ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 العلامة محمد تقي القمي رائد للتقريب والنهضة الإسلامية

مقدمـة:

مثلت العلاقات السنية – الشيعية حلقة مهمة من حلقات التاريخ الإسلامي وعلى الرغم من علاقات الاضطراب التي سادت بين الفرقتين فترة من الزمن، إلا أنها لم تخلُ من بصيص من الأمل في تحسين هذه العلاقات، فبعد مرحلة "الأدلجة" للعقائد السنية والشيعية و التي قام بها منظرو ومتكلمو الفرقتين حتى القرن الرابع الهجري، ظهرت مرحلة أخرى في هذه العلاقات وهي مرحلة المناظرات الجدلية و التي كان يقوم بها متكلموا الفرقتين و التي كانت تدور تارة حول الأشخاص وتارة حول الفكرة، وقد تجلت هذه المرحلة من قبل السنة في كتاب "منهاج السنة النبوية" لابن تيمية، والرد عليه من جانب الشيعة في "منهاج الكرامة في معرفة الإمامة" للحلي، وعلى الرغم من أن هذه المرحلة وضعت تقسيماً أيديولوجيا للفرقتين جعلت كل من جاء بعدهم يعتمد عليه دون تأمله أو نقده، إلا أنها تمثل طريقاً يمكن من خلاله الوقوف على أهم الاعتراضات من جانب الفرقتين على الأخرى٠

وكان للتعرف على هذه الاعتراضات التي غالباً ما كانت تتصل بالفروع لا بالأصول – حيث كان دائماً الاتفاق على مبادئ التوحيد والنبوة والمعاد ومعطياتهم في الحياة العبادية – ما من شأنه إدراك مسائل الخلاف أو الشائعات التي كانت تصل إلى أذهان عوام الفرقتين للوقوف عليها وتفنيدها (وقد حدث ذلك في المرحلة المعاصرة) ٠

ومن المحاولات الباكرة في تاريخ التقريب بين السنة والشيعة محاولة نادر شاه (١٠٩٩هـ – ١١٦٠ هـ) الملك الإيراني والذي استطاع لأول مرة في التاريخ جمع علماء السنة والشيعة على وثيقة تقريبية مشتركة لأسس التفاهم المذهبي بينهما٠

ثم ظهرت الفكرة مرة أخرى من خلال جمال الدين الأفغاني وحسن البنا وآية الله الكاشاني، وآية الله البروجرودي وغيرهم من المصلحين، إلا أنها في نفس الوقت كانت تجد المعارضين والمشككين في كل مرحلة سواء في الفكرة أو مناصريها ودعاتها٠

وبمجئ عام ١٩٤٧ انتقلت فكرة التقريب إلى مرحلة جديدة مغايرة تماما لكل المراحل التي سبقتها حيث تم "مأسسة" الفكرة في مؤسسة جديدة أطلق عليها جماعة التقريب بين المذاهب الإسلامية وحددت لها قانوناً ونظاماً أساسياً يعمل من خلاله دعاة الفكرة بدلاً من المشروعات الفردية و التي كانت تقابل بالعداء من أفراد ومؤسسات – وضعت لهذا الغرض – بما يضمن لها شيئاً من البقاء والتنظيم الفكري، كما يتيح لها إعداد المشروعات ونقلها إلى المستوى الجماهيري بدلاً من أن تظل حبيسة في عقول النخبة٠

ولقد ساعد في نقل فكرة التقريب من الحركة الفردية إلى الحركة المؤسسية العلامة محمد تقي القمي، وسوف نتناول ملامح هذه النقلة لفكرة التقريب عنده من خلال المحاور الآتية:

الإمام القمي ودوافعه للتقريب٠

أسئلة التقريب عند القمي أو أسئلة النهضة الإسلامية٠

الثقافة محور للتقريب أو محور للوحدة الإسلامية٠

نتائج جهود القمي في مجال التقريب أو مجال الوحدة٠

- ١ -

الإمام القمي: حياته ودوافعه للتقريب (*)

ولد المغفور له سماحة الإمام محمد تقي الدين القمي في طهران – إيران عام ١٩٠٨ م من عائلة ميسورة الحال تعتمد على الزراعة في أملاكها الخاصة وكانت أسرته عميقة الصلة بالدين فهو حفيد لسبعة أجداد كل منهم كان عالماً من علماء الدين وكان والده المغفور له حجة الإسلام (أعلى لقب ديني وقتها) أقا أحمد القمي كبير القضاة الشرعيين بطهران – فنشأ تنشئة دينية في منزل والده الذي كان يراه يجلس في مكان الصدارة ليلقي بفتاوية للمريدين والأنصار ويحل لهم مشاكل الدين والدنيا والجميع ينصتون في خشوع وإحترام ويكبر الصبي وينتقل إلى المدرسة الإبتدائية ويحفظ القرآن الكريم وتهويه صوره الأدبية والفنية ويقرر أن يدرس اللغة العربية وآدابها، وما أن ينتهي من المرحلة الثانوية حتى يلتحق بالمدرسة العليا للآداب ويواصل دراسته الدينية بالإستعانة بأساتذة متخصصين ليقرأ على أيديهم أصول الفقة الإسلامي والكلام وسائر العلوم الشرعية٠

وبعد تخرجه وجد نفسه منشغلاً بسبب خلاف المسلمين حيث كانت القطيعة كاملة بين السنة والشيعة فلم تكن الشيعة تعرف عن أهل السنة شيئاً ولم تكن السنة يعرفون عن الشيعة شيئاً، وكان الأمر متروكاً لجهل كل طرف بالآخر وكل فريق يسند للآخر كل ما هو سيئ وغير حقيقي ولهذا كان التنافر والإبتعاد والقطيعة بينهم، ولم تكن قطيعة بين مذهبين لدين واحد، بل كانت وكأنها دينان مختلفان وقد أدمي ذلك قلبه وقرر أن يقوم بعمل ما ليكشف للفريقين عن مدي الأخطاء والأوهام التي فرضتها قوى غير دينية لأسباب أغلبها متعلقة بالسياسة والجهل وكان يؤمن بأن الفكرة الصحيحة لدى المسلم الحقيقي عامة ورجل الدين خاصة هي أمانة يجب أن تؤدي للناس جميعاً فقرر أن يخرج لكشف تلك الحقيقة فترك إيران عام ١٩٣٧ م وبدأ رحلته الطويلة ضد التعصب والتخلف والتعلق بالأساطير الزائفة المدسوسة في الفقه الشيعي والسني معاً فالإسلام كما يعلمدعوة الناس كافة إلى كلمة سواء ٠٠ كلمة العدل والحق فكتابه هو القرآن الذي لا يختلف سني وشيعي على سرورة أو آية أو حتى حرف فيه٠

وقد تشاور مع علماء الشيعة في العراق ولبنان وهو في طريقه إلى مصر التي اختارها كمنطلق لنشر فكرته وجهاده في التقريب بين المذاهب الإسلامية، فمصر هي قلب العالم الإسلامي وفيها الأزهر الشريف وهو أهم جامعة تحمي الإسلام وفيها أكبر رجال أهل السنة، وكان لها دائماً محبة متبادلة بينها وبين أهل البيت، كما أنها هي الوطن الطبيعي لكل دعوه إسلامية صادقة فإليها أتى جمال الدين الأفغاني وعشرات غيره من المدافعين عن الحق والحقيقة٠

وعند وصوله إلى مصر اجتمع بشيخ الأزهر الإمام الجليل فضيلة الشيخ مصطفي المراغي الذي أيد الدعوة ورحب بالفكرة وهيأ له فرصة الاتصال بعلماء المسلمين كالشيخ عبد المجيد سليم والشيخ مصطفي عبد الرازق وغيرهم والذي تشكلت منهم نواة دعوة التقريب ودار التقريب فيما بعد، كما دعاه لإلقاء محاضرات بالأزهر الشريف حتى تتهيأ فرصة التقارب النفسي والفكري بينه وبين غيره من علماء السنة، لكن الحرب العالمية الثانية نشبت فاضطر للعودة إلى إيران يبشر بدعواه هناك، وكان آية الله العظمى الإمام البروجردي قد استقر في قم عام ١٩٤٥ م حيث التقى به وحاز على تأييده ودعمه لدعوة التقريب وبذلك أكتسبت الدعوة تأييد أكبر أقطاب السنة والشيعة (وكان هذا التأييد من أهم العناصر لنجاح الدعوة) ٠

وبعد انتهاء الحرب عاد إلى مصر ثانية والتقى بمن بقي حياً من إخوانه العلماء وتم تأسيس دار التقريب بين المذاهب الإسلامية في القاهرة في فبراير ١٩٤٧م وكان من أعضائها المؤسسين المغفور لهم فضيلة الشيخ عبد المجيد سليم وفضيلة الشيخ مصطفي عبد الرازق وفضيلة الشيخ محمود شلتوت وفضيلة الشيخ عبد العزيز عيسى وفضيلة الشيخ حسن البنا وفضيلة الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء، والسيد عبد الحسين شرف الدين الموسوي، ومحمد علي علوية باشا وغيرهم وكان الإمام القمي هو سكرتيرها العام ومؤسسها الأول (مادة ٦ من النظام الأساسي)، وبهم انعقدت أول جلسة في التاريخ الإسلامي الحديث يحضرها ممثلو المذاهب الإسلامية المختلفة٠٠ وقد تلقى أعلام المسلمين الدعوة منذ نشأتها ففتحوا لها قلوبهم وعقولهم وكان ممن التحق بها لاحقاً المغفور لهم: فضيلة الشيخ أحمد حسن الباقوري، وفضيلة الشيخ محمد الغزالي، وفضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي٠

وأصدرت الجماعة مجلة (رسالة الإسلام) في يناير ١٩٤٩ م بإدارة المغفور لهما: فضيلة الشيخ محمد المدني وفضيلة الشيخ عبد العزيز عيسى وظلت تصدر قرابة أربعة عشر عاماً، تضمنت في أعدادها أقلام كبار علماء العالم الإسلامي كما تضمنت تفسير القرآن الكريم للشيخ محمود شلتوت في فصول متتابعة حتى اكتملت كتاباً سوياً، ثم أصدر فضيلته فتواه التاريخية في إبريل ١٩٦٠ م في جواز التعبد على المذاهب الإسلامية ومنها مذهب الشيعة الأمامية (الاثنا عشرية) ٠

ولعل أهم ما يجسد شخصية الإمام القمي هو ما ذكره المغفور له فضيلة الشيخ محمود شلتوت في مقدمته لقصة التقريب (وكنت أود لو كتب قصة التقريب أحد غير أخي الإمام المصلح محمد تقي القمي ليستطيع أن يتحدث عن ذلك العالم المجاهد الذي لا يتحدث عن نفسه ولا عما لاقاه في سبيل دعوته وهو أول من دعا إلى هذه الدعوى وهاجر من أجلها إلى هذا البلد ٠٠٠٠ بلد الأزهر الشريف – فعاش معها وإلى جوارها منذ غرسها بذرة مرجوة على بركة الله، وظل يتعهد بالسقي والرعاية بما أتاه الله من عبقرية وإخلاص وعلم غزير وشخصية قوية وصبر على الغير وثبات على صروف الدهر حتى رآها شجرة سامقة الأصول باسقة الفروع تؤتي أكلها كل حين – بإذن ربها ويستظل بظلها أئمة وعلماء ومفكرون في هذا البلد وفي غيره ٠٠٠) ٠

وظل الإمام القمي يعمل لآخر أيامه على توحيد صف المسلمين وجمع كلمتهم إلى أن توفاه الله إلى رحمته في أغسطس ١٩٩٠ م أثر حادث أليم في باريس ودفن بجوار والده بمقابر العائلة بتهران – تغمدهما الله بواسع رحمته٠

وقد ذهب هؤلاء جميعاً إلى ربهم راضيين مرضيين٠٠

«من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه منهم من قضى نحبة ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا» [الأحزاب آية ٢٣] ٠

- ٢ -

منهج البحث:

يعتمد البحث على منهج القراءة وإعادة إنتاج النص ووضعه في إطارين: الأول الإطار التاريخي للفكرة، والثاني الإطار المعرفي للفكرة، حيث أن إنتاج نص التقريب جاء في ظروف تاريخية معينة مر بها العالم الإسلامي، كما أن الفكرة ليست بمعزل عن باقي الأفكار التي ظهرت في تلك الفترة بالإضافة إلى اعتبار صيغة أخرى للنص وهي كونه يدخل ضمن المشروع النهضوي الإسلامي الذي بدأ عقب سقوط الخلافة الإسلامية والذي بدأه الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا وحسن البنا، ثم إن النص يمتد إلى الواقع المعاش، من حيث كونه يتضمن رؤية مستقبلية لأحوال العالم الإسلامي، فلا يزال العالم الإسلامي في حالة تتشابه مع حالته الأولى من: التراجع لحضاري، والضغف السياسي، والتبعية الاقتصادية والغزو الثقافي مع ملاحظة تطور هذه السمات وفقاً للتوصيف العالمي القهري للمسلمين، ومن ثم فالنص يمكن أن يكون لإصلاح اليوم كما كان لإصلاح الأمس - الذي لم يتم – فالواقع يبرز لنا الحاجة إلى نصوص تقريبية ووحدوية وإصلاحية يجتمع حولها المسلمون لنشدان نهضتهم التي ينتظرونها منذ زمن (!!) ٠ لذلك يقوم المنهج المتبع في هذا البحث علي عدة مستويات (**):

١ - العرض والتحليل لنصوص القمي (المقالات التي نشرت في مجلة رسالة الإسلام في الفترة من ١٩٤٧: ١٩٧٢) (***)، ومحاولة شرحها والتعبير عنها كما أوردها صاحب النص٠

٢ - المناقشة والحوار للآراء المعروضة في حد ذاتها وفي إطارها التاريخي وفي مستوى عصرها من أجل تعميقها وتحريكها استعداداً لإعادة كتابتها وإنتاجها وصياغتها في ظروف أخرى جديدة٠

٣ - إعادة كتابة النص في إطار معرفي داخل المشروع النهضوى الإسلامي المعاصر، باعتبار أن أفكار القمي تحمل أفكاراً لمشروع النهضة الإسلامية٠ وقد قسمنا أفكار القمي التقريبة إلى ثلاث فئات تتقابل مع أفكار مشروع النهضة الإسلامية٠

أسئلة التقريب عند القمي، وتتقابل مع أسئلة النهضة التي تطرح في كثير من جوانب مشروع النهضة الإسلامية، والأسئلة التي طرحها القمي تغطي مجالات إصلاحية متعددة لواقع المسلمين على المستوى النظري أو المنهجي والعملي أو التطبيقي، وهي كما يلي:

هل في طاقة المسلمين أن يعالجوا مشاكلهم بأنفسهم؟

هل هناك مبادئ من صميم الإسلام تضمن للأمة الإسلامية وحدتها وبالتالي عزها ومجدها؟

هل يفهم المسلمون أن التقريب معناه نبذ كل خلاف؟ أو أنهم لا يرون بأساً بأي خلاف يتبع الدليل، ويراعي الأصول التي لا يحق لمسلم أن يخرج عليها؟

هل تتحكم المصلحة في النهاية أو يسيطر التعصب؟

هل المسلمون يريدون حقاً أن يعيشوا أو أنهم سيظلون يتهاونون حتى في وجودهم ويتركون الأمر لأعدائهم الذين يعرفون كيف ينتهزون الفرصة ويحسنون الانتفاع بموقف كل من المتزمتين الذي يسيطر عليهم الجمود، وأصحاب الهوى الذين يخدمون السياسات الأجنبية وبذلك يزداد ضعفهم ويعجزهم صد أي تيار خارج على مبادئهم، فيسهل تحطيمهم والقضاء عليهم؟ [١] ٠

ومن المفاهيم النهضوية التي حاولنا تحريكها وإعادة إنتاجها في هذه الأسئلة:

مفهوم الأمة وأبعاده العقدية والمنهجية والفكرية، مفهوم التقريب ومنطلقاته أو الوحدة الإسلامية ومنطلقاتها في ظل تراث دُس فيه البعض سموم الاختلاف والفرقة، وواقع يوجد فيه من يستدعي هذا الاختلاف ويؤججه بين المسلمين، ومفهوم الوجود الإسلامي في ظل المتغيرات العالمية السياسة والاقتصادية والثقافية، وموقعة على الخريطة العالمية من حيث القوة والتأثير٠

ب - الثقافة الإسلامية محور للتقريب أو محور للوحدة الإسلامية، وقد أكد القمي على المشروع الثقافي الإسلامي في مواجهة المشروع الثقافي الغربي بأجنحته الثلاثة التبشير، الاستشراق، التغريب٠ وهي المواجهة التي بدأها المشروع الإسلامي منذ القرن التاسع عشر ولا تزال مستمرة حتى الآن٠

ج – نتائج جهود القمي في مجال التقريب أو في مجال الوحدة الإسلامية، حيث تعد جهود القمي أحد المؤشرات التي يمكن من خلالها قياس نتائج المشروع الإسلامي في القرن العشرين، وقد تم تصنيف هذه الجهود سواء التي كان للقمي دور مباشر فيها أو غير مباشر من خلال الاقتناع بالفكرة والعمل لها حتى في غياب مؤسسها الأول – إلى مستويات: المستوى المؤسسي، والأدبيات، والفتاوى٠

- ٣ -

أسئلة التقريب عند القمي أو أسئلة النهضة

يطرح هنا القمي تحت عنوان قصة التقريب عدة أسئلة يرويها ليوضح لنا المقاصد الرئيسية لحركة التقريب التي كانت تدور في خاطره حال دعوته، كما يوضح لنا مناط التقريب وأهدافه، وقد حولنا أن نضع تفسير آخر بجانب التفسير القريب لهذه الأسئلة باعتبارها أسئلة للنهضة الإسلامية وهي ما حاول المشروع الإسلامي الإجابة عليه خلال القرن العشرين٠

السؤال الأول: هل في طاقة المسلمين أن يعالجوا مشاكلهم بأنفسهم؟ [٢]

لقد واجه العالم الإسلامي خلال القرن العشرين عدة تحديات أهمها الاستعمار وتحدي النهضة، وإذا كان المسلمون استطاعوا مواجهة التحدي الأول على المستوى الشكلي – (حيث لا يزالون يخضعون للاستعمار بصور كثيرة بالإضافة إلى التحدي الصهيوني في فلسطين، والأمريكي في العراق وأفغانستان)، إلا أن تحدي النهضة لا يزال موجوداً بقوة في ذهنيات المصلحين، والسؤال هنا يركز على قوله بأنفسهم وهذا يعني أن حلول مشكلات المسلمين يجب أن تنشأ من ذهنياتهم هم لا من غيرهم٠

والواقع أن المشاريع الإصلاحية في العالم الإسلامي تعاني من حالة انقسام حاد ويبدو هذا الانقسام واضحاً في عدم تبني إطاراً مرجعياً تجتمع عليه الأمة للحظة خروجها من حالة الغياب الحضاري مما أدى إلى تعدد المرجعيات ومن ثم الوسائل والآليات والأهداف التي يسعى كل مثقف إلى استحضارها لمشروعه، وإذا كان التعدد يبدو ظاهرة سوية غير مرضية إلا أن الانقسام هو الذي يكون كذلك، لأن التعددية تكون داخل الوحدة، أما الانقسام فهو يرادف التجزئة والتفتت٠

ويرُد هذا الإنقسام الحاد إلى الاتصال الفكري بالمجتمع الغربي في آخر مراحل الانهيار الحضاري – مرحلة سقوط الخلافة العثمانية – وما أحدثه من صدمة فكرية لدى مثقفينا الذين رأوا في المجتمع الجديد بكل ما يحمل من قيم واتجاهات وأنماط سلوكية نموذجاً للنهضة والتقدم، بعيداً عن دراسة العوامل السسيولوجية والنفسية لحادث التقدم الغربي وظواهره الفكرية والسياسية التي ارتبطت بوجوده – مثل فصل الزمني عن المقدس – والاحتلال العلمي لوجدان وعقل الإنسان الغربي، ٠٠إلخ٠ وهو ما لم تعرفه البيئة (النفسية والثقافية والاجتماعية والدينية) الإسلامية٠

وقد ترتب على ذلك الانبهار اسقاط مقدمات وأسباب نهضة المجتمع الغربي بظروفه وبيئته وتاريخية حضارته الوسطى والقديمة والحديثة على المجتمع الإسلامي، فكان الناتج الطبيعي عدم تفاعل القادم من الغرب مع الحاضر الإسلامي، وبدلاً من أن يعنى المثقف المسلم الذي اتصل بالواقع الغربي بتطوير منهجه وأدواته أو ابتكار مناهج وأدوات تتلاءم مع سسيولوجيته الإسلامية راح في سهولة بنقل مناهج وأدوات ابتكرها غيره أو كانت نتاجاً إبداعياً لما حملته ظروفه المجتمعية إلى الواقع الإسلامي ببنيته الثقافية والمجتمعية دون مراعاة للفوارق والاختلافات الجوهرية بين الواقعين (الغربي والإسلامي) ٠

وقد أدى هذا الاستيراد الذهني للعمليات الفكرية والمنهجية بعد بلوغ نضجها في العقلية الغربية إلى وجود تعارض واضح الملامح والتفاصيل بين المشروع الحضاري الغربي الذي تم بالفعل واكتمل بناؤه والمشروع الإسلامي الباحث عن ذهنيات إسلامية تمتلئ بأهدافه وتبحث عن الآليات المعرفية والعملية من أجل تحقيق تلك الأهداف، الأمر الذي من شأنه العمل على تشخيص الواقع بأمانة ودقة ثم بذل قصارى الجهد من أجل ابتكار الآليات المعرفية والعملية لتحقيق النهضة المنشودة٠

والمتأمل لمشروع النهضة الإسلامية والذي بدأ بحركات إصلاحية فردية ثم حركات جماعية منذ بداية الضعف في الخلافة العثمانية وبداية عصر النهضة الأوربية والاستعمار العالمى للعالم الإسلامي، يجد أن برنامج هذه المشروعات كانت تهدف إلى إيقاظ الوعى الإسلامي بالاستعمار الأجنبى وضرورة العمل على تحقيق الاستقلال وبدأ ذلك واضحاً في حركة السيد جمال الدين الأفغانى (١٨٣٨م – ١٨٩٦م، ١٢٥٤ هـ - ١٣١٤هـ)، ومحمد عبده (١٨٤٥م – ١٢٦٦ هـ، ١٩٠٥م – ١٣٢٣ هـ) الذين أصدرا العروة الوثقى و التي كانت الإعلام الأول لمشروع النهضة الإسلامي حيث احتوت مقالاتها على تشخيص أحوال العالم الإسلامي وبيان أسباب تعثره واستندت هذه المقالات في منهجها إلى الأصول الإسلامية مع ربطها بواقع الأمة في هذه الفترة [٣] ٠

كما أكدت هذه المقالات على دور التربية الإسلامية لتحقيق الإنتماء الإسلامي ومواجهة موجات التبشير والتغريب ورسمت – أيضاً – هذه المقالات – ملامح التغيير السياسى والاجتماعى المطلوب في الأمة الإسلامية٠

ثم كان لمحمد عبده – بعد ذلك – فلسفته الإصلاحية التي كانت تقوم على إحياء، دور العقل وتصحيح الفهم الدينى الذي أصابه الجمود، والدعوة إلى فتح باب الاجتهاد في المعاملات، ثم ظهر بعد ذلك رشيد رضا الذي تتلمذ على يد الشيخ محمد عبده الذي أنشأ مجلة المنار و التي بدأت على صفاحتها تظهر أفكاره الإصلاحية التي كانت امتداد للشيخ محمد عبده٠

وفي الجزائر كانت جهود الشيخ بن باديس (١٣٠٧ هـ - ١٨٨٩م / ١٣٥٩ هـ - ١٩٤٠م) في حماية الشخصية الجزائرية من التغريب، بتحريم التجنس بجنسية المحتل وذكر في نص هذه الفتوى أن التجنس بجنسية غير إسلامية يقتضى رفض أحكام الشريعة، ومن رفض حكماً واحداً من أحكام الشريعة عد مرتداً عن الإسلام بالإجماع، فالمتجنس مرتد بالإجمال، هذا بالإضافة إلى جهوده التربوية والتعليمية [٤] ٠

وكانت دعوة الشيخ حسن البنا (١٩٢٨ م) إلى إنشاء جماعة الإخوان المسلمين تطوراً في الفكر الإسلامي الذي بدأ يعتمد على العمل الجماعى منه إلى الجهود الفردية، وقامت هذه الجماعة مستهدفة في البداية هدفاً مباشراً قريباً هو الجهاد ضد الاستعمار الأجنبى في البلاد، وهدفاً استراتيجياً لعمل الجماعة وهو إقامة الخلافة الإسلامية وقدمت الجماعة منهجاً تربوياً يشمل كافة جوانب تربية الفرد المسلم وفقاً لنموذج الجماعة الإسلامية الأولى، وعلى الرغم من مرور سبعين عاماً على إنشاء هذه الجماعة وما تعرضت له من مواجهات مختلفة – داخلية وخارجية – إلا أنها تحقق الإنتشار السريع أفقياً ورأسياً، وهي مع ذلك بحاجة إلى تطوير برامجها وآلياتها بما يخدم المشروع الإسلامي كله٠

كما ظهرت جماعات إسلامية أخرى مثل الجماعة الإسلامية في باكستان، والتبليغ والدعوة، وأنصار السنة المحمدية٠ وغيرهم من الجماعات التي تزيد على الأربعين جماعة تعمل على الساحة الإسلامية٠

وتأكد أهمية الأفكار التي طرحها سيد قطب خاصة في كتابه الشهير معالم في الطريق حينما أكد فيه على ضرورة قطع جميع العلائق بالأنظمة الوضعية وأفرد تصوره للحكومة الإسلامية المنشودة التي تستمد كل مقوماتها من النظام الإسلامي الرشيد، ثم هو يبرز في كتاباته الأخرى التصور الإسلامي لمفهوم العدالة الاجتماعية الغائب في الأفكار والأنظمة الوضعية في العالم الإسلامي، وقد كانت لأفكار سيد قطب ردود فعل واسعة في العالم الإسلامي ما بين مؤيد ومعارض في قربها أو بعدها للمشروع الإسلامي، خاصة أولئك الذين يرون هذه الأفكار من منظور تجريدى فلسفي بعيداً عن التطورات الاجتماعية والسياسية للمجتمعات الإسلامية حينئذ٠

وكانت أفكار سيد قطب امتداداً للمفكر الباكستانى أبو الأعلى لمودودى الذي كانت كتاباته تدور حول المحور السياسى في المشروع الإسلامي، ويرى المودودى أن الخصائص الأولية للدولة الإسلامية تتلخص في ثلاث [٥] ٠

أ - ليس لفرد أو أسرة أو طبقة أو حزب أو لسائر القانطين في الدولة نصيب من الحاكمية فإن الحاكم الحقيقى هو الله والسلطة الحقيقية المختصة بذاته لله وحده والذين من دونه في هذه المعمورة إنما هم رعايا في سلطانه العظيم٠

ب - ليس لأحد، من دون الله شئ من أمر التشريع، والمسلمون جميعاً ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً لا يستطيعوا أن يشرعوا قانوناً٠

ج - إن الدولة الإسلامية لا يؤسس بنيانها إلا على القانون الذي جاء به النبى – صلى الله عليه وسلم – من عند ربه مهما تغيرت الظروف والأحوال٠

ويطالعنا مالك بن نبى بمجموعة من الأفكار التي دشنها حول استعادة الدور الحضاري للأمة الإسلامية و التي فقدته لأنها تخلت عن شروط هذا الدور الحضاري ومن ثم فقدت معه الريادة الحضارية حيث يرى مالك أن لكل حضارة شروطاً نفسية وزمنية تقوم عليها وهذه الشروط لا تحققها مجرد ثقافة مهنية، بل ثقافة جذرية تغير فنياً معالم الذات ومنطلقة من كيان الإسلام الحضارة لذلك فإن تمسك الإنسان المسلم بتعاليم ومبادئ القرآن، جعلته مشيداً لأعظم حضارة عرفها التاريخ، فإذا ما وهنت الدفعة القرآنية، توقف العالم الإسلامي وما كان لأى معوض زمنى أن يقوم خلال التاريخ، مقام المنبع الوحيد للطاقة الإنسانية، ألا وهو الإيمان، ولذا لم تستطع النهضة الحديثة، أن تمنح العالم الإسلامي حركة لم يعد هو في ذاته يملك مصدرها [٦] ٠

وهذا ما جعل مالك بن نبى يرفض النقل والإقتباس للأفكار والمناهج الغربية وأكد على ضرورة الاستقلال الفكري واستعادة الأصالة في ميدان الأفكار، فالفكر الإسلامي قد وضع حلولاً لمشكلات العالم الإسلامي، وما يعانية إنسان العصر الحديث من قضايا ومواقف، وأنه يجب الرجوع إلى القرآن الكريم الذي وضع حلولاً للمشكلات التي تواجه الإنسان٠

أما الشيخ محمد الغزالى (١٩١٧م – ١٩٩٦م) فقد انشغل بتصحيح المفاهيم الدينية باعتبارها العامل المهم في إقامة المجتمع الإسلامي المنشود، ومن أهم القضايا التي أكد عليها في كتاباته وندواته وخطبة هي شخصية المسلم المعاصر وبيان عوامل الضعف بها مؤكداً على ضرورة التربية الإسلامية التي يجب أن يتلقاها المسلم المعاصر في جميع المؤسسات التربوية (البيت – المدرسة والأعلام)، كما اهتم - رحمه الله - بالدعوة إلى فتح باب الاجتهاد ليس في أبواب وفروع العبادات فهذا على حد قوله: قد باشرته الأمة الإسلامية بأسلوب بلغت الحرية فيه حد السرف لذلك فيجب إغلاق باب هذا النوع من الاجتهاد، والموقف على العكس تماماً بالنسبة للاجتهاد في أبواب المعاملات، فإن القول بانتهاء عهده جريمة والزعم بأن الأولين بلغوا حده الأقصى زعم لا يقوم إلا في أذهان البله٠ (الغزالى، كيف نفهم الإسلام؟ )

وكان للتطورات السياسية في إيران – بعد الثورة الإسلامية عام ١٩٧٩، أثراً كبيراً في تطور النموذج السياسى للمشروع الإسلامي فقد كانت الثورة الإسلامية أول محاولة في العصر الحديث لنقل تجربة الحكم السياسى الإسلامي من مجال الفكر النظرى الإسلامي إلى مجال السلطة وكذلك فإن الثورة الإيرانية هي الثورة الأولى في العصر الحديث التي قامت على أثر حافز إسلامى وضد عملية التغريب أو أوربة المؤسسات السياسية والإدارية والثقافية داخل البلاد في عهد الشاه [٧] ٠

وقد حرص دستور الثورة الإيرانية وقوانينها على تقديم تمايز للنموذج السياسى، الإسلامي٠٠ ونلاحظ ذلك من خلال بعض مواد هذا الدستور:

- المادة السابعة تنص على مبدأ الشورى الإسلامي٠

- المادة الثامنة نصت على مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر٠

- المادة الحادية عشرة نصت على مبدأ وحدة المسلمين وواجب النظام في العمل على تحقيقها٠

المادة الرابعة عشرة نصت على معاملة غير المسلمين بالحسني٠

المادة السادسة عشرة نصت على الإهتمام باللغة العربية باعتبارها لغة الدين الإسلامي٠

المادة السابعة عشرة نصت على أن يكون التقويم الرسمى للدولة هو التاريخ الهجرى (****) ٠

وعلى الرغم من وجود بعض الإشكاليات الخاصة بالنموذج السياسى الذي تتبناه إيران، فلا يمكن استبعاد هذا النموذج من الواقع الإسلامي بل يجب الاقتراب منه بالدراسة والفحص والتقييم من أجل تفعيل نموذج سياسى إسلامى هو القائم وحده حالياً بين الأنظمة العلمانية ويتم من خلاله إدراك الآخرين لنا ولأصالتنا الفكرية والسياسية٠

وعلى المستوى المؤسسى للعمل الإسلامي، فلم يشهد القرن العشرين حتى الربع الأخير منه وجود مؤسسات تقوم بإنتاج وإبتكار الأفكار النهضوية للمشروع الإسلامي على نمط ما يوجد في الغرب من مؤسسات ومراكز للتبشير والتغريب وأخيراً للعولمة، مما جعل الفردية و التناثر و التكرار أهم ما اتسمت به مشاريع النهضة الإسلامية في القرن العشرين، إلا أنه في الربع الأخير ظهرت بعض المؤسسات الفكرية أهمها المعهد العالمي للفكر الإسلامي ١٩٨١م، والذي حدد اهتماماته في توفير الرؤية الإسلامية الشاملة، وتأصيل قضايا الإسلام وتوضيحها، استعادة الهوية الفكرية والثقافية والحضارية للأمة الإسلامية، إصلاح مناهج الفكر الإسلامي المعاصر، وكذلك إنشاء المعهد العالمي للبحوث الإسلامية، وتوالي في بداية القرن الحادى والعشرين زيادة الاهتمام بالعمل الإسلامي المؤسسى الذي يضمن التفاعل وتوفير الوقت والجهد وضبط العمل الإسلامي من خلال مجموعة محددات وأهداف واستراتيجيات حتى وإن لم يتم الاتفاق عليها بشكل نهائى إلا أن ذلك النوع من العمل المؤسسى يظل هو الأمل في وضع مشروع إسلامى متكامل ينهض بالمسلمين في القرن الجديد٠

ومن خلال ما تقدم يتبين أن ما تم تدشينه من عمل الذهنيات الإسلامية – خلال القرن العشرين وحتى بداية القرن الحالى – يدخل ضمن مقدمات ضرورية للمشروع الحضاري الإسلامي حيث لا يمكن اعتبار هذا المشروع تم واكتمل بناؤه، والمتأمل لهذه المقدمات يجد أنها تتسم بتعدد المرجعية وأنها تفتقد المحددات المنهجية والفكرية التي تجعل من هذه المقدمات بناء في نسق متكامل متسق غير متناقض، فالواقع أفرز لنا الإشكاليات التالية:

تعدد واختلاف الرؤى المنهجية٠

تناقض في مراعاة الأولويات للعمل الإسلامي، وفي تحديد الأصول والفروع فتم تأخير ما حقه التقديم، وتقديم ماحقه التأخير، وصغر الكبير وتم تكبير الأمر الصغير، ونشأ ذلك لافتقاد تحديد الأولويات ومرحليتها الزمنية لدى أصحاب الذهنيات الإسلامية٠

التحزب الفئوى، الجماعى وتعدد التنظيمات و التي أخذت الفجوة بينهم تتزايد يوماً بعد يوم، مما عمق التفتيت و التجزئة في العمل الإسلامي المعاصر٠

اختفاء مفهوم الأمة من خطابات التنظيمات والجماعات وإعلاء شأن الجماعة و التنظيم – اللهم إلا إذا استخدم لجذب الأنصار في الخطابات العامة والدعائية٠

ومن خلال ما تقدم يتبين: أن المسلمين لم يستطيعوا بعد أن يعالجوا مشاكلهم بأنفسهم على الرغم أنه من المؤكد أن طاقتهم الفكرية والمادية والمعنوية توفر لهم هذه الحلول، إلا إن قوى الاستكبار العالمي وفرقتهم واختلافهم تقف حائلاً دون تحقق ذلك٠

السؤال الثانى: هل هناك مبادئ من صميم الإسلام تضمن للأمة الإسلامية وحدتها وبالتالى تضمن لها عزها ومجدها؟ [٨]

يحتوى هذا السؤال على مفهوم رئيسى هو: صميم الإسلام ولا شك في كونه القرآن الكريم الذي اتفق عليه المسلمون وبصحة ما فيه دون زيادة أو نقصان وهو نفسه الذي يوجد بين دفتى المصحف في أيدى المسلمين٠

فالمسلمون يتفقون في كتابهم وهو الأصل الأول، وهو الذي بقى سليماً، فلا يختلف مسلم مع مسلم على سورة أو آية أو كلمة [٩] ٠

وهذا الكتاب هو الذي أعطى للأمة صفة الإسلامية لذا يعتقد القمي أنه - أى الكتاب - والأمة فكرياً واجتماعياً هما الطريق لوحدتهم٠

إن إحياء مفهوم الأمة كما أشار إليه القمي - يمثل المنطلق الأساسى للبناء المنهجي والفكري لوحدة المسلمين، ذلك المفهوم الذي مزقته الدولة القطرية في القرن العشرين والعولمة في القرن الحادي والعشرين٠

والأمة في اللغة تعني: الدين، قال أبو إسحاق في قوله تعالى كان «الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين» أى كانوا على دين واحد، والأمة: الطريقة والدين يقال: فلان لا أمة له أي لا دين له ولا نحلة، وقال تعالى: كنتم خير أمة قال الأخفش: يريد أهل أمة أي خير أهل دين [١٠] ٠ والإسلام هو دين أمتنا لذلك تنعت بـ الأمة الإسلامية «إن الدين عند الله الإسلام}، (وأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون» [المؤمنون: آية ٥٢]، «وأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون» [الأنبياء: آية ٩٢] ٠

والأمة الإسلامية: مفهوم إلهي أطلقه الله على الجماعة البشرية التي تؤمن به وتعبده، ورضى لها الإسلام ديناً وشريعة «اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا» [المائدة، آية ٣] وهذا هو الذي يميز الأمة الإسلامية عن غيرها من الأمم التي ذكرها القرآن الكريم، وهي إضافة الإسلام إليها كنهج استراتيجى في الدنيا والآخرة، وقد أعطى الإسلام مجموعة من الأبعاد التي تشكل النسق الحضاري للأمة الإسلامية، وهذه الأبعاد هي:

١ - البعد العقدى: ذلك البعد الذي يتضمن التوحيد في الإعتقاد والعبادة لإله واحد والمتمثل في شهادة لا إله إلا الله و التي تعد مصدر قوة الإنسان المسلم ومصدر عزته، وتحريراً له من أغلال وعبودية غير الله، وتحريراً لطاقته من الشهوات والغرائز والأشياء والعلائق المتغيرة٠

وهذا المنطلق كما يدل عليه مصطلحة، وتنطق به كلمة الشهادة، ويوضحه القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، يقيم العقل المسلم والفكر المسلم والمنهجية الإسلامية على فرضية الحق أساساً ومداراً ومآلاً لكل الكون والكائنات، وعلى فرضية وحدة المصدر ووحدة الحقيقة التي ينطلق منها ويمثلها كل الكون والكائنات، وعلى فرضية وحدة الإنسان الذي خلقه الله وكرمه بالإرادة والخلافة ورعاية الكائنات على أسس الحق والعدل والخير [١١] ٠

٢ - البعد الفكري والمنهجي: إن مفهوم الأمة الإسلامية يحدد للمسلم أصول فكره ومنهجه ونسقه المعرفي، فالأفكار البشرية الإسلامية هي نتاج التقاء (العقل) مع (النص أو الوحي) والعقل هو الذي يقوم بالاستنباط والإبداع لإيجاد الصيغة المعرفية الملائمة لإقامة واقع يتمثل فيه الفكر الإسلامي الناتج عن هذا التفاعل ومعه تنتج الحضارة الإسلامية٠

هذا البعد يمثل الهوية التي يجب أن يعمل لها أصحاب الدعوة لوحدة الأمة، كما يتيح من خلاله تحديد نقاط الالتقاء بين العقل والوحي والتعرف على النتاج الإسلامي وتاريخيته، وما يمكن استمراره، وما يجب الإستغناء عنه، وما يجب أن يضاف من معارف وأفكار - ناتجة عن المستجدات – إلى المنهج الفكري الإسلامي في استنباطه لعلاقات وصيغ جديدة للواقع الجديد٠

وهذا البعد الفكري والمنهجي يمكن أن يساعد في تحديد ما يلي:

التصور الفكري للإنسان والعالم والكون٠

القواعد الأساسية التي تحدد العلاقة الراهنة بين العقل والوحي٠

الموقف من التراث الفكري والفقهي٠

الموقف من التراث البشرى لغير المسلم٠

الوسائل والقواعد العامة لتفاعل المسلم مع اللحظة الراهنة والمستقبلية٠

٣ - بعد الوسطية: والوسط في اللغة يعنى: ظرف بمعنى بين يقال جلس وسط القوم، (الوسط) ٠ وسط الشئ: ما بين طرفيه وهو منه والمعتدل من كل شئ يقال: شئ وسط بين الجيد والردئ٠ وما يكتنفه بين أطرافه ولو من غير تساو وبعدل وبخير، وفي التنزيل «وكذلك جعلناكم أمة وسطاً» أي عدولاً وخياراً [١٢] ٠

والوسطية صفة رئيسية للأمة الإسلامية وهي إرادة الله لهذه الأمة وقدرها «وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس» [البقرة: آية ١٤٣] ٠

وينفي محمد عمارة: أن تكون هذه الوسطية إنعدام الموقف الواضح والمحدد أمام المشكلات والقضايا المشكلة٠٠ أو أن تكون وسط بين رذيلتين مثل الفضيلة اليونانية، ولكنها في التصور الإسلامي: موقف ثالث حقاً ٠٠ ولكن توسطه بين النقيضين المتقابلين لا يعني أنه منبت الصلة بسماتهما وقسماتهما ومكوناتهما ٠٠ إنه مخالف لهما، ليس في كل شئ، وإنما خلافه لهما منحصر في رفضه الانحصار والانغلاق على سمات كل قطب من الأقطاب وحدها دون غيرها٠٠ منحصر في رفضه الإبصار بعين واحدة، لا ترى إلا قطباً واحداً ! ٠٠ منحصر في رفضه الإنحياز المغالي، وغلو الإنحياز ! ٠٠ ولذلك، فإنها، كموقف ثالث وجديد إنما يتمثل تميزها، وتتمثل جدتها في أنها تجمع وتؤلف ما يمكن جمعه وتأليفه كنسق غير متنافر ولا مغلق ٠٠ من السمات والقسمات والمكونات الموجودة في القطبين النقيضين كليهما ٠٠ وهي لذلك: وسطية جامعة [١٣] ٠

ويذكر سيد قطب في تفسيره آية الوسطية: أمة وسطا ٠٠ في التصور والإعتقاد ٠٠ لا تغلو في التجرد الروحي ولا في الإرتكاس المادي إنما تتبع الفطرة الممثلة في روح متلبس بجسد، أو جسد به روح ٠٠ وتعطي لهذا الكيان المزدوج الطاقات حقه المتكامل من كل زاد وتعمل على ترقية الحياة ورفعها في الوقت الذي تعمل فيه على حفظ الحياة وامتدادها، أمة وسطا ٠٠ في التفكير والشعور لا تجمد على ما علمت وتغلق منافذ التجربة والمعرفة ٠٠ إنما تستمسك بما لديها من تصورات ومناهج وأصول ثم تنظر في كل نتاج للفكر والتجريب، وشعارها الدائم: الحقيقة ضالة المؤمن أني وجدها أخذها، في تثبت ويقين [١٤] ٠

إن بعد الوسطية يمكن المشروع الحضاري من:

تحقيق التوازن، والشمول في الرؤية الفكرية والمنهجية٠

مراعاة السنن الحضارية وحركة الكون والأشياء٠

صياغة رؤية متكاملة عن المستجدات والمتغيرات المعاصرة٠

تحديد الثوابت والمتغيرات في حركة العمل الإسلامي٠

ترشيد الفهم الخاص بالخلافات المذهبية والتنظيمية٠

تحقيق التفاعل الخلاق بين المسلم وحضارة العصر الذي يعيش فيه٠

بلورة برامج التنمية الفكرية لتحقيق الوحدة بين المسلمين٠

بعد الشهود: يأتي بعد الشهود كنتيجة مترتبة على بعد الوسطية فالأمة الوسط هي أمة الشهود (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً٠٠) يقول الرازي في بعد الشهود: إن كل من عرف حال شئ وكشف عنه كان شاهداً عليه والله تعالى، وصف هذه الأمة بالشهادة فهذه الشهادة إما أن تكون في الآخرة أو في الدنيا لا جائز أن تكون في الآخرة لأن الله تعالى جعلهم عدولاً في الدنيا لأجل أن يكونوا شهداء وذلك يقتضي أن يكونوا شهداء في الدنيا، وإنما قلنا: إنه تعالى جعلهم عدولاً في الدنيا لأنه تعالى قال (وكذلك جعلناكم أمة) وهذا أخبار عن الماضي فلا أقل من حصوله في الحال، وإنما قلنا: أن ذلك يقتضي صيرورتهم شهوداً في الدنيا لأنه تعالى قال (كذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس) رتب كونهم شهداء على صيرورتهم وسطاً ترتيب الجزاء على الشرط، فإذا حصل وصف كونهم وسطاً في الدنيا وجب أن يحصل وصف كونهم شهداء في الدنيا، فإن قيل: تحمل الشهادة لا يحصل إلا في الدنيا، ومتحمل الشهادة قد يسمى شاهداً وإن كان الأداء لا يحصل إلا يوم القيامة قلنا الشهادة المعتبرة في الآية لا التحمل بدليل أنه تعالى اعتبر العدالة في هذه الشهادة

والشهادة التي يعتبر فيها العدالة هي الأداء لا التحمل، فثبت أن الآية تقتضي كون الأمة مؤدين للشهادة في دار الدنيا [١٥] ٠

يلاحظ – إذن – أن هناك مستويين للشهادة: مستوى التحمل، مستوى الأداء، وبتحقيق المستويين يتم الشهود للأمة المسلمة، وبعد الشهود – وفقاً لذلك – يتطلب ما يلي:

الاستقلالية الفكرية والمنهجية للذات التي تقوم بهذا الشهود فلا يمكن لأمة أن تقيم شهودها وهي في حالة تبعية٠

الحجة الحضارية: وهي شرط أساسي لقبول الشهادة، وتستلزم الحضور الحضاري والفعل الحضاري للذات الشاهدة، لأن الغياب يؤدي إلى رفض الشهادة٠

العدل الحضاري: فالشهادة يتطلب فيها أن يكون الشهداء عدول والعدل الحضاري يتطلب القوة الحضارية للذات التي تقوم بالشهادة، فلا شهادة لضعيف أو واهن أو متخلف٠

البصيرة الحضارية: وتقتضي سلامة المنهج النظري والعملي للذات الشاهدة، حتى يثبت صدق شهادتها، لأن الكذب يلازم غياب المنهج أو مرضه٠

وحدة الذات الشاهدة: لأن الانقسام والتعدد يؤدي إلى الإنفصال ويشكك في قبول الشهادة وقيتها٠

إن تحديد الأبعاد والمحددات الرئيسية التي تتسم بها الأمة الإسلامية، من شأنه أن يساهم في تحقيق الوحدة المنهجية والفكرية بين المسلمين، وتساهم أيضا في خلق إرادة واحدة فاعلة لها نسقها الفكري الموحد – بدلاً من تعدد الانساق وتعدد الإرادات – كما أن إحياء مفهوم الأمة كما يؤكد عليه القمي في سؤاله يجعل الولاء للإسلام وليس للمذهب أو لتنظيم أو الجماعة، أو يجعل ولاء المذهب والتنظيم والجماعة للأمة الإسلامية، فتكون الأمة قائداً ومحوراً وليست تابعاً أو فرعاً، ويعطي مفهوم الأمة - أيضاً - تميزاً في الهوية لكل المسلمين في العالم فيخرجهم من دوائر تصنيفات الهيمنة الغربية: العالم المتخلف العالم النامي، دول الجنوب، الشرق الأوسط، ويصبح الإنتماء للأمة الإسلامية هو الركن الأساسي في عنوان المسلم المعاصر، والجنس في تعريفه، والمحدد الأول لمفهومه٠

السؤال الثالث:

يطرح القمي هنا عدة خيارات أمام الخلافات بين السنة والشيعة وهي: الاستبعاد لموقف الخلاف جملة وتفصيلاً، أو الإقرار بالواقع وجود الخلاف ومن ثم مناقشته في ضوء الدليل أو البحث العلمي و الأصول أو أدب الخلاف بين المسلمين كما أقره نظام الإخوة والإجتماع الإسلامي٠ فيسأل عن مدى فهم المسلمون وإدراكهم لهذا الأمر:

هل يفهم المسلمون أن التقريب معناه نبذ كل خلاف؟ أو أنهم لا يرون بأساً بأي خلاف يتبع الدليل، ويراعي الأصول التي لا يحق لمسلم أن يخرج عليها؟ هل تتحكم المصلحة في النهاية أو يسيطر التعصب؟ [١٦]

ولقد كان هذا السؤال مما شغل فكر الشيخ القمي كثيراً لدرجة التكرار في الإجابة عليه وفي مواضع متعددة، فهو يبرز دائماً منطلقات التقريب، ومبادئ الفكرة، ويزيل اللبس حتى لا يحدث خطأ في الفهم لهذه الدعوة الجديدة ومن هذه المنطلقات التي وضعها الشيخ لفكرته:

أولاً: مشروعية الاختلاف ولا مشروعية النزاع والعداء:

يقول القمي: لا ننكر أن الخلاف وقع بعد رسول الله (ص)، ولو زعمنا أن الأوائل لم يكن بينهم أي خلاف لجانبنا الحق، ومن له أقل إلمام بالتاريخ لا يمكنه أن يزعم ذلك٠ بيد أنهم حصروا الخلاف في دائرته المعقولة ولم يجعلوا له أثراً يضر بالوحدة الإسلامية، ولا أعطوا به فرصة لأعداء الإسلام٠ كان خلافاً في الرأي لا تشاجراً، والخلاف في الرأي من طبيعة الإنسان، وتحتمه البيئات وتطور الزمن، وليس لأية قوة أن تمنعه، ولا ضرر منه، بوصفه خلافاً، إنما الضرر في أن يتطور إلى تشاتم وتخاصم٠٠٠ [١٧] ويضيف قائلاً – في موضع آخر – الحق كل الحق أنه لا ضرر على المسلمين في أن يختلفوا فإن الاختلاف سنة من سنن الاجتماع، ولكن الضرر كل الضرر في أن يفضي بهم الخلاف إلى القطيعة والخروج على مقتضى الأخوة التي أثبتها الله في كتابه العزيز لا على أنها شئ يؤمر به المؤمنون، ولكن على أنها حقيقة واقعة رضى الناس أم أبوا: (إنما المؤمنون إخوة فاصلحوا بين أخويكم، واتقوا الله لعلمكم ترحمون) [الحجرات آية ١٠] [١٨] ٠

هذا الأصل الذي وضعه الشيخ القمي كأهم منطلقات العلاقة السنية الشيعية (بصفة خاصة) والعلاقة الإسلامية – الإسلامية (بصفة عامة) قد أوجد بين المفكرين صيغ جديدة للتعامل مع خلافات المسلمين سواء المذهبية أو الفكرية أو التنظيمية ومن أهم الأدبيات التي اعتمدت هذا المنطلق كتاب طه جابر العلواني أدب الاختلاف في الإسلام والذي طبع لأول مرة عام ١٩٨٧ وحتى عام ٢٠٠٠ كانت طبعته السادسة بالإضافة إلى ترجمته إلى ثلاث لغات – كما ذكر المؤلف في مقدمة الطبعة السادسة، ويدور الكتاب حول هذا الأصل العظيم الذي دعا إليه الشيخ القمي في بداية الخمسينات من القرن الماضي، وقد تلقي المسلمون هذا الكتاب كما تلقوا تماماً دعوة التقريب في الأربعينيات حيث يشير الكاتب في مقدمتة تصنيفاً نوعياً للمسلمين حال استقبالهم للكتاب وقسمهم إلى خمس فئات [١٩]:

القاعدة العريضة من القراء رحبت بالكتاب وأحسنت استقباله وحرص كثيرون من المسلمين غير العرب على ترجمته إلى لغاتهم وطباعته٠

فئة حريصة مدركة لعمق المأساة تمنت لو أن الكتاب أسقط على الواقع الإسلامي، وحللت الإختلافات المعاصرة التي جعلت من حركة إسلامية واحدة في بلد إسلامي واحد ثلاثاً وتسعين حركة مستقلة عن بعضها٠

فئة مخلصة أخرى تمنت لو أن الكتاب كان أكبر واشتمل على نماذج أكثر وأخذ من المذاهب الإسلامية الأخرى نماذج أخرى من آداب الاختلاف٠

فئة مخلصة أخرى اقترحت لو أن الكتاب أخرج عن طابعه الفقهي الأكاديمي وعرض لسائر آداب الاختلاف بين جميع فصائل الأمة٠

زمرة ضئيلة جداً، استنكرت إصدار مثل هذه الاختلاف وقالت: بأن المسلمين لا ينبغي أن يختلفوا، ويجب التركيز على بيان تحريم الإختلاف وكونه كفراً يجب محاربته بكل قوة٠٠٠ ٠

يكشف الشيخ القمي - هنا - وجهاً للعلاقات بين السنة والشيعة فالخلاف يكون في الرأي لا في الأصل وله آدابه ووسائله كما أن له نواهيه مثل الضرر و التشاجر و السباب و الشتائم و القطيعة٠ ولقد فتح الشيخ القمي – أيضاً – باباً فكرياً عند المسلمين لإدراك هذا المنطلق في كتابا تهم وفكرهم ومنهجهم، فيكتب تحت عنوان خلاف نرضاه وخلاف نأباه:

إننا نقبل الخلاف الفكري ما دام في دائرة معقولة٠ ونرحب بالخلاف المذهبي لأنه وليد آراء اجتهادية مرجعها الكتاب والسنة أو ما أعطاه الكتاب والسنة قوة الحجية٠ ونرحب بما عند الشيعة وأهل السنة لأنهما تؤمنان بما يجب على المسلم أن يؤمن به، وإن اختلفتا في مسائل فقهية، وتميزتا في مسألة الولاية والخلافة٠ ونرحب كذلك بالمعارف الكلامية، لأنها ميدان من ميادين التفكير، للمسلم أن يجول فيه٠٠٠ [٢٠] ٠

ثم يرفض الخلاف الذي تمليه المصلحة الخاصة و يسيطر عليه التعصب: أما الخلاف الذي لا نرحب به ولا نقبله، بل نرفضه ونقاومه فهو الخلاف الذي تمليه الكراهية والبغضاء، وتغذيه الشبه والأوهام، ويوجد البلبلة في صفوف الأمة، ويؤدي إلى تفريق كلمة المسلمين [٢١] ٠

والشيخ القمي يشير إلى فئة من المسلمين تحزبت ضده فأخذت تشكك في كل فكر لإصلاح الأمة بل وتوجه إليه التهم - أحياًنا – بأنه خارج عن حدود الإسلام والإيمان اعتقاداً منهم في أفكار في التراث اعتقاداً خاطئاً فهم في الوقت الذي يرون فيه التقريب – خروجاً على الدين – يؤمنون بطاعة الطواغيت وحكم الجور والظلم، لا لشئ إلا لأنهم لم يعطوا عقولهم حرية التفكير في جوهر القرآن وروح الإسلام، بل يمكن لهم في بعض الأحيان أن يتقاربوا هم مع أعداء الإسلام الحقيقيين لهدم فكرة إصلاحية والتشنيع بها بلا استناد إلى قرآن أو سنة في عملهم هذا !!!٠

ثانياً: القرآن والسنة اعتقاد المتقاربين:

أوضح الشيخ القمي في هذا المبدأ أساساً مهماً للتقريب وهو: أن المتقاربين في فكرته يبنون اعتقادهم وإيمانهم على المرجعية الإسلامية العليا التي تتمثل في: القرآن والسنة ٠٠٠ فالمسلمون – بحمد الله – متفقون في كتابهم مجمعون على ما بين الدفتين ٠٠٠ ويتفقون في وجوب الأخذ بسنة رسول الله (ص) ولكنهم قد يختلفون في الفهم أو التفسير ٠٠٠ [٢٢] ٠

فالقرآن الكريم والسنة يمثلان المرجعية العليا للمسلمين، يحدد الشيخ القمي الفرق التي تتفق مع هذاْ الأصول ومن ثم تتفق مع فكرته – التقريب – فيقول: إن الطوائف التي نعمل على التقريب بينها هي السنة بمذاهبها، والشيعة الإمامية والشيعة الزيدية٠٠٠ [٢٣] ٠

وتتفق هذه الفرق الثلاث: أهل السنة، الإمامية والزيدية في الإيمان بمعناه العام أي: التوحيد، النبوة، المعاد، إلا أن الشيعة (الإمامية والزيدية) يختلفون عن السنة في القول بالإمامة فالشيعة الاثنى عشرية يعتقدون بوجود اثنى عشر إماماً بعد الرسول صلى الله عليه وسلم أولهم علي بن أبي طالب (رضى الله عنه) ٠ وآخرهم المهدي المنتظر وكلهم ينسبون إلى الإمام الأول (رضي الله عنه) ومن ولد السيدة فاطمة الزهراء من ولد الحسين (رضي الله عنهما) وأنها تكون عن طريق النص (؟ ) ٠

أما الزيدية فهم أتباع زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم ساقوا الإمامة في أولاد فاطمة رضي الله عنها، ولم يجوزوا ثبوت الإمامة في غيرهم، إلا أنهم جوزوا أن يكون كل فاطمي عالم شجاع سخي خرج بالإمامة أن يكون إماماً واجب الطاعة [٢٤] ٠

والزيدية بذلك يختلفون عن الإمامية في وجهين:

الأول: عدم القول بنصية الإمامة٠

الثاني: جواز الإمامة في أولاد الحسن أو الحسين رضي الله عنهما٠

ثالثاً: لا لتوحيد المذاهب أو دمجها:

إذا كانت المذاهب الإسلامية نشأت في ظل الاجتهاد وتأسست في ضوء القرآن والسنة فلا دعوة لدمجها إذ في التعدد المذهبي ثراءً معرفياً وتراثياً للحضارة الإسلامية، لذلك ينعي الشيخ القمي على الذين يفهمون غير ذلك: ٠٠٠ ممن لا يعرف مهمة التقريب على حقيقتها ولم يدرس برامجها بل غاب عنه مدلول الاسم، فحسب أن التقريب توحيد؟ ٠٠٠ ليست جماعة التقريب تريد القضاء على كل خلاف، ولا تفكر في ذلك، ولا تبتغي أن يتشيع السني، أو يتسنن الشيعي [٢٥]، إن التقريب لأسمي من هذا وأجل شأناً، إنه – على العكس مما يتخيلون أو يريدون أن يخيلوا للناس – ينادي بوجوب أن تبقى المذاهب وأن يحتفظ المسلمون بها، فهي ثروة علمية وفكرية وفقهيه لا مصلحة في إهمالها ولا في إدماجها [٢٦] ٠

وبنفس الرؤية التقريبية يقدم الإمام الشهيد – حسن البنا (؟ ؟ ) - إطاراً يحكم العلاقات والخلافات المذهبية، فيذكر في رسالة التعاليم الأصول التالية:

الخلاف الفقهي في الفروع لا يكون سبباً للتفرق في الدين ولا يؤدي إلى خصومة ولا بغضاء ولكل مجتهد أجره ولا مانع من التحقيق العلمي النزيه في مسائل الخلاف في ظل الحب في الله والتعاون على الوصول إلى الحقيقة من غير أن يجر ذلك إلى المراء المذموم والتعصب٠

وكل مسألة لا يبني عليها عمل فالخوض فيها من التكلف الذي نهينا عنه شرعاً، ومن ذلك كثرة التفريعات للأحكام التي لم تقع، والخوض في معاني الآيات القرآنية الكريمة التي لم يصل إليها العلم بعد، والكلام في المفاضلة بين الأصحاب رضوان الله عليهم وما شجر بينهم من خلاف، ولكل منهم فضل صحبته وجزاء نيته وفي التأول مندوحه٠

لا نكفر مسلماً أقر بالشهادتين وعمل بمقتضاهما وأدى الفرائض – برأي أو معصية – إلا أن أقر بكلمة الكفر أو أنكر معلوماً من الدين بالضرورة، أو كذب صريح القرآن، أو فسره على وجه لا تحتمله أساليب اللغة العربية بحال، أو عمل عملاً لا يحتمل تأويلاً غير الكفر [٢٧] ٠

رابعاً: الإيمان بفرضية التعارف بين المسلمين:

إن ما نعانيه اليوم من آثار الانقسام التاريخي بين المسلمين يرجع في جانب منه – على الأقل – إلى الجهل المتبادل بين الفريقين أكثر مما يرجع إلى التفاوت الحقيقي في الرأي حول مواطن الخلاف [٢٨] ٠

ولا شك أن التقريب بين المسلمين لا يتأسس أو يتماسك إلا على أساس العلم، فإصلاح العلاقات بين المذاهب الإسلامية لا يتحقق إلا بإصلاح المعرفة بين هذه المذاهب، والمعرفة لا تعني بالضرورة الاتفاق معها، وإنما الاتفاق والاختلاف الشرط فيهما أن يكون على أساس العلم أولاً، فالمعرفة العلمية بين المذاهب الإسلامية بإمكانها أن تساهم في التقريب حتى على قاعدة الاختلاف [٢٩] ٠

وقد تنبه الشيخ القمي إلى هذا الأمر المعرفة العلمية بين المسلمين بل اعتبر هذه القضية هي ما جاء التقريب من أجله: لقد جاء التقريب على أساس فكرة التعارف العلمي، وأوجد مركزاً لمن يريد أن يعرف كثيراً أو قليلاً عن المذاهب الإسلامية٠٠٠ [٣٠]، إن من غايات التقريب أن يعرف المسلمون بعضهم بعضاً، وإن أول من يجب عليهم التعارف هم العلماء وأهل الفكر في كل طائفة، والعلم لا يصادر ولا يكتم، فلا بأس على الشيعة أن يعلموا علم السنة، وهم يدرسونه فعلاً، وكثير من مجتهديهم يتوسع في درسه٠ ويتعمق في بحثه، ولا بأس على أهل الأزهر أن يعلموا علم الشيعة، بل ذلك واجبهم الذي يدعو إليه الإخلاص العلمي ولا يكون النظر تاماً إلا به٠٠٠ [٣١] ٠

وعلى الرغم مما قد يتصوره البعض من نخبوية فكرة التقريب واقتصارها على العلماء فقط، فإن الشيخ القمي ينفي ذلك، بل يرى أن فكرة التقريب ليست فكرة جماعة بذاتها مركزها دار التقريب، وإنما هي فكرة كل مناصر لها في أي بلد من البلاد، وإن أية دار تلقى فيها محاضرة أو يجتمع فيها مؤتمر أو غير ذلك لتعريف المسلمين بعضهم إلى بعض لهي دار للتقريب [٣٢] ٠

ويضع القرآن الكريم قضية التعارف بين البشر في مكانها الإنساني الهام (يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجلعناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم) [الحجرات آية ١٣]

فالمعرفة بين البشر تساهم في حل الكثير من المشكلات التي تنشأ بسبب الجهل فكثيراً من الخلافات تحل في ظل التعارف:

إما لأنها نشأت – أي الخلافات – عن اعتقاد الطائفتين خطأ أن الأخرى تعتقد أموراً يتضح بعد التعارف خطأ نسبتها إليها٠

أو لأنها جاءت نتيجة دليل معقول أو أصل مقبول فتقبلها الأولى٠

أو لأنها تستند إلى أساس وأدلة إن لم يكن مقبولة عند الأولى، فقد ثبت عندها اعتبارها، وعندئذ تلتمس عذراً لمن يعمل بها٠٠٠ [٣٣] ٠

إن هذا المنحى العلمي الذي تنبه إليه الشيخ القمي من شأنه أن يضع كل قضايا الخلاف موضع الطرح والبحث العلمي، كما يوفر للمسلمين التفكير الحر الذي يعتمد على طرح العصبيات والأوهام التي وضعت على العقل المسلم فترات طويلة، وهو لا يدعو إلى مناقشة القضايا الخلافية بصورة علمية أكثر مما يدعو العقل المسلم إلى التحرر٠ من أغلال التقليد والجهل اللذان تلازمانه منذ عهود ليست ببعيدة، ويتمنى له أعداؤه أن يظل فيها لعهود أكثر وأكثر٠

كما يساهم هذا المنحى العلمي - أيضا – إلى توظيف حالة من الحوار الإسلامي – الإسلامي الذي يعتبر من القواعد الأساسية لأي فكرة أو مشروع نهضوي٠

ويشير الشيخ محمد الغزالي– رحمه الله – إلى بعض أسباب الخلافات الفقهية ومنها:

الطبيعة اللغوية: فهناك كلمات تفيد الشئ وضده، فيختلف الفقهاء في تحديد المعنى٠

أحاديث الآحاد ودورها في التشريع فمثلاً:

ربما لا يبلغ الحديث الفقيه المجتهد، فإن الأحاديث كثيرة والإحاطة بها متعذرة٠

قد يبلغ الحديث الفقيه، ولكنه يرفض سنده لعلل قادحة فيه، وربما بلغ غيره بسند أجود فيأخذ به٠

من الفقهاء من يشترط في قبول خبر الواحد شروطاً لا يوافقه غيره عليها٠

اعتقاد ضعف الحديث لفكرة خاصة٠

هـ - أن يكون الحديث قد بلغه وثبت عنده ولكنه نسيه٠

و - قد يكون اللفظ مشتركاً أو مجملاً، أو متردداً بين الحقيقة والمجاز٠

ز - اعتقاد الفقيه أن لا دلالة في الحديث على ما يراد٠

ح - وقد تتساوى الدلالات المختلفة في إفادة معان كثيرة، ويصعب ترجيح وجهة على أخرى٠

ط - قد يكون الفقيه - مع جودة حفظه واستنتاجه – قد أخطأ في تقرير المقدمات التي انتهت بالنتيجة التي أرتآها [٣٤] ٠

وتشير أحد الأبحاث المهمة التي رصدت بالنقد والتحليل النفسي الخلافات بين المسلمين إلى الدور الذي يلعبه الجهل بين المسلمين أو صعوبة الاتصال أو التخاطب أضف إلى تدخل طرف ثالث في عملية تبادل المعلومات مما يؤدي إلى إعاقتها، إن هذه الإعاقة تنتج في المقام الأول عن صعوبة تبادل الإتصال (التخاطب) المباشر بين فردين أو جماعتين، فهذه الصعوبة تخلق الفرصة لتدخل الطرف الثالث لإعاقة عملية تبادل المعلومات بين أفراد الجماعتين، وتتمثل صعوبة الإتصال في:

أ - صعوبة قيام أحد المتخالفين بدور مصدر المخاطبة، ٠٠ حيث يتوقع المتلقى الموقف الذي سيتبناه مخاطبه في مخاطبته فيرفض الإستماع له بغض النظر عن مضمون خطابه٠٠

ب - يلعب انتماء الفرد لجماعة ما دوراً مهماً في إعاقة تلقيه ومخاطبته عضو جماعة أخرى، وتزيد هذه الإعاقة من هوة الخلاف بين أعضاء الجماعتين [٣٥] ٠

إن توفير القواعد العلمية لقضايا الخلاف يمكن أن يكون إحدى أهم قواعد الحوار والتقريب الإسلامي – الإسلامي في الوقت الحالي أو المستقبلي، وهو ما يؤدي إلى زيادة الوعي والنضج في علاقات المسلمين ويجعلهم على مستوى حضارتهم في تناول قضاياهم المصيرية كما يساهم في إصلاح مناهج الفكر والنظر نحو النهضة والتقدم٠

السؤال الرابع:

هل المسلمون يريدون حقاً أن يعيشوا أوأنهم سيظلون يتهاونون حتى في وجودهم ويتركون الأمر لأعدائهم الذين يعرفون كيف ينتهزون الفرصة ويحسنون الانتفاع بموقف كل من المتزمتين الذي يسيطر عليهم الجمود، وأصحاب الهوى الذين يخدمون السياسات الأجنبية٠ وبذلك يزداد ضعفهم ويعجزهم صد أي تيار خارج على مبادئهم، فيسهل تحطيمهم والقضاء عليهم؟ [٣٦]

والشيخ القمي هنا يقدم السؤال الأساسي للنهضة الإسلامية وهو السؤال الذي انشغلت به ذهنية المصلحين في القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين: وهو الوجود الإسلامي أو بالمعنى المعاصر وضع المسلمين في الخريطة العالمية أو مكانة العالم الإسلامي٠

وإذا نظرنا إلى العالم الإسلامي المعاصر من ناحية الجغرافية السياسية نجد أن رقعته الجغرافية تضم ٤٤ دولة تمتد مساحتها على ٢٥. ٠١٨. ٢٧٠ كيلو متراً مربعاً٠ والحدود السياسية التي تحد البلدان الإسلامية التي تشكل هذه المساحة هي الرقعة التي تشكل في الوقت نفسه المفهوم الجغرافي الطبيعي المرتبط بالحدود السياسية له، أي أن هذه المساحة الجغرافية تشكل العالم الإسلامي كمفهوم جغرافي وكذلك كمفهوم جغرافي سياسي، أي كعالم قائم بذاته يمكن له أن يشكل بكليته ومجموعه العام تكتلاً حضارياً وسياسياً واقتصادياً خاصاً به مقابل التكتلات الدولية الأخرى [٣٧] ٠

إن هذا المفهوم أي الرقعة الجغرافية السياسية هو الوعاء الذي يحتوي داخله على بقية كل الخصوصيات والمفاهيم الخاصة بالعالم الإسلامي مثل المفهوم الديني – الحضاري ثم الثروات الاقتصادية للعالم الإسلامي وبقية الخصوصيات المتعددة التي تسهم في تحديد قوته السياسية عالمياً أو تجعل القوى الدولية الأخرى تهتم به وتضعه ضمن حساباتها الاستراتيجية الراهنة [٣٨] ٠

وإذا كانت هذه الإمكانات تفضي إلى القول بوجود عالم إسلامي ذو قوة ومنعة وحضارة إلا أن الواقع يناقض ذلك فالمسلمون يصنف عالمهم ودولهم بـالعالم الثالث أو العالم المتخلف ولا يزالون بالصورة التي كانوا عليها في النصف الأول من القرن العشرين سوقاً لمنتجات الاستعمار وأرضا ومنبعاً للمواد الخام لصناعة (!!) ٠

فعلى المستوى السياسي: نجد الضعف الإسلامي واضحاً الأمر الذي أعطى حالة من الإنفراد الأمريكي والتدخل في شئونه مرة بالحرب (مثل أفغانستان) ومرة بالحرب والتقسيم (مثل العراق) ومرة بالاحتلال (مثل فلسطين) ومرات بالمحاصرة السياسية والاقتصادية (مثل إيران، ليبيا، السودان، ٠٠٠) ٠ وحديثاً تمخض العقل الأمريكي عن عملية أكثر مسخاً للشرق الإسلامي أو ما أسموه (الشرق الأوسط الكبير) حيث تنوي أميركا القيام بفرض نموذج إرشادي – بقوة القهر والضغط والعسكر – على دول العالم الإسلامي يطبق فيه ما يخدم مصالحها بصورة أكثر علانية ووضوح في مرحلة استعمارية جديدة للعالم الإسلامي٠

وعلى المستوى الاقتصادي: نجد أن كل دول العالم الإسلامي تستورد المواد الغذائية، والمواد الأولية اللازمة للصناعة٠٠٠ إلخ، ولا يزال العالم الإسلامي يرتبط بتبعية اقتصادية سواء للغرب الأوروبي أو الأمريكي٠

وعلى المستوى الثقافي: يعاني العالم الإسلامي من تغريب لثقافته وتهميش لقيمه ومبادئه التي أصبحت غريبة في أرضه ودياره٠

ويصف محمد سيد محمد الواقع الإسلامي بأنه واقع ضعيف يسهل للقوى الإمبريالية السيطرة عليه عسكرياً واقتصادياً وثقافياً لعدة أسباب [٣٩]:

غياب القوة العسكرية القادرة على تحقيق الطموح القومي وإشعار المواطن العربي المسلم بالأمن بدلاً من الإحساس بالعجز والفشل، مما سهل عملية الاختراق النفسي والعقلي٠

غياب التصور القومي لطبيعة الثقافة الواجب سيادتها في الوطن الإسلامي والعربي، وينعكس ذلك على برامج التربية والتعليم في كل قطر عربي مما يحول دون تشكيل وجدان مشترك، فتظل الاهتمامات والتطلعات المختلفة من قطر إلى آخر ويؤثر ذلك على تقييم الحاضر وطموحات المستقبل٠

إن قراءة الواقع الإسلامي المعاصر تجعلنا نعود إلى الصورة التي كان يحذر منها الشيخ القمي في نهاية السؤال الخامس ٠٠٠ وبذلك يزداد ضعفهم ويعجزهم صد أي تيار خارج على مبادئهم، فيسهل تحطيمهم والقضاء عليهم٠ مما يدعم افتراضنا حول أسئلة التقريب عند القمي بأنها أسئلة نهضة إسلامية وأن التقريب يمثل أحد دعائم هذه النهضة٠

- ٤ -

الثقافة الإسلامية محور للتقريب عند القمي أو محور للوحدة الإسلامية

الثقافة الإسلامية محور للتقريب:

بعد أن يسرد الشيخ القمي كيفية بناء قصر الثقافة الإسلامية والذي اشترك في تشييده السنة والشيعة بل وطوائف المسلمين جميعهم يشير إلى ذلك الجهل الذي أدى إلى انشطار التراث انشطاراً عنصرياً٠

ويكشف القمي عن الدور الجديد الذي يمكن أن تلعبه ثقافتنا في التقريب، فلو أننا فتحنا صدورنا من جديد، واعتبرنا الثقافة الإسلامية، مجموعة يكمل بعضها بعضاً، وتفاهمنا فيما بيننا على هذا الأساس، وأدركنا أن هذه الثقافة إسلامية، بنيت على أن تكون للإسلام قبل كل شيء، وليست ملكاً لفرد ولا لمذهب أو طائفة كما أنها ما أوجدت لتكون عنصرية، لجددنا بناء هذا القصر المنيف ولمحونا عن كل طائفة باطل الاتهامات الموجهة إليها، ولأخرجنا من بيننا من ليسوا بمسلمين كأولئك الأدعياء الذين انتسبوا كذباً إلى الإسلام وهم معاول هدم في البناء الإسلامي٠ إن ثقافة إسلامية موحدة - إذا التف حولها المسلمون كفيلة بتوحيد صفوفهم، وما دامت هذه الثقافة موجودة، فإنه من الميسور بلوغ هذا الهدف الذي نسعى إلى تحقيقه [٤٠] ٠

ويوضح العلامة القمي بعض الجوانب التي ترتبط بـمشروعه الثقافي التقريبي:

توحيد الثقافة ليس معناه توحيد اللغة: ليس هذا أمراً ممكناً ٠٠ ولكن المهم أن يفهم بعضنا بعضاً، وهذا ممكن جداً إذا وجد في البلاد العربية مثلاً رجال يعرفون لغات الآخرين وعند الآخرين من يعرف العربية ويتحدث بها [٤١] ٠

الترجمة: ففي البلدان الإسلامية معادن وكنوز وأن للمسلمين رجالاً نابغين، وعلماء أكفاء عاملين، وأدباء قديرين، فهل يعرفهم العالم الإسلامي، وهل يعرف عنهم عشر ما يعرف عن بعض علماء المادة وكتاب السوء؟ وهل سمع عن آثارهم؟ وهل عرف أن منهم مؤلفين خلفوا مجلدات من الكتب، يعد كل واحد منها، مرجعاً من المراجع ودليلاً قائماً بذاته لفكرة ناضجة عند المسلمين [٤٢] ٠

إن تأكيد القمي على المشروع الثقافي وإعطائه الأولوية كمحور رئيسي للتقريب يؤكد لنا استشفاف حركة المستقبل الإسلامي واحتياجاته عنده ويتجلى ذلك في موقفين:

أولاً: عدم توجيه الجهود إلى مجال التقريب بين المذاهب الفقهية: لأنه جهاد في غير الميدان الحقيقي، الأولى بالجهاد ٠٠ أو على أحسن الفروض – هو جهاد في الميدان الأسهل، الذي لا يمثل المشكلة الحقيقة في الخلافات بين المذاهب الإسلامية ٠٠ وبين السنة والشيعة على وجه التحديد [٤٣] ٠ أما الميدان الصعب الذي أعطاه الشيخ أولوياته هو الميدان الثقافي٠

ثانياً: ظهور الحاجة لتعلم لغات الأمم الإسلامية وبدء عودة نشاط حركة الترجمة:

وقد بدأ إشباع هذه الحاجة بإنشاء أقسام لدراسة لغات الأمم الإسلامية بالجامعات الكبرى المصرية وبعض الجامعات الإقليمية، وتغطي هذه الأقسام مراحل الليسانس والدراسات العليا والماجستير والدكتوراه وفي ظل نشاط هذه الأقسام بدأت العودة لحركة الترجمة وإن كان مقتصر على الجوانب الأدبية فقط، كما ازدهرت المؤتمرات والندوات التي تناقش أبحاثها قضايا الدراسات اللغوية والأدبية بين الأمم الإسلامية٠

وفي إيران بدأت حركة علمية أكاديمية على الصعيدين الجامعي والحوزات الدينية للعناية باللغة العربية، ففتحت فروع للغة العربية في أكثر من ثلاثين جامعة وكلية، وفي الدراسات العليا أصبحت دراسة الدكتوراه في أربع جامعات، والماجستير في ثماني جامعات [٤٤] ٠

وعلى الرغم من وجود تقدم في قنوات الاتصال بين العالم الإسلامي إلا أنه يوصف بأنه بطيئاً فالعالم الإسلامي لا يزال يعاني تغيب قنوات الاتصال بين العالم العربي الإسلامي والعالم الإسلامي الفارسي والهندي والتركي والآسيوي بوجه عام [٤٥] ٠

ولم يكن اهتمام القمي بـالمشروع الثقافي الإسلامي من أجل التقريب فقط بل كان – أيضاً – لمواجهة المشروع الثقافي الغربي الذي ظهر في حركتين رئيسيتين: الاستشراق، التغريب وعلى الرغم من اختلاف طريقة عمل هاتين الحركتين، إلا أنهما اتفقتا في اختراق الثقافة الإسلامية وإضعاف المسلمين عقائدياً، وقد برز هذا الاتفاق في صورتين تنم كلتاهما عن هذه الغاية [٤٦]:

الصورة الأولى: قيام بعض مفكري المسلمين بحركة تقدمية (تجديدية) في الإسلام: تبغي تقرير سلطة المستعمر وتثبيت ولايته على المسلمين من الوجهة الإسلامية٠ أو بعبارة أخرى تبغي عدم تحديه ومعارضته٠ سواء في مباشرة سلطته على المسلمين٠ أو في إدخاله ما يسميه بنظم الإصلاح الحديثة بينهم٠

الصورة الثانية: قيام بعض المفكرين الغربيين بإبراز الخلافات المذهبية وتأكيد الفجوات والثغرات، بين طوائف المسلمين وشعوبهم، من الوجهة الشعوبية، أو الجغرافية، أو نظام الحكم ٠٠٠ مع شرح كثير من مبادئ الإسلام شرحاً يشوهها وينحرف بها عن أهدافها الأصلية٠ وذلك كله بالإضافة إلى تمجيد القيم المسيحية، والحضارة الغربية، والنظام السياسي والسلوك الفردي للشعوب الغربية٠

وقد طرح الشيخ القمي ثلاث قضايا مهمة لمواجهة المشروع الثقافي الغربي وهي القضايا التي لا تزال محور اهتمام المشروع الاحيائي النهضوي الإسلامي:

أولاً: علاقة الدين بالمجتمع: ويبرز في هذه العلاقة التغيرات التي تطرأ على علاقة الدين بالمجتمع ودور الدين في حل أزمات ومشكلات المجتمع٠ فيقول - رحمه الله - إن علاقة الدين بالمجتمع كثيراً ما تتعرض لأزمات وتطرأ عليها تطورات٠ فالمجتمع تارة يكون متمسكاً بدينه متحمساً له، وكأن الدين عنده كل شيء وتارة أخرى يقع – نفس المجتمع – في فوضى خلقية، وكأن لم يكن بينه وبين الدين صلة، حتى إنه ليسخر من معتقداته السابقة ويعتبر المادة كل شيء ولا شيء سواها [٤٧] ٠

والمقصود هنا هو جماعة الماديين التي تغربت بثقافتها وبعقلها وهم نفس الصنف الذي رد عليهم الأفغاني ومحمد عبده تحت عنوان الرد على الدهريين أو مقاصد الماديين٠

وينعى القمي علماء الدين الذين ينعزلون بأفكارهم عن المجتمع مما يسبب خللاً واضحاً في دور الدين في المجتمع: إن الدين من غير علم – إن صح هذا التعبير – لا ينمو في ظله إلا الخرافات، والعلم من غير دين لا يجر سوى النكبات والإضطراب والفوضى، والمجتمع اللاديني ينتهي دائماً بالسقوط في هاوية المادية، ولكنه بكل أسف يجر معه الدين أيضاً [٤٨] ٠

ثم يحمل علماء الدين مسئولية تثبيت العلمانية لأقدامها في العالم الإسلامي فيقول فالظروف تتبدل، والأفكار تتغير والمعارف قد تنطلق من مدارها الخلقي وتصطدم بالدين إن غفل رجاله عن سنة التطور أو تخلفوا عن ركب الحياة٠ وبمقدار ما تتقدم المعارف تتضاءل رقابة رجال الدين وتضعف آثار معارضتهم، حتى ينتهي الأمر بتقسيم المعارف إلى مدنية ودينية ثم تطغي المدنية فتفرض أنظمتها على أخص شئون رجال الدين، مثل الطلاق والنكاح وإجراء العقود، وتجعلها دنيوية بحته٠ بهذا الأسلوب يأخذ العلم طريقه إلى رجال غير دينيين، وتلامذة اليوم هم رجال الغد - وعلى هذا الأساس يقوم الفصل بين العلم والدين، وبين الجديد والقديم [٤٩] ٠

وتتوافق أفكار القمي حول علاقة الدين بالمجتمع مع الأفكار التي طرحتها أدبيات الفكر الإسلامي آنذاك و التي تؤكد على صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان وللفرد والجماعة، كما تقوم على اعتبار الإسلام فكرة تقدمية [٥٠] مثل أفكار وكتابات سيد قطب في: الإسلام ومشكلات الحضارة، السلام العالمي والإسلام، نحو مجتمع إسلامي، معركة الإسلام والرأسمالية، العدالة الإجتماعية في الإسلام وكتابات الرافعي في المعركة بين القديم والجديد، ومقالات طنطاوي جوهري، مصطفي صبري وكذلك الصحافة الإسلامية و التي قامت بالرد على كثير من دعاوي التغريب والعلمانية مثل صحف: المنار، الفتح، نور الإسلام، لواء الإسلام٠

وقد كانت هذه الأفكار بمثابة رؤية إسلامية مضادة للرؤية الغربية السائدة سواء تلك التي أعلنت موت الإله علي يد نيتشه أو إعلان المادة كبديل عن الله عند ماركس و أنجلز ولينين، أو تلك التي أنهت دور الدين في حياة الإنسان والمجتمع وأبقته داخل دور العبادة لا يخرج عنها العلمانية٠

ومن ثم مثلت هذه الأفكار نواة للفلسفة الإسلامية وعلم الكلام الإسلامي ضد إتجاه الماديين والعلمانيين العالمي٠

ثانياً: الاستشراق: يمثل الاستشراق واحداً من أهم عوامل الغزو الثقافي للمجتمع الإسلامي وثقافته وعقيدته والذي نجح إلي حد كبير في رسم صورة للإسلام - تختلف في أغلب جوانبها إن لم يكن كلها عن الصورة الحقيقية – في العقل الغربي والذي أصبح يقيم عليها في القرن الواحد والعشرين – تعامله مع الإسلام والمسلمين، هذا بالإضافة إلي تأثيره في فريق من المسلمين أنفسهم جعلهم يتصورون الإسلام كما يتصوره ويعتقدون فيه كما يعتقده

وقد حدد أحد الباحثين أهداف الدراسات الاستشراقية في (٥١):

إنكار أن يكون القرآن كتاباً سماوياً منزلاً من عند الله عز وجل٠

التشكيك بصحة رسالة النبى (صلى الله عليه وسلم) ومصدرها الإلهي٠

إنكارهم لنبوة الرسول وسماوية القرآن٠

التشكيك في صحة الحديث النبوي٠

التشكيك بقيمة الفقه الإسلامي الذاتية٠

التشكيك في قدرة اللغة العربية على مسايرة التطور العلمي٠

تشكيك المسلمين بقيمة تراثهم الحضاري وإضعاف ثقتهم به٠

إضعاف روح الإخاء الإسلامي بين المسلمين عن طريق إحياء القوميات وإثارة الخلافات بينهم٠

وقد نبه الشيخ القمي إلى ضرورة توخي الحذر في حركة الاستشراق باعتبارها اختراقاً للوحدة الإسلامية ولمحور التقريب الثقافي، وصنف أعمالهم، فيذكر تحت عنوان خلاف نضاه وخلاف نأباه قوله ٠٠٠ بل إن هناك من أقحموا أنفسهم في الدراسات الإسلامية وهم ليسوا بمسلمين، أولئك هم المستشرقون، لقد ألف بعضهم في التاريخ، وعلم الكلام، وكتب بعضهم في الطائفية في الإسلام، وأضفوا على بحوثهم – تحت اسم الاستشراق – مظهراً علمياً يجعل المسلم يكاد لا يشك فيما يكتبون٠ ونحن وإن كنا نعترف بأنهم خدموا بعض العلوم الشرقية، إلا أننا نتهمهم في ناحية البحوث الإسلامية، فليس فيهم من لم يبث السموم في بحوثه، وليس فيهم من لم يكن وراء ما يكتب أغراض تسئ إلى المسلمين تارة، وإلى سمعة الإسلام تارة، وتؤجج الخصومة بين أبناء هذا الدين (٥٢) ٠

ثم يستطرد موضحاً أهداف المستشرقين والتفسير الإنتقائي الذي يقومون به للتاريخ الإسلامي في ضوء خطة استشراقية تحقق أهدافهم فيقول: إنهم دخلوا المعركة بكل قوتهم، وكأنهم قوام على أبناء هذا الدين، دخلوا بدعايتهم الجبارة للدس وبث السموم باسم البحوث٠ وحرصوا جد الحرص على إظهار المسلمين دائماً بمظهر المتفرقين المتطاحنين٠ يتصيدون الحوادث من هنا وهناك ليبرزوا النقط الخلافية ويرجعوها إلى منابع قديمة تسبق الإسلام، غير مبالين بمعنى التوحيد عند المسلمين، ولا بإيمان أهل القبلة بالقرآن الكريم، وبالملائكة والنبيين، وبالبعث والحساب، ولا آبهين لوحدة الصلاة والزكاة والصوم والحج، وغير ذلك من أصول الإسلام الحنيف (٥٣) ٠

إن تاريخية الحركة الاستشراقية أثبتت بما لا يدع مجال للقول أن هناك دوافع وأهداف أخرى غير تلك الأهداف المعلنة العلمية، فكانت هناك دوافع تبشيرية تارة ودوافع سياسية تارة، ودوافع استعمارية تارة أخرى٠ لذلك كان وصف الشيخ بـأنهم دخلوا المعركة بكل قوتهم وصفاً حقيقياً، وهي معركة بدأت منذ القرن الثامن عشر أو قبله ولم تنته ولم تتوقف، حيث إن المصالح الغربية في العالم الإسلامي لم تنته ولم تتوقف هي الأخرى٠

فهناك ارتباط وثيق بين مصالح الغرب واهتماماته ودعم الحركة الاستشراقية، وهذا أمر يجعل استمرار الاستشراق متوقفاً على استمرار الدعم المالي الذي تقدمه الحكومات والهيئات المختلفة، واستمرار الدعم المالي يتوقف على مدى تشبث الغرب بمصالحه في العالم العربي والإسلامي، والتشبث بهذه المصالح حقيقة واقعة تؤكدها جميع الشواهد، وليس هناك أي بارقة أمل تلوح في الأفق توحي بأن الغرب على استعداد للتخلي عن هذه المصالح، وما دام الأمر كذلك فإن الحاجة إلى الاستشراق في الغرب ستظل قائمة بل ستزداد إلحاحاً (٥٤) ٠

وفي ضوء خطورة الحركة الاستشراقية وآثارها الشاملة على العقيدة والهوية الإسلامية يقدم د٠ زقزوق مجموعة من الاقتراحات لكي تكون أكثر تحديداً ووضوحاً في تصوير ما ينبغي أن يقوم به المسلمون لمواجهة الاستشراق (٥٥):

١ - الجدية في النظرة للاستشراق ودراسته دراسة عميقة٠

٢ - العمل على إصدار دائرة معارف إسلامية باللغة العربية واللغات الأوروبية الرئيسية تقف على الأقل في مستوى دائرة المعارف الإسلامية للمستشرقين تخطيطاً وتنظيماً وتتفوق عليها علمياً٠

٣ - توحيد جهود المسلمين لإقامة مؤسسة علمية إسلامية عالمية لا تنتمي بالولاء إلى بلد إسلامي معين، ولا لمذهب سياسي أو فكري أو ديني معين، بل يكون ولاؤها الأول لله ولرسوله (صلى الله عليه وسلم)، تقوم باستقطاب الكفاءات العلمية في العالم الإسلامي، وتقف على قدم المساواة مع الحركة الاستشراقية٠

٤ - ضرورة وجود مؤسسة إسلامية تبشيرية عالمية٠

٥ - إعداد ترجمات قرآنية مقبولة لمعاني القرآن باللغات الحية نسد بها الطريق على عشرات الترجمات المنتشرة بشتى اللغات و التي قام بإعدادها المستشرقون٠

٦ - العمل على تنقية التراث الإسلامي حتى يكون غذاءً فكرياً صالحاً للمسلم فتراثنا فيه الغث وفيه السمين٠

٧ - محاولة اقتحام مجالات تدريس العلوم العربية والإسلامية في الخارج٠

ثالثاً: دور التربية في مشروع النهضة والتقريب:

تلعب عملية التنشئة والتربية دوراً مهماً في تحقيق نهضة المجتمع، ولم يحدث تخلف المجتمع المسلم إلا بعد الفصام النكد الذي تحقق بين الدين والتربية أو الدين والتعليم، وقد نبه القمي إلى ذلك في قوله ٠٠٠ إن نقطة التحول الحقيقة تبدأ عند فصل التعليم عن الدين (٥٦)، لذلك فقد أعلن دعوة مؤداها المدرسة بجانب المسجد، وقد أتى بتجربتين: تجربة إسلامية قديمة، وتجربة غربية، يقول عنهما وكم كان رجالنا الأقدمون حكماء حين بنوا المدارس بجانب المسجد، فإنه مهما تطورت تلك المدارس بتطور العلوم، بقى الدين في مركز الموجه وبقى السلطان فيها للفضيلة وللفضيلة وحدها، والدين صمام الأمان للعلوم، به لا تنحرف عن كونها نوراً يضئ للبشرية، ولا تنجرف إلى خدمة الشرور والآثام (٥٧)، ثم يحكي عن مشاهدة له في فرنسا حيث رأي قس القرية موضع تكريم واحترام وصاحب كلمة فسأل القس عن سبب ذلك فأشار بيده إلى بناية قريبة وقال له: هذه البناية كنيسة وبجانبها مدرسة كما ترى، فنحن نربي هؤلاء صغاراً ونربطهم بالكنيسة فينشأون متدينين، فهم تلامذتنا ومريدونا (٥٨) ٠ثم يعلق القمي على ذلك بقوله هذا ما رأيته في بلد لا ديني ٠٠٠ ورغم هذا فقد نجح الرجل أيما نجاح في ربط قلوب التلاميذ با

لدين، وهو فيما عمل لم يجاوز ما كان يعمله المسلمون قديماً من جعل المدرسة بجانب المسجد (٥٩) ٠

لقد عانى العالم الإسلامي منذ القرن التاسع عشر من ازدواجية النظام التعليمي الذي قسم المؤسسة التعليمية إلى نوعين: الأول القسم العلماني وهو الذي تعتمد عليه الدولة في توفير الكوادر التي تحتاجها في المجالات المختلفة، والثاني: القسم الديني الذي يقتصر على تعليم المواد النقلية الشرعية المعروفة بـالقرآن وعلومه، السنة وعلومها، الفقه وعلومه٠٠ إلخ٠

ولقد انعكست هذه الازدواجية على الأوضاع الاجتماعية، ففي إيران قام الشاه بتحريم الحجاب في المدارس وفي مصر الدعوة إلى السفور وإرتباطها بالدعوة إلى تعليم المرأة٠

وظلت حالة الإنفصال بين الدين والمؤسسة التربوية حتى قيام الثورة الإيرانية عام ١٩٧٩ حيث حاولت الثورة إعادة مكانة الدين إلى وضعها المأمول في برامج التربية والتعليم في المؤسسات التربوية، كما ظهرت في بداية الثمانينات في العالم العربي حركة تدعو إلى أسلمة المعارف والعلوم الإسلامية متمثلة في حركة المعهد العالي للفكر الإسلامي والذي جعل من ضمن أهدافه: استعادة الهوية الفكرية والثقافية والحضارية للأمة الإسلامية، من خلال جهود إسلامية العلوم الإنسانية والاجتماعية، ومعالجة قضايا الفكر الإسلامي٠

وعلى الرغم من هذه الجهود إلا أن المؤسسة التعليمية في العالم الإسلامي – لا سيما العالم العربي – لا تزال تعاني من الانقسام الحاد بين الدين والبرامج التربوية والتعليمية، فالواقع السياسي ينحاز ويرتبط بسياسات ثقافية وتعليمية خارجية، الأمر الذي كان له دور أساسي في التخلف والتأزم ٠٠ فلا يزال الصراع التاريخي مستمراً في العالم الإسلامي، بين الثقافة والسياسة والعلم والحكم، لذلك فقد فشلت الأطر الأكاديمية المتنوعة في تلبية الحاجة الثقافية للأمة ولم تستطع أداء دور يذكر في ذلك ٠٠ فلم يتمكن المسلمون خلال ما يقرب من قرنين من التعليم اللاديني القائم على النموذج الغربي أن يحققوا تقدماً أو يبدأو نهضة حقيقية ٠٠ فهم لم يستطيعوا أن يؤسسوا إلى الآن مؤسسة أكاديمية تخرج من أبناء المسلمين منافسين لأمثالهم الغربيين في الإبداع والتفوق، والتعامل مع قضايا مجتمعهم من خلال الرؤية الإسلامية، والكفاءة والفعالية المطلوبة (٦٠) ٠

ولئن كان هذا التوصيف لحالة التعليم اللاديني في عالمنا العربي والإسلامي، فإن التعليم الديني يعاني هو الآخر من مشكلات كيفية عميقة سواء كان ذلك في الأزهر في العالم السني أو الحوزات الدينية في العالم الشيعي٠

إن دعوة الشيخ القمي بإعلاء شعار المدرسة بجانب المسجد يحقق عدة أهداف في العالم الإسلامي المعاصر منها:

إيجاد فلسفة ينبع منها التعليم في العالم الإسلامي وهي الفلسفة الإسلامية التي تنبع من القرآن الكريم والسنة النبوية والعقل ومعطيات الواقع وتلبية احتياجات العالم الإسلامي بصورة تحقق الإبداع والتفوق للمسلمين٠

المحافظة على الهوية الثقافية والعقائدية للنشء المسلم في وقت تمارس فيه الهيمنة الغربية إختراقاً ثقافياً وعقائدياً للشخصية المسلمة والمجتمع المسلم والأمة الإسلامية٠

الدعوة إلى إعداد وتأهيل عناصر العملية التعليمية: المعلم، المنهج، الطالب إعداداً إسلامياً يتلاءم مع عقيدته وقيم وأخلاق مجتمعه بما يحقق توافقاً نفسياً واجتماعياً بين المجتمع والمؤسسة التعليمية٠

- ٥ -

نتائج جهود القمي في مجال التقريب أو مجال الوحدة الإسلامية

نرصد نتائج جهود القمي في مجال التقريب أو مجال الوحدة الإسلامية استناداً إلى قوله – صلى الله عليه وسلم من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شئ، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شئ (٦١) ٠

والقصد من هذه القاعدة العامة التي أرساها - صلى الله عليه وسلم - أن أعمال الإنسان كلها يجازي عليها إن خيراً فخير وإن شراً فشر سواء كان هذا العمل فعلاً أو قولاً أو فكرة، ولا شك أن ما سنه العلامة القمي يمثل نقطة تحول في علاقات المسلمين، ولم تنقطع الفكرة بغيابه فهناك - كما ذكر الحديث الشريف - من عمل بها بعده بهذه السنة الحسنة وهناك - أيضاً - من سيعمل بعدهم لخير الإسلام ووحدة المسلمين فلم يعدم العالم الإسلامي مصلحين واعين جادين لمصالح أمتهم – ولن يعدم إن شاء الله٠

وقد صنفنا نتائج هذه الجهود على عدة مستويات:

أولاً: المستوى المؤسسي ويشمل المؤسسات التقريبية:

جماعة التقريب بين المذاهب الإسلامية بالقاهرة (١٣٦٦هـ - ١٩٤٧م) ٠

المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية بطهران (١٤١٠هـ - ١٩٩٠م) ٠

تجمع العلماء المسلمين في لبنان (١٤١٠هـ - ١٩٨٩م) ٠

ثانياً: على المستوى أدبيات التقريب٠

ثالثاً: على مستوى الفُتيا٠

أولاً: على المستوى المؤسسي:

١ - دار التقريب بين المذاهب الإسلامية (١٣٦٦ هـ - ١٩٤٧ م) ٠

تعد هذه الدار العمل المؤسسي الأول في تاريخ المسلمين القديم والمعاصر، يظهر فيها نظاماً أساسياً وقانونياً يلتزم به أعضاؤه، قد حرصنا هنا على تسجيل النظام الأساسي لجماعة التقريب بين المذاهب الإسلامية بالقاهرة، باعتبارها باكورة إنتاج الشيخ القمي في مجال التقريب والوحدة الإسلامية٠

فيما يتعلق بأهداف الجماعة تقرر المادة الثانية ما يلي (٦٢) ٠

أ - العمل على جمع كلمة أرباب المذاهب الإسلامية الطوائف الإسلامية الذين باعدت بينهم آراء لا تمس العقائد التي يجب الإيمان بها٠

ب - نشر المبادئ الإسلامية باللغات المختلفة وبيان حاجة المجتمع إلى الأخذ بها٠

ج - السعي إلى إزالة ما يكون من نزاع بين شعبين أو طائفتين من المسلمين والتوفيق بينهما٠

فيما يتعلق بالوسائل التي تتخذها الجماعة لتحقيق أهدافها، تقرر المادة الثالثة ما يلي (٦٣):

أ - نشر الكتب والرسائل٠

ب - الدعوى بطريق الصحف والمحاضرات والإذاعات اللاسلكية٠

جـ - تبادل النشرات مع الجماعات الدينية والثقافية في مختلف الهيئات الإسلامية٠

د - عقد مؤتمرات إسلامية عامة تجمع زعماء الشعوب الإسلامية في الأمور الدينية والاجتماعية٠

هـ - العمل على أن تقوم الجامعات الإسلامية في جميع الأقطار بتدريس فقه المذاهب الإسلامية حتى تصبح جامعات إسلامية عامة٠

الإنجازات الثقافية لدار التقريب:

أ - إصدار مجلة رسالة الإسلام: وهي تمثل سفراً مهماً من أسفار التقريب، إذ أنها جمعت بين علماء السنة و الشيعة على صفحاتها مما خلق حواراً علمياً ونقاشاً فكرياً كان له دوراً في إثراء الفكر الوحدوي الإسلامي، كما أنه ساهم إلى حد بعيد في وضع ملامح عامة يمكن أن يناقشها المسلمون في مجال العلاقات السنية - الشيعية٠

ب - طباعة تفسير مجمع البيان لعلوم القرآن: للعلاَّمة الطبرسي ويتصدر التفسير مقدمة لشيخ الأزهر شلتوت، يوضح فيها أنه قد يتفق مع بعض جوانب هذا التفسير وقد يختلف في جوانب أخرى، إلا أنه يؤكد ضرورة أن يقرأ المسلمون لبعضهم البعض، وليقبل بعضهم على علم بعض٠

ج - مشروع شلتوت – القمي: ويقوم هذا المشروع على جمع الأحاديث التي اتفق عليها الفريقان في مختلف أبواب الإيمان والعمل والأخبار والأخلاق، وغير ذلك من أبواب السنة المطهرة ويبين مع كل حديث مصدره من كتب السنة ومن كتب الشيعة ودرجته عند كل من الفريقين٠٠٠ إلا أنه لم يقدر لهذا المشروع أن يتم وتوفي أصحابه فتوقف العمل فيه٠

٢ - المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامي (١٤١٠ هـ - ١٩٩٠م) ٠

يعد هذا المجمع امتداداً لدار التقريب بالقاهرة، وقد أصدر السيد على الخامنئي قراراً في عام ١٤١٠ هـ - ١٩٩٠، بإنشائه وتوضح المادة الثالثة والرابعة من نظامه الداخلي أهداف المجمع (٦٤) ٠فالمادة الثالثة تقرر:

أ - السعى في سبيل تحقيق تعارف وتفاهم أكثر بين العلماء والمفكرين والقادة الدينيين للعالم الإسلامي في المجالات العقائدية والفقهية والاجتماعية والسياسية٠

ب - السعى لإيجاد التنسيق وتشكيل جبهة واحدة على أساس المبادئ الإسلامية الثابتة، وذلك في قبال التآمر الإعلامي والهجوم الثقافي لأعداء الإسلام٠

ج - العمل على إشاعة فكرة التقريب بين الجماهير الإسلامية وتوعيتها وتعريفها بأنماط التآمر التمزيقي المعادي٠

د - السعى لتحكيم وإشاعة مبدأ الاجتهاد والاستنباط في المذاهب الإسلامية٠

هـ - السعى في سبيل الوصول إلى آراء فقهية مشتركة في المسائل التي تطرح نفسها في العالم الإسلامي٠

المادة الرابعة: يحقق مجمع التقريب الأهداف الماضية بسبل شتى من جملتها:

أ - التعرف والاتصال بالجمعيات والمراكز والشخصيات الإسلامية المختلفة التي تؤيد فكرة التقريب بين المذاهب، وذلك بهدف إيجاد الأرضية المساعدة للنشاطات المشتركة٠

ب - التأليف والتحقيق والنشر والتوزيع للكتب، والمطبوعات، والتحقيقات والدراسات العلمية والاجتماعية في مجال الموضوعات المشتركة بين المذاهب الإسلامية٠

ج - إيجاد وتوسعه النشاطات الحوزوية الدينية والجامعية في مجال الفقه وأصول الفقه المقارنين٠

وفي داخل المجمع ومن منطلقات وأهداف التقريب تم إنشاء: مركز البحوث والدراسات العلمية وأقر نظامه الداخلي عدة مواد نختار منها المادة الأولى والثانية - والثانية عشر و التي يتضح من خلالهما أهداف المركز (٦٥):

المادة الأولى: اسم هذا المركز (مركز البحوث والدراسات العلمية للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية) حيث يسمى اختصاراً في هذا النظام الداخلي المركز دالاً على البعد العلمي للمجمع، وعاملاً وبكل دقة على تحقيق أهدافه المقدسة٠

المادة الثانية: الهدف العام للمركز: تقييم وتحقيق الأساليب العلمية الفقهية الكلامية والقرآنية الحديثة والتاريخية للمذاهب الإسلامية التي لها أتباع في الوقت الحاضر وذلك لمعرفة مباني وأصول وأدلة ومميزات وخصوصيات المذاهب ومقارنتها مع بعضها البعض للتعرف على كل ما هو ضروري في التقريب العلمي بين المذاهب وكما يلي:

أولاً: الفرق الأساسي بين المذاهب في الأصول العامة والمسائل الفرعية والجانبية٠

ثانياً: طرق الاستدلال ومقدار استحكام أدلة كل مذهب من المذاهب٠

ثالثاً: مصطلحاتها المتداولة، ووجهات نظرها المستخدمة، والمقارنة فيما بينها٠

رابعاً: إيجاد الطرق العلمية والأصول الفنية للتقريب بين المذاهب في المسائل المختلف عليها أو (ثقافة التقريب العلمي) ٠

ومن نشاطات المركز ما يلي (٦٦) ٠

في حقل تفسير القرآن وعلومه: أعد المركز أول تفسير روائي من نوعه للقرآن الكريم تضمن مرويات عن النبي (صلى الله عليه وسلم) وأئمة أهل البيت، وما روي عن الصحابة والتابعين في تفسير الآيات القرآنية، كما تم نشر كتاب مجمع البيان لعلوم القرآن للطبرسي، كما صدر الجزء الأول من كتاب خلاصة التفاسير، وتحقيق كتاب الوجيز في معرفة الكتاب العزيز وكتاب كنز العرفان في فقه القرآن، وطباعة تفسير القرآن الكريم، للشيخ شلتوت٠

وفي حقل الفقه المقارن: نشر المركز كتاب نظرية نفي الضرر في الفقه الإسلامي المقارن، وتحقيق كتاب تحرير المجلة، وكتاب المسائل الناصريات لمؤلفه الشريف المرتضى، وكتاب بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد القرطبي٠

وفي حقل أصول الفقه المقارن: يقوم المركز بتصنيف موسوعة خاصة بالمصطلحات الأصولية مقارناً بين آراء علماء المذاهب الإسلامية٠

وفي حقل العقائد الإسلامية: يسعى المركز لتحرير بحوث مقارنة في علم الكلام والعقائد الإسلامية٠

في حقل الوحدة الإسلامية، قام المركز بتحقيق كتاب الفصول المهمة في تأليف الأمة لشرف الدين الموسوي، كما نشر المركز كتاب الوحدة الإسلامية من منظور الثقلين، وكذلك كتاب همبستكي مذاهب إسلامي، ونشر مجلة رسالة الإسلام٠

وفي حقل التاريخ الإسلامي يسعى المركز لتصنيف كتاب في معرفة أحوال الرواة الذي اشتهر النقل عنهم في كتب الفريقين٠

٣ - تجمع علماء المسلمين بلبنان (١٤١٠ هـ - ١٩٨٩م) ٠

وقد انبثق هذا التجمع عن مؤتمر المستضعفين الذي عقد في طهران سنة ١٤٠٢هـ / ١٩٨٢م، وضم منذ تأسيسه علماء من السنة والشيعة اللبنانيين وسعى التجمع لتوحيد العمل الإسلامي، وإلى سد الثغرات الثقافية في برامج العاملين وثقافة المسلمين، واتخاذ المواقف المناسبة في كل ما يهم الناس بما يراه التجمع مناسباً للمصلحة الإسلامية، والعمل على بناء شخصية العالم والعامل المجاهد والمخلص وإبراز دوره القيادي في جهاد الأمة وإرادة التحرر وإبلاغ كلمة الله تعالى، وحث الأمة على الانقياد لهم (٦٧) (؟ ؟ ؟ ) ٠

ثانياً: على مستوى أدبيات التقريب:

تندمج أدبيات التقريب بين المذاهب الإسلامية مع أدبيات الوحدة الإسلامية حيث يتفقا في المنهج والهدف وإن اختلفا في التناول، ولا شك أن أدبيات الوحدة والتقريب لا يخلو منها فكر المصلحين في العالم الإسلامي بدءًا من الأفغاني ومحمد عبده حتى محمد الغزالي٠

ومن أدبيات التقريب والوحدة الإسلامية و التي ظهرت متأثرة بحركة التقريب - سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة ما يلي ٠

كتاب المراجعات (١٩٣٦)، وهو من الكتب الباكرة في حركة التقريب، وهو حوار بين الإمامين: عبد الحسين شرف الدين الموسوي، وعبد المجيد سليم (شيخ الأزهر) – هذا وإن اختلف عليه البعض إلا أنه يمثل حواراً أو مشروعية لحوار بين السنة والسنة يتسم بالأدب والأخلاق الإسلامية بالإضافة إلى تحرى كثير من أوجه المنهج العلمي٠

كتاب إسلام بلا مذاهب (١٩٧١) لمؤلفه مصطفي الشكعة، ويصدر المؤلف لكتابه بمقدمة من الشيخ محمود شلتوت يتحدث فيها تحت عناوين أمة واحدة٠٠٠ تفرق المسلمين٠٠٠ الاستعمار يشجع الفرقة ٠٠٠ الأزهر ودراسة المذاهب٠٠٠ تقريب المذاهب تنقية للعقيدة وقوة للإسلام، وعناوين أخرى تدخل في مجال تأصيل حركة التقريب٠

كتاب الحوار سبيل التعايش مع التعدد والاختلاف (١٩٩٥) والكتاب عبارة عن ندوة فكرية شارك فيها علماء من السنة والشيعة هم: محمد سعيد رمضان البوطي، الشيخ محمد مهدي شمس الدين، جودت سعيد، محمد عدنان سالم، وقد ناقشت الندوة عدة قضايا تهم العالم الإسلامي المعاصر في ضوء الحوار والتعدد والاختلاف٠

كتاب أضواء على طريق الوحدة الإسلامية (١٩٩٧) لمؤلفه محمد علي التسخيري: ويتحدث فيه المؤلف عن: تطور فكرة الوحدة الإسلامية، وعوامل الوحدة، وقد أفرد ثلث الكتاب تقريباً حول التقريب في أصول الفقه٠

كتاب نداء الوحدة والتقريب بين المسلمين ومذاهبهم (١٩٩٧)، للشيخ محمد واعظ زاده، وهو عبارة عن عدة محاضرات تحت عنوان: وحدة الأمة الإسلامية، الأخوة الإسلامية، جذور الاختلاف بين الأمة الإسلامية، سبل الوصول إلى العلم وإزالة الخلاف، تنقية الخلافات المذهبية، الآثار الإيجابية والسلبية السياسية في المذاهب، سبل التقريب بين المذاهب٠

كتاب دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين (١٩٩٧) لمؤلفه الشيخ محمد الغزالي – رحمه الله – وهو يقدم منهجاً متميزاً في التعامل مع التراث، الخلافات الفقهية، ومن عناوين الكتاب: الكتاب والسنة معاً، الخلاف الفقهي وتعدد المذاهب، الاجتهاد الفقهي علامة صحة وشرف لتاريخنا، المذاهب الفقهية وسلطات الدولة، الخلافات الموروثة قيمتها وأثرها، الشيعة وأهل السنة، المستوى الثقافي للأمة الإسلامية٠

كتاب السنة والشيعة ضجة مفتعلة (١٩٩٧) لمؤلفه الشهيد الدكتور فتحي الشفافي، وقد أوضح المؤلف مواقف متعددة للتقارب الموجود في واقع المسلمين سواء من حيث النهج الفكري، أو النهج العملي والسلوكي بين السنة والشيعة٠

كتاب الوحدة الإسلامية من منظور الثقلين (٢٠٠١) لـ آية الله السيد محمد باقر الحكيم، وقد تناول المؤلف موضوعات: الوحدة الإسلامية من منظور حضاري، الوحدة الإسلامية من منظور قرآني، الوحدة في المجتمع الإسلامي، الوحدة الإسلامية في نظرية أهل البيت، منهج الوحدة الإسلامية، هامش الاختلاف والتعدد، التقريب بين المذاهب والوحدة الإسلامية٠

مجموعة بحوث ودراسات في التقريب بين المذاهب الإسلامية (٢٠٠١) وهذا الكتاب عبارة عن مؤتمر للتقريب بين المذاهب الإسلامية ومن أهم بحوثه: حركة التقريب لمحمد آذر شب، مبادئ فكرية وعملية للتقريب للقرضاوي، إشكاليات وحدة المسلمين لـ وهبة الزحيلي، نهج التقارب الفقهي لـ محمد الدسوقي، بالإضافة إلى تقرير عن مشروع مستقبلي لوحدة الأمة الإسلامية٠

١٠ - كتاب في مناهج تجديد الفكر الإسلامي (٢٠٠١)، التقريب بين المذاهب الإسلامية لمؤلفه محمد الفيومي، وقد تناول المؤلف مناهج المجددين محمد عبده، مصطفي عبد الرازق، ومناهج التقريب عند كل من: آية الله البروجروي، الشيخ محمود شلتوت٠

١١ - كتاب التقريب بين الفرق الإسلامية (د٠ت) لمؤلفه الدكتور عبد الكبير العلوي المدغري، ويتناول المؤلف عدة قضايا هي: فائدة التقريب ومنهاجه، معوقات التقريب، قضايا ينبغي الحسم فيها، خطأ في المنهج، اقتراحات تخدم التقريب٠

بالإضافة إلى هذه الأدبيات، فقد ظهرت أفكار أخرى حول التقريب والوحدة في كتابات وأفكار كثير من المفكرين المعاصرين أمثال: د٠ أحمد كمال أبو المجد، د٠ محمد عمارة، د٠ نادية مصطفي، وكتب العقيدة الشيعية المعاصرة و التي أصبحت تتضمن عنواناً عن الوحدة الإسلامية بصورة ملحوظة٠

ثالثاً: على مستوى الفُتيا:

ظهرت بعض الفتاوى في التراث الإسلامي جذرت للخلاف بين المسلمين بعضها يكفر الشيعة والأخر يكفر السنة في مرحلة الاتهامات بين الفريقين (السنة والشيعة)، وقد أطلق محمد عمارة على هذه العملية بـ الألغام الفكرية - التكفيرية التي تتغذي بها وعليها عقول قطاعات من العلماء في بعض الحوازات العلمية، وفي بعض الدوائر الفكرية السنية٠٠٠ كما تتغذي عليها نزعات التعصب عند العامة ٠٠٠ (٦٨) ٠

كما يقدم د٠ محمد عمارة عدة اقتراحات لنزع هذه الألغام الفكرية - التكفيرية وهي (٦٩) ٠

تحديد نطاق هذه الألغام الفكرية – التكفيرية٠

اعتماد مناهج وسنة التدرج في تطبيق خطة إزالة هذه الألغام الفكرية - التكفيرية من الكتب التراثية، وخاصة الذي يدرس منها في الحوزات العلمية والجامعات الإسلامية، وذلك بحذفها من الطبعات الجديدة لكتب التراث هذه٠٠٠ وفق المنهج المتعارف عليه في تهذيب كتب التراث٠

الاتفاق - في إطار حركة التقريب بين المذاهب الإسلامية - على منع تدريس هذه الاجتهادات التكفيرية في الحوزات والجامعات الإسلامية التي تكون عقول العلماء في مختلف بلاد الإسلام٠

وعلى المستوى العملي نرصد الفتاوى التالية في إطار التقريب والوحدة الإسلامية:

[١] فتوى الشيخ شلتوت بجواز التعبد على المذهب الجعفري الاثنى عشري: (يوليو ١٩٥٩م – المحرم ١٣٧٩م) (٧٠) ٠

نص الاستفتاء:

قيل لفضيلته: إن بعض الناس يرى أنه يجب على المسلم لكي تقع عباداته ومعاملاته على وجه صحيح أن يقلد أحد المذاهب الأربعة المعروفة وليس من بينها مذهب الشيعة الإمامية ولا الشيعة الزيدية فهل توافقون فضيلتكم على هذا الرأي على إطلاقه فتمنعون تقليد مذهب الشيعة الإمامية الاثنى عشرية مثلاً٠

فأجاب فضيلته:

إن الإسلام لا يوجب على أحد من اتباعه اتباع مذهب معين بل نقول أن لكل مسلم الحق في أن يقلد بادئ ذي بدء أي مذهب من المذاهب المنقولة نقلا صحيحاً والمدونة أحكامها في كتبها الخاصة ولمن قلد مذهباً من المذاهب أن ينتقل إلى غيره - أي مذهب كان - ولا حرج عليه في شئ من ذلك٠

إن مذهب الجعفرية المعروف بمذهب الشيعة الإمامية الاثنى عشرية مذهب يجوز التبعد به شرعاً كسائر مذاهب أهل السنة٠

فينبغي للمسلمين أن يعرفوا ذلك، وأن يتخلصوا من العصبية بغير الحق لمذاهب معينة، فما كان دين الله وما كانت شريعته بتابعة لمذهب، أو مقصوره على مذهب، فالكل مجتهدون مقبولون عند الله تعالى، يجوز لمن ليس أهلاً للنظر والاجتهاد تقليدهم والعمل بما يقررونه في فقههم، ولا فرق في ذلك بين العبادات والمعاملات٠

٢ - فتوى الدكتور نصر فريد واصل (٢٠٠٢م – ١٤٢٢ هـ) (٧١) ٠

نص الاستفتاء:

نرجو من سماحتكم أن تعطونا رأيكم الشريف في اقتداء أصحاب المذاهب بمن يقلد مذهب أهل البيت (عليهم السلام) من الشيعة الإمامية الاثنى عشرية هل يصح ذلك أم لا٠

نص الفتوى:

بسم الله الرحمن الرحيم

كل مسلم يؤمن بالله ويشهد ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ولا ينكر معلوماً من الدين بالضرورة، وهو عالم بأركان الإسلام والصلاة وشروطها وهي متوفرة فيه فتصح إمامته لغيره وإمامة غيره له، إذا توفرت فيه تلك الشروط ولو اختلف مذهبهما الفقهي، وشيعة أهل البيت من نحلهم، ونتشيع معهم لله ولرسوله وأهل بيته وصحابته جميعاً ولا خلاف بيننا وبينهم في أصول الشريعة الإسلامية ولا فيما هو معلوم من الدين بالضرورة، وقد صلينا خلفهم وصلوا خلفنا في طهران وفي قم في الأيام التي شرفنا الله بهم في دولة إيران الإسلامية

وندعو الله أن يحقق وحدة الأمة الإسلامية ويرفع عنهم أي شقاق أو نزاع أو خلاف قد حل بهم في بعض مسائل الفروع الفقهية المذهبية٠

٣ - فتوى آية الله العظمى السيد علي الحسيني الخامنئي (١٤٢٠ هـ٠ ١٩٩٩م) (٧٢):

س: هل تجوز الصلاة خلف السنة جماعة؟

ج: تجوز الصلاة جماعة خلفهم إذا كانت لحفظ الوحدة الإسلامية٠

س: محل عملي يقع في إحدى المناطق الكردية، وأكثرهم أئمة الجمعة والجماعة هناك هم من أهل السنة، فما هو حكم الاقتداء بهم؟ وهل تجوز غيبتهم؟

ج: لا إشكال في المشاركة في الصلاة معهم في جمعتهم وجماعتهم وأما الغيبة فليتجنب عنها

س: في أماكن المعاشرة والمخالطة مع أبناء السنة عند المشاركة في صلواتهم اليومية نعمل مثلهم في بعض الموارد، مثل الصلاة مع التكتف وعدم رعاية الوقت والسجود على السجاد، فهل مثل هذه الصلاة تحتاج إلى إعادة؟

ج: إذا كان حفظ الوحدة الإسلامية يقتضي ذلك كله فالصلاة معهم صحيحة ومجزية وإن كان بالسجود على السجاد وأمثال ذلك ولكن لا يجوز التكتف في الصلاة معهم إلا إذا اقتضت الضرورة ذلك٠

س: في مكة والمدينة نصلي جماعة مع أبناء السنة وذلك استناداً إلى فتوى سماحة الإمام الخميني وفي بعض الأوقات ومن أجل إدراك فضيلة الصلاة في المسجد - كأداء صلاة العصر أو صلاة العشاء بعد صلاة الظهر والمغرب نصلي فرادي في مساجد أهل السنة من دون تربة ونسجد على السجاد فما هو حكم هذه الصلوات؟

ج: في الفرض المذكور محكومة بالصحة٠

س: كيف تكون مشاركتنا نحن الشيعة في الصلاة في مساجد البلدان الأخرى مع أبناء السنة حيث يصلون مكتوفي الأيدي؟ وهل يجب علينا المتابعة في التكتف مثلهم، أو نصلي بلا تكتف؟

ج: يجوز الاقتداء بأهل السنة إذا كان لأجل رعاية الوحدة الإسلامية والصلاة معهم صحيحة ومجزية، ولكن لا يجب، بل لا يجوز التكتف فيها، إلا إذا كانت هناك ضرورة تقتضي ذلك أيضاً٠

س: عند المشاركة في صلاة الجماعة مع أهل السنة ما هو حكم التصاق خنصر القدم بخنصر قدمي الشخصين الواقفين على طرفي المصلي في حال القيام التي يتلزمون بها؟

ج: لا يجب ذلك ولو فعله لم يضر بصحة الصلاة٠

س: أبناء السنة يصلون المغرب قبل أذان المغرب، ففي موسم الحج أو في غيره هل يصح لنا الاقتداء بهم والاكتفاء بتلك الصلاة؟

ج: ليس معلوماً انهم يصلون قبل الوقت، ولكن لو لم يحرز المكلف دخول الوقت لم يصح منه الدخول في الصلاة، إلا إذا اقتضت مراعاة الوحدة الإسلامية ذلك أيضاً، فلا مانع حينئذ من الدخول في الصلاة معهم وفي الاكتفاء بتلك الصلاة٠

خاتمـة

تعد الدعوة إلى الوحدة الفكرية والمنهجية بين المسلمين فريضة دينية وضرورة بشرية، فإذا كان الشهود الحضاري هو مسئولية هذه الأمة فإنها لن تستطيع القيام به في حالة الإنقسام والتفتت، لهذا فإن الهاجس الأول الذي يجب أن يؤرق مضاجع المفكرين والمثقفين والندوات والمؤتمرات هو إرساء قواعد هذه الوحدة، وإيضاح المعايير والمبادئ التي تقوم عليها، ووضع آليات لتقليل الخلاف بين فئات وجماعات وتنظيمات العمل الإسلامي، وغرس قيم الولاء للأمة الإسلامية ذلك الأصل الذي يجب أن تتمحور حوله كافة روافد الفكر والعمل الإسلامي٠

إن الشهود الحضاري المنوط به المشروع الإسلامي يتطلب استنهاض همم المسلمين: الهمم الفكرية والمعنوية والمادية جميعاً، وهذا يتطلب بناء العقلية المسلمة الواعية التي تدرك وظيفتها في البلاغ والشهود ثم تحدد وسائل أداء هذه الوظيفة، فقد حققها السابقون بالإنجازات العلمية والاكتشافات٠ وكانت آداه مبتكرة في أيديهم لم تدركهم الإنسانية قبل وكذلك اليوم - أيضاً - فالإنسان المعاصر بحاجة إلى أدوات مبتكرة تخلصه مما فيه من شقاء دام قروناً طويلة، ومن ثم يأتي الإنقاذ ذلك الدور العالمي للرسالة الإسلامية والمسلمين (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) ٠

كما يجب على القائمين على أمر العمل الإسلامي (أفراد وجماعات) أن يعيدوا تقييم برامجهم الفكرية في ضوء الأهداف الاستراتيجية للأمة الإسلامية في القرن الحادي والعشرين، وهذا يتطلب مراجعة النظام المعرفي الذي يرتبط بالمذهب أو بالجماعة أو التنظيم، وليس معنى هذا أننا نشكك في نوايا روافد العمل الإسلامي (إن الله عليم بذات الصدور) ولكن تقييم التجربة الإسلامية في القرن العشرين يؤكد أنها أنتجت لنا انقساما واختلافا، أكثر مما أنتجت وحدة وائتلاف، وهذا أدعى إلى مراجعة المنهج الفكري الذي يقوم عليه العمل الإسلامي المعاصر، وإبداع مناهج فكرية ومنهجية أقرب إلى تحقيق الوحدة والائتلاف باعتبارهما الطريق الوحيد لانتاج حضارة إسلامية، فالأفراد والجماعات والتنظيمات لن تستطيع إنتاج حضارة – مهما بلغت قوتهم - والتجربة الإسلامية الأولى في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم – تؤكد ذلك، حيث تم صهر جميع الفئات والأجناس والطبقات في مشروع إسلامي واحد في مصادره العملية، وأهدافه الاستراتيجية، وأولوياته الزمانية والمكانية، لهذا كان الإنتاج الحضاريو القيادة الحضارية نتيجة مترتبة على هذه الوحدة الفكرية والمنهجية

وإذا كانت العوامل المادية (القدرات والثروات الطبيعية والبشرية وغيرها) والمعنوية (القرآن والسنة وما يحملان من قيم أخلاقية واجتماعية ونفسية) يقدمان للمسلم أسباب الفعل الحضاري فلم يبق سوى الالتقاء حول هذه الأسباب لبدء العمل في تحقيق رسالة الإنقاذ الإسلامي للبشرية التي تعاني من سيطرة القوة العمياء التي تحكم أقدارها في الأرض٠ (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وأتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر) ٠

والله الموفق إلى سواء السبيل٠٠

هوامش البحث

(*) هذه السيرة بقلم الأستاذ المهندس عبد الله القمي نجل العلامة محمد تقي القمي٠

(**) حاول الباحث الاستفادة من منهج البحث المتبع في دراسة: د٠حسن حنفي: جمال الدين الأفغاني: المائوية الأولى، القاهرة، الهيئة العامة للكتاب، ١٩٩٩ ٠

(***) انظر ملحق البحث: مقالات الشيخ القمي في مجلة رسالة الإسلام و التي اعتمد البحث عليها في التحاليل والمنافسة والحوار٠

[١] القمي: قصة التقريب، رسالة الإسلام، السنة الحادية عشرة، العدد الرابع، ص ص: ٣٤٩، ٣٤٩ ٠

[٢] المرجع السابق، ص ٣٤٨ ٠

[٣] عبد الجواد السيد بكر: تحليل مضمون العروة الوثقى، المسلم المعاصر، السنة العشرون، العدد ٧٧، ١٩٩٥، ص (٤٥ - ٤٦) ٠

[٤] مصطفي محمد حميداتو: عبد الحميد بن باديس وجهوده التربوية (مقدمة عمر عبيد حسنه)، كتاب الأمة، قطر، العدد (٥٧)، يونيو ١٩٩٧، ص ٣٣٠.

[٥] أبو الأعلى المودودي: نظرية الإسلام السياسية، القاهرة، دار الفكر، د٠ت، ص ص ٢٩، ٢٨ ٠

[٦] سليمان الخطيب: فلسفة الحضارة عند مالك بن نبي: دراسة إسلامية في ضوء الواقع المعاصر، القاهرة، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ١٩٩٣، ص ٢٩٢ ٠

[٧] علاء طاهر: العالم الإسلامي في الاستراتيجيات المعاصرة، مركز الدراسات العربي الأوروبي، ١٩٩٨، ص: ٦١٥ ٠

(****) انظر: دستور الجمهورية الإسلامية في إيران، طهران، رابطة الثقافة والعلاقات الإسلامية، ١٩٩٧ ٠

[٨] القمي: قصة التقريب، مرجع سابق، ص٣٤٨ ٠

[٩] القمي: للعقول لا للعواطف رسالة الإسلام، العددان ٥١، ٥٢، ص ٢٤٧ ٠

[١٠] ابن منظور: لسان العرب، مج١، بيروت: دار إحياء التراث العربي، ط٢، ١٩٩٧، ص: ٢١٣ ٠

[١١] عبد الحميد أحمد أبو سليمان: أزمة العقل المسلم، القاهرة، المعهد العالي للفكر الإسلامي ١٩٩١، ص: ١٢٨ ٠

[١٢] مجمع اللغة العربية: المعجم الوسيط جـ٢، القاهرة: ط٣، ١٩٨٥، ص: ١٠٧٣ ٠

[١٣] محمد عمارة: معالم المنهج الإسلامي: القاهرة، دار الشروق ١٩٩١، ص: ٧٨ ٠

[١٤] سيد قطب: في ظلال القرآن، مج١، ص٤، القاهرة: دار الشروق ط١٥، ١٩٨٨، ص: ١٣١ ٠

[١٥] الفخر الرازي: مفاتيح الغيب، مج٢، جـ٤، بيروت: دار الفكر، ١٩٩٣، ص: ١١٣

[١٦] القمي: قصة التقريب، مرجع سابق، ص: ٣٤٩ ٠

[١٧] القمي: جولة بين الآراء: رسالة الإسلام، السنة الثالثة، العدد الأول، ص: ٣٧ ٠

[١٨] القمي: نقط على الحروف أو مزيد من الإيضاح: رسالة الإسلام، السنة الخامسة، العد الثاني، ص: ١٥١ ٠

[١٩] طه جابر العلواني: أدب الاختلاف في الإسلام، فيرجينيا: المعهد العالي للفكر الإسلامي ط٦، ٢٠٠٠، ص ص: ١٦: ١٨ ٠ (بتصرف) ٠

[٢٠] القمي: خلاف نرضاه وخلاف نأباه، رسالة الإسلام، السنة العاشرة، العدد الأول، ص: ١٦ ٠

[٢١] المرجع السابق، ص: ١٨ ٠

[٢٢] المرجع السابق، ص: ١٦: ١٧ ٠

[٢٣] القمي: نقط على الحروف او مزيد من الإيضاح: رسالة الإسلام، السنة الخامسة، العدد الأول، ص: ١٤٧ ٠

(؟ ) انظر: جعفر السجاني: العقيدة الإسلامية على ضوء مدرسة أهل البيت، محمد رضا المظفر: عقائد الإمامية٠

[٢٤] الشهر ستاني: الملل والنحل جـ١، بيروت: دار المعرفة ط٤، ١٩٩٥، ص: ١٧٩ ٠

[٢٥] القمي: جولة بين الآراء: رسالة الإسلام، السنة الثالثة، العدد الأول، ص: ٣٧ ٠

[٢٦] القمي: القافلة تسير: رسالة الإسلام، السنة الثامنة، العدد الأول، ص: ٤٢ ٠

(؟ ؟ ) الإمام الشهيد حسن البنا رائد الحركة الإسلامية ومؤسس جماعة الأخوان المسلمين ومن الأعضاء المؤسسين لجماعة التقريب٠

[٢٧] مجموعة رسائل الإمام الشهيد: رسالة التعاليم، الأصول العشرين، الإسكندرية، دار الدعوة ١٩٩٠، ص ص: ٣٩٢، ٣٩٣ ٠

[٢٨] أحمد كمال أبو المجد: حوار لا مواجهة، القاهرة، دار الشروق ١٩٨٨، ص ٢٦٩ ٠

[٢٩] زكي الميلاد: التقريب رسالة العقلاء، بيروت، الكلمة، السنة الثامنة، العدد ٣٢، صيف ٢٠٠١، ص: ٢٦ ٠

[٣٠] القمي: القافلة تسير: مرجع سابق، ص: ٤١ ٠

[٣١] القمي: نقط على الحروف: مرجع سابق، ص: ١٥٠ ٠

[٣٢] القمي: الزمن في جانبنا: رسالة الإسلام، السنة التاسعة، العدد الأول، ص: ٢٤ ٠

[٣٣] القمي: جولة بين الآراء: مرجع سابق، ص: ٣٧ ٠

[٣٤] محمد الغزالي: دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين، القاهرة، دار الشروق، ١٩٩٧، ص ص: ٤٤: ٥١ (بتصرف) ٠

[٣٥] عبد المنعم شحاته: خلافات المسلمين رؤية نفسية، المسلم المعاصر، العدد ٨٤، يوليو ١٩٩٧، ص١٧٢ ٠

[٣٦] القمي: قصة التقريب، مرجع سابق، ص: ٣٤٩ ٠

[٣٧] علاء طاهر: مرجع سابق، ص: ٦٤ ٠

[٣٨] المرجع السابق: نفس الصفحة٠

[٣٩] محمد سيد محمد: الغزو الثقافي والمجتمع العربي المعاصر، القاهرة، دار الفكر العربي ١٩٩٤، ص: ٢٥٠ ٠

[٤٠] القمي: وحدة المسلمين حول الثقافة الإسلامية، رسالة الإسلام، السنة الأولى، العدد الأول، ص: ٣٩ ٠

[٤١] القمي: أمة واحدة وثقافة واحدة، رسالة الإسلام، السنة الأولى، العدد الثالث، ص: ٢٦٠

[٤٢] القمي: المرجع السابق، ص: ٢٦١ ٠

[٤٣] محمد عمارة: في فقه الحضارة الإسلامية، القاهرة، دار الشروق الدولية ٢٠٠٣، ص: ١٣٥ ٠

[٤٤] محمد شكيب الأنصاري: أهداف الترجمة بين العربية والفارسية ودواعيها، العلوم الإنسانية، طهران، ١٩٩٧، ص: ٢٣ ٠

[٤٥] حوار مع د٠حسن حنفي: التراث والتجديد، في عبد الجبار الرفاعي، الفكر الإسلامي المعاصر، بيروت دار الفكر ٢٠٠٠، ص٢٤٤ ٠

[٤٦] محمد البهي: الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي، القاهرة، مكتبة وهبه، ط١٣، ١٩٩٧، ص: ٢٨ ٠

[٤٧] القمي: ليكن شعارنا المدرسة بجانب المسجد، رسالة الإسلام، السنة الثامنة، العدد الثالث، ص: ٢٤١ ٠

[٤٨] المرجع السابق: ص: ٢٤٢ ٠

[٤٩] المرجع السابق: ص: ٢٤٢ ٠

[٥٠] المرجع السابق: نفس الصفحة٠

(٥١) عمر عودة الخطيب: لمحات في الثقافة الإسلامية، بيروت مؤسسة الرسالة ط٩ ١٩٨٤، ص٢٠١: ٢٠٤ ٠

(٥٢) القمي: خلاف نرضـاه وخلاف نأباه، رسالة الإسلام، السنة العاشرة العدد الأول، ص: ٩

(٥٣) المرجع السابق، ص: ٢٠ ٠

(٥٤) محمود حمدي زقزوق: في مواجهة الاستشراق، المسلم المعاصر، السنة السابعة عشرة، العدد ٦٥ - ٦٦، يناير ١٩٩٣، ص: ٢٧ ٠

(٥٥) المرجع السابق، ص ص: ٣٨: ٤٠ (باختصار) ٠

(٥٦) القمي: ليكن شعارنا المدرسة بجانب المسجد، مرجع سابق، ص: ٢٤٣ ٠

(٥٧) المرجع السابق: نفس الصفحة٠

(٥٨) المرجع السابق: نفس الصفحة٠

(٥٩) المرجع السابق: نفس الصفحة٠

(٦٠) طه جابر العلواني: إصلاح الفكر الإسلامي بين القدرات والعقبات، القاهرة، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ١٩٩١، ص: ٨٣ ٠

(٦١) رواه مسلم (٧ / ١٠١٧) ٠

(٦٢) قصة التقريب مع مقدمة لشيخ الأزهر، والقاهرة، دار التقريب بين المذاهب الإسلامية، ص٥ ٠

(٦٣) المرجع السابق: ص٥، ٦ ٠

(٦٤) المجمع العالي للتقريب بين المذاهب الإسلامية: ص ٣٢، ٣٣،

تاريخ الزيارة: ٢٠ / ٤ / ٢٠٠٣ ٠ http al –shia. Com

(٦٥) المرجع السابق، ص٣٥، ٣٦ ٠

(٦٦) المرجع السابق، ص٣٨ - ٤٤ ٠

(٦٧) محمد علي آذرشب: مرجع سابق، ص٢٨٦، نقلاً عن: رسالة التقريب - طهران، العددان ١٤، ١٥ ٠

(؟ ؟ ؟ ) لم يستطع الباحث الوقوف على أنشطة المركز ونظامة الداخلي٠

(٦٨) محمد عمارة: مرجع سابق، ص١٣٧ ٠

(٦٩) المرجع السابق، نفس الصفحة٠

(٧٠) نشرت هذه الفتوى في مجلة رسالة الإسلام، السنة الحادية عشرة، العدد الثالث، يوليو ١٩٥٩ ص: ٢٢٧، ٢٢٨ ٠

(٧١) نشرت هذه الفتوى في مجلة: رسالة الثقلين، طهران، السنة العاشرة، العدد الأربعون ٢٠٠٢، ص: ٢٣١ ٠

(٧٢) جاءت هذه الفتاوى في: أجوبة الاستفتاءات لآية الله الخامنئي، الجزء الأول، بيروت، الدار الاسلامية ١٩٩٩، ص ص: ١٧٦، ١٧٧ ٠

بيان بالمقالات التي كتبها العلامة محمد تقي القمي

في مجلة رسالة الإسلام (يناير ١٩٤٩ – أكتوبر ١٩٧٢)

١ - وحدة المسلمين حول الثقافة الإسلامية، السنة الأولى، العدد الأول يناير ١٩٤٩ ٠

٢ - أمة واحدة وثقافة واحدة، السنة الأولى، العدد الثالث، يوليو ١٩٤٩ ٠

٣ - فرصة سانحة، السنة الثانية، العدد الثانى، أبريل ١٩٥٠ ٠

٤ - حياة كلها هجرة الحج، السنة الثانية، العدد الرابع، أكتوبر ١٩٥٠ ٠

٥ - جولة بين الآراء، السنة الثالثة، العدد الأول، يناير ١٩٥١ ٠

٦ - الأقلام في الميزان، السنة الرابعة، العدد الثاني، أبريل ١٩٥٢ ٠

٧ - ابن سينا بين الفرس والعرب، السنة الرابعة، العدد الثالث يوليو، ١٩٥٢ ٠

٨ - محنة التراث الخالد على أيدي أهل الجديد، السنة الرابعة، العدد الرابع، أكتوبر ١٩٥٢ ٠

٩ - نقط على الحروف، السنة الخامسة، العدد الثاني، أبريل ١٩٥٣ ٠

١٠ - نقط على الحروف، السنة الخامسة، العدد الرابع، أكتوبر ١٩٥٣ ٠

١١ - هدية من تجاربنا، السنة السادسة، العدد الرابع أكتوبر ١٩٥٤ ٠

١٢ - الدين في معترك السياسة العالمية، السنة السابعة، العدد الثاني أبريل ١٩٥٥ ٠

١٣ - القافلة تسير، السنة الثامنة، العدد الأول، يناير ١٩٥٦ ٠

١٤ - ليكن شعارنا: المدرسة بجانب المسجد، السنة الثامنة، العدد الثالث يوليو، ١٩٥٦ ٠

١٥ - الزمن في جانبنا، السنة التاسعة، العدد الأول، يناير ١٩٥٧ ٠

١٦ - خلاف نرضاه وخلاف نأباه، السنة العاشرة، العدد الأول، يناير ١٩٥٨ ٠

١٧ - قصة التقريب، السنة الحادية عشر، العدد الرابع، أكتوبر - ديسمبر ١٩٥٩٠

١٨ - رحم الله أمر أعرف قدر نفسه السنة الثالثة عشر، العدد ٤٩ يناير ١٩٦٢٠

١٩ - للعقول لا للعواطف، السنة الثالثة عشر، العددان ٥١، ٥٢، يوليو، ديسمبر ١٩٦٢ ٠

٢٠ - رجال صدقوا، السنة الرابعة عشر، العدد ٥٥، ٥٦، يونيو، ١٩٦٤ ٠

٢١ - الدين في معترك الفضاء، السنة الخامسة عشر، العدد السادس، أكتوبر ١٩٧٢



[ Web design by Abadis ]