ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 الرحلة بين المعرفة و التفويض \ الاستاذ الشيخ محمد مهدي الآصفي *

ملخّص

بين (معرفة) الله و (تفويض) الامر اليه مسيرة فيها كل مراحل تكامل الانسان، ونقطة البداية هي أن يتعلم الانسان (أدب العبودية) وبدونه لا يمكن أن يتقدم على هذا الطريق اللاحب الطويل. والمرحلة الأخيرة هي التفويض وهو أن يذوب الانسان في إرادة الله. واكبر عائق أمام هذه المسيرة التكاملية هو صنم « الذات » و « الأنا » ، وإذا تم للعبد افناء (الأنا) فقد وقع بالكامل في امتداد إرادة الله العزيز القهّار. والغاء الانا ليس تعطيلا للارادة وإنما هو ارتفاع الانسان الى مستوى تسديد الله سبحانه لارادة هذا الانسان، وبين المعرفة والتفويض مراحل تكاملية متوسطة تشدّ العبد بالله تعالى بوثاق الحبّ والهيام والوجد.

عن رسول الله (ص): « أول العلم معرفة الجبّار وآخر العلم تفويض الأمر إليه » .

أول ما تعرفت على هذا الحديث يوم بدأت الدراسة الدينية في النجف الأشرف، وفي أول درس تلقيته من كتاب في الاشتقاق. ولا أزال أذكر إسم الكتاب (شرح

ـ

* - عالم كبير من العراق.

الأمثلة) … بدأ أستاذنا رحمه الله تعالى الدرس بهذا الحديث الشريف، وشرحه شرحا موجزا ومنذ ذلك الحين ثبت هذا الحديث الذي تلقيته في الدرس الأول في حياتي العلمية في ذاكرتي، إلا أنني لم أعرف حينئذ المغزى الدقيق والعميق له، وبعد ذلك بزمن ليس بقصير عرفت بعض ما في هذا الحديث من دلالات وأفكار. فهو يختزل على وجازته كل الرحلة الطويلة للإنسان في عالم المعرفة، من (المعرفة) الى (التفويض)، وهي رحلة طويلة وشاقّة. ولكنها رغم مشقتها شيّقة. وكل شاقّ في الحب شيّق.

في هذه الرحلة يقطع الإنسان منازل ومراحل من المعرفة والسلوك، وتتداخل في هذه الرحلة المعرفة بالسلوك.

بداية هذه الرحلة (معرفة الجبّار)، والمرحلة الأخيرة منها (تفويض الأمر إليه)، وبينهما مراحل متوسطة كثيرة شاقّة وشيّقة، فمن الناس من يقف دون المرحلة الاولى

الى المراحل المتوسطة. والناس في المراحل المتوسطة على مستويات ومراتب كثيرة،

حسب المرحلة. وكلما تتقدم المرحلة يقلّ العدد. أمّا الذّين يبلغون آخر الشوط حيث يفوّض العبد الأمر الى الله فأقلّ من القليل.

* * *

هذه الرحلة رحلة الى الله تعالى. والرحلة الى الله تعالى صعبة، وشاقّة وعسيرة، وعلى طريق ذات الشوكة. وذلك أنها بعكس جاذبية الهوى والأنا تماما. وكل رحلـة (داخل النفس) بخلاف الهوى والأنا شاقّة وعسيرة، إلا أنها رحلة شيّقة في نفس الوقت، ولا يحجب ما في هذه الرحلة من عناء وعذاب العبد السالك عمّا فيها من لذّات وبهجة.

* * *

وهذه الرحلة كلها معرفة. لأن الرحلة الى الله تعالى في كل منازلها معرفة. أولها معرفة الجبّار، وآخرها تفويض الأمر إليه، وهو أعلى مراحل المعرفة، وبين هذه البداية وتلك النهاية منازل ومراحل شتى مختلفة متفاوتة من المعرفة لا نستطيع أن نحصيها في هذه المقالة فضلا عن الشرح والبسط.

هذه الرحلة رحلة النور والبصيرة، وفي كل منزل من منازلها درجة من النور والمعرفة فوق المنزل الأول، ويتعاكس في منازل هذه الرحلة ظهوران إثنان: الظهور الإلهي في قلب العبد، وظهور (الأنا) و (الهوى) في نفسه وسلوكه. وكلما يتقدم العبد منزلا من منازل السلوك والسفر إلى الله تعالى، يزداد الظهور الأول قوة وظهورا في نفس العبد، ويختفي بقدره (الهوى) و (الأنا) والتّعلق بالدنيا في نفس العبد وسلوكه، حتى يختفي (الهوى) تماما في منزل التقوى ويختفي التعلّق بالدنيا عن أفق الناس تماما في منزل (الزهد).

ولكن يبقى (الأنا) و (الذات) تلاحق الانسان في هذه الرحلة حتى المنزل ما قبل الأخير.

وفي كل منزل يزداد الظهور الالهي قوة وظهورا في قلب العبد بالنسبة الى المنزل السابق عليه من منازل السلوك، وبمقداره يختفي الهوى حتى يختفي تماما، الا ما يكون منه مطاوعا لأمر الله تعالى ونهيه، ويختفي الأنا والذات ويضعف حتى يفنى (الأنـا) و (الذات) تماما في مرحلة (التفويض)، وهي المرحلة الأخيرة في هذه الرحلة.

وفي هذا المنزل يكون كل شيء، من نفس العبد وإرادته وحركته تحت تصرف الله تعالى … ويكون تعالى هو الحاكم المهيمن على قلب العبد وسلوكه وإرادته وعقله وحركته في هذه الرحلة.

وسوف نتحدث عن هذا الحديث الشريف في ثلاث فصول:

الفصل الأول في نقطة البداية من هذه الرحلة، وهي معرفة الجبّار. ولماذا كانت بداية هذه الرحلة المعرفة؟ ولماذا معرفة الجبّار؟

والفصل الثاني في نقطة النهاية في هذه الرحلة، وهي (التفويض)، وهي الغاية في هذه الرحلة الطويلة، ولماذا هي الغاية والنهاية؟

والفصل الثالث في المنازل المتوسطة بين تلك البداية وهذه الغاية.

ونسأل الله تعالى أن يرزقنا وعي هذه المنازل وطيّها.

نقطة البداية في هذه الرحلة

نقطة البداية في هذه الرحلة: معرفة الجبّار. وهي بداية كل معرفة، فان معرفة الله تعالى أصل كل معرفة حقّة، وبدايتها. وكل معرفة حقّة تنحدر عن هذه المعرفة، وكل ما لا ينحدر عن هذه المعرفة وما لا يؤول إليها، وما يتقاطع معها فهو من الثقافة الباطلة.

وتغطّي هذه البداية كل مساحة المعرفة، وكل مساحة السلوك الى الله تعالى، وكل مساحة شبكة العلاقات في حياة الإنسان. ولهذا الإجمال تفصيل، ليس محلّه الآن.

العلاقة بين المعرفة والسلوك:

و (المعرفة) أحد الوجهين، والوجه الآخر (السلوك)، سواءاً كان السلوك سلوكاً جارحيا ١ أم سلوكا جانحيا ٢.

وبين (المعرفة) و (السلوك) علاقة وثيقة، لا يمكن عزل أحدهما عن الآخر.

إنّ لكل معرفةٍ، سلوكية تخصّها، معرفة الالوهية، تستتبع سلوكية الطاعة والعبودية

ومعرفة الربوبية تستتبع الاستعانة ومعرفة رحمة الله تعالى تستتبع سلوكية الأمل والرجاء. ومعرفة القهّار الجبّار تستتبع سلوكية الخوف والطاعة. ومعرفة الغفور الرحيم تستتبع الاستغفار. ومعرفة جمال الله تعالى تستتبع الحمد. ومعرفة جلال الله تعالى تستتبع التسبيح. ومعرفة نعم الله تعالى تستتبع الشكر. ومعرفة حكمة الله تعالى تستتبع التفويض والتسليم. ومعرفة الشهود والحضور الالهي تستتبع المراقبة. وهكذا لكل نموذج من المعرفة نموذج من السلوك الجوارحي أو الجوانحي يشتقّ منها معرفة الجبّار.

والآن لماذا معرفة الجبّار في بداية هذه الرحلة الطويلة؟

نقطة البداية، في هذه الرحلة الطويلة، أن يعرف الإنسان أنّه محكوم لإرادة الله تعالى، وأنّ الله تعالى يحكمه، في التكوين والتشريع.

ولا سبيل للإنسان الى الخروج عن دائرة سلطان الله وحاكميته. ولا يسعه غير الطّاعة والتسليم …

وهذا هو معنى (الجبّار)، في أسماء الله تعالى وصفاته الحسنى، ولا يسع الإنسان إزاء الجبّار الا أن يطيع ويستسلم.

فهو القابض، الباسط، المحيي، المميت، المعزّ، المذل، الرافع، الواضع، الخالق، المدبّر، الضارّ، النافع، الرزاق، القهّار، الوهّاب، المانع، الجبّار، الحاكم، فعّال لما يشاء، يفعل ما يشاء، ولا يفعل ما يشاء غيره، وكل شيء خاضع لأمره، وكل حول وقوة تقوم به تعالى: (إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ( (لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ ( (قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ ( (وَاللّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء ( (وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء، وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء، وَتُعِزُّ مَن تَشَاء، وَتُذِلُّ مَن تَشَاء، بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِير ٌ ( (فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ ( (قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ ( (وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ ( (قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ا

للّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا ( (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ ( (لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( (إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِين َ ( (لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ (.

ووعي سلطان الله تعالى وحكمه وقهره وجبره وملكه ونفوذ حكمه وأمره هو المدخل الى الطاّعة والعبودية، والطّاعة والعبودية المنزل الأول من منازل العروج الى الله تعالى. وهذا إجمال لا بدّ له من تفصيل، وإليك هذا التفصيل.

الحتمية التكوينية والتشريعية

إنّ الله تعالى يحكم عباده بحتميتين (جبرين):

١ – الحتمية التكوينية.

٢ – الحتمية التشريعية.

الحتمية التكوينية وهي اولى الحتميتين، ويخضع الإنسان لها في الدنيا والآخرة. فهو تعالى يخلق ما يشاء كيف يشاء، أين يشاء، فعّال لما يريد، لا يُسأل عمّا يفعل، وهم يُسألون.

يخلق الذكر والأنثى، والذكي والبليد، ويعزّ من يشاء ويذل من يشاء، يهب الملك لمن يشاء، وينزع الملك عمّن يشاء، يضع ويرفع، ويحيي ويميت، ويرزق ويمنع: (يَهَبُ لِمـَنْ يَشَاء إِنَاثًا وَيَهَـبُ لِمَن يَشَاء الذُّكُورَ ( (هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُون َ ( (وَرَبـُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ، سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ( (وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء ( (فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيد ُ ( (وَكَانَ أَمْرُ اللّهِ مَفْعُولاً ( (أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ ( (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء (.

له الملك المطلق والسلطان المطلق يوم الدّين: (مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ (.

والحتمية التكوينية على نحوين: الحتمية التكوينية المطلقة والمعلّقة

القسم الأول من الحتمية نحو قوله تعالى: (يُحْيِي وَيُمِيتُ ( (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء ( (يَهَبُ لِمَنْ يَشَاء إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاء الذُّكُورَ (.

والحتمية المعلقة نحو قوله تعالى: (إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ( (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ( (وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ( (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ ( (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ (.

فإنّ هذه الآيات ايضا ترسم صوراً من الحتميات التكوينية، الا انها على نحو التعليق، وبذلك فلا تنفي إختيار الإنسان، الا أن النتيجة حتمية، وإن كانت المبادئ اختيارية. وهذا نحو من التزاوج بين الحتم والاختيار، لا ينفي اختيار الإنسان، ولا ينفي حتمية القضاء والحكم الإلهي. فيكون للإنسان الاختيار في المبادئ. ويكون القضاء الحتم لله تعالى في النتائج.

وهو نحو من أنحاء (الأمر بين الأمرين) الذي ورد عن طريق أهل البيت عليهم السلام.

الإنسان بين الحتمية المطلقة والحتمية المعلّقة

وتقع حياة الإنسان بين هاتين الحتميتين الإلهيتين: المطلقة والمعلّقة، فيشعر أنّه مقهور بسلطان الله تعالى، يعيش في دائرة السلطان الإلهي المعلّق في الدنيا والآخرة، حيث لا سلطان إلا سلطان الله تعالى.

وحتى في المساحة التي مكّنه الله تعالى فيها من الاختيار، في حياته الدنيا لا يملك النتائج، ولا بدّ له من أن يخضع لسلطان الله تعالى في النتائج.

ولكن هذا السلطان الإلهي المنبسط على الكون، وفي حياة الإنسان في الدنيا والآخرة، في المساحة الحتمية المطلقة، وفي المساحة الحتمية التعليقية … قائم على العدل والحقّ، وليس في هذا السلطان الإلهي على الكون وعلى حياة الإنسان ظلم أو باطل: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ ( (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحقِّ ( (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ (.

فيشعر الإنسان تجاه الله تعالى بالخضوع والركون … (الخضوع) لأنه مقهور لهذا النظام التكويني القائم على الحتمية القطعية والتعليقية، و (الركون) لأن هذا النظام الكوني الحتمي قائم على الحقّ والعدل، وليس على الباطل والظلم.

الحتمية التشريعية

الى جانب الحتمية التكوينية (الجبر التكويني)، الحتمية التشريعية (الجبر التشريعي)، وهي الإلزامات الإلهية في حياة الإنسان.

وتغطي الشريعة حياة الإنسان بطائفة واسعة من الإلزامات والتكاليف.

وهذه التكاليف والإلزامات التشريعية موجودة في كل الشرائع الإلهية، لا تخلو منها شريعة. وهي قائمة على القسط والعدل والحقّ: (قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ ( (وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ (.

والإنسان ازاء هذه الإلزامات التشريعية يجب أن يلتزم بالطاعة. غير أن هذه الطاعة تتم باختيار الإنسان وكامل حريّته، ولا تسلبه حريّته في اتّخاذ القرار. فإنّ الجبر التشريعي لا يسلب الإنسان حرية القرار والإختيار، بخلاف الجبر التكويني الذي يسلب الإنسان حرية القرار والاختيار.

ويشعر الإنسان إلى جانب الطاعة بالركون والاطمئنان، لأنّ الشريعة قائمة على أساس القسط والعدل والرحمة.

الإنسان بين الجبر التكويني والتشريعي

ويقع الإنسان بين هذين الجبرين (الجبر التكويني والتشريعي) … فيشعر بالخضوع لأحكام الله التكوينية وقضاء الله وقدره، وأنّه ليس بوسعه أن يخرج عن دائرة سلطان قضاء الله تعالى وقدره، وأنّه مقهور، مجبور، في هذه الدائرة، ويشعر في الدائرة التشريعية بالإلزامات الإلهية التي تلزمه وتجبره على الطاعة … ولا سبيل له الى الخروج عن دائرة الطاعة إلا بالعصيان والإثم. وهو، بين تلك الحتمية وهذه الحتمية في الدائرة التكوينية والتشريعية.

والنتيجة التي يخرج بها الإنسان من معايشته هاتين الحتميتين هي مزيج من الخضوع والطاعة: الخضوع لقضاء الله تعالى التكويني والطاعة لأحكامه التشريعية، وهو معنى العبودية.

وهذا الخضوع وهذه الطاعة يتمّان عن ركون واطمئنان نفسي، لعلم الإنسان بأنّ أحكام الله تعالى في التكوين والتشريع قائمة على أساس الحقّ والقسط. وهذه هي نقطة البداية في علاقة الإنسان بالله.

إن نقطة البداية في هذا الطريق هي الطاعة والخضوع لله تعالى، وهي تحصل من معرفة الجبّار. إنّ الطاعة هي أدب العبودية، ومن غيرها لا يمكن أن يتقدّم الإنسان خطوة واحدة على هذا الطريق الصعب والوعر: (وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ( (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ( (يـَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فـِي النَّارِ يَقُولُـونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا (.

المنزل الاخير: (التفويض)

المنزل الأخير من منازل السالكين الى الله تعالى، التفويض. وقد وردت هذه الكلمة في القرآن الكريم على لسان مؤمن آل فرعون، عندما كان يحاوره قومه، فيدعوهم إلى الله، فيهددونه ويخوفونه، فيقول لهم: (وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيـرٌ بِالْعِبَاد، فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا، وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (.

وهذا المنزل هو القمّة في حركة العبد إلى الله، يترك العبد تدبير أمره كلّه لله تعالى، ويضع نفسه وإرادته وقلبه وعقله، وجوارحه، وجوانحه، وحاضره، ومستقبله، وموقعه، ودنياه، وآخرته تحت تصرّف الله تعالى يفعل به ما يشاء.

واثقا بأنّ تدبير الله تعالى خير من تدبير العبد. وإذا استقلّ الإنسان بتدبير أمره فإنه يخطئ ويصيب، وما يخطئ أكثر مما يصيب، ولكن إذا أوكل تدبير أمره إلى الله تعالى فلا يريد الله به إلا ما يصلحه، ولا يكون إلا ما يريده الله تعالى.

* * *

والله خالق ومدبّر.

والتدبير غير الخلق … وقد خلق الله السماوات والأرض في ستة أيام (مراحل)، ثم استوى في المرحلة السابعة على العرش يدبّر أمر الكون.

واليهود يعتقدون أنّ الله تعالى استراح في اليوم السابع ٣ وترك أمر الكون والإنسان للقوانين التي خلقها في الكون وفي المجتمع.

وهذه القوانين الكونية والاجتماعية هي التي تدبّر الكون والمجتمع … ولا تتدخل الإرادة الإلهية في تدبير الكون … وليس الأمر كذلك في القرآن الكريم. اليوم السابع في القرآن الكريم يوم التدبير وليس يوم الإستراحة، ويد الله تعالى مبسوطة في تدبير الكون والمجتمع منذ أن خلق الله الكون والإنسان: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مـِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ (٤ (وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاّ أَن يَشَاء اللَّهُ (.

فإذا عرف الإنسان أنّ الله تعالى هو مدبّر هذا الكون، وأنّ الله تعالى بصير بعبده، خبير بما يصلحه ويفسده، رؤوف به، رحمن رحيم، فوّض تدبير أمور حكمه إليه تعالى بثقة واطمئنان.

إن التفويض هنا: ايمان وتسليم. ايمان بأنّ الأمر كلّه بيد الله، وله الحكم والسلطان المطلق، في السّراء والضرّاء، وأنّ الله تعالى بصير بالعباد، رحمن رحيم، حكيم وهذا الشطر الأول من (التفويض).

والشطر الثاني من التفويض، وهو كالنتيجة للشطر الأول، التسليم لله تعالى في كل أمر، والرضا بأمر الله، دون قلق وارتباك، وأن يدع الإنسان تدبير أمره كلّه لله سبحانه.

عن رسول الله (ص): « عجبت للمرء المسلم، أنّه ليس من قضاء يقضيه الله عزّ وجلّ إلا كان خيرا في عاقبة أمره » ٥.

وعن رسول الله (ص): « أحقّ خلق الله أن يسلم لما قضى الله عزّ وجلّ من عرف الله عزّ وجلّ » .

عن أبي عبيد الحذاء عن أبي جعفر الباقر؟ قال: قال رسول الله (ص): (قال الله) « إنّ من عبادي المؤمنين لعباداً لا يصلح لهم أمر دينهم إلا بالفاقة والمسكنة والسقم في أبـدانهم، فأبلاهم بالفاقة والـمسكنة والسقـم، فيصلح لهم أمر ديـن عبادي (أمر دينهم) ٦ » .

وعن أبي جعفر الباقر؟ : « ما أبالي أصبحت فقيرا أو مريضا أو غنيا لأنّ الله يقول: لا أفعل بالمؤمن إلا ما هو خير له » ٧.

وعن أبي جعفر الباقر؟ قال: (قال رسول الله (ص) عجبا للمؤمن لا يقضي الله عليه قضاء إلا كان خيرا له، سرّه أو ساءه، إن ابتلاه كان كفّارة لذنبه، وإن أعطاه وأكرمه كان قد حباه » ٨.

وعن أبي عبد الله الصادق؟ قال: « فيما أوحى الله إلى موسى بن عمران يا موسى ما خلقت خلقا أحبَّ إليُّ من عبدي المؤمن، وإنّي إنّما أبتليه بما هو خير له، وأعطيه لما هو خير له، وازوي عنه لما هو خير له، وأنا أعلم بما يصلح عليه، فليصبر على بلائي، وليرض بقضائي، وليشكر نعمائي، أكتبه في الصدّيقين عندي، إذا عمل برضاي وأطاع أمري » ٩.

وعن الصادق؟ : « إن أعلم النّاس بالله أرضاهم بقضاء الله عزّ وجلّ » ١٠.

وعن ابن سنان عمّن ذكره قال، قلت لأبي عبد الله؟ : بأي شيء يعلم المؤمن بأنّه مؤمن، قال: « بالتسليم لله، والرضا فيما ورد عليه من سرور أو سخط » ١١.

وعن أبي عبدالله؟ أنه قال: « لم يكن رسول الله (ص) يقول لشيء مضى لو كان غيره » ١٢.

وعن أنس بن مالك أنه قال: « خدمت النبي (ص) عشر سنين، وما قال لي لشيء فعلته: لم فعلت؟ ، ولا لشيء لم أفعله: هلا فعلت؟ ، ولا في شيء لم يكن: ليته كان، وكان إذا خاصمني مخاصم من أهله يقول: دعوه، لو قضى شيء لكان) ١٣.

* * *

واذا عرف الإنسان هذه البصيرة التوحيدية فوّض أمره إلى الله تعالى، والتفويض هنا قمّة التوحيد.

عن أمير المؤمنين؟ : « الإيمان له أركان أربعة: التوكّل على الله، وتفويض الأمر الى الله، والرضا بقضاء الله، والتسليم لأمر الله » ١٤.

فيفوض الإنسان أمره اليه تفويضا كاملا، بثقة واطمئنان، كما يفوض المريض أمره الى الجرّاح، يفتح صدره بالسكّين، وكما يسلّم الراكب في الطائرة أمره الى الطيار في أعماق الجوّ، مطمئنا واثقا.

ولا تنطبق هذه الأمثلة على التفويض، فإنّ التفويض أرقّ وأدقّ من ذلك، وإنما نستعين بها على فهم الموضوع.

إن المريض إنّما يسلّم أمره إلى الجرّاح، والمسافر في الوادي والبراري إنّما يسلّم أمره إلى الدليل، وركاب الطائرة إنّما يسلّمون أمورهم إلى الطيّار لأداء مهمة معيّنة يطلبونها، وهي إعادة السلامة إلى المريض والدلالة في الصحاري والبوادي، وسلامة الوصول لركاب الطائرة.

وهذا أمر آخر غير التفويض … إنّ هؤلاء يعتمدون الطبيب والدليل والطيار في مهمة معيّنة، ثقة بهم في أداء هذه المهمّة، ولو علم المريض أنّه لن يعود إلى الحياة بعد أن يشقّ الجرّاح صدره، ولو علم راكب الطائرة أنه لن يعود إلى الأرض، بعد ما يقلع به الطيّار إلى السماء لما سلّموا أزمّة أمورهم إليهم.

وإنّما (التفويض) أن يسلّم الإنسان كل أمره إلى الله، ويدع الأمر إلى الله – بالكامل – فيما يحب وما لا يحب، وما يريد وما لا يريد، ويجرّد نفسه عن كل إرادة وحب ورغبة، ويفوّض أمره كله إلى الله تعالى ليدبّر أموره كما يحب ويريد، بالسرّاء أوالضرّاء، وبالرخاء أو العسر، وبالغنى أو الفقر، وبالمرض أو السلامة، من دون اعتراض، ولا رفض، ولا عتاب.

وقد قرأنا قريبا أن رسول الله (ص)، لم يكن يقول لشيء قد مضى: (لو كان غيره).

وهذا معنى التفويض. وهو بمعنى (التسليم المطلق لله تعالى). وليس للتسليم معنى غير هذا المعنى.

في منزل التفويض يختفي (الأنا) تماما عن ساحة النفس في التعامل مع الله تعالى، ويتجرّد الإنسان، عن كل ذاته وأنانيته بإرادته، لتكون إرادته ورغباته في امتداد ما يريد الله تعالى.

والأنا حبٌّ، وبغض، وعزم، ورفض، ورغبة، وعزوف … فإذا أراد الإنسان أن يفـوّض أمره إلى الله تعالى … يجب أن يتجرّد عنها جميعا … وهو بمعنى التجرّد عـن (الأنا) و (الذّات).

وليس بوسع أحد أن يأخذ معه (الأنا) الى منزل التفويض في سلوكه إلى الله. إنّ الإنسان قد يصطحب معه (الأنا) في أيّ منزل من منازل السلوك إلى الله، بِقَدَرٍ أو بآخر … اما في منزل (التفويض) فلا يصطحب الإنسان معه شيئا من (الأنا) قط.

وإنّما نقول يضع أمره تحت تصرّف الله تعالى، ليفعل به ما يشاء، من غير اعتراض ورفض أوعتاب أو انكماش … فتتألّف الجملة من فعل وفاعل حسب قواعد اللّغة العربية (يضع أمره) لأنّ وعاء اللّغة لا يتّسع لأكثر من ذلك، ولا تتسع اللّغة أن تعبّر عن موضع الإنسان في هذا المنزل، فليس في هذا المنزل فعل وفاعل، وإنّما هو فعل فقط، ويبقى الفاعل (الأنا) خلف الأبواب، لا يؤذن له بالدخول إلى هذا المنزل، ولكن أداة اللّغة أداة عاجزة عن تصوير رحلة الإنسان إلى منزل التفويض.

وسلام على إسماعيل، عندما قال له أبوه إبراهيم عليه السلام في وادي منى، حيث لا يشهـده إلا الله ومـلائكته: (يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى (، … لم يشأ أبوه إبراهيم عليه السلام أن يجردّه من إرادته ورغبته وحبّه، وإعراضه وإقباله وأنانيته قسرا، (فَانظُرْ مَاذَا تَرَى (ليدخل هذا المنزل، إذا شاء بملء إرادته، ولن يدخل الإنسان هذا المنزل، إلا بكامل إرادته.

فقال الفتى اليافع، اسماعيل عليه السلام لأبيه الطّاعن في السنّ إبراهيم عليه السلام: (يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَـرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (، فأطلق يد أبيه الشيخ الكبير، في أن يذبحه، من غير اعتراض، ولا إعراض، ولا انكماش، ولا توقّف: (يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ (، ووعده أن يكون صابراً تحت حدّ السكّين، لا يصرخ ولا يصيح، ولا يضطرب (سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (.

ولكن ما إن تفوّه بهذه الكلمة (ستجدني (حتى عرف أنّه أصطحب معه ظِلاًّ من الأنا باهتة معه إلى هذا المنزل (ستجدني (، وهو ما لا ينبغي أن يكون. فهو لا يدخل هذا المنزل الرفيع إلا بعد أن يتجرد من (الأنا) بشكل كامل، فلا يصطحب معه ظلالا أو أثراً للأنا إلى هذا المنزل، فيتدارك عليه السلام الأمر سريعاً، ليدفع الأنا وإيحاءاته عن نفسه، فيقول (إن شاء الله (بعد كلمة (ستجدني (مباشرة، فهو بمشيئة الله يصبر، وليس بعزمه وإرادته.

إنّ مركب اللّغة مركب ضعيف لا يتحمّل المعارج العالية للعبد إلى الله تعالى، فلا محالة تعجز اللّغة، عمّا تطيق النفس من المنازل العالية التي يعرج فيها الإنسان الى الله.

* * *

إن منزل (التفويض) قمّة التوحيد. وآخر مراحل السير والسلوك الى الله تعالى، يغيب فيها الأنا والذات غيابا كاملا.

وإذا تم للعبد إفناء (الأنا) في هذه المرحلة من مراحل السلوك الى الله … يقع بالكامل في امتداد إرادة الله. فتكون إرادته وعزمه من إرادة الله تعالى، وعزوفه وانصرافه عن إرادة الله، وحبّه وبغضه لما يحبّ الله ويبغض. ولا يحبّ إلا ما يحب الله ولا يبغض إلا ما يبغض الله، ويحبّب الله تعالى إليهم الإيمان والعمل الصالح فيحبّونه، ويُكرِّهَ إليهم الكفر والفسوق والعصيان، فيكرهونه: (وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُـمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فـِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (.

وهذا التّحبيب والتكريه في النفوس من فعل الله تعالى وإرشاده لقلب عبده (أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (، يتمّ بإرادة العبد وحبّه وكرهه.

وعكس ذلك أيضا يكون، حيث يريد الله أن يعاقب عبده العاصي فيسلب منه هذا الرشد ويكره انبعاثهم إلى الجهاد، فلا ينبعثون له، ويثبّطهم عن الخروج، فيقعدون مع الخـوالف: (وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً وَلَكِن كَرِهَ اللّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ (.

هؤلاء يكلهم الله تعالى إلى أنفسهم، ويسلب منهم الرشد، فلا يريدون ما يريد الله، ولا يحبّون مـا يحبّ الله، ويـنزعون إلى ما يكره الله تعالى، وينبعثون الى ما يغضب الله تعالى.

* * *

وعندما تكون إرادة العبد وحبّه وبغضه وإقباله وإعراضه ورغبته وعزوفه … في امتداد حبّ الله وبغضه وإرادته وكرهه … كان الله سمعه الذي به يسمع، وبصره الذي به يبصر، ولسانه الذي به ينطق، ويده التي بها يبطش، إذا دعاه أجابه، وإذا سأله أعطاه.

في الحديث القدسي عن رسول الله (ص): « قال الله: ما تحبب إلي عبدي بشيء أحبَّ إليَّ مما افترضته عليه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به ولسانه الذي ينطق به، ويده التي يبطش بها … إذا دعاني أجبته، وإذا سألني أعطيته، وما تردّدت في شيئ أنا فاعله كتردّدي في موت المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته » ١٥.

وسبب هذه البصيرة القويّة في السمع والبصر، والقوة في البأس، والسداد في المنطق والخطاب … أنّ إرادة العبد وسمعه وبصره وعقله وحبّه وبغضه، ويده، ولسانه تكون في امتداد ما يحبّ الله ويريد، فيتّصل المحدود بالمطلق، والظلام بالنور المطلق، فيكتسب الإنسان عندئذ هذا النصر والسداد والقوة.

* * *

إنّ (الأنا) يحجب الإنسان عن الله، وهو والهوى من أعظم مصائب الإنسان، وإذا تمكّن العبد من أن يتجرّد منهما فقد استطاع أن يتخلّص من أعظم مصيبتين في حياته (الهوى والأنا).

وهما حجابان وعائقان يحجبان العبد ويعيقانه عن الله تعالى، وأخفّهما (الهوى)، وأشقّهما (الأنا)، وقد يتجرّد الإنسان عن الهوى في المنازل الاولى للسلوك (منزل التقوى والطّاعة)، ولكنّ (الأنا) يبقى يطارده ويلاحقه في منازل السلوك، والعروج، إلا منزل التفويض، الذي لا يدخله الأنا قط، ولله درّ القائل:

فأرفع بلطفك إنيّي من البين

بيني وبينك إنيٌّ ينازعني

فقد وضع يده على أعظم مصائب الإنسان في سلوكه إلى الله تعالى، وشخّص بدقّة الحجاب الأكبر الذي يحجبه عن الله.

إنّ من يتمكن أن يزيل حجاب الأنا بينه وبين الله تعالى، يصل حوله وقوّته وبصره وسمعه وعزمه وإرادته بالله تعالى … فيكون حوله موصولا بحول الله تعالى، وبصره موصولا ببصر الله تعالى وسمعه موصولا بسمع الله تعالى، فلا يُقهَرُ ولا يَضلُّ.

وهذا هو منزل التفويض الذي يتنازل فيه الإنسان عن (الأنا) , وما يريد وما لا يريد، ويدع الأمر كله لله تعالى ليريد له ما يشاء ويصرفه عمّا يشاء ويعطيه ما يشاء، ويمنع عنه ما يشاء.

* * *

وإن الانسان كل إنسان – لا محالة – لا يخرج عن قبضة سلطان الله وقدرته، ولا يمكن أن يريد ما لا يريده الله تعالى: (وَمَا تَشَاؤُونَ إِلا أَن يَشَاء اللَّهُ (١٦.

فالانسان خاضع لمشيئة الله تعالى وإرادته، على كل حال، وإرادته وعمله في امتداد إرادة الله ولكن الفارق بين هذا الخضوع لمشية الله تعالى وخضوع الإنسان في مراحل العروج إلى الله تعالى … أنَّ الأول يتم بصورة قهرية والثاني يتمّ بصورة طوعية من قبل العبد … وكل قيمة هذه التبعية والامتداد أن يكون طوعيّا وبإرادة الإنسان… هذا أولا.

والفارق الثاني أنّ الإرادة الإلهية في الاولى تكوينية قهرية، وفي الثانية تشريعية.

وكمال الإنسان في حركته وسلوكه إلى الله أن يكون خضوعه وتبعيته لإرادة الله عن طوع واختيار. وقيمة الإنسان في اتّباع الارادة التشريعية لله تعالى. وأمّا الإرادة القهرية التكوينية لله تعالى فإنّ الإنسان يخضع لها رغم إرادته.

* * *

ولقد قلنا من قبل، ونزيده هنا توضيحا وبيانا.

إنّ (الظهور الإلهي) و (بروز الأنا) والهوى والتعلّق بالدنيا في مراحل السلوك الصاعدة والنّازلة متعاكسة، فكلّما ينتكس الأنا في مراحل السير إلى الله تعالى يضعف الظهـور الإلهي في نفس الإنسان ويقوى بروز الأنا والهوى، حتى يبلغ الحضيض عنـد (أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى (الذي نطق به فرعون.

وبالعكس كلّما يعرج الإنسان في معارج السلوك إلى الله تعالى يخفت بروز الأنا والهوى ويقوى الظهور الإلهي في نفس العبد، فيقوى عند الإخلاص لله والطاعة والإنقياد لله، وإبتغاء مرضاة الله، وتقوى الله. وتخفّ عنده الأنانية والذاتية، وطغيان الهوى، والتعلّق بالدنيا.

وهذا خطّان متعاكسان في سلوك الإنسان الى الله تعالى.

فيضعف الهوى حتى يختفي تماما في منزل التقوى بينما يقوى الظهور الإلهي في نفس العبد في معارج الصعود إلى الله تعالى.

وفي منزل (الزهد) يضعف حب الدنيا والتعلق بها في الإنسان حتى يختفي تماما أو يكاد أن يختفي، وبقدر ما يختفي وينتفي يبرز الظهور الإلهي وينشدُّ العبد بالله تعالى، حتى إذا أفنى العبد ذاته في الله تماما، فلم يكن له حب ولا بغض ولا عزم ولا عزوف ولا رغبة ولا كره إلا في إمتداد ما يحبّ الله، ويبغض، ويريد، ويكره، فذلك هو منزل (التفويض)، وهو قمّة التوحيد في حركة الإنسان إلى الله تعالى.

* * *

بين التوكّل والتفويض

التفويض فوق درجة التوكّل. ففي منزل التفويض لا يختفي الأنا من ساحة النّفس، وإنّما يعتمد (الأنا) على (الله) سبحانه وتعالى، ويضع ثقته فيه تعالى، ويتّخذه وكيلا في مهامه وأعماله.

فليس التوكل إذن، بمعنى افناء (الأنا) في الله تعالى، كما هو التفويض، وإنّما التوكل إسناد الإنسان للأنا بالله تعالى، فيتخذ الإنسان الله تعالى وكيلا، ويجبر به ضعفه.

وفي التفويض يفوض الإنسان الله في نفسه وحياته، فيتخلى عن نفسه ومشتهياته وإرادته، ورغبته، وعزوفه، وعزمه لله، كما لو كان الإنسان يبيع بضاعة للآخر فيقبض الثّمن، ويتخلى عنها تماما. وهو يختلف عمّا لو اتّخذ الإنسان وكيلا عن نفسه على بضاعته أو محلّه أو داره. فهي لا تزال متعلّقة به، وهو لا يزال متعلّق بها، غير أنّه اتّخذ وكيلا عنه للعناية بها وإدارتها، وهي تختلف عن قوله تعالى: (إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ (.

فلا يصح أن ينظر خلفه، ويتابع البضاعة التي باعها. فقد قبض الثمن وتخلّى عنها، وانتهت علاقته بها. كذلك الإنسان عندما يفوّض لله تعالى أمر نفسه.

إن التوكّل على الله منزلة رفيعة من معارج الإنسان إلى الله تعالى، إلا أنًّ (الأنا) لم يفارق الإنسان في هذا المنزل، فهو يحمل مشروع طلب يعجز عن أدائه، فيتخذ الله وكيلا، ويستعين به، بينما التفويض إنهاء كامل للأنا، وإفناء للذّات في الله تعالى وبينهما فرق.

ولا شكّ أنَّ التوكّل منزلة رفيعة، وأنَّ الله تعالى أمر نبيه (ص) به، وأن هذه المنزلة من منازل التوحيد، غير أنّ كلّ ذلك لا ينفي أن يكون التفويض فوق مرحلة التوكّل ويشير إلى ذلك العارف أبو إسماعيل عبد الله الأنصاري في (منازل السّائرين).

يقول عن التفويض: (وهو ألطف إشارة، وأوسع معنى من التوكّل، فإنّ التوكّل بعد وقوع السّبب، والتفويض قبل وقوعه وبعده، وهـو عين الاستسلام، والتوكّل شعبة منه).

ويقصد العارف الأنصاري بالسبب: الطلب ويقصد بقوله: التوكّل بعد وقوع السبّب: أنّ الإنسان قد يطلب شيئا فيعجز عنه، فيتّخذ الله وكيلا عن نفسه في إنجاز ما عجز عنه في طلبه ومسعاه. وأمّا التفويض فهو قبل وقوع السّبب، أي قبل وقوع الطلب والسعي، وإنّما يفوّض العبد أمر سعيه وحركته وطلبه وإرادته وعزوفه إلى الله، ليوجّهه إلى ما يريد تعالى من الطّلب والعزم والعزوف والحبّ والبغض. وقد يكون معنى السبب، السبب الذي يفضي إلى الإرادة والطّلب، والمعنى واحد على كل حال.

ويناقش في ذلك ابن القيم الجوزية، فيقول: (فالذي نذهب إليه: أنّ التوكّل أوسع من التفويض وأعلى وأرفع) ١٧، إلا أنّه لم يذكر وجها واضحا لكلامه حتى ينظر فيه.

والصحيح هو ما يراه العارف الأنصاري في منازل السائرين ١٨، ولكنه دقيق ويحتاج إلى إمعان ونظر وتأمّل.

يقول العلامة الطباطبـائي في الميزان في تحديد موقع منزل (التفويض) من منزل (التوكّل): التفويض هو الردّ، وتفويض الأمر إلى الله ردّه إليه، فيقرب من معنى التوكّل والتسليم، والاعتبار مختلف. فالتفويض من العبد رده ما نسب إليه من الأمر إلى الله سبحانه. وحال العبد حينئذ حال من هو أعزل لا أمر راجعا إليه. والتوكّل من العبد جعله ربّه دليلا يتصرف فيما لـه من الأمر. والتسليم مطاوعته المحضة لما يريده الله سبحانه فيه ومنه من غير نظر الى انتساب أمر إليه، فهي مقامات ثلاثة من مقامات العبودية، التوكل ثم التفويض وهو أدقّ من التوكل ثم التسليم وهو أدقّ منهما ١٩.

بين الرضا والفقر والتفويض

و (الرضا) من منازل السالكين الرفيعة، إلا أنّه دون منزل التفويض. فان العبد في منزل (الرضا) يطوّع رضاه لرضا الله تعالى، ويرضى بما يرضى به الله، ويطابق بين رضاه ومرضاة الله تعالى … وهذا هو منزل الرضا، وهو من أرفع منازل السلوك إلى الله، ولكن يبقى (للأنا) حضور في ساحة النفس، إلا أنّه حضور مطاوع لرضا الله، وفي امتداد رضا الله تعالى.

وهو أمر آخر غير الغاء الأنا. والتفويض إلغاء للأنا، وأن يتخلّى الإنسان عن رضاه لرضا الله تعالى ويتجرّد من كل حبّ وبغض ورضا وسخط، ويكون رضا الله تعالى وحبّه وبغضه وسخطه هو رضا العبد وحبّه وبغضه وسخطه، لا بمعنى مطاوعة مرضاة الله، وإنّما بمعنى التخلّي عن رضاه لرضا الله تعالى.

وفرق واضح بين أن يرضى بما يرضى به الله تعالى له من سرّاء أو ضرّاء أو شدّة أو رخاء، وبين أن يتخلّى عن رضاه لرضا الله، ويتجرد عن كل رضا وسخط وحب وبغض له لله تعالى … فإنّ للأنا حضور مطاوع في امتداد حضور الله تعالى في مـنزل (الرضا)، ولكنه على كل حال حضور للأنا، مهما كان موقع الأنا من الله ومطاوعته لله. ما لم يتخل من الأنا كاملا. ولذلك كان هذا المنزل آخر منازل المعرفة … فإنّ أول منازل المعرفة طاعة الله تعالى وآخر منازل المعرفة التخلّي عن الأنا بين يدي الله تعالى.

والدعاء من حالات الإنسان في منزل الفقر والاضطرار إلى الله تعالى. ولكن يبقى أن نقول إن في كل دعاء واضطرار وفقر، طرف فقير ومضطر يدعو ويلتمس ويطلب.

وفي منزل التفويض لا يوجد طرف آخر غير الله، ويُفني العبد أنانيته وذاته كلها في الله تعالى، ليس له طلب ودعاء، إلا ما يريده الله تعالى له.

وخلاصة الكلام، وقد أطلنا الكلام في التوضيح والتكرار عن عمد، لندفع كل لبس عن هذا المفهوم الدقيق من مفاهيم الثقافة القرآنية … خلاصة الكلام: أن التفويض الغاء للذات والأنا تماما، وأمّا التوكل فهو إسناد الأنا في عجزه بتوكيل الله تعالى، وجبر عجزه بذلك. والرضا تطويع الأنا لمرضاة الله، وشتّان بين تطويع الأنا، وحتى قهر الأنا، وبين إلغاء الأنا، الذي هو منزل التفويض الى الله تعالى … والدعاء والفقر والاضطرار، إعلان لفقر الأنا واضطراره الى الله تعالى، وهو أمر يختلف اختلافا واضحا عن التفويض وقد ذكرنا من قبل أن هذا هو معنى (التسليم) الذي يكثر ترديده في الثقافة الروحية في الإسلام، ولا معنى للتسليم غير التفويض، واختلاف العناوين لا يغيّر الواقع.

الغاء الأنا ليس بمعنى تعطيل الإرادة

يبقى أن نشير الى نقطة هامّة جديرة بالتوقف والتأمّل، في هذا السياق، وهي أنّ إلغاء الأنا ليس بمعنى تعطيل الإرادة والحب والبغض والسعي والحركة في حياة الإنسان.

إن المريض الذي يسلّم نفسه إلى سكّين الجرّاح ليفتح صدره، يُغيِّبَه الجرّاح عن الوعي تماما ليستخدم السّكين في جسمه، ويُعطّل فيه المقاومة والوعي والإحساس والإرادة تماما.

وليس التفويض الى الله تعالى بهذا المعنى. وهذا التفسير السلبي للتفويض يصادر كل معطيات التفويض. إن كل قيمة التفويض أنّه يفعّل وينشّط الإرادة والعزم والعزوف والطلب والحب والبغض والحركة ولا يعطّلها.

وإنما التفويض هو أن يفوض العبد إِرادته وإِقباله وإِعراضه وعزمه وعزوفه لله تعالى ليوجّه إرادته وعزمه وحبّه وبغضه كما يجب، فيوجّهه الله حيث يريد تعالى من السعي والفعل والحركة والطلب.

إن الحب والبغض والإقبال والإعراض والطلب والسعي قائمة في نفس كلّ إنسان بالفطرة والخلقة. إلا أنّ (الأنا) هو محور الحبّ والبغض والرضا والسخط والسعي والطلب في حياة عامّة النّاس.

أمّا الصفوة من النّاس فيفوضون حبهم وبغضهم ورضاهم وسخطهم وعقلهم إلى الله تعالى، ليوجههم الله حيث يريد، سرّهم ذلك أم ساءهم، أولئك يحبّب الله إليهم الإيمان، ويزّينه في قلوبهم، ويكرّه اليهم الكفـر والفسوق والعصيان: (وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ (.

إنهم يحبّون ويكرهون، كـما يحـبّ النـّاس ويكـره النّاس ولكنّ حبّهم وبغضهم ورضاهم وسخطهم صنائع الله تعالى. والله ألهمهم الحبّ فيما يحبّ، والكره لما يكره، والإقبال لما يريد والإعراض عمّا لا يريد، والرضا بما يرضى، والسّخط عمّا يسخط.

وينطلق من هذا الحبّ والبغض والإقبال والإعراض طلب وسعي وحركة.

فيطلبون، ويدعون الله، ويسعون، ويتحركون، ويخطّطون، ويخلقون القضايا ويقاومون، ويتجسسون، ويرفضون، كما يعمل سائر النّاس بل أقوى مممّا يوجد الطلب والحركة والرضا والسخط عند سائر الناس، لأنّ هذا الرضا والسخط لا ينطلق من محور الذّات، بل هما من صنائع الله في نفوس عباده. والمعنى دقيق ورقيق، وبحاجة الى معايشة، رزقنا الله تعالى ذلك.

ولا يحسبّن أحد أنّنا ننحو منحى الجبر والحتمية السلوكية عندما نقول إن إرادتهم ورضاهم وسخطهم وطلبهم ودعائهم من صنائع الله، فاننا نقول إن الله يوجّه إرادتهم ويهديها، ولسنا نقول إن الله يسلب إرادتهم، وشتّان بين الأمرين والجبر هو الثاني، وأمّا الأول فهو محض الاختيار، ولكن بتوجيه الله وتسديده.

ومقابل ذلك أن يكله الله الى نفسه، ويسلبه التأييد والتسديد … وليس هذا ولا ذاك من الجبر والحتمية السلوكية، وإنّما هما بمعنى الهداية من الله وسلب الهداية، وهو بمعنى إيكال الإنسان الى نفسه، وكل منهما اختيار.

إذن ليس معنى التفويض: تعطيل العقل والإرادة والعزم والطلب والدعاء والحركة والرضا والسخط. ولا بدّ من التأمّل وإنعام النظر، لتفكيك هذه المسائل في حوزة الثقافة الإسلامية بعضها عن بعض، لئلا تشتبك فتتداخل، فيكون سببا للالتباس المفهومي والمعرفي.

موقع التفويض من نظام (الذكر)

للذكر معنى عام ومعنى خاص. والمعنى الخاص قسم من أقسام الذكر العام، والذكر العام مقسم للذكر الخاص وبعد هذا التوضيح نقول ان ذكر الله علـى ثلاثة أقسـام: ١ - الذكر الخاص. ٢ – الدعاء. ٣ – الجهد النفسي للحركة والقدوم والإقبال والعودة والسعي الى الله تعالى.

١ – الذكر الخاص، الذكر بمعنى الاستحضار في النفس، في مقابل الغفلة وهي الغياب من أفق النفس. وذكر الله هو استحضار صفات الله وأسمائه الحسنى وحضوره في الكون وهيمنته وقيموميته على الكون والإنسان في النفس، وهو نحو من المعايشة النفسية لصفات الله وأسمائه الحسنى وحضوره وهيمنته على الكون والإنسان، ومن ذلك الحمد والتسبيح والشكر والتكبير والتهليل والتمجيد والثناء. ومن ذكر الله أن يذكر الإنسان الله تعالى حين يهمّ بالمعصية فيردعه، وحين يتكاسل عن الطّاعة فيقوده اليها، فإنّ ذكر الله يبعث في نفس الإنسان مخافة الله فيمتنع عن المعصية، ويقدم الطاعة.

٢ – الدعاء، وهو حالة الطلب والالتماس من عند الله تعالى، والدعاء هو أحد وجهي القضية والوجه الآخر الإجابة. والدعاء من العبد والإجابة من عند الله تعالى.

٣ – والحالة الثالثة الجهد النفسي في القدوم على الله والإقبال والسعي الى الله، وهو حركة داخل النفس يقوم بها العبد باتّجاه الله تعالى ورحمته ومغفرته وأمنه وحمايته من عبده. مثل التوكّل والتفويض والاستعاذة. وهذه الحالة ليست من النوع الأول ذكر أو حمد وشكر وثناء، فليس فيها حمد وشكر وثناء كما هو واضح، وليست من النّوع الثاني: طلب ودعاء … فانّ الدعاء نوع من التعاطي مع الله (الأخذ والعطاء) يرفع العبد حاجته إلى الله ويأخذ من الله تعالى الإجابة لطلبه وفقره، ويستغيث بالله، ويستعين بالله، فيتلقى من الله الإعانة. وهذا النوع الثالث ليس من الطلب والدعاء، وإنّما هو جهد نفسي وحركة داخل النفس باتّجاه التفويض الى الله والتوكّل على الله والاستعاذة بالله تعالى من الشيطان الرجيم. وليس هذا من مقولة الحمد والثناء والذكر، ولا من مقولة الطلب والدعاء , وإنّما هو مقولة ثالثة من مقولات اللّقاء وهذا واضح، لا يحتاج إلى بيان، وإن كان لم يفرز بعد في الدراسات العرفانية الإسلامية ولم يفتح بعد لهذا العنوان باب في العرفان الإسلامي لنعرف ما فيه من كنوز المعرفة، ولا أظنني أستطيع أن أفتح هذا العنوان من العناوين الثلاثة للقاء بالله

في هذه المقالة العاجلة.

والذي أعلم وأقول الآن: إن هذه المقولة الثالثة ليست من مقولة الدعاء والطلب ولا من مقولة الذكر … وإنّما هي من مقولة الفعل والقدوم والحركة إلى الله والسعي إليه تعالى.

إنّ التوكّل على الله نوع من الفعل والجهد النفسي، ويسمّيه علماء الاصول (الإنشاء) في مقابل (الخبر). وقالوا في تعريف الخبر ما يحتمل فيه الصدق والكذب، وليس في الإنشاء صدق وكذب، وإنّمـا يتردّد أمره بين الوجود والعدم. إمّا أن يكون وإمّا أن لا يكون كالاستفهام والأمر والنهي والطلب.

والإنشاء جهد نفسي يجري داخل النفس. إلا أنّه نوع خاص من الإنشاء ليس من نوع العقود، لأنّ العقود تتعاطى بين الإيجاب والقبول، وليس من نوع الدعاء و الطلب.

وإنّما هو من نوع الإيقاع من طرف واحد يشبه العتق والطلاق في الفقه. وهو جهد نفسي باتّجاه الله.

مثل التوكّل، وهو الاعتماد على الله تعالى ٢٠وتوكيل الله، وهو أن يتّخذ الإنسان الله وكيلا، ومن عجب أن التوكيل في الفقه من العقود، وفي العلاقة بالله تعالى من الإيقاعات. ومثل التفويض وهو أن يَدَعَ الإنسان أمرَه لله تعالى، ويفوّض أمره اليه. ومثل الاستعاذة، وهو أن يطلب الإنسان اللجوء الى حمى الله تعالى في طلب اللجوء والأمن والحماية منه تعالى عن الشيطان هو جهد نفسي للدخول في حمى الله تعالى.

فإنّ الاستعاذة قد يفهم على نحو الدعاء، وهو بمعنى طلب اللجوء والأمن من الله عن الشيطان. وقد يفهم بمعنى السعي والحركة النفسية للدخول في حمى الله تعالى، كما يَفِرُّ الإنسان من السباع إلى ملجأ يحفظه منها، والاستعاذة من القسم الأخير، فإنّ حقيقة الاستعاذة هي الحركة النفسية باتجاه اللجوء إلى الله والدخول في حمى الله تعالى، ولا أقل من أن يكون القسم الأخير من الاستعاذة.

وكذلك التوبة حركة نفسية باتجاه عودة العبد إلى الله نادماً على ما فرّط منه من السيئات.

وقد يتوب الله على عبده وقد لا يتوب، وهو التوّاب الغفور الرحيم، ولكن التوبة تتحقق على كل حال من العبد بالعزم على الإقلاع عن المعاصي، والعودة إلى الله تعالى، والندم عمّا صدر عنه من السيئات … وكل ذلك جهد نفسي من ناحية العبد تتحقق بالعزم على الكفّ والعود. وهي تختلف عن الاستغفار، فالاستغفار من مقولة طلب المغفرة من الله، والفرق بينهما واضح. فإنّ التوبة جهد نفسي للعودة إلى الله والاستغفار طلب للمغفرة وهذا كل الفرق بين الدعاء وبين الإيقاع والإقدام والإقبال.

الدعوة إلى الأذكار الثلاثة

نجد في القرآن الكريم دعوة وترغيب من الله تعالى لعباده إلى الأذكار الثلاثة المتقدمة.

وإليك نماذج من هذه الدعوات:

١ – الدعـوة إلى الـذكر الخاص: (وَاذْكُر رَّبَّكَ ( (وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَـةً ( (وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ ( (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلا ( (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (

٢ – الدعوة إلى الدعاء.

وفي كل دعاء دعوتان واستجابتان. الدعوة الأولى من الله لعباده إلى دعائه. والاستجابة الأولى من العبد لدعوة الله تعالى، فإنّ دعاء العبد استجابة لدعوة الله تعالى لعباده إلى دعائه.

والدعوة الثانية من العبد لله تعالى في شؤونه وحاجاته. والاستجابة الثانية من الله تعالى لدعوة عبده.

وإليك نموذجاً من القرآن الكريم عن الدعوة الأولى والثانية والاستجابة الأولى والثانية: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (.

أمّا الدعوة الأولى والاستجابة الأولى فهو قوله تعالى (فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ (فانه ترغيب في الدعاء ودعوة إلى الدعاء. وأمّا الاستجابة الأولى فهو قوله تعالى: (فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي (، وأمّا الدعوة والاستجابة الأخريان فهو قوله تعالى: (أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ (، فهاتان دعوتان واستجابتان تجمعهما هذه الآية الكريمة.

وعن الدعوة والاستجابة الثانية يقول تعالى: (أَمَّن يُجِيـبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَـاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ ( (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ (.

وعن الدعوة الأولى والاستجابة الثانية يقول تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ (.

٣ – الدعوة إلى الإقبال والإقدام والعودة إلى الله تعالى والاستعاذة بالله والتسليم والتفويض إلى الله وتوكيل الله. يقول تعالى: (وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (. وهذه دعوة من الله لعباده إلى الاستعاذة به من الشيطان الرجيم.

ويدعونا الله تعالى إلى التوبة إليه والتّوكل عليه: (وَاسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ ( (وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً (.

ويدعونا الله إلى التسليم له وتفويض الأمر إليه والدخول في دائرة السلم المطلق بين يدي الله تعالى، لا اعتراض ولا اقتراح إلا ما يجعله الله في نفس عبده: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً ( (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ ( (إِذْ قَـالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ( (فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ ( (وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (.

والتفويض تسليم لرب العالمين كما ذكرت ذلك من قبل.

المراحل المتوسطة

قلنـا إن منـازل السلـوك تقع بين (المعرفة) و (التفويض)، وهي منازل كثيرة لا نطيق إحصائها وشرحها. نقطة البداية فيها المعرفة. ونقطة النهاية فيها التفويض. وبينهما منازل ومراحل متوسطة وكثيرة في طريق العبد إلى الله تعالى.

وفي كل منزل من هذه المنازل يجري جهد مزدوج، مترابط، باتجاهين متعاكسين.

الشوط الأول، إضعاف الأنا والهوى وتطويعهما وتقييدهما وقهرهما لأمر الله وتهذيبهما … والمرحلة الأخيرة من هذا الشوط إفناء الأنا وإنهاؤه والتحرّر من كل ما يتّصل به وبالهوى.

والشوط الثاني العروج إلى الله تعالى باتجاه العودة إلى الله من الذنوب والمعاصي وهو التوبة. والالتزام بالطاعة وامتثال أحكام الله، والانضباط ضمن حدود الله تعالى والحذر من الخروج عن حدود الله تعالى … وهي منازل كثيرة في العروج الى الله والولاء لله وحب الله وطاعته، والانس بالله، والتسليم لله، والقدوم على الله.

* * *

وهذه المنازل ذات وجهين: الوجه الأول منها المعرفة، والوجه الثاني منها السلوك. وبين المعرفة والسلوك علاقة وثيقة , ينبع هذا من ذاك، ولكل معرفة سلوك من سنخها.

فإذا عرف الإنسان: أنّ الله تعالى ربّ العالمين الرحمن الرحيم، حمد الله تعالى، وإذا عرف أن الله تعالى هو الولي الحاكم على عباده، أطاع الله وعبده، وإذا عرف أن الله تعالى يستجيب عباده، دعا الله، وإذا عرف أن الله هو الغفار، استغفر الله وتاب إليه، وإذا عرف أن الله شديد العقاب، خاف مقام ربّه، وإذا عرف أن الله واسع الرحمة، رجا الله، وإذا عرف أن الله يحب عباده ويكرمهم، أحبّ الله …

إذن، السلوك إلى الله تعالى، طريق طويل، بدايته معرفة الله، ونهايته تفويض الأمر إلى الله، وبين هذه البداية والنهاية مراحل كثيرة من السلوك مثل العبودية والطاعة والخوف والرجاء والإخلاص، والحب والتواضع والشكر والحمد …

وقد وردت الاشارة في النصوص الإسلامية الى العلاقة بين المعرفة والسلوك في هذه المنازل، واليك طائفة من هذه النصوص:

عن رسول الله (ص): « من عرف الله وعظمه منع فاه من الكلام، وبطنه من الطعام، وعفّ نفسه بالصيام والقيام » . وعن علي؟ : « عجبت لمن عرف ربّه، كيف لا يسعى لدار المقام » . وعن الصادق؟ : « من عرف خاف الله، ومن خاف الله سخت نفسه عن الدنيا » ٢١. وعن علي؟ : « من سكن قلبه العلم بالله سكنه الغنى عن خلق الله » . وعـن علـي؟ : « لا ينبغي لمن عرف عظمة الله أن يتعظّم » . وعن رسول الله (ص): « من كان بالله أعرف كان من الله أخوف » . وعن علي؟ : « غاية المعرفة الخشية » . وعن علي؟ : « غاية العلم الخوف من الله سبحانه » . وعن علـي؟ : « اعلم الناس بالله أكثرهم له مسألة » . وعن علي؟ : « عجبت لمن عرف الله كيف لا يشتد خوفه » . وعن علي؟ : « ينبغي لمن عرف الله أن يتوكل عليه » . وعن علي؟ : « ينبغي لمن عرف الله أن لا يخلو قلبه من رجائه وخوفه طرفة عين » . وعن علي؟ : « العارف وجهه مستبشر وقلبه وجل محزون » . وعن علـي؟ : « البكاء من خيفة الله عبادة العارفين » . وعن رسول الله (ص): « لكل شيء معدن، ومعدن التقوى قلوب العارفين » . وعن علي؟ : « يسير المعرفة يوجب الزهد في الدنيا » . وعن علي؟ : « ثمرة المعرفة العزوف عن الدنيا » . وعن علي

؟ : « من عرف الله توّحد » .

وهذه النصوص بيان لـمحطّات تكامل الإنسان بمعرفة الله تعالى.

فإنّ معرفة الله كما ورد في النصوص: هي أساس السعي إلى دار الآخرة، والزهد في الدنيا والعزوف عنها، والغنى عن خلق الله، والتواضع، والدعاء، والمسألة من الله، والتوكّل على الله، والخوف والخشية، والرجاء، والحزن، والهم، والبكاء، والتقوى، والتوحيد وغير ذلك.

هذه جملة من محطّات تكامل الإنسان في هذه الرحلة الطويلة الشّاقة الشيّقة التي تبدأ بالمعرفة وتنتهي إلى التفويض.

* * *

إن المنزل الأولي في هذه الرحلة الطّاعة، والعبودية والتقوى. وتتوالى المنازل من بعده، منزلا بعد منزل. منها منزل (الحزن) عمّا فرّط من العبد وما أضاع من عمره (والحزن) غير (الكآبة). إن الكآبة مرض والحزن عافية. ومنها منزل (الخوف) من غضب الله تعالى وسخطه والخوف من سوء العاقبة. ومنها منزل (الرجاء) إلى الله تعالى ورحمته، وهو منزل يتعادل فيه الخوف والرجاء. ومنها منزل (الإخلاص) وفي هذا المنزل يتم تصفية العمل عمّا يشوبه ممّا لا يكون لله تعالى، وتهذيب النفس وتخليصه من كل شيء يراد لغير الله تعالى. ومنها منزل (التبتّل) و (الانقطاع) إلى الله تعالى من كل شيء ومن كل أحد. ومنها منزل (التوكّل) على الله، فيتّخذ العبد ربّه وكيلا عنه في شؤونه وأعماله. وقريب منه وربما قبل هذا المنزل منزل الثقة بالله. ومنها منزل (الرضا) بأمر الله، في السّراء والضرّاء. ومنزل (الشكر) لله. ومنزل (الحياء) من الله. ومنزل (الصدق) في التعامل مع الله تعالى. ومنها منزل الالتزام بالأدب بحضور الله، والكون كلّه محضر لله تعالى وهو منزل (الأدب) في التعامل مع الله تعالى. ومنها منزل (اليقين) بالله تعالى وهي قمّة من

ازل المعرفة. ومنها منزل (الحبّ) لله تعالى والشّوق إلى الله و (الأنس بالله) وهي منازل تشدّ قلب العبد بالله تعالى بوثاق الحبّ والهيام والوجد. ومنها منزل (الفقر) إلى الله تعالى والشعور بـ (الاضطرار إلى الله). ومنها منزل السكينة والطمأنينة، وهو المنزل الذي يقول عنه تعالى: (أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (الرعد / ٢٨. فيطمئن القلب بالله في الشدّة والضرّاء … يقول أمير المؤمنين؟ في خطبـة المتّقين: « نـزلت أنفسهم منهـم في البلاء كالتي نـزلت في الرّخاء » .

وهكذا تتصاعد منازل السلوك إلى الله تعالى حتى ينتهي إلى منزل (التفويض)، وهو آخر منازل السلوك إلى الله، حيث يَدَعُ العبد كلَّ شيء لله تعالى، ولا تكون له ذاتية ولا أنا ولا أنانية، ولا هـوى، ويترك الأمر كلّه لله تعالى، فهو في آخر منازل السير إلى الله.

لم نقصد بما ذكرناه إحصاء منازل السير إلى الله تعالى، ولا تنظيم التسلسل الفنّي لهذه المنازل، وإنّما قصدنا بذلك تسمية جملة من هذه المنازل ومنهج عروج العبد إلى الله تعالى في مدارج هذه المنازل. والله المستعان على ذلك. ونسأله تعالى أن يأخذ بأيدينا على هذا الطّريق منزلا فمنزل، ومرحلة فمرحلة.

الهوامش:

١ - الاعضاء الظاهرة.

٢ - سلوكا نفسيا باطنيا.

٣ - راجع سفر التكوين من العهد القديم.

٤ - والشفيع هو من يتوسط بين الله وخلقه في الخلق والتدبير من الأسباب والعلل. وهذه الاسبـاب لا تعمل إلا بإذن الله تعالى، فإنّ الله تعالى الحاكم المهيمن عليها، بيده تعالى امر وجودها وعدمها وبقائها وفنائها. وهو تعالى مسبّب الأسباب.

٥ - توحيد الصدوق: ٤١.

٦ - بحار الأنوار ٧١ / ١٥١ ح ٥٣.

٧ - المصدر السابق.

٨ - المصدر ٧١ / ١٥٢ ح ٥٤.

٩ - المصدر ٧١ / ١٦٠ ح ٧٧.

١٠ - ميزان الحكمة ٦: ١٥٩.

١١ - اصول الكافي ٢: ٦٣.

١٢ - المصدر السابق.

١٣ - مسند احمد بن حنبل ٣ / ٢٣١.

١٤ - بحار ٧١ / ١٥٧ ح ٧٥.

١٥ - بحار الأنوار ٧٠ / ٢٢ عن المحاسن / ٢٩١.

١٦ - ليس معنى الآية الكريمة الجبر وسلب إختيار الإنسان في الإرادة…ولا مجال لبسط الكلام عن ذلك هنا.

١٧ - مدارج السّالكين ٢ / ١٣٩ تحقيق محمد حامد الفقي.

١٨ - مدارج السّالكين ٢ / ١٣٧ – ١٣٨.

١٩ - تفسير الميزان ١٧ / ٣٣٤. والصحيح أنّ التفويض هو عين التسليم، ولا معنى للتفويض بالصورة التي يرسمها العلّامة الطباطبائي غير التسليم.

٢٠ - دعانا الله تعالى أن نتوكّل عليه وأن نتخذه وكيل: (فَـأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً (. وهذه دعوة إليهما معا. (وَلِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً ( (وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (. وهذه دعوة الى أن نتخذ الله وكيلا ويقول: (وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (وهذه دعوة الى التوكل على الله تعالى.

فما معنى أن يتخذ الإنسان الله وكيلا. وما معنى التوكّل على الله؟ المعنى الأول واضح لا يحتاج الى بيان.

وأمّا المعنى الثاني وهو (التوكّل على الله) … يقول الراغب في المفردات (ص ٥٣١ مادة وكل: والتوكل يقال على وجهين. يقال توكّلت لفلان بمعنى توليت له. ويقال وكلّه فتوكل لي (وهذا هو المعنى الأول الذي ذكرنا أنّه واضح لا يحتاج إلى بيان)، وتوكلت عليه بمعنى إعتمدته. قال عزوجل: (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ (، (الراغب: المفردات).

والسؤال هنا كيف استخرج الراغب هذا المعنى من (التوكل على). ان معنى (التوكل لـ) معنى واضح لا نتوقف عنده، ولكن عندما يتم تعدية التوكل بـ (على) يكون معناه الإعتماد، كما يقول الراغب، وهو حق.

والسؤال من أين جاء هذا المعنى للتوكل عند التعدية بـ (على) وجواب ذلك: إن العرب قد يشربون لفظا في بعض حالات التعدية معنى غير معناه فتختلف حالات التعدية فيه عن حالته الأولية. بقول ابن هشام في القاعدة الكلية الثالثة من قواعد الباب الثامن من كتاب (مغني اللبيب): (قد يشربون لفظا معنى لفظ فيعطفون حكمه ويسمّى ذلك (تضمينا) وفائدته أن تؤدي كلمة مؤدى كلمتين. فمن ذلك قوله تعالى: (وَمَا يَفْعَلُـواْ مِـنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوْهُ (. أي فلن يحرموه ثوابه، ولهذا عدّي إلى اثنين بنفسه، لا إلى واحد بنفسه وإلى الثاني بـ (على) ) مغنى اللبيب لأبن هشام / الباب الثامن / القاعدة الثالثة.

٢١ - ميزان الحكمة ٦: ١٥٥ –١٦٠.



[ Web design by Abadis ]