ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 تونسيان يدافعان عن شخصيتين ايرانيتين

بمناسبة ملف تونس نقدّم للقراء مقتطفات من كتابات تونسيين دافعا عن إيرانيين اقتضت الظروف السياسية في العصر العباسي أن تتهمهما بالزندقة، وشاءت ظروف التنافر القومي في القرن الماضي أن تنفخ في هذه التهمة، ضمن حديثنا عن وحدة الدائرة الحضارية في العالم الاسلامي.

محمد الطاهر ابن عاشور

وبشار بن برد

كان من المفروض أن نخصّص ملفاً للطاهر بن عاشور في ذكرى وفاته (١٣ رجب ١٣٩٣هـ)، لكن ملف العلاقات الثقافية الايرانية – التونسية حدَّدَنا بموجز عن حياة هذا العلامة التونسي الكبير وآراءه تجاه شاعر ايراني هو بشاربن برد.

ولد محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن عاشور، الشهير بالطاهر بن عاشور بتونس سنة ١٢٩٦هـ في أسرة علمية تمتدّ جذورها الى بلاد الاندلس، وهاجرت هذه الاسرة الى تونس بعد سقوط الاندلس.

ولد الطاهر في عصر يموج بالاتجاه الفكري الاصلاحي الذي بعثه السيد جمال الدين الاسد آبادي المعروف بالافغاني. وكانت جامعة الزيتونة بتونس سبّاقة في التأثر بالمنهج الاصلاحي للسيد جمال الدين، فجدّدت مناهجها التعليمية قبل الجامع الازهر مما أثار إعجاب الامام محمد عبده الذي قال: » إن مسلمي الزيتونة سبقونا الى إصلاح التعليم، حتى كان ما يجرون عليه في جامع الزيتونة خيراً مما عليه أهل الازهر «.

حفظ الطاهر بن عاشور القرآن الكريم، وتعلّم اللغة الفرنسية، والتحق بجامع الزيتونة وهو في الرابعة عشرة من عمره وتخرّج منه بتفوّق عام ١٣١٧هـ، وعُين مدرساً فيه، ثم في المدرسة الصادقية.

في سنة ١٣٢١هـ زار محمد عبده تونس للمرة الثانية والتقى الطاهر بن عاشور فأعجب به إعجابا شديدا، وسماه» سفير الدعوة في جامع الزيتونة «، إذ كان بين الاثنين توجهات مشتركة في الاصلاح التربوي والاجتماعي. تقلّد بن عاشور عدة مناصب علمية وتعليمية ثم اختير شيخا لجامع الزيتونة سنة ١٣٥١هـ. ولدى استقلال تونس اسندت اليه رئاسة الجامعة الزيتونية سنة ١٣٧٤هـ.

كان الهمّ الاول للطاهر بن عاشور الاصلاح على أساس من الاصالة الاسلاميّة، وكانت آراؤه ثورة على التقليد والجمود وعلى الضياع الفكري والحضاري.

له في التفسير سِفْر عظيم هو» التحرير والتنوير «استمر في العمل عليه خمسين عاماً، وركز فيه على صور الجمال والسحر البلاغي في القرآن.

وله في الفقه آراء تشجب إغلاق باب الاجتهاد، ويعتبر كتاب» مقاصد الشريعة «من أفضل ماكتب في هذا الموضوع وضوحاً ودقة.

الذوق الادبي المرهف للطاهر بن عاشور دفعه لأن يحقّق ديوان رائد التجديد في الادب العبّاسي بشار بن برد، رغم ما أحيط بهذا الشاعر من تهم الزندقة والشعوبية.

ومن العادة أن يتحرّج أئمة الدين عن بذل الوقت والجهد في دراسة شخصية ألصقت بها على مرّ التاريخ هذه التهم وأن يحقّق ديوانه بكل دقّة وإمعان وضبط وشرح. بل يعمد هو الى نشره كما جاء على غلاف الديوان.

» ديوان بشاربن برد… لناشره ومقدمه وشارحه ومكمله حضرة صاحب الفضيلة الاستاذ العلامة السيد محمد الطاهر بن عاشور شيخ جامع الزيتونة في تونس «. جدير بالذكر أن كلمة السيد التي تسبق اسمه تدل على أنه من الشرفاء.

والمهم في هذا الديوان مقدمته التي تقع في تسعين صفحة يذكر فيها نسب بشار الايراني ومولده ونشأته ووفاته ولباسه وعماه وخُلقَه وبداهة جوابه وملحه ومجلسه واعتقاده.

جاء في هذه المقدمة:

» ليس البحث عن اعتقاد بشار شديد الصلة بتعريف قيمة أدبه وشعره؛ فإن لدينا من بلغاء شعراء العربية من هو مشرك، وهم معظم شعراء الجاهلية، ومن هو مؤمن، وهم معظم شعراء الإسلام، ومن هو متدين بغير الإسلام كالأخطل والسموأل، ومنهم من شرب من الصفو والكدر كلبيد وحسان، وكل هؤلاء لا نجد لاعتقادهم أثراً في رفعة شعرهم. غير أن الناس قد عُنُوا في قرون الإسلام الأولى بالخوض في عقائد أصحاب الشهرة ونحلهم ومذاهبهم، فأصبح هذا البحث من تكملة تراجم أولئك المشاهير، وبشار ممن أخذ بأوفَر حظ من هذا الخوض منذ القدم، لأن لاعتقاده أثراً في حياته، فكان حقاً علينا أن نتابع الباحثين من رجال الأدب، فنشفع القول ببيان عقيدة بشار ومقدار إيمانه من الصلابة…

» كان الرمي بالزندقة والإلحاد قد طلع قرنه من أثناء القرن الأول الإسلامي ثم بلغ أشده في العصر الذي عاش فيه بشار، بما عظم من المخالفات الاعتقادية والتعصبات المذهبية وقضاء الأوطار السياسية، وكان مبدأ ظهور الدولة العباسية بُوقاً نفخت فيه تُهَمُ الإلحاد زفيرها، وضربت عليه السياسة طبل نفيرها، إذ أراد دعاة العباسية أن يحلوا من قلوب الأمة مَحَلَّ الدولة الأموية، وكانت الأموية قد أينعت محبتها في قلوب أوليائها، وهم الجم الغفير، بما كان لخلفائها وأمرائهم من الأواصر العربية، وما شبّ في عصرهم من النهضة الأدبية؛ وما ملك قلوب عامتهم من المكارم والعطايا الذهبية، وكان ينازع العباسيين في الدعوة دُعاة الطالبيين، وكان الطالبيون أهل سخاء وتسامح، ولم يكن لدُعاة العباسية من هذه الوسائل ماهو قراب لما ارتكزت عليه الصلة الأموية والقرابة الطالبية، فابتكروا في إيجاد جاذبة هي أعلى وأعظم من كل ما كان يَجلب للأمويين والطالبيين قلوبَ الناس…

» نأخذ من متفرق أخبار بشار مايدل مجموعُه على أنه قد عرّض نفسه لبغضاء كثير مِن أهل الدولة والرأي والعلم واللسان، فكان قد تعرّض إلى يعقوبَ بن داود بما سنذكره في سبب قتله، وتعرض إلى أبي جعفر المنصور قبل ذلك بما قلَبه في أبي مسلم الخراساني، وتعرض إلى واصل بن عطاء الغزّال رئيس المعتزلة وهو إمام جماهير من العلماء والعامة، وتعرض إلى سيبويه. وكان هو ممن رمى أعداءه بسهام الإلحاد، مثل فعله مع حماد عجرد وعبد الكريم بن أبي العَوْجاء، فما كان بالذي يخرج من هذه المعمعة سالماً من سهام أعدائه، وقد قيل في المثل: ضعيفان يغلبان قوياً…

» وجاء في رسالة الغفران للمعري أن مما نسب إلى بشار:

إبليسُ أفضلُ من أبيكم آدمٍ

النـارُ عُنصـره وآدم طينـة فتنبهوا يا معشر الفُجّار

والطـين لا يسمـُو سُمُـوَّ النـار

ولا يكاد الذكي الفطنة السليم الذوق يُقرّ ذلك وتروج عنده صحة نسبة مثل هذا الشعر إلى بشار معنى ولا لفظاً ولا في مجاري أرباب العقول، فإنّا لو تنزّلنا إلى تصحيح احتمال أنه كان يعتقد مثل هذه السخافات – بعد نشأته في الإسلام وتضلعه في علم الكلام – أليس ينهاه نُهاه عن التصريح بما يراه؟ …

» وأمّا ما نسبوه إلى الشُّعُوبية وهي كراهية العرب وتحقيرهم، فالظاهر أنّ بشار كان ينزع إلى ذلك بعد أن أعتد لـه أعداؤه ومنُافسِوه التحقيرَ بالولاء، فألجأه ذلك إلى الابتداء بالافتخار بنسبه الفارسي، ثم بالتبرم من الوَلاء، فلذلك كان يقابل محقِّرى نَسَبه العجمّي بالافتخار بالعَجم ويقابل محقِّريه من القحطانين بالفخر والانتماء إلى ولاء مُضَر، ولا سيما عند شُبُوب حميّة اليمنيين والمضريين في عهد انتقال الخلافة من الأمويين إلى العباسيين، إذ كانت شيعة بني أمية من مضر وشيعة بني العباس من حمير واليمن، ولكنه لم يكن مع ذلك يتنقّص العرب، كيف وإنما قيمته من العربية. ويُشْبه بشار في الشُّعوبية إسماعيل بنَ يَسَار من شعراء عصر الدولة الأموية…

» والتأمل في سياق مايُلْمَز به بشار من الزندقة أو النِّحَل الفاسدة والشاذة يرى الذين يَلمِزونه بذلك مختلفي صفة النسبة: فمنهم من يَنْسُب إليه التظاهرَ بما نسبه هو إليه، ومنهم من ينسب إليه الإسرار بذلك في باطنه، ولا بد أن نجهَرَ بإسقاط إحدى النسبتين، وهي نسبة التظاهر باتّباع النِّحَلِ الباطلة، فإنّ من يقرأ أخباره وشعره يراه ملتزماً عقد الإيمان الصحيح مخبراً عن نفسه بأداء الصلاة والصوم والحج وشرائع الإسلام، ألا ترى إلى قوله في ترك وصال خلَّته في شهر رمضان:

في ليلة خلف شهر الصوم ناقصة

حتى ارتقيـت إليهـا في مشيَّدة تسعا وشعرين قد أحصيتها عددا

دون السماء تناغـى ظلها صُعـدا

وقوله

إني حلفـت يمينـا غيـرَ كاذبـة عنـد المقام ولـم أقرَب له فَنَدا

وقد أظهر الحفاظ على دينه في قوله (في الورقة ٧٣ من الديوان):

ومُلـوكِ إن تعـرَّضْتُ لهم عرَّضـوا دينـي وَشِيكاً للعَطَبْ

وسيجيء ذكر الورقة التي ألقيت بعد موته فيها تعظيمه الجانب النبوي الشريف. وكذلك قوله (في الورقة٤):

وعجيـب نَكْثُ الكريـم وللنَّفْـ سِ مَعـاد وللحياة انقضـاء

فاعترف بالمعاد، وقال في بعض قصائده يريد نفسه (في الورقة ٣١):

يصـدق فـي دينـه وموْعده نعم ويعْطَى الندى علـى كذبـه

وقال في رثاء ابن له:

ولي كـل يـوم عبرة لا أفيضهـا لأحْظى بصبـر أو بـحط ذنُوبِ

إلا أنه كان خَليعا في أفعاله وأقواله، فبقيت نسبة الإسرار والانطواء على العقائد الباطلة إليه، وهذه نسبة لا تخرج عن الرجم بالغيب، والوصم بالعيب «.

الدكتور أحمد الطويلي وابن المقفع

زار ايران بدعوة من رابطة الثقافة والعلاقات الاسلامية الدكتور أحمد الطويلي، وزارنا في كلية الآداب والعلوم الانسانية بجامعة طهران، فوجدنا فيه الرجل الذي يحمل هموم نهضة الامة ووحدتها واستئناف حركتها الحضارية، كما يهتم شكل خاص بالتواصل الثقافي بين ايران والمغرب العربي، نشر حوالي عشرين كتابا في البحث والتحقيق والقصة وآدب الرحلة، منها كتابه عن ابن المقفع الذي جاء فيه:

» رمي ابن المقفع باطلا بالزندقة واضمار المجوسية. فقد كان الخليفة العباسي المهدي يقول عنه: ما وجدت كتاب زندقة الا وأصله ابن المقفع. ومفهوم أن خلفاء بني العباس كانوا يتّهمونه بالنّفاق ويذمّونه وينتقصون فضله ودينه لموالاته أعداءهم الثائرين عليهم من أعمامهم، ولعلّ مثل هذا القول من المهدي يبرّر في نظر العباسيين مشاركة المنصور الخفية في قتله. ومن الأسباب الداعية لاتّهام ابن المقفّع بالزندقة ما قيل عنه أنّه مرّ يوما ببيت نار المجوس بعد إسلامه تمثّل بقول الأحوص:

يا بيتَ عاتكة الذي أتغزّل

إنّـي لأمنحك الصّدود وإنّنـي حذر العدى وبه الفؤاد موكّل

قسما إليك مـع الصّدود لأميـل

والحقيقة أنه لا يجوز لأحد أن يتّهم مؤمنا بالكفر. صحيح أن والده كان مجوسيا، وأنه كان في أول حياته على دين أبيه، وأنه كان مطّلعا على ما كان منتشرا في عهده من الأديان والمذاهب بفارس والهند مثل المزدكية والزرادشتية والمانوية، وأنّه كان مثقّفا بثقافة عصره الدّينية والكلامية والفلسفية، وأنه اطّلع بفضل حذقه للفارسية على كثير من الكتب تتّصل بتلك الأديان والمذاهب الروحية، وأنّه كان يترجم من تلك اللغة بعضا من آثارها الفكرية أو ممّا نقل إليها من كتب المنطق الّتي ألّفها خاصة أرسطو. لكن يجب أن لا يغيب عنّا أنّ ابن المقفّع قد دخل الإسلام قلبه ورضي بأن يسمّى بعبد الله ويكنى بأبي محمد، كما أنّ تآليفه تردّد معاني الإيمان بالله، » والرّاجح أنّ الحسد غلت مراجله في صدور بعض معاصريه فنسبوا إليه ما نسبوا من الزّندقة لقصورهم عن بلوغ شأوه أو لغرض في أنفسهم «. يقول محمد كرد علي:

» ولقد قرأنا كلام ابن المقفع وتدبّرناه، فما رأينا له كلمة واحدة تشعر بزندقته، وكيف تثبت الزندقة اذا لم تقم عليها بينات ظاهرة من أقوال وأفعال؟ ولو كان في دينه أدنى عهدة لكان المنصور العباسي قتله على الزندقة جهرة يوم أزمع قتله «.

ويتساءل الأستاذ خليل مردم بدوره عن دواعي اتّهام ابن المقفّع بالزّندقة وينفي في استنتاجاته هذا الاتهام فيقول:

» ما أدرى من أين استدلّ النّاس على زندقته وكيده للاسلام، فان كان من كلامه فليس هناك مغمز… وإن كان بأفعاله فلم يرشدونا الى شيء مقنع منها… لا أنكر أنّ الفرس أدخلوا شبهات كثيرة على الإسلام وأنّ بعضهم دعا إلى مقالات تخالفه وأنّ بعض آراء المانوية استهوت بعض الناس ولكنّ الباحث لا يقدر أن يثبت بالبرهان شيئا من ذلك على ابن المقفع «.

لقد كان ابن المقفع من أصحاب الفكر الحر، شقّ طريقا خاصا لنفسه في أسلوبه ومضامين كتبه، وحرّر نفسه من التّقليد ومن المعتقدات الفارسية القديمة، وأهمها الزرادشتية التي تقول بوجود الهين اثنين، اله للخير واله للشر، روحاهما يعيشان معا في اله. وكانت رغبة ابن المقفع في إصلاح الدولة الاسلامية الجديدة وتنظيم مؤسساتها عارمة، كما أنه كان يتحمّس شديد التحمّس في إدخال مواد جديدة للثّقافة الإسلامية من الثّقافتين الفارسية واليونانية، وساهم في جعل العربية أداة حضارية مرنة تضطلع بدورها الإنساني الحضاري المجيد. وقد كان ابن المقفّع رائدا في ميدان التّرجمة سبق غيره من المترجمين الكبار في عصر المأمون، وفتح لهم الطريق مبيّنا أنّ العربية غير عاجزة عن التّعبير عن أدق الأفكار وأعقدها في أي مجال من مجالات العلوم الانسانية، وقد ساعد ابن المقفّع على خلق المناخ المناسب لحركة ترجمة متقدمة ومتطوّرة. ويمكن أن نصف ابن المقفّع برائد المترجمين في الحضارة العربية والحركة العلمية الاسلامية، وقد اكتفى بمفردات اللغة العربية وتعابيرها ولم يشوّه الفصحى بألفاظ أجنبية عنها، ولا بتعابير ملتوية معقّدة كما ادعى بعض المؤلفين، فمؤلفات ابن المقفع من أولى ا

لمؤلّفات المترجمة التي لم يحتج صاحبها فيها إلى الاقتباس من المعجم اللغوي الفارسي أو اليوناني، وقد استعمل مفردات اللّغة العربية في نصاعتها وفصاحتها، ويمكن أن نعدّ ما قام به ابن المقفّع في هذا المجال فضلا كبيرا على العربية.

أمّا تاريخ قتله فيختلف حسب روايات عديدة منها أنّه قتل سنة ١٤٢ أو ١٤٣، أو ١٤٥، والمرجّح سنة ١٤٢، وهي سنة وفاة سليمان بن علي، وهكذا كان قتله جريمة سياسية بسبب الأحقاد والأضغان وتسوية الحسابات الشخصية، وعمره لا يتجاوز ستا وثلاثين سنة حسب الروايات، توفي في أوج شبابه وعطائه الأدبي والعلمي. وقد تضافرت أسباب عديدة دفعت المنصور إلى الرّغبة في التخلّص منه، حتى أمر بقتله قائلاً: أما يكفينا أحد ابن المقفّع؟ وفي رواية أخرى أنه كتب لسفيان يقول: لا يفلتنّك ابن المقفّع حتّى تقتله.

ويبدو أن السّبب هو كتابة ابن المقفّع لعهد الأمان لعبد الله بن علي وتشديده فيه الشروط منها: متى غدر أمير المؤمنين بعمّه عبدالله بن علي فنساؤه طوالق، ودوابه حبس، وعبيده أحرار، والمسلمون في حلّ من بيعته؛ وكتابته لرسالة الصحابة التي توشك أن تكون برنامج ثورة في رأى طه حسين، والتي تعرض فيها الى نقائص الحكم العباسي وأظهر فيها خطل سياسية المنصور في معالجة الأوقاع السائدة في الدولة في القضاء والخراج والجند، والتي كانت بمثابة دعوة قد تكون سببا في إثارة الجماهير عليه، وسمح كاتبها لنفسه بتوجيه النّصح والارشاد الى الخليفة فاعتبر المنصور وجوده خطرا على الدّولة وعزم على التخلّص منه، لا سيما وأن السلطة أصبحت مقدسة مستمدة من الله تعالى اذ خطب المنصور قائلا: أيها النّاس إنّما أنا سلطان الله في أرضه أسوسكم بتوفيقه وتسديده» كما أن الإمامة كانت نظريّتها الدعامة الأساسية للدّعوة العبّاسية مستندة على حقّ الهي في الحكم، فلا يستبعد إذن أن تكون الدولة العباسية قد أشاعت القول إنّ ابن المقفّع زنديق يستحقّ القتل، لذلك كثيراً ما نقرأ هذه التهمة خاصة في المصادر التّاريخية عن ابن المقفّع.

وفاته:

يجمع المترجمون لعبد الله بن المقفّع أن قاتله هو سفيان بن معاوية بن يزيد بن المهلب بن أبي صفرة أمير البصرة، وقد نفّذ أمرا لأبي جعفر المنصور في ذلك لأسباب سياسية سنبيّنها. وقد خفّ سفيان لتنفيذ الأمر لحقد دفين كان يكنّه لابن المقفّع الذي كان ينال من أمه ويسمه بابن المغتلمة، وكان يسخر من أنفه الكبير، فكان إذا دخل عليه قال: سلام عليكما، وكان يتهجّم عليه على ملاء من النّاس. فكان سفيان يتوعّد بقتله أشنع قتلة، فوجدها فرصة سانحة حين حنق عليه المنصور. وتروي كتب التراجم أنّ ابن المقفّع استأذن عليه يوماً، وقد أرسله عيسى بن علي في أمر أخيه عبد الله، وامتنع في الأوّل لكن عيسى طمأنه وأكد له أنه في أمانه، ولما مثل أمام باب سفيان أبقاه ينتظر حتى خرج من كان عنده ثمّ أذِن له فدخل، فسأله سفيان: أتذكر ماكنت تقول في أمي؟ فقال: أنشدك الله أيها الأمير في نفسي، فقال: أمّي مغتلمة إن لم أقتلك قتلة لـم يقتل بـها أحد.

وأمر بتنّور فسجر، ثم أمر بابن المقفّع فقطعت أطرافه عضواً فعضواً، وهو يلقيها في التنور وهو ينظر حتى أتي على جميع جسده ثم أطبق عليه التنّور، وقال: ليس عليّ في المثلة بك حرج لأنّك زنديق، وقد أفسدت الناس.

ولعلّ هذه الرواية مبالغ فيها فكيف يقطع إرباً إرباً وهو ينظر ولا يفقد وعيه؟ وهناك روايات أخرى تصوّر قتله بطرق مختلفة منها أن سفيان ألقاه في بئر وردم عليه الحجارة أو أنه أدخله حمّاماً وأغلق عليه بابه فاختنق.

وسأل عنه سليمان وعيسى ابنا علي حين لم يرجع من لدن سفيان وخاصما الوالي إلى المنصور، وحضر الشهود الذين شاهدوا ابن المقفع يدخل داره ولم يخرج فقال لهم الخليفة: أرأيتم إن قتلت سفيان به ثم خرج ابن المقفّع من هذا البيت – وأشار إلى باب خلفه – وخاطبكم ما تروني صانعاً بكم؟ أأقتلكم بسفيان؟ فرجع الشّهود عن شهادتهم، وعلم كل النّاس أن قتله برضى المنصور.



[ Web design by Abadis ]