ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 العالم الاسلامي و أسئلة النهضة \ أ. عبدالله القمي *

ملخّص

ثمة سؤالات تطرح نفسها حول مشروع نهضة الامة الاسلامية، منها مكانة المسلمين في الخريطة العالمية، ومنها الضمانات الاسلامية لوحدة هذه الامة وعزّتها، ومنها التعامل مع الاختلاف الطبيعي بين الافراد والجماعات.

وهموم التقريب بين المسلمين هي جزء من هموم مشروع النهضة. فالصراع المذهبي عرض لحالة الغياب الحضاري. واستعادة النسق الحضاري يتطلب إحياء البعد العقائدي والفكري والمنهجي وبُعد الوسطية والشهود في الأمة.

السؤال الأول: ماهي مكانة العالم الاسلامي في الخريطة العالمية؟

واجه العالم الإسلامي خلال القرن العشرين عدة تحديات أهمها الاستعمار وتحدي النهضة، وإذا كان المسلمون استطاعوا مواجهة التحدي الأول على المستوى الشكلي

ـ

* - كاتب مهتم بشأن مشروع والده المرحوم الشيخ محمد تقي القمي في القاهرة.

(حيث لا يزالون يخضعون للاستعمار بصور كثيرة بالإضافة إلى التحدي الصهيوني في فلسطين، والأمريكي في العراق وأفغانستان)، إلا أن تحدي النهضة لا يزال موجوداً بقوة في ذهنيات المصلحين، والسؤال هنا يركز على قوله سبحانه: (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ (. وهذا يعني أن حلول مشكلات المسلمين يجب أن تنشأ من ذهنياتهم هم لا من غيرهم٠

والواقع أن المشاريع الإصلاحية في العالم الإسلامي تعاني من حالة انقسام حاد ويبدو هذا الانقسام واضحاً في عدم تبنيه إطاراً مرجعياً تجتمع عليه الأمة للحظة خروجها من حالة الغياب الحضاري مما أدى إلى تعدد المرجعيات ومن ثم الوسائل والآليات والأهداف التي يسعى كل مثقف إلى استحضارها لمشروعه، وإذا كان التعدد

يبدو ظاهرة سيئة غير مرضية إلا أن الانقسام هو الذي يكون كذلك، لأن التعددية تكون داخل الوحدة، أما الانقسام فهو يرادف التجزئة والتفتت٠

ويعود هذا الانقسام الحاد إلى الاتصال الفكري بالمجتمع الغربي في آخر مراحل الانهيار الحضاري – مرحلة سقوط الخلافة العثمانية – وما أحدثه من صدمة فكرية لدى مثقفينا الذين رأوا في المجتمع الجديد بكل ما يحمل من قيم واتجاهات وأنماط سلوكية نموذجاً للنهضة والتقدم، بعيداً عن دراسة العوامل السسيولوجية والنفسية لحادث التقدم الغربي وظواهره الفكرية والسياسية التي ارتبطت بوجوده – مثل فصل الزمني عن المقدس – والاحتلال العلمي لوجدان وعقل الإنسان الغربي، ٠٠إلخ٠ وهو ما لم تعرفه البيئة (النفسية والثقافية والاجتماعية والدينية) الإسلامية٠

وقد ترتب على ذلك الانبهار إسقاط مقدمات وأسباب نهضة المجتمع الغربي بظروفه وبيئته وتاريخية حضارته الوسطى والقديمة والحديثة على المجتمع الإسلامي، فكان الناتج الطبيعي عدم تفاعل القادم من الغرب مع الحاضر الإسلامي، وبدلاً من أن يعنى المثقف المسلم الذي اتصل بالواقع الغربي بتطوير منهجه وأدواته أو ابتكار مناهج وأدوات تتلاءم مع سسيولوجيته الإسلامية راح في سهولة بنقل مناهج وأدوات ابتكرها غيره أو كانت نتاجاً إبداعياً لما حملته ظروفه المجتمعية إلى الواقع الإسلامي ببنيته الثقافية والمجتمعيـة دون مراعاة للفوارق والاختلافات الجوهرية بين الواقعين الغربي والإسلامي.

وقد أدى هذا الاستيراد الذهني للعمليات الفكرية والمنهجية بعد بلوغ نضجها في العقلية الغربية إلى وجود تعارض واضح الملامح والتفاصيل بين المشروع الحضاري الغربي الذي تم بالفعل واكتمل بناؤه والمشروع الإسلامي الباحث عن ذهنيات إسلامية تمتلئ بأهدافه وتبحث عن الآليات المعرفية والعملية من أجل تحقيق تلك الأهداف، الأمر الذي من شأنه العمل على تشخيص الواقع بأمانة ودقة ثم بذل قصارى الجهد من أجل ابتكار الآليات المعرفية والعملية لتحقيق النهضة المنشودة٠

والمتأمل لمشروع النهضة الإسلامية والذي بدأ بحركات إصلاحية فردية ثم حركات جماعية منذ بداية الضعف في الخلافة العثمانية وبداية عصر النهضة الأوربية والاستعمار العالمي للعالم الإسلامي، يجد أن برنامج هذه المشروعات كانت تهدف إلى إيقاظ الوعي الإسلامي بالاستعمار الأجنبى وضرورة العمل على تحقيق الاستقلال، وبدا ذلك واضحاً في حركة السيد جمال الدين الأفغاني (١٨٣٨م – ١٨٩٦م، ١٢٥٤ هـ - ١٣١٤هـ)، ومحمد عبده (١٨٤٥م – ١٢٦٦ هـ، ١٩٠٥م – ١٣٢٣ هـ) الذين أصدرا العروة الوثقى و التي كانت الإعلام الأول لمشروع النهضة الإسلامي، حيث احتوت مقالاتها على تشخيص أحوال العالم الإسلامي وبيان أسباب تعثره، واستندت هذه المقالات في منهجها إلى الأصول الإسلامية مع ربطها بواقع الأمة في هذه الفترة [١] ٠

كما أكدت هذه المقالات على دور التربية الإسلامية لتحقيق الإنتماء الإسلامي ومواجهة موجات التبشير والتغريب ورسمت أيضاً هذه المقالات ملامح التغيير السياسي والاجتماعي المطلوب في الأمة الإسلامية٠

ثم كان لمحمد عبده – بعد ذلك – فلسفته الإصلاحية التي كانت تقوم على إحياء، دور العقل وتصحيح الفهم الديني الذي أصابه الجمود، والدعوة إلى فتح باب الاجتهاد في المعاملات، ثم ظهر بعد ذلك رشيد رضا الذي تتلمذ على يد الشيخ محمد عبده، فأنشأ مجلة المنار وطرح فيها أفكاره الإصلاحية التي كانت امتداداً للشيخ محمد عبده٠

وفي الجزائر كانت جهود الشيخ بن باديس (١٣٠٧ هـ - ١٨٨٩م / ١٣٥٩ هـ - ١٩٤٠م) في حماية الشخصية الجزائرية من التغريب، بتحريم التجنس بجنسية المحتل وذكر في نص هذه الفتوى أن التجنس بجنسية غير إسلامية يقتضى رفض أحكام الشريعة، ومن رفض حكماً واحداً من أحكام الشريعة عُدَّ مرتداً عن الإسلام بالإجماع، فالمتجنس مرتد بالإجماع، هذا بالإضافة إلى جهوده التربوية والتعليمية [٢] ٠

وكانت دعوة الشيخ حسن البنا (١٩٢٨ م) إلى إنشاء جماعة الإخوان المسلمين تطوراً في الفكر الإسلامي الذي بدأ يعتمد أكثر على العمل الجماعي منه إلى الجهود الفردية، وقامت هذه الجماعة مستهدفة في البداية هدفاً مباشراً قريباً هو الجهاد ضد الاستعمار الأجنبي في البلاد، وهدفاً استراتيجياً للعمل، وهو إقامة الخلافة الإسلامية وقدمت منهجاً تربوياً يشمل كافة جوانب تربية الفرد المسلم وفقاً لنموذج الجماعة الإسلامية الأولى، وعلى الرغم من مرور سبعين عاماً على إنشاء هذه الجماعة وما تعرضت له من مواجهات مختلفة – داخلية وخارجية – فلا تزال تحقق الانتشار السريع أفقياً ورأسياً، وهي مع ذلك بحاجة إلى تطوير برامجها وآلياتها بما يخدم المشروع الإسلامي كله٠

كما ظهرت جماعات إسلامية أخرى مثل يزيد عددها على الأربعين تعمل على الساحة الإسلامية٠

وطرح سيد قطب أفكاره القائمة على ضرورة قطع جميع العلائق بالأنظمة الوضعية وأفرد تصوره للحكومة الإسلامية المنشودة التي تستمد كل مقوماتها من النظام الإسلامي الرشيد، ثم هو يبرز في كتاباته التصور الإسلامي لمفهوم العدالة الاجتماعية الغائب في الأفكار والأنظمة الوضعية في العالم الإسلامي، وقد كانت لأفكار سيد قطب ردود فعل واسعة في العالم الإسلامي ما بين مؤيد ومعارض في قربها الإسلامي، أو بعدها عنه، خاصة أولئك الذين يرون هذه الأفكار من منظور تجريدي فلسفي بعيداً عن التطورات الاجتماعية والسياسية للمجتمعات الإسلامية حينئذ٠

وكانت أفكار سيد قطب امتداداً للمفكر الباكستاني أبو الأعلى المودودي الذي يرى أن الخصائص الأولية للدولة الإسلامية تتلخص في ثلاث [٣] ٠

أ - ليس لفرد أو أسرة أو طبقة أو حزب أو لسائر القاطنين في الدولة نصيب من الحاكمية فإن الحاكم الحقيقي هو الله والسلطة الحقيقية المختصة بذاته لله وحده والذين من دونه في هذه المعمورة إنما هم رعايا في سلطانه العظيم٠

ب - ليس لأحد، من دون الله شيء من أمر التشريع، والمسلمون جميعاً ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً لا يستطيعون أن يشرعوا قانوناً٠

ج - إن الدولة الإسلامية لا يؤسس بنيانها إلا على القانون الذي جاء به النبي (ص) من عند ربه مهما تغيرت الظروف والأحوال٠

ويطالعنا مالك بن نبي بمجموعة من الأفكار حول استعادة الدور الحضاري للأمة الإسلامية بعد أن فقدت هذا الدور ومن ثم فقدت معه الريادة الحضارية. يرى مالك أن لكل حضارة شروطاً نفسية وزمنية تقوم عليها وهذه الشروط لا تحققها مجرد ثقافة مهنية، بل ثقافة جذرية تغير فنياً معالم الذات، ومنطلقة من كيان الإسلام الحضارة، لذلك فإن تمسك الإنسان المسلم بتعاليم ومبادئ القرآن، جعلته مشيداً لأعظم حضارة عرفها التاريخ فإذا ما وهنت الدفعة القرآنية، توقف العالم الإسلامي وما كان لأي معوض زمني أن يقوم خلال التاريخ، مقام المنبع الوحيد للطاقة الإنسانية، ألا وهو الإيمان، ولذا لم تستطع النهضة الحديثـة، أن تمنح العالم الإسلامي حركة لم يعد هو في ذاته يملك مصدرها [٤] ٠

وهذا ما جعل مالك بن نبي يرفض النقل والاقتباس للأفكار والمناهج الغربية وأكد على ضرورة الاستقلال الفكري واستعادة الأصالة في ميدان الأفكار، فالفكر الإسلامي قد وضع حلولاً لمشكلات العالم الإسلامي، وما يعانية إنسان العصر الحديث من قضايا ومواقف، وأنه يجب الرجوع إلى القرآن الكريم الذي وضع حلولاً للمشكلات التي تواجه الإنسان٠

أما الشيخ محمد الغزالى (١٩١٧م – ١٩٩٦م) فقد انشغل بتصحيح المفاهيم الدينية باعتبارها العامل المهم في إقامة المجتمع الإسلامي المنشود، ومن أهم القضايا التي أكد عليها في كتاباته وندواته وخطبة هي شخصية المسلم المعاصر وبيان عوامل الضعف بها مؤكداً على ضرورة التربية الإسلامية التي يجب أن يتلقاها المسلم المعاصر في جميع المؤسسات التربوية (البيت المدرسة والاعلام)، كما اهتم - رحمه الله - بالدعوة إلى فتح باب الاجتهاد ليس في أبواب وفروع العبادات، فهذا على حد قوله: قد باشرته الأمة الإسلامية بأسلوب بلغت الحرية فيه حد السرف، لذلك فيجب إغلاق باب هذا النوع من الاجتهاد، والموقف على العكس تماماً بالنسبة للاجتهاد في أبواب المعاملات، فإن القول بانتهاء عهده جريمة والزعم بأن الأولين بلغوا حده الأقصى زعم لا يقوم إلا في أذهان البله٠

وكان للثورة الإسلامية في ايران عام ١٩٧٩، أثر كبير في تطور النموذج السياسي للمشروع الإسلامي فقد كانت أول محاولة في العصر الحديث لنقل تجربة الحكم السياسي الإسلامي من مجال الفكر النظري الإسلامي إلى مجال السلطة، وكذلك فانها أول ثورة في العصر الحديث قامت على أثر حافز إسلامي وضد عملية التغريب أو أوربة المؤسسات السياسية والإدارية والثقافية داخل البلاد في عهد الشاه [٥] ٠

وقد حرص دستور الثورة الإيرانية وقوانينها على تقديم تمايز للنموذج السياسي، الإسلامي٠٠ ونلاحظ ذلك من خلال بعض مواد هذا الدستور:

- المادة السابعة تنص على مبدأ الشورى الإسلامي٠

- المادة الثامنة نصت على مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر٠

- المادة الحادية عشرة نصت على مبدأ وحدة المسلمين وواجب النظام في العمل على تحقيقها٠

المادة الرابعة عشرة نصت على معاملة غير المسلمين بالحسني٠

المادة السادسة عشرة نصت على الاهتمام باللغة العربية باعتبارها لغة الدين الإسلامي٠

المادة السابعة عشرة نصت على أن يكون التقويم الرسمى للدولة هو التاريخ الهجري (*) ٠

وعلى الرغم من أن بعضهم أشكل على النموذج السياسي الذي تتبناه إيران، فلا يمكن استبعاد هذا النموذج من الواقع الإسلامي بل يجب الاقتراب منه بالدراسة والفحص والتقييم من أجل تفعيل نموذج سياسي إسلامي هو القائم وحده حالياً بين الأنظمة العلمانية ويتم من خلاله إدراك الآخرين لنا ولأصالتنا الفكرية والسياسية٠

وعلى المستوى المؤسسي للعمل الإسلامي، لم يشهد القرن العشرين حتى الربع الأخير منه وجود مؤسسات تقوم بإنتاج وابتكار الأفكار النهضوية للمشروع الإسلامي على نمط ما يوجد في الغرب من مؤسسات ومراكز للتبشير والتغريب وأخيراً للعولمة، مما جعل الفردية و التناثر و التكرار أهم ما اتسمت به مشاريع النهضة الإسلامية في القرن العشرين، إلا أنه في الربع الأخير ظهرت بعض المؤسسات الفكرية أهمها المعهد العالمي للفكر الإسلامي ١٩٨١م، والذي حدد اهتماماته في توفير الرؤية الإسلامية الشاملة، وتأصيل قضايا الإسلام وتوضيحها، واستعادة الهوية الفكرية والثقافية والحضارية للأمة الإسلامية وإصلاح مناهج الفكر الإسلامي المعاصر. وكذلك إنشاء المعهد العالمي للبحوث الإسلامية، وتوالى في بداية القرن الحادي والعشرين زيادة الاهتمام بالعمل الإسلامي المؤسسي الذي يضمن التفاعل وتوفير الوقت والجهد، وضبط العمل الإسلامي من خلال مجموعة محددات وأهداف واستراتيجيات حتى وإن لم يتم الاتفاق عليها بشكل نهائي إلا أن ذلك النوع من العمل المؤسسي يظل هو الأمل في وضع مشروع إسلامي متكامل ينهض بالمسلمين في القرن الجديد٠

ومن خلال ما تقدم يتبين أن ما تم من عمل الذهنيات الإسلامية – خلال القرن العشرين وحتى بداية القرن الحالي – يدخل ضمن مقدمات ضرورية للمشروع الحضاري الإسلامي حيث لا يمكن اعتبار هذا المشروع تم واكتمل بناؤه، والمتأمل لهذه المقدمات يجد أنها تتسم بتعدد المرجعية وأنها تفتقد المحددات المنهجية والفكرية التي تجعل من هذه المقدمات بناء في نسق متكامل متسق غير متناقض، لذلك نرى: تعدداً واختلافاً في الرؤى المنهجية، وتناقضاً في مراعاة الأولويات للعمل الإسلامي، وفي تحديد الأصول والفروع فتم تأخير ما حقه التقديم، وتقديم ماحقه التأخير، وتصغير الكبير وتكبير الصغير. ونشأ ذلك لافتقاد تحديد الأولويات ومرحليتها الزمنية لدى أصحاب الذهنيات الإسلامية. ونرى التحزب الفئوي، الجماعي، وتعدد التنظيمات وازدياد الفجوة بينها يوماً بعد يوم، مما عمق التفتيت و التجزئة في العمل الإسلامي المعاصر. كما نرى اختفاء مفهوم الأمة من خطابات التنظيمات والجماعات وإعلاء شأن الجماعة و التنظيم – اللهم إلا إذا استخدم لجذب الأنصار في الخطابات العامة والدعائية.

ومن خلال ما تقدم يتبين: أن المسلمين لم يستطيعوا بعد أن يعالجوا مشاكلهم بأنفسهم على الرغم أنه من المؤكد أن طاقتهم الفكرية والمادية والمعنوية توفر لهم هذه الحلول، إلا أن قوى الاستكبار العالمي وفرقتهم واختلافهم تقف حائلاً دون تحقق ذلك٠

السؤال الثاني: هل هناك مبادئ من صميم الإسلام تضمن للأمة الإسلامية وحدتها وبالتالى تضمن لها عزها ومجدها؟ [٦]

إن إحياء مفهوم الأمة يمثل المنطلق الأساسي للبناء المنهجي والفكري لوحدة المسلمين، ذلك المفهوم الذي مزقته الدولة القطرية في القرن العشرين والعولمة في القرن الحادي والعشرين٠

والأمة في اللغة تعني: الدين، قال أبو إسحاق في قوله تعالى: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ ( (البقرة: ٢١٣) أي كانوا على دين واحد، والأمة: الطريقة والدين يقال: فلان لا أمة له أي لا دين له ولا نحلة، وقـال تعالى: (كُنْتُمْ خَير أمَّة (قال الأخفش: أي خير أهل دين [٨] ٠ والإسلام هو دين أمتنا لذلك تنعت بالأمة الإسلامية: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الأِسْلامُ ( (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ ( (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٠

والأمة الإسلامية: مفهوم إلهي أطلقه الله على الجماعة البشرية التي تؤمن به وتعبده، ورضي لها الإسلام ديناً وشريعة: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً (.

وهذا هو الذي يميز الأمة الإسلامية عن غيرها من الأمم التي ذكرها القرآن الكريم، وهي إضافة الإسلام إليها كنهج استراتيجي في الدنيا والآخرة، وقد أعطى الإسلام مجموعة من الأبعاد التي تشكل النسق الحضاري للأمة الإسلامية، وهذه الأبعاد هي:

١ - البعد العقدي: ذلك البعد الذي يتضمن التوحيد في الاعتقاد والعبادة لإله واحد والمتمثل في شهادة لا إله إلا الله و التي تعد مصدر قوة الإنسان المسلم ومصدر عزته، وتحريراً له من أغلال وعبودية غير الله، وتحريراً لطاقته من الشهوات والغرائز والأشياء والعلائق المتغيرة٠

وهذا المنطلق، كما يدل عليه مصطلحة، وتنطق به كلمة الشهادة، ويوضحه القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، يقيم العقل المسلم والفكر المسلم والمنهجية الإسلامية على فرضية الحق أساساً ومداراً ومآلاً لكل الكون والكائنات، وعلى فرضية وحدة المصدر ووحدة الحقيقة التي ينطلق منها ويمثلها كل الكون والكائنات، وعلى فرضية وحدة الإنسان الذي خلقه الله وكرمه بالإرادة والخلافة ورعاية الكائنات على أسس الحق والعدل والخير [٩] ٠

٢ - البعد الفكري والمنهجي: إن مفهوم الأمة الإسلامية يحدد للمسلم أصول فكره ومنهجه ونسقه المعرفي، فالأفكار البشرية الإسلامية هي نتاج التقاء (العقل) مع (النص أو الوحي) والعقل هو الذي يقوم بالاستنباط والإبداع لإيجاد الصيغة المعرفية الملائمة لإقامة واقع يتمثل فيه الفكر الإسلامي الناتج عن هذا التفاعل ومعه تنتج الحضارة الإسلامية٠

هذا البعد يمثل الهوية التي يجب أن يعمل لها أصحاب الدعوة لوحدة الأمة، كما يتيح من خلاله تحديد نقاط الالتقاء بين العقل والوحي والتعرف على النتاج الإسلامي وتاريخيته، وما يمكن استمراره، وما يجب الاستغناء عنه، وما يجب أن يضاف من معارف وأفكار - ناتجة عن المستجدات – إلى المنهج الفكري الإسلامي في استنباطه لعلاقات وصيغ جديدة للواقع الجديد٠

وهذا البعد الفكري والمنهجي يمكن أن يساعد في تحديد التصور الفكري للإنسان والعالم والكون. والقواعد الأساسية التي تحدد العلاقة الراهنة بين العقل والوحي. والموقف من التراث الفكري والفقهي. والموقف من التراث البشري لغير المسلم. والوسائل والقواعد العامة لتفاعل المسلم مع اللحظة الراهنة والمستقبلية٠

٣ - بعد الوسطية: والوسط في اللغة يعني: ظرف بمعنى بين، يقال جلس وسط القوم، (الوسط) ٠ وسط الشيء: ما بين طرفيه وهو منه والمعتدل من كل شيء يقال: شيء وسط بين الجيد والرديء٠ وما يكتنفه بين أطرافه ولو من غير تساو وبعدل وبخير، وفي التنزيل (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً (أي عدولاً وخياراً [١٠] ٠

والوسطية صفة رئيسية للأمة الإسلامية وهي إرادة الله لهذه الأمة وقدرها

(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ (٠

وينفي محمد عمارة: أن تكون هذه الوسطية انعدام الموقف الواضح والمحدد أمام المشكلات والقضايا المشكلة٠٠ أو أن تكون وسطاً بين رذيلتين مثل الفضيلة اليونانية، ولكنها في التصور الإسلامي: موقف ثالث حقاً ٠٠ توسطها بين النقيضين المتقابلين لا يعني أنها منبت الصلة بسماتهما وقسماتهما ومكوناتهما ٠٠ إنها مخالفة لهما، ليس في كل شيء، وإنما خلافها لهما منحصر في رفضها الانحصار والانغلاق على سمات كل قطب من الأقطاب وحدها دون غيرها٠٠ منحصر في رفضه الإبصار بعين واحدة، لا ترى إلا قطباً واحداً ! ٠٠ منحصر في رفضه الانحياز المغالي، وغلو الانحياز ! ٠٠ ولذلك، فإنها، كموقف ثالث وجديد إنما يتمثل تميزها، وتتمثل جدتها في أنها تجمع وتؤلف ما يمكن جمعه وتأليفه كنسق غير متنافر ولا مغلق ٠٠ من السمات والقسمات والمكونات الموجودة في القطبين النقيضين كليهما ٠٠ وهي لذلك: وسطية جامعة [١١] ٠

ويذكر سيد قطب في تفسيره آية الوسطية: أمة وسطا ٠٠ في التصور والاعتقاد ٠٠ لا تغلو في التجرد الروحي ولا في الارتكاس المادي إنما تتبع الفطرة الممثلة في روح متلبس بجسد، أو جسد به روح ٠٠ وتعطي لهذا الكيان المزدوج الطاقات حقه المتكامل من كل زاد وتعمل على ترقية الحياة ورفعها في الوقت الذي تعمل فيه على حفظ الحياة وامتدادها. أمة وسطا ٠٠ في التفكير والشعور لا تجمد على ما علمت وتغلق منافذ التجربة والمعرفة ٠٠ إنما تستمسك بما لديها من تصورات ومناهج وأصول ثم تنظر في كل نتاج للفكر والتجريب، وشعارها الدائم: الحقيقة ضالة المؤمن أنى وجدها أخذها، في تثبت ويقين [١٢] ٠

إن بعد الوسطية يمكّن المشروع الحضاري من: تحقيق التوازن، والشمول في الرؤية الفكرية والمنهجية٠ ومراعاة السنن الحضارية وحركة الكون والأشياء٠ وصياغة رؤية متكاملة عن المستجدات والمتغيرات المعاصرة٠ وتحديد الثوابت والمتغيرات في حركة العمل الإسلامي٠ وترشيد الفهم الخاص بالخلافات المذهبية والتنظيمية، وتحقيق التفاعل الخلاق بين المسلم وحضارة العصر الذي يعيش فيه، وبلورة برامج التنمية الفكرية لتحقيق الوحدة بين المسلمين٠

٤ - بعد الشهود: يأتي بعد الشهود كنتيجة مترتبة على بعد الوسطية فالأمة الوسط هي أمة الشهود: (وَكـَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمّـَةً وَسَطاً لِتَكـُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً (يقول الرازي في بعد الشهود: إن كل من عرف حال شيء وكشف عنه كان شاهداً عليه والله تعالى، وصف هذه الأمة بالشهادة فهذه الشهادة إما أن تكون في الآخرة أو في الدنيا، ولا يجوز أن تكون في الآخرة لأن الله تعالى جعلهم عدولاً في الدنيا لأجل أن يكونوا شهداء وذلك يقتضي أن يكونوا شهداء في الدنيا، وإنما قلنا: إنـه تعالى جعـلهم عدولاً فـي الدنيا لأنه تعالى قال: (وَكـَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمّـَةً (وهذا إخبار عن الماضي فلا أقل من حصوله في الحال، وإنما قلنا: إن ذلك يقتضي صيرورتهم شهوداً في الدنيا لأنه تعالى قال: (وَكـَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمّـَةً وَسَطاً لِتَكـُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ (رتب كونهم شهداء على صيرورتهم وسطاً ترتيب الجزاء على الشرط، فإذا حصل وصف كونهم وسطاً في الدنيا وجب أن يحصل وصف كونهم شهداء في الدنيا، فإن قيل: تحمّل الشهادة لا يحصل إلا في الدنيا، ومتحمل الشهادة قد يسمى شاهدا

ً وإن كان الأداء لا يحصل إلا يوم القيامة، قلنا الشهادة المعتبرة في الآية ليست التحمل بدليل أنه تعالى اعتبر العدالة في هذه الشهادة والشهادة التي يعتبر فيها العدالة هي الأداء لا التحمل، فثبت أن الآية تقتضي كون الأمة مؤدين للشهادة في دار الدنيا [١٣] ٠

يلاحظ إذن أن هناك مستويين للشهادة: مستوى التحمل، مستوى الأداء، وبتحقيق المستويين يتم الشهود للأمة المسلمة، وبناء على ذلك يتطلب بعد الشهود مايلي:

الاستقلالية الفكرية والمنهجية للذات التي تقوم بهذا الشهود فلا يمكن لأمة أن تقيم شهودها وهي في حالة تبعية٠

الحجة الحضارية: وهي شرط أساسي لقبول الشهادة، وتستلزم الحضور الحضاري والفعل الحضاري للذات الشاهدة، لأن الغياب يؤدي إلى رفض الشهادة٠

العدل الحضاري: فالشهادة يتطلب فيها أن يكون الشهداء عدول والعدل الحضاري يتطلب القوة الحضارية للذات التي تقوم بالشهادة، فلا شهادة لضعيف أو واهن أو متخلف٠

البصيرة الحضارية: وتقتضي سلامة المنهج النظري والعملي للذات الشاهدة، حتى يثبت صدق شهادتها، لأن الكذب يلازم غياب المنهج أو مرضه٠

وحدة الذات الشاهدة: لأن الانقسام والتعدد يؤدي إلى الانفصال ويشكك في قبول الشهادة وقيتها٠

إن تحديد الأبعاد والمحددات الرئيسية التي تتسم بها الأمة الإسلامية، من شأنه أن يساهم في تحقيق الوحدة المنهجية والفكرية بين المسلمين، وتساهم أيضا في خلق إرادة واحدة فاعلة لها نسقها الفكري الموحد – بدلاً من تعدد الانساق وتعدد الإرادات – كما أن إحياء مفهوم الأمة يجعل الولاء للإسلام وليس للمذهب أو لتنظيم أو الجماعة، أو يجعل ولاء المذهب والتنظيم والجماعة للأمة الإسلامية، فتكون الأمة قائداً ومحوراً وليست تابعاً أو فرعاً، ويعطي مفهوم الأمة - أيضاً - تميزاً في الهوية لكل المسلمين في العالم فيخرجهم من دوائر تصنيفات الهيمنة الغربية: العالم المتخلف، العالم النامي، دول الجنوب، الشرق الأوسط، ويصبح الانتماء للأمة الإسلامية هو الركن الأساسي في عنوان المسلم المعاصر، والجنس في تعريفه، والمحدد الأول لمفهومه٠

السؤال الثالث:

هل يرى المسلمون ضرورة إزالة كل خلاف؟ أو أنهم لا يرون بأساً بأي خلاف يتبع الدليل، ويراعي الأصول التي لا يحق لمسلم أن يخرج عليها؟ هل تتحكم المصلحة في النهاية أو يسيطر التعصب؟ [١٤]

هذا من الأسئلة التي شغلت فكر المصلحين، ومنهم الشيخ محمد تقي القمي رائد التقريب بين المسلمين في العصر الحديث الذي وضع لمشروعه التقريبي المنطلقات التالية:

أولاً: مشروعية الاختلاف لا مشروعية النزاع والعداء:

يقول القمي: لا ننكر أن الخلاف وقع بعد رسول الله (ص)، ولو زعمنا أن الأوائل لم يكن بينهم أي خلاف لجانبنا الحق، ومن له أقل إلمام بالتاريخ لا يمكنه أن يزعم ذلك٠ بيد أنهم حصروا الخلاف في دائرته المعقولة ولم يجعلوا له أثراً يضر بالوحدة الإسلامية، ولا أعطوا به فرصة لأعداء الإسلام٠ كان خلافاً في الرأي لا تشاجراً، والخلاف في الرأي من طبيعة الإنسان، وتحتمه البيئات وتطور الزمن، وليس لأية قوة أن تمنعه، ولا ضرر منه، بوصفه خلافاً، إنما الضرر في أن يتطور إلى تشاتم وتخاصم٠٠٠ [١٥] ويضيف قائلاً – في موضع آخر – الحق كل الحق أنه لا ضرر على المسلمين في أن يختلفوا فإن الاختلاف سنة من سنن الاجتماع، ولكن الضرر كل الضرر في أن يفضي بهم الخلاف إلى القطيعة والخروج على مقتضى الأخوة التي أثبتها الله في كتابه العزيز لا على أنها شئ يؤمر به المؤمنون، ولكن على أنهـا حقيقـة واقعـة رضـى الناس أم أبـوا: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُـمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٠

هذا الأصل الذي وضعه الشيخ القمي كأهم منطلقات العلاقة السنية الشيعية (بصفة خاصة) والعلاقة الإسلامية – الإسلامية (بصفة عامة) قد أوجد بين المفكرين صيغاً جديدة للتعامل مع خلافات المسلمين سواء المذهبية أو الفكرية أو التنظيمية ومن أهم الأدبيات التي اعتمدت هذا المنطلق كتاب طه جابر العلواني: أدب الاختلاف في الإسلام والذي طبع لأول مرة عام ١٩٨٧ وحتى عام ٢٠٠٠ كانت طبعته السادسة بالإضافة إلى ترجمته إلى ثلاث لغات – كما ذكر المؤلف في مقدمة الطبعة السادسة، ويدور الكتاب حول هذا الأصل العظيم الذي دعا إليه الشيخ القمي في بداية الخمسينات من القرن الماضي، وقد تلقى المسلمون هذا الكتاب كما تلقوا تماماً دعوة التقريب في الأربعينيات بحرارة، ويقسّم الكاتب في الطبعة الاخيرة قرّاء الكتاب الى خمسة أصناف [١٧]:

القاعدة العريضة من القراء رحبت بالكتاب وأحسنت استقباله وحرص كثيرون من المسلمين غير العرب على ترجمته إلى لغاتهم وطباعته٠

فئة حريصة مدركة لعمق المأساة تمنت لو أن الكتاب أسقط على الواقع الإسلامي، وحللت الاختلافات المعاصرة التي جعلت من حركة إسلامية واحدة في بلد إسلامي واحد ثلاثاً وتسعين حركة مستقلة عن بعضها٠

فئة مخلصة أخرى تمنت لو أن الكتاب كان أكبر واشتمل على نماذج أكثر وأخذ من المذاهب الإسلامية الأخرى نماذج أخرى من آداب الاختلاف٠

فئة مخلصة أخرى اقترحت لو أن الكتاب أخرج عن طابعه الفقهي الأكاديمي وعرض لسائر آداب الاختلاف بين جميع فصائل الأمة٠

زمرة ضئيلة جداً، استنكرت إصدار مثل هذه الاختلاف وقالت: بأن المسلمين لا ينبغي أن يختلفوا، ويجب التركيز على بيان تحريم الاختلاف وكونه كفراً يجب محاربته بكل قوة٠٠٠٠

يكشف الشيخ القمي - هنا - وجهاً للعلاقات بين السنة والشيعة فالخلاف يكون في الرأي لا في الأصل ولـه آدابه ووسائله كما أن له نواهيه مثل الضرر و التشاجر و السباب و الشتـائم و القطيعـة٠ ولقد فتح الشيخ القمي – أيضاً – باباً فكرياً عند المسلمين لإدراك هذا المنطلق في كتابا تهم وفكرهم ومنهجهم، فيكتب تحت عنوان خلاف نرضاه وخلاف نأباه:

إننا نقبل الخلاف الفكري ما دام في دائرة معقولة٠ ونرحب بالخلاف المذهبي لأنه وليد آراء اجتهادية مرجعها الكتاب والسنة أو ما أعطاه الكتاب والسنة قوة الحجية٠ ونرحب بما عند الشيعة وأهل السنة لأنهما تؤمنان بما يجب على المسلم أن يؤمن به، وإن اختلفا في مسائل فقهية، وتميزا في مسألة الولاية والخلافة٠ ونرحب كذلك بالمعارف الكلامية، لأنها ميدان من ميادين التفكير، للمسلم أن يجول فيه٠٠٠ [١٨] ٠

ثم يرفض الخلاف الذي تمليه المصلحة الخاصة و يسيطر عليه التعصب: أما الخلاف الذي لا نرحب به ولا نقبله، بل نرفضه ونقاومه فهو الخلاف الذي تمليه الكراهية والبغضاء، وتغذيه الشبه والأوهام، ويوجد البلبلة في صفوف الأمة، ويؤدي إلى تفريق كلمة المسلمين [١٩] ٠

والشيخ القمي يشير إلى فئة من المسلمين تحزبت ضده فأخذت تشكك في كل فكر لإصلاح الأمة بل وتوجه إليه التهم أحيانا بأنه خارج عن حدود الإسلام والإيمان اعتقاداً منهم في أفكار في التراث اعتقاداً خاطئاً، فهم في الوقت الذي يرون في التقريب خروجاً على الدين، يؤمنون بطاعة الطواغيت وحكم الجور والظلم، لا لشيء إلا لأنهم لم يعطوا عقولهم حرية التفكير في جوهر القرآن وروح الإسلام، بل يمكن لهم في بعض الأحيان أن يتقاربوا هم مع أعداء الإسلام الحقيقيين لهدم فكرة إصلاحية والتشنيع بها بلا استناد إلى قرآن أو سنة في عملهم هذا !!!٠

ثانياً: القرآن والسنة اعتقاد المتقاربين:

أوضح الشيخ القمي في هذا المبدأ أساساً مهماً للتقريب وهو: أن المتقاربين في فكرتهم يبنون اعتقادهم وإيمانهم على المرجعية الإسلامية العليا التي تتمثل في: القرآن والسنة ٠٠٠ فالمسلمون بحمد الله متفقون في كتابهم مجمعون على ما بين الدفتين ٠٠٠ ويتفقون في وجوب الأخذ بسنة رسول الله (ص) ولكنهم قد يختلفون في الفهم أو التفسير ٠٠٠ [٢٠] ٠ فالقرآن الكريم والسنة يمثلان المرجعية العليا للمسلمين.

ثالثاً: لا لتوحيد المذاهب أو دمجها:

إذا كانت المذاهب الإسلامية نشأت في ظل الاجتهاد وتأسست في ضوء القرآن والسنة فلا دعوة لدمجها إذ في التعدد المذهبي ثراء معرفيّ وتراثيٌ للحضارة الإسلامية، لذلك ينعي الشيخ القمي على الذين يفهمون غير ذلك: ٠٠٠ ممن لا يعرف مهمة التقريب على حقيقتها ولم يدرس برامجها بل غاب عنه مدلول الاسم، فحسب أن التقريب توحيد؟ ٠٠٠ ليست جماعة التقريب تريد القضاء على كل خلاف، ولا تفكر في ذلك، ولا تبتغي أن يتشيع السني، أو يتسنن الشيعي [٢٣]، إن التقريب لأسمى من هذا وأجل شأناً، إنه – على العكس مما يتخيلون أو يريدون أن يخيلوا للناس – ينادي بوجوب أن تبقى المذاهب وأن يحتفظ المسلمون بها، فهي ثروة علمية وفكرية وفقهيه لا مصلحة في إهمالها ولا في إدماجها [٢٤] ٠

وبنفس الرؤية التقريبية يقدم الإمام الشهيد – حسن البنا (***) - إطاراً يحكم العلاقات والخلافات المذهبية، فيذكر في رسالة التعاليم الأصول التالية:

الخلاف الفقهي في الفروع لا يكون سبباً للتفرق في الدين ولا يؤدي إلى خصومة ولا بغضاء ولكل مجتهد أجره ولا مانع من التحقيق العلمي النزيه في مسائل الخلاف في ظل الحب في الله والتعاون على الوصول إلى الحقيقة من غير أن يجر ذلك إلى المراء المذموم والتعصب٠

وكل مسألة لا يبني عليها عمل فالخوض فيها من التكلف الذي نهينا عنه شرعاً، ومن ذلك كثرة التفريعات للأحكام التي لم تقع، والخوض في معاني الآيات القرآنية الكريمة التي لم يصل إليها العلم بعد، والكلام في المفاضلة بين الأصحاب رضوان الله عليهم وما شجر بينهم من خلاف، ولكل منهم فضل صحبته وجزاء نيته وفي التأويل مندوحه٠

لا نكفر مسلماً أقر بالشهادتين وعمل بمقتضاهما وأدى الفرائض – برأي أومعصية - إلا أن أقر بكلمة الكفر أو أنكر معلوماً من الدين بالضرورة، أو كذب صريح القرآن، أو فسره على وجه لا تحتمله أساليب اللغة العربية بحال، أو عمل عملاً لا يحتمل تأويلاً غير الكفر [٢٥] ٠

رابعاً: الإيمان بفرضية التعارف بين المسلمين:

إن ما نعانيه اليوم من آثار الانقسام التاريخي بين المسلمين يرجع في جانب منه – على الأقل – إلى الجهل المتبادل بين الفريقين أكثر مما يرجع إلى التفاوت الحقيقي في الرأي حول مواطن الخلاف [٢٦] ٠

ولا شك أن التقريب بين المسلمين لا يتأسس أو يتماسك إلا على أساس العلم، فإصلاح العلاقات بين المذاهب الإسلامية لا يتحقق إلا بإصلاح المعرفة بين هذه المذاهب، والمعرفة لا تعني بالضرورة الاتفاق معها، وإنما الاتفاق والاختلاف الشرط فيهما أن يكون على أساس العلم أولاً، فالمعرفة العلمية بين المذاهب الإسلامية بإمكانها أن تساهم في التقريب حتى على قاعدة الاختلاف [٢٧] ٠

وقد تنبه الشيخ القمي إلى أمر التعارف العلمي بين المسلمين بل اعتبر هذه القضية هي ما جاء التقريب من أجله: لقد جاء التقريب على أساس فكرة التعارف العلمـي، وأوجـد مركزاً لمن يريد أن يعرف كثيراً أو قليلاً عـن المـذاهب الإسلامية٠٠٠ [٢٨]، إن من غايات التقريب أن يعرف المسلمون بعضهم بعضاً، وإن أول من يجب عليهم التعارف هم العلماء وأهل الفكر في كل طائفة، والعلم لا يصادر ولا يكتم، فلا بأس على الشيعة أن يعلموا علم السنة، وهم يدرسونه فعلاً، وكثير من مجتهديهم يتوسع في درسه، ويتعمق في بحثه، ولا بأس على أهل الأزهر أن يعلموا علم الشيعة، بـل ذلك واجبهم الذي يدعو إليه الإخلاص العلمي ولا يكون النظر تاماً إلا به٠٠٠ [٢٩] ٠

وعلى الرغم مما قد يتصوره البعض من نخبوية فكرة التقريب واقتصارها على العلماء فقط، فإن الشيخ القمي ينفي ذلك، بل يرى أن فكرة التقريب ليست فكرة جماعة بذاتها مركزها دار التقريب، وإنما هي فكرة كل مناصر لها في أي بلد من البلاد، وإن أية دار تلقى فيها محاضرة أو يجتمع فيها مؤتمر أو غير ذلك لتعريف المسلمين بعضهم إلى بعض لهي دار للتقريب [٣٠] ٠

ويضع القرآن الكريم قضية التعارف بين البشر في مكانها الإنساني الهام

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ (.

فالمعرفة بين البشر تساهم في حل الكثير من المشكلات التي تنشأ بسبب الجهل، وكثيراً من الخلافات تحل في ظل التعارف:

إما لأنها نشأت – أي الخلافات – عن اعتقاد الطائفتين خطأ أن الأخرى تعتقد أموراً يتضح بعد التعارف خطأ نسبتها إليها٠

أو لأنها جاءت نتيجة دليل معقول أو أصل مقبول فتقبلها الأولى٠

أو لأنها تستند إلى أساس وأدلة إن لم يكن مقبولة عند الأولى، فقد ثبت عندها اعتبارها، وعندئذ تلتمس عذراً لمن يعمل بها٠٠٠ [٣١] ٠

إن هذا المنحى العلمي الذي تنبه إليه الشيخ القمي من شأنه أن يضع كل قضايا الخلاف موضع الطرح والبحث العلمي، كما يوفر للمسلمين التفكير الحر الذي يعتمد على طرح العصبيات والأوهام التي وضعت على العقل المسلم فترات طويلة، وهو لا يدعو إلى مناقشة القضايا الخلافية بصورة علمية أكثر مما يدعو العقل المسلم إلى التحررمن أغلال التقليد والجهل اللذان تلازمانه منذ عهود ليست ببعيدة، ويتمنى له أعداؤه أن يظل فيها لعهود أكثر وأكثر٠

كما يساهم هذا المنحى العلمي أيضا في توظيف حالة من الحوار الإسلامي – الإسلامي الذي يعتبر من القواعد الأساسية لأي فكرة أو مشروع نهضوي…

ويشير أحد الأبحاث المهمة التي رصدت بالنقد والتحليل النفسي الخلافات بين المسلمين إلى الدور الذي يلعبه الجهل بين المسلمين أو صعوبة الاتصال أو التخاطب، أضف إلى تدخل طرف ثالث في عملية تبادل المعلومات مما يؤدي إلى إعاقتها، إن هذه الإعاقة تنتج في المقام الأول عن صعوبة تبادل الاتصال (التخاطب) المباشر بين فردين أو جماعتين، فهذه الصعوبة تخلق الفرصة لتدخل الطرف الثالث لإعاقة عملية تبادل المعلومات بين أفراد الجماعتين، وتتمثل صعوبة الاتصال في:

أ - صعوبة قيام أحد المتخالفين بدور مصدر المخاطبة، ٠٠ حيث يتوقع المتلقى الموقف الذي سيتبناه مخاطبه في مخاطبته، فيرفض الاستماع له بغض النظر عن مضمون خطابه٠٠

ب - يلعب انتماء الفرد لجماعة ما دوراً مهماً في إعاقة تلقيه ومخاطبته عضو جماعة أخرى، وتزيد هذه الإعاقة من هوة الخلاف بين أعضاء الجماعتين [٣٣] ٠

إن توفير القواعد العلمية لقضايا الخلاف يمكن أن يكون إحدى أهم قواعد الحوار والتقريب الإسلامي – الإسلامي في الوقت الحالي أو المستقبلي، وهو ما يؤدي إلى زيادة الوعي والنضج في علاقات المسلمين ويجعلهم على مستوى حضارتهم في تناول قضاياهم المصيرية كما يساهم في إصلاح مناهج الفكر والنظر نحو النهضة والتقدم٠

هوامش:

ـ

١ - عبد الجواد السيد بكر: تحليل مضمون العروة الوثقى، المسلم المعاصر، السنة العشرون، العدد ٧٧، ١٩٩٥، ص (٤٥ - ٤٦) ٠

٢ - مصطفي محمد حميداتو: عبد الحميد بن باديس وجهوده التربوية (مقدمة عمر عبيد حسنه)، كتاب الأمة، قطر، العدد (٥٧)، يونيو ١٩٩٧، ص ٣٣٠.

٣ - أبو الأعلى المودودي: نظرية الإسلام السياسية، القاهرة، دار الفكر، د٠ت، ص ص ٢٩، ٢٨ ٠

٤ - سليمان الخطيب: فلسفة الحضارة عند مالك بن نبي: دراسة إسلامية في ضوء الواقع المعاصر، القاهرة، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ١٩٩٣، ص ٢٩٢ ٠

٥ - علاء طاهر: العالم الإسلامي في الاستراتيجيات المعاصرة، مركز الدراسات العربي الأوروبي، ١٩٩٨، ص: ٦١٥ ٠

(*) انظر: دستور الجمهورية الإسلامية في إيران، طهران، رابطة الثقافة والعلاقات الإسلامية، ١٩٩٧ ٠

٦ - القمي: قصة التقريب، مرجع سابق، ص٣٤٨ ٠

٧ - القمي: للعقول لا للعواطف رسالة الإسلام، العددان ٥١، ٥٢، ص ٢٤٧ ٠

٨ - ابن منظور: لسان العرب، مج١، بيروت: دار إحياء التراث العربي، ط٢، ١٩٩٧، ص: ٢١٣ ٠

٩ - عبد الحميد أحمد أبو سليمان: أزمة العقل المسلم، القاهرة، المعهد العالي للفكر الإسلامي ١٩٩١، ص: ١٢٨ ٠

١٠ - مجمع اللغة العربية: المعجم الوسيط جـ٢، القاهرة: ط٣، ١٩٨٥، ص: ١٠٧٣ ٠

١١ - محمد عمارة: معالم المنهج الإسلامي: القاهرة، دار الشروق ١٩٩١، ص: ٧٨ ٠

١٢ - سيد قطب: في ظلال القرآن، مج١، ص٤، القاهرة: دار الشروق ط١٥، ١٩٨٨، ص: ١٣١ ٠

١٣ - الفخر الرازي: مفاتيح الغيب، مج٢، جـ٤، بيروت: دار الفكر، ١٩٩٣، ص: ١١٣

١٤ - القمي: قصة التقريب، مرجع سابق، ص: ٣٤٩ ٠

١٥ - القمي: جولة بين الآراء: رسالة الإسلام، السنة الثالثة، العدد الأول، ص: ٣٧ ٠

١٦ - القمي: نقط على الحروف أو مزيد من الإيضاح: رسالة الإسلام، السنة الخامسة، العد الثاني، ص: ١٥١ ٠

١٧ - طه جابر العلواني: أدب الاختلاف في الإسلام، فيرجينيا: المعهد العالي للفكر الإسلامي ط٦، ٢٠٠٠، ص ص: ١٦: ١٨ ٠ (بتصرف) ٠

١٨ - القمي: خلاف نرضاه وخلاف نأباه، رسالة الإسلام، السنة العاشرة، العدد الأول، ص: ١٦ ٠

١٩ - المرجع السابق، ص: ١٨ ٠

٢٠ - المرجع السابق، ص: ١٦: ١٧ ٠

٢١ - القمي: نقط على الحروف أو مزيد من الإيضاح: رسالة الإسلام، السنة الخامسة، العدد الأول، ص: ١٤٧ ٠

(**) انظر: جعفر السجاني: العقيدة الإسلامية على ضوء مدرسة أهل البيت، محمد رضا المظفر: عقائد الإمامية٠

٢٢ - الشهر ستاني: الملل والنحل جـ١، بيروت: دار المعرفة ط٤، ١٩٩٥، ص: ١٧٩ ٠

٢٣ - القمي: جولة بين الآراء: رسالة الإسلام، السنة الثالثة، العدد الأول، ص: ٣٧ ٠

٢٤ - القمي: القافلة تسير: رسالة الإسلام، السنة الثامنة، العدد الأول، ص: ٤٢ ٠

(***) الإمام الشهيد حسن البنا رائد الحركة الإسلامية ومؤسس جماعة الأخوان المسلمين ومن الأعضاء المؤسسين لجماعة التقريب٠

٢٥ - مجموعة رسائل الإمام الشهيد: رسالة التعاليم، الأصول العشرين، الإسكندرية، دار الدعوة ١٩٩٠، ص ص: ٣٩٢، ٣٩٣ ٠

٢٦ - أحمد كمال أبو المجد: حوار لا مواجهة، القاهرة، دار الشروق ١٩٨٨، ص ٢٦٩ ٠

٢٧ - زكي الميلاد: التقريب رسالة العقلاء، بيروت، الكلمة، السنة الثامنة، العدد ٣٢، صيف ٢٠٠١، ص: ٢٦.

٢٨ - القمي: القافلة تسير: مرجع سابق، ص: ٤١ ٠

٢٩ - القمي: نقط على الحروف: مرجع سابق، ص: ١٥٠ ٠

٣٠ - القمي: الزمن في جانبنا: رسالة الإسلام، السنة التاسعة، العدد الأول، ص: ٢٤ ٠

٣١ - القمي: جولة بين الآراء: مرجع سابق، ص: ٣٧ ٠

٣٢ - محمد الغزالي: دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين، القاهرة، دار الشروق، ١٩٩٧، ص ص: ٤٤: ٥١ (بتصرف) ٠

٣٣ - عبد المنعم شحاته: خلافات المسلمين رؤية نفسية، المسلم المعاصر، العدد ٨٤، يوليو ١٩٩٧، ص١٧٢.



[ Web design by Abadis ]