ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 هذا العدد

بهذا العدد تكون« ثقافتنا » قد اكملت دورتها الأولى، وما وصلنا من آراء القراء بها كان مشجعاً الى حدّ كبير… ويظهر أنّ مستقبل الأمّة هو من أهمّ ما يستقطب اهتمام العالم الاسلامي خاصة في هذه الظروف التي جعلت منطقتنا الاسلامية كما يقال فوق كفّ عفريت، ورسمت لأبناء المنطقة أفقاً مستقبلياً يكاد لا يبشّر بخير.

إننا نعتقد أن الامم في العصور الغابرة وفي العصر الحديث مرّت عليها أمثال هذه الظروف المرّة وتجاوزتها وحققت بعد ذلك انتصارات باهرة في مسيرتها، ويعود كثير من الفضل في ذلك الى رجال لم ينهزموا حين ادلهمّت الخطوب، بل نظروا بعين البصيرة الى تاريخ الامم والشعوب، ووقفوا على مافي أمتهم من مخزون إنساني يستطيع أن يتغلّب على الصعاب، ووجّهوا الأفكار والطاقات نحو مستقبل واعد.

ونحن أهبنا بمثل هؤلاء الرجال لأن يكتبوا في مجلتهم هذه لكي نساهم مع سائر المهتمين بالمستقبل الحضاري للأمة الاسلاميّة في رسم أفق واضح أمام مسيرة هذه الأمة.

وهذا العدد يحمل مجموعة دراسات في هذا الاتجاه. المقال الاول يهتمّ بالحركة التكامليّة الداخلية للانسان، وهي حركة نَحسَبُها الأساسَ لكل ما يستطيع الكائن البشري أن يسجّله من مكتسبات. إذ إن العائق الكبير أمام الحركة الحضارية هو وقوع الفرد والجماعة في أوحال الذات والأنانية، عندئذ تتوقف الحركة وتُشَلّ، ولابدّ أن يكون أمام المسيرة مثل أعلى خارج ذاتها تنشَدّ اليه وتبذل طاقاتها لبلوغه، وكلّما كان ذلك ذلك المثل الأعلى أسمى كانت المسيرة أكثر عزما ومضاء ومواصلة. والمثل الأعلى الذي يطرحه الكاتب في هذا المقال هو« الله »سبحانه، والرحلة بين معرفته وتفويض الأمر إليه هي رحلة الانسان المؤمن بين بداية مسيرته الحضارية حتى بلوغ أسمى ماتسعى البشرية للوصول اليه من كمال.

موضوع« الخطاب الاسلامي» وضرورة تطويره لكي يواكب متطلبات العصر ممّا شاع على الألسن هذه الأيام، وثمة تياران وراء هذا الشيوع، الأول: مدفوع بالحرص على أن يكون الخطاب متناسباً مع المستقبل الحضاري للأمة، ولابدّ من تطويره كي يرسم الطريق ويضيء المسيرة نحو تحقيق الأهداف المرجوّة المتمثّلة بعودة الأمة الى ساحة التاريخ. وثمة تيّار آخر مندفع بما تحاول قوى الهيمنة أن تفرضه من هزيمة ومسخ هوية وصدٍ عن سبيل المستقبل الحضاري. والكاتب يوضّح من منطلق أصيل وواع موضوع ترشيد الصحوة الاسلامية وتطوّر أساليب عملها من أجل تحقيق أهدافها.

التعاون على البرّ والتقوى أي التعاون القائم على أساس تحقيق أهداف الانسانية في مستقبل أفضل هو مما أكد عليه الاسلام ونصّ على ضرورته، لكن ثمة تعاون على الاثم والعدوان، يستهدف السيطرة على مقدرات الناس وشدّ مصير الامم بمصالح قوى الشرّ في العالم. من هنا كان التعاون الدولي والاقليمي سلاحاً ذا حدّين، لابدّ أن يكون العالم الاسلامي على وعي كامل في الحركة ضمن إطاره. والكاتب في مقاله يؤصّل الفهم الاسلامي لهذا التعاون.

وعلى صفحات المجلّة حوار مع المفكر الايراني المعروف الدكتور سيد حسين نصر، وهو وإن كان مما أدلى به في السبعينات، لكننا آثرنا نشره بعد ترجمته الى العربية بمناسبة صدور كتاب يضمّ أفكار الرجل ومقالاته منذ الستينات، ولما فيه من دعوة واضحة الى ضرورة صنع الظروف لا الاستسلام أمامها، وما فيه من دعوة الى فهم الغرب وتياراته الثقافية. والمقابلة على كلّ حال وثيقة من وثائق الفكر الايراني في تلك البرهة.

وقضية مستقبل الحضارة الاسلامية أمام تحديات ما يسمى بالعولمة وموضوع ما يواجه العالم من تحديات حضارية طُرِحا في مقالين بيّنا ما يعانيه العالم اليوم من موجات هائجة ناتجة عن آخر إفرازات الحياة الماديّة، وما يتهدد العالم الاسلامي جرّاء هذه الموجات. وما أصاب العالم الاسلامي من تراجع نزع المهابة منه وشجع الغرب على العبث بمقدارته منذ عهد الاستعمار حتى يومنا هذا. وبيّن المقالان ما يحمله الاسلام من عناصر تجعله البديل الحضاري للحالة المؤسفة التي يعيشها العالم حيث يفترس القوي الضعيف. وما يتحتم على المسلمين أن يفعلوه كي يقدّموا هذا البديل بلغة تقبلها القلوب والعقول.

والواقع أن مثل هذه الدراسات مهمّة في إطار استعادة الحركة الحضارية، لأنها تكشف من جهة عن الواقع العالمي وتوضح من جهة أخرى موقعنا في هذا الواقع وكيف يمكن أن نتعامل معه من منطلق ثوابتنا وبهدف تحقيق كرامة هذه الأمة.

وفي هذا العدد مقال لكاتب مهتم بشأن التقريب بين المذاهب الاسلامية غير أن فكرة التقريب لا تنفصل عن فكرة النهضة. فكل المهتمين بأمر استئناف الحركة الحضارية هم تقريبيون والعكس صحيح أيضاً، لأن الفريقين يجمعهما همّ مستقبل هذه الأمة وعزّتها وكرامتها، ولأن الجانبين متحرران من مصالحهما الذاتية والفئوية، ويفكران ضمن إطار يتجاوز الانانيات الضيقة. والمقال يطرح ثلاث أسئلة بشأن النهضة يرتبط الأول بواقع المسلمين والامكانات المتاحة لهم للنهوض، والثاني بواقع المشروع الاسلامي ومدى انطوائه على عناصر النهضة، والثالث قدرة المسلمين على استيعاب التعددية والرأي الآخر في دائرة بلدانهم.

ملف العدد خصصناه لوحدة الدائرة الحضارية للعالم الاسلامي، والاختصاص فيه لايران في الشرق وتونس في الغرب من هذه الدائرة.

وفي الملف عرض لكتاب العلاقات بين إيران وتونس عبر التاريخ، وفيه يذكر تأثر الحياة التونسية بمختلف مجالاتها الاجتماعية والاقتصادية والادارية بالحياة الايرانية، ويذكر مساهمة الايرانيين في الحضارة الاسلاميّة، ثم يؤكد على المشترك الحضاري بين البلدين. ومثل هذه الدراسات تستطيع أن تثبّت مبدءاً هاماً في عملية الانطلاق الحضاري هو أن المنظومة الاسلامية مترابطة مع بعضها تاريخياً ومصيرياً، ولا يمكن لجزء منها أن ينهض دون جزء، كما لا يمكن لجزء منها أن يصيبه تخلف أو مكروه إلا أن يؤثّر سلباً على كل المنظومة. قوى الهيمنة العالمية تحاول أن تفصل بين مصالح أجزاء العالم الاسلامي، لكي يفكر كل جزء بمصالحه الخاصة، وهذا الاستفراد يؤدي دون شك الى كارثة لأنه يصادر مفهوم الوحدة الحضارية ويضعف كيان الأمة، ويجعلها طعمة سائغة للناهبين الدوليين.

وفي نفس الملف العالم التونسي الطاهر بن عاشور يدافع عن تهم الزندقة التي وجهت الى بشار بن برد في العصر العبّاسي ولا تزال مشهودة في كتب تاريخ الأدب العربي المعاصرة، وجدير بالذكر أن بن عاشور فقيه أصولي مفسّر كبير لكنه لم يترك ساحة الأدب فشرح ديوان بشّار وحققه ونشره، وهذا يدل على عدم انفصال الأدب عن الدراسات الفقهية والتفسيرية، وكذا كان ديدن علمائنا قديماً وحديثاً، ولذلك دلالات شعورية لا تخفى. ومن الطريف أنه يقوّم أدب الأديب على أساس مقدرته الأدبية لا على أساس معتقده وأفكاره، ثم هو لا يسير مع الضجة التي اثيرت ضد الشاعر، بل يقف متأملاً يدرس الظروف السياسية التي أحاطت بالتهمة، ويمعن النظر فيما قيل، ويخرج بنتيجة هي أن بشاراً في ظاهره ملتزم عقد الايمان الصحيح، وأما انطواؤه على عقائد باطلة فهذا رجم بالغيب، وهذا منهج نحن بأمسّ الحاجة اليه لدراسة مفكرينا وأدبائنا الذين عاشوا في زمن الطغيان السياسي، خاصة وأن أكثر المظلومين هم من الايرانيين، وبالاخص بعدما راحت بعض الاقلام السابحة في موجة التنافر القومي الى اتخاذ تلك التهم مادة للتفريق والتمزيق بين العرب والفرس.

ومثله فعل الدكتور التونسي الطويلي مع ابن المقفع إذ راح يدرس الظروف التي أدت الى قتل هذا الرجل بتهمة الزندقة، وبيّن ماكان يدعو اليه من فكر حرّ ومشروع إصلاحي للدولة والمجتمع، وما قدّمه من خدمة للغة العربية والتعامل الثقافي عبر الترجمة.

هذه هي مجموعة العدد الرابع من ثقافتنا نقدّمها للقارئ آملين أن نكون في الدورة الثانية من المجلة أكثر عزماً على التطوير وعلى تقديم مايدعم مسيرة استئناف المسيرة الحضارية لامتنا. وبالله التوفيق.

التحرير



[ Web design by Abadis ]