ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 خطابنا الاسلامي في عصر العولمة \ أ. د. الشيخ يوسف القرضاوي *

ملخّص

الـدين في أصوله وكلياته العقائدية والتعبدية والاخلاقيـة والشرعيـة لا يتغير، وإنما الذي يتغير هو أسلوب تعليمه والدعوة اليه (الخطاب الديني). والقرآن نفسه دليل على ضرورة تغير الخطاب لما فيه من مكي ومدني. والواقع أن العالم الاسلامي يشهد صحوة بحاجة الى ترشيدها كي لا تقع في الشكليات والجدل العقيم والغوغائية والجمود والتعصب والغلو والعنف والتنازع. وفي آية الدعوة وشروطها: الحكمة، والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن، كل ما يحتاجه الخطاب الاسلامي من منهج للتحول والتطور حسب مقتضيات الزمان والمكان… ولكن … ولكن إذا كان المراد بتغيير الخطاب الديني تخلّي المسلم عن ثوابته وتخلّي الامة عن حضارتها وتاريخها وأن تعيش ذنباً وتبعاً لغيرها، فهذا هو الخسران المبين.

_________

* - عالم إسلامي كبير، مدير مركز بحوث السيرة والسنة جامعة قطر.

كتب كثيرون – بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر ٢٠٠١م الشهيرة – يطالبون بوجوب إعادة النظر والمراجعة لخطابنا الديني الإسلامي، وخصوصا بالنسبة للآخر، ونظرتنا إليه، وموقفنا منه.

وهذا الكلام بعضه حق، وبعضه باطل، وبعضه حق أريد به باطل.

فمن الحق: أن بعض الأفراد أو الفئات منا، تنهج نهج التشدد والغلو، ولاسيما مع الآخر، أي مع المخالفين في الدين، أو المخالفين في المذهب، أو المخالفين في الفكر، أو المخالفين في السياسة.

والحمدلله، أن وفقني للوقوف في وجه تيار الغلو والتطرف، منذ أمسكت القلم لادخل ميدان التأليف [١].

ونهج الغلو والتشدد مكروه بمقتضى الفطرة، مذموم بحكم الدين، وهو أكثر ذما في عصر تقارب فيه الناس ثم ازدادوا تقاربا، حتى أصبحوا كأهل قرية واحدة.

ومن الحق أن يراجع الناس أفكارهم ومواقفهم واجتهاداتهم، على ضوء المستجدات، وفي إطار الثوابت التي لا تتغير بتغير الزمان والمكان، كما قال علماؤنا بوجوب تغير الفتوى بتغير موجباتها.

فقد توجب هذه المراجعة تغييراً في مضمون بعض المقولات، وقد توجب تغييراً في أسلوبها، وقد توجب تغييراً في ترتيبها في سلّم الأولويات، إلى غير ذلك.

ومن الحق أن كثيراً من المخلصين من المسلمين أنفسهم شعروا بضرورة هذا التغيير، ودعوا إليه، ومنهم إخوة نثق بدينهم وإيمانهم، كما نثق بتفكيرهم وسداد نظرتهم، في أمريكا نفسها، وفي أوروبا أيضا.

وإذا كان هذا من الحق، فإن من الباطل مايطالب به بعض الناس: أن نشكِّل لنا ديناً من جديد، نحذف منه ونبقي، ونغيرفيه ونبدّل، وفق ماتطلبه أمريكا وحلفاؤها!

وعلى هذا يجب أن نغير مناهج تعليمنا الديني كلّها، وخطابنا الديني كله، حتى ترضى عنا أمريكا، وماهي براضية، فما يرضى هؤلاء إلا أن ننسلخ من ديننا (وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ( (وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ (.

ولقد سلكت بعض الأنظمة العربية والإسلامية هذا السبيل منذ زمن، فاتخذت فلسفة (تجفيف المنابع) أي منابع التدين الإيجابي الذي يربي الشخصية المسلمة، والعقلية المسلمة، والنفسية المسلمة، وحذفت – ولا تزال تحذف – كل مايغرس معاني القوة والبطولة والغيرة على الحق، والجهاد في سبيل الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحاربت كل دعوة صادقة لإحياء الإسلام الصحيح، وتربية الناس عليه، وشجعت إسلام الخرافات والأضرحة والدروشة، لأنه مشغول عنها، بل سائر في ركابها، ساكت عن مظالمها وانحرافاتها.

إننا نرحب بتجديد الخطاب الديني، والارتقاء به، وتطويره إلى ماهو أحسن وأمثل: فكرة وأسلوباً، أو مضموناً وشكلاً، والمسلم ينشد الأحسن دائماً. ولكنا نحذر من خطرة التنادي المستمر بتغيير الخطاب الديني الاسلامي في هذا الوقت خاصة، ولا سيما من أقلام مشبوهة، لا يهمها أمر الدين ولا أهله، وليس لله ولا للآخرة مكان في حياتها الفكرية أو السلوكية، ولا تبالي برضا الله أو سخطه، لكن يعنيها كل العناية: أن يرضى السيد الأمريكي عنها، وأن ينفحها ببعض بركاته وكراماته!

إن التغيير في هذا الوقت، أو في هذه» الهوجة «محفوف بخطرين:

الأول: خطر الإذعان للضغوط الأمريكية المدججة بالسلاح والمال والعلم والدهاء والتخطيط، فيستجيب لهم منا من يستجيب رغباً ورهباً، ويصنع لنا» إسلاماً أمريكياً «لايهمه إرضاء الله بقدر مايهمه إرضاء» العم سام «!

والثاني: خطر تمكين الفئات اللادينية: لتساهم في توجيه المرحلة القادمة للأمة، بترويج فكرها المستورد، ومفاهيمها الدخيلة، تحت عنوان التجديد والتطوير، وإنما هو التبديد والتخريب.

فالواقع أننا نخشى من تيارين كلاهما أشد خطراً من الآخر:

١ـ تيار الغلوّ والتشدّد والتنطّع، الذي يريد أن يضيّق على الأمة ماوسع الله. ويعسّر عليها ما يسّر الله، وأن يعادي العالم كله، ويقاتل الناس جميعاً، ولو سالموا المسلمين، ولا يتسامح مع مخالف له، مسلماً أو غير مسلم.

٢ - وتيار الانفلات والتسيب، الذي اتخذ إلهه هواه، فلا يرجع إلى أصل، ولا يتقيد بنص، ولا يستند إلى إمام معتبر. إنه رفض اتباع أئمة الإسلام، ورضي بتقليد أئمة الغرب، فمنهم يستمد، وعليهم يعتمد، وبهم يصول ويجول!

لهذا كان على أهل العلم والدعوة، وخصوصاً دعاة المنهج الوسطي: أن يقولوا كلمتهم، ويبيّنوا وجهتهم، ويشرحوا رسالتهم، في خضم هذه الفتن المتلاحقة التي تذر الحليم حيران، وفي هذا الجو الرهيب الذي يحاط فيه بالأمة من كل جانب. وعليهم أن يعضّوا بالنواجذ على الحق الذي ائتمنهم الله عليه، معتصمين بحبل الله المتين: (يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلا اللَّهَ ( (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (.

وأود أن أنبه هنا على حقيقة ناصعة لاريب فيها، وهي: أن خطابنا الإسلامي – بحمد الله تعالى – منذ نحو أربعين سنة أو تزيد [٢]: هو هو، لم يتغير ولم يتبدل. منذ هدانا الله بفضله وتوفيقه، إلى اختيار (منهج الوسطية) وهو المنهج الذي رأيته معبراً عـن الإسلام الحـق، وعن منهج الأمة التي مدحها الله بقـولـه: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا (. وحقيقته: إقامة الوزن بالقسط في الأمور كلها، بعيداً عن الطغيان والاخسار، اللذين حذر القرآن منهما، كمـا قـال تعالى: (وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ، أَلا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ، وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (.

فما نقدمه اليوم ليس جديداً على نهجنا، ولا هو من ثمرات ١١ / ٩ / ٢٠٠١ ولذا نجد فيه مقتبسات كثيرة من كتبنا القديمة.

الجديد اليوم: أن كثيراً من المسلمين ممن كانوا يعارضون تيار الوسطية: أصبحوا ينادون به، ويشعرون بالحاجة إليه، حتى بعض الحكام انتبهوا إلى أهمية هذا الأمر، وضرورة التمسك به، وتربية الأمة عليه، بعد أن كانوا يرفضونه، ويقاومـون دعـاته. (فَلِلّـَهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَلَهُ الْكِبْرِيَاء فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (.

ولا أريد أن أختم هذه المقدمة، حتى أنبه على قضية مهمة، وهي: أن أمريكا والغرب يطالبوننا نحن المسلمين، أن نراجع خطابنا الديني، وأن نسعى لتغييره وتطويره، ولكن أحداً لم يطلب منهم – كما طلبوا منا – أن يغيروا هم من خطابهم. فاليمين المسيحي المتطرف هو الذي يقود أمريكا اليوم، ويرسم سياستها، والرؤساء الأمريكان من عهد» كارتر «إلى اليوم، من أنصار هذا اليمين، حتى جاء» بوش «الصغير، وجسد هذا التطرف اليميني بقوة ووضوح، وقال فيما قال: إن ربي أمرني: أن أضرب ابن لادن فضربته! وأمرني أن أضرب صدام حسين، فضربته! كأنه نبي يوحى إليه!

هذا اليمين المسيحي المتطرف هو الذي يساند الصهيونية المغتصبة الظالمة في اغتصابها وظلمها، ويحمي بقوته ما اغتصبته بالدم والعنف، ويؤيدها في اعتداءاتها المستمرة على الشعب الفلسطيني، بالمال والسلاح والفيتو، بناء على رؤى واجتهادات دينية عنده، هي التي زينت له حماية الاغتصاب والطغيان، والمعاونة على الإثم والعدوان. فلماذا لا يراجع بوش وجماعة اليمين المتصهينين رؤاهم واجتهاداتهم التي دفعتهم إلى تأييد العدوان والمعتدين، وغض الطرف عن كل ما يصيب أبناء فلسطين من الأذى والبلاء في أنفسهم وأموالهم وذراريهم وبيوتهم ومزارعهم ومرافق حياتهم كلها؟ !!

ولماذا لا يطالب اليهود بمراجعة خطابهم الديني الذي أغراهم باغتصاب فلسطين، وإخراج أهلها منها، وتشريدهم في آفاق الأرض بغير حق، وضرب من بقي منهم بالصواريخ والمروحيات والدبابات، تقتل وتدمر بلا هوادة ولا رحمة؟ ولماذا لم يفعل ذلك آباؤهم منذ نحو تسعة عشر قرناً من الزمان، حينما ضربهم الرومان ضربة قاضية، قطعتهم في الأرض أمما؟ لماذا أغفل أباؤهم الوعد الإلهي المزعوم لهم آلاف السنين، ثم تذكروه فجأة في هذا العصر؟

أتمنى على الذين يدعون المسلمين أن يراجعوا خطابهم الديني: أن يدعوا اليهود والمسيحيين أن يغيّروا خطابهم ولاهوتهم أيضا، فهذا هو مقتضى العدل والمساواة بين الخصوم.

أما نحن فقد راجعنا خطابنا من قديم، بدعوة من ديننا نفسه، لا بطلب من بوش ولا غير بوش.

ويشمل (العالم) كله، فهو يوجه الدعوة إليه، ويقيم العلاقة معه متعاونا على البر والتقوى لا على الإثم والعدوان، متضامنا في مواجهة الطغيان والاستكبار في الأرض، مساندا للمظلومين والمستضعفين مـن الرجال والنسـاء والولدان، الذيـن لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم أمام ظلم الجبابرة، وجبروت الظالمين.

يتعرض هذا الخطاب لقضايا دينية خالصة، تتعلق بالعقائد والغيبيات، أو بالعبادات الشعائرية.

وقد يتعرض لقضايا أخلاقية، تتصل بالقيم العليا، والفضائل والسلوكيات الإنسانية الراقية.

وقد يتعرض لقضايا اجتماعية، تتعلق بالرقي بالمجتمع من حضيض المادة والإباحية والنفعية التي عرفت فيها المجتمعات المادية المعاصرة، وحل مشكلات المجتمع من الفقر والجهل والمرض والرذيلة والفساد الخلقي، والتظالم الاجتماعي، والاستبداد السياسي.

وقد يتعرض لقضايا فكرية أو اقتصادية أو سياسية أو دولية، ليقدم العلاج لها في ضوء تعاليم الإسلام.

الخطاب الإسلامي إذن ليس مقصورا على الروحانيات وشؤون الغيب، كما يريد بعض الناس أن يحصره.

ونظراً لهذا الشمول والامتداد والتنوع: كان لهذا الخطاب خطره وأثره، إذا وضع في يد من لا يحسنه، ولم يعدّ الإعداد الكافي للقيام به، لا من حيث الفقه في الدين، ولا من حيث الفقه في العصر والواقع، فهو يخلط ويخبط، ويهرف بما لا يعرف. وضحية ذلك: المجتمع المسكين، والدين نفسه، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

يتخذ هذا الخطاب أساليب شتى قديمة وحديثة: من الخطبة والمحاضرة والدرس والحديث والمقالة والرسالة والكتاب والندوة والبحث الميداني، والتحقيق الصحفي، والبرنامج الإذاعي أو التليفزيوني، والعمل الدرامي، ويمكن أن يستخدم فيه النثر والشعر والزجل، والقصة والمسرحية. كما يمكن أن يستخدم فيه كل أجهزة الأعلام المعاصر وآلياته: المكتوبة والمسموعة والمرئية، محلية وإقليمية وعالمية، من الإذاعات الموجهة، إلى القنوات الفضائية، إلى شبكة (الإنترنت).

وهذا الخطاب الإسلامي: قد يظهر في صيغة دعوية تربوية، أو في صيغة فقهية تشريعية، أو في صيغة فكرية فلسفية، وإن كان التركيز الأكبر على» الصيغة الدعوية «فهي الأصل والأساس في الخطاب الديني.

هل يتغير الخطاب من عصر إلى آخر؟

هل يتغير الخطاب الديني من عصر إلى آخر؟ وهل الخطاب في عصر العولمة [٣]. غيره فيما قبله من العصور؟ وهل كل عصر له خطاب يخصه؟ هل الخطاب مثل أزياء الناس: زي للشتاء وزي للصيف، وزي لأهل المدينة وآخر لأهل القرية، وزي لأهل كل مهنة يختلف عن زي أهل مهنة أخرى؟

أليس الدين – الذي يستمد منه الخطاب – ثابتاً، فلماذا يتغير الخطاب ويتنوع بأسباب شتى؟

هذه التساؤلات تحتم علينا أن نبين: أن الدين في أصوله وكلّياته العقائدية، والتعبدية والأخلاقية، والشرعية، لا يتغير، ولكن الذي يتغير هو أسلوب تعليمه والدعوة إليه.

وإذا كان المحققون من أئمة الدين وفقهائة قد قرروا: أن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والعرف والحال. والفتوى تتعلق بأحكام الشرع. فإن نفس هذا المنطق يقول: إن تغير الدعوة أو الخطاب – بتغير الزمان والمكان والعرف والحال – أحق وأولى.

فما يقال للمسلمين غير مايقال لغير المسلمين.

ومايقال للمسلم الحديث العهد بالإسلام غير مايقال للمسلم العريق في الإسلام.

ومايقال للمسلم الملتزم المستقيم، غير مايقال للمسلم المتفلت العاصي لربه.

ومايقال للمسلم في دار الإسلام غير مايقال للمسلم في مجتمع غير إسلامي.

ومايقال للشباب غير مايقال للشيوخ.

ومايقال للنساء غير مايقال للرجال.

وما يقال للأغنياء غير مايقال للفقراء.

ومايقال للحكام غير مايقال للمحكومين.

ومايقال في قرية من صعيد مصر، أو ريف باكستان، غير ما يقال للناس عبر قنوات الفضاء، ويشاهده ويسمعه العالم.

وما يقال للناس في عصور العزلة: غير مايقال لهم في عصر ثورة الاتصالات، التي جعلت العالم كله قرية واحدة، وهذا أهم ماتدل عليه كلمة» عصر العولمة «أي عصر التقارب العالمي.

لاشك أن هناك أقداراً مشتركة تقال للجميع ويخاطب بها الجميع، ولكن يبقى هناك خصوصية لك فئة ممن ذكرنا، توجب على العالم والداعية أن يوجه لها خطاباً خاصاً، يجيب عن تساؤلاتها، ويحل مشكلاتها، ويرد على شبهاتها.

لما أرسل النبي – صلى الله عليه وسلم – معاذ بن جبل الأنصاري إلى اليمن، قال له: إنك تقدم على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلا الله… الحديث [٤].

قال الحافظ ابن حجر في شرح الحديث في تعليل البدء بهذه الجملة» إنك تقدم على قوم أهل كتاب «: هي كالتوطئة للوصية، لتستجمع همته عليها، لكون أهل الكتاب أهل علم في الجملة، فلا يكون العناية في مخاطبتهم، كمخاطبة الجهال من عبدة الأوثان [٥].

ومن هنا لا يُستغرب أن يكون خطابنا الديني في عصر العولمة مغايراً – بعض المغايرة – لخطابنا الديني قبل عصر العولمة، إذا ثبت لنا فعلاً أن هناك عصراً جديداً يحمل طابع العولمة.

ربما كان خطابنا – نحن المسلمين – قبل ذلك العصر، ذا طابع محلي، أعني: أننا نخاطب فيه أنفسنا، ولا نفترض أن هناك أحداً يسمعنا، أو يقرؤنا، أو يطلع على إنتاجنا العلمي والدعوي.

وهذا – بلا ريب – صحيح، وينطبق على طوائف منا، كانت تكلم نفسها في داخل دارها، ولا تحسب أن أحداً ينصت لقولها، أو يهمه خطابها، وربما كان خطابها يجرح الآخر، أو يؤذيه أو يخيفه، من مضمون خطابه أو لهجته أو من سياقه.

شاركت في أحد البلاد الإسلامية في مؤتمر إسلامي كبير، حضره نحو خمسمائة شخص من أنحاء العالم، وقام أحد المشاركين، ففاجأ الجميع بكلام خرج فيه على خط المؤتمر واتجاهه، وقال: ليس هناك شيء اسمه حوار الأديان، أو تقارب بين الأديان، لأنـه لايوجد إلا دين واحد، وهـو الإسلام، قال تعـالى: (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ ( (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ (.

وكان بجواري رئيس المؤتمر، فقلت له: إن هذا المتحدث قال كلاماً خطيراً، يمكن أن يشوه صورة هذا المؤتمر، واتجاهه الإيجابي، إذا لم يرد عليه، ويفند ما قاله. قال: هذا كلام نقوله بيننا، ولن يتجاوز هذه القاعة.

قلت له: هذا مردود عليه من وجهين:

الأول: أنه لم يعد هناك أحد يكلم نفسه، أو فئة تستطيع أن تحصر كلامها داخل قاعة مغلقة، فهنا صحفيون ومندوبون لإذاعات وتليفزيونات، ينقلون كل مايقال هنا إلى أنحاء الدنيا.

والثاني: أن ماقاله في ذاته غير صحيح، فهناك أديان غير الإسلام، وقد قـال تعالى: (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (.

والآية التي استدل بها ترد عليه: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا (وقال تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ (.

ثم نحن مأمورون بالحوار دينا، فقد قال تعالى: (وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هيَ أَحْسَنُ (.

وربما كان هذا الخطاب يحتقر الآخرين أو لا يلقى لهم بالاً، ولا يقيم لهم وزناً. وربما كان مشحوناً بالغضب عليهم، والبغض لهم بسبب موقفهم من الإسلام وقضايا أمته، والوقوف مع أعدائه.

وربما كان هذا نتيجة لعدم المعرفة الكافية بالآخر. وقد قال العرب قديما: من جهل شيئاً عاداه.

ربما كان هذا أو كان غيره، فكل هذا مسوغ للنظر في خطابنا الديني – المسموع والمقروء – هل هو ملائم لعصرنا أو لا؟ وهل يتحقق به الدعوة إلى الله على بصيرة؟ وهل استوفى شروط الكلام البليغ الذي يجسد المطابقة لمقتضى الحال مع فصاحته؟

ومما لا خلاف عليه: أن الخطاب الديني يختلف باختلاف المدرسة التي ينتمي إليها الداعية ويعبر عنها.

فخطاب الصوفي غير خطاب الأثري، وخطابهما غير خطاب المتكلم. وهو غير خطاب الفقيه.

وخطاب الفقيه الملتزم بتقليد مذهب غير خطاب الفقيه المتحرر من ربقة التقليد.

وخطاب الداعية المخاصم للتصوف كله غير الذي يأخذ منه ماصفا ويدع ما كدر. وخطاب الداعية المحصور في تراث السابقين غير الذي انفتحت عينه على العصر وثقافته وتياراته.

وخطاب الداعية الذي لم يخرج من بلده غير الداعية الذي جاب الآفاق، وعرف الناس والأديان والمذاهب والثقافات.

وكل هذا من أسباب تنوع الخطاب الديني في الجملة، وإن كان الأصل المتفق عليه: أن يستمد الجميع من مُحكمات القرآن، وصحيح السنة، وما اتفق عليه سلف الأمة، فإن هذه الأمة لا تجتمع على ضلالة.

والمنهج الأمثل: أن يجمع خطابنا الدعوي الإسلامي: بين روحانية المتصوف، وتمسك الاثري، وعقلانية المتكلم، وعلمية الفقيه. يأخذ من كل صنف خير ما عنده، ويمزج بينها في تناسق وانسجام.

القرآن نفسه دليل تغير الخطاب:

وأقوى دليل على تغير الخطاب بتغير ملابساته وموجباته: هو القرآن ذاته، فقد رأينا خطاب القرآن المكي (أي قبل الهجرة إلى المدينة) غير خطاب القرآن المدني، وهو أمر معروف مقرر لدى دراسي القرآن، ويلحظه كل من يقرأ القرآن، ويعرف السور المكية فيه من السور المدنية.

فموضوعات القرآن المدني تختلف عن موضوعات القرآن المكي في الجملة، وأسلوب القرآن المدني يختلف عن أسلوب القرآن المكي في الجملة.

موضوعات القرآن المكي تدور – أساسا – حول ترسيخ العقيدة من التوحيد بأقسامه المختلفة، وإثبات النبوة، والجزاء في الآخرة، والإيمان بالغيب، والدعوة إلى العمل الصالح، ومكارم الأخلاق، وما يؤيد ذلك من قصص الرسل والمؤمنين، والرد على المخالفين.

وموضوعات القرآن المدني تدور حول إقامة المجتمع المؤمن، والتشريع له، ولذا لم ينزل في مكة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ (. فكل مايحتاج إليه المجتمع من عبادات ومعاملات وتشريعات وعقوبات، تجده في السور المدنية.

وأسلوب القرآن المكي غير أسلوب القرآن المدني في الجملة أيضا، فالأسلوب المكي تغلب عليه الشدة والحرارة، والنبرة السريعة، وتكرار بعض اللوازم، كما في سورة الشعراء، وسورة القمر، وسورة الرحمن، وسورة المرسلات. يخاطب القلوب، ويثير المشاعر، ويجابه المكابر، ويفحم المعارض.

بخلاف الأسلوب المدني، فإنه أسلوب تعليمي تشريعي هادئ النفس، هادئ النبرة، يخاطب العقول أولا، وإن لم يخل من مخاطبة القلوب، لأن موضوعه التشريع والتعليم.

وسر تغير الخطاب هنا وهناك: أن سور القرآن مكية ومدنية تراعى المخاطب وتكمله بما يناسبه: القرآن المكي يخاطب – أولا – المشركين المناوئين لعقيدة التوحيد، والجاحدين لنبوة محمد، والمتطاولين عليه، ولذا ساد الخطاب لغة الشدة والسخونة. وأما القرآن المدني فهو يخاطب الجماعة المؤمنة الجديدة، التي يكلفها بالأوامر والنواهي، والتوجيهات والتشريعات، ولذا ساد الخطاب لغة الهدوء والتعليم.

ومن قرأ سورة مدنية كسورة البقرة، وسورة مكية كسورة الشعراء، يتبين له الفرق في الخطاب واضحاً بين السورتين، في المضمون وفي الأسلوب.

مشروعية تجديد الدين:

ومن الأدلة على شرعية تطوير الخطاب أو تحسينه أو تغييره إلى ماهو أمثل وأليق وأبلغ: الحديث النبوي الذي رواه أبو داود والحاكم والبيهقي عن أبي هريرة: أن رسول الله (ص) قال: » إن الله يبعث على رأس كل مائة سنة لهذه الأمة: من يجدد لها دينها « [٦].

وقد سمعت بعض الدعاة الكبار في عصرنا، يرفض هذا الحديث، بدعوى أن الدين ثابت، ولا يتجدد. وما معنى تجديد الدين؟ هل نصدر طبعة جديدة للقرآن الكريم مزيدة ومنقحة؟ إن القرآن لا يقبل الزيادة ولا النقص، ولا التغيير والتبديل. فلا معنى إذن للتجديد.

ورأيى: أن رد الحديث الذي صححه عدد من الأئمة المختصين بمثل هذا المنطق: لايجوز. فهذه طريقة المنحرفين من أهل البدع والضلالات الدينية والفكرية. فهم يفسرون النص تفسيراً خاطئاً، ويعطونه مضمونا لا يستقيم مع منطق العقل أو منطق الدين، ليتاح لهم أن يحكموا ببطلانه وبرده.

ولكن المنهج المستقيم: أن نثبت النص الصحيح، ونفسره تفسيراً مقبولاً، في ضوء القواعد المقررة، والمسلّمات الدينية والعلمية.

ولهذا تقول هنا: إن هذا الحديث ثابت حيث أثبته أهل العلم، وهو بهذا يعطينا مبدأ مهماً، وهو: شرعية التجديد للدين. ولكن مامعنى التجديد المطلوب؟

ونبادر فنقول: إن التجديد لا يمس (الثوابت) التي لا تتغير بتغير الزمان والمكان والإنسان: من العقائد والعبادات وأصول الفضائل والرذائل، والأحكام القطعية في ثبوتها ودلالتها. فهذه هي التي تجسد وحدة الأمة الفكرية والشعورية والسلوكية، وتحظفها من أن تذوب وتتفكك.

لا يمس التجديد هذه الثوابت، إلا من جهة أسلوب عرضها وتعليمها للناس، فهذا هو الذي يدخله التجديد والتطوير.

أما غير الثوابت، فهي التي يدخلها الاجتهاد والتجديد – ومعظم أحكام الشريعة من هذا النوع – وهي معترك لأفهام أهل العلم الأصلاء، ففيها مجال للاجتهاد الجزئي، والاجتهاد الكلي، الاجتهاد المقيد، والاجتهاد المطلق، الاجتهاد الانتقائي، والاجتهاد الإنشائي.

جمهرة الأحكام في تراثنا الفقهي مختلف فيها بين المدارس والمذاهب، نتيجة لاعتبارات شتى عند كل فقيه. وفي هذا متسع للمجتهد المعاصر: أن ينتقي منها ويتخير ماهو أهدى سبيلاً، وأرجح دليلاً، وأوفق بتحقيق مقاصد الشرع، ومصالح الناس في هذا العصر… وهذا مانسميه» الاجتهاد الانتقائي «.

وهناك اجتهاد إنشائي إبداعي، في المسائل الجديدة التي لم يتطرق إليها الفقهاء السابقون، لأنها لم تكن في زمنهم، ولم تخطر ببالهم، فعلى فقهاء عصرنا أن يجتهدوا لبيان حكم الشرع في هذه القضايا، كما اجتهد الأئمة السابقون لبيان الحكم في قضايا زمنهم، مثل كثير من القضايا الاقتصادية والطبية والعلمية والسياسية. وسيجدون في سعة الشريعة وخصوبة فقهها: حلاً لكل مشكل، ودواء لكل داء.

ترشيد الصحوة:

لقد أصدرتُ جملة كتب ورسائل [٧]. في ترشيد الصحوة، وتسديد مسيرتها، ومضمونها: ترشيد الخطاب الديني نفسه، وآخرها: كتاب جدّ مهم في نظري، سميته» الصحوة الإسلامية من المراهقة إلى الرشد «رجوت به أن تنتقل الصحوة من طور إلى طور، أعني من طور» المراهقة «بما يمثله من أحلام وخيالات وتمرد وعاطفية، إلى طور» الرشد «بما يمثله من وعي وهدوء وعقلانية ونضج، ويتمثل في التزام (الخطط العشرة لترشيد الصحوة)، والانتقال بها إلى المرحلة المنشودة.

هذه الخطوط العشرة التي تنتقل بها الصحوة:

١ـ من الشكل والمظهر، إلى الحقيقة والجوهر.

٢ - من الكلام والجدل، إلى العطاء والعمل.

٣ - من العاطفية والغوغائية، إلى العقلانية والعلمية.

٤ - من الفروع والذيول، إلى الرؤوس والأصول.

٥ - من التعسير والتنفير، إلى التيسير والتبشير.

٦ - من الجمود والتقليد، إلى الاجتهاد والتجديد.

٧ - من التعصب والانغلاق، إلى التسامح والانطلاق.

٨ - من الغلو والانحلال، إلى الوسطية والاعتدال.

٩ - من العنف والنقمة، إلى الرفق والرحمة.

١٠ - من الاختلاف والتشاحن، إلى الائتلاف والتضامن.

وقد تحدثت في فصول الكتاب المذكور عن كل نقطة من هذه النقاط، أو كل خط من هذه الخطوط: بما يشرحه ويلقي الضوء عليه، ويؤصله تأصيلا شرعياً موثـقاً بأدلته من الكتاب والسنة، وذلك حتـى تتضح المفاهيـم، وتقوم الحجـة، ولا تلتبس الحقائق بالأباطيل، وحتى يتعلم الجاهل، ويقتنع المتردد، وينهزم المكابر، ويهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حيَّ عن بينة.

وكم أود أن تنتقل هذه النقاط أو الخطوط العشرة إلى خطابنا الديني المعاصر، وخصوصاً في هذا الزمن الذي يتهم فيه الإسلام والمسلمون بالعنف والإرهاب والغلو والتعصب والانغلاق على الذات، ورفض الآخر، إلى آخر مايقال.

ولا يمكننا أن نتجاهل دعاوي عدونا أو اتهاماته لنا، لأن صوته عال، شئنا أم أبينا، وأبواقه تملأ أركان الدنيا الأربعة، ولذا كان لابد لنا أن ندافع عن أنفسنا، ونقول كلمتنا، وتبليغ رسالتنا.

وأرى من المهم للدعاة في عصرنا: أن يقرءوا كتابي هذا عن الصحوة، فهو متمم لكتابنا هذا، أو قل: كتابنا هذا متمم له، ولا يستغني أحدهما عن الآخر. وقد كان يمكن أن أسميه: » الخطاب الإسلامي من المراهقة إلى الرشد «لولا أني شغلت بترشيد الصحوة منذ عدة عقود، فآثرت العنوان الذي ظهر به. والمقصود واضح على كل حال.

منهج الخطاب الديني كما رسمه القرآن

رسم القرآن منهج الخطاب الديني أو الدعوة الدينية في آية كريمة من سوره المكية، حين قـال: (ادْعُ إِلِـى سَبِيـلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَـةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (.

فهذه الآية خطاب للنبي (ص)، ولكل من يتأتى خطابه من الأمة من بعده. إذ الدعوة إلى الله، أو إلى سبيل الله ليست خاصة بالنبي عليه الصلاة والسلام، بل أمته أيضا مطالبة بأن تقوم بدعوته معه وبعده.

وفي هذا يقول القرآن أيضاً في مخاطبة الرسول: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي (.

فكل من اتبع محمداً – صلى الله عليه وسلم – ورضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً ورسولاً: هو داع على بصيرة، بنص القرآن (أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي (.

وبهذا كانت الأمة مبعوثة إلى الأمم بما بعث بها نبيها، فهي تحمل رسالته، وتحتضن دعوته، كما قال (ص) للأمة: » إنما بعثتم ميسّرين، ولم تبعثوا معسرين «.

وقال الصحابي ربعي بن عامر – رضي الله عنه – لرستم قائد جيوش الفرس: إن الله ابتعثنا، لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.

من هنا نرى أن آية سورة النحل: (ادْعُ إِلـِى سَبِيلِ رَبِّـكَ بِالْحِكْمَـةِ وَالْمَوْعِظَـةِ الْحَسَنـَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِـيَ أَحْسَنُ (ترسم معالم المنهج المنشود للدعوة أو الخطاب الديني السليم.

معالم المنهج المطلوب للدعوة للخطاب الديني:

وضع القرآن الكريم لمنهج الدعوة إلى الله وإلى سبيله، وسائل تعين الداعية المسلم على أداء مهمته، وتبليغ رسالته. وقد أوجزها القرآن – بإعجازه البياني – في كلمات معدودة.

١ـ الدعوة واجب كل مسلم:

وأول هذه المعالم: العلم بأن هذه الدعوة فرض على كل مسلم. وهو مقتضى الأمر من الله بالدعوة، فكل مسلم مأمور بالدعوة إلى دينه بصورة ما، وبطريقة ما، كما قال تعالى: (أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي (.

كل ما في الأمر: أن صورة الدعوة تختلف من شخص إلى آخر، حسب الاستطاعة والإمكان.

فهناك من يدعو إلى الله بتأليف كتاب أو كتب.

وهناك من يدعو الى الله بإلقاء محاضرة في جامعة أو في مركز ثقافي.

وهناك من يدعو إلى الله بإلقاء خطبة جمعة في مسجد أو إلقاء درس ديني فيه.

وهناك من يدعو بالكلمة الطيبة، والصحبة الجميلة، والأسوة الحسنة.

وهناك من يدعو بالإنفاق على الدعاة، أو على نشر إنتاجهم، أو على تأسيس مركز للدعوة، على نحو ماقال عليه الصلاة والسلام: » من جهز غازياً في سبيل الله فقد غزا « [٨] ونحن نقيس عليه فنقول: » من جهز داعياً إلى الله فقد دعا «.

٢ - دعوة ربانية إلى منهج الله:

وثاني هذه المعالم: أن يوقن الداعية: أنه يدعو إلى سبيل الله، أي طريق الله، أي منهج الله الذي رسمه لهداية الناس، حتى يحسنوا العبادة لله وحده، ويحسنوا التعامل بعضهم مع بعض، وبذلك يسعدون في الدنيا، ويفوزون بحسن المثوبة في الآخرة.

إن الداعية المسلم هنا لا يدعو الناس إلى نفسه، أو إلى قومه، بل يدعوهم إلى ربه وحده: (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللّهِ (إنه لا يدعو إلى نظام بشري، ولا إلى فلسفة أرضية، ولا إلى قانون وضعي، وضع بأمر إمبراطور أو ملك أو رئيس أو أمير، بل يدعو إلى تحرير البشر من العبودية للبشر، فلم يعد – في نظر الإسلام – بشر يملك أن يشرع لبشر تشريعاً مطلقاً دائماً، يحلّل له مايشاء، ويحرّم عليه مايشاء، كما حدث عند أهل الكتاب في فترة من فترات التاريخ، وهو ما أنكـره القرآن بشدة حين قـال: (اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيـحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (.

آن للبشر أن يتحرروا من عبودية بعضهم لبعض، وربوبية بعضهم لبعض، وأن يكونوا جميعاً عباداً لله وحده، الذي خلقهم وسخّر لهم مافي السماوات ومافي الأرض جميعاً منه، وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة.

ولهذا كانت رسائل محمد (ص) إلى ملوك أهل الكتاب مختومة بهذه الآية: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللّهِ (.

٣ - دعوة الناس بأسلوبي الحكمة والموعظة:

وثالث المعالم لهذا المنهج أنه يقوم على دعوة الناس عامة، والمسلمين إلى منهج الله بأسلوبين أولهما: الحكمة، وثانيهما: الموعظة الحسنة.

أسلوب الحكمة:

والحكمة يراد بها: مخاطبة العقول بالأدلة العلمية المقنعة، وبالبراهين العقلية الساطعة، التي ترد على الشبهات بالحجج والبينات، وترد المتشابهات إلى المحكمات، والظنيات إلى القطعيات، والجزئيات إلى الكليات، والفروع إلى الأصول.

كما أن من الحكمة: مخاطبة الناس بما يفهمون، وما تسيغه عقولهم، لا بما يعجزون عن فهمه، وقد قال علي - رضي الله عنه - : حدثوا الناس بما يعرفون، ودعوا ما ينكرون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟ [٩].

تكليم الناس بلسانهم:

ومن الحكمة: أن تكلم الناس بلسانهم، ليفهموا عنك، ويتجاوبوا معك، كما قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ (. وليس معنى الآية مجرد أن يكلم الصينيين باللغة الصينية، والروس باللغة الروسية فقط، بل معناها الأعمق: أن يكلم الخواص بلسان الخواص، والعوام بلسان العوام، ويكلم الناس في الشرق بلسان أهل الشرق، وفي الغرب بلسان أهل الغرب، ويكلم الناس في القرن الحادي والعشرين بلسانهم لا بلسان قرون مضت.

أخذ الناس بالرفق:

ومن الحكمة: أن نأخذ الناس بالرفق فيما نأمرهم به وما ننهاهم عنه، وأن نهيئ أنفسهم لتلقي الأمر والنهي قبل توجيهه إليهم، وأن نأخذ بالمنهج النبوي الذي أمر به الأمة في الدعوة والتعليم، حين قال: » يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا « [١٠].

ولا تكلف الناس مالا يطيقون، حتى لا يردوا أمرك، ويقولوا: سمعنا وعصينا، وقد قال (ص): » إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم « [١١].

المحافظة على مراتب الأعمال ونسبها الشرعية:

ومن دلائل الحكمة التي ينبغي أن يحرص عليها الخطاب الديني الإسلامي المعاصر: المحافظة على مراتب الأعمال وقيمها ونسبها الشرعية، وقد ناقشت هذه القضية من قديم في كتابي» الصحوة بين الجحود والتطرف «فقد رأيت من الخلل الواقع في فهم كثير من فصائل الصحوة الإسلامية، والجماعات الدينية، وكثير من الدعاة والوعاظ والخطباء الدينيين: أنهم أخلوا بالنسب الشرعية بين الأعمال بعضها وبعض. فكبروا الأمور الصغيرة، وصغروا الأمور الكبيرة، وعظموا الأمر الهين، وهوّنوا الأمر الخطير، وقدموا ماحقه التأخير، وأخروا ما حقه التقديم.

فمن المعلوم أن الشرع الإسلامي قد أعطى لكل عمل من الأعمال» تسعيرة «تحدد قيمته بالمعيار الشرعي، فالمأمورات منها: أركان وغير أركان، وغير الأركان منها واجبات ومنها سنن، والمنهيات منها: ماهو من الكبائر وماهو من الصغائر، والصغائر منها ماهو محرم بيقين، ومنها ما اختلف فيه، وبقي في مرتبة الشبهات، ومنها: المكروه تحريماً، والمكروه تنزيهاً.

فلا يجوز أن نذيب الحواجز بين هذه الأمور، وننظر إلى السنة نظرتنا إلى الفرض، أو ننظر إلى الصغيرة نظرتنا إلى الكبيرة، أو ننظر إلى المختلف فيه نظرتنا إلى المتفق عليه. فمن الخلل الخطير: أن نجعل بعض الأمور الأساسية هامشية، والهامشية أساسية.

أجل، لا يجوز أن نضخم بعض الأشياء ونعطيها أكبر من حجمها، ولا يجوز أن نبالغ في تقديم بعض الأشياء أو إعطائها أوسع من مساحتها، فهذا سيكون قطعاً على حساب غيرها، فمن الحكم المأثورة والتي ثبت صدقها: مارأيت إسرافاً إلا بجانبه حقّ مضيّع.

لقد رأيت بعض الدعاة والخطباء الدينيين يسرفون في بعض الأمور وعرضها على الجمهور، وليس لها في المصادر الإسلامية هذا الحجم، فبعضهم: ألقى أكثر من عشر خطب في» الجن «وعلاقته بالإنسان، ومس الجن، وركوب الجن الإنسان، إلى آخر ماهو معروف في هذا الجانب.

وبعضهم ألقى (تسع محاضرات) في تحريم حلق اللحية. كأنها من فرائض الدين، أو أركان الإسلام.

وبعضهم ألقى مجموعة خطب في فرضية» لبس النقاب «وتحريم كشف الوجه، واعتبار الوجه عورة، وحشد من الأقوال والنصوص مايؤيد وجهة نظره، مغفلاً رأي الجمهور الذي يرى أن الوجه والكفين ليسا بعورة.

وبعض الوعاظ ألقى أكثر من خطبة في» عذاب القبر «وذكر من الأحاديث الواهية والموضوعة مايدخل الرعب في القلوب، من حيات كالأفيال، وعقارب كالبغال.

والعجيب: أن هذه الخطب تحوّل إلى أشرطة» كاسيت «تسجل وتذاع وتباع للعامة الذين تستهويهم المبالغات والتهاويل.

وقد حكى لي أحد الآباء: أن ابنته وعمرها عشر سنوات تستيقظ من الليل، وهي تصرخ مرعوبة، فلما سألته: هل هناك حادث وقع لها. اوشئ ما أدى إلى ذلك. قال: إن هذا أصبح يصيبها ويتكرر عليها بعد أن سمعت شريطاً في عذاب القبر لأحد الوعاظ، يتضمن تهويلات تزرع الخوف المرضيّ في النفوس.

ولقد ذكرت في كتابي» كيف نتعامل مع القرآن العظيم؟ «معياراً لمدى الاهتمام بالأشياء والأفكار والأعمال، وهو: أن نهتم بالأشياء على قدر اهتمام القرآن بها، فما أولاه القرآن عناية، وفسح له المجال في سوره وآياته وكرّره، وأكّده بصورة وأخرى، فهذا دليل على أهميته وضرورته في الدين، ويجب إعطاؤه من المساحة والعناية مايليق به.

وما أولاه القرآن عناية أقل – كأن لم يذكره إلا مرة أو مرتين – فيجب أن يعطى من الاهتمام مثل ذلك.

وما أهمله القرآن تماماً ولم يكن له ذكر فينبغي ألا نعيره اهتماما، مالم توجد عوامل أخرى تقتضي التنويه به، لسبب وآخر، فتقدر بقدرها.

هذا وقد أصدرت كتاباً مستقلاً، يعالج هذه القضية من جذورها، ويؤصلها تأصيلاً شرعياً موثقاً بالأدلة من نصوص الشرع ومقاصده، سميته» فقه الأولويات «. وينبغي على الدعاة والمتقدمين للخطاب الديني أن يقرءوه ويتدارسوه.

من الحكمة إذن: أن نحسن ترتيب ما نأمر به، وما ننهى عنه، بحيث يأتي كل شيء في موضعه، وفي أوانه، وفي مرتبته.

ليس من الحمكة: أن نكلم الناس في إحدى الفرعيات، وهم يخالفون في إثبات الأصول نفسها، كأن ندعوهم إلى صدقة التطوع، وقد منعوا ركن الزكاة، أو إلى صلاة الضحى، وقد ضيعوا صلاة الفريضة. أو نكلمهم في الأوامر والنواهي قبل أن تثبت العقيدة أولا. روى البخاري وغيره عن ابن عباس: أن رسول الله (ص) لما بعث معاذاً إلى اليمن قال: » إنك تقدم على قوم أهل كتاب، فليكن أول ماتدعوهم إليه: عبادة الله، (وفي رواية: شهادة أن لا إله إلا الله…) فإذا عرفوا الله فأخبرهم أن الله قد فرضّ عليهم خمس صلوات في يومهم وليلهم، فإذا فعلوا الصلاة فأخبرهم أن الله فرض عليهم زكاة من أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم… الحديث « [١٢].

فلم يعرض عليهم فرض الصلاة إلا بعد أن يعرفوا الله.

وهذا من الحكمة: أن نثبت الأصول ثم ندعو إلى الفروع. وقديماً قال أسلافنا: ماحرمنا الوصول إلا بتضييعنا الأصول.

ومن مجانبة الحكمة: التشديد في النوافل، وقد أهمل الناس الفرائض. ومن قواعدنا العلمية الموروثة: إن الله لا يقبل النافلة حتى تؤدّى الفريضة. ومن حكم السلف: من شغله الفرض عن النفل فهو معذور، ومن شغله النفل عن الفرض فهو مغرور.

ومن ذلك: الاشتغال بالمختلف فيه، وقد ضيع الناس المتفق عليه. مثل الانشغال بتغطية وجه المرأة بالنقاب، وعدم الاكتفاء بالخمار (المعبر عنه في عصرنا بـ» الحجاب «) وتأثيم المسلمة المختمرة، في حين أن المعركة الآن لم تعد معركة كشف الوجوه، بل كشف الرؤوس والنحور والصدور والذراعين والساقين، وما هو أكثر من ذلك. وشاع لبس مايسمى» المينى جب «و» الميكرو جب «ونحوها. ورأينا الكاسيات العاريات المميلات المائلات.

وأذكر أني تكلمت في هذه القضية مع علامة الجزيرة الشيخ عبد العزيز بن باز (رحمه الله)، فوافقني على الاكتفاء من المسلمة في عصرنا بالخمار، على أن تترك البلاد التي التزمت بالنقاب على التزامها.

ولقد أنكر بعض الدعاة على شيخنا الغزالي رحمه الله: تقسيمه تعاليم الدين إلى قشور ولباب وقال: هل في دين الله قشور؟

وقلت لهؤلاء: هل ترون أن تعاليم الدين في مرتبة واحدة؟ إن هذا ينافي محكمات القرآن والسنة، ففي القرآن يقول تعالى: (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ (. وفي السنة نجد الحديث الصحيح: » الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها (لا إله إلا الله). وإدناها: إماطة الأذى من الطريق «. فهناك أعلى وأدنى. والقائل: هل في دين الله قشور؟ يرد عليه، بأن عالم الخلق فيه قشور؛ وكذلك عالم الأمر فيه قشور، والقشور لها فائدتها وحكمتها في العالمين، وقد ذم الله تعالى اليهود بأنهم تمسكوا بالقشور وتركوا اللباب، كما في آيـة (لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ (.

رعاية سنة التدرج:

ومن الحكمة المطلوبة: أن نأخذ الناس بالتدرج، فالتدرج سنة كونية، كما أنه سنة شرعية. أما أنه سنة كونية، فهذا مانراه في خلق الإنسان، حيث بدأ نطفة، فعلقة، فمضغة، فعظماً مكسوة لحماً، ثم ينشئه الله خلقاً آخر. ثم يخرج إلى الدنيا وليدا، فرضيعا، ففطيماً، فصبياً، فيافعاً، فشاباً، فكهلاً، وفي هذا يقـول الله تبـارك وتعـالى: (وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (.

وهكذا نرى خلق النبات، حيث يبدأ النبات بذرة، فينتقل من طور إلى طور حتى يصبح شجرة مثمرة.

وهو سنة شرعية، فإن الله تبارك وتعالى أمر رسوله محمداً – صلى الله عليه وسلم – أن يرسى العقائد وأصول الأخلاق أولاً، كما نرى ذلك واضحاً في القرآن المكي، ثم بدأ بأخذه بالجانب العملي، متدرجاً بهم شيئاً فشيئاً، بادئاً بإقامة الصلوات، التي فرضت قبل الهجرة، ثم بإيتاء الزكاة وصوم رمضان في السنة الثانية من الهجرة، ثم بعد ذلك فرض الحج على من استطاع إليه سبيلا.

وكذلك بدأ بتحريم بعض المحرمات التي تعتبر من الرذائل الإنسانية المتفق عليها، وأنها من أسباب الفساد والاضطراب في الحياة الإنسانية، مثل قتل النفس وفاحشة الزنى، وقتل الأولاد من إملاق واقع أو خشية إملاق متوقع، وأكل مال اليتيم، ونقض العهد، والمشي في الأرض مرحاً، ونحو ذلك مما هو أقرب إلى الجانب الأخلاقي منه إلى الجانب التشريعي.

ولكني أرى بعض الإخوة الدعاة لا يراعون التدرج قط فيمن يدعونهم، فبعد أن سقطت الشيوعية، في عدد من الأقطار الإسلامية، مثل البوسنة والهرسك وكوسوفا، وقد ظلت هذه البلاد – وأهلها مسلمون – نحو خمسين سنة، معزولين عن الإسلام علماً وثقافة وسلوكاً، فهم يجهلون (ألف باء) الإسلام.

فكانوا في حاجة إلى أن نأخذهم بالمنهج التدريجي الحكيم. فنبدأ بما اتفق عليه المسلمون لابما اختلفوا فيه، من العقائد والأحكام.

ولكن بعض الإخوة – أصلحهم الله – لم يراعوا ذلك، فبدءوا بشن حملة على عقائد الأشاعرة والماتريدية، الذين يدين بمذهبهم جمهور المسلمين في المشارق والمغارب، وتقوم المدارس والجامعات الدينية في أنحاء العالم الإسلامي على تدريسه.

هذا مع أن معركتنا اليوم ليست مع من يؤمن بالله وبلقائه وحسابه، ولكنه يؤول» يدالله «بأنها القدرة أو يؤول» وسع كرسيه السماوات والأرض «بأنه كناية عن سعة ملكه، وعظمة سلطانه.

إن معركتنا الحقيقية هي مع الملاحدة الذين يجحدون وجود الله بالكلية، ويقولون: لا إله، والحياة مادة.

ثم بدأ هؤلاء الإخوة الدعاة الطيبون يطالبون الرجال بإطلاق اللحي، وتقصير الثياب، والنساء بلبس النقاب، بل بعضهم حمل مع عدة آلاف من» النقب «ليلبسها النساء اللائي بينهن وبين الخمار مراحل ومراحل.

ثم إذا كنا في قلب ديار الإسلام والعرب، مبتلين بحليقى اللحي، فهل نبدأ بدعوة هؤلاء المسلمين الأوروبيين الذين عاشوا نصف قرن تحت وطأة الشيوعية بما عجزنا عن تحقيقه في قلب بلادنا العربية والإسلامية؟

وهل إطلاق اللحية من أركان الإسلام أو من فرائضه حتى نبدأ بها، ونعطيها هذه الأهمية في الدين؟

كما نرى هؤلاء الدعاة الطيبين يبدأون بحملة على التصوف كله، واتهامه بأنه دخيل على الإسلام، لا يفرقون بين سني ومبتدع، بين مستقيم ومنحرف.

هذا مع أن الأمة عامة، وهذه الشعوب خاصة: في حاجة إلى تربية ربانية تخرجها من جحيم المادية المعاصرة، التي شغلت الناس بالدنيا عن الآخرة، وبالخلق عن الخالق، وبالمادة عن الروح. تربية إيمانية أخلاقية هي جوهر التصوف الصحيح الذي عبر عنه بعضهم بكلمة موجزة بأنه: الصدق مع الحق، والخُلُق مع الخَلْق: وبعبارة أخرى: التقوى مع الله، والإحسان مع الناس. إشارة إلى قوله تعالى: (إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ (.

ومن الحكمة التي يجب أن يتحلّى بها الدعاة في دعوتهم: الرفق بالمدعووين والتلطف والرحمة بهم والإشفاق عليهم. كما وصف الله رسوله بقوله: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ (. هذا وهو رسول الله المؤيد بوحيه، ولكن البشر لا يطيقون الفظ الغليظ ولو كان هو الرسول الأمين.

أسلوب الموعظة الحسنة:

وإذا كانت الدعوة بالحكمة تخاطب العقول فتقنعها، فإن الدعوة بالموعظة الحسنة تخاطب القلوب والعواطف فتثيرها وتحركها. والإنسان ليس عقلاً مجرداً، إنه عقل وقلب معاً، إنه عقل يدرك ويفكر، وقلب يحس ويشعر، وعلينا أن نخاطب الجانبين فيه معا: الجانب الذي يعي ويدرك ويحصل المعرفة، والجانب الذي ينفعل ويريد، ويحب ويكره، ويرغب ويرهب.

وكل الناس يحتاجون إلى أن يخاطبوا بالحكمة حيناً، وبالموعظة حيناً، وإن كان الخواص أكثر حاجة إلى الحكمة التي تخاطب عقولهم، وتحاكمهم إلى مسلّماتهم العقلية والعلمية. أما العوام فهم أشد حاجة إلى الموعظة الحسنة التي تخاطب عواطفهم، وتستثير دوافعهم إلى الخير.

ولم يصف القرآن الحكمة بشيء، لأن من أوتي الحكمة فقد أوتى خيراً كثيراً، كما قال تعالى: (يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا (. ولكنه وصف الموعظة المطلوبة بالحسن» والموعظة الحسنة «. فليس المطلوب أي موعظة ولكن الموعظة الحسنة الجميلة الجيدة.

قد يكون حسنها: في اختيار موضوعها المناسب للمخاطب.

وقد يكون حسنها: في اختيار أسلوبها المؤثر فيه.

وقد يكون حسنها: أنها جاءت في أوانها، وفي مكانها

وقد يكون حسنها: أنها لمست وتراً حساساً من المخاطبين، فأثرت فيهم.

وقد يكون حسنها: أنها قدرت ضعف الإنسان، فلم تؤنّبه حين يسقط، ولم تجرّحه حين يعثر ويخطئ، فكل بني آدم خطاء، والإنسان قد خلق من طين، والطين لا يخلو من الكدر. وقد قال (ص) لمن لعن الصحابي الذي أدمن السُّكْر، وأتى به مرات إلى رسول الله شارباً للخمر، فقال أحدهم: لعنه الله! ما أكثر ما يؤتى به! فقال له: » لا تكن عونا للشيطان على أخيك « [١٣]. وفي رواية: » لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله « [١٤].

وقد يكون حسنها: أنها اتخذت المنهج الوسط في الترغيب والترهيب، أو الترجية والتخويف، فلم تخوف الناس حتى ييأسوا من روح الله، فإنه (لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (. ولم تبالغ في الرجاء، حتى يأمن الناس من مكر الله، فإنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون.

وخير الأساليب في ذلك: أسلوب القرآن، الذي يسوق الأنفس حيناً بسوط الخوف من الله، ويقودها حيناً بزمام الرجاء في رحمة الله، ليبقى المرء دائماً (يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ (.

الأسلوب القرآني يجمـع بين الأمرين بتوازن وتناسق بديع: (اعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيـمٌ ( (وَإِنَّ رَبَّـكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَـدِيدُ الْعِقـَابِ ( (نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحيمُ، وَأَنَّ عَذَابِي هُوَالْعَذَابُ الأَلِيمُ (.

ليس من الموعظة الحسنة: استخدام الترهيب الدائم، لتخويف العوام، من أهوال الموت، ومن عذاب القبر، ومن عذاب النار، والمبالغة في ذلك، بإيراد الأحاديث الواهية أو الموضوعة، والقصص المخترعة، والإسرائيليات المكذوبة، والمنامات المزِّورة، فإن هذا قد يؤثر في نفوس بعض العوام، ولكن محصلته النهائية تنفير المثقفين والمستنيرين من الدين.

وليس من الموعظة الحسنة: المبالغة في أسلوب الترغيب والترجية في رحمة الله وعفوه، حتى يأمن الناس من مكر الله، ويجترئوا على معاصي الله.

وليس من الموعظة الحسنة: تهييج العامة وإثارة مشاعرهم، وإلهاب عواطفهم في قضايا جزئية، قد يستفيد منها بعض الناس، ولكنها تضر الأمة في مجموعها ضرراً بالغاً. فإن بعض الشباب الغض – نتيجة هذا التهييج وخصوصاً إذا استمر – ينطلق كالصاروخ، ليفرغ ما امتلأ به قلبه من شحنة عارمة، فيقتل أو يدمر، لايبالي بما قع منه أو يقع عليه.

مخالفة كثير من الخطاب الديني للمنهج القرآني:

هذا المنهج القرآني الذي شرحناه: ليس واضحاً تمام الوضوح لدى كثير من دعاة الخطاب الديني في عصرنا، الذين اضطربت في أذهانهم المفاهيم، والتبست الحقائق بالأباطيل، وشوش معارفهم مقولات تلقوها من مصادر غير موثقة. لم تمحض ولم تناقش من أهل العلم والتحقيق، الذين يجمعون بين صحيح المنقول وصريح المعقول، ويوازن بين تراث السلف وثقافة العصر، ويوفقون بين ظواهر النصوص ومقاصدها، ويعرفون كيف يستهلمون الماضي، ويعايشون الحاضر، ويستشرفون المستقبل.

ونتيجة للقصور الملحوظ في ثقافة الدعاة والخطباء، التي تحدثنا عنها في كتابنا» ثقافة الداعية «الذي طالبنا فيه الداعية المسلم: أن يتسلح بأنواع ستة من الثقافات: الدينية والأدبية والتاريخية والإنسانية والعلمية والواقعية: نتيجة لهذا القصور الذي يصل أحيانا إلى درجة خطيرة: نجد خطابنا الديني يقع في أخطاء وتجاوزات كثيرة، يلاحظها الشخص العادي، ناهيك بالمثقف المستنير.

من يعيشون في غير عصرهم:

منها: أن بعضهم يخاطب الأحياء بلسان الأموات، فهو لا يعيش في عصره بالمرة، ولا يحس بما تمور به الدنيا من حوله. ثقافته كلها قديمة، وعالمه كلّه قديم، والمشكلات التي يتحدث عنها مشكلات أزمنة مضت، والمفردات التي يتحدث بها قد هجرت، فهو محسوب على القرن الخامس عشر الهجري، أو القرن الحادي والعشرين الميلادي، وهو ليس من أهله.

كما رأينا بعضهم يتحدث في إحدى خطب الجمعة عن مشكلة» خلق القرآن «ويصب جام غضبه على المعتزلة الذين أثاروا هذه الفتنة، وامتحنوا فيها أئمة المسلمين مثل الإمام أحمد بن حنبل، وساموهم سوء العذاب… إلخ. وهذه فتنة انتهت منذ قرون بدوافعها وملابساتها الدينية والفكرية والسياسية، ولم تعد مما يهمنا ويشغلنا في حاضرنا. وليست مشكلتنا اليوم مع من يقول بـ» خلق القرآن «بل مع من ينكر» إلهية «القرآن، وربانية مصدره، أو مع من يؤمن بذلك، ولكنه لا يرضى به» مرجعية معصومة «لشرائعه وقوانينه وأنظمته ومفاهيمه وتقاليده.

٤ - حوار المخالفين بالتي هي أحسن:

ومن معالم المنهج الذي رسمه القرآن للدعوة إلى الله: الجدال بالتي هي أحسن. والأصل في الجدال أن يكون مع المخالفين.

ومن الملاحظ على التعبير القرآني المعجز في الآية: أنه اكتفى في الموعظة بأن تكون» حسنة «، ولكنه لم يكتف في الجدال إلا أن يكون بالتي هي» أحسن «. لأن الموعظة – غالباً – تكون مع الموافقين، أما الجدال فيكون – عادة – مع المخالفين، لهذا وجب أن يكون بالتي هي أحسن. على معنى أنه لو كانت هناك للجدال والحوار طريقتان: طريقة حسنة وجيدة، وطريقة أحسن منها وأجود، كان المسلم الداعية مأموراً أن يحاور مخالفيه بالطريقة التي هي أحسن وأجود.

ومن ذلك: أن يختار أرق العبارات، وألطف الأساليب في جداله مع المخالفين، حتى يؤنسه، ويقربه منه، ولا يوغر صدره، أو يثير عصبيته. وقد ضرب لنا القرآن أمثلة رائعة وبارزة في هذا المجال في حسن مجادلة المخالفين.

ومن ذلك قوله تعالى في جدال المشركين: (قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ (.

ففي هذا الأسلوب الرقيق الرفيق من إرخاء العنان، وتسكين الخصم، وإرضاء غرورة: مايهيّء نفسه للاقناع أو الاقتراب منه إلى حد كبير. فهو يقول: (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ (يعني: أن أحد الفريقين منا على ضلال: نحن أو أنتم، ولم يقل لهم: أنتم في ضلال مبين.

ثم قال: (قُل لا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (. وكان مقتضى المقابلة أن يقول: » ولا نسأل عما تجرمون «ولكن لم يشأ أن يجابههم بنسبة الإجرام إليهم، إيناساً وتقريباً لهم وتأليفاً لقلوبهم.

ومن الجدال بالتي هي أحسن: التركيز على الجوامع المشتركة بين المتحاورين، لا على نقاط الاختلاف والتمايز بينهما، فإن وجود أرض مشتركة بين الطرفين يساعد على جدية الحوار وجدواه، وإمكان الانتفاع به فيما هو متفق عليه بين الأطراف المتجادلة.

وهذا مايشير إليه القرآن في الجدال مع أهل الكتاب، حيث يقول تعالى: (وَلا تُجَـادِلُوا أَهـْلَ الْكِتَـابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّـذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنـزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحـِدٌ وَنَحْنُ لَـهُ مُسْلِمُونَ (. فهو هنا يركز على العقائد التي تقرب المسلمين منهم: وهي: أن المسلمين يؤمنون بكل ما أنزل الله من كتاب، كما يؤمنون بكل من بعث الله من رسول، وكذلك يؤمن الجميع بإله واحد. ومن هذه النقطة ينطلق اللقاء لمواجهة الملاحدة والجاحدين الذين لا يؤمنون إلا بالمادة وحدها، ولا يعتقدون أن للكون إلها، ولا أن في الإنسان روحاً، ولا أن وراء الدنيا آخرة.

ومن الجدال بالتي هي أحسن: ماذكره صاحب» الظلال «رحمه الله، » وهو أن يكون حواراً رقيقاً رفيقاً بلا تحامل على المخالف ولا ترذيل لـه وتقبيح. حتى يطمئن إلى الداعي ويشعر أن ليس هدفه هو الغلبة في الجدل، ولكن الإقناع والوصول إلى الحق. فالنّفس البشرية لها كبرياؤها وعنادها، وهي لا تنزل عن الرأي الذي تدافع عنه إلا بالرفق، حتى لا تشعر بالهزيمة. وسرعان ما تختلط على النفس قيمة الرأي وقيمتها هي عند الناس، فتعتبر التنازل عن الرأي تنازلاً عن هيبتها واحترامها وكيانها. والجدل بالحسنى هو الذي يطامن من هذه الكبرياء الحساسة، ويشعر المجادل أن ذاته مصونة، وقيمته كريمة، وأن الداعي لا يقصد إلا كشف الحقيقة في ذاتها، والاهتداء إليها. في سبيل الله، لا في سبيل ذاته ونصرة رأيه وهزيمة الرأي الآخر!

ولكي يطامن الداعية من حماسته واندفاعاته يشير النص القرآني إلى أن الله هو الأعلم بمن ضلّ عن سبيله وهو الأعلم بالمهتدين. فلا ضرورة للجاجة في الجدل، إنما هو البيان، والأمر بعد ذلك لله « [١٥].

الأدعية الاستفزازية:

ليس من الحكمة ولا من الموعظة الحسنة ولا من الجدال بالتي هي أحسن: اتخاذ الأدعية الاستفزازية في صلوات الجمع وفي قنوت النوازل وغيرها.

فبعض الوعاظ والخطباء يدعون الله تعالى: أن يهلك اليهود والنصارى جميعاً، وأن ييتّم أطفالهم، ويرمّل نساءهم، ويجعلهم وأموالهم وأولادهم غنيمة للمسلمين!

ومن المعلوم: أن في كثير من بلاد المسلمين توجد أقليات من النصارى – وربما من اليهود – وهم مواطنون يشاركون المسلمين في المواطنة، وليس من اللائق أن ندعو بدعوة تشمل هؤلاء بالهلاك والدمار. إنما اللائق والمناسب: أن ندعو على اليهود الغاصبين المعتدين، وأن ندعو على الصليبيين الحاقدين الظالمين، لا على كل اليهود والنصارى.

على أني لم أجد في أدعية القرآن، ولا في أدعية الرسول، ولا في أدعية الصحابة: مثل هذه الدعوات المثيرة: تيتيم أطفالهم، وترميل نسائهم، وأمثالها. بل أدعية القرآن مثـل: (رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ( (رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (.

ومن أدعية الرسول: » اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب: اهزمهم وانصرنا عليهم « [١٦].

» اللهم إنا نجعلك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم « [١٧].

وقد قال تعالى: (ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (. أي لا يحب الذين يعتدون ويتجاوزون في دعائهم.

وبعض الخطباء يدعون الله تعالى بإبادة الكفار جميعاً، ولا يبقي منهم باقية، قائلين: » اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تبق منهم أحدا « [١٨].

وهذا دعاء دعا به أحد الصحابة على من عذبوه وإخوانه وعرضوهم للقتل والصلب، فهو دعاء خاص، فجاء هؤلاء الخطباء، وجعلوه عاماً. واستخدام الخاص في موضع العام من أسباب الزيغ وانحراف التفكير.

ولا خلاف أن الدعاء بإهلاك الكفار جميعا» أن يقتلهم بدداً ولا يبقي منهم أحداً «ينافي ما أخبر به القرآن أن كفر الكافرين واقع بمشيئة الله تعالى: (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا (. فمن ذا الذي يعارض مشيئة رب العالمين؟

» غير المسلمين «بدل» الكفار «

ومن الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، ومن الجدال بالتي هي أحسن، المطالب به المسلمون، وخصوصاً في عصر العولمة: ألا نخاطب المخالفين لنا باسم الكفار، وإن كنا نعتقد كفرهم. ولاسيما مخالفينا من أهل الكتاب.

وذلك لأمرين:

أولهما: أن كلمة» كفار «لها عدة معان، بعضها غير مراد لنا يقيناً. من هذه المعاني: الجحود بالله تعالى وبرسله وبالدار الآخرة، كما هو شأن الماديين الذين لا يؤمنون بأي شيء وراء الحس، فلا يؤمنون بإله، ولا بنبوة، ولا بآخرة.

ونحن إذا تحدثنا عن أهل الكتاب لا نريد وصفهم بالكفر بهذا المعنى، إنما نقصد أنهم كفار برسالة محمد وبدينه. وهذا حق، كما أنهم يعتقدون أننا كفار بدينهم الذي هم عليه الآن، وهذا حق أيضا.

والثاني: أن القرآن علمنا ألا نخاطب الناس – وإن كانوا كفاراً – باسم الكفر، فخطاب الناس – غير المؤمنين – في القرآن، إما أن يكون بهذا النداء: » يا أيها الناس «أو» يا بني آدم «أو» يا عبادي «أو» يا أهل الكتاب «.

ولم يجئ في القرآن خطاب بعنوان الكفر إلا في آيتين: إحداهما خطاب لهم يوم القيامة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (.

والاخرى قوله تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ، وَلا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، وَلا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ، وَلا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (. فكان هذا خطاباً للمشركين الوثنيين الذين كانوا يساومون الرسول الكريم على أن يعبد آلهتهم سنة، ويعبدوا إلهه سنة، فأرادت السورة قطع هذه المحاولات بأسلوب صارم، وبخطاب حاسم، لا يبقي مجالاً لهذه المماحكات، فأمِر الرسول أن يخاطبهم بهذه الصورة القوية، بما فيها من تكرار وتوكيد، ومع هذا ختمت السورة بهذه الآية التي تفتح باباً للسماحة مع الآخر، حين قالت: (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (.

ولهذا آثرت من قديم أن أعبر عن مخالفينا من أهل الأديان الأخرى بعبارة: » غير المسلمين «. وأصدرت من زمن طويل كتابي» غير المسلمين في المجتمع الإسلامي «. وقد طبع مرات ومرات، وترجم إلى عدة لغات.

وقد قلت ذلك في برنامجي الأسبوعي في قناة الجزيرة (الشريعة والحياة) فاتصل أحد الإخوة، وقال: إن التعبير عن الكفار بـ» غير المسلمين «يعتبر تنازلا منا لحساب أهل الكفر، وهو من دلائل هزيمتنا النفسية أمام مخالفينا.

ولا أدري لماذا يعتبر الخطاب الرفيق، والكلام الرقيق: تنازلا منا؟ وعن أي شيء تنازلنا؟ إننا لم نتنازل عن الاعتقاد بأن ديننا هو الحق، وأن كل من لم يؤمن برسالة محمد فهو كافر. وهذا شأن كل ذي دين: أن يعتقد أن دينه هو الحق، وأن غيره على الباطل، ولا يتم إيمان ديني إلا بهذا.

ولكن هذا شيء، ومخاطبة المخالفين بما يؤذيهم أو يجرح مشاعرهم، أو ينفرهم: شيء آخر. ومـاطلب الله ذلـك منا، بـل أمرنا بعكس ذلك تماما، فقال تعالى لرسوله: (وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنـزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا (.

فنحن – المسلمين – مأمورون من ربنا: أن نقول الكلمة التي هي أحسن لمن نخاطبه أو ندعوه أو نحاوره. وليس من التي هي أحسن أن نجابهه فنقول له: أيها الكافـر. بل ينبغي أن نخاطب فيه إنسانيته وفطرته، ولا نتبع نزغات الشيطان، - عدو بني الإنسان المبين – الذي يريد أن ينزغ بينهم، ويوقع بينهم العداوة والبغضاء.

وقال بعض المفسرين: المعنى: وقل لعبادي المؤمنين إذا جادلوا الكفار في التوحيد: أن يقولوا الكلمة التي هي أحسن، كما قال تعالى: (وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ (. وقال الحسن: المعنى: أن يقول للكافر إذا تشطط (تجاوز وغلا) هداك الله، يرحمك لله! [١٩]

وفي أهل الكتاب خاصة جاء نص يحدد جدالهم، ويحصره بالتي هي أحسن، قال تعالى: (وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (.

فلم يكتف هنا بأن يقول: (وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (. بل كانت الصيغة: ولا تجادلوهم إلا بالتي هي أحسن. فأي صيغة أخرى – ولو كانت حسنة – فهي منهيّ عنها بحكم هذه الآية.

» مواطنون «بدل» أهل الذمة «:

وهناك كلمات لم تعد مقبولة لدى أخواننا من الأقليات غير المسلمة مثل الأقباط في مصر، وأمثالهم في البلاد العربية والإسلامية الأخرى، وهي مصطلح» أهل الذمة «مع أن مدلول هذا المصطلح مدلول إيجابي، لأنه يعني: أن لهم ذمة الله ورسوله وجماعة المسلمين. وهذا مدلول له وقعه وتأثيره في نفس المسلم، فإنه لا يقبل أن تخفر ذمة الله ورسوله بحال، ومن فعل ذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجميعن.

ولكن إذا كان مواطنون من غير المسلمين يتأذون من هذا الاصطلاح، فلا أجد مانعا من استخدام كلمة» المواطنة «و» المواطن «فإن الفقهاء متفقون على أهل الذمة من» أهل دار الإسلام «فهم من أهل الدار، وإن لم يكونوا من أهل الملة. و» أهل الدار «تعني بالتعبير العصري: مواطنين.

وحذف هذه الكلمة لا يتعارض مع شيء من أحكام شريعتنا، أو مقررات ديننا.

ولنا أسوة في ذلك من عمل الخلفاء الراشدين الذين أمرنا أن نستن بسنتهم، وأن نعض عليها بالنواجذ، ولا سيما سنة الشيخين أبي بكر وعمر.

أسوتنا ما صنعه الفاروق عمر – ووافقه الصحابة رضي الله عنهم – مع عرب بني تغلب، وكانوا نصارى منذ عهد الجاهلية. وقد طلبوا إلى عمر أن يأخذ ما يأخذه منهم من التزامات مالية، باسم الزكاة أو الصدقة، ولو كان مضاعفاً، ولا يأخذه باسم الجزية، وقالوا: إننا قوم عرب، ونأنف من كلمة جزية.

تردد عمر في أول الأمر أن يجيبهم إلى طلبهم، ثم نصحه بعض مشيريه أن يستجيب لهم، قائلا: إنهم قوم لهم بأس وقوة، ونخشى أن يلحقوا بالروم، ففكر عمر في الأمر، ورأى أن ينفذ لهم ما أرادوا، وقال: سموها ماشئتم، وقال لمن حوله: هؤلاء القوم حمقى، رضوا المعنى وأبو الاسم!

وكان هذا من الفاروق تقريراً لقاعدة مهمة: أن العبرة ليست للأسماء والعناوين، ولكن العبرة للمسميات والمضامين.

هذا مع أن كلمة» جزية «ذكرت في القرآن، ولكن المقصود هو معناها لا لفظها. ومعناها: أن يدفعوا ضريبة يعلنون بها إذعانهم لسلطان الدولة المسلمة، وقبولهم جريان أحكام الإسلام – غير الدينية – عليهم.

التعبير بالأخوة عن العلاقات الإنسانية:

ومن التعبيرات المطلوبة في عصر العولمة: التعبير بالإخوة عن العلاقة بين البشر كافة، والمراد بها» الإخوة الإنسانية «العامة, على اعتبار أن البشرية كلها أسرة واحدة، تشترك في العبودية لله، والنبوة لآدم، وهذا ما قرره حديث نبوي شريف، خاطب به رسول الإسلام الجموع الحاشدة في حجة الوادع، فكان مما قاله في هذا المقام:

» أيها الناس، إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم، وآدم من تراب، لافضل لعربي على عجمي، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى «.

وهذا الحديث أو الخطاب الخطب - وإن كان المخاطبون به في الأصل هم المسلمين – يتضمن مفهوماً عاماً، يصلح لخطاب الناس جميعاً، فإن رب الجميع واحد، وأباهم واحـد، ولا تفاضل بينهم إلا بالتقوى. وهو مستمد من قولـه تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَروَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ (.

كما أن هذا الحديث يؤكد قول الله تعالى في مطلع سورة النساء: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (.

وما أجدر كلمة» الأرحام «في هذه الآية: أن تشمل – فيما تشمل – الأرحام الإنسانية التي تربط الناس بعضهم ببعض. وفي ذلك يقول شاعر مسلم:

إذا كان أصلي من تراب فكلها بلادي، وكل العالمين أقاربي!

وأولى من ذلك عن التعبير عن العلاقة بين المسلمين ومواطنيهم من غير المسلمين بـ» الأخوة «.

والمراد بها: الأخوة الوطنية أو القومية. فليست» الأخوة الدينية «هي الأخوة الوحيدة التي تصل بين البشر. إنها لاشك أعمق ألوان الأخوة وأوثقها رباطاً.

ولكن لانزاع أن هناك أنواعاً أخرى من الأخوة، مثل الأخوة بين أبناء القبيلة الواحدة وإن اتسعت، أو أبناء الشعب الواحد وإن تكاثر وانتشر، وبين أبناء الجنس الواحد أو القوم الواحد.

ودليلنا على ذلك ما جاء في القرآن الكريم من حديث عن الأنبياء وصلتهم بأقوامهم المكذبين لهم، واعتبار القرآن كل نبي من هؤلاء» أخا «لقومه، وإن عصوه وكذبوه وكفروا برسالته.

اقرأ معي قول الله تعالى في سورة الشعراء: (كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ، إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ، إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (.

فانظر كيف أثبت أخوة نوح لهم، مع أنهم كذبوه، لأنهم قومه، وهو منهم، فهي أخوة قومية لا شك فيها.

ومثل ذلك قوله تعالى: (كَـذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ، إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ (.

وقوله سبحانه (كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ، إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ (.

وقوله: (كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ، إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ (.

ولم تخالف سورة الشعراء هذا التعبير إلا في الحديث عـن شعيـب، فقـال تعالى: (كَذَّبَ أَصْحَابُ الأيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ، إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ (.

فلماذا غاير القرآن الأسلوب هنا، وقال: » إذ قال لهم شعيب «ولم يقل: إذ قال لهم أخوهم شعيب؟

السر في ذلك: أن شعيباً لم يكن من أصحاب الأيكة، بل كان غريباً عنهم، وإنما كان من مدين، ولهذا قال في سورة الأعراف، وفي سورة هود: (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا (. فدلتنا هذه الآيات بوضوح أن من الأخوة مايبنى على غير الدين، وإنما يبنى على اعتبارات أخرى، ومنها: الاعتبار القومي أو الوطني.

ومثل هذه التعبيرات تقرب الآخرين منا، وتزيل الفجوة بيننا وبينهم، وهذا ما يبطل كيد الأعداء المتربصين بنا، والذين يريدون أن يشعلوا فتيل الفتنة بين أبناء الوطن الواحد، ليصطادوا في الماء العكر، ويتخذوا من ذلك ذريعة للتدخل في شؤوننا، والتسلط علينا، والتحكم في رقابنا، وأولى بنا أن نرد كيدهم في نحورهم بمثل هذه المواقف التي تجعل قوى الأمة كلها جبهة متراصة في مواجهة مكرهم وعدوانهم.

أحفاد القردة والخنازير:

ومن الخطاب الذي لا يليق بالداعية المسلم: أن يصف اليهود بأنهم» أحفاد القردة والخنازير «بناء على أن القرآن قد ذكر أن الله تعالى مسخ طائفة منهم اعتدوا في السبت، واستخفـوا بحرمته، واحتالوا على ماحرم الله فيه، فقال لهم: (كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ (. وهم الذين ذكر الله قصتهم مفصلة في سورة الأعراف [٢٠]. وأشار إليها في سورة المائدة، كما قال تعالى: (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللّهِ مَن لَّعَنَهُ اللّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ (.

وهذا الأسلوب في الخطاب غير لائق ولا جائز، لعدة أسباب:

أولها: أن هذا القول غير صحيح، فالذين مسخوا قردة وخنازير، لم يكن لهم أولاد ولا أحفاد ولا نسل، بنص حديث رسولنا محمد (ص) الذي رواه مسلم في صحيحه عن ابن مسعود: » إن الله تعالى لم يجعل لمسخ نسلاً، ولا عقباً. وقد كانت القردة والخنازير قبل ذلك « [٢١]. يشير الحديث الشريف إلى أن القردة والخنازير حيوانات كانت موجودة من قديم قبل حادث المسخ في بنى إسرائيل.

ثانيها: أن هذا أسلوب استفزازي، والمسلم لا يستفز الناس ولا ينفرهم بخطابه، بل هو مأمور أن يتألف الناس، ويحبب الله ودينه ورسوله إليهم، ويبشرهم، ولا ينفرهم، كما جاء في الحديث المتفق عليه عن أنس: » يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا «ولم يستثن اليهود من هذا التوجيه النبوي العام.

ثالثها: أن هذا سبّ مكشوف، والمسلم – ناهيك بالداعية – ليس سبّاباً ولا لعّاناً، وقد نهينا عن سبّ الإنسان والحيوان والطيور والحشرات والظواهر الطبيعية وغيرها، كما ورد في عدة أحاديث. حتى إن القرآن نهانا أن نسب الأصنام، حتى لا يغضب لها عبادها، فيسبوا ربنا عزوجل انتقاماً لها، كما قال تعالى: (وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ (.

رابعه: أن اليهود – أو بني إسرائيل – كما جاء فيهم مسخ طائفة منهم قردة، جاءت آيـات كثيرة تثني عـليهم، كمـا في قوله تعالى: (وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ، وَآتَيْنَاهُم مـِّنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَـلاء مُّبِينٌ ( (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعـَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاء وَجَعَلَكُـم مُّلُوكًا وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّن الْعَالَمِينَ (.

فلماذا لا نذكر إلا الجانب السيء فيهم؟

خامسها: أن الإنسان لا يؤاخذ في الإسلام – بذنب آبائه وأجداده، فكم من أب كافر، وابنه مؤمن، كإبراهيم عليه السلام، والصحابة بعضهم من أبناء مشركي الجاهلية، ولا يتحمل جيل وزر جيل أو أجيال سابقة، شردت عن الحق، وضلت السبيل، إلا إذا رضي عملهم، وتبناه ودافع عنه، فيبوء بإثمه.

ومن هنا لا تؤاخذ اليهود بذنب أجدادهم، لأن الله تعالى يقول: (وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (.

تحريف الإسلام مرفوض:

هذا هو الخطاب الديني الذي كنا ندعو إليه بالأمس. بل تبنيّنا الدعوة إليه منذ عشرات السنين، وهو الذي ندعو إليه اليوم المسلمين، وغير المسلمين، وهو الذي سندعو إليه غداً وبعد غد، لأنه الخطاب الذي تعلمناه من الإسلام نفسه، من هدى الله في كتابه، ومن هَدْى رسوله في سنته.

هو الخطاب الذي دعونا إليه قبل عصر العولمة، وسندعو إليه بعد عصر العولمة.

أما إذا كان عصر العولمة يريد منا خطاباً دينياً جديداً، نحرّف فيه الإسلام عن حقيقته، أو نحرف الكلم عن مواضعه، بحيث نقدم لهم إسلاماً على هواهم: إسلاماً» مستأنساً «، إسلاماً كسير الجناح، منزوع السلاح، لا حول له ولا قوة، يؤمر فيطيع، ويقاد فينقاد، ويطلب من العلماء والدعاة والكتاب، أن يقدموه: عقيدة بلا شريعة، وعبادة بلا معاملة، وسلاماً بلا جهاد، وزواجاً بلا طلاق، وحقاً بلا قوة، ومصحفاً بلا سيف، ودعوة بلا دولة، واقتصاداً بلا أخلاق، وسياسة بلا دين، فهذا إسلام لا نعرفه ولا يعرفنا.

وليس هو إسلام السنة والقرآن، ولا إسلام رسول الله والصحابة ومن تبعهم بإحسان من خير القرون.

إن كان المراد بتغيير الخطاب الديني: تقديم الإسلام على أنه مجرد علاقة بين العبد وربه، وليس منهج حياة للفرد والأسرة والمجتمع والدولة، وأن يتبنى شعار: دع مالقيصر لقيصر، ومالله لله، فهذا إسلام مزيف على المسلمين، ليس إسلام محمد (ص)، ولا إسلام القرآن، ولا إسلام المسلمين، الذي يرفض تقسيم الحياة والإنسان بين الله وقيصر، ويقول: قيصر وما لقيصر لله الواحد الأحد (قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (.

إن كان المراد بتغيير الخطاب الديني: حذف الآيات التي تتحدث عن اليهود، وغدراتهم بالنبي محمد (ص) وأصحابه، وانضمامهم إلى الوثنيين في حربه، أو – على الأقل – غض الطرف عنها، وتجميدها، فلا تتلى في إذاعة ولا تلفاز، ولا يتحدث عنها المتحدثون في خطب ولا دروس ولا محاضرات، فهذا مرفوض من أمة الإسلام. فكتاب ربهم يجب أن يظل متلواً مذكوراً، معلّماً موجهاً، فهو النور المبين، والصراط المستقيم، من علم علمه سبق، ومن قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أجر، ومن دعا إليه هُدي إلى صراط مستقيم.

إن كان المراد من تغيير الخطاب الديني لدى المسلمين: حذف ركنية الزكاة من العبادات، وحذف تحريم الربا من المعاملات، وحذف الحدود من التشريع الجنائي، وحذف الجهاد من فقه العلاقات الدولية، وحذف الغزوات من السيرة النبوية، وحذف خالد بن الوليد، وطارق بن زياد، وصلاح الدين الأيوبي، وسيف الدين قطز، وعمر المختار، وعزالدين القسام من تاريخ المسلمين، فلا ثمّ لا.

إن كان المراد بتغيير الخطاب الديني: إهالة التراب على شعر أبي تمام في فتح عمورية، أو شعر أبي الطيب في انتصارات سيف الدولة على الروم، فلا ثم لا.

إن كان المراد بتغيير الخطاب الديني: تمويث الصحوة الإسلامية، ووأد الدعوة الإسلامية، وإسكات الصوت الإسلامي أو إخراسه، وإعلاء الصوت العلماني الدخيل على الأمة، الغريب عن عقائدها وقيمها ومفاهيمها وحياتها، فهذا مالا يقبله مسلم آمن بقـول ربـه سبحـانه: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا (.

إن كان المراد بتغيير الخطاب الديني: أن تنسلخ الأمة من جلدها، وأن تبرأ من حضارتها وتاريخها، وأن تتنكر لعقيدتها وشريعتها، ولقرآنها وسنتها، وأن تعيش في الحياة ذَنَباً، وقد جعلها الله رأساً، وأن تحيا تبعاً لغيرها، تتبع سننه شبراً بشبر، وذراعا بذراع، لا يكتفى بأن يرسم لها سياستها، بل يخطط ليضع لها مناهج تفكيرها وثقافتها، ومناهج تعليمها وتربيتها، حتى مناهج التعليم الديني نفسه، يرسمه لها، أو يأمرها أن ترسمه وفق رغباته ومصالحه، لتمسى في ظل هذه الفلسفة أمة لا هوية لها، ولا رسالة تتميز بها، ولا تاريخ تعتز به، ولا أهداف كبرى تسعى إلى تحقيقها، ولا مخلب لها ولا ناب تدافع به عن نفسها اِنْ كان هذا هو الخطاب الديني المنشود، فلا أهلاً به ولا سهلاً، ولا مرحباً بخطاب يجعل الأمة مسخاً مشوهاً، فتخسر دينها ودنياها، وتفقد ماضيها وحاضرها ومستقبلها، وتستوجب سخط الله، واحتقار الناس، وخسران النفس، ألا ذلك هو الخسران المبين.

الهوامش:

١ - في أول كتاب لي، وهو كتاب (الحلال والحرام في الإسلام) منذ سنة ١٩٦٠م، وأن أتبنى تيار الوسطية والاعتدال، الذي يتميز بعدة خصائص منها: التيسير في الفتوى والتبشير في الدعوة، والدعوة إلى الحوار والتسامح مع المخالفين. وتجسد هذا النهج بوضوح أكثر، حينما برزت (الصحوة الإسلامية المعاصرة) منذ أوائل السبعينات ولمست حاجتها إلى التسديد والترشيد، حتى لا تحرفها موجات الغلو والتنطع الذي اعتبره الإسلام من مهلكات الأمة.

٢ - أي منذ نشرت الطبعة الأولى من كتاب: (الحلال والحرام في الإسلام) سنة ١٩٦٠م.

٣ - راجع في مفهوم» العولمة «كتابنا» المسلمون والعولمة «ص ٩ - ١٧ طبعة دار التوزيع والنشر الإسلامية بالقاهرة.

٤ - رواه البخاري عن ابن عباس في مواضع من كتابه بأرقام (١٣٩٥، ١٤٩٦، ١٤٥٨) وغيرها، ورواه مسلم أيضا.

٥ - فتح الباري (٣ / ٣٥٨) شرح الحديث رثم (١٤٩٦) في كتاب الزكاة.

٦ - رواه أبو داود في كتاب الملاحم من سننه، والحاكم في المستدرك، والبيهقي في معرفة السنن.

٧ - منها: » الصحوة الاسلامية بين الجمود والتطرف «و» الصحوة الإسلامية وهموم الوطن العربي والاسلامي «و» الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم «و» أين الخلل؟ «و» أولويات الحركة الإسلامية «و» فقه الأولويات «وغيرهما. كما أصدرت سلسلة» رسائل ترشيد الصحوة «وقد ظهر منها الآن اثنتا عشرة رسالة.

٨ - رواه البخاري (٢٨٤٣) ومسلم (١٨٩٥) عن زيد بن خالد.

٩ - رواه البخاري معلقا في كتاب العلم من صحيحه.

١٠ - متفق عليه عن أنس. كما في اللؤلؤ والمرجان (١١٣١).

١١ - متفق عليه عن أبي هريرة. اللؤلؤ والمرجان (٨٤٦).

١٢ - البخاري مع الفتح الحديث (١٤٥٨) طبعة السلفية. وقد رواه مسلم أيضا.

١٣ - رواه البخاري عن أبي هريرة.

١٤ - رواية أخرى للحديث السابق.

١٥ - انظر: (في ظلال القرآن) لسيد قطب، ص ٢٢٠٢ طبعة دار الشروق.

١٦ - رواه البخاري (٢٩٣٣) ومسلم (١٧٤٢) عن عبدالله بن أبي أوفى.

١٧ - رواه أبو داود (١٥٣٧) عن أبي موسى الأشعري.

١٨ - رواه البخاري في مواضع عدة من صحيحه عن أبي هريرة (٣٠٤٥)، ٣٨٨٩، ٤٠٨٦، ٧٤٠٢) وانظر: فتح الباري (٩ / ٣٥٢) طبعة دار أبي حيان.

١٩ - انظر تفسير القرطبي: (١٠ / ٢٧٧). وتفسير الفخر الرازي (٢٠ / ٢٢٨).

٢٠ - في قـولـه تعالى: (واَسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ (الآيات ١٦٣ - ١٦٦.

٢١ - وقد رواه الإمام أحمد أيضا، كما في صحيح الجامع الصغير (١٨٠٧).



[ Web design by Abadis ]