ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 الاسلام و التعاون الاقليمي و الدولي \ الاستاذ الشيخ محمد علي التسخيري *

ملخّص

الموقف الاسلامي من التعاون واضح على صعيد المجتمع الاسلامي، ولكن الامر في المجال الدولي والاقليمي يحتاج الى دراسة، خاصة وأن مشروع التعاون الدولي قد شابته تصرفات استكبارية، فتحت لافتة التعاون راحت الدول الطامعة في تشدّ الدول الاخرى لمصالحها وأطماعها واستغلالها، خاصة في عصر ما يسمى بالعولمة الاقتصادية. والامة المسلمة تستطيع في تعاملها الدولي أن تكون مثالاً يحتذى للتعاون شريطة أن يكون واعيا لايعود عليها بالضرر.

من نافلة القول أنّ التعاون من صميم الاسلام لوضوح دعوة الاسلام اليه، وتظافر النصوص المؤكدة عليه حتى يمكن عد التعاون من سمات المجتمع الاسلامي، ولكن نقل هذا المفهوم الى الواقع الدولي والاقليمي أمر جدير بالبحث والتأمل.

والتعاون لكي يتم تحقيقه بشكل مثمر وبناء يحتاج لتوفر بعض الشروط الموضوعية

ـ

* - الامين العام للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاسلامية

وتحريك شتى الدوافع الانسانية، وبث القيم التي تنسجم معه، ورفع الموانع التي تقف في طريقه وبالتالي معرفة المجالات التي يؤثر فيها والتخطيط الحكيم لذلك.

الشروط الضرورية

أما الشروط الموضوعية فهي أمور:

الأول: امتلاك قدرة العطاء: فلا معنى لتصور تعاون المعدم الفقير مع الغني القادر في مجال تأسيس مشروع مالي معين. ولذا كان على الأمة التي تود المساهمة في المسار الحضاري العام أن تمتلك بنفسها ما يؤهلها للعطاء والإسهام.

الثاني: افتراض جو الثقة المتبادلة، لأن التعاون ينطلق من منطلقات إنسانية وعلى أساس عاطفي لتحقيق هدف مشترك، وهذه المنطلقات لا تتوفر في أجواء التشكيك والريبة والمكر والجشع.

الثالث: وجود مساحات وأهداف مشتركة: فلا يتصور التعاون دونها ونحن نعتقد أن هذه الشروط الثلاثة ضرورية لكل مجال يراد التعاون فيه مهما كان.

القيم المنسجمة

ونقصد بها: تلك المفاهيم التي يجب تعميمها اجتماعياً لكي يندفع المجتمع صغيراً كان أو كبيراً نحو حياة تعاونية مشتركة ويمكن أن نعد منها ما يلي:

١ـ ضرورة الحوار مع الآخر والاحساس بنقل الفكرة اليه ومعرفة أفكاره. وقد زود الله تعالى الانسان بكل ما يدفع وييسر هذه العملية من قدرة ذاتية على التأمل والتفكير وخلق الفكر الجديد واكتشاف سبل التغيير والانطلاق من أسر الواقع الحسي الضيق والتجريد ومحاولة التعميم والافتراض وما الى ذلك من طاقات العقل المبدع، عبر ما يملكه من قدرات بدهية وحكمة عالية. كما أن الإنسان مزود بدافع غريزية تحثه على استكناه المجهول ومعرفة الغوامض كما تحثه على التكامل في قدراته العقلية وفي قدراته الخلقية والمعنوية للسيطرة على الطبيعة، وبالتالي فإن الله تعالى أودع فيه طاقة مد الجسور الى عقول الآخرين وأفكارهم لمعرفة ما يفكرون به والتحاور معهم عبر نعمة اللغة الرمزية.

فالحوار حالة طبيعية إنسانية والتركيز عليها تركيز على خصيصة إنسانية. ولا ريب أن الحوار يؤدي لاكتشاف المساحات المشتركة، واكتشافها يؤدي للتعاون على تحقيقها.

٢ـ مفهوم الشورى: وهو بطبيعة الحال مساوق للحوار إذ يعني ضم آراء الآخرين الى الرأي الذاتي واكتشاف نقاط الضعف والقوة.

٣ـ مفهوم الاحساس بالحاجة للآخرين فإن الفرد إذا عرف نفسه ونقائصها، ومحدودية ما تملك من طاقات ومن علوم، وحاجتها للآخرين اندفع نحوهم للاستزادة والتعاون للوصول الى الاكتفاء الذاتي.

٤ـ الاحساس بعلو الأهداف الإنسانية: وكلما سمى التصور لهذه الأهداف وعبر مراحل الاهداف الحيوانية البهيمية (فالبهيمة همها علفها) وصعد الى مراحل عالية تنسجم مع هدف الخلقة الإنسانية والمسيرة المتكاملة، ارتفعت وتيرة الاحساس بلزوم التعاون لتحقيق الاهداف السامية.

٥ـ رقي الجانب العاطفي: فإن العواطف إذا سمت والنظرة للآخرين إذا ارتقت الى مستوى الأخوة سواء كانت بمعنى الأخوة النسبية أو الاجتماعية أو الدينية أو الاقليمية أو البشرية العامة فإنها لا تدفع نحو التعاون فحسب بل تدفع في أحيان كثيرة نحو الايثار والتضحية.

وهكذا نجد أن هذه القيم المؤدية للتعاون تنطلق جميعاً من منطلقات فطرية. فالعمل على جلاء الفطرة الإنسانية وتجليها في السلوك الإنساني هو أسلم السبل لتحقيق مسيرة تعاونية مستدامة.

منطلقات التعاون

ونستطيع - بعد هذا - أن نتصور للتعاون المنطلقات التالية:

أ - المنطلقات الدينية ونتصور أنها أعم المنطلقات لأن الأديان جميعاً وخصوصاً الدين الإسلامي - كما هو واضح وكما سنتحدث عنه بايجاز بعد هذا - تدعو للتعاون وتعد بالثواب الأخروي الجزيل بل وتؤكد على انعكاسه على الحياة الدنيوية أيضاً، بل قد وضع الإسلام فكرته عن العدالة الاجتماعية مرتكزة على أمرين هما (التكافل، والتوازن بين مستويات المعيشة بين أفراد المجتمع) وهما يصبان في مجال التعاون.

وهذا يعني أن التعاون هنا إما إلزامي أو أنه طوعي غير مشوب غالباً بالمصالح الفردية ولذلك جعلناه أعم المنطلقات.

ب - المنطلقات المعنوية العامة القائمة على أساس الاحساس الانساني بلزوم خدمة البشرية والتعاون مع الآخرين، وهو إحساس طيب حتى لو لم ينطلق من منطلقات دينية لكنه غالباً يقصر عن بلوغ الغايات الكبرى.

ج - المنطلقات المصلحية باعتبار أن الاقدام على التعاون مع الآخرين سينعكس يوماً ما لصالح المقدمين على التعاون، ولا مانع من مثل هذا المنطلق، لكنه لا يمثل النبل الخلقي المطلوب ويبقى في مساحة أضيق من المنطلقين السابقين.

د - المنطلقات الدنيئة وذلك كما نشاهده في المنظمات المشبوهة والدول الاستعمارية التي تستخدم برامج التعاون لتحقيق مآربها كربط الدول الصغيرة بعجلتها أو التمهيد لاستغلالها أو العمل على تشويه هويتها الثقافية وأمثال ذلك.

والواقع أن منفذ التعاون هذا يشكل منفذاً خطراً باعتبار إطاره الانساني الخداع للجماهير التي لا تبصر أكثر من مدى رؤيتها ولا تعرف عمق التآمر المغلف بهذا الاطار الإنساني إلا بعد أن تصحو على الواقع المرير وهي تئن تحت الاغلال أو ضغط الديون المحطمة، فتود لو أنها تحملت شظف الحياة ولم تتقبل عروض المعونات المزيفة.

العقبات بوجه التعاون

بعدما سبق توضحت العقبات وأهمها أمران هما:

١ـ شيوع الروح المادية، والنظرات الفردية، وأخلاقية الطمع والاستغلال والجشع، وتحقيق اللذة بأقصى مداها، وتحقيق التفوق عبر كل الوسائل حتى ولو أدى ذلك لتهديم مكاسب الآخرين وامتصاص دماء الشعوب وخيراتها وهذا ما نشاهده اليوم في الكثير من الخيرات والقدرات في الدول المستعمرة التي بنت أمجادها على جماجم الشعوب.

و (العولمة) اليوم مظهر كامل لمرحلة رأسمالية متقدمة وعملية سيطرة أميركية على مقدرات الشعوب، وأمركة العلاقات السياسية والثقافية والاقتصادية وحتى الاجتماعية، وسرقة حضارية لأمل الإنسانية في نظام عالمي تسوده الحرية والديمقراطية وحماية حقوق الإنسان والسلام والوئام والتعاون، وتحويله الى عالم تحكمه الشركات متعددة الجنسيات ويتسلط على الحقيقة فيه الاخطبوط الإعلامي، فلا يدعه يتنفس إلا في جو تشيع فيه مفاهيم التخريب من قبيل (الحروب الاستباقية) وغيرها.

٢ـ التشكيك في النوايا وهو العقبة الرئيسية أمام كل نمط تعاوني بل أمام كل حوار هادف، ولا ريب أنه ترك أثراً سلبياً على حوار الحضارات وحوار الأديان وحوار المذاهب داخل الدين الواحد.

وربما كان هذا التشكيك في أغلب حالات تابعاً لرواسب تاريخية وتجارب مرة سابقة، مما يتطلب جهوداً جبارة لمحو السوابق أو نسيانها مرحلياً وربما أشارت الآية الكريمة: (قُلْ لا تُسْأَلونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (الى هذه الضرورة لتبدأ العملية الحوارية في جوٍ مساعد.

الإسلام والتعاون

ولا ينتظر منا هنا الحديث عن كل أبعاد التعاون في الإسلام، ولذا فنحن نشير الى بعض الجوانب الهامة من الموقف الاسلامي بشكل نقاط:

النقطة الأولى: تحديد المجالات

وتحدد الآية الشريفة الثانية من سورة المائدة هذه المجالات فتقول: (وَتَعَاوَنـُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ)، فالبر هو كل ميدان إنساني أخلاقي ويشمل كل ما ندب إليه الإسلام ودعا لتحقيقه من أعمال الخير، ويوحي اللفظ بإيكال الأمـر الى الوجدان السليم العام تماماً كما يستفاد من كلمتي (الطيبات) في قوله تعالى: (ِ وَيـُحِلُّ لَهُمُ الطَّـيِّبَاتِ وَيـُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ (، وكلمتي (المعـروف) و (المنكر) في قوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّـةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ (، فكأن هذه الآيات تتعامل مع الفطرة والوجدان مباشرة مما يعطينا سعة إنسانية عالمية في هذه المجالات ولا يحصرنا في مجال ضيق.

فكل خطوة فيها علاء الإنسانية وتقدم حضارتها وقيمها وفي كل المجالات العلمية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها هي من عمل البر ونحن مأمورون بالتعاون فيها، وكل عمل يسيء للإنسانية ويعتدي على قيمها ويعرقل مسيرتها ويشيع العدوان وخرق الحقوق الإنسانية نحن منهيون عن الاسهام فيه بل نحن مدعوون للوقوف بوجهه.

وهذا المعنى هو الذي ينسجم تماماً مع الرسالة العالمية للاسلام وتقديم الأمة الاسلامة كنموذج حضاري لكل الأمم كما في قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً (.

النقطة الثانية: تقوية المنطلقات

فنحن نعلم أن النصوص الشريفة تؤكد على الفطرة الإنسانية وأن أحكام الدين كلها منسجمة معها، والنظام التربوي والنظام العبادي بل ومختلف النظم الأخرى تركز على هذا الجانب وتعمل على تقويته، وإننا لنلحظ ان النظام المعرفي يبتني كله على بديهيات الفطرة كما أن النظام التشريعي يعمل على إيجاد التوازن والعدالة في تحقيق متطلبات الفطرة ويتجلى ذلك أروع تجل في النظام الاخلاقي الاسلامي، وكل ذلك يصب في مجال تقوية الدافع الفطري للتعاون في أوسع المجالات. ورغم أن العمل الصالح يراد له أن يكون بدافع إيماني فإن هناك نصوصاً تقيم العمل بنفسه حتى ولو لم يتم في هذا الاطار كقوله تعالى: (إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً ( (أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى (.

وحتى الجانب المصلحي يحركه الاسلام في مثل (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ (.

أو قوله (ص): » من لا يَرحم لا يُرحم «أو» ارحموا ترحموا «(رواه البخاري وأبو داود والترمذي وأحمد).

النقطة الثالثة: توفير الشروط اللازمة

والمتتبع لنوعية التخطيط الاسلامي للحياة يجد أن الاسلام يسعى جاهداً لرقي الأمة من جميع الجهات حتى تكون يدها اليد العليا، وتتمتع بالخيرية على الأمم، وإعداد كل الطاقات والقوى لميادين التحدي، وامتلاك قدرات اقتصادية هائلة عبر شكر النعم الإلهية والاستفادة من كل ما هيأه الله لهذه الأمة، وإنكار أي تهاون وكفر بهذه النعم، وأي ظلم في عملية التنمية أو التوزيع العـادل: (وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الأِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (كمـا اعتبر الاسلام أي تقاعس عن إيصال الأمة لما تحتاجه من تقدم على جميع المستويات إخلالاً بالواجبات الكفائية التي لو أداها من فيهم الكفاية سقطت، ولو لم يؤدها هؤلاء توجه اللوم والتحذير لكل الأمة.

إن الأمة النموذجية لا يمكن أن تحمل صفات الضعف مطلقاً بل عليها أن تكون أمة وسطية تمتلك كل معاني العطاء حتى تمتلك التأثير المطلوب.

ثم إن التعاليم الاسلامية وبالخصوص التربية الاسلامية تعمل على إشاعة الثقة بين أبناء المجتمع الاسلامي قبل كل شيء وترفض كل ما يخل بها من أتباع الظنون والتهم والتجسس والغيبة والتهمة وتدعو لحمل عمل المسلم على الصحة والتواصل مع الآخرين والتعاون والإيثار وإيفاء المسلمين حقوقهم الى غير ذلك.

أما على الصعيد الدولي فإن الأمة الاسلامية تتعامل بكل موضوعية واحترام مع الآخرين حتى لو لم يكونـوا مؤمنين: (وَإِنَّـا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ، قُـلْ لا تُسْأَلونَ عَمَّـا أَجْرَمْنَا وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (. والأمة تجنح للسلـم إن جنح الآخرون: (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ (.

ولا مانـع من أن تقوم العلاقات الودية مع الآخرين إن لم تبد منهم بوادر التآمـر: (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ (والعـدالة والقسط همـا هدف هذه الأمة، والدفاع عن المستضعفين والمحرومين صفتها، الى ما هناك من أمور من شأنها إشاعة الثقة وتوفير أجواء التعاون على الصعيد الدولي فإذا ما عقدت اتفاقيات دولية كانت هذه الأمة مأمورة تماماً بالوفاء بالعهود.

ثم إن هذه الأمة ربيت على اكتشاف المساحات المشتركة عبر الحوار الهادئ حتى مع الكافرين، ودعي أهل الكتاب للعمل مـع المسلمين على كلمة سواء: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَـوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلاّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ (.

وبهذا نجد أن الاسلام وفر الشروط التي ذكرنا آنفاً بأروع شكل.

النقطة الرابعة:

بعد هذا نستطيع أن نقول إن الاسلام نشر في الأمة ثقافة القيم المنسجمة مع التعاون بشكل واسع، فأعطى أسساً نظرية جامعة لحوار توضح مفروضاته، ومنهجه وأخلاقه وأهدافه، كما أعطى المؤمنين أفضل صفة وأعمها حين قال: (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ (وقرر مبدأ الاستخدام والتسخير المتبادل: (وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَـوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً (ثـم رسـم للبشرية خطاً واحداً تنطلق فيه من أب وأم وتسير مستهدية بهدى الله يقودها الأنبياء والصالحون لإعمار الأرض مستخلفة عليها من قبله تعالى كادحة نحو تكاملها: (يَا أَيُّهَا الأِنْسَانُ إِنَّكَ كـَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ (عاملة على الوصول الى المجتمع المتقي العابد: (وَعـَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنّـَهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً (إنها مسيرة واحدة يشعر الجميع بوحدتها ويعمل الكل على رفدها

بكل عناصر الرقي والتكامل. ومن هنا جاء مفهوم الأخوة الدينية والأخوة الإنسانية ليقول الإمام علي (ع) لعامله الاشتر في أروع وثيقة تاريخية ما نصه: » واشعر قلبك للرعية والمحبة لهم واللطف بهم ولا تكونن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم فإنهم صنفان إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق «(الرسالة ٥٣ من نهج البلاغة).

ويجب التذكير هنا من جديد بمسألة تركيز الإسلام على المسألة الفطرية وضرورة تجليتها في السلوك الإنساني.

النقطة الخامسة: تذليل العقبات

ولا نجدنا بحاجة الى كثير من الشرح لدور الإسلام في عملية إبعاد النفوس عن المادية السلوكية بعد التخطيط لابعادها عن المادية العقائدية، وكذلك أبعادها عن النظرات الفردية الضيقة الشرهة، والطمع والجشع والكراهية، وبالتالي إبعادها عن كل ما يشكل عقبة في طريق التعاون والتكافل. إن عالمية الإسلام تقف على الخط المقابل للعولمة اليوم فلا تحمل سلبياتها بل تعمل على إشباع متوازن لتوق البشرية لعالم جديد تسوده العدالة والانصاف ويحكمه التعاون البناء.

وقد تحدثنا قبل هذا عن عمل الإسلام على نفي التشكيك في النوايا ما استطاع وإشاعة الثقة والحب العام لتوفير جو تعاوني رحيم.

النقطة السادسة: فقه العلاقات الدولية

وقد ركز فقه العلاقات الدولية على عناصر كثيرة منها:

أ - المبدئية والأخلاقية في التعامل.

ب - عنصر التوعية والصراحة في الاتفاقات الدولية ونفي أي إبهام أو غرر أو ظلم أو انظلام.

ج - تأليف القلوب وتحقيق الانسجام.

د - احترام العهود والعقود.

هـ - التعامل بالمثل سلباً وايجاباً - مع ترجيح جانب العفو والفضل والتسامح.

وغير ذلك. وكلها مبادئ تصب لصالح عملية التعاون الدولي فضلاً عن الاقليمي لأن مفهوم الجوار يتسع اليوم ليشمل أبناء المنطقة الاقليمية كلهم. وللجوار حقوقه المسلمة.

وأخيراً

فإننا نعتقد أن على الأمة الاسلامية أن تشكل مثالاً يحتذى به للتعاون شريطة أن يكون واعياً فلا يعود عليها بالضرر، والله تعالى إذ دعى هذه الأمة للوقوف الى جانب الحق والخير ضمن لها أن يعينها إذا تآمر العدو أو قلب ظهر المجن: (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُـوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْـرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ، وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (



[ Web design by Abadis ]