ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 العلاقات بين تونس و ايران عبر التاريخ \ الاستاذ عثمان العكاك *

اتحفنا سعادة السفير التونسي لدى طهران بنسخة مصورة عن كتاب» العلاقات بين تونس وايران عبر التاريخ «. إننا إذ نشكر لسعادة السفير اهتمامه بالتواصل الحضاري في عالمنا الاسلامي، نلقي الضوء باختصار على الكتاب الذي جاء في مقدمته: » … هذا الكتيب هو وضع للخطوط الاولى العامة بحروف كبرى عريضة لهذه العلاقات السحيقة عمقاً في التاريخ والممتدة الى الآن، والمستمرة الى ما بعد يوم الناس هذا، والتي هي سلسلة من الحلقات المتماسكة المتتابعة بدون حلقة مفقودة من ألفها الى يائها… «(ص٥).

وهذه العبارة من الكاتب تدلّ على أنه يريد أن يبين جوانب من الارتباط الحضاري الذي جمع بين ايران وتونس، وعلى إيمانه بأن هذا الارتباط له من عمق الجذور مايجعله يتواصل باستمرار عبر التاريخ وسيبقى متواصلاً على مرّ الايام.

ويقول: » وبالحقيقة –أحببنا أم كرهنا – فإن تاريخنا مشترك في أعظم أجزائه وجانب طيب من تاريخ إيران لا يفسره إلا تاريخ تونس. وأنا أعتقد أن الكثيرين من إخواننا

ـ

* - باحث من تونس.

الإيرانيين لا يتصورون أن لحضارتهم امتدادا بتونس منذ أقدم العصور، فهم لا يعلمون أن نسابي البربر القدامى جعلوا أصولهم في الفرس، وأن الطربوش المغربي الذي عم ثلاث قارات أصله من شاش، وازدهر بتونس وأن إدارة أو وزارة عامة في كامل الأقطار العربية تحمل اسماً فارسيا على وجه الدهر وهي» البريد «، وأن نظام هذا البريد يحمل ألفاظاً فارسية أخرى مثل الفرانق.

وأن أكبر حزب تونسي يعتمد على لفظ إيراني وهو الدستور، وأن عناوين كل الحكومات التي لها نظام قانوني هي حكومات دستورية، وأن نظم الدول هي الدساتير وأن نظام الثغور البحرية يعتمد على ديوان البحر الذي عم العالم في القرون الوسطى والآن، فانتشرت الكلمة في اللغات العربية والكثير من الاوروبية، وأن الكثير من الأزهار والأشجار هي من إيران وأن السكر والزليج هما من إيران إلى غير ذلك:

وكذلك قد يعلم التونسيون وقد لا يعلمون أن كثيرا من مؤسساتهم هي ذات أصل إيراني سواء في الإدارة أو العسكرية أو المعمار أو التجارة أو الفلاحة أو الصناعات التقليدية، فهي أيضا من أصل إيراني. وأن كثيرا من العلماء التونسيين قد أقرأوا بإيران وأن ابن خلدون هو من أكبر المؤرخين الذين درسوا في شيء من الاستعجاب تاريخ إيران وحضارة إيران وفلسفة التاريخ الإيراني.

فهذه هي الأصول العامة والخطوط الكبرى التي أردنا أن نسطر جدولها، وأن نحرر أصولها وأن نبين ملامح معالمها لا على وجه الاستيعاب والشمول، ولكن على وجه رسم بياني وفهرست قابل للشرح والتحليل، فجمعنا ما تفرق، ورتبنا ما تشوش، وصنفنا ما تلاشى إطاره، والتقطنا الدرر المتناثر عقدها، والجواهر التي غاصت في أصدافها في بحار النسيان، ثم قارنا فتوفرت لدينا مادة عجيبة واندهشنا من الحصيلة الطيبة. ولكن هذا فاتح لباب لا مغلق لقوس، ومناط بحث لامسك ختام «(ص٦).

ويتحدث المؤلف عن فصول كتابه بايجاز جميل فيقول:

» وقسمنا هذه الرسالة إلى الأقسام الآتية:

أولا: المقدمة التي هي هذه، والتي هي تخطيط للكتاب نفسه.

ثانيا: الباب الأول: الأطوار التاريخية. بدأناها من أقدم العصور واستمررنا فيها إلى يوم الناس هذا، فبسطناها دولة بعد دولة وقارناها دولة إيرانية بدولة تونسية معاصرة واستخرجنا ما هنالك من وجوه التأثير المتبادل ومن أسباب الشبه، فصرنا كأننا في متحف تاريخي مقارن، كأننا نستعرض شريطا سينمائياً قد وضحنا معالمه ومراحله وأساريره إلى عصر العاهلين الجليلين العظيمين اللذين شعارهما:

نبني كما كانت أوئلنا تبني ونفعل فوق مافعلوا

ثالثاً: الباب الثاني: ابن خلدون والدراسات الإيرانية

وذلك لأن ابن خلدون هو التونسي الأول الذي تعاطى بعلم ومنهاجية ومقارنة الدراسات الإيرانية IRANOLOGIE وقد تعاطى ذلك في مكانين:

المكان الأول: المقدمة، فبين فلسفة التاريخ الإيراني ومعالم القوة والضعف، فيه، وأصول حضرياته وما كان له من تأثير في الحضارات الأخرى. فعقد مثلا بابا كاملا في أن علماء الإسلام معظمهم من العجم ومع أننا لا نفرق بين أحد من رسله ففي هذا توضيح وشجاعة.

المكان الثاني: » كتاب العبر «الذي هو تاريخ عالمي، فقد تحدث عن تاريخ الإيرانيين:

أولا: قبل الإسلام، فاستعرض أصول الإيرانيين وبين دولهم وتحدث بـإطناب عن كورش وعامة الدول إلى أن بسط القول عن الساسانيين، واعتمد في ذلك على مؤرخين إيرانيين ومؤرخين رومان وعبرانيين ومؤرخين عرب.

ثانيا: بعد الإسلام، فتحدث عن الدول: الطاهرية والسامانية والغورية والغزنوية، وأفاض القول في ذلك مع إيراد اعتبارات أشبه بفلسفة التاريخ منها بالتاريخ.

ثم هو بدأ الدراستين المذكورتين ببسطة عن جغرافية إيران، اعتمد فيها على جغرافيين إيرانيين (كابن خرداذبه) وعرب (كالمسعودي) ولا سيما التونسي المغربي الآخر الشريف الإدريسي الصقلي.

فنحن عندنا صورة واضحة عن إيران إقليما وشعبا وتاريخا وحضارة وعلوما وآدابا وفنونا، بفضل ابن خلدون مازالت الأجيال تطالعها جيلا بعد جيل منذ سنة ٧٩٠ إلى سنة ١٣٩٠ أي منذ ستة قرون كاملة. هذا علاوة عن أن أحمد المقري التلمساني أكمل تاريخ ابن خلدون فزاد قرين آخرين ونصف القرن.

رابعا: الباب الثالث: المؤسسات العسكرية ورجالات تونسيون في كل الفنون من أصل إيراني.

يظهر هذا الباب عجيباً، وكأنه سبق قلم أو رواية افتعالية، أو كأنه باب مصطنع ملفق. لا وحقك يا سيدي القارئ الكريم، ففي البلاد التونسية في عهد الدولة المهلبية وفي عهد الدولة الأغلبية جيش خراساني إما من الخراسانيين الأصليين أو من العرب الذين أقاموا بخراسان وأحيانا ولدوا بها و» تخرسنوا «أي» تفرسوا «، ولتعلم أن عدد الجيش الخراساني ٠٠٠ / ٣٠ مقابل ٠٠٠ / ١٠ للجيش العربي، وأن قواد هذا الجيش في هذين القرنين الثاني والثالث الهجريين كانوا من الخراسانيين مع إثبات المصادر التي نقلنا عنها بالحرف الواحد أحيانا. فقد كان هناك حتى وال خراساني.

ونستعرض بنفس المناسبة أسماء وتراجم رجالات إيرانيين لعبوا دورا بتونس في فنون عدة من الفقه والإدارة والعسكرية وغيرها.

ومن نظر في هذا قضى العجب العجاب، ناهيك أن أسد بن الفرات من نيسابور، وهو صاحب الأسدية أي مدخل المالكية والحنفية إلى تونس وقاضي القيروان الحنفي إلى جانب سحنون المالكي، وفاتح صقلية ومدرس الفقه بجامع القيروان، على حين كانت ابنته تعلم النساء في نفس الجامع.

خامسا: الباب الرابع: العلوم.

من علوم دينية كالتفسير (الزمخشري) والحديث (البخاري والنسائي والترمذي) والفقه والفرائض، أو كالعلوم الرياضية أو الطبيعية أو الفلسفية أو الكيمياوية والطبيعية والفلكية فتأثير الإيرانيين في هذه العلوم عند التونسيين ظاهر قائم.

سادسا: الباب الخامس: الآداب.

وفيها يبدو تأثير كليلة ودمنة وألف ليلة وليلة والإنشاء الإداري والمقامات وصنوف الشعر والملحمة.

سابعا: الباب السادس: الفنون

من معمار ونقش ونحت وموسيقى، فالبيت التونسي منذ العصر الفينيقي هو بيت من مدينة» الحيرة «مستوهب من الطراز الإيراني. والبيت الريفي هو إيراني اسما ومسمى وهو» الكربي Gourbi «، والفسيفساء والزليج إيرانيان أو من تأثير إيراني، والكشك (المقعد) والإيوان (البرطال) إيرانيان. وكذلك العناصر الزخرفية من ياجور مطلي أو طوب مطلي والجريديات، سواء في البناء بالاجر أو في الطراز والزركشة أو في نقش الرخام والمعدن والخشب (محراب القيروان) والمعينات (البقلاوة Losange) التي تجدها في منبر القيروان، أو التي تجدها في صناعة الزربية والغطاء والصوفيات البربرية، أو المستطيلات المقسمة إلى مثلثات (الصوفيات البربرية)، ومنبر القيروان وجامع ابن خيرون المسمى بجامع الأبواب الثلاثة. وكذلك الأهليلجيات التي تجدها في الخط الكوفي أو تجدها في زخرف الرخام والخشب، وكذلك التعريش والتوريق والتغصبين والتزهير التي تجدها في زخرف الرخام، أو الخشب، أو الخط الكوفي ولاسيما مقصورة المعز بن باديس القيروانية، وهي من الخط الكوفي العجيب المنقوش في صميم الخشب، وهي تشبه إطار آمدة المشهور. وكذلك الخاتم الإمضائي المسمى خنفساء الذي تجده عند العدول Notaire التونسيين والذي تج

ده حتى في العهد الفينيقي Vercoutter.

ثامنا: الباب السابع: الصناعات التقليدية.

وعلى الخصوص الزربية التي جاءت مع الجند الخراساني، وبني المهلب الذين كانوا أمراء إيران، فتأثرت بالزربية البربرية والزربية البيزنطية وأخذت طريقها بعد ذلك، فاتخذت لنفسها شخصية فتحت لها منذ العهد الأغلبي الأسواق العالمية.

ومنها الطربوش المغربي: الشاشية: التي أصلها من مدينة شاش، ويبدو أنها جاءت مع الجند الخراساني أيضا، ثم ترقت وذهبت إلى الأندلس، ورجعت فعمت أقطار البحر المتوسط في عهد المراديين والحسينيين، أعني العهد التركي بتونس بداية ونهاية. ومنها الحرير الذي أسست معالمه بقابس في الجنوب الشرقي التونسي، فغرس التوت الصالح بدود القز، وربي دود القز، وكان هناك عشرات المعامل وماكانت أقطار البحر المتوسط لتتزود بالحرير المنسوج والمزخرف والمزركش إلا من تونس، فلها وحدها الاختصاص في البحر المتوسط في حوضه الغربي على الأقل، وكذلك صناعة السلاح المرصع والمنقوش من سيوف ورماح ودرق معدنية، مرصعة بالذهب ومزينة بالصور الحربية الرائعة.

والغضار وهو المطلي من صحون وفناجين وزليج وأواني وزهريات.

تاسعاً: الباب الثامن: التصوف.

وهذا باب طويل عريض، فمن أهم الشخصيات الصوفية الإيرانية الأصل المنتشر أثرها العظيم بتونس الغوث عبد القادر الجيلاني الذي دخلت طريقته وزواياه تونس، من أوائل العهد الحفصي فانتشرت بها إلى يوم الناس.

عاشرا: الباب التاسع: الفلاحة

دخلت المزروعات الإيرانية تونس في عصرين:

أولاً: على عهد الفينيقيين، فجاء الرمان والتفاح والخضر بينما لم يكن على عهد البربر من الأشجار التونسية إلا التين والزيتون، وجاءت الأشجار الغابية أيضا.

ثانيا: في العهدين المهلبي والأغلبي جاءت المحامض لأول مرة في تاريخ البحر المتوسط والعالم الغربي، وهي النارنج والليمون والليم، كما جاءت القراصيا والأشجار الغابية المثمرة من جوز وفستق وبندق (صنيبرة) وأبي فروة.

أحد عشر: الباب العاشر: باب جامع.

نتحدث فيه عما لايدخل في الأبواب، كأسباب الحضارة المختلفة من مشروب ومأكول ومشموم وحلي وغيرها «(ص ٧ – ١٢).

ويتحدث الكاتب عن الفنون الاسلامية التي طبعت العالم الاسلامي بطابع واحد، وبنكهة حضارية واحدة، والدور الايراني في هذه الفنون فيقول: » ولا شك أن الفن الإسلامي يشتمل على المدارس الآتية:

١ـ المدرسة المدجّنة.

٢ - المدرسة الأندلسية.

٣ - المدرسة الإفريقية المغربية.

٤ - المدرسة العربية.

٥ - المدرسة الإيرانية.

٦ - المدرسة التركية.

٧ - المدرسة الهندية.

٨ - المدرسة الزنجية.

فالمدرسة الإيرانية قد شاركت بقبتها البصلية الاصيلة وبمنائرها المغشاة بالزليج البارع وبأقواسها المهموزة التي تسمى في الأندلس قوس الجيب (ومنه ogive الأوروبية) وقد غزا هذا المعمار عن طريق الغزنويين الهند، وعن طريق السلجوقيين روسية آسيا، ثم الروسية، فنجده في كرملين موسكو، وفي بولونيا كما نجده قد غزا مصر ووقف عند التقائه بالفن التركي أو الفن الأندلسي المهاجر، فجامع درنة بطرف ليبيا، القريب من مصر، هو جامع أندلسي، وهو الوحيد الذي فيه ٤٤ قبة وهو أعجوبة من هذه الناحية.

فمشاركة إيران تبلغ منطقة كبرى من حدود الصين إلى الهند، إلى بولونيا إلى بعض البلاد السلافية الأخرى تبلغ آلاف الكيلومترات.

أما القوس المهموزة أو قوس الجيب فإنها ممتدة من إيران إلى الأندلس، كذلك المنائر الملبسة بالقاشاني المزخرفة، وأهمها الجرالدا بإشبيلية وصومعة تستور بتونس.

أما فن المنابر الرخامية المزخرفة المحلاة بالكوفي فإننا نجده بدون انقطاع من إيران إلى تونس إلى إيطاليا وبقية أوروبا الغربية ولاسيما Ravello قرب نابلي.

على أن الحضارة الإيرانية التي شاركت أعظم مشاركة في الحضارة الغزنوية أو الحضارة السلجوقية قد ضربت أيضا بسهم مصيب في الحضارة التركية، بل هي قد انتشرت بواسطتها، وبقيت حية في البلاد غير الإيرانية إلى يوم الناس هذا. وذلك بفعل الحضارة العثمانية المشتركة الثلاثية التي هي ذات سيادة عثمانية - لا شك - لكن مع مشاركة عظمى إيرانية عربية في العلوم الإسلامية والتصوف والفلسفة والموسيقى والعمارة والفنون الصغرى من الأثاث والرياش والأقمشة والثياب وصناعة السلاح المزخرف والخشب المطعم إلى غير ذلك. علاوة عن الألفاظ الفارسية الدخيلة في الموسيقى والعسكرية والطب التي دخلت للغة التركية من كل جانب منذ العصر السلجوقي بل منذ العصر العباسي.

فانظر إلى المثنوي، فإن معظمه فارسي، وانظر إلى كتاب كشف الظنون لمصطفى جلبي فإنه يذكر الكتب الفارسية والتركية والعربية على السواء.

فمشاركة الإيرانيين في الحضارة الإسلامية، كانت في جميع العصور، قبل الإسلام وبعده، وبمشاركة العرب وغيرهم من الأمم الأخرى، وفي جميع مبادي العلوم والآداب والفنون والتقنيات والفلسفيات والتصوف والصناعات التقليدية والاجتماعية والسياسيات والإداريات والعسكريات والمعماريات والاقتصاديات، وفي مستوى رفيع جدا، تجد فيه أساطين الإسلام، في الفقه والحديث والتفسير والأدب والاداب والموسيقى والفلسفة والفنون والصناعات والتقنيات.

وهذا من غير شك له انعكاساته على تونس، من حيث أنه بلد إسلامي، له ما لغيره من البلدان الإسلامية، وعليه ما عليهم.

فلاشك أن الحضارة العباسية المتأثرة بالإيرانية، والتي انبثقت عنها الحضارة الأغلبية بالقيروان، تجعل الحضارة الأغلبية متأثرة أيضا بالحضارة الإيرانية. ولاشك أيضا أن الحضارة الفاطمية التي هي أول حضارة فاطمية وقد نشأت بمدينة المهدية على الساحل التونسي، تجعل لنا صلات مع الحضارة الشيعية الإيرانية في مظاهر الحضارة العلمية والأدبية والفنية والصناعية، فعاشوراء التونسية فيها كثير من أصول عاشوراء الشيعية، ومسرحية التعزية كانت موجودة بتونس في العهد الفاطمـي، واعتبار علي نور الله وجهه والسيدة فاطمة الزهراء - رضي الله عنها - لايزال ولن يزال قائما بتونس.

فالمرأة التونسية إذا نادت الأخرى: يا للا – أي يا سيدتي فـ» للا «بالتونسية وهو لفظ بربري معناه السيدة – تقول لها: للاك فاطمة بنت الرسول!

وإذا ذهبت النساء مع العروس إلى بيت زوجها غنين:

هذا اليوم اللي (الذي) نبيه (نبغيه) محمد وعلي يحضر فيه. ففي تونس يقلن (نبغيه) (وفي ليبيا) نبيه).

وإذا تأزم أمر لدى شخص، نادى يا محمد يا علي ! وصورة علي نضر الله وجهه مع سيفه المعقف وجودة في كل البيوت، وقصص الجهاد والبطولة المروية عن علي رضي الله عنه على فم كل قصاص.

والأسد الإيراني وأسد علي يوجد إلى الآن منقوشاً في الجدار الخارجي لقصر عبد الله المهدي بمدينة المهدية، وهو مؤسس الدولة العبيدية الفاطمية بتونس. وغالب الأولياء التونسيين لهم أسد اقتداء بعلي.

واسم علي وتصغيره علية وعلولو، وكنيته أبو الحسن (بلحسن) كثير بتونس، وكذلك الحسن والحسين لاسيما إذا كانا توأمين ويصغر على حسونة وتسمى المرأة حسينة وحسنية وعَليّة وعُليّة.

وفاطمة كثير جدا والغالب أن يقال السيدة فاطمة، وتصغيره فطومة فطوم وفطيمة وفونة وفافاني. وتذكر بصفتها فتقال الزهراء والزهرة وزهيرة وزهور. وتسمى قوس قزح حزام السيدة فاطمة واسم السيدة فاطمة يرغب فيه التونسيون لأنهم يتباركون به في المحل.

وتذكر النسوة التونسيات عندما يحزن في عاشوراء أن السيدة فاطمة قالت: » الذي يفرح وأنا حزينة ما يكمل عامه إلا حزين «ولذلك فلا تستعمل الحناء في عاشوراء، ولا خضاب الشعر، ولا زغردة، ولا زفاف، ولا ختان. وتزار المقابر في عاشوراء وتخرج قرابين الأموات وتصنع طبول خاصة فيها صورة علي - كرم الله وجهه - إلى غير ذلك.

ويستشهد التونسيون كثيرا بأشعار علي وأقواله ويطالعون نهج البلاغة ويعتبرونه المثل الذي يحتذى لحذق الإنشاء.

على أن هذه الصلات التي أكدها الإسلام لم تحدث منذ العصر الإسلامي ليس إلا بل هي حادثة قبل الإسلام ومستمرة ومتأكدة معه وبه «(ص ٢٠ – ٢٣).

وعن دور بعض العلماء الايرانيين في التواصل الثقافي بين ايران وتونس يتحدث الكاتب عن ناصر خسرو فيقول: » رحالة وسياسي ومتصوف وداعية فاطمي، وشاعر إيراني، زار مصر في أول عهدها الفاطمي، وتحدث عن الفاطميين بالمغرب، ومصر بإطناب، وقد زارها في أيامهم الأولى.

كان ناصر خسرو علامة الدهر يعطينا صورة من المثقف الفاطمي العالي. فكان يحفظ القرآن الكريم من طرف ثمامة ودرس التنجيم والفيزياء والرياضيات والهندسة والعلوم الطبيعية والطب والموسيقى والمنطق وفلسفة أرسطو. واعتنى بدراسة تاريخ إيران القديم وقابل بين النظم الدينية المختلفة المنتشرة بالمشرق فدرس الزنداقشتاب وديانة زرادشت. وكان يعرف عددا هائلا من اللغات: العربية واليونانية والفارسية والتركية والهندية والعبرية. وكان يعرف من جهة أخرى وبدقة ديانة ماني والصابئة والماديين. ثم هو زار في شبابه عددا من الأقطار مثل جزيرة العرب وايران وتركستان والهند. ثم زار في رحلة ثانية الشام وفلسطين ومصر وجزيرة العرب وإيران. وكان من جهة أخرى داعية فاطميا متحمسا.

والذي يهمنا هو رحلة ناصر إلى مصر المسماة بالسفر نامة (كتاب السفر) التي درسها وترجم لصاحبها وترجمه بالعربية وعلق عليها الأستاذ الكبير علامة الإيرانيات الدكتور يحيى الخشاب.

وصل ناصر خسرو القاهرة يوم ٤ أغشت ١٠٤٧م (٤٣٩هـ) أي نحو ٧٠ سنة بعد انتقال المعز لدين الله إلى القاهرة. وصلها على عهد الخليفة الفاطمي المستنصر. وقد استدعاه المستنصر نفسه وبقي بمصر ٧ سنوات يحج في كل عام وكلفه بتربية ولده نزار.

والمستنصر هو المستنصر ابن الظاهر ابن الحاكم ابن العزيز ابن المعز ابن المنصور ابن القائم ابن عبيد الله المهدي فهو الخليفة الفاطمي الثامن باعتبار تأسيس الدولة بالقيروان والخامس باعتبار انتصابها بمصر.

يحدثنا ناصر خسرو عن الخلفاء الفاطميين الأولين، وعن القضاة، وعن المؤسسات الفاطمية، وعن الدعاية، وعن الحياة العقلية والسياسية.

ولا باس أن نكون على علم من أن مصر يومئذ كانت امتدادا لفاطمية المغربية. فعناوين الحارات من حارة (بالمعنى المغربي) وأسماء الأسواق وأسماء الأبواب وأسماء القبائل البربرية وحتى استعمال» الدنانير المغربية «في عهد المستنصر وحتى القضاة إلى عهد المستنصر كانت كلها مغربية، فقال لنا مثلا أن قاضي القضاة بمصر يتقاضى شهريا مرتبا مبلغه ألفا دينار مغربية «(ص ٤٨ - ٤٩).

وعن دور ابي منصور الثعالبي في هذا التواصل يقول: » نختم باب الفاطميين

برجل كان لـه دوره العظيم في العلاقات الثقافية بين إيران وتونس الفاطميـة نعني

بـه ابا منصور الثعالبي النيسابوري الخراساني، فهذا خراساني آخر ومن

العاصمة نيسابور ايضا. قد الف كتاب يتيمة الدهر في تراجم ادباء العصـر نـوع

Anthologie des poetes contemporains فكان لها من التاثير:

اولاً: انها درست الشعراء الافارقة الفاطميين المعاصرين له وبخاصة تميم ابن المعز لدين الله فقد اطنب فيه وعرف به اهل المشرق والآن رجال المغرب وكذلك ترجم للنعمانيين القضاة المهدويين الفاطميين. فقد عرف بالادب الفاطمي في عصره احسن تعريف.

ثانيا: أنه فتح بابا جديدا من تاريخ الادب، فجاء جماعة في العصر الموالي اعتنوا بالأدب المغربي المعاصر لهم، منهم ابن رشيق في كتابه العظيم» أنموذج الزمان في تراجم أدباء القيروان «. وأدباء المهدية ومنهم أمية بن أبي الصلت المهدوي الذي ألف كتاب» الحديقة «في تراجم أدباء تونس في عصره، وعبد الرحمان بن بشرون الذي ألف كتاب شعراء صقلية في عصره.

ثالثا: وتعاقب بعد الثعالبي مؤرخون لادباء عصرهم، منهم الباخرزي، وحمزة الأصفهاني، وغيرهم، ترجموا هم أيضا لأدباء تونس في كل عصر بحسبه.

وإلى جانب ذلك فإن الثعالبي ألف كتبا دراسية كثيرة، استفاد منها التونسيون ولا يزالون، منها فقه اللغة، ومنها خاص الخاص، وغيرهما «. (ص ٥٦).

وإذا كان هناك من الايرانيين من عمل على التواصل مع غرب العالم الاسلامي، فان من التونسيين من اهتم بهذا التواصل مع ايران، ومنهم العالم الكبير ابن خلدون. والكتاب يضمّ عرضا لما قدمه ابن خلدون من معلومات عن تاريخ ايران وتاريخ العلوم فيها.

وعمّا قاله ابن خلدون عن العلوم العقلية لدى الايرانيين يقول: » تحدث ابن خلدون عن العلوم العقلية عند الإيرانيين فقال:

» … وأما الفرس فكان شأن هذه العلوم العقلية عندهم عظيما ونطاقها متسعا؛ لما كانت عليه دولتهم من الضخامة واتصال الملك ولقد يقال: إن هذه العلوم إنما وصلت إلى اليونان منهم حين قتل الإسكندر دارا (داريوس) وغلب على المملكة الكينية (الكيمنية) فاستولى على كتبهم وعلومهم مما لا يأخذه الحصر. ولما فتح سعد ابن أبي وقاص أرض فارس وجد فيها كتبا كثيرة «.

قلت: ومن يراجع الفهرست لابن النديم يجد شطرا صالحا من الكتب الفارسية التي نقلت إلى العربية.

ثم تحدث عن ترجمة كتب اليونان وغيرهم، وعطف قائلا: » … وعكف عليها النظار من أهل الإسلام، وانتهت إلى الغاية أنظارهم فيها، وخالفوا كثيرا من آراء المعلم الأول، وخصوه الرد والقبول لوقوف الشهرة عنده. ودونوا في ذلك الدواوين وأربوا على من تقدمهم في هذه العلوم، وكان من أكابرهم في الملة أبو نصر الفارابي وأبو علي ابن سينا بالمشرق «.

قلت: ومن مفاخر تونس أن أحد التونسيين العلماء صديقنا المنوبي السنوسي - رحمه الله - هو الذي ترجم إلى الفرنسية وعلق تعاليق ضافية على كتب الفارابي وابن سينا الموسيقية. وهي من العمل العلمي الصالح الذي اهتدى إليه البارون دير لانجي.

ثم قال:

» … ويبلغنا عن أهل المشرق أن بضائع هذه العلوم لم تزل عندهم موفورة وخصوصا في عراق العجم ومابعده في ما وراء النهر Transoxiane وأنهم على ثبج من العلوم العقلية لتوفر عمرانهم واستحكام الحضارة فيهم. لقد وقفت بمصر على تآليف متعددة لرجل من عظماء هراة من بلاد خراسان يعرف بسعد الدين التفتازاني، منها في علم الكلام وأصول الفقه والبيان تشهد بأن له ملكة راسخة في هذه العلوم وفي أثنائها مايدل على أن له اطلاعا على العلوم الحكمية وقدما عالية في سائر الفنون العقلية. «(أ. خ – مجلد أول – ط. بيروت ٨٦٢).

العلوم العددية

وتحدث عن الفنون العددية (أرطماطيقي) فقال: » … وللحكماء المتقدمين والمتأخرين فيه تآليف… فعل ذلك ابن سينا في كتاب الشفاء والنجاة «.

وعن علم الجبر قال ابن خلدون» … وأول من كتب في هذا الفن أبو عبد الله الخوارزمي «.

وعن علم الهندسة قال: » اختصر كتاب الأصول في الهندسة لاوقليدس (Euclide) وقد اختصره الناس اختصارات كثيرة كما فعل ابن سينا في تعاليم الشفاء أفرد له جزءا منها اختصه به «.

وقال عن الطبيعيات» … وأوعب من ألف في ذلك ابن سينا في كتاب الشفاء جمع فيه العلوم السبعة للفلاسفة كما قدمنا، ثم لخصه في كتاب النجاة وفي كتاب الإشارات. وكأنه يخالف أرسطو في الكثير من مسائلها ويقول برأيه فيها، ولأهل المشرق عناية بكتاب الإشارات لابن سينا، وللإمام ابن الخطيب عليه شرح حسن، وكذا الآمدي، وشرحه أيضا نصير الدين الطوسي المعروف بخواجه. وبحث مع الإمام في كثير من مسائله فأوفى على أنظاره «.

وعن الطب قال: » وكان في الإسلام في هذه الصناعة أئمة جروا من وراء الغاية مثل الرازي والمجوسي وابن سينا «.

قلت: وقد شرح الطبيب الصقلي التونسي ألفية ابن سينا في الطب. كما عول في كتبه الأخرى على القانون له أيضا وكانت شروح القانون متداولة بتونس منذ ظهورها.

وعن الكيميا ويقصد به تحويل المعادن الرديئة إلى معادن ثمينة كتحويل النحاس إلى ذهب بالصنعة واستعمال الأكسير لذلك – قال ابن خلدون:

» … فالذي ذهب إليه أبو نصر الفارابي وتابعه عليه حكماء الأندلس أن (المعادن) نوع واحد وأن اختلافها إنما هو بالكيفيات إلخ…

والذي ذهب إليه ابن سينا وتابعه عليه حكماء المشرق أن المعادن مختلفة

بالفصول إلخ «.

(الفصل السادس والثلاثون من المقدمة مجلد أول ط. بيروت ١٠٢٠)

هي أن حملة العلم في الملة الإسلامية أكثرهم العجم لا من العلوم الشرعية ولا من العلوم العقلية.

… والحضر لذلك العهد هم العجم أو من في معناهم من الموالي وأهل الحواضر الذين هم يومئذ تبع للعجم في الحضارة وأحوالها من الصنائع والحرف. كأنهم أقوم على ذلك للحضارة الراسخة فيهم منذ دولة الفرس.

فكان صاحب صناعة النحو، سيبويه والفارسي من بعده، والزجاج من بعدهما، وكلهم عجم في أنسابهم. وإنما ربوا في اللسان العربي فاكتسبوه بالمربى ومخالطة العرب وصيروه قوانين وفنا لمن بعدهم.

وكذلك حملة الحديث الذين حفظوه عن أهل الإسلام أكثرهم عجم، أو مستعجمون باللغة والمربى.

وكان علماء أصول الفقه كلهم عجما كما يعرف، وكذا حملة علم الكلام وكذا أكثر المفسرين.

… وظهر مصداق قوله صلى الله عليه وسلم» لو تعلق العلم بأكناف السماء لناله قوم من أهل فارس «(ص ٨١ - ٨٤).

والكتاب بعد ذلك يحتوى على فصول أخرى من هذا التواصل، ذكرها المؤلف في المقدمة ونقلناها بنصّها.

هذا اللون من الدراسات يخدم هدفاً سامياً لامتنا، وهي أن هذه الأمةتشكل وحدة حضارية واحدة، شئنا أم أبينا، أو على حدّ قول الكاتب» أحببنا أم كرهنا «، ومن يكره هذه الوحدة الحضارية؟ ! إنها مصدر عزّتنا ومبعث أملنا في عودة الى مكانتنا اللائقة على ظهر الارض.



[ Web design by Abadis ]