ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 العالم الاسلامي و التحديات الحضارية \ د. رشيد ابو ثور *

ملخّص

إن الموقع الاستراتيجي للعالم الاسلامي وثرواته تجعل منه محلاً للاطماع، غير أنه يملك منظومة القيم التي تجعل منه قادراً على مواجهة التحديات، مما يرقى بالصراع ضد الاسلام الى مستوى الصراع الحضاري الثقافي. فالاسلام هو المشروع الوحيد الذي يملك اليوم رؤية متكاملة للكون والحياة والانسان تمكنه من أن يكون بديلاً للحضارة الغربية المتداعية.

والبديل الذي يقدمه الاسلام يعتبر في جوهره نقيضاً أساسياً لفكر الحداثة المفرط في المادية. والمسلمون يتحملون مسؤولية تقديم البديل عن طريق التنسيق والتربية والتعليم والاعلام والتجديد على المستوى الفني. ولابدّ أيضا من إتقان عملية مخاطبة الغرب على أساس من دراية بالثقافة الغربية.

ـ

* - باحث من المغرب

إن عالم اليوم قائم على ظلم مقنن يتمظهر سياسياً في حق النقض الذي يمكّن دولة

واحدة في العالم من تحدي الارادة الدولية قاطبة، ويتمظهر اقتصادياً في الاستغلال الممنهج واستنزاف ثروات الدول الضعيفة الذي يتم من خلال برامج البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وغيرها من المؤسسات المالية التي تمتص دماء الدول المدينة، حيث انتقلت ما بين ١٩٨٤ و١٩٩٠ من دول الجنوب الفقيرة إلى دول الشمال الغنية مبالغ مالية تقدر بـ ١٧٨ مليار دولار لتسديد خدمة الدين فقط، دون أن تنخفض قيمة الدين الاصلية، بل ارتفعت بين سنتي ١٩٨٠ و١٩٩٣ من ٦٥٨ مليار دولار إلى ١٧٧٠ مليار [١]. » لقد أدت دول الجنوب إلى دائنيها في الشمال أضعاف قيمة القروض الاصلية دون أن تتخلص من الدين، وهكذا تستمر دول الجنوب في تمويل الدول الغنية‏ فلماذا سيتخلى الشمال عن مبالغ تقدر بـ ٢٥ إلى ٣٠ مليار دولار تأتيه كل سنة من الجنوب «(٢).

يجد هذا الظلم المقنن خلفيته الثقافية في فكر ما يسمى» بالحداثة «وترتبط فكرة الحداثة - كمـا يقـول آلان تـوران [٣] Alain Touraine - بشكل وثيق بالعقلانية بصفتها

المبـدأ الوحيد لتنظيـم الحيـاة الشخصية والجماعيـة بربطها بموضوع العلمانيـة La secularisation، أي فصلهـا عـن الغايات النهائية فالحداثة تستبعد كل غائية وتعني القطع الضروري مع الفكر الديني.

بمعنى أن الحداثة تعني فصل النشاط الانساني عن أية قيم علوية.

ويشير آلان توران إلى» أن العقلانية الآلية تستبعد أن يتم تنظيم أي عمل إنساني من الخارج، بدمجه ضمن رؤية شاملة «. بمعنى أن الحكم على أي عمل إنساني، سياسياً كان أم اجتماعياً أم اقتصادياً لايتم انطلاقاً من قيم دينية أو خلقية من خارج ذلك العمل، أو انطلاقاً مما يمكن أن يحدثه ذلك العمل من أضرار في مجالات أخرى، بل يتم تقييم أي عمل من خلال آلياته الداخلية ومن خلال الاهداف المراد تحقيقها، فتحقيق الهدف يبرر استعمال أية وسيلة، ولايعبأ بما يمكن أن يترتب عن ذلك من أضرار في المجالات الأخرى.

فالشركات التي تنتج وتبيع السجائر، مثلا لايهمها في نهاية المطاف إلا تنمية أرباحها، وقد تسلك لذلك كل السبل الممكنة، بدءاً بالتوزيع المجاني للسجائر على الاطفال وانتهاء بزيادة نسبة النيكوتين في السجائر، حتى يصير المبتدئون مدمنين في أسرع وقت، فلا يهم هذه الشركات إلا تنمية عدد المستهلكين، أما كون التدخين يقتل سنوياً ٣ ملايين شخص [٤]، فهذا من اختصاص الطب، ووصل الامر بالسلطات في الولايات المتحدة، وهي أكبر منتج ومصدر للتبغ، إلى وصف بعض الاجراءات الوقائية التي اعتمدتها بعض الدول ضد أضرار التبع بأنها إجراءات حمائية، وهددت تلك الدول بعقوبات اقتصادية [٥].

وتتصرف البنوك بنفس العقلية النفعية الفجّة، فلا تهتم إلا باسترجاع فوائد قروضها، ولايهمها إن كانت الدول المدينة، تسدد فوائد ديونها من تجارة المخدرات، أو تضطر إلى بيع أشجار غاباتها محدثة أضرار بيئية بليغة، كما تفعل غانا التي استحقت على ذلك اللقب الفخري لـ» التلميذ النجيب لصندوق النقد الدولي «.

ولقد امتدت آثام هذه العقلية الاستغلالية إلى اغتصاب براءة الطفولة حيث تأخذ اليوم المتاجرة الجنسية بالاطفال في الدول التي تتبجح بحقوق الطفل والمرأة وغيرها، أبعاداً مفجعة. تطالعنا الاخبار منذ مدة مأساة بلجيكا، عن اتساع مطرد لهذه التجارة الرهيبة لتشمل دول متعددة من أوروبا. والادهى في هذا الموضوع أن يكون المسؤولون عن هذه الاثام من أهل التربية أو القضاء أو الشرطة.

وقد تأخذ هذه العقلية إجراءات رهيبة عندما لايتردد رئيس دولة أو حكومة في شن عدوان عسكري على أبرياء ومستضعفين من دولة أخرى، إذا توقع أن هذا العدوان سيربحه بعض الاصوات في الانتخابات، والغريب أن الاعلام أصبح يتكلم عن مثل هذه الاجراءات الاجرامية وكأن الاعتبارات الانتخابية سبب كاف لتبرير أي عدوان على المستضعفين، وقد يلام الضحية بشكل ضمني، لان محنته صادفت - » لسوء حظه؟ ! «الحملة الانتخابية لرئيس دولة فوق القانون الدولي. وكم دفعت الشركات الكبرى حكوماتها لتحريك جنودها لاسقاط أنظمة وطنية عزمت على وقف استغلال بلادها من طرف هذه الشركات.

يقول إدوارد كولدسميث Edouard Gold Smith [مؤسس مجلة The Ecologist، ومؤلف» التقرير حول كوكب الارض «، Stock، باريس ١٩٧٠]: » ليست الشركات العابرة للقارات مسؤولة إلا أمام مساهميها، فليست إلا آلة لتنمية أرباحهم الآنية، غير أنها تستطيع إجبار كل حكومة، إذا اقتضى الحال على الدفاع عن مصالحها، ولو كان ذلك ضد مصالح الشعب الذي انتخب تلك الحكومة. إن هذا الاستعمار الجديد يعد الاكثر قساوة وتهوراً من أي استعمار عرفه التاريخ « [٦].

وأورد الكاتب أمثلة عن التدخل العسكري للولايات المتحدة في غواتيمالا وكوبا وجمهورية الدومنيك والشيلي ونيكاراكوا وكرينادا، لما وصلت إلى السلطة حكومات غير مناسبة لمصالح الشركات الامريكية.

والازمة التي يعاني منها العالم الاسلامي اليوم استبداداً وتخلفاً وفقراً وعجزاً وتبعية ليست إلا نتيجة لهذه العقلية النفعية التي يتعامل بها أقوياء عالم اليوم، وهي عقلية تنعكس آثامها على معظم بلاد الجنوب، ضمن التوزيع العالمي للشغل والنفوذ، بل وعلى أعداد متزايدة من أبناء الشمال أنفسهم. فبقدر ما يزداد الاغنياء ثروة، بقدر ما تتقلص الامتيازات الاجتماعية لدى الطبقات الدنيا من المجتمع الغربي، التي أصبحت تعاني من البطالة والتهميش والفقر، لترتمي في نهاية المطاف في أحضان المخدرات والعهر وكل الموبقات.

لاشك أن تراجع العالم الاسلامي تاريخياً على مستوى مختلف مقومات النهوض العقيدية والعلمية والخلقية والعملية هو الذي نزع منه المهابة وشجع الغرب على احتلاله. وبعد صراع مرير ومفاوضات مجحفة وتسويات مغرضة تم الاستقلال، غير أن» نظرة خاطفة لحالة الجنوب تبرز بشكل مثير، استمرارية لامراء فيها، منذ عهد الاستعمار إلى يومنا هذا: فلا توجد أية مراجعة للحدود من طرف الدول التي استقلت مؤخراً، ولا أية محاولة لاعادة النماذج الثقافية التي كانت قبل الاستعمار، ولايوجد أي تعديل للممارسات الاستعمارية بخصوص استغلال الاراضي « [٧].

وكان حظ البلاد الاسلامية من هذه الممارسات الاستعمارية أشد فلا يدع الغرب، بمساندة الصهيونية العالمية وبإيحاء منها، سبب من أسباباً التطويق والتقويض إلا ومارسه ضد هذه البلاد.

لاشك أن موقعه الاستراتيجي عسكرياً وتجارياً، وما تختزنه أراضيه من ثروات وما تمثله ساكنته العريضة من أسواق، تجعل من العالم الاسلامي محل الاطماع والعدوان، غير أنه يملك ما هو أشد على الغرب والصهيونية من ذلك، ويتمثل في منظومة القيم العلوية الثابتة التي يقوم عليها الاسلام، مما يرقى بالصراع ضد الاسلام إلى مستوى الصراع الحضاري الثقافي، فالاسلام هو الوحيد الذي يملك اليوم رؤية متكاملة للكون والانسان والحياة تمكنه من أن يكون بديلا للحضارة الغربية المتداعية. وهذا ما يستشرفه الدكتور» مراد هوفمان «وهو ألماني مسلم حيث يقول: » لايخفى على المتأمل البعيد الرؤية أن يرى الزحف الاسلامي في القرن الحادي والعشرين مسيطراً، ممكناً لانتشاره ديناً لاغلبية البشر، أما كون هذا الزعم الذي تؤكده مجريات الامور حقيقة واقعة إن شاء الله، فذلك ما يشير إليه عنوان هذا الكتاب [٨] إن الاسلام لايطرح نفسه بديلا (خياراً) للمجتمعات الغربية بعد الصناعية، إنه بالفعل هو البديل الوحيد «.

ويعترف فرنسيس فوكوياما بالتحدي الذي يمثله الاسلام بالنسبة للحضارة الغربية حيث يقول: » والاسلام هو الوحيد الذي يطرح الدولة الثيوقراطية كبديل سياسي لكل من الليبرالية والشيوعية « [٩].

والبديل الذي يقدمه الاسلام يعتبر في جوهره نقيضاً أساسياً لفكر الحداثة المفرط في المادية الذي أقصى القيم العلوية من قاموسه وحوّل عالم اليوم إلى غاب يدين بـ» الداروينية «ويفترس فيه القوي الضعيف.

يقوم الاسلام على قيم مصدرها رباني وجوهرها إنساني، تتمثل أولا في مركزية الايمان بالدار الاخرى في حياة الناس، وفي العدل المجرد عن الهوى وفي الحق العلوي المطلق وفي تكريم حقيقي لكل إنسان، وهي قيم يخشاها المنتفعون في الغرب والصهاينة لانها تبشر بعالم ينبذ الاستغلال واستعباد الانسان، إضافة إلى كونها تفتح أمام الناس آفاقاً إيمانية وفلسفية تمكنهم من الانفلات من دوامة المجتمع الاستهلاكي التي قتلت في الانسان إنسانيته وحولته إلى مجرد رقم في مصنع الانتاج أو بطن في سوق الاستهلاك.

فإذا أضفنا إلى التحدي الحضاري الذي يطرحه الاسلام نزعة القوة والعنف تجاه الآخر التي تستنبطها الرؤية الغربية، فلا نستغرب حينئذ النزوع الغربي للصدام مع العالم الاسلامي.

يقول محمد شومان: » إن الرؤية الغربية القائمة على ممارسة القوة والقهر تجاه الاخرين تفترض دائماً وجود عدو يوجه له هذا العنف، وحتى إذا لم يوجد هذا العدو الآخر واقعياً لاختراعه» العقل الجماعي «الغربي من خلال هذا الخلق الاسطوري لتلك» الصورة النمطية «المشوهة لذلك الآخر الشيطاني «وإلا لمن توجه طاقة العنف الاصلية في الرؤية الغربية للوجود، ولمن توجه هذه الترسانة الرهيبة من السلاح التي تجني الشركات العملاقة من ورائها أموالا طائلة… لقد تجسدت عملية الخلق الجماعي الاسطوري أخيراً في استبدال» الخطر الاسلامي «بالخطر الشيوعي الذي زال [١٠]. ومعلوم أن الذين يدفعون في اتجاه الصدام مع العالم الاسلامي يحتاجون في ذلك إلى تأليب الرأي العام الغربي ضد الاسلام والمسلمين، حتى يحصلوا على الاعتمادات المالية والتضحيات البشرية والتهيئة النفسية التي يتطلبها ذلك.

يقول إدوارد سعيد: » إن الغرب الاستعماري المسيحي كان هو الطرف البادئ بالصدام والاستعمار، والحريص دائماً على تشويه صورة العرب والمسلمين والتشكيك في الاسلام، والحط من قيمته الثقافية الاسلامية بغية فرض إرادته وإملاء شروطه والسيطرة اقتصادياً وسياسياً وثقافياً على الشعوب العربية والاسلامية، ومنع وحدتها ونهضتها. ولقد اتسمت الهجمات الغربية بالعنف والتركيز على العالم الاسلامي لانه كان الاستثناء الذي واجه السيطرة الغربية الاستعمارية على الشرق [١١] «. نشير إلى أن الاستعمار كان يقترن في الماضي باحتلال الارض أما اليوم» فكل بلد مقترض يتحول إلى مستعمرة غير رسمية « [١٢].

ويعد التعليم أخطر وأهم مجال ركز عليه المنتقدون في الغرب لتشويه صورة العرب والمسلمين، وذلك بغية تنشئة أبنائهم على كراهية كل ما يمت إلى الاسلام بصلة، وبالتالي قطع الطريق أمام أي تقارب وحوار مع المسلمين، وبالتالي صد أبناء الغرب عن سبيل الاسلام.

ولقد أجرت الدكتورة مارلين نصر بحثاً حول صورة الاسلام والعرب في الكتب المدرسية الفرنسية [١٣]، خلصت إلى أن» هذه الصورة تبدو سيئة وخاملة ومختلفة، يتميز دورها بالعداء للآخر على مختلف المستويات، هذا الى جانب أن هؤلاء العرب بدو الصحراء، أما عرب اليوم فغائبون أو على الأصح مغيبون «. وخلص إياد القزاز من تحليل ٣٦ كتاباً مدرسياً للعلوم الاجتماعية، مقررة على طلبة المدارس الابتدائية والمتوسطة في ولاية كاليفورنيا في العام الدراسي ٧٤ - ١٩٧٥، إلى وجود صورة مشوهة للاسلام تفرط في تأكيد عدوانيته، فضلا عن صورة الرق ومركز المرأة المتدني، كما خلط مؤلفو الكتب المدرسية عمداً بين القرآن والاحاديث النبوية الشريفة وجرى تصوير العرب كشعب بدوي [١٤].

ويبرز بحث قيّم [١٥] صدر مؤخراً بمدريد وأشرفت على إنجازه الاستاذة خيما مرتين مونيوس Gema Martin Munuz، كيف تـركـز المقررات المدرسية في إسبانيا على نزع الصفة الالهية عن الدين الاسلامي واعتباره مجرد انحراف عن المسيحية، كما تختزل ثمانية قرون من الحضور الاسلامي في الاندلس في مجرد صراع بين الملوك الكاثوليك والمسلمين، مع تغييب شبه تام لكل ما أنجزه المسلمون هناك من علوم وفنون وتقاليد وأعراف عَمَّ إشعاعها أوروبا قاطبة. نشير هنا إلى أن الكتاب المذكور يحتوي على تصحيح مسهب لكل ما ورد من تحريف وتشويه في هذه المقررات.

وأورد الدكتور مراد هوفمان في كتابه الاسلام عام ٢٠٠٠: » أن البروفيسور الايراني عبد الجواد الفلاتوري من الاكاديمية الاسلامية للعلوم في كولن، قد قام مع زميله الالماني أودوتورشكا بعمل هام، حيث قاما بتحليل ما جاء عن الاسلام في مئات الكتب الدراسية الالمانية، في الكاثوليكية والبروتستانتية، في التاريخ والجغرافية، وحددا التشويهات الكبرى مع اقتراح التصحيحات اللازمة. وقاما في نفس الوقت بفحص مماثل للكتب المدرسية في كل من الدانمارك وفنلندا وهولندا وإيطاليا «.

أما المجال الثاني الذي يعتمد لتكريس تلك الصورة السلبية لدى الغربيين والامعان في تشويهها هو حقل» الرواية الشعبية «، ولقد قام الدكتور أنس الشيخ علي مدير مكتب لندن للمعهد العالمي للفكر الاسلامي بدراسة ٣٠٠ رواية شعبية. ولاحظ أن التوجه المعادي للاسلام في هذه الروايات بدأ بالتزايد بشكل كبير كمّاً ونوعاً منذ مطلع السبعينات. ويحتل» الاسلاميون «في هذه الروايات، موقع المجرمين والاشرار الذين يحاول أبطال مكتب التحقيقات الفيدرالي الامريكي، أو غيرهم من الابطال الآخرين أن ينقذوا العالم من» مؤامراتهم الشيطانية «وفي هذه الروايات يختلط أيضاً العنف بالرومانسية والاسلام بالنصرانية ويتصارعان فتكون الغلبة في أكثر الاحيان للابطال الغربيين الذين تقع على كواهلهم العريضة مسؤولية احتواء التهديد الاسلامي ريثما يأتي جيل آخر يستطيع أن يقضي بشكل نهائي على هذه الطفيليات العنيدة.

وتجدر الاشارة أيضاً إلى نمطين آخرين من الرواية الشعبية: وهما الرواية الرومانسية (التي تستهدف النساء من القراء) وروايات الادب الجنسي المكشوف، والتي تستغل المرأة وتصورها بشكل رخيص. ويشكل الاسلام والمسلمين كذلك مادة لهذه الروايات ويساء إليهم، حيث يوظف الشرق الاسلامي كمادة وكمسرح للخيال الجنسي والفجور.

ثم يأتي دور السينما والتلفزيون: » ففي الولايات المتحدة يحتل العربي المسلم مكانة بارزة في الاعلام، غير أنها تحمل قيمة سلبية، فهو مخرب يقاوم وجود إسرائيل والغرب في الشرق الاوسط، أو يقدم كعقبة أمكن تجاوزها لخلق إسرائيل سنة ١٩٤٨، والتي تعتبر امتداداً حضارياً للغرب، ويرتبط العربي في الافلام والتلفاز إما بالفسق أو بالغدر والخديعة المتعطشة للدم. ويظهر منحلا، ذا طاقة جنسية مفرطة، قديراً دون شك على المكيدة البارعة المراوغة لكنه - جوهرياً‏ـ سادي، خؤون، منحط، تاجر رقيق، راكب جمال، صداف، وغد، متعدد الظلال « [١٦]. » ولاتختلف كثيراً مكونات الصورة الذهنية للعرب والمسلمين والاسلام في الولايات المتحدة عن مثيلاتها في أوروبا « [١٧].

وفي النهاية يأتي دور رجال السياسة والفكر الذي لايقتصر فقط على تشويه الاسلام والمسلمين بل يتعداه إلى التخويف منهم. يقول محمد شومان: » لم يكن اختيار العرب المسلمين والعروبة والاسلام كأعداء ووصفهم بالارهاب مجرد اختيار عشوائي أو امتداد لعداء قديم ولمصالح وصراع قائم، لكنه اختيار له ما يبرره في هذه المرحلة التاريخية،

فما يخشاه الغرب هو أن يصبح عدواً لنفسه، كما استنتج ذلك إرفين كريستول

Irving Kristol، في غيـاب منافس مـن نـده، ومشكلة اندثار الطوبي التعبوية والانموذج الحضاري المنافس هو الاشكال الوحيد الذي يواجه الغرب اليوم… وفي غياب طوبي جـديـدة قـد يبتـدع الغرب خطراً وشراً جديداً وداء عضالا اسمه الاسلام الراديكالي « [١٨].

وفي الحقيقة فإن الغرب لايقصر عداءه على ما يسمونه» الاسلام الراديكالي «، إنما المشكلة بالنسبة للغربيين، كما صرح بذلك صامويل هنتنغتون [١٩]، ليست الاسلاميين المتطرفين وإنما الاسلام كله.

واستعداء المسلمين منحى غاية في الخطورة إذا ما اعتبرنا الحركة المسيحية الاصولية باتجاهاتها الصهيونية في الولايات المتحدة التي ترى من هذا المنطلق دعم إسرائيل وانتصاراتها على العرب تحقيقاً للنبوءة التوراتية، التي تجعل من ذلك النصر شرطاً لمجيء المسيح المنتظر.

تكشف الكاتبة الامريكية» غريس هالسل «عن الارتباط المشوه بين الفكرة الصهيونية والمسيحية البروتستانتية في الولايات المتحدة وتوظيفها لصالح دعم إسرائيل، ونفوذ اليمين الامريكي حيث تعتقد بعض الفرق ضرورة قيام حرب نووية في هرمجدون - وهو مكان في فلسطين‏ـ بين قوى الشر (العرب والاتحاد السوفيتي) وقوى الخير (الولايات المتحدة وحلفائها) كشرط لعودة المسيح وتحقيق السلام على الارض [٢٠].

واليوم، وبعد أن تفكك الاتحاد السوفيتي وانحازت روسيا كلية إلى المعسكر الغربي، سمعنا وزير الخارجية السابق أندريه كوزريف يصرح: » أن بلاده ترغب في تحويل تاجاكستان إلى حاجز دون امتداد التطرف الاسلامي والاقليمي العشائري إلى روسيا وسائر الجمهوريات القائمة على أنقاض الاتحاد السوفيتي السابق، وقال بصراحة أن الهدف الثاني في استراتيجية الحكومة الروسية هو ضمان الأمن في غرب آسيا وجنوبها في مواجهة الصراع مع قوة التطرف العاملة في أفغانستان وإيران وباكستان والتي تريد توسيع نطاق الاضطراب في اتجاه الشمال وتشجيع الارهاب الدولي «.

أما جاك بوميل Jack Baumel نائـب رئيس اللجنة الاوروبية، فقد كان واضحاً في إشارته إلى البعد الحضاري للصراع مع الاسلام، حيث قال في تصريح له لاسبوعية الاكونوميست سنة ١٩٩٠: » بعد انهيار النظام السوفيتي، وبانتهاء حلف وارسو أصبح من الواضح أن حلف الشمال الاطلسي، في غياب أعداء يواجههم، لم يعد لـه مبرر وجوده السابق، فلنحذر من هذا القوس الجنوبي الواقع بين الجزائر والباكستان والذي تنشط فيه الايديولوجيات المعادية للغرب… من الآن لم تعد المشكلة مطروحة على المستوى العسكري، بل ولا حتى على المستوى السياسي، إنما أصبحت مطروحة أكثر فأكثر على المستوى التاريخي « [٢١].

وقال هلموت كول أمام المجلس النيابي في بون، مدافعاًعن يلتسن في غزوه للشيشان: » لاينبغي إغفال خطر احتمال استقرار الاصولية في الشيشان وانتقالها إلى سواها كتركيا ومن ثم تهديد أوروبا الغربية «. وبعيداً عن كل لباقة دبلوماسية قال جون ميجور رئيس الوزراء البريطاني السابق: » لقد انتهينا من الشيوعية وجاء دور الاسلام « [٢٢].

ويتضح الكيد الصهيوني أكثر من تصريح لشمعون بيرز بمناسبة زيارته الرسمية الاولى لقبرص التي تعيش حالة انقسام بين المسلمين والمسيحيين حيث قال يوم ٢٩ / ٧ / ٩٥: » إن إيران هي مركز لكل الاعمال الارهابية وتشكل خطراً ليس على إسرائيل والشعب اليهودي فحسب، وإنما على الشعب العربي والعالم الاسلامي «.

وورد نفس الاشفاق المخادع على المسلمين على لسان أنطوني ليك، مستشار الأمن القومي للرئيس بيل كلينتون في صيف ١٩٩٣، حيث قال: » إن واشنطن تحترم كل ما قدمه الاسلام والمسلمين الذي يلتزمون بالسلام والتسامح «. … ثم أضاف، » لكننا سنوفر كل مقاومة لمواجهة المتطرفين الذي يشوهون العقائد الاسلامية «.

ونشير بهذه المناسبة إلى أنه بالرغم مما يتعرض له الاسلام من تشويه وافتراء فإنه لايزداد انتشاراً فحسب، ولايقتصر انتشاره المتزايد على العالم الاسلامي بل امتد إلى ديار الغرب نفسها، حيث يعتبر الاسلام الدين الأسرع انتشاراً في الولايات المتحدة، وأصبح يحتل المرتبة الثانية بعد الكاثوليكية في كثير من دول أوروبا.

ومعلوم أن عدوان الغرب لم يقف عن حد تشويه الاسلام والترهيب منه بل تجاوزه إلى ضرب كل مقومات النهوض الاسلامي، وعلى رأسها القوة المالية، والوحدة السياسية والجغرافية، والنهضة العلمية.

فعلى المستوى الاول تتبادر إلى الذهن فضيحة بنك الاعتماد والتجارة الاماراتي، الذي تم الايقاع به سنة ١٩٩١ في بريطانيا. ولايمثل هذا الحدث إلا صورة صارخة من الاجهاز المباشر على القوة المالية للمسلمين، غير أن الوجه الخفي والاكثر خطورة هو إغراق العالم الاسلامي بالديون بشكل لم تسلم منه حتى أغنى الدول الاسلامية.

هذه الديون تشكل مضخة لامتصاص ثروة البلاد الاسلامية لفائدة المؤسسات المالية الغربية، حيث أن أداء خدمة الدين يمتص حوالي ٣٠% من ميزانية الدول الاسلامية - وكلها مدينة - وهي أموال تخصم من ميزانية التعليم والصحة والتجهيز وغيرها. ومعلوم أن المديونية أصبحت تشكل اليوم الوجه الجديد للاستعمار المعاصر.

وبخصوص الوحدة يلاحظ أنه في الوقت الذي تتقارب فيه دول العالم المصنع لمواجهة المنافسة الاقتصادية التي ازدادت ضراوة بسبب عولمة الاقتصاد والحركة المالية، وللتغلب على المصاريف الباهظة التي يتطلبها البحث العلمي، تمارس على البلاد العربية ضغوط شديدة حتى لاتنخرط في أية وحدة حقيقية، مثمرة ودائمة، مثل ما حاولته إيران وتركيا وباكستان مع بعض الدول الاسلامية المجاورة. ونشير فقط إلى مثالين صريحين في هذا المجال: فبخصوص قضية فلسطين لم يستطع العرب أن يتكلموا بصوت واحد مع الغاصب الاسرائيلي، وليس ذلك للحصول على مكاسب، بل فقط لاسترجاع حقوقهم. نفس الشيء نجده في الغرب الاسلامي حيث أوروبا القوية اقتصادياً تتكلم بصوت واحد في حين تفاوض دول المغرب العربي بخمسة أصوات في إطار مشروع الشراكة المتوسطية.

ولم تقف الأمور عند هذا الحد، بل هنا سعي متواصل لمزيد من تفكيك العالم الاسلامي، مع تركيز خاص على العالم العربي بسبب ما يمكن أن يكون له من دور ريادي بالنسبة للصحوة الاسلامية من جهة وبسبب صلته المباشرة بالقضية الفلسطينية، وأخيراً بسبب موقعه الجغرافي عموماً في مواجهة أوروبا جنوباً وأمريكا شرقاً.

فما يحصل مع العراق من تقسيم إلى ثلاثة أجزاء وما يجري في السودان من محاولة لفصل الجنوب، وما يمكن أن يحصل في دول أخرى، كما ينذر بذلك تحريك ملف» العرقية «أو ما أصبح يصطلح عليه اليوم بقضية» الشعوب الاصيلة «يدخل ضمن مخطط واسع النطاق يشمل البلاد العربية برمتها.

نشرت مجلة كفمونيم الاسرائيلية مقالا للمنظمة الصهيونية العالمية بالقدس - عدد ١٤ فبراير ١٩٨٢ - [٢٣] جاء فيه عرض لاستراتيجية إسرائيل في الثمانينيات. وهذه أهم الفقرات التي تكشف عن آفاق المستقبل بالنسبة للحلم الصهيوني القديم» حلم إسرائيل الكبرى «.

» استعادة سيناء بثرواتها هدف ذو أولوية، ولكن اتفاقات كامب ديفيد تحول الآن بيننا وبين ذلك… لقد حرمنا من البترول وعائداته واضطررنا للتضحية بأموال كثيرة في هذا المجال، ويحتم علينا استرجاع الوضع الذي كان سائداً في سيناء قبل زيارة السادات وقبل الاتفاقية التي كانت معه في ١٩٧٩ «.

فإذا تمت تجزئة مصر، وإذا فقدت سلطاتها المركزية فلن تلبث بلدان مثل ليبيا والسودان وبلدان أخرى أبعد من ذلك أن يصيبها التحلل. وتشكيل حكومة قبطية في مصر العليا، وإقامة كيانات صغيرة إقليمية هو مفتاح تطور تاريخي يؤخره حالياً اتفاق السلام، ولكنه تطورات لا محالة على الأجل الطويل.

ومشكلات الجبهة الشرقية أكثر وأشد تعقيداً من مشكلات الجبهة الغربية، وهذا على عكس ما يبدو في الظاهر، وتقسيم لبنان إلى خمسةاقاليم…‏يوضح ما يجب أن ينفذ في البلدان العربية. وتفتيت العراق وسوريا إلى مناطق تحدد علىأساس عنصري أو ديني، يجب أن يكون هدفاً ذا أولوية بالنسبة إلينا على الاجل الطويل وأول خطوة لتحقيق ذلك هو تدمير القوة العسكرية لتلك الدول.

هكذا يعامل العالم الاسلامي، وليست هذه المعاملة الظالمة إلا نتيجة لمنظومة القيم المادية النفعية الفجة التي أصبحت اليوم تؤسس لعلاقة الدول والناس بصفة عامة. ولم تقتصر العواقب الوخيمة لهذه العقلية النفعية على الشعوب المستضعفة إنما أصبحت تشمل أبناء الشمال أنفسهم، بل صارت تهدد أصل الوجود الانساني على الارض لما ألحقته من أضرار بليغة بالبيئة.

يقول الكاتب خوان كواطيسولو: » لقد أقصينا حقيقة الموت ومفهوم التعالي من أفقنا ومن حديثنا اليومي، لقد سلبنا الانسانية جمعاء من رمزيتها ومن عالمها الغيبي الطبيعي. باسم تقدم وأوطوبيا بشريين خالصين، أفضينا إلى مستعمرة الاعتقال التي أنبأنا بها كافكا Kafka، وإلى نظام عالمي غير مقبول، يقصي من امتيازاته المادية، طبقات اجتماعية كاملة ودولا وقارات بكاملها دون أن يمنحهم بالمقابل إلا الدمار «.

لقد انتصر تشاؤم هوبز Hobbes على تفاؤل فلاسفة الانوار. وصدق التاريخ نيكولا بيرداياييف Nicolas Berdiaev وصدق أيضاً تحذيراته بخصوص شبح التقدم المستمر. لقد عدنا إلى العالم الطبيعي للظلم والانانية والقسوة وانتصار القوة (…. ). ماذا يستطيع عذاب الكثرة الكاثرة وشفقة بعض الناس أمام الامبراطورية الحاضرة دائماً لـ» السوق العالمي الكبير «وأمام التقنية العلمية.

لاتوجد أصولية دينية إسلامية، أو هندوسية، أو يهودية، أو مسيحية أكثر سحقاً وتدميراً‏من تحالف» حرية إجراء التجارب العلمية «والمركب التقني الصناعي والقوة المالية. إنها أصولية قادرة على أن تجرب بكل برودة أسلحتها القاتلة على عينات إنسانية، ولايتعلق الأمر فقط بما حصل في مجزرة الخليجي، ولكن كذلك، كما اكتشفنا ذلك اليوم بذهول، على المواطنين الامريكيين الاكثر فقراً والاكثر هلعاً، خلال التجارب النووية والكيميائية في الاربعينات والخمسينات والستينات [٢٤].

وهذه الممارسات الرهيبة التي يؤدي ثمنها الضعيف - وقد يكون من الجنوب كما يكون من الشمال - تقوم على فلسفة الحياة لم يعد أصحابها يتحرجون في الافصاح عنها. وهذا ما جعل ألبيرت جاكار Albert Jaquard يصـف هذه العقلية التي يحكمها المنطق الاقتصادي الصرف» بالداروينية الاقتصادية « [٢٥]. وشجب بشدة بعض التأكيدات التي أنتجها هذا المنطق الدارويني مثل: » يجب على المجتمع البشري أن يتطور، وحتى يستمر في الحياة، يجب عليه أن يقضي بدون شفقة على الذين يقللون من قدرة التكييف الجماعية، ويجب محاربة كل من يقف في وجه القضاء عليهم، مثل القوانين التي تعمل على مساعدة الفقراء، إن الرأفة ضد قوانين الطبيعة «.

» إن الناس الذين يعانون من الفقر لم يفلحوا لأنهم يفتقرون للخاصيات الضرورية للفلاح، ومن الأفضل ألا يورثوا للجيل الذي سيليهم تلك الخاصيات غير المناسبة، فمن حسن السياسة أن نثنيهم عن التوالد، لذا يجب تقليص التعويضات العائلية المخصصة للفقراء وإضافة هذه المبالغ للتعويضات الممنوحة للاغنياء القليلي التوالد «.

ثم يقول ألبيرت جاكار: » إن الذين يبشرون بهذه الاصولية الاقتصادية لايمثلون إلا نسبة قليلة بالنسبة لسكان العالم غيرأنهم يملكون وسائل فرض وجهة نظرهم «.

وأوردت صحيفة لوموند ديبلوماتيك [٢٦] تصريحاً لـ د. هنري كسنجر يعبر بشكل بليغ عن هذه العقلية الداروينية حيث قال: » يجب أن لانكون طموحين أكثر من اللازم، وأن نكون واقعيين، وأن نعتبر أن القانون الدولي يمكن ويجب أن ينتصر في كل مكان من كوكبنا، وإنما أولا في المناطق التي يقترن فيها بمصلحة القوى الرئيسية «.

تعكس هذه الاقوال إلى أي حضيض انحدرت القيم عند أصحاب المصالح في الغرب، مما حوله إلى آلة صماء تنتج يوماً بعد يوم في أحضان الغرب نفسه مزيداً مـن التفقير، [٥٣ مليون فقير في أوروبا [٢٧] و ٨٠% من الشعب الامريكي يتقاسمون ٦% فقط من ثروة البلاد] [٢٨] ومزيداً‏من التهميش ومزيداً من المخدرات [التي أصبحت اليوم تروج ما يربو عن ٤٠٠ مليار دولار سنوياً، حسب آخر تقرير في هذا الشأن] ومزيداً من الجرائم التي أصبحت تنتشر بين صفوف القاصرين والقاصرات، ومزيداً من الطوائف الدينية الخرافية وما تنتهي إليه من انتحارات جماعية، ومزيداً من التلوث البيئي الذي وضع الحياة البشرية اليوم على حافة الهاوية.

وهكذا يتضح أن ما يعانيه المسلمون اليوم من تخلف وعجز وتبعية واستبداد ومصادرة لحقهم في تقرير مصيرهم ليس إلا نتيجة لازمة قيم تنعكس عواقبها على الانسانية جمعاء. ولا مخرج للمسلمين بل ولا خلاص للانسانية برمتها إلا بما دعا له رجاء جارودي عندما نادى بالعمل على» إقامة نظام عالمي ثقافي جديد «يقيم حياة الناس وعلاقة الشعوب على أسس من العدل والحق والانصاف وتكريم حقيقي لكل إنسان. ولن يتم ذلك إلا بإرجاع القيم العلوية إلى حياة الناس. وهي قيم لايمكن أن تستمد إلا من الايمان بالله سبحانه وتعالى. وما لم يتحول الاسلام إلى مرجعية للبشرية جمعاء، فيسظل هذا السباق المحموم نحو الكسب المادي الجامح، ليتحول في نهاية المطاف إلى سباق نحو الهاوية، والتي قد تكون كارثة نووية أو بيئية أو وبائية تعصف بالجميع.

وانطلاقاً مما سبق نسجل الملاحظات الاتية:

أولا: إن أزمة البشرية اليوم هي أزمة إنسان قبل أن تكون أزمة نظام (اقتصادي أو سياسي أو غيره)، فالانسان الذي أنشأته العلمانية بشكل عقلاني مادي صرف بعيداً عن القيم العلوية، أفسد كل النظم وكل المعاني مثل الحرية والديمقراطية، التي كان من شأنها أن تقوم حياته وتقيمها على العدل والانصاف والحق والخير.

وهذا ما أدّى إلى ظهور حركة سياسية في المملكة المتحدة، خلال الانتخابات الاخيرة باسم القانون الطبيعي. وترى هذه الحركة أن العلة للازمة الاقتصادية والاجتماعية في بريطانيا تكمن في الانسان قبل أن تكون في النظام الموضوعي، وتعزو ذلك إلى تبني أنماط الحياة المخالفة للسنن الطبيعية والوقوع في أسر الانماط الاستهلاكية للمجتمعات الصناعية الحديثة. وناقش أعضاء هذا الحزب في اللقاءات العامة جملة من الاعراض الاساسية مثل التدخين والخمر والافراط في الطعام والاستهلاك فوق الحاجة ودعوا إلى إحياء الجانب المعنوي والروحي والقيمي في التربية [٢٩].

ونفس الظاهرة برزت في ألمانيا حيث توجد حركة اجتماعية ضد النمط الاستهلاكي الذي يتجاوز الحاجة الطبيعية للناس. وتضم الحركة العديد من الأسر التي تعجز عن تلبية النزعات الاستهلاكية غير الاساسية عند أبنائها.

ولاشك أن الانسان إذا افتقد التطلع إلى الآخرة، فإن الدنيا وملذاتها ستتحول إلى أكبر همه، وسيقع بالتالي في دوامة المجتمع الاستهلاكي مستهلِكاً أو مستهلَكاً. وعندما يتحول الاستهلاك إلى هدف في حد ذاته، فلن يتوقف عند أي حد ولن يجلب معه إلا الدمار.

ثانياً: لاحل لمشكلة الاسلام والمسلمين من دون حل لمشكلة القيم على مستوى الانسانية بمعنى أنه لن يسمح للاسلام بالتمكين على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي وغيره إلا إذا قام في العالم نظام ثقافي جديد يقيم حياة الناس وعلاقات الشعوب على أسس من العدل والانصاف واحترام الاختلاف والتنوع وحق الشعوب في تقرير مصيرها.

يقول في هذا الصدد خوان كواطيسولـو Juan Goytisilo: » يجـب أن نعيـد من الاساس، إقامة بناء التعايش، لبنة لبنة، مع احترام الاختلاف والتنوع، ومع استحضار التاريخ والذاكرة الجماعية والفردية « [٣٠].

ثالثاً: الاسلام مؤهل أكثر من أي بديل آخر لاقتراح حل مناسب ومخرج للانسانية من المخاطر التي تتهددها.

لقد أضحت مصالح الدول ومشاكلها متداخلة لدرجة جعلت حسم القضايا الكبرى على مستوى محلي أمراً مستحيلا بالنسبة للدول القوية. وإذا كانت القضايا الكبرى التي تستدعي اليوم حلولا دولية، مثل قضايا البيئة والبطالة والمخدرات والهجرة، ومختلف أنواع الاجرام، لايشكل في حقيقة الأمر إلا قضايا فرعية فإن الاسلام يطرح اليوم قضية كلية. لانه يقترح بديلا حضارياً وبالتالي لايمكن لقضية الاسلام أن تحسم إلا على مستوى إنساني شامل، بمعنى أنه ما لم يتحول الاسلام إلى مطلب إنساني فلن يسمح له بالتمكين في بلاد المسلمين.

وقد يتبادر إلى الذهن، اعتباراً لحالة الاستعضاف التي يعيشها العالم الاسلامي اليوم، أن تحويل الاسلام إلى مطلب إنساني ضرب من الخيال.

مؤيدات هذه الاطروحة:

أول هذه المؤيدات هو الوعد الرباني الذي يجب أن يتخذ كمحفز للمضي في هذا الاتجاه، حيث يقول الله تعالى، وقـوله الحق: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (. ويقـول: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكـُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَـاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فـِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَـى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مـِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً (.

غير أن الوعد الرباني لن يتم طبعاً إلا من خلال العمل الانساني، وسنّة التدافع بين الحق والباطل، ولعل هذا التدافع هو الذي جعل من الاسلام الدين الأكثر والأسرع انتشاراً في العالم اليوم، في سنة ١٩٨٥، نشر الفاتيكان إحصاءات تبين أن عدد المسلمين (٨٦٥ مليوناً) قد تجاوز عدد الكاثوليك (٨٥٠ مليوناً) [٣١].

وسيمثل المسلمون عند حلول سنة ٢٠٢٥ ثلث البشرية [٣٢]. في حين تسجـل مجلة [٣٣] Futuribles تراجع كـل علامات ومعايير الارتباط بالمسيحية في أوروبا.

وهذا ما أكده» جيل كيبيـل «Gilles Kipel في كتابه» ثأر الاله « [٣٤] حين قال: » بخلاف حركات الدعوة للاسلام التي لاتواجه في المجتمعات الاسلامية خصماً حقيقياً، تجد حركات الدعوة للمسيحية تأثيراً محدوداً بسبب الثقافة الديمقراطية للمجتمعات الكلاسيكية التي خرجت من الشيوعية، مما يبقى داخل الكاثوليكية الاوروبية نفسها تياراً حياً، لايرى في الدعوة المسيحية الجديدة سواء منها التي تعمل على مستوى القمة أو على مستوى القاعدة، إجابة مناسبة لتحديات عصرنا «.

ويقول: » Roland Thyman «مـؤلف كتـاب» الدين والحياة العامة في الولايات المتحدة «، » إن الاسلام هو الدين الذي ينتشر بسرعة في الولايات المتحدة‏ (…. ) وإذا استمر هذا النمو الديموغرافي لدى المسلمين الامريكيين على وتيرته الحالية، فإن عدد المسلمين سيتجاوز عدد اليهود «.

ويشير الدكتور» أحمد يوسف «إلى أن» المسلمين في الولايات المتحدة يقفون اليوم أمام مرحلة تاريخية هامة، حيث أصبح لأول مرة في التاريخ بإمكانهم التأثير الثقافي والديني في المجتمع الامريكي، بسبب عددهم الذي يتجاوز العديد من الاقليات هناك، وبسبب انتشاره السريع في الولايات المتحدة «.

ونفس الامر يمكن أن يقال بالنسبة لاوروبا حيث أصبح الاسلام يشكل الديانة الثانية في كثير من دول أوروبا الغربية، وأصبح المسلمون يتطلعون إلى القيام بدور فاعل في الميدان السياسي. وتجدر الاشارة إلى عودة الاسلام بشكل واضح إلى دول أوروبا الشرقية التي كانت خاضعة للهيمنة السوفياتية والشيوعية.

ولقد بدأ الاسلام إضافة إلى هذا - أو بسبب هذا‏ـ يستقطب اهتمام المفكرين والباحثين الغربيين بغية التعرف الموضوعي عليه في نفس الوقت الذي يتراجع فيه الاستشراق الكلاسيكي العدائي الذي كرس جهده للنيل من الاسلام. يضيف الدكتور أحمد يوسف: » ومن دلائل تراجع الفكر الغربي الذي يقول بالصدام بين الاسلام والغرب، ظهور جيل جديد من العلماء الذين يفهمون المجتمعات الاسلامية بشكل أفضل، بالاضافة إلى أن معظم الجامعات الغربية أصبح بها مساقات علمية وأقسام مخصصة في الدراسات الاسلامية والمجتمع الاسلامي والحركات الاسلامية. ولعل ما يعزز التفاؤل حول العلاقة بين الاسلام والغرب، أن التيار الغربي الواعي الذي ينفي الصدام وينفي مزاعم «الخطر الاسلامي» يكسب على مر الزمن أرضية جديدة داخل المجتمع الغربي، ويكسب المزيد من الوعي والاستجابة في فهم الظاهرة الاسلامية وتتعزز قدراته في إمكانية مقاومة تيار الحملة الصهيونية « [٣٥].

ولعل هذا الاهتمام الايجابي بالاسلام راجع إلى اهتزاز ثقة الكثير من المفكرين والمثقفين في الغرب. وكذلك الناس العاديين‏ـ بالنموذج الحضاري الغربي الذي قتل فعلا في الانسان إنسانيته وجعله يشعر بتفاهة حياته. وهذا ما أشار إليه فيلوبيز حين قال: » لم يستطع أي مبدأ من المبادئ ولا عقيدة من العقائد أن تملؤه، وتحقق السعادة للانسان هناك. فرغم الثراء المادي وما يسمى بالرخاء الاقتصادي. وتحقيق الحاجيات المادية للشعوب فإن الانسان الغربي لايزال يحس بتفاهة حياته ويتساءل: لماذا أعيش؟ ‏وأين أسير؟ ولماذا؟ ولا أحد يقدم له الاجابة عن هذه الاسئلة. وما درى المسكين أن دواءه في الدين القويم الذي لايعرف عنه إلا الشبهات. ولكن بداية النور قد بدأت تسطع والصبح بدأ يسفر بدخول جماعات ولو قليلة من الغربيين في الاسلام. وبدأ الانسان الغربي يرى بأم عينه رجالا ونساء يطبقون الاسلام ويعيشون به، وفي كل يوم يدخل بعضهم في الدين الحق، إنها البداية « [٣٦].

ولابد من الاشارة في هذا المجال إلى ما فتحته شبكة الانترنت من إمكانات لتبليغ رسالة الاسلام إلى كل بقاع الارض، وما أتاحته من فرص لمشاركة المفكرين المسلمين في الندوات المتعددة التي تنظمها مختلف المؤسسات العلمية والاعلامية حول المواضع الحساسة التي تؤرق البشرية اليوم، والتي قد لا يكون لها حل إلا من خلال الرؤية والقيم الاسلامية…

تقديم البديل الحضاري مشروع متعدد الابعاد:

نشيرأولا إلى أن البديل الحضاري مشروع متعدد الابعاد، فهو رؤية فلسفية، ونهضة تجديدية وإنجاز ميداني وأجواء حركية، ودعوة وتربية للناس كافة. فالعمل الحضاري مشروع لايمكن أن ينهض به إلا المجتمع بمختلف جماعاته، ومؤسساته، وبمشاركة علمائه ومفكريه ومربيه، والناس أجمعين.

وحدة تنسيق وتكامل:

مادام المشروع الحضاري بهذه الابعاد، فالوحدة المناسبة له، يجب أن تكون وحدة تنسيق وتكامل، توفر الجو المناسب للاختلاف والتنوع، وتعدد الاجتهادات، وهي عوامل حيوية بالنسبة للابداع والتجديد اللذين يمثلان أساس أية نهضة. لذا يجب على الجماعات الاسلامية أن تركز على التخصص أكثر من نزوعها نحو الشمولية، حتى تساهم كل جماعة من زاويتها، وبتعاون وتنسيق مع كل مكونات الساحة الاسلامية من مؤسسات وعلماء ومفكرين ومتخصصين وتقنيين وغيرهم، في بناء الارضية الحضارية التي ستحتضن في المستقبل، حينما تتهيأ وتنضج الظروف المحلية والدولية، قيام مؤسسة الدولة الاسلامية التي لن تكون إلا أداة لحماية المشروع الاسلامي وتطويره وتفعيل أدائه.

وإذا أدرك الجميع بأن التحدي الذي يواجه الامة اليوم حضاري - ثقافي، وعقد العزم على مواجهته من زاوية تخصصية معينة، فستغيب دواعي الخلاف والصراع، بل سيشعر كل طرف بأن الأطراف الاخرى تكمّله وتسانده، وسيحل التعاون محل الصراع، وإن كان من تنافس فسيكون على الخير وليس على احتلال موقع الزعامة كما يدفع إلى ذلك المنطق السياسي الضيق.

ونشير بالمناسبة إلىأن هذا العمل التخصصي سيمكن من إيجاد كثير من نقط التقاطع والالتقاء بل والتعاون مع فعاليات ومؤسسات محلية ودولية لاتنطلق بالضرورة من المنهج الاسلامي، مثل مختلف المنظمات غير الحكومية والعديد من المثقفين الذين يؤمنون بقيمة الانسان.

كل متمعن في التحدي الحضاري يدرك كثرة الواجبات وتنوعها، وهي من الضخامة والعمق بحيث لن تقوى حركة بمفردها على إنجاز ولو قسم منها.

الواجب التربوي:

ويهدف إلى تنشئة جيل جديد صادق الايمان والتجرد، يتجاوز عجز ونفسية من أفسدهم الاستعمار ثم الاستبداد فأحالهم إلى أناس ناقمين يتصرفون برد الفعل وضيق الافق، في حين يحتاج المستقبل إلى الشخصية الحضارية المدركة لدورها الرسالي في هذه الحياة، دور إقامة الشهادة على الناس، والعاملة لـه من خلال المبادرة الواعية وليس المنفعلة، والمتخلقة بالسجايا الذي يتطلبها القيام بهذا الدور من رحمة بالناس كافة وخفض الجناح للمؤمنين وشدة وشجاعة وتضحية عندما يتطلب الموقف ذلك.

ونشير في هذا الصدد إلى ضرروة إعادة النظر في الرؤية التي كانت تقسم العالم، بالنسبة للمسلم، إلى دار حرب ودار سلم، أو إسلام، والتي كان على إثرها يقيم علاقاته مع الآخر، وخاصةإذا علمنا أن العمل الاسلامي يجد اليوم من الحرية في ديار الغرب ما لايجده في العديد من بلاد المسلمين. ويمكن القول، بعدما انفتح العالم على بعضه البعض وأصبح لأعداد غفيرة من المسلمين وجود واضح ودائم في ديار الغرب أن أرض الله كلها أصبحت بالنسبة للمسلم أرض دعوة، ويجب أن ينشأ أبناء المسلمين على هذه الرؤية وعلى هذه المسؤولية، مسؤولية إقامة الشهادة على الناس جميعاً، ومسؤولية اقتراح على الناس كافة مخرجاً يخلصهم من هاوية العلمانية.

ويعتبر المجتمع برمته الميدان الاساسي لهذه العملية التربوية. أما وسائلها فهي رياض الاطفال والمدارس في المجال الخاص، وخطب الجمعة والمواعظ المختلفة في المجال العام، وهو عمل لو تخصصت فيه جماعةأو حتى عدة جماعات لكفاها ولأسدت بذلك للامة وللمستقبل الاسلامي خدمة استراتيجية أساسية.

الواجب التعليمي:

نشير أولا إلى ضرورة إسهام مختلف المؤسسات والفعاليات الاسلامية في التقليص من مساحة الامية التي تشمل في كثير من البلاد الاسلاميةأكثر من ٥٠% من المواطنين، علماً بأن النهضة والامية لايقترنان.

ثم لابد من بلورة منهج تعليمي متميز، يجمع بين الاصالة والمعاصرة يهدف إلى إخراج مسلم، بقدر ما هو مستوعب لأسس الشريعة، وبقدر ما هو متشبع بعقيدة التوحيد ومتمسك بمقتضياتها، بقدر ما هو مستوعب لعلوم العصر ومتفاعل مع مستجداته. ومن أدوات هذا العمل المدارس والمعاهد والجامعات. وتجدر الاشارة في هذا الصدد إلى تجربة الجامعة الاسلامية العالمية في ماليزيا والتي قد تكون نموذجاً يحتذى به في هذا المجال. يقول عنها رئيسها الدكتور عبد الحميد أبو سليمان: » إنها مدرسة إسلامية إجتهادية في الفكر الحضاري الاستخلافي الرفيع (…. ) ولتحيق هذه الرسالة يقوم نظام الجامعة في مجال العلوم والدراسات الاسلامية على مفهوم التخصص المزدوج الذي يجمع بين دراسة معارف الوحي الاسلامي وبين العلوم الانسانية والاجتماعية، بمنهجية علمية شمولية تحليلية منضبطة (…) أما في العلوم الفيزيائية فإن الجامعة تهتم في مناهجها بفلسفة العلوم وتاريخها وقضايا الثقافة من منطلقات إسلامية إلى جانب ما يتخصص فيه الطالب من فروع العلوم الفيزيائية الحديثة (…) والجامعة تعلم شبابها اللغتين العربية والانجليزية لكي تسلحهم بوسائل الاتصال الاصلية بمصادر معارف الوحي من جهة وعلوم العصر وم

عارفه من جهة أخرى، ولتنشئ منهم مثقفين قادرين، شهوداً‏على أحوال الامم وحضاراتها من حولهم‏ (…) بهذا المنهج وبهذا الاسلوب توفر الجامعة الاسلامية للمجتمعات المسلمة، مثقفين وعلماء وتقنيين يتسمون باتساع الافق الثقافي والحضاري، والقدرة العلمية والتقنية الفنية، وهذا هو منهج التوحيد الكوني والسلام النفسي والتكامل المعرفي الذي يحمل في طياته الاجابة على أوجه القصور ودواعي المعاناة والقلق الذي يسري في حنايا الحضارة المعاصرة « [٣٧].

الواجب الاعلامي

يعتبر العمل الاعلامي من أكبر التحديات التي تواجه الصحوة الاسلامية، وأعقدها لان يشمل التربية والتوعية والتوجيه ودفع الشبهات عن الاسلام وتبليغ رسالته للناس كافة بوسائل متنوعة.

تشكل» المعلومات «في العصر الحالي المصدر الاساسي للقوة والنفوذ والهيمنة، فبقدر ما تتمكن الدول من جمع المعلومات ومعالجتها وإخراجها وبثها بقدر ما تتمكن من استشراف المستقبل واستباق الاحداث وخلق واقع اقتصادي أو سياسي أو اجتماعي معين، يفرض نفسه على باقي الدول.

وأخطر ما في الهجوم الاعلامي أنه يستهدف العقول والقلوب، وإذا سقطت هذه، فإن الحصون الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية، ستسقط تباعاً دون أدنى مقاومة. ولايجهل أحد السيل الاعلامي العارم الذي يتعرض له العالم الاسلامي مثل - باقي دول العالم - من خلال القنوات الفضائية، وهو في معظمه علماني المحتوى هدفه الاساسي، إنشاء إنسان بدون هوية ولا ضمير، يسهل استيعابه في مساحات الانتاج أو الاستهلاك التي تخدم مصلحة من يتحكمون في عالم اليوم.

وإذا أضفنا إلى هذا ماسبق وأن ذكرناه بخصوص تشويه صورة الاسلام عبر وسائل الاعلام المختلفة، يتبين لنا حجم التحدي الذي يواجه الصحوة الاسلامية في هذا المجال الخطير.

ويمكن إجمال الواجبات التي يجب القيام بها في هذا المجال كما يلي:

- إنشاء مراكز للدراسات والبحوث، تمكن من جمع المعلومات ومعالجتها، بهدف توعية الساحة الاسلامية بالمستجدات والمتغيرات، حتى يتمكن المسلمون من التعامل مع واقع موضوعي وليس وهمياً يحجمون حيث يجب أن يقدموا، أو يسرعون حيث يجب أن يتريثوا. فما أحوج الصحوة الاسلامية إلى أجهزة علمية من هذا النوع حتى تخرج من الحماسة إلى الاتزان، ومن الارتجالية والعشوائية إلى المنهجية والتخطيط.

وعمل من هذا النوع يحتاج إلى تضافر جهود المختصين عبر العالم، ولاشك أن الثورة المعلوماتية والتكنولوجية المعاصرة قد تسهل إلى حد كبير التنسيق والتعاون في هذا المجال.

إنشاء اعلام متعدد الابعاد قصة، رواية، مسرح، شعر، محاضرة الخ‏ـ ومتنوع الادوات - صحف ومجلات وكتب وإذاعة وتلفزيون - يقوى على مواجهة الاعلام العلماني من جهة، ويصحح صورة الاسلام من جهة ثانية، ويربط المسلمين حيثما وجدوا على سطح المعمورة، بالاجواء الثقافية الاسلامية ويسهم في إعادة تشكيل عقولهم ووجدانهم.

واجب الادلاء بالرأي الاسلامي في الندوات التي تنظم عبر شبكة الانترنيت:

لقد شرعت الاوساط الجامعية في الولايات المتحدة خاصة في استعمال شبكة الانترنيت لتقديم العديد من الخدمات والمعلومات حول الاسلام. والمطلوب إضافة إلى هذا، أن يبادر المتخصصون بالمساهمة في الندوات المختلفة التي تنظمها مختلف المؤسسات العلمية والاعلامية عبر الشبكة. وهذا عمل نوعي يحتاج إلى فِرَق عمل يتخصص كل منها في مجال من المجالات. في الماضي لم يكن بإمكان الرأي الاسلامي أن يسمع حول قضية معينة إلا إذا استدعي من طرف منظمي الندوات، أما الآن فلم يعد الامر يتوقف إلا على قدرة المفكرين المسلمين على المساهمة باللغة والعمق المطلوبين. ولانحسب هذه القدرة غائبة بل نحسبها ستضيف بعداً نوعياً لما يتداول من آراء بخصوص القضايا التي تؤرق الانسانية والتي قد لايكون لها من حل إلا الهدي الاسلامي، والمطلوب فقط هو تنظيم الجهود في هذا الاتجاه.

واجب التجديد:

يفهم من حديث رسول الله (ص): » إن الله ليبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد لهذه الامة دينها «، أن التجديد عملية دائمة ومستمرة إلى قيام الساعة. وهذا أمر طبيعي لأن الاجتهاد البشري نسبي لارتباطه الوثيق بالظروف الزمانية والمكانية والمعرفية التي يتم فيها. فما كان صالحاً لزمن ومكان وأناس معينيين وظروف محددة لن يصلح بالضرورة لغيرها. ولايجوز بحال من الاحوال أن يصادر جيل سلف حق الاجيال الموالية في الاجتهاد لنفسها ضمن المقاصد العامة للشريعة، لان التجديد هو أساس كل نهضة، غير أن عملية التجديد تحتاج اليوم إلى جهود كثيرة وتخصصات متنوعة، من علوم شرعية وإنسانية خاصة، بسبب الوضع المعقد والمتشابك الذي أصبح عليه عالم اليوم.

يعيش المسلمون اليوم في معظم مواقعهم وضعاً ‏مزدوجاً، بين الشأن الخاص والشأن العام، فإذا كان بإمكانهم أن يلتزموا بالشرع فيما يتعلق بالفروض العينية، فإن ذلك متعذر فيما يتعلق بالمجال الاقتصادي والسياسي وغيرهما، غير أن الفقه المتوفر اليوم هو فقه الدولة التي يكون فيها الشأن الخاص والعام منسجماً مع الشريعة. أفلا يحتاج واقع البلاد الاسلامية اليوم إلى فقه يناسب هذا الوضع المزدوج؟

بالنسبة للمقاصد تجدر الاشارة إلى البحوث التي تبذل حالياً لتجاوز ما حدده الشاطبي من مقاصد الشريعة بالنسبة للفرد إلى البحث في المقاصد على مستوى الامة استكمالا لما بدأه الطاهر بن عاشور. ولاشك أن البحث في هذا الاتجاه سيستوعب مقاصد الشاطبي ويضيف لها آفاقاً جديدة.

التجديد على المستوى الفني:

ونقصد به بلورة المشروع الاسلامي العلمي المعاصر في مجالات الاقتصاد والسياسة والاجتماع والتربية والقانون، والفنون وغيرها.

لقد تخلف المسلمون عن الاجتهاد والتجديد والمواكبة في هذه المجالات لمرحلة طويلة منذ أن أزيح العلماء عن منصب الحكم، حيث أدى ذلك إلى انسحاب العالم من الشأن العام مما قصر تركيزه على العبادة الفردية، فكثر الفقه وتضخم في هذه المجالات، وانحصر إلى حدود جد ضيقة في المجال السياسي والاداري والقانوني والاقتصادي. ومن المعلوم أن ما يثير الاجتهاد ويستفز الفكر هي الممارسة الميدانية. ويجد المسلمون اليوم هوة سحيقة بين التطور الهائل الذي عرفته مختلف مجالات الفعل الانساني والمحطة التي وقف عندها الاجتهاد، مما يجعل استئناف العملية الاجتهادية جد صعبة، لسببين:

أـ سيضطر المجتهد إلى القول برأي سيكون بعيداً‏جداً عن الصورة التي ألفها الناس، مما يجعل العملية في حد ذاتها مستعصية، وقبولها من طرف الناس أكثر استعصاء.

ب - سيتعرض هذا المجتهد لانتقادات، بل وهجوم قاس من طرف علماء آخرين. مما يشكل بالنسبة إليه ضغطاً نفسياً قد لايشجعه على المضي في نفس النهج. وقد يدفع الكثير من المبدعين الآخرين إلى الاحجام عن الافصاح عن اجتهاداتهم خشية الزوابع التي يمكن أن تثار ضدهم.

في حين عندما يكون الاجتهاد عملية مستمرة ومواكبة للتحولات، يتم التجديد والتكييف بإحداث تعديلات طفيفة لاتحدث ردة فعل رافضة لدى الناس، مما يجعل التغيير والتجديد يتم من خلال سلسلة متعاقبة ومطردة من التكييفات، ويتحول بالتالي إلى حالة فكرية معتادة لدى الناس.

لاشك أن واقعنا المعاصر يتطلب طفرة فكرية واضحة لردم الهوة الزمنية التي انقطع خلالها الاجتهاد، لذا تتوقف هذه العملية على جملة من الاجراءات نجملها في ما يلي:

أـ مراجعة المناهج التي ابتكرها واعتمدها الأسبقون في اجتهاداتهم بغية الاهتداء بها لابتكار المنهج المناسب لظروفنا وواقعنا واحتياجاتنا.

ب‏ـ استيعاب الواقع في شموليته وجزئياته وديناميكيته وتعقيداته ومآلاته بغية التعامل معه من منظور علمي بعيداً‏عن الخيال والانفعال والاماني.

ج‏ـ صياغة واقتراح الحلول الاسلامية للازمات التي تعاني منها بلاد المسلمين سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وإخراجها مكتوبة للعموم. قد يقول قائل: إذا لم يكن بوسع المسلمين تطبيق هذه الحلول بحكم بعدهم عن موقع السلطة، فما الفائدة من هذا الجهد؟

لهذا العمل فوائد وأهداف متعددة:

أ‏ـ ردم هوة الفراغ التي أحدثها وقف الاجتهاد - أو تقلصه - في المجال العام باستئناف عملية الاجتهاد من منطلقات ميدانية واقعية، حتى يحدث بذلك التراكم الذي سيشكل الذخيرة التي سينطلق منها في المستقبل من سيجتهد للتنفيذ العملي، مع الاشارةإلى إمكانية تبني بعض الاجتهادات الاسلامية ولو بشكل جزئي داخل البلاد الاسلامية وحتى خارجها.

ب‏ـ تعويد الناس عامة على التجديد حتى يتعاملوا معه بشكل إيجابي.

ج‏ـ تشجيع المجتهدين على الابداع والنبوغ دون خشية ردود أفعال مناهضة. وبهذا سيتشكل البديل الاسلامي تدريجياً وعلمياً في هذه المجالات ويصير المشروع الاسلامي قادراً على الانخراط في المجال العام عملياً بمجرد ما يفسح له المجال للفعل.

واجب مخاطبة الغرب:

لقد أصبح هذا البعد ضرورياً كما أسلفنا، بغيةإيجاد تيار مساند للاسلام في وسط الغربيين من جهة، وبغية إسهام المسلمين في إيجاد حلول للمشاكل العامة التي تعاني منها الانسانية قاطبة، غير أن مبادرة التعارف والحوار والدعوة التي يقتضيها هذا الواجب تحتاج إلى تكوين خاص، غير التكوين المخصص للعمل الدعوي في بلاد المسلمين، ويحق» للعالم الاسلامي اليوم - كما قال د. مراد هوفمان - أن يخجل من قلة العلماء المؤهلين لاقامة حوار مع الغرب « [٣٩].

فلا بد لمن سيتولى مخاطبة الغرب أن يكون على دراية بالثقافة الغربية ونقط التقائها وافتراقها مع الثقافة الاسلامية. ويكون على معرفة بعقلية ونفسية الانسان الغربي حتى يمسك بالمفاتيح الموصلة إلى قلبه.

ويدخل في هذا الجانب المخاطبة السلوكية التي سيقوم بها المسلم المقيم في الغرب، والذي لايملك القدرة على البيان الفكري. فالمطلوب منه أن يستقيم سلوكياً كما أمره الله سبحانه وتعالى. وأن يتعامل بالهدي الاسلامي مع جيرانه وأصدقائه من أبناء هذه البلاد. لقد انحسرت إلى حد بعيد العلاقات الانسانية والاجتماعية في الغرب من رعاية حق الجار وعيادة المريض ومعايدة المعارف، وتقديم المساعدة والهدية وكل صور الرحمة والاحسان، والدفء الانساني التي تعتبر رأس مال ثمين في يد المسلم، بحيث لوأفاض بها على من حوله لكسب قلوبهم وعقولهم.

نشير هناإلى إشكالية تؤثر بشكل سلبي على تفاعل الانسان الغربي مع الاسلام، ويتعلق الامر بوضع المرأة في العالم الاسلامي حيث تكون معاملتها خاضعة في كثير من الاحيان للتقاليد والاعراف أكثر من خضوعها لتعاليم الشرع الاسلامي، مما يؤدي إلى سوء معاملتها من جهة، وتعطيل الاستفادة من قدراتها من جهة ثانية. فلا بد إذن من تطوير وضع المرأة عملياً وميدانياً على وجه الخصوص حتى ينسجم مع التصور الاسلامي، أما على المستوى النظري فلقد أجاد الاستاذ عبد الحليم أبو شقة رحمه الله تعالى في مجموعته القيمة» تحرير المرأة في عصر الرسالة «بشكل مبدع، وما تحتاجه الساحة الاسلامية هو تطوير في العقليات بالدرجة الاولى.

واجب عمارة الارض:

ونقصد به الانجاز الميداني - التدريجي طبعاً‏ـ لكل ما يعبر عن الرؤية الحضارية الاسلامية، سواء تعلق الامر بالفن المعماري، أوبفلسفة وأساليب التطبيب، أو بالمعاملات الاقتصادية، أو بالمحافظة على البيئة، وما إلى ذلك من القضايا التي يمكن إنجازها على أرض الواقع. خلاصة: يضع التحدي الحضاري جيل الصحوة الاسلامية المعاصرة أمام واجبات متعددة ومتنوعة، ولايمكن القيام بهذه الواجبات إلا من خلال مستوى متقدم من تخصص مختلف مكونات المساحة الاسلامية في مجال من المجالات، وقد تتخصص عدة جهات في مجال واحد، والوحدة المناسبة لهذه الاعمال هي الوحدة التنسيقية والتكاملية. والشرط الاساسي ليتم البناء الحضاري المنشود في جو من الانسجام والتناغم البديع والتعاون المثمر هو أن تربي الحركات الاسلامية أعضاءها، وكل من تحتك بهم من أبناء المجتمع على روح الاختلاف والتنوع التي تشجع على الابداع وروح التنافس الشريف.

ونشير بهذه المناسبة إلىأن عدد المسلمين يفوق اليوم المليار والربع المليار، والعدد في ارتفاع مطرد وسيشمل شعوباً‏ـ منها الغربية - لها أعرافها وتاريخها وثقافتها، وبالتالي طريقة فهمها وتعاملها مع النصوص الشرعية، مما قد يفرز اجتهادات ورؤى غير مألوفة لدينا نحن العرب، فإن لم تربَّ الحركات الاسلامية أبناءها والناس من حولها على رحابة الصدر وسعة الافق، فقد يتحولون إلى عناصر تفرقة وانشقاق أكثر من عناصر جمع وتوحيد.

ونشير في النهاية إلى أن الوحدة التكاملية والتنسيقية تشكل مأمناً ضد الاجهاز على بناء العمل الاسلامي برمته بحيث إذا ما تعرض جانب من جوانبه للمحاصرة فلن يؤدي إلى ضرب كل الجوانب الأخرى في حين أن الوحدة المندمجة تؤدي إلى شل العمل برمته إذا ما تعرضت» الجماعة «للتضييق والمحاصرة.

الهوامش:

ـ

١ـ Subin l ajustement structurel. Maniere de voir n ٢٨

٢ـ Le monde diplomatique. juillet ١٩٩١.

٣ـ Critique de la modernite ، Alain Touraine ١٩٩٢ Fayard

٤ـ Conque te du monde، Le monde diplomatique، Mai ٩٧

٥ـ Conque te du monde، Le monde diplomatique، Mai ٩٧

٦ـ Manie re de voir n ٣٢p. ٤٧

٧ـ Seconde jeunesse pour les comptoirs colonioux، mane re de voir n ٣٢

٨ـ انظر كتاب الاسلام كبديل، د. مراد هوفمان، مؤسسة بافريا للنشر ١٩٩٣.

٩ـ انظر كتاب نهاية التاريخ، فرانسيس فوكوياما.

١٠ـ انظر كتاب العرب والغرب، مقاربة ثقافية في ضوء الازمة الليبية الغربية، محمد شومان، مركز دراسات العالم الاسلامي، مالطا، ١٩٩٢.

١١ـ انظر كتاب إدوارد سعيد الاستشراق ترجمة كمال أبو ديب، بيروت، مؤسسة الابحاث العربية.

١٢ـ Manie re de voir n٣٢p. ٤٩

١٣ـ صورة العرب والاسلام في الكتب المدرسية الفرنسية، الدكتورة مارلين نصر، مركز دراسات الوحدة العربية بيروت ١٩٩٥.

١٤ـ العرب والغرب مقاربة ثقافية، ص ٢٤.

١٥ـ صدر هذا البحث تحت عنوان «الاسلام والعالم العربي، الدليل التربوي للمكونين والاساتذة، قام بإعداده خيما مارتين مونيوس وبكونيا بايي سيمون ومارييا أنخليس لويس براثا تحت عنوان: II Islamy el mundo arabe - Guia didactito para profesores y formadoes

١٦ـ إدوارد سعيد الاستشراق ص ٢٨٧.

١٧ـ العرب والغرب مقاربة ثقافية ص ٢٤

١٨ـ حمادي الرديسي، اللحظة الفلسفية في فهم التحولات العالمية، لوموند ديبلوماتيك الكراس العربي مايو / يونيو ١٩٩٠.

١٩ـ نقلا عن مجلة» المجلة «، لندن.

٢٠ـ غريس هالسل، النبوءة والسياسة، ١٩٩٠.

٢١ـ حوار التواصل المهدي المنجرة.

٢٢ـ جريدة المستقلة من لندن، عدد ١٢٩.

٢٣ـ عن كتاب» إسرائيل الصهيونية السياسية «لرجاء غارودي.

٢٤ـ Manie re de voir n ٣٢p. ٧٥

٢٥ـ Albert Jacquard، J accuse le libe ralisme triompliant

٢٦ـ عدد مارس ١٩٩٣.

٢٧ـ Le monde diplomatique ٧ / ٩٢

٢٨ـ The New York Review Of Books ٣ / ١٠ / ٩٦

٢٩ـ عن د. ليث كبة، صحيفة المستقلة (اللندنية) العدد ١٦٢، ١٦ / ٦ / ١٩٩٧.

٣٠ـ Une strate gie de re sistance، Manie re de voir n٣٢p. ٧٥

٣١ـ La de colonisation culturelle، El Mehdi El Mandjra، Edition walili ١٩٩٦ p. ٢٤٩

٣٢ـ حسب Jean Francois - Pichat، (Les scientifiques parlent) Edition Hachette، Paris ١٩٨٧

٣٣ـ عدد مايو ٩٥ ص ٨٣.

٣٤ـ La recvanche de dieu، Gilles Kipel، Editions du Seuil ١٩٩٠p. ٩٤

٣٥ـ عن صحيفة» الراية «(المغربية) ليوم ١٣ / ٣ / ١٩٩٧.

٣٦ـ رجال ونساء أسلموا» دار القلم الكويت «.

٣٧ـ مقتطفات من حوار مع الدكتور عبد الحميد أبو سليمان مع جريدة المستقلة العدد ١٥٨ / ١٩ - ٥ - ٩٧

٣٨ـ انظر كتاب الاسلام عام ٢٠٠٠ مراد هوفمان.



[ Web design by Abadis ]