ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 حوار مع الدكتور سيد حسين نصر \ ترجمة الدكتور آذرشب

بمناسبة صدور كتاب يضمّ مقالات ومقابلات للدكتور نصر في شتى ميادين المعرفة وخاصة الفلسفة، آثرنا نشر مقابلة أجراها رئيس التحرير مع الدكتور في السبعينات بعد ترجمتها للعربية، لما فيها من معلومات قيمة، وباعتبارها وثيقة من وثائق الساحة الفكرية الايرانية.

 هل يمكن – في رأيكم – الوصول الى فهم حقائق الأشياء عن طريق الفلسفة؟

 إن الحديث في هذا الموضوع يرتبط بمفهمنا الشخصي للفلسفة فإن كنّا نفهم الفلسفة بالشكل الذي شاع في أوروبا خلال القرنين أو الثلاثة الأخيرة فعلى حدّ قول» كانت «لا يمكن الوصول الى هدفنا في فهم حقائق الأشياء وذواتها عن طريق الفلسفة. لكن الوصول الى هذا الهدف يتحقّق عن طرق فلسفة الشرق المقترنة بالاشراق والعرفان. إلاّ أن هذا الفهم غير ميسّر للجميع ولابد أن يكون الفرد على مستوى إدراكيّ خاص لكي يفهم ويصل.

 ماهي نظرتكم الى الشوط الحياتي للانسان؟

 يعيش الانسانُ بين مجهولين كبيرين: الاول بداية وجود والثاني نهاية مطافه، ولايمكن لأية حضارة أن تغضَّ النظر عن هذه المسألة الكبرى إذ إنّ من الامور التي لا يعتريها تغيير أو تبديل هو أن يعيش الانسان بين هذين المجهولين، من هنا فان رسالة الدين والعرفان خالدة خلود هذه المسألة وبقائها، لانها تهدفه إلى أن تعطى جواباً على هذه المسألة الفلسفية المعقّدة: من أين أتينا، والى أين نحن ذاهبون؟ .

نستطيع القول باختصار وتبسيط بأننا من عالم الروح أتينا والى عالم الروح نؤوب. وهنا يطرح السؤال نفسه بالشكل الآتي: إذا كان انبعاثنا من عالم الروح ومآبنا إليه فما هو سبب اجتيازنا لهذه المرحلة الحياتيّة؟ هذا سرُّ كبير من أسرار الخلقة، بيد أنا نستطيع القول بأن حياة الانسان في هذه المرحلة لها غاية إيجابيّة إذ إن اجتياز الانسان لها نضوج وتكامل لنفسه، والغاية النهائية لحياة الانسان هو هذا النضوج والتكامل عينه.

 أية مدرسة فلسفية تركت أثرها فيكم أكثر من غيرها؟

 إن تحقيقاتي وأبحاثي العلمية تدور حول ثلاثة أشخاص هم ابن سينا والسهروردي وصدر المتألهين. إلاّ إن مدرستين فلسفيتين قد أثّرتا فـيَّ أكثر من غيرهما، وهما مدرسة صدر المتألهين في الفلسفة ومدرسة ابن عربي في العرفان. ويجدر بي أن أذكر أن الغزالي ومولانا جلال الدين الرومي كان لهما أثر كبير في حياتي حينما كنت أعيش فترة أزمة الفكر، فالغزالي عاش في عصره أزمة فكريّة تشبه الى حد بعيد هذه الازمة التي يعيشها كثير من المفكرين اليوم، وبعبارة أخرى فان الغزالي نتيجة لمطالعاته العلمية والفلسفيّة اعترته شكوك في الدين هزّت كيانه، وما عادت لهذا الرجل المستقيم القدرة على الحياة، وفعلا فقد اعتلّت صحته ومرض، وماكان منه إلاّ أن يتّجه الى العرفان والتصوّف ليجد ثانية» اليقين «الذي افتقده.

 هل يمكن تطبيق جميع أحكام الاسلام في ظروفنا الراهنة؟

 إن الشريعة الاسلامية وخاصة مدرسة أهل البيت (ع) خالدة على مرّ الزمن، والاسلام قد أخبرنا من قبل أنّ عصوراً ستأتي يتزلزل فيها كيان الدين والاخلاق والانسانية.

إن الاسلام في أحكامه وأفكاره لم يأت لكي يستسلم للزمن وتقلّبات الظروف بل إنه يبتغي أن يتحكّم في الزمن ويصنع الظروف. كثر الحديث في هذه الأيّام عن تحوير الاسس الاسلاميّة لجعلها مناسبة ومطابقة مع الزمن، ولكن ترى مع من ينبغي أن يكون هذا الزمن مناسبا ومطابقا!؟ وهنا نصل الى نقطة دقيقة في البحث الفلسفي، فلماذا تتصاعد اليوم صيحات المطالبة بحريّة الانسان؟ أليس من الافضل إذن أن نستسلم الى نظرية المادية الديالكتيكية وماشابهها من الفلسفات الجبريّة ونقول إن العامل الذي يتحكم في الانسان ويقرّر مصيره هو المادة أو التاريخ؟ لكن الحقيقة غير هذه، الانسان حرّ وهو الّذي يتحكم في الزمان، وما أجمل ماقاله في هذا الصدد فيلسوف فرنسي: » إن الأفراد العاديين يستسلمون لزمانهم والأشخاص العظام يصنعون الزمان «.

تصوّروا لو أن الايرانيين قبل ٧٠٠ سنة كانوا يفكرون في مسايرة الزمن بثقافتهم ودينهم ولغتهم وأفكارهم لكان ينبغي أن يصبحوا في أعقاب الهجوم المغولي بوذيين أو شامانيين، لان الزمن كان يفرض عليهم أن يكونوا إمّعه ! وعلى هذا فالمسألة ينبغي أن تطرح بشكل آخر هو: إننا نحن… المسلمين كيف نستطيع أن نصنع زماناً وظرفاً ينسجم مع أصولنا وأحكامنا؟

ولعلّ هؤلاء الذين اتخذوا – السفسطة – طريقاً في الحديث والتفكير يعترضون علينا، ويطرحون تساؤلاتهم بالشكل الآتي: كيف تنهونا أن نكون مقلّدين؟ كيف نستطيع أن نتخلّى عن استعمال الطائرة والسيارة والقطار لنسافر بعدها على ظهور الابل؟

هذه كلمة حق يراد بها باطل، حقا لا يمكن التخلّي عن امتطاء وسائل المدنية الحديثة لنسافر بعدها على ظهور الابل، ولكننا غير مضطرّين لأن نتناسى فنّنا مثلاً ونلتجيء الى فنون الغرب، ونبدّل مافي بيوتنا من نتاج التذوق الاسلامي الخاص بآخر غربي أوروبي. إذا كنا نحن أصحاب حضارة مؤهلة فاننا نستطيع أن نحملها الى سائر الأمم كما فعلت ذلك إحدى الدول الآسيوية وهي اليابان. صحيح أن اليابانيين على أثر سقوطهم ونتيجة العوامل التاريخية التي كانت خارجة عن إطار إرادتهم سلكوا اتجاها جديداً، ولكن بعض مظاهر حضارتهم كانت بدرجة من القوّة والأصالة بحيث استطاعت أن تنفذ الى أمريكا، كما نلاحظ ذلك في الفن المعماري الياباني، إذ إننا اليوم – دون أن ندري – نقلّد أمريكا في فنّ العمارة لنصنع بيوتنا على الطراز الياباني أو كما نلاحظ ذلك مثلا في تمسّك اليابانيين ببعض العادات والتقاليد الخاصّة بهم كالجلوس على الأرض وارتداد الأزياء القوميّة، ولعمري فان لهذه أثراً أكبر مما يفكر به عامّة الناس في معنويات أمّة من الامم.

إنّ الكثير مما يتحدث به الناس اليوم عن ضرورة تقليد الغرب بحجّة مسايرة الزّمن ليس إلاّ ضعف في المعنويّة وإحساس بعقدة الحقارة التي تواجهها الاكثرية في قبال الغرب.

إن الطامّة الكبرى هي أننا لا نعرف الغرب، وإذا كانت لدينا المعرفة الكافية في ذلك لأدركنا بوضوح مايواجهه الغرب من مشاكل معنويّة وفقر فلسفي وأخلاقي، وهذه المسألة يدركها الشباب الغربيون أنفسهم حين راحوا يتوسلون بعرفان كاذب ليصبحوا» هيبيين «، لو أدركنا نحن هذا الضعف والفقر الذي يعانيه الغرب لما تلقينا فكره وكأنه وحي منزل ينبغي أن يسود ويفرض بحجة مسايرة الزمن.

 إننا نلاحظ ان المرأة خلال قرون طويلة كانت مستغلّة من قبل الرجل، والاسلام قد أعطى للمرأة حقوقها، إلاّ أن الواقع يشهد أن هذه الحقوق قد اغتصبت وعاد الكثيرون يعتقدون أن الاسلام دين الرجل، فما هي وجهة نظركم في ذلك؟

 إننا نلاحظ أن الاهداف التي يرسمها البشر لا يمكن أن تتحقق بصورة كاملة تامّة فكيف بالاهداف السماوية! فالمسيح (ع) قال لامّته: » اذا صفعك إنسان على خدّك الايمن فأدر له خدّك الايسر «ولكن هذه المدنية المسيحية نفسها هي التي سجّلت أعظم الأرقام في التقتيل والتدمير. وليست تعاليم الاسلام مستثناة من هذه القاعدة. أما مقولة – إن الاسلام دين الرجل – فينبغي أن نقول إن الحضارات الآسيوية والأوروبية القديمة كانت كلها تعطي للرجل مسؤولية القوامة كما نلاحظ ذلك في حضارات الصين والهند واليابان فانها تشترك مع الاسلام في كونها تعطي للرجل حقوقه التي تناسبه كرجل وللمرأة ما يناسبها أيضا، أي أعطت للجنسين كلُّ حسب نفسيته وطبيعته.

أما مسألة – الاستغلال – فلابد أن أقول إن المرأة الغربية مستغلة اقتصاديا وجسديا أكثر بكثير مما هي عليه في البلدان الاسلامية، إن حقوق المرأة الاقتصادية في كثير من بلدان الغرب أقل بكثير مما تتمتع به المرأة في كل العالم الاسلامي. إن المرأة الاوروبية – في الحقيقة – بدأت تشعر باحتقار الرجل منذ أن استمثرت اقتصاديا وازيلت الفوارق الاجتماعية بينها وبين الرجل، فحينما كان الهدف الاكبر للمرأة هو أن تصبح أماً وزوجة وربّة بيت ومربيّة طفل لم يكن للمرأة أساساً أي إحساس بالضعف قبال الرجل، ولكن المجتمع حين سار في طريق تفضيل كاتبة الطابعة على ربّة البيت فلابدّ حينئذ للمرأة أن تقول بأن حقها في مهنة ضرب الطابعة أقلّ من الرجل، ومن هنا احتدم بين الطرفين تنافس حاد، وكان لهذا التنافس أضراره وأخطاره لانه يعني نشوب صراع بين جبهتين يشتركان في تكوين كيان المجتمع، لكن الاسلام شأنه شأن سائر المدنيات القديمة في آسيا وأوربا يهدف الى إيجاد الانسجام والوفاق بين المرأة والرجل.

إن الكثيرين لا ينتبهون الى مسألة مهمة أقرّها الاسلام في مساواة المرأة مع الرجل في حقوقها تجاه رب العالمين، أي إن المرأة والرجل سيّان في الثواب والعقاب في الآخرة، وهذه مسألة في غاية الأهمية، إذ إن بعض الحضارات – كالمانويّة في إيران مثلاً – لم تعط حق الخلود للمرأة حيث تعتبرها وليدة الشيطان وليس لها روح تستحق الخلود. وكان دور الاسلام الخطير أنه وضع المرأة الى جنب الرجل في وظائفهما الدينية التي هي غاية الحياة، ثم اقرّ اسس الروابط والعلاقات المشتركة بين الطرفين.

إن الاسلام حمى شخصية المرأة وكيانها بشكل لا تفهمه مجتمعاتنا اليوم، وكانت نقطة البداية في هذه الحماية تتمثل في تهيئة الظرف المناسب للمرأة كي تكون عفيفة طاهرة. وهذه المسألة لها أثر كبير على روحية المرأة ونفسيّتها، إذ بين سلامة نفسيّة المرأة وبين عفّتها علاقة كبرى، فكل المجتمعات تستنكر على الزانية فعلتها لأنها لا تعرّض جسدها الى التلف فحسب بل إن نفسيتها هي الاخرى سوف تواجه تحطيما وانهيارا. يصعب جداً – بل يستحيل – على المرأة الاوروبية اليوم أن تحافظ على عفتها، لان – تزويجها – وهو مرحلة ذات اهمية بالغة في حياة المرأة، يقع هناك تماما على عاتقها، ولا تلتزم عائلتها بذلك أبدا، ولا تستطيع أن تجد لها طرقا لتحقيق هذه الغاية سوى أن تبيع نفسها في أرذل أسواق التجارة لتجد الزبون الذي يطلب يدها. أي إنها يجب أن تقوم بأعمال تكلّف نفسيتها ومعنوياتها ثمناً باهضاً، في حين أن المرأة في الشرق ليست مرغمة لان تقوم بهذا الدور.

 التقيت ببعض الشباب الذين يرفضون الالتزام بشدّة، ولكنهم يرون أن الايمان ضرورة، فيقولون مثلا نحن نؤمن بذواتنا. فماهو رأيكم في ذلك؟

 إن الخطورة في الايمان بالذات تكمن في أن هذه» الذات «نفسها تتزلزل أحيانا، والباخرة التي تشرف على الغرق لا تستطيع أن تلقي مراسيها عند نفسها بل لابد من أرض صلبة تلقى عندها هذه المراسي كي تأمن الغرق، وكذا النفس الانسانية لابد لها من أرض صلبة تتكأ عليها لتنجو من الطوفان. إن النفس الانسانية مرنة رقيقة تهتزّ بشدّة عند هبوب الرياح. وهنا تبرز أهمية الايمان بشيء خارج عن الانسان ليستطيع أن يتكأ ويستند عليه. لابد للانسان أن يؤمن بذاته، لكن هذه الذات الرقيقة تحتاج لان ترتبط بما ورائها من واقع.

من هنا نفهم أن مقولة الاكتفاء بالايمان بالارادة فحسب ليس بصحيح إطلاقا، نعم المستحسن جدا أن يؤمن الانسان بارادته، إلاّ أنه حينما يتخلّى عن الايمان بالحقيقة الكبرى الخارجة عن ذاته فستغدوا حياته صعبة لاتطاق. نحن نرى الذين ينسلخون عن الايمان بالدين يذهبون ليصنعوا لهم إلها كاذبا» كالمجتمع «و» المستقبل «وغيرها من الاصنام التي صنعها البشر لكي يتعبدها في العصر الحديث. لايمكن في الحقيقة أن نرى إنسانا يؤمن بذاته فقط بل لا بد له من أن يصنع نصب عينيه حقيقة أكبر من ذاته يؤمن بها ويتعبد لها. وإذا استطاع إنسان أن ينطوي على ذاته فستبرز في كيانه» وجودية «جديدة، إذ سيخيّل إليه أنه جزيرة منعزلة عن كل شيء، بعيداً عن المجتمع وعن الطبيعة وعن الله بل عن كل وجود يستطيع أن يرتبط به الانسان. وعندها يذهب هذا الانسان ليبحث عن حقائق أخرى غير اعتياديّة، كما نشاهد الاتجاه السائد اليوم في الغرب للبحث في التجارب العرفانية والعزلة وفي أديان الشرق، ويجدر القول إن هؤلاء الباحثين عن هذه الحقائق لايمكن أن ينالوها بسهولة لان العرفان لا ينفك عن الضبط والالتزام، ولايمكن الوصول إليه عن طريق تناول الحبوب، ولا عن طريق الاستعانة بمرشدين كاذبين يخالون أن

ّ

هم يلقّنونهم شيئاً.

إن أحسن وصف للانسان هو أن يقال عنه أنه حيوان» معنوي «فكما أنه لا يستطيع أن يعيش بدون هواء، كذلك تبدو حياته مستحيلة بدون معنويّات. بناء على هذا لا يمكن القول باستحالة وجود إيمان خال من دين، إذ ستكون نتيجة هذا انعدام وجود شخص ليس له دين، ولكن ينبغي أن يقال إن هذه الحالة لايمكن أن يكتب لها البقاء.

 يعتقد بعض الباحثين الاجتماعيين أن الاخلاق والفن كافيان لضمان سعادة البشرية، ولا ضرورة لعامل الدين. فما هي وجهة نظركم في هذا المعتقد؟

 أعتقد أن القرن العشرين قد أعطى جواب هذا التساول، أي إنه بيّن أن لا وجود للاخلاق دون فلسفة معينة أو ميتافيزيقا. ماهي الاخلاق؟ إن هذا الذي يدعى اليوم في الغرب باسم» الاخلاق الاجتماعية «هو من بقايا المسيحية، إذ إن المسيحية خلال ٢٠٠٠ عام قد نهت عن قتل النفس واليوم يستنكر جميع الناس هذه الفعلة، ولكن ينبغي أن نتساءل عن سبب شناءة قتل النفس، لم ينبغي أن لا يقتل الانسان؟ هذه هي نفس المسألة التي أثارها» دوستويفسكي «في كتابه» الجريمة واعقاب «ليصل الى نتيجة هذا السؤال. فبطل القصة يقتل فردا ليسأل نفسه بعدها عن سبب بذاءة القتل والجريمة. إذ ليس له دليل يقنعه بضرورة الاعراض عن هذا العمل. ولهذا فاننا نقول بأن تجربة القرن العشرين ومآسيه التي لم يسجّل مثيلها التاريخ من قبل تثبت أن الاخلاق لايمكن حمايتها حينما تتزعزع أصول الدين والايمان.

 لما كان في اعتقادكم أن الايمان والدين ضروريان لسعادة الانسان واطمئنانه، فكيف نستطيع أن نوجّه الشباب نحو الاعتقاد والايمان؟

 البيت، والتربية العائلية، والتدين الواعي للام والاب، وكذا وسائل الثقافة والاعلام كالمذياع والتلفزيون والصحف والمجلات وغيرها، ثم طرق التربية والتعليم كلها لها الأثر البالغ على الفرد. إن الذي نحن في مسيس الحاجة إليه اليوم هو تربية فئة تفهم الحضارة الغربية بعمق من جهة، ومن جهة أخرى تفهم الحضارة الاسلامية بعمق وشمول تام، لتستطيع أن تبحث في تراثنا المعنوي والاخلاقي الضخم، وتعيد النظر فيه وتفسّره من جديد. لكن الذي يؤسف له هو عدم وجود تخطيط منظم لتربية مثل هؤلاء الأفراد، والذين كتب لهم أن يحوزوا على مثل هذه التربية كانت الصدفة وحدها هي التي ساعدت على إيجادهم ولم يكونوا حصيلة منهج تربوي منظم.

 ما هو رأيكم في الطريق الذي انتهجته بعض الدول الاسلامية في إبعاد الشباب عن مظاهر الحضارة الغربية لينموا في انفسهم روح الايمان والعقدية؟

 إن ظروف هذه الدول تختلف عن إيران. إذلهم روابط ضيقة ومحدودة مع الغرب، وليس من الصحيح طبعا أن نلقي فرداً في اليمّ لنتركه يصارع الامواج داعين مصيره مرتبطا بقدرته على السبّاحة فإن أجادها نجي وإلاّ فلات حين مناص، إذ لابد من تعليمه السبّاحة أولاً وبعدها تسلّمه إلى أمواج البحر. وعلى هذا فاني أرى ضرورة قيام سد بيننا وبين الغرب ريثما نستطيع أن نربي جيلا يدافع عن دينه وثقافته وحضارته. فتلك هي الوسيلة الوحيدة للدفاع.

 يف تفسّرون الافكار الالحادية وفقدان الثقة المنتشرة بين بعض الشباب؟

 الانسان في حالته الطبيعية يؤمن بضعفه ونقصه، وكذا يؤمن بكمال الله وانه تعالى مصدر كل خير، أما إذا اعترى الانسان الكبر والغرور فلا يرى في نفسه سوى الحسن والخير، وعند ذاك يتجه ليتساءل عن مصدر الشر، ويؤدي به بحثه إلى اتهام الذات المقدسة، وكل الحركات اللادينية بدأت من هذه النقطة. فبدلا من أن يبحث هذا الانسان عن ضعفه ويسعى لإصلاحه، نراه ينسى هذا الضعف ليوجه سعيه الى إصلاح الآخرين. إن الانسان الحديث يريد أن يصلح كل شيء إلاّ نفسه. يريد أن يصلح الدّين والفلسفة والمجتمع ولكنه غير مستعد يصلح نفسه، إن الفرق بين العارف والشكّاك اليوم ينحصر في أن العارف يقول بأن الانسان يجب أن يبدأ باصلاح نفسه أولا، وحينما يبدأ بهذه العملية ستكون كل أعماله بعدها صالحة كالقلم الاخضر الذي يترك اخضراره في كل مكان أثر فيه. وحينما لم يتم بعد هذا الاصلاح الذاتي فسيكون كل إصلاح ناقصا حتى ولو كانت تحدوه النوّايا الطيّبة.

أما الشكّاك فانه يجدّ السعي للاصلاح دون أن يتوجّه لاصلاح نفسه، غير مدرك بأن كل مايؤديه من أعمال ملوّث بهذا النقص.

انا آسف للشباب الذين لا يرومون الهداية، وأؤكّد في الوقت نفسه أن الانسان مسؤول دائماً، فهو حرُّ في اختيار الطريق الذي ينتخبه. وهذه المسؤولية الانسانية لايستطيع أن ينكرها إنسان شاباً كان أم شيخاً، إذ لا يستطيع أن يختار طريق الانحراف ليلقي تبعة ذلك على الآخرين.

 إن الثقافة الاوروبية قد تمخضت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وفي القرن العشرين عن فلسفات تخالف المدرسة العقلية الاستدلالية كالمدرسة الوجودية ترى ماهي العوامل التي أدت الى ظهور مثل هذه الفلسفات في الثقافة الاوروبية؟

 إن أية مدرسة فلسفية أو أي اتجاه فكري له جذور تاريخية عميقة تمتد في أعماق الحضارة التي أنجبت تلك المدرسة الفلسفية، أو ذاك الاتجاه الفكري.

ولو أردنا أن نعرف أسباب ظهور الوجودية، فلابدّ لنا من الرجوع الى تاريخ الفلسفة والدّين في أوروبا.

فالمسيحية التي صنعت حضارة أوروبا منذ القرنين الثالث والرابع الميلاديين قد نظرت الى الانسان باعتباره إرادة مزودة بالعقل، وهذه الارادة تستطيع أن تكفّر عن» الخطيئة الاولى «التي تلاحق الانسان عند ما تتجه نحو السيد المسيح.

لقد أكدت المسيحية منذ أيامها الاولى على أن عقل الانسان لا يستطيع أن يمارس نشاطه بشكل صحيح مالم يتجه نحو المسيح ويستلهم من بركاته. ومن هنا فان كبار فلاسفة المسيحية كانوا يؤكدون دوماً على أن الانسان ينبغي أن يؤمن أولا ومن بعد ذلك يتعقّل. وعبارة القديس أنسلم St. Anselm فيلسوف القرن الحادي عشر معروفة في اللاهوت المسيحي، ويقول فيها: » آمنوا أولا ثم تعقلوا «.

هذا التصور المسيحي للانسان كان أقوى وأعمق من أن تزيله النهضة الاوروبية أو الحركات الفلسفية المعادية للدين في أوروبا. إن المفهوم الاوروبي للانسان لايزال في الواقع هو نفسه المفهوم المسيحي لكنه خال من التعاليم المسيحية ومن الطابع الملكوتي. وبعبارة أخرى لايزال الانسان في المفهوم الاوروبي موجوداً ذا إرادة بالدرجة الاولى وصاحب عقل وقوة استدلال بالدرجة الثانية، ولهذا فان الاوروبيين يطلقون على مدارس الحكمة والعرفان التي تريد الوصول الى الحقيقة عن طريق العقل اسم» العرفان أو التصوف الطبيعي «مقابل ما يسمونه» العرفان الميتافيزيقي أو الديني «.

ولقد جاء عصر النهضة الى أروبا في وقت كانت تعاني الحكمة المسيحية والعرفان المسيحي من ضعف واختلاف. إذ إن علم الكلام المسيحي بدأ في القرن الرابع عشر بانكار قدرة العقل على درك الامور الكلية، ولو ألقينا نظرة على دراسات المتكلمين المسيحيين في القرن الرابع عشر أمثال» آكم «و» نيكلاد تركور «و» ارهم «لالفينا العقل قد أبعد عن ساحة العلم الالهي، ولم تفلح محاولات» القديس أوغسطين «ومن بعده» تومانس الاكويني «في إيجاد تنسيق بين الايمان والعقل. إن العالم الفرنسي» جيلسن «يسمي فترة أواخر القرن الرابع عشر باسم عصر الثيولوجية، أي العصر الذي قضى فيه اللاهوت المسيحي على أصالة الفلسفة. ومن هنا فان نهضة أروبا كانت مصحوبة بنوع من الشك الفلسفي. سعت النهضة الاوروبية الى نفي الطابع اللاهوتي عن الانسان المسيحي لجعله موجوداً أرضيا فقط، وسعت أيضاً الى توطين الانسان على هذه الارض الترابية، بعد ما كان الفرد المسيحي يعيش حالة غربة إزاء هذا العالم. وبشّرت النهضة بعد ذلك بأن الانسان كائن طبيعي خلافاً لما كانت تبشّر به المسيحية عن الانسان بكونه ظل الله في الارض.

إن النظرة التي حملتها النهضة الاوروبية كان لها أكبر الاثر في دفع الانسان الاوروبي نحو فتح البلدان والسيطرة على الشعوب الاخرى. وجاءت هذه الفتوحات لتدعم ما بشرت به النهضة. فتطلّع الانسان الاوروبي، خلال عصر النهضة (١٤٥٠ - ١٦٠٠)، الى القارات والنباتات والحيوانات المختلفة، قد كسر طوق وحدة العالم المسيحي، وقوّى الذهنية المادية الطبيعية للانسان في القارة الاوروبية، وهذا أدّى الى ظهور بوادر لمدرسة أصالة الاستدلال أو» الراسيونالية «.

ينبغي أن نؤكد هنا على أن العلوم الطبيعية كالرياضيات والفيزياء كانت في عصر النهضة لاتزال تحمل طابع القرون الوسطى، فخلافاً لما يذهب اليه الكثيرون، كان أكثر علماء عصر النهضة ذوي صبغة عرفانية ومن المولعين بالعلوم الغريبة، لكن هذه التطورات أدّت بالتدريج الى ظهور نوع من قوة الاستدلال (Raison) لدى الانسان الاوروبي.

وعلى أثر الشك الفلسفي الذي امتازت به النهضة الاوروبية ظهر في القرن السابع عشر يقين فلسفي نسبي على يد ديكارت.

لكن هذا اليقين الفلسفي لم يكن قائماً على أساس نظرة كلية للانسان، بل إنه كان قد حدد الانسان في إطار الاستدلال، فالحقيقة في نظر» ديكارت «مبنية على أساس تعقله الشخصي الذاتي، فهو قد وضع عبارة» أنا افكر «أساساً لمفهوم تال هو» أنا موجود «وهو بذلك أزال المفهوم الكلي العام للوجود، هذا المفهوم الذي كان يصور وجود الانسان كبارقة ومرتبة من هذا الوجود الكلي، ووضع الوجود الفردي والبشري معياراً لفهم العالم الخارجي.

إن ديكارت، وإن لم يستطع أن يحدث تغييراً شاملاً في معالم الفلسفة، لكنه بدأ طريقاً هو في نظره مؤسف، قد جرّ الفكر الاوروبي الى مأزق حرج، يعاني منه اليوم أشد المعاناة.

صحيح أن أرسطو كان هو الآخر استدلالياً لكن» الوجود «في مفهوم أرسطو يعني واقعاً كلياً هو ماوراء الفرد وأفكار الفرد، بينما يأتي ديكارت ليرسي قواعد المدرسة الاستدلالية وليضع من العقل الاستدلالي أساساً لتحقيقه ومعياراً لدرك الواقع.

طوت الفلسفة الاوروبية مسيرها على النحو الذي حدّده ديكارت حتى القرن الثامن عشر، ونرى خلال هذه الفترة محاولات من أمثال» لايب نيتز «لتغيير مسار هذه الفلسفة، كما أن تاريخ الفلسفة يحدثنا أن الفلاسفة التجريبيين الانجليز أمثال» لاك «و» هيوم «حاولوا إعادة النظر في نظرية ديكارت وفي حدود هذه النظرية.

إن الدور الكبير الذي لعبه» كانت «في الفلسفة الاوروبية يتلخّص في تعيين حدود نظرية ديكارت وتشخيص هذه الحدود، مؤكداً أن» قوة الاستدلال لا تستطيع أن تجاوز هذه الحدود «.

عندما تم تعيين حدود المدرسة الاستدلالية، كان لابد من خروج على هذه الحدود، إذ إن الفكر الانساني لا يعرف حدوداً ولا قيوداً. ففي أعماق الانسان نفخة من روح الله، ولما كان الله غير متناه، فالانسان هو الآخر ينشد اللانهاية، وهو بذلك لا يرضى بالحدود والقيود في حياته وفي فكره.

ومن هنا كان ردّ الفعل إزاء حدود الاستدلال التي فرضها الفلاسفة الانجليز حتمياً.

إضافة الى ماتقدم، فان الفلسفة الاوروبية – في تلك الفترة – قد اتخذت طابعاً جافاً بعيداً عن واقع الحياة والتطور وعن الاحتياجات الانسانية التي لا علاقة لها بالفكر والاستدلال.

كانت فلسفة القرن الثامن عشر مغمورة في المفاهيم الذهنية وبعيدة كل البعد عن العواطف والاحاسيس كالحب والخوف والتخيّل التي تفوق في أهميتها المسائل الذهنية المجردة.

هذان العاملان، عامل التحديد وعامل الجفاف في الفلسفة، كانا الباعث على ظهور رد فعل شديد في القرن التاسع عشر تجاه المدرسة الاستدلالية. واتخذ ردّ الفعل هذا صوراً متعددة:

فهيغل، وإن كان يعتبر نفسه استدلالياً مطلقاً، إلا أنه نقل الاستدلال من شكله الثابت غير المتغير الى صورة متغيرة بتغير الزمان والمكان. وبهذه الطريقة فانه نفي إمكان الوصول الى الحقيقة عن طريق منطق ثابت وغير متغيّر.

وفلسفة ماركس نوع آخر من ردود الفعل، وهي في الحقيقة مسيحية مقلوبة من دون إله. إنها فلسفة لا تقوم على العقل المحض، بل تبتني على أساس أصالة الوقائع التاريخية، وهي نوع من الحب البشري الذي هو نفسه الكرامة المسيحية او ماتسمى» شاريته «لكنها بدون قيم دينية.

وللماركسية بعد ذلك معاد يتمثل في المستقبل» الذهبي «ولكن هذا المعاد ليس سماوياً ولا ملكوتياً. الماركسية في الواقع كاريكاتور للمسيحية.

أما النوع الثالث من ردود الفعل فهو» الوجودية «التي تحاول الإجابة عن هذه المسألة الملحّة.

إن المدرسة الوجودية ظهرت على يد شخص لم يكن معروفاً في عالم الفلسفة قدر ماكان مشهوراً كمبلغ ديني وهو» كيركجارد «.

وكان اتجاه هذا المبلغ الديني الدانيماركي يعتبر رد فعل شديد لافراط المدرسة الاستدلالية في طابعها الانتزاعي البعيد عن حياة الانسان واحتياجاته الواقعية خلال القرن الثامن عشر.

لقد جاء كير كجارد ليقول بأننا لسنا في حاجة الى المسائل الانتزاعية والذهنية الصرفة، بل إننا بحاجة الى ممارسة الامور الحياتية العقلية التي تواجهنا في هذه اللحظة.

إن كير كجارد قد فتح بكتاباته أبواب المدرسة الوجودية، وهو في الفلسفة كداستويفسكي في الادب، من أساطين القرن العشرين.

حتى قيل عن كيركجارد وداستويفسكي بأنهما رواد النهضة الحديثة في القرن العشرين.

والفيلسوف الالماني نيتشه كان لـه رد فعل الآخر، وكان شاعراً أكثر من كونه فليسوفاً، إنه حين قال: » إن الله قدمات «فان مقولته شاعرية لا فلسفية، وكان يشير بها الى خواء الفكر الاوربي من المعنى المطلق المتسامي.

إن مواقف هؤلاء جميعاً، سواء داستويفسكي في الادب. أو نيتشه في الفلسفة الالمانية، أو كير كجارد كمبلغ مسيحي كانت كلها ردود فعل تجاه فلسفة المدرسة الاستدلالية التي بدأت بديكارت، ووصلت الى مأزقها على يدهيوم وكانت.

وحينما نصل الى القرن العشرين نرى أن فوضى فكرية عميقة تجتاح الحياة المعنوية والفكرية للانسان الاوربي، وسبب هذه الفوضى يعود الى الحربين العالميتين، والى ذهاب الآمال والاحلام التي كانت تساور ذهن الناس في أوروبا خلال القرن التاسع عشر.

لقد كان الانسان الاوروبي قبل الحرب العالمية الاولى واثقاً من مدنيته وحضارته، وكان ينظر الى القيم الاوروبية في القرن التاسع عشر خاصة» التقدم «بعين التقديس. بل هو على استعداد لأن يقتل ملايين الصينيين والهنود، وأن يغيّر جميع مقوماته الفكرية والتاريخية والفلسفية والدينية باسم التقدم، ومع أن هذا الانسان كان يجهل المسار الذي يسير فيه التقدم، إلا أنه مع ذلك كان يؤمن بعمق بوجود هذا التقدّم.

لكن هذه الآمال والاحلام قد ذهبت أدراج الرياح في القرن العشرين حينما أبادت الحرب عدة ملايين من أبناء البشر، وكان أكثر القتلى من الدول التي كانت تعتبر نفسها أرقى دول العالم، وعندها طغت موجة من الشك في مسيرة الحضارة الاوروبية وهدف هذه الحضارة.

إن الماركسيين تشبثوا بأدلة ديالكتيكية لاثبات وجود التقدم ولتعيين هدف مسيرة هذا التقدم، لكن عدداً كبيراً كانواً يرون أن المسألة ليست اقتصادية فحسب، بل هي أيضا مسألة نوع من التغيير في القيم الفلسفية والدينية الاوروبية. إن اتجاه هذا العدد الكبير قد قوي بين الحربين الكونيتين، واشتد بعد الحرب العالمية الثانية.

لقد ظهرت الوجودية في الواقع الاجتماعي كرد فعل أخلاقي واجتماعي، ولم يكن لها أية علاقة بالمفاهيم الفلسفية فجيل الشباب رآى نفسه أنه يتصرف خلافا للقيم التي تلقاها من آبائه ومجتمعه، ومن هنا فانه أحس بنوع من الرياء والازدواجية، وهذه الازدواجية دفعته لان يرفض جميع القيم والمثل والاخلاق، وهذا ما نشاهده في حركة» الهيبيين «وأمثالها في أمريكا وبريطانيا.

ومع أن مشكلة الفقر قد زالت بعد الحرب العالمية الثانية، الا أن مثل هذه الحركات قد استمرت في البقاء، أي إن ثمة أفراداً لم يعودوا يقبلون مُـثُل المسيحية وقيم مجتمعهم وأعرافه.

أما من الناحية الفلسفية فإن هذه المسألة تضحى أعقد، فالوجودية الفلسفية قد اتخذت في ألمانيا وفرنسا شكلين متباينين. ففي المانيا بدأ هذا التيار على يد هوسرل Husserl مؤسس المذهب» الفينومينولوجي «، ثم حاول من بعده تلامذته أمثال هايدجر وياسبرز يرسون الاسس الفلسفية للوجودية.

إن هايدجر حين قال: » إن الفلسفة بدأت بأفلاطون واختتمت بي «لا تخلو من صواب. فلو استعرضنا مفهوم الوجود منذ أن بدأ يتحدد في القرون الوسطى حتى أضحى مفهوما ذهنياً صرفاً، فاننا لا نتجاوز عصر هايدجر. وبذلك فان الفلسفة قد اختتمت به.

إن الفلاسفة الوجوديين الالمان، وإن لم يلتفتوا الى معنى الوجود كما هو عليه في حكمة الشرق وعرفانه، فانهم سعوا ضمن الاطار الذي حدده تاريخ فلسفة أوروبا، أن يضعوا لفلسفتهم بعداً سامياً ينطلقون منه نحو تحديد قيم جديدة للانسان وللمجتمع الانساني.

أما في فرنسا فان هناك نوعين من الوجودية: الوجودية الدينية ورائدها على ما يبدو» جايريل مارسل «الكاتب الفرنسي المعروف، والوجودية اللادينية، وزعيمها سارتر وأتباعه.

ومن الخصائص الهامة لرواد الوجودية هي أنهم على الاغلب أدباء ونقاد اجتماعيون، ومؤلفاتهم لها قيمة فنية وأدبية، فكل ما كتبوه من مقالات نقدية وأشعار وقصص وروايات إنما سعوا من خلالها الى أن يمنحوا الفلسفة طابعاً أدبياً وفنياً يرتبط بحياة الناس وعواطفهم ومشاعرهم.

والفرق بين الاتجاهين الوجوديين هو أن مارسل وأمثاله يقولون إن الانسان وحيد قد انقطعت علاقاته مع العالم الآخر ومع الله، ويذهبون الى أن الوجود هوة وفاصلة كبيرة، ولابد للانسان – إن اراد أن يحقق وجوده ككائن حي – أن يتجاوز هذه الفاصلة نحو الوجود السامي.

لكن سارتر وأتباعه يعتقدون أن قيمة الانسان تكمن في تحمل هذا» اللاوجود «، أي أن يتحمل مسألة كونه موجوداً وحيداً لا يمكن له أن يتصل يو ماً بأحد، والشيء الهام الوحيد هو حفظ القيم البشرية، بازالة الظلم وأمثاله.

ومن هنا فان أكثر الوجوديين السارتريين هم من اليساريين والماركسيين، فهناك أفراد هم ماركسيون من الناحية السياسية، ووجوديون من الناحية الفلسفية.

 يترجم بعضهم كلمة» الاكزيستانسيالية «بكلمة الوجودية أو أصالة الوجود، ولدينا في الفلسفة الاسلامية بحوث حول» الوجود «و» أصالة الوجود «فهل هناك علاقة بين ما تبحث عنه الفلسفة الاسلامية وما تدور حوله فكرة الاكزيستانسيالية؟

 أعتقد أن ترجمة الاكزيستانسيالية بكلمة أصالة الوجود، ترجمة خاطئة تماماً.

إننا حينما نستعمل كلمة الوجود في الفلسفة الاسلامية فإننا لانقصد المفهوم الذهني لهذه الكلمة فقط، بل نريد بها واقعاً عينياً شاملاً لجميع الاشياء بما فيها وجودنا نحن، وجميع الفلاسفة الاسلاميين، المشائيين منهم أو الاشراقيين أو أتباع الملاّ صدرا، يعتقدون بوجود مصداق عيني لمفهوم الوجود، والفرق بينهم هو أن الملاّ صدرا وأتباعه يعتقدون بأصالة الوجود ووحدته، ويقولون إن هناك» وجوداً «واحداً ذا مراتب، بينما يؤمن حكماء الاشراق بأصالة الماهية ويعتبرون وجود الاشياء عارضاً عليها، ويقولون إن الوجود الاصيل المستقل خاص بالله تعالى.

نحن – إذن – حينما نعبّر بكلمة» أصالة الوجود «فاننا نقصد المفهوم المتداول لدى الفلاسفة المسلمين الذين يعتقدون أن لمفهوم الوجود مصداقاً خارجياً، والوجود هو الذي يمنح الواقعية للاشياء لا ماهيتها، وهذه المسألة أكد عليها وبيّن معالمها صدر الدين الشيرازي وأتباعه في إيران.

» أصالة الوجود «تعني الفلسفة القائلة بأن هناك واقعاً شاملاً هو الوجود، وجميع الاشياء هي مرتبة ومظهر لهذا الوجود الشامل الذي لا يخرج عنه شيء. وهذا المعنى كما هو واضح يختلف كلّ الاختلاف عن الاكزيستانسيالية.

إن الاكزيستانسيالية أو الوجودية ظهرت كما قلنا في أوروبا حينما زال مفهوم الوجود كواقع مطلق خارج الذهن الانساني – كما كان معروفاً في فلسفة ثوماس الاكويني أو لايب نيتز – ولم يبق هذا المفهوم إلا في لاهوت الكنيسة الكاثولكية، الا أن فلاسفة أوروبا كانوا قد ابتعدوا منذ أمد طويل عن هذا المفهوم.

إن كلمة» أكزيستانس «التي اشتقت منها الاكزيستانسيالية تعني حياة فرد، وفي أعلى مراتبها تعني وجود فرد، لا بالمعنى الواسع الذي يشمل وجودنا نحن أيضا. وحتى الوجوديون الدينيون الذين يعتقدون بوجود الاله أمثال مارسل، فانهم يقولون بوجود هوة وفاصلة بين» وجود الانسان «و» وجود الاله «وهم يقصدون من الوجودية وجود الانسان فقط.

أعتقد أننا ينبغي – على الاقل – أن نطلق على الاكزيستانسيالية الفرنسية اسم أصالة الحياة لا أصالة الوجود، لان هذه الكلمة استعملت مقابل الفلسفات الاوروبية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، التي كانت بعيدة عن حياة الافراد.

أصالة الوجود في الفلسفة الاسلامية تعني أن الانسان لا يفترق لحظة عن الله، أي إنه يرتبط بالمراتب العليا من الواقعية.

وجود الانسان في الفلسفة الاسلامية، وجود من أجل حياة أبدية، ووصال بمراتب أعلى من الوجود، بينما الوجود في مفهوم سارتر وأمثاله وجود آخره عدم، وليس له اتصال بمراتب أعلى وأسمى.

مفهوم الفلسفة الاسلامية عن الانسان يختلف تماماً عن مفهوم الفلسفة الاوروبية. وكذلك فإن بين الفلسفتين الاسلامية والاوروبية فرقاً أساسياً بالنسبة لمسألة الوجود، وقد حقّق في هذا الموضوع العالم الفرنسي البروفسور هنري كربون في مقدمة» كتاب المشاعر «لصدر المتألهين الشيرازي.

إن إحدى الفروق الاساسية بين الفلسفتين في مفهوم الوجود، هو إن الفلسفة الاوروبية استعملت كلمة الوجود كمصدر ثم تحددت هذه الكلمة حتى أضحت بشكل مفهوم ذهني، بل إن الفلسفات الاوروبية الجديدة تقول بأن الوجود ليس بذي معنى، وهو كلمة نعبّر بها لفظياً عن الاشياء ولا معنى لـ» وجود بما هو وجود «أمّا في الفلسفة الاسلامية التي تستمد مفاهيمها من الاسلام، فانها تعبّر عن الوجود بصورة فعل أمر ككلمة» كن «في الآية الكريمة: إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون .

فالوجود هو أمر الله تعالى وليس مجرّد اسم.

وهذا التباين الكبير بين الفلسفتين الإسلامية والاوروبية حول مفهوم الوجود لايسمح لنا على الاطلاق أن نترجم الاكزيستانسيالية بكلمة أصالة الوجود.



[ Web design by Abadis ]