلدات لرحلة ابن بطوطة، أشرف على تحقيقها الدكتور عبد الهادي التازي الذي يُعد أشهر المتخصصين في تاريخ الرحالة العربي. ولمناسبة الذكرى المئوية السابعة لميلاد ابن بطوطة، أعلن الأستاذ التازي أخيرا عن اكتشاف فصل كان مفقودا من كتاب الرحلة، في نسخة من الكتاب كتبها ابن بطوطة بخط يده في المدرسة العزيزية في دمشق في العام ٧٢٧ هجرية، كما أصدر الدكتور عبد الهادي التازي للمناسبة نفسها مؤلفا جديدا يحمل عنوان "ابن بطوطة أمير الرحالة" عن الدار المصرية اللبنانية للنشر، وهو عبارة عن كتاب ضمن سلسلة مشاهير الكتاب التي تصدرها الدار للناشئة والشباب العرب.

نماذج من رحلات ابن بطوطة

ونستعرض فيما يلي بعضاً من نماذج رحلات ابن بطوطة، التي طاف فيها بأرجاء العالم شرقاً وغرباً.

قال الشيخ أبو عبد الله في بداية رحلته واصفاً خروجه من بلاده: "كان خروجي من طنجة مسقط رأسي في يوم الخميس الثاني من شهر الله رجب الفرد عام خمسة وعشرين وسبعمائة، معتمدًا حج بيت الله الحرام وزيارة قبر الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام، فحزمت أمري على هجر الأحباب من الإناث والذكور، وفارقت وطني مفارقة الطيور للوقور، وكان والداي بقيد الحياة، فتحملت لبعدهما وصبًا.

ووصلنا مدينة الجزائر، وأقمنا بخارجها أيامًا إلى أن قدم الشيخ أبو عبد الله وابن القاضي، فتوجهنا جميعًا على منبجة إلى جبل الزان، ثم وصلنا إلى مدينة بجاية. وكان أمير بجاية إذ ذاك أبا عبد الله محمد بن سيد الناس الحاجب، وكان قد توفي من تجار تونس الذين صحبتهم من مليانه محمد بن الحجر الذي تقدم ذكره، وترك ثلاثة آلاف دينار من الذهب، وأوصى بها لرجل من أهل الجزائر يعرف بابن حديدة ليوصلها إلى ورثته، فانتهى خبره لابن سيد الناس المذكور، فانتزعها من يده، وهذا أول ما شاهدته من ظلم عمال الموحدين.

الوصول إلى الإسكندرية

ويقول ابن بطوطة عن الإسكندرية: "ثم وصلنا في أول جمادى الأولى إلى مدينة الإسكندرية حرسها الله، وهي الثغر المحروس والقطر المأنوس، العجيبة الشأن الأصيلة البنيان، بها ما شئت من تحسين وتحصين.

ولمدينة الإسكندرية أربعة أبواب، باب السَّدرة والىه يشرع طريق المغرب، وباب رشيد، وباب البحر، والباب الأخضر، وليس يفتح إلا يوم الجمعة، فيخرج الناس منه إلى زيارة القبور. ولها المرسى العظيم الشأن، ولم أَرَ في مراسي الدنيا مثله، إلا ما كان من مرسى كولم وقالىقوط ببلاد الهند، ومرسى الكفار بسرادق ببلاد الأتراك، ومرسى الزيتون ببلاد الصين".

ابن بطوطة يصف الكعبة وأهلها

لم يترك ابن بطوطة كبيرة كانت أم صغيرة إلا وذكرها في رائعته المسماة "تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار"، إذ ينقل لنا صورة طبق الأصل للمدينة أو البلد التي يزورها، ويجعلك كأنك تراها أمامك وتعيش بداخلها، وتجد نفسك أمام مُحَدِّث بارع وحديثه كله مفيد، حيث يترك صوراً حية ورائعة عن أحوال تلك البلدان التي زارها، وعن عادتها وتقالىدها ولغاتها وأقوامها. وبالتالى فلكتابه أهمية تاريخية عظيمة، ويعد من عيون التراث العربي.

وخير مثال علي موهبة شمس الدين الفطرية، ما ذكره في زيارته الأولي للسعودية بغرض الحج، حيث يبدي دهشته وإعجابه بمكانة الكعبة المشرفة حين يكتب في رحلته "من عجائبها أنها لا تخلو من طائف أبدا ليلا ونهارا، ولم يذكر أحد أنه رآها قط دون طائف …". بعد ذلك عرج على ذكر أبواب المسجد الحرام، ثم وصف الصفا والمروة والمسافة بينهما، ولم يفته ذِكْر وجود سوق تجارية كبرى إلى جانب الطريق.

وأشار ابن بطوطة إلى فضائل أهل مكة، فوصفهم بأنهم أصحاب "المكارم التامة والأخلاق الحسنة والإيثار للضعفاء والمنقطعين وحسن الجوار للغرباء"، كما أشار إلى نساء مكة فقال إنهن "ذات صلاح وعفاف"، ولاحظ توجههن للطواف بالمسجد الحرام في كل ليلة جمعة وهن في أحسن زي وأبهى زينة وأطيب رائحة.

وتحدث ابن بطوطة في كتابه عن العديد من علماء مكة ومنهم قاضي المدينة نجم الدين محمد الطبري، وخطيب مكة بهاء الدين الطبري. كما أشار إلى إمام المالكية بالحرم الشريف، الفقيه أبو عبد الله محمد، وإلى إمام الحنفية شهاب الدين أحمد بن علي، وإمام الحنابلة محمد بن عثمان.

الأكل مرة كل يوم

ونظراً لمكوث ابن بطوطة فترة طويلة في مكة المكرمة بانتظار الحج، فقد لاحظ بعض العادات الاجتماعية لسكانها، من ذلك قوله "وأهل مكة لا يأكلون في الىوم إلا مرة واحدة ويقتصرون عليها إلى مثل ذلك الوقت، ومن أراد الأكل في سائر النهار أكل التمر، ولذلك صحت أبدانهم وقلت فيهم الأمراض والعاهات".

ولاحظ أنه بمجرد ثبات رؤية هلال رجب، أمر أمير مكة بضرب الطبول والأبواق إيذانا بدخول الشهر، وتوجه وركبه للطواف بالبيت الحرام. كما احتفل أهل مكة بعمرة رجب احتفالا مهيبا. وذكر ابن بطوطة أنه شاهد شوارع مكة المكرمة ليلة السابع والعشرين من رجب "وقد غصت بالهوادج وجِمَال المعتمرين وهي تخرج إلى التنعيم وأمامها الشموع والمشاعل".

ولم ينس ابن بطوطة الإشارة إلى حضور أهالى المناطق القريبة من مكة لعمرة رجب، بعد أن يجلبوا معهم الحبوب والسمن والعسل وغيرها من السلع، الأمر الذي يسهم في توفير السلع للمعتمرين وفي رخص الأسعار أيضا.

ابن بطوطة وأهل الهند

وأبحر ابن بطوطة لأقصي الشرق وحل ببلاد الهند التي يقول فيها: "الهند في كل ثلث ميل قرية معمورة، ويكون بخارجها ثلاث قباب يقعد فيها الرجال، مستعدين للحركة، قد شدوا أوساطهم. وعند كل واحد منهم مقرعة مقدار ذراعين، بأعلاها جلاجل نحاس، فإذا خرج البريد من المدينة أخذ الكتاب بأعلى يده والمقرعة ذات الجلاجل بالىد الأخرى يشتد بمنتهى جهده. فإذا سمع الرجال الذين بالقباب صوت الجلاجل تأهبوا. فإذا وصلهم، أخذ أحدهم الكتاب من يده ومر بأقصى جهده، وهو يحرك المقرعة حتى يصل إلى الداوة الأخرى. ولا يزالون كذلك حتى يصل الكتاب إلى حيث يراد منه.

وهذا البريد أسرع من بريد الخيل، وربما حملوا على هذا البريد الفواكه المستطرفة بالهند من فواكه خراسان يجعلونها في الأطباق، ويشتدون بها حتى تصل إلى السلطان. وكذلك يحملون الكبار من ذوي الرتب، يجعلون الرجل على سرير، ويرفعونه فوق رؤوسهم ويسيرون به شداً. وكذلك يحملون الماء لشرب السلطان، إذا كان بدولة أباد، يحملونه من نهر الكنك الذي تحج الهنود الىه، وهو على مسيرة أربعين يوماً منها، وإذا كتب المخبرون إلى السلطان بخبر من يصل إلى بلاده، استوعبوا الكتاب وأمعنوا في ذلك، وعرفوه أنه ورد رجل صورته كذا ولباسه كذا، وكتبوا عدد أصحابه وغلمانه وخدامه ودوابه، وترتيب حاله في حركته وسكونه، وجميع تصرفاته لا يغادرون من ذلك كله شيئاً. فإذا وصل الوارد مدينة ملتان، وهي قاعدة بلاد السند، أقام بها حتى ينفذ أمر السلطان بقدومه، وما يجري له من الضيافة، وإنما يكرم الإنسان هنالك بقدر ما يظهر من أفعاله وتصرفاته وهمته، إذ لا يعرف هنالك ما حسبه ولا آباؤه.

العالم يحتفي بابن بطوطة

تقديراً لدور ابن بطوطة في إثراء أدب الرحلات، ولاعتباره أحد أهم الرحالة العرب، تقوم المؤسسات وأجهزة الدول المختلفة بالإضافة الى المنظمات العالمية، بجهود ملحوظة من أجل إحياء ذكري مرور ٧ قرون علي مولد الرحالة العربي. ففي المغرب بلده الأم، أنجزت الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح الخرائطي خريطة مفصلة لمسار رحلاته عبر بلدان أفريقيا وآسيا وأوروبا، وقامت مؤسسة بريد المغرب من جهتها بإصدار طابع بريدي يوم ٢٤ فبراير الماضي تخليدا للمناسبة، كما أعلنت وزارتا التعليم والبحث العلمي عن برامج تحتضنها الجامعات والمدارس المغربية خلال العام الحالى، وتتضمن أنشطة متنوعة لمواكبة الاحتفالات العالمية.

ويحتضن مقر "الىونسكو" في باريس في الثامن من شهر مارس الجاري، منتدى دوليا حول موضوع "ابن بطوطة وحوار الثقافات"، تنظمه المنظمة الدولية للثقافة والعلوم بتعاون مع كل من وزارة الثقافة المغربية ونادي ابن بطوطة للحوار بين الحضارات والتنمية. ويشارك في المنتدى مفكرون وباحثون من المغرب وأفريقيا وآسيا وأوروبا، يناقشون الأبعاد السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية لمؤلف ابن بطوطة، حيث ستشكل العروض والمداخلات منطلقاً لمناقشات تسعى إلى استلهام القيم التي تنضح بها رواية أسفار ابن بطوطة، من أجل عقد مقارنة بين حوار الثقافات الذي تمثله رحلاته، والحوار الممكن أو القائم في عالم اليوم.

ويعتزم المجمع الثقافي في الإمارات إقامة مهرجان دولي تدعى الىه كبار الشخصيات للإسهام في التعريف بشخصية ابن بطوطة، إلى جانب ندوات تلفزيونية وإذاعية مواكبة. وفي الخليج العربي أيضا، أطلقت جامعة البحرين اسم ابن بطوطة على مدرجها الكبير، وأعلنت عن تنظيم جائزة سنوية في العلوم تحمل اسم الرحالة العربي الشهير وتمنح للطلبة المتفوقين.

ويحتفل "بيت الحكمة" في تونس من جانبه بالمناسبة من خلال إلقاء محاضرات حول ابن بطوطة ورحلاته، كما نظمت الأمانة العامة لاتحاد المغرب العربي لقاءً دولياً في الأكاديمية المغاربية للعلوم في مدينة طرابلس الليبية، ونظمت جامعة عبد الملك السعدي في طنجة المغربية الأسبوع الماضي ندوة دولية حول ابن بطوطة، شارك فيها نخبة من أساتذة الجامعات المغربية.

أما خارج الوطن العربي، فإن أبرز احتفاء يحظى به ابن بطوطة يأتي من الصين، التي قررت إنشاء متحف خاص بشخصية ابن بطوطة الذي كتب الكثير عن طبيعتها وأهلها في القرن الميلادي الرابع عشر، يخصص لجمع سائر المعلومات التي ذكرها الرحالة العربي عن ذلك البلد.

وتخليدا للمناسبة أيضا، يعكف المستعرب الصيني البروفيسور "لي جوانجين" على ترجمة رحلة ابن بطوطة، اعتمادا على النسخة التي نشرتها أكاديمية المملكة المغربية في ١٩٩٧ بتحقيق الدكتور عبد الهادي التازي.



[ Web design by Abadis ]