ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 مؤتمر كيف نواصل مشروع حوار الحضارات

في العدد الماضي نشرنا وقائع مؤتمر عقده مركز الدراسات الثقافية الايرانية – العربية التابع للمستشارية الثقافية الايرانية بدمشق قبل عام حوار الحضارات (٢٠٠١). وبعد هذا العام عقد المركز مؤتمراً هاماً تحت عنوان: «كيف نواصل مشروع حوار الحضارات» نشرت وقائعه في جزئين، الاول: بشأن الاسس التي يجب أن يقوم عليها الحوار، والثاني: حول ما إذا كانت الساحة العالمية تتجه نحو حوار أو صراع. استمرت أعمال المؤتمر ثلاثة أيام (١٩ - ٢١ / ١ / ٢٠٠٢) وحظي باهتمام رسمي وشعبي وإعلامي كبير، وفي هذا العدد نستعرض ماجاء في الكتابين.

اهتمام الرئيس السوري

قيل انعقاد المؤتمر استقبل الرئيس السوري الدكتور بشار الاسد الوفد القادم من إيران برآسة الدكتور عطاء الله مهاجراني، وبحضور السفير الايراني والمستشار الثقافي، ودار في اللقاء حوار فكري حضاري في قضايا الساعة، وتألق الرئيس السوري في هذا اللقاء بما طرحه من أفكار تقوم على محور فهم «الواقع» وأثار إعجاب الحاضرين في الجلسة.

ثم شارك في جلسة الافتتاح ثلاثة وزراة سوريين وكبار الشخصيات السياسية والقيادية السورية.

كلمة الرئيس خاتمي

وجه الرئيس محمد خاتمي راعي مشروع حوار الحضارات كلمة هذا نصها:

«أغتنم فرصة انعقاد مؤتمر «كيف نواصل حوار الحضارات؟ » لأتقدم بخالص الشكر لأخي العزيز سيادة الرئيس بشار الأسد، رئيس الجمهورية العربية السورية، على ما أولاه للمؤتمر من رعاية، وللمفكرين الأماجد، الذين قدموا من أرجاء العالم الإسلامي، على مشاركتهم القيمة.

الحوار فن وعلم يولد مع الإنسان وينشأ بنشأته، جذوره تمتد إلى فكر الإنسان وبعده اللامتناهي. من هنا فإن الحوار - من جهة أخرى - له ارتباط وثيق بالشرائع المختلفة. وأهمية خاصة في الإسلام الذي يشكل الكلام معجزته الخالدة. ويدعو الإسلام إلى انتهاج الحكمة والموعظة: (وادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة (. ويدعو البشر إلى الاستماع، ثم الانتخاب بعد التمحيص: (الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه (.

الحوار، منطق وفكر له مكانته السامية أيضاً في الحضارة الإسلامية الباهرة. المسلم المتعقل الواعي يحترم الآخر لأنه يعتمد على ذاته وعلى منطقه القويم. ويتلازم التعقل مع بعد النظر والتسامح، ويرفض الإيمـان القويم ضيق الصدر وضيق الأفق. وقد كانت الدائرة الثقافية والحضارية الإسلامية دائماً بعيدة عن التطرف والعنف، وكانت تدور دائماً حول محور الإنصاف والاعتدال. وقد أثريَ الإسلام وازدهر نتيجة الحوار بين مذاهبه وفرقه، وليس هذا فحسب بل انفتح على أفكار الآخرين، ودخلت الفلسفة اليونانية إيران والعالم الإسلامي عن طريق الإسكندرية، ولذلك أصبحت الفلسفة الإسلامية على خلفية استيعاب المسلمين للفكر الآخر من أغنى شعب الفلسفة وفروعها.

وأينعت التجارب العلمية البشرية القيمة ونمت في تربة الحضارة الإسلامية، وبلغ الفن بارتباطه الوثيق بالتصور والسلوك الإسلامي ذروته واعتلاءه، وانتقل إلى شرق العالم وغربه.

وقد اتجه العالم الذي يساوره القلق من الحرب والإرهاب والتمييز إلى الحوار، وهو يمر بأحرج منعطفاته التاريخية.

وقد أخرست الأخطار الكبرى التي تحيق بالإنسان اليوم الألسن، وحبست الأنفاس في الصدور، ولكن هذا الإنسان القادر يشعر بالأمل ويحس بالأمن في ظل الحوار.

الحوار بين الحضارات والثقافات هو الآن ضرورة ملحة للعيش في عالم آمن ومستقر. ومشاهد العنف والفزع العالمية لا تبقي مكاناً لحياة إنسانية ذات معنى. لذلك فإن الحوار بين الحضارات والثقافات ليس ضرورة في المساحات الجغرافية بل ضرورة في المساحات المعرفية. ونحن بحاجة ماسة لأن نجيب على ما يحيط بنا من أسئلة عميقة وواقعية، وأن نرصد مسيرة التحولات كما ينبغي. العالم اليوم متعطش للسلام والصداقة والحرية والعدالة، ويصر على أن ينال حريته وحقوقه الإنسانية، لكن حقيقة السلام والحرية والعدالة لا تنال بالحرب والتعنت والتمييز. والسلام الذي يتحقق بالحرب هش دائماً وغير متين، أما السلام القائم على العدالة والإنصاف والحوار والمنطق فهو السلام الحقيقي الدائم. من هنا فإن الحروب وقتل الشعوب لا تستطيع أن تكون في خدمة السلام والعدل. الائتلاف من أجل السلام، وعلى أساس من العدالة والكرامة هو الذي يستطيع أن يضمد الجراح، ويقتلع الأحقاد من الصدور. في هذا الاستشراف نحن من جهة نواجه تهديدات كبرى، ومن جهة أخرى تنفتح أمامنا فرص عديدة. نحن اليوم نشهد أن الإسلام باعتباره ديناً سماوياً ودائرة حضارية، يواجه مستجدات في التشويه والعداء. وتتعرض علاقة العالم ا

لإسلامي بالآخرين لاهتزاز في الثقة، ولأخطاء في الفهم، وذلك ناتج إما عن جذور تاريخية، أو عن علاقات السيطرة، أو إنه يستند إلى فهم خاطئ أو منحرف يبرر باسم الدين أعمال العنف والإرهاب والقسوة. في مثل هذا الجو يعيش الشعب الفلسطيني المظلوم أفظع فترات حياته وأمرها. شعب عظيم عريق متحضر يتعرض للإبادة ولسحق الهوية التاريخية والثقافية والمدنية على مرأى من العالم ومسمعه. في مثل هذه الظروف المعرفية والحضارية للعالم المعاصر.

الحوار الحقيقي يتيسر حين نثق بأن الآخر أيضاً يبحث عن الحقيقة والكمال، وأن حديثه يستطيع أن يكون له حظ من الحقيقة وإشراقة من الكمال. لابد من أن يكون بين الأنا والآخر كلمة مشتركة. و «الكلمة السواء» أو المشتركة أجمل تعبير عن معنى الحوار ولإثرائه.

الرسالة التي تخاطب الإنسان، كل إنسان، أينما كان، وفي أي زمان كان، ويتردد خطابها بعبارة: «يا أيها الناس»، هي رسالة عالمية. حياة الإنسان في منظورها تعادل حياة كل البشر. مثل هذه الرسالة تستطيع دون شك أن تكون سنداً قوياً للحب والسلام. وإلا فمن الواضح جداً أن الإعراض عن الحوار، وإخماد صوت المنطق، وسط ضجيج أصوات المدافع والدبابات، لا يستطيع أن يحقق أمناً ولا استقراراً ولا سلاماً.

إنه لمما يبعث على الارتياح أن عالمنا، على الرغم مما يدور على ساحته السياسية من سعي لعزل السياسة عن مدار الأخلاق والثقافة والقيم، نشاهد في أجوائه الذين يؤمنون بضرورة الحوار بين الحضارات والثقافات من العلماء والكتاب والفنانين ويعقدون الأمل عليه، ويرون أن الحوار هو طريق الخروج من أزمات عالمنا المعاصر. توفر أجواء ترى أن الحوار مشروع جديد أمام العنف وهو فرصة مغتنمة تبعث على الأمل في الساحة العالمية.

إننا، نحن المسلمين بكل ألوان الطيف الثقافية المتعددة في دائرة الحضارة الإسلامية لا بد لنا أن يفهم بعضنا بعضاً بصورة جيدة، كي ننأى عن التفرق والتشتت في حوارنا مع الآخر. نحن بحاجة إلى أن نعرف العالم كما هو، وأن نتزود بمعطياته المدنية بأصح صورة، ونحن بحاجة إلى خيار واعٍ مدروس مناسب كي نبتعد عن الأضرار والآثار السلبية للتقلبات العالمية السريعة. وهذا لايتيسر إلا بفهم صحيح، وحوار، وبمنهجية الحوار بين الثقافات والحضارات. آمل بهمة أصحاب الرأي أن يحقق هذه التجمع النجاح المطلوب في هذا الطريق، وهو طريق استتباب السلام الحقيقي والعدالة الواقعية. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته».

* * *

ثم تليت كلمة الاستاذ أحمد مسجد جامعي وزير الثقافة والارشاد الاسلامي في الجمهورية الاسلامية الايرانية هذا نصها:

«الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كان للذكريات الجميلة التي حملتها في العام الماضي حينما شاركتكم في مؤتمركم السابق مع تلك النخبة الممتازة من أساتذة ومفكرين من أقطار عديدة، وما تميزت به بحوثكم البناءة والعلمية من معرفة بالخبايا والزوايا وبالمنعطفات التي تمر بها الحضارات المختلفة، كانت هذه الأمور كلها حافزاً قوياً لمشاركة رمزية بالرجاء والتمنيات الخالصة لكم بالنجاح والتوفيق في مؤتمركم الثاني، ولطرح أمور جالت في خاطري حول استمرار الحوار بين الحضارات والثقافات.

كما نعلم جميعاً ومن دون شك، أن صاحب مشروع الحوار لم يكن لينظر إليه باعتباره شعاراً جذاباً للاستهلاك أو تكتيكاً لمرحلة معينة أو لأغراض مصلحية خاصة، أو أنه ظاهرة محصورة في الجدل والمناقشات، وإنما كان يملؤه الأمل والرجاء بأن تظفر البشرية من خلاله على الحلول لمشاكلها والدواء الناجع لأمراضها وآلامها.

إن الحوار نابع من الضرورات الحياتية للمجتمعات البشرية وينظر إليه باعتباره منهجاً يعتمد على التفكر والعلم والإيمان لينتهي إلى حالة من المعرفة المتبادلة، وبهذا يقف الحوار في مواجهة النزاع، والتخاصم، والاعوجاج أو الانحراف، والمنافع الضيقة.

وبهذا نتعرف إلى ضرورته لا في نطاق الحضارات التاريخية، وإنما في إطار الحضارات الحية، والمعاصرة وبصورة أدعى وألزم من ذي قبل.

إن الدور الأساس والفاعل للثقافات والأديان في تأسيس الحضارات واستمرارها، إضافة إلى ضرورة الاستمرار في الحوار بشأنها مما لا يعتريه الشك أبداً، ومن وجهة نظري فإن الحوار يجب أن لا يقتصر على الجانب السياسي ومحادثاته وإنما يبدأ بين العلماء والمثقفين والكتاب، وكل ما يشير إلى النخبة من أهل الدين والثقافة لتسري ويشمل الشرائح الاجتماعية الأخرى، وبهذا يستطيع حوار الحضارات أن يحقق السلام والهدوء في المجالات المختلفة سياسية أو غيرها، ذلك أن المشاكل تتفاقم حينما تفتقد النخب المثقفة عنصر تحمل الآراء المختلفة للدين.

وختاماً فالأمل والرجاء بأن يكون الحوار في جمعكم الكريم وأنتم تمثلون نخبة من المثقفين والعلماء في عالمنا الإسلامي، أن يكون خطوة كبيرة وبناءة في طريق مزيد من التفاهم والتعارف في داخل الأمة الإسلامية، التي لا نشك أبداً في ضرورتها، ونحن نتوجه بالخطاب إلى الآخر خارج العالم الإسلامي.

أيها الأخوة والأخوات: إن الأهداف سامية ونبيلة، والطريق شاقة وطويلة، ولكن جهود المخلصين والساعين لخير البشرية كفيلة بتذليل كل الصعاب (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون (.

ولا يفوتني أن أنوه بجهود أشقائنا المسؤولين في الجمهورية العربية السورية على كل صعيد، وتعاونهم مع المستشارية الثقافية لسفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية لإنجاح هذا الملتقى والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته».

* * *

وألقت الدكتورة نجوة قصاب حسن وزيرة الثقافة السورية آنئذ كلمة جاء فيها:

«حين تكون الأهداف إنسانية، ونبيلة يرتقي المضمون والأداء، ويسـتلهم من المخزون الحضاري ما يعمق جذور التواصل، ويبني الجسور بين الثقافات والحضارات.

مؤتمر فكري بهذا المستوى العلمي الرفيع، مشروع مستقبلي يدرس كيفية مواصلة حوار الحضارات، وقراءة مستقبل البشرية في ضوء الحوار واحترام الآخر، هو ملتقى فكري، عطاؤه مؤكد ودوره أبعد، يتجاوز حدود الحوار الفكري والنظري إلى صياغة رؤى جديدة واقتراح استراتيجيات مستقبلية تعتمد آليات عمل متجددة وبرامج نوعية تستجيب لمتطلبات الواقع الراهن بكل متغيراته وتعقيداته، التي برزت نتيجة المستجدات على الساحة العالمية. من هنا فإن هذا المؤتمر يستمد أهميته من أهدافه في تعميق الحوار بين الثقافات والحضارات، ومن تصديه لموضوعات حيوية وجوهرية تجابه الأسس والجذور الثقافية، وتؤرق البشرية وتعلق وجودها ومعاييرها وقيمها السائدة».

* * *

والدكتور سعد الله أغا القلعة وزير السياحة السوري السابق من المهتمين بالحوار الحضاري واللقاء الحضاري، وكان حين شغل منصب وزير السياحة مهتماً أن يجعل من السياحة أيضا إطاراً للحوار والتعارف بين الشعوب.

وانعكس اهتمامه هذا في كلمته الهامة التي قدمها في جلسة الافتتاح، ومما جاء فيها:

«أيها الأخوة في الحضارة العربية الإسلامية

أشكر للمستشارية الثقافية الإيرانية في دمشق دعوتها لي لكي أشارك في هذا المؤتمر.

وفي الواقع فإن المسألة المطروحة علينا:

فكرية في مطلق البحث في حوار الحضارات حرضها نشوء نظرية صراع الحضارات.

وعملية في كيفية التعامل مع مستجدات العالم بعد أن أعطت التفجيرات الإرهابية التي استهدفت الولايات المتحدة. ورد الفعل العسكري عليها، وانعكاسات ذلك على العالم مبررات افتراضية لتلك النظرية.

يمكن القول في المسألة الفكرية إن "الحوار" الحقيقي لا يمكن أن يبنى دون أن تتوافر العناصر الآتية:

قبول أطراف الحوار مجتمعة أنه بحث تقوم به تلك الأطراف عن المشترك بينها في ظل القبول بالاختلاف.

إدراك كل طرف أن هناك مستويين للحوار… الأول، داخلي: ضمن الحضارة الواحدة للوصول إلى معالم الخطاب المعتمد. والثاني، خارجي: موجه إلى الأطراف الأخرى.

فهم أن كلاً من الحوار الداخلي أو الخارجي هو حوار متعدد الأبعاد، فالغرب ليس كتلة واحدة والشرق ليس كتلة واحدة.

الاقتناع بضرورة سعي كل طرف لرصد وفهم خطاب الطرف الآخر، وإعداد الحجة المنطقية في مواجهته، واستخدام لغة مشتركة معه عند إطلاق تلك الحجة.

قبول الأطراف الأضعف في الحوار بأنها بحاجة إليه، وقبول الأطراف الأقوى بأن لها فيه مصلحة واضحة.

وعندما نرد إلى "الحضارات" فلابد إضافة إلى ما سبق من طرح الأفكار الآتية:

تقوم الحضارات على الإبداع وتتنوع بين توجهها للفكر أو للقوة: فمنها ما قام على الفكر المبدع، ومنها ماجمع الفكر والقوة، ومنها ما قام على الإبداع في البحث عن منافذ القوة.

الحضارات تختلف في مساراتها باختلاف الشعوب التي أنتجتها: هناك من الشعوب من لم ينتج حضارة أو ثقافة بل عاش على استلاب حضارات الآخرين وتوظيفها فلم يعرف التسامح قط. هناك من الشعوب من أنتج حضارة بقيت محصورة فيه فلم تتفاعل مع الآخرين. هناك من الشعوب من أنتج حضارة وثقافة قامت على التوسع. هناك من الشعوب من وصلته بذور الحضارة فحقق قوتها وأفاض عليها، ولكنه لم يهضم ثقافتها. هناك من الشعوب من أنتج حضارة وثقافة تفاعلت مع حضارات متقاطعة ومتتالية؛ مما تسبب في أن يعيش تمازج الأفكار المبدعة وتناقل الأفكار.

لابد أخيراً من أن تعترف الحضارات بأنها تأتي وليدة لسابقاتها، فنحن لا نعرف على وجه الدقة كيف تأتي رياح لتنقل بذور الحضارة من أرض نشأت فيها إلى أرض جديدة أصبحت أكثر خصباً وجاهزية لتوليد حضارة جديدة».

* * *

وشارك الاستاذ محمد زيادة وزير الاوقاف السوري بكلمة جاء فيها:

«إن الأديان السماوية تنهل جميعها من مصدر واحد هو الله تبارك وتعالى، وهي تضاء بمشكاة واحدة هي نور الله وهدايته، وترفد من معين لاينضب هو شرع الله وتعاليمه السمحة والإسلام خاتم هذه الأديان جاء ليكمل هذه الرسالات ويؤكد على نشر الإيمان ونور العلم والحضارة والاستفادة من ثقافة وحضارة كل الشعوب على اختلاف أجناسها وألوانها، فكل رسول من رسل الله جاء برسالة تناسب زمانه، وتحقق أهدافها في ذلك الزمان، وكلما تغيرت الحاجة، أتى طور من الديانة جديد يتفق مع الأديان السابقة في أصل الوحدانية الكبير ويختلف في فروعه وجزيئاته تبعاً لحاجات الناس، وتطور حياتهم، وأوضاعهم، ومستوى ثقافتهم، قال الله تعالى: (يا أيها الناس كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين (وقال أيضاً: (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا (.

إن أعباء هذا التفضيل والتكليف وما يتطلبه من جهود مستمرة لحماية قيم الأمن والحق والعدل واحترام حقوق الإنسان وتحقيق كرامته لمجرد كونه إنساناً مهما كانت عقيدته ومهما كان لونه وجنسه يتطلب حسن القيام بأعباء الاستخلاف الإنساني أو بتعبير آخر، أن تجسيد النبوة واعتماد معايرها في التعامل مع الذات ومع الآخرين هو الذي يؤهل الأمة لهذه الوسطية وهذه الشهادة وتنفيذ تلك القيم والمثل الإنسانية… وقد يكون المطلوب باستمرار تحرير معايير التقدم الحضاري وإبصار مقوماته، والاجتهاد في وضع البرامج والآليات لحسن ممارسته، وفك احتمال تلبسه بالأشخاص، والأجناس، والأقوام بحيث تبقى هذه المعايير قيماً مجردة منفتحة على بني الإنسان جميعاً، يمكن التحلي بها، والتعامل معها، واختيارها من قبل الجميع ومن واجب الجميع حمايتها وفق شريعة الله وكتابه الكريم…. ».

* * *

ووجه سمو الامير الحسن بن طلال كلمة فكرية الى المؤتمر معتذراً عن عدم الحضور بسبب التزامات سابقة جاء فيها:

«لا بد أولاً من التعليق على العنوان.

فالمفهوم ضِمْناً من هذا العنوان أن مشروعَ حوار الحضارات قد انطلق. وعلينا - نحن المؤمنينَ بجدواه - أنْ نستأنفَه، وأن نعززَه بشتى الوسائل والسبل؛ حتى يشب عن الطوْق، ويتغلغلَ في الوِجْدان، ويصبحَ مَعْلماً لا يتزعزع من معالمِ عالمنا.

والحق أن الحوارَ متأصل في الحضارة العربية الإسلامية. فحين انطلق الإسلام من شبه الجزيرةِ العربية، انهمك على الفوْر في حوار مَعَ الثقافاتِ السائدة آنذاك. ولوْ عدْنا مثلاً إلى الثمانية قرون من الوجود العربي الإسلامي في إسبانيا، لوقعْنا على فتراتٍ طويلةٍ من التعايش السلمي بين مختلِف المِلَل والنحل. فقد كان للمسيحيين واليهود على حد سواء حضور في المناطق العربية الإسلامية. وفترات السلام والاستقرار امتدتْ زمناً كان كافياً لبزوغ ثقافةٍ عربيةٍ إيبريةٍ جديدة نَمَتْ بعد ذلك وازدهرتْ.

إن الأندلس التي تحققَ فيها هذا التجديد الثقافي تبقى في أذهاننا نموذجاً متألقاً للحوار بين الثقافات، وإنْ لمْ تكن النموذجَ النيرَ الوحيد عَبْرَ الدهور. [١] وكلها نماذج قامتْ على عدم الإكراه في العقائد والمعتَقَدات، وعلى التسامح والانفتاح الثقافي، وعلى توجهٍ لا إقصائي بالنسبة لجميع الطوائف والجماعات.

من هنا جاء احترامنا الكبير في السنواتِ الأخيرة لرؤية الرئيس محمد خاتمي في هذا المضمار، ولمبادرات البابا يوحنا بولس الثاني».

وجاء فيها أيضاً:

«ولعل المشاركة الشعبية - من خلال البلديات والأحزاب والمنظمات غيْر الحكومية والهيئات الدولية وعَبْر القطرية - هي بيت القصيد في المثاقفة وتواصل الثقافات. وقد تكون من أبرز الآليات لتحقيق هذه المشاركة مؤتمرات المواطنين داخلَ البلدانِ نفسها وفيما بين البلدان. وهذه مؤتمرات تجمع بين الخبراء وصانعي القرار من السياسيين، ومواطنين مدربين على المناقشة مَعَ الآخَرين. هكذا نوسع قاعدةَ الحوار حتى لا نبقى رهائنَ الغرَفِ والقاعات المغلقة، وأسرى النخَبِ الضيقة.

من هنا جاء اقتراحي بإنشاء "برلمان للثقافات"، تتمثل فيه ثقافات العالم بأسْره، من عربية وإسلامية وهندية وصينية وأفريقية ولاتينية وأوروبية وأمريكية. وليس سرا أن مجلسَ الأمن في هيئة الأمم قد تعاد هيكليته في الأعوامِ القادمة بحيث يشتمل على ثلاثة مجالس: واحِد للأمن السياسي، وآخر للأمن الاقتصادي، وثالث للأمن الاجتماعي. ويتساءل المرء عن الأمن الثقافي ومكانته في اهتمامات هيئة الأمم. فعسى أن يملأ برلمان الثقافات المقترَح فراغاً في هذا السياق».

* * *

وبعث الدكتور المنجي بوسنينه المدير العام للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم كلمة جاء فيها:

«حوار الحضارات وتثاقفها، وتواصلها، وتنافذها، يعد من أبرز الموضوعات الشاغلة للفكر الإنساني في هذا اليوم وقبل اليوم. وقد دللت الأحداث الأخيرة على مدى الحاجة الماسة لمثل هذا الحوار وتكثيفه ومواصلته على كل المستويات، ولاسيما منها المستوى الثقافي بعد أن تكشف للعيان في هذه الشهور الأخيرة أن بعض الدول التي تنتمي إلى حضارات أخرى، وبالتحديد الدول الغربية كانت تحجب عن أبنائها ومواطنيها الانفتاح على الحضارات الأخرى ولاسيما الحضارة العربية الإسلامية، وأن مناهجها التربوية ومطبوعاتها ومواقفها تظهر جهلاً بهذه الحضارة، وتتعمد إساءة فهمها وتأويلها بما يخدم وجهة نظرها، ويفرز أجيالاً من الإعلاميين والسياسيين والمثقفين لم تمكنهم معارفهم وثقافتهم من الحيلولة دون الوقوع في أخطاء جسيمة علمية أقلها الغلو والتحامل والجهل بالمنظومة الفكرية الإسلامية، وعدم التمكن من قراءتها على نحو جلي ومنصف ومحايد».

* * *

وألقى الدكتور فيصل كلثوم مدير مركز الدراسات الاستراتيجية في جامعة دمشق كلمة جاء فيها:

«أمام مؤتمرنا هدف جليل، ألا وهو الوصول إلى إجابة مشتركة للتساؤل الدقيق الذي يطرحه المؤتمر كعنوان له: كيف نواصل مشروع حوار الحضارات؟ .

ويستمد هذا الهدف أهميته من الوضع الراهن الآن في عالمنا المعاصر مما يجعل عنوان مؤتمرنا سؤالاً من أكثر الأسئلة إلحاحاً على الإنسان المعاصر، والتي تحتاج إلى جواب دقيق رهيف واضح.

فمجريات الأحداث العالمية المذهلة والمريرة بآنٍ واحدِ، وما يتسق معها ويرادفها ويمهد لها أحياناً من طروحات فكرية، تستدعي وقفة للتأمل وإعمال الفكر وإيجاد الإجابات المناسبة، وذلك على شتى الصعد التي نعيشها، فبعد تحول العالم بالفعل إلى قرية كونية، وفرض التفاعل الحضاري نفسه كواقع لامناص منه، أخذت بعض الطروحات تجد طريقها إلى وسائل الإعلام المختلفة، مسلطة الضوء على حقائق منقوصة من جهة، بينما هي تعتمد إلغاء أو طمس بقية الحقائق، وهذه الطروحات ما هي إلا عبارة عن نظريات لا تعدو أن تكون مجسدة لمنطق الوظائفية السياسية المستندة إلى ما يمكن أن نسميه منطق القوة بدلاً من قوة المنطق، أو بتعبير أوسع من خلال ما يمارس اليوم في العالم بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية: حضارة القوة بدلاً من قوة الحضارة».

* * *

وبعث الدكتور عبد العزيز التويجري رئيس المنظمة الاسلامية للتربية والعلوم والثقافة (الايسيسكو) ورقة بين فيها رؤية المنظمة للحوار بين الحضارات جاء فيها:

«انطلاقاً مما جاء في الاستراتيجية الثقافية للعالم الإسلامي من أنه لا يمكن في وقتنا الحاضر لأية ثقافة أن تعيش مستقلةً بذاتها؛ حيث أصبحت التعددية الثقافية والترابط بين الثقافات حقيقة قائمة، وعملاً بما ورد في هذه الاستراتيجية من ضرورة ابتعاد العالم الإسلامي عن الخلافات الفقهية والمذهبية والحرص على أن لاتطغى هذه الخلافات بحيث تعوق مسيرة التعاون والعمل المشترك، ما دام الاتفاق حاصلاً وقائماً وراسخاً حول الأصول والثوابت، وفي ضوء ما أكدته الديانات والثقافات الأخرى وما كان لهذا الانفتاح الديني ولروح الحوار من آثار إيجابية على الثقافة الإسلامية التي تركت بدورها الأبواب مفتوحة لمنجزات إنسانية وثقافية عديدة أخذت عنها الكثير، تعتزم المنظمة الإسلامية مواصلة العمل في مجال الحوار الثقافي بين المسلمين داخل العالم الإسلامي وخارجه، الذي سيتوج بوضع استراتيجية للتقريب بين المذاهب الإسلامية، وتعزيز الثقافة الإسلامية للأقليات والجاليات الإسلامية في إطار استراتيجية العمل الثقافي الإسلامي في الغرب التي أعدتها المنظمة الإسلامية، وتفعيل الحوار بين الثقافة الإسلامية والثقافات الأخرى الذي شرعت المنظمة تبلوره من خلال إعداد دراسات مرجعي

ة وبثها عبر الإنترنيت بلغات عمل المنظمة.

ومن بين المحاور ذات الصلة بمجال الحوار بين الحضارات، التي ضمها هذا المجال، نذكر المحور الأول الذي يتعلق بالتفاعل بين الثقافات، وآليات التواصل بين الثقافة الإسلامية والثقافات الأخرى، وآفاق التصدي للتحديات الثقافية التي تواجه العالم الإسلامي، في حين يركز المحور الثاني على مجالات التبادل الثقافي بين المسلمين ووسائل تعزيزه وسبل تطويره؛ خاصةً فيما يتعلق بتشجيع تبادل المنتوج الثقافي بين المسلمين والتعريف بمختلف أوجه الإبداع الفكري للأمة، وتفعيل دور الأقليات المسلمة في الخارج والعقول المهاجرة في تصحيح صورة الإسلام، ونقل نتائج التقدم العلمي والتكنولوجي إلى العالم الإسلامي».

حوار الحضارات أسسه وقواعده

في هذا المحور قدمت عدة بحوث نستعرضها فيما يلي:

بحث قدمه الاستاذ الشيخ محمد علي التسخيري الامين العام للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاسلامية تحت عنوان: «قيم الحوار والتعايش في الرؤية الثقافية الاسلامية» جاء فيه:

«الاختلاف صبغة كونية أصلت للحياة ألواناً مختلفة من التفكير والسلوك، وجعلت التباين بين الناس في رؤاهم ونظرتهم للأشياء هو الأصل، بعد أن كانوا أمة واحدة (وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا (ومرد ذلك إلى الاختلاف في الطبائع الوراثية والتنشئة والتكوين والتجربة والأهواء وغيرها. فليس ممكناً في الواقع وجود شخصين متفقين في كل الأشياء بنسبة مئة بالمئة، كما لاوجود لشخصين مختلفين بنسبة مئة بالمئة أيضاً، فالاختلاف والاتفاق قضيتان نسبيتان تتراوح نسبتهما بين الواحد بالمئة والتسع والتسعين بالمئة. وهذا لا يعني عدم وجود حق مطلق، ولكن هذا الحق المطلق هو الذي يحدده الله تعالى فقط أو من يخولهم من عباده كالأنبياء والأوصياء والملائكة. وكذلك تعتبره الفطرة نافذة إلهية لمعرفة الحق كما لايعطي هذا الاختلاف حقوقاً متساوية لكل المختلفين في الانتساب للحق، بل إن للاختلاف مرجعية مطلقة ليست من اختراع المختلفين يقول تعالى: (إلى الله مرجعكم جميعاً فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون (، و (إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون (، فالحكم لله في مواطن الاختلاف، وحكمه عبر عنه في كتابه الكريم، الأمر الذي يلغي مفهوم التعددية في مرجعية الاختلاف بالنس

بة للمسلمين.

وهنا يأتي الحوار ليعطي للاختلاف بعداً إنسانياً يضعه في شكله الطبيعي، ولا يسمح له بالتحول إلى طاقة تدميرية، بل إن الحوار يخفض من مستوى سلبيات الاختلاف ويرفع من مستوى ايجابياته: ليكون الاختلاف في هذا الإطار رحمةً وخيراً ودافعاً للإطلاع والمراجعة المستمرة. وهذا البعد يمنح الحوار مضموناً مصيريـاً وموقعاً مهماً في استمرار الحياة بطعمها المستقر، وإبقاء الجنس البشري بمستوى ما حباه الله من عقل وقدرة على التفكير والاختيار.

إن الحوار أداة للكشف عن الحقائق والأشياء الخفية، ومن خلاله تتم الإجابة على كثير من علامات الاستفهام والإشكاليات العالقة في الذهن، أو تزيد من القناعات الذاتية، كما يمكن من خلاله كشف الباطل ودحضه وكشف مؤثرات بطلانه ودلائله. وبشكل مجمل فإن الحوار ينضج الأفكار والقرارات؛ ففي الجانب الفكري والثقافي - مثلاً ينمي الحوار الأفكار ويعمقها، ويشذبها مما يعلق بها من انحراف أو جمود أو شوائب، ويحرك العقل باتجاه الإبداع والتجديد والتحرر، في الحدود التي تفرضها مرجعية الاختلاف. وفي الجانب السياسي والاجتماعي، يؤدي الحوار الدور نفسه في تنضيج القرار الاجتماعي والسياسي وإشعار الآخرين بالمسؤولية وبأهمية الموقع الذي يحتلونه، بل إن بعض أنماطه تعد في دائرة المسلمين لوناً من ألوان الشورى».

* * *

وتقدم الباحث السوري الدكتور ماجد شدود بورقة تحت عنوان: «حوار الحضارات وآفاق المستقبل» استعرض فيها قضايا العولمة والصراع الدولي وأسباب الاعلان عن صراع الحضارات، وعن الآفاق المستقبلية لحوار الحضارات، ثم قال:

«مما تقدم تبرز أهمية مشروع حوار الحضارات، وينبغي التعامل معه على قاعدة واسعة من الوعي والحكمة والمعرفة والسلوك العقلاني. وهذا يتطلب الابتعاد عن ردود الأفعال الآنية الظرفية السريعة في مقابل دعوى صراع الحضارات، ويتطلب الابتعاد عن إشكالية التجاذبات السجالية والغرق في القضايا الجزئية الثانوية والهامشية التي قد تؤدي إلى تغييب فهم الحقائق القائمة وتغييب تحديد الوسائل المناسبة للتعامل معها، وهذا يعني أن مشروع حوار الحضارات يتطلب مفاهيم وأساليب عمل ترتكز على الإبداع والابتكار لتطوير مفاهيم الحوار وأساليبه وتعميق آلياته ومتطلباته، وتحديد أهدافه ومقاصده. يجب النظر لحوار الحضارات كحاجة معرفية، ومنهجية وعلمية وحضارية يتكون الحوار منها، ويتقوم بها، ويتطور من خلالها ويصوب باستمرار من خلال المتابعة والتدقيق لها.

وقضية حوار الحضارات يجب أن تحتل مساحة واسعة من الاهتمامات النظرية والبحثية للجامعات والأكاديميات ومراكز البحث. وعلى الصعيد الرسمي للدول والمؤسسات والمنظمات الدولية العامة والمختصة، لتشكل رداً على دعوى صراع الحضارات، ولتؤسس للبديل الإيجابي الفاعل وهو منطق الحوار والتفاعل بين الحضارات».

* * *

والقى الدكتور علي عقله عرسان رئيس اتحاد الكتاب العرب بحثاً تحت عنوان «نحو معيار حضاري» جاء فيه:

«الحوار بين الثقافات لا ينقطع، وينبغي له ألا ينقطع، لأنه كتيارات الماء والريح توفر للأجواء النقاء بالحركة، وتحقق التفاعل بالتداخل، وتكسب الوجود تنوعاً وغنى، والحوار يجعل الثقافة تفيض جدة وتجدداً، ويسبغ على الحياة لوناً من المتعة، ويعطي كل ما حوله جرعة من الأمل ودفقة من الحيوية.

وحوار الثقافات يؤدي إلى تواصل وتفاهم أفضل بين الشعوب، إذ تفضي المعرفة المتبادلة إلى تعارف أعمق وأشمل يزيل ما يعلق بالأذهان من أوهام وما يتكون في النفوس من ضغائن ينميها التباعد، ويؤسس الحوار للصداقة ويزيل بؤر التوتر والعداوة، التي غالباً ما يغذيها الجهل والذاكرة العامرة بترسبات الأفكار السلبية عن الآخرين، وبأحداث التاريخ المثقل بالخصومات وتراكم مخلفاته والمواجهات التي يحفظ تفاصيلها؛ وطالما قدمت المعرفة المشوهة عن شعب أو ثقافة أو شخص رصيداً لسوء الفهم والشك والخوف والحقد، وأسست من ثم للبغضاء والعداوة والحرب.

إن مراجعة بسيطة مثلاً لصورة الإسلام التي رسمها له رجال الدين المسيحي في العصور الوسطى وقدموها للشعوب الأوربية، على أرضية من الجهل به وبرسالته ورسوله، ومن التحامل الواضح عليه وعلى معتنقيه والطمع بأرضهم وخيراتهم والرغبة في قهرهم، تبين لنا كم أسس الجهل للحرب والحقد، وكم استفاد المستغلون والمغامرون من انقطاع جسور التواصل بين الشعوب ومن غياب الحوار البناء بينها، وكم أثر ضمور الوعي المعرفي سلبياً في حياة الناس وعلاقاتهم».

* * *

وقدم الاستاذ زكي الميلاد رئيس تحرير مجلة الكلمة من المملكة العربية السعودية بحثاً تحت عنوان: «من أجل بناء نظرية لحوار الحضارات» استعرض فيها نظريات غارودي وهنتنغتون، وأشار الى مايجري في ساحة العالم الاسلامي في هذا المجال ثم قال:

«ومع أن قضية حوار الحضارات من قضايا العالم الكبرى، وهي شديدة الارتباط برؤيتنا وتفكيرنا لمسألتنا الحضارية ولمستقبلنا وعلاقتنا بالعصر والعالم، إلا أنه لم تتخصص لهذه القضية مجلة فكرية واحدة في الوطن العربي، تساهم في دراسة هذه القضية وتطوير المعرفة بها، وبناء التواصل بين المفكرين والباحثين حول الاهتمام بها، ولكي تكون من الصور الحسية في تجسيد هذه القضية، وبطموح أكبر كان يفترض أن ينهض لهذه المهمة مركز متخصص للدراسات والبحث يتعامل مع قضية بهذا المستوى بقدرات علمية رفيعة، وبطريق تجمع العقول المفكرة والمتخصصة، وبمنهج يراكم المعرفة ويطورها، خصوصاً وأننا أمام مشكلة حساسة وخطيرة وهي أن معارفنا عن حضارات العالم لا نكونها بأنفسنا، ولا نستقل بمعرفة خاصة بنا، وإنما نرجع فيها إلى دراسات الغربيين وبحوثهم الموسوعية والمهيمنة على هذا الحقل، والأشد من ذلك حساسية وخطورة أنه حتى معارفنا عن حضارتنا بدأنا نأخذها من دراسات الغربيين، فعمليات التنقيب والحفريات الأثرية والتاريخية في منطقتنا، لسنا من ينهض بها، وهكذا في عمليات البحث والتحقيق وصيانة المخطوطات المجهولة والقديمة والمتآكلة، بالإضافة إلى حماية الآثار والمواقع الأثرية والحفاظ

عليها والعناية بها والتشجيع عليها، غالباً ما يأتي من الغربيين، فكيف ندخل في حوار بين الحضارات ونحن لا نعتمد على أنفسنا في تكوين المعرفة بحضارتنا، ونفتقد من جهة أخرى إلى معرفة بالحضارات في هذا العالم!

إذن لابد من وجود نظرية نرتكز عليها في مشروع حوار الحضارات لتحويل هذا المشروع إلى فلسفة للحضارة، وتحويل هذه الفلسفة لبرنامج حضاري ينهض بالعالم الإسلامي».

* * *

وقدم الاستاذ الدكتور عبده عبود استاذ الأدب المقارن والنقد الحديث في كلية الآداب بجامعة دمشق بحثاً تحت عنوان: «الأدب وحوار الحضارات» جاء فيه:

«إن الأدب، كما هو معروف، مكون أساسي من مكونات أية حضارة، ومرآة لها في وقت واحد. فهو يعبر عن الأوضاع الحضارية، والخصوصية الحضارية، والقيم التي تنهض عليها حضارة الأمة. ولذا من البداهة أن تظهر فيه التناقضات الحضارية القائمة بين الأمم. ولهذا السبب يمكن أن تشكل دراسة الآداب أحد المداخل الممكنة لحوار الحضارات. إلا أن ذلك يتطلب أن تدرس الآداب على ضوء ذلك الهدف من جهة، وأن تدرس بطريقة مقارنة، تتجاوز الأدب الواحد إلى أدبين أو أكثر من جهة أخرى. فالأدب المقارن لا يكتفي بدراسة الأدب داخل حدوده اللغوية والثقافية القومية، بل يتجاوز ذلك الإطار إلى ما هو أوسع منه. إن الأدب المقارن، بطبيعته ومفهومه، يتخطى الحدود القومية للآداب، ويتعامل معها من موقع فوق قومي (supranational)، وهذا موقع ضروري بالنسبة لمن يدرس الأدب كجزء من ممارسة حوار الحضارات».

* * *

وتقدم الدكتور عمار جيدل أستاذ العلوم الاسلامية بجامعة الجزائر بورقة حول «متطلبات الحوار الحضاري» استعرض فيها التنوع الحضاري على الساحة البشرية وقال:

«انتهينا بعد هذا العرض إلى أن للخلفية الفكرية للحضارات الحاضرة أهمية عظيمة في تجنيد أتباعها في عملية الحوار، التي تهدف أساساً إلى الإقرار بالتنوع الحضاري كظاهرة إنسانية.

ولا يمكن للحوار المبتغى تحقيق التضامن والتآزر إلا إذا كان وليد تفاهم عام يشمل الثقافة والاجتماع وغيرهما من شؤون الحياة، وواضح أنه لا يقرر هذا الأمر إلا إذا كان واضح المقاصد، يرمي إلى الفهم المتبادل المؤسس على قراءة الآخر من خلال مصادره ووفق ما قرره السواد الأعظم من أتباعه، بشرط أن تكون ميادين الحوار متجانسة ومن طبيعة واحدة.

ولكي ينتج المرغوب به ينبغي تحديده بمجموعة من الشروط، على رأسها دمقرطة المطلب الحضاري، وطريقه إشاعة الحرية وإزالة كل ما من شأنه عرقلتها، كهيبة المحاور المتولدة من خوف ضياع الوظيف أو الرغيف أو … احتقار المحاور أو ما يقرب منه.

ولا يتأتى الخلوص إلى المراد إلا إذا ساهمت الأمم باختيارها الحر السيد في الحوار الحضاري، وتجنيدها في سلكها يفرض سوقها إلى المشاركة الحضارية بطريق قادتها الذين اختارتهم بمحض إرادتها، وبهذا نضمن النتائج الاجتماعية للحوار».

* * *

وعن «ثقافة حوار الحضارات» قدم الأب الدكتور انطوان ضو أمين عام اللجنة الاسقفية للحوار المسيحي الاسلامي مقالاً جاء فيه:

«ثقافة الحوار هي ثقافة صنع السلام بين جميع الناس والشعوب والدول والأمم على الأرض كلها. انطلاقاً من احترام إيمان وحضارة وثقافة وحرية كل إنسان على الأرض. إنها مشروع خلاص وسلام ومحبة العالم كله.

إن الحوار والتسامح والغفران هو حاجة سياسية ملحة. وهو القادر على إحلال السلام في القلوب والنفوس وبين المواطنين وفي الدول.

ثقافة الحوار تنظر إلى الذات وإلى الآخر المختلف أيضاً. وتعمل من أجل إخصاب الإخاء والتعاون والوحدة بين البشر.

إنها تهدف إلى حل النزاعات ووقف الصراعات والحروب والمعاناة والاضطهادات والتصفيات الجسدية والخسائر المادية واليأس والحقد والكره والغضب والتمييز والثأر.

أخيراً إننا ننظر إلى كل إنسان باحترام وحنان ومحبة. ونحترم إيمان كل إنسان وحضارته وثقافته وهويته. ونعم بوعي وثقة وإيجابية وتفهم وتفاهم وسلام من أجل فتح أبواب الحوار والثقة والمحبة والسلام والرجاء بين خلائق الله في هذا العصر الجديد».

* * *

والدكتور رحيم محياوي أستاذ العلوم السياسية بكلية الحقوق في جامعة عنابة الجزائرية تقدم بدراسة حول «المسألة الحضارية وإيجاد العلاقات الانسانية المتوازنة» جاء فيه:

«لقد تحدث الغرب إلينا - نحن الجزائريين - بأسلوب ولغة خاصة، وتحدث إلى الأفارقة بأسلوب آخر فهو يخاطب الجنس الأسود قائلا: " إن عقلك لايمكن أن يصبح متحضراً، فالأجناس في الدنيا صنفان: جنس صانع للحضارة وجنس غير صانع للحضارة، والجنس الذي لا يصنع الحضارة يستغل لخدمه صانع الحضارة.

يقول الإنسان الغربي إلى الإنسان الإفريقي: " لست صاحب حضارة وقد أنكر على الإفريقي حضارة ماضيه، أما بالنسبة لنا - نحن الجزائريين - فقد مسخ ماضينا، والمسخ أسوأ من الإنكار، يقول مالك بن نبي: "…. إننا نواجه مشكلة حضارية ثقافية لايمكن أن تتحقق إلا من أجل حضارة، وهكذا فإن كل سياسة وكل نظام…. ينبغي أن يسعى إلى هذه الغاية.

لقد كنا - نحن الجزائريين - أثناء الحقبة الاستعمارية الفرنسية معلقين بين السماء والأرض. نبحث عن الذاتية " الأنية" بتعبير ابن سينا، وهو الشعور بالذات المتميزة القائمة بذاتها مستقلة عن غيرها.

لقد كنا نقاوم جميع الأمراض النفسية وبذلك ضمنا لأنفسنا الديمومة والحياة عبر العصور والأعاصير».

* * *

وعن «آفاق المستقبل الانساني والتحديات» قدم الاستاذ علي المؤمن مدير المركز الاسلامي للدراسات المستقبلية دراسة جاء فيها:

«يتميز مشروع حوار الحضارات بنزعته المستقبلية؛ من خلال توظيف غاياته لبناء مستقبلٍ أفضل للإنسانية، فهو مشروع للمستقبل أكثر من كونه مشروعاً للحاضر، ككل المشروعات الأساسية الكبرى التي تسعى للتغيير بعيد المدى. ومستقبلية المشروع تعبير عن واقعيته وجديته، إذ إن سرعة التطورات التي يشهدها الواقع الإنساني جعلت الحاضر لحظة عابرة يصعب الإمساك بها، ودفعت البشرية لتعيش المستقبل بكثير من تفاصيله. وفي هذا الإطار تتبلور فلسفة حوار الحضارات، والمتمثلة في إيجاد مساحات مشتركة للقاء والتفاهم والتكامل بين مستقبلات «Futures» المجموعات السكانية ذات الهوية الحضارية المستقلة، والعمل على التقريب بين هذه المستقبلات للخروج بمشهد «سيناريو» ينطوي على وحدة المصير الذي تواجهه البشرية».

* * *

وقدم الدكتور محمد علي آذرشب رئيس مركز الدراسات الثقافية الايرانية – العربية بحثاً تحت عنوان: «مقدمة فكرية لتواصل حوار الحضارات» جاء فيه:

«أبرزت سنة حوار الحضارات مشكلة العالم الإسلامي ومشكلة العالم الغربي.

مشكلة العالم الإسلامي تتمثل في توقف حركته الحضارية بشكل عام. وهو توقف حركة حضارية لأمة تمتلك ديناً يشحن الإنسان بطاقة هائلة للحركة. وهذه الطاقة العظيمة إن لم تستثمر على طريق البناء الحضاري، فإنها ستتحول إلى ردود فعل يشوبها الطيش وعدم التعقل والانفعال. وهذا ما هو مشهود في عالمنا الإسلامي، ولعل أحداث أفغانستان و١١ أيلول من مظاهر ردود الفعل هذه.

ومشكلة العالم الغربي هو تخوفه من الحركة الحضارية في العالم الإسلامي، ومحاولته صد هذه الحركة عن طريق إشعال بؤر الفتن وإثارة النزاعات الحدودية والإقليمية، ومحاولة احتواء الأنظمة وهدم الهوية الثقافية … كل ذلك جعل عودة الحركة الحضارية الإسلامية تبدو بعيدة المنال، ومن هنا فإنه يجعل نفسه (أي العالم الغربي) أمام طاقة دينية متفجرة، ولا بد أن يتخذ منها أحد سبيلين: إما أن يقتلع جذور الدين من المجتمعات الإسلامية، وهو مستحيل، وإما أن يواجه دائماً ردود فعل طبيعية أو غير طبيعية تؤدي إلى صدام مستمر لا ينتفع منه إلا من يكره المسلمين والغرب معاً، وهم في اعتقادنا الصهاينة العالميون».

* * *

وتقدم الاستاذ إدريس هاني من المملكة المغربية بدراسة تحت عنوان: «الاوهام المؤسسة لحوار الحضارات» فرق فيه بين «الحوار» و «الاستباحة» وفيه أفكار تستحق التأمل والوقوف عندها طويلاً، ومما جاء فيه:

«إن الصورة النمطية البشعة للإسلام في المتخيل الغربي، هي حيلة من حيل الشعور بالذنب تجاه أبشع صور الإرهاب والإبادة التي قام بها الغرب ضد المستعمرات، إن الغرب السياسي يملك كل وسائل الخداع لكي يجعل من الداليلاما، رسول السلام، ويمنحه جائزة نوبل للسلام، لتتحول "التبت"إلى عاصمة الأسرار الروحية، التي تثير فضول وحماسة الغرب. ولكنه في الوقت ذاته يجد في الصين مشروع إرهاب الدولة الذي ينتهك هذا السحر الروحي للشرق ويلوث التراث البوذي. والحال أن الطقوس البوذية - التبتية - هي واحدة من الطقوس الشرقية التي طالما سخر منها الغرب.

ولكن المهم أن الغرب يبدأ موقفه المعادي حيث يبدأ موقف الصمود. فأدلوجة السوق الحرة منزوعة الروح، ولكنها تقبل بمداعبة سحر الأديان مسلوبة المقاومة. وهذه هي مشكلتهم مع الإسلام. لقد كان الإسلام ضحية فرادته وتميزه عن البروتستانية المدجنة. كونه ديناً منخرطاً في الشأن العام وليس علاقة خالصة بين الفرد وخالقه. بل هو علاقة بين الإنسان والإنسان… ورؤية للمجتمع وللعالم وتدبير للنفس والمدينة… أي بوصفه ديناً يسد الطريق على العلمنة. لسبب بسيط هو أنه بالمنظور الغربي هو دين علماني مادام له اهتمام بالشأن الدنيوي. إن إصلاحاً دينياً بالمعنى التاريخي الغربي، للإسلام يعني حذفاً للقسم الأهم منه وهو الموجه لتنظيم الحياة وتدبير المجتمع. أي إنه إلغاء للجانب الأكثر علمانية من الدين. وتلك هي المفارقة التي وضعتهم فيها حيل المقايسة. إنها بالأحرى ليست معركة علمانية ضد الإسلام، بل هي معركة بين العلمانية التاريخية القائمة على دعم التقشفية والإلهام البروتستانتي بالمفهوم الفيبري، وبين علمانية الإسلام التي وضعتهم في حرج».

* * *

وحول أطروحة فوكوياما تقدم الدكتور ابراهيم القادري بوتشيش من جامعة مولاي اسماعيل بمكناس في المملكة المغربية بدراسة تحت عنوان: «نهاية التاريخ أم بداية لحوار الحضارات» جاء فيها:

«إن نظرية "فوكوياما" حول نهاية التاريخ بقدر ما هي قضية فكرية جريئة ومثيرة للجدل والنقاش، فإنها لا تستند إلى مقومات علمية دقيقة لابتعاد صاحبها عن القاعدة الثابتة التي تشكل منطلق المؤرخ، وهي النزاهة والموضوعية. أما وقد سقط في شباك التحيز حين وضع فكرته في خدمة السياسة الأمريكية الرأسمالية، وصاغ أفكاره بروح انبهارية تحت نشوة انتصار النظام الدولي الجديد، فإن هذا التوجه المهندس سلفاً، جره إلى السباحة في عالم تخيل فيه أن التاريخ قد انتهى وأغلق أبوابه بعد انتهاء الحرب الباردة، متناسياً أن بوادر تكتلات سياسية أخرى بدأت تطفو ملامحها، كما أن أوروبا نفسها بدأت تعلن عدم خضوعها لنظام العولمة الجديد، دون أن ننسى أن القوى التحررية الاسلامية بدأت في الانتفاض والتفكير في تكتلات اقليمية وجهوية، وتطمح ليكون لها موقع قدم في خارطة القوى المؤثرة رغم هيمنة الغرب. ومن ثم فإن ظهور أطروحة نهاية التاريخ في عصر ما، ليس سوى علامة على مخاض الفكر الذي يدشن تأمله في حقبة جديدة تصبح البداية وليست النهاية، بداية لحضارات خلقت - تاريخياً - لتتحاور وتتعايش، ليس فيها الغالب والمغلوب، بل حضارات سوية ومتكاملة».

* * *

أما الدكتور هيثم الكيلاني رئيس تحرير مجلة قضايا استراتيجية معاون رئيس المركز العربي للدراسات الاستراتيجية فقدم بحثاً واسعاً عن «دور المجموعة الحضارية الاسلامية في مشروع الحضارات». ومما جاء فيه:

«من معالم التاريخ المعاصر، أن الحضارات لا تسيطر على الدول، وأن الدول، وبخاصة الكبرى، هي التي تسيطر - بشكل ما من الأشكال - على الحضارات، وأن ما يحرك المجتمعات هي مصالحها المادية والمعيشية. يضاف إلى ذلك أن المجتمعات تستعمل الحضارة عندما يكون ذلك في مصلحتها. ويعني هذا أن الحضارة ليست المصدر الأساس للنزاع في العالم الجديد.

لعل الشرط الأول للحوار، هو الانطلاق من نظرة حيادية موضوعية، خالية من الحب أو من العداوة، على الرغم من أن عملية التحاور ليست فكرية ومعرفية فحسب، بل هي اعتقادية ومنهجية وسياسية أيضاً، إضافة إلى أنها عملية مستمرة ومتجددة، فهي مجددة للعلاقة بالآخر، ولنظرة الواحد إلى الآخر، ولنظرة الواحد لنفسه، وبذلك يكون الحوار عامل تجديد.

وإذا كانت الحضارة الإسلامية تفقد اليوم دافع القوة للانتشار ولتوسيع رقعة مشاركتها في بناء الحضارة الإنسانية، فإنها تمتلك قوة الثقافة ومنظومة القيم اللتين برهنتا على قدرة فائقة في التجدد والنهوض، حتى جعلتا الحضارة الإسلامية أحد الخيارات الحضارية الكبرى في العالم المعاصر وفي التاريخ. وهي القدرة التي دفعت التيار المعاصر المنادي بصدام الحضارات إلى التحذير من هذه الحضارة.

وعلى هذا فإن في الحضارة الإسلامية ما يؤهلها لأن تكون فعلاً وليس رد فعل، أي أن تكون مؤثرة فاعلة في نقل العلاقة بين الحضارات من صعيد الصدام إلى صعيد الحوار. إننا بذلك نستطيع أن نكتشف عناصر التقدم والنهوض والمكونات الحية في الحضارات، كما نكتشف، في الوقت ذاته، عوامل التخلف ومسببات التراجع. ذلك أن من بين أهداف حوار الحضارات البحث عن العناصر المشتركة بين الحضارات في المجالات المختلفة. فلكل حضارة إبداعاتها وإنجازاتها وفتوحاتها. وبذلك ننقل العلاقة بين الحضارات من صعيد التصادم، حيث أطروحة الصدام تحرض الغرب على مقاومة انبعاث الحضارات الأخرى وحيث أطروحة نهاية التاريخ تدعو الحضارات الأخرى إلى الالتحاق والاندماج بالحضارة الليبرالية الغربية المنتصرة كخاتمة للتاريخ، ننقل هذه العلاقة من صعيد التصادم إلى صعيد التحاور».

الحضارت… حوار أم صِدام؟

في هذا المحور قدمت عدة دراسات نستعرضها فيما يلي:

قدم الدكتور موسى أبو مرزوق من قادة الحركة الفلسطينية ورقة تحت عنوان «حوار الحضارات والقضية الفلسطينية جاء فيها:

«١ - بدأ التراجع والانزلاق الخطير فـي المشروع الفلسطيني منذ اللحظة التي بدأ فـيها بعض السياسيين والمثقفـين الفلسطينيين يطرحون إمكانية وجود طرف آخر صهيوني يمكن الحوار معه، وذلك خلافاً لمنطلقات الثورة الفلسطينية، وكان ذلك فـي نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات عن طريق محمود عباس وبسام أبو شريف وسري نسيبة وغيرهم.

٢ - الاستعداد للحوار مع الآخر الصهيوني يعني القبول به والاستعداد للاعتراف بمشروعية وجوده، وهنا تكمن الكارثة الوطنية.

٣ - ما تقدم أدى إلى الانخداع بمسألة الفراق بين اليمين واليسار الصهيوني، وتضليل القيادة المتنفذة فـي م. ت. ف بإمكانية الحصول على جزء من حقوقنا عن طريق الحوار و التفاوض مع العدو.

٤ - التحول الحقيقي الذي حدث نتيجة للحوار بين الجانبين؛ فالطرف الفلسطيني هو من تنازل عن ثوابته، وأصبح جزءاً من رؤية الطرف الآخر، إذ إنه الطرف الأقوى وهو الذي يفرض رؤيته.

٥ - نموذج أوسلو كان دليلاً على استحالة الحوار بين القاتل والضحية، والقوي والضعيف، إذ إن كل بنود الاتفاقية جرت صياغتها لتخدم المشروع الصهيوني، وتخرجه من مأزقه الحقيقي الوجودي فـي المنطقة.

٦ - الطرف الفلسطيني ذهب إلى الحوار مجرداً من كل سلاح، بل وتعهد أن يتنازل عن كل مصادر قوته، فـي حين عزز الطرف الآخر هذه القوة على طاولة الحوار والتفاوض. وما يجري الآن داخل فلسطين ناتج عن تفاوض وحوار يفتقر إلى مقومات إجرائه، فالقوي - وهو الكيان الصهيوني - إذا لم يتفق مع الضعيف على الطاولة، بإمكانه المضي فـي خياراته الأخرى، أما السلطة فإنما ألزمت نفسها بخيارات هي أقرب إلى الاستسلام وإعلان الهزيمة.

٧ - كل محاولات السلطة للحوار مع أمريكا واعتبارها الوسيط القادر على فرض الحل التسووي على الكيان الصهيوني باءت بالفشل، وتأكد بما لا يدع مجالاً للشك بالدعم المطلق والتحالف الوجودي للغرب وأمريكا والعدو الصهيوني، وخابت كل الرهانات الخاسرة للسلطة فـي هذا الاتجاه ونتيجة لذلك فإنها تعيش مأزقاً حقيقياً.

٨ - ثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن صراعنا على أرض فلسطين مع الكيان الصهيوني لا يقبل حواراً ولا حلولاً وسطاً، ففلسطين إما أن نحافظ على هويتها العربية والإسلامية عبر إنهاء المشروع الصهيوني فـي المنطقة وإما أن يستمر الصراع حتى يتحقق ذلك، فالطرف الآخر يعد هذه الأرض كرؤية توراتية أرضاً صهيونية وعده بها الرب ومن ثم لامكان لغيرهم فـيها، وهو لا يفاوض حتى يعطينا حقوقنا بل ليتجاوز أزمته الوجودية التي يسببها تمسك شعبنا بأرضه ومقدساته».

* * *

وأيضا حول «مركزية فلسطين في الحوار المفترض بين الحضارات» قدم الدكتور رفعت سيد أحمد مدير مركز يافا للدراسات والابحاث في القاهرة دراسة هامة جاء فيها:

«عندما نتحدث عن «حوار الحضارات»، كدعوة وقيمة أخلاقية (سياسية وإنسانية وثقافـية)، ترد إلى الذهن مباشرة معانٍ راقية من القيم، والمفاهيم، أو ليس الحوار، هو أعلى مراتب التفاهم بين الأمم والشعوب؟ أوليس الحوار صورة متقدمة من (التعارف) الذي حثنا عليه قرآننا الكريم (وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا (؟ !

بيد أن هذه المشكلة فـي حوار الحضارات، كدعوة لا نشك فـي إخلاص أصحابها من أبناء حضارتنا العربية / الإسلامية، يقف دونه العديد من العقبات الحقيقية؛ منها ما هو عام عالمي، إنساني ومنها ما يتصل بواقعنا الإسلامي؛ فعلى المستوى الأول المستوى العالمي والغربي تحديداً، تأتي الطبيعة العدوانية شبه الثابتة التي تميز الحضارة الغربية بإجمال تجاه حضارتنا وشعوبنا، وهي طبيعة تزداد وضوحاً اليوم بعد أن أثبتتها - للأسف - العلاقات الممتدة استعمارياً خلال القرون العشرة الماضية، بدءاً من الحروب الصليبية (١٠٩٦م) ومروراً بحملات الاستعمار الأوروبي (بدءاً بالحملة الفرنسية ١٧٩٨م) والغزوة الصهيونية المدعومة غربياً (١٩٤٨م) وانتهاء بأحداث (١١ / ٩ / ٢٠٠١م) الأمريكية وما تلاها فـي أفغانستان، وإنما كانت الطبيعة العدوانية الراغبة فـي الهيمنة والسيطرة هي السائدة فـي علاقة هذه الحضارة بغيرها من الحضارات والشعوب، وبخاصة حضارتنا وشعوبنا، وهي الطبيعة التي تقف عقبة جلية أمام أي حوار عاقل بين المفكرين ومؤسسات المجتمع المدني والتنظيمات السياسية الشعبية فـي بلادنا من ناحية ونظائرها هناك من ناحية أخرى، إن هذه الهيئات - للأسف - لا تزال تحتل مساحة ضئيلة هامشية

من التأثير فـي كتلة البشر الحاكمة لمسار الحضارة الغربية، وهي الكتلة التي تدير شؤون السياسة والإعلام والثقافة والاقتصاد فضلاً عن الجيوش، إنها الكتلة التي تصنع التاريخ وتعيد صياغته تماماً مثلما فعلت خلال القرون العشرة الأخيرة فـي نطاق علاقتها مع العالم، تلك - للأسف - هي العقبة الكؤود، التي ستعطل كل النيات الطيبة للحوار بين الحضارات لن تجدي معها مثل هذه المؤتمرات المحترمة، ولن تحرك لها ساكناً، وسيظل حديث المصالح وصراع الاستراتيجيات والأهداف هو المحرك للعلاقة المستقبلية بين الحضارات وليست النيات الطيبة التي يحملها المفكرون والمثقفون الشرفاء، ما دامت بقيت هذه الطبيعة والروح العدوانية مسيطرة وطاغية فـي هذا الغرب ولدى رأس قيادته: الولايات المتحدة الأمريكية».

* * *

الاستاذة الدكتور نادية محمود مصطفى استاذة العلاقات الدولية بجامعة القاهرة ومديرة مركز الحضارة للدراسات السياسية تقدمت بدراسة تحت عنوان: «اولى حروب القرن الواحد والعشرين ووضع الأمة الاسلامية» جاء فيها:

«لابد أن نتفهم مسؤولية التغيير في سياساتنا ومجتمعاتنا على النحو الذي انقطعت معه تدريجياً عن المرجعية الإسلامية، إلى درجه أنه إذا ظهر من يريد العودة لهذه المرجعية والاجتهاد انطلاقاً منها حول المجتمع والسياسة، أو من يرفض المظاهر السلبية لتأثير القيم والسلوكيات الغربية في مجتمعاتنا، فإنه يصبح بين عشية وضحاها متطرفاً، و يتحول في نظر المجتمع إلى إرهابي، وخاصة مع لجوئه إلى العنف…

إن الاعتراف بهذه الأمور يجعل العلاج المطلوب أكثر من مجرد سياسة ثقافية إسلامية إعلامية مستنيرة أو أكثر من مجرد دعوة إلى الإسلام العصري إنه يحتاج إلى علاج الأزمة، فيجب التمييز بين مشروعية الشعور بالذات والخصوصية وبين مشروعية رفض الآخر ليس لأنه آخر ولكن لأنه يريد استيعابي وإقصاء خصوصيتي. بعبارة أخرى لماذا لا يكون الشعور بالقلق الثقافي من الآخر الذي يسعى إلى الهيمنة الثقافية والحضارية مشروعاً مثل الخوف من الهيمنة الاقتصادية والسياسية؟

يجب أن نحاور أنفسنا بتياراتنا المختلفة العلمانية والإسلامية حتى نستطيع أن نحاور الآخر الغربي، أم هل سيتولى قيادة الحوار مع الغرب النخب العلمانية الرشيدة العقلانية فقط؟ وفي هذه الحالة عمن سيدافعون؟ وفيمَ سيتحاورون؟ »

* * *

وقدم الاستاذ الدكتور طيب التيزيني استاذ الفلسفة بجامعة دمشق بحثاً بعنوان: «صراع الحضارات بين الغرب الامريكي والاسلام» تحدث عن واجب المسلمين وهم يواجهون الخصم الامريكي وقال:

«أما الآن ونحن نعيش فـي عصر محاولات إنتاج «عالم معولم معسْكر بصيغة أمريكية، فإن واجباً عميقاً يتصدر المهمات التاريخية المطروحة أمام الشعوب الإسلامية والعربية خصوصاً، ويقوم - يداً بيد مع إنجاز مشروع القراءة العقلانية الحضارية والديمقراطية للإسلام - على خلق «تحالف تاريخي» بين تلك الشعوب، يتأسس على رؤية استراتيجية مفتوحة. ومهم أن يتم ذلك باتجاهين اثنين، البناء من الداخل، والحوار ـ وهذا يمثل أحد الاحتمالات - أو المواجهة مع المشروع الأمريكي والصهيوني العولمي، إذا اقتضى الأمر، وإذا ظل اتجاه التفرد الأمريكي بالعالم قائماً ويدفع به إلى الأمام بأدوات عسكرية تدميرية وتحت عناوين متعددة، مثل عنوان «الحرب ضد الإرهاب».

إن حواراً بين الحضارات هو ما يؤكد عليه الإسلام فـي بعده العقلاني الحضاري والديمقراطي. ولكن إذا ما فرضت المعارك على أنصار هذا الإسلام وأتباعه فإن ما يقتضيه الأمر يتمثل فـي الاستجابة لهذا التحدي، بكل الوسائل المتاحة.

وقد نقول: أخيراً، إن عصر العولمة الأمريكية يواجه انتفاضات فـي وجهها بدءاً من سياتل وانتهاء بانتفاضة الأقصى، ومروراً بالتململ العميق الذي يجتاح شعوب الغرب ضد العولمة عموماً، وفـي صيغتها الأمريكية الليبرالية المتوحشة بصورة خاصة».

* * *

والاستاذ الدكتور احمد برقاوي استاذ الفلسفة بجامعة دمشق تقدم أيضا ببحث عن «منطق العلاقة بين الحضارات» استعرض فيه عدة مبادئ لحوار الحضارات خلص منها الى قوله:

«استناداً إلى هذه المبادئ كلها فإن النقاش الدائر الآن حول (حوار الحضارات أو صراعها) نقاش عقيم أولاً، ولا يَنتج عقلياً من السيرورة التاريخية للحضارة.

فالحضارة القوية لا تحاوِر بل تهيمن، ولا تتأثر بغيرها بل تنتج مؤثراتٍ فـي غيرها حتى ولو اكتسبتْ منجزاتِ حضاراتٍ أخرى. والحضارة الراكدة لاتحاوِر هي أيضاً، بل تَسْتقبل كجهاز استقبالٍ ليس إلا، ولا يَنْتج من استقبالها كيف جديد للحضارة.

وبناء عليه لا يكون السؤال صحيحاً إلا إذا طرحناه على النحو الآتي: هل هناك إمكانيات قابعة فـي قلب الواقع تَسْمح لنا بالتفكير بصناعةِ حضارةٍ جديدةٍ؟ »

* * *

«المسلمون وحوار الحضارات بعد حوادث ايلول وبعدها» بحث قدمه الاستاذ الدكتور عبد النبي اصطيف من جامعة دمشق تناول فيها المشكلة القائمة اليوم في الحوار بين المسلمين والغرب، ثم قال:

«وبكلمات مختصرة: إن المشكلة ليست فـي الدعوة إلى حوار الحضارات؛ وليست فـي ضعف حجة المحاورين من المسلمين؛ أو ضعف إيمانهم بجدوى الحوار؛ إنها ليست فـي صميم الغرب، أو فـي عدم تفهم وجهة نظر المسلمين فـي قضية الحوار، بمقدار ما هي لا مبالاة الغرب بالمسلمين، لأنهم لا يملكون زمام المبادرة فـي أي حوار، ولا يملكون أي خيار فـي علاقاتهم بالآخر. إنهم يستجيبون لمبادرات الآخرين، يقبلون بها، أو يرفضونها، يردون عليها، أو يفندونها، يدعون إليها أو يناهضونها، ولكنهم غير قادرين بسبب ضعفهم وتفرقهم على أن يكون لهم خيار غير الخيار الذي يضعه أمامهم "الآخر" الذي تهمه مصالحه ويهمه ضمان مستقبل أفضل لمجتمعاته. وإذا كان هذا قابلاً للتحقق من خلال شروطه التي يستطيع فرضها، بل يجعل الآخرين من المسلمين يقبلونها حباً وكرامة، فلماذا يريد خوض حوار معهم ومصالحه مكفولة, والعالم الإسلامي بها زعيم».

* * *

ومن اسبانيا تقدم الاستاذ كارلوس بارونا ناربيون ببحث تحت عنوان: «من أجل إعادة اكتشاف القيم الكونية للاسلام» جاء فيه:

«نريد أن نقولَ باختصار وبتبسيط للعبارة، كما حاولنا أن نفعل على امتداد هذه المداخَلة، إنه ليس شيئاً حسناً أن يكون هناك حضارة واحدة على هذا الكوكب، بقيت على حساب إزاحة الحضارات الأخرى والقضاء عليها. ومع ذلك فمن المؤسِف أن هذه واحدة من النزعات التي تفاقمت في العقود الأخيرة. نعتقد أنه يجب أن يوجَد على المدى القصير الممكن نظام أرضي واحد لحقوق الإنسان والقوانين المدنية الدولية، التي عليها أن تلاحِقَ الطغيانَ والإرهابَ بطريقةٍ يجب أن تكون في كل مرة أكثر فعالية. أن توجَد حضارة إسلامية قوية وفاعلة بالتوازي مع الحضارة الغربية، التي انتشرت في كل أصقاع الأرض من خلال وسائل الاتصال والتجارة، ليس فقط شيئاً إيجابياً جداً بل وضرورياً للثراء المشترك. لذلك فإن على الإسلام أن يعثر بأسرع ما يمكن على مدخله الخاص إلى الحداثة، أو بالأحرى على حداثته الخاصة به، لا إلى الحضارة المنسوخة أو التي يمليها عليه الغرب، بل حضارته التي ترتكز على طبيعته (أي طبيعة الإسلام) وعاداته. هذا الطريق يجب أن يترك لأعضائه أن يعيشوا ويعبروا عن أنفسهم بحريةَ، دون أن تتعرض حياتهم نتيجة انتماءاتهم الدينية أو الفكرية أو الجنسية (المرأة)، رهينةً في يد أي إنس

ان أو أية قوة كانت».

* * *

ومن ايران قدم الاستاذ محمد صادق الحسيني ورقة تحت عنوان: «العالم بعد ١١ سبتمبر بحروف غير أمريكية» جاء فيه:

«ما يجري الآن من اجتياح إعلامي بلا حدود للإسلام والمسلمين تحت مظلة محاربة الإرهاب ما هي إلا البداية للحرب الحقيقية المفتوحة والشاملة برأيي؛ ضد إمكانية قيام أي كتلة إسلامية أو عربية مقاومة لمشروع العولمة المتوحش على الطريقة الأميركية.

ومن أجل أن تتفرغ أمريكا لمحاربة أوروبا واليابان والصين، واستكمال احتواء روسيا. إنهم يحاولون تثبيت صورتنا كمعتدين على الحضارة السائدة الغالبة وهي الحضارة الغربية الأولى والأسمى بنظرهم بالطبع، ومن ثم يخططون لاستسلامنا الكامل والشامل لنلتحق بهزيمة الاتحاد السوفـيتي فـي الحرب الباردة».

* * *

الدكتور طلال عتريسي أستاذ علم الاجتماع في الجامعة اللبنانية قدم دراسة تحت عنوان «حوار الحضارات والعلاقات الدولية» تحدث فيها عن الفرص المتاحة اليوم لتحقيق مبادئ الحوار، ثم قال:

«إن الحوار المتكافئ الذي يفترض اعترافاً بالآخر وقبولاً له لايمكن أن يحصل إلا فـي مناخ من الاستقرار الدولي الذي يفتقده العالم فـي هذه المرحلة. ولا يبدو أنه قريب التحقق فـي المستقبل المنظور. ومن أجل حماية فكرة حوار الحضارات والدفاع عن استمرارها وخصوصاً فـي هذه المرحلة التي أشرنا إليها، وحتى لا نبقى بانتظار تغيرات دولية مؤاتية لا نعرف متى ستأتي، ثمة أهمية استثنائية لدور الجمعيات الأهلية والمنظمات غير الحكومية التي تعاظم شأنها فـي السنوات الأخيرة، وخصوصاً المؤسسات الثقافـية ومراكز الدراسات والجامعات من بلدان العالم جميعاً فـي التواصل فـيما بينها من أجل تعزيز فكرة الحوار بعيداً عن تقلبات المصالح السياسية ومن أجل أهداف إنسانية مشتركة».

* * *

ومن جمهورية مصر العربية تقدم الاستاذ أحمد عبد الله بدراسة تحت عنوان: «بين حوار الاديان وحوار الحضارات» قدم في نهايتها مقترحات للمستقبل منها:

«أولاً: مقترح بتأليف كتاب مرجعي عن الأديان كثقافة وتجليات مشتركة أو مختلفة فـي الأقطار والأجناس المختلفة على مستوى الممارسة اليومية: أزياء - أطعمة - احتفالات… إلخ.

ثانياً: مقترح بدعم تدريب فريق من الناشطين والباحثين فـي الجوانب العملية والنظرية المتعلقة بحوار الأديان، ونقله إلى فضاء حوار الحضارات"، ونذكر هنا بمحاولات معهد الأديان بالأردن.

ثالثاً: مقترح بدراسة الحركات الدينية وتقييمها وتطويرها بوصفها حركات اجتماعية وثقافـية - لا مجرد حركات معارضة سياسية - والمساهمة فـي جذب اهتمامها لحوار الأديان والحضارات.

رابعاً: مقترح بعقد ندوة مشتركة مع الجهات المعنية لتقييم التجارب السابقة لحوار الأديان، والبحث فـي تطويرها والتنسيق بينها لتعظيم العائد منها.

خامساً: مقترح بتنشيط الدعوة التي تبناها الأمين العام للأمم المتحدة لتكوين مفوضية أو مستشارية خاصة بالأمم المتحدة تكون خاصة بالأديان، والقيادات الروحية مع التشديد على أهمية أن يشمل التمثيل الناشطين فـي المجال الثقافـي والاجتماعي أهلياً.

سادساً: مقترح بالسعي لإصدار إعلان عالمي - على غرار إعلان حقوق الإنسان وغيره - يتناول إبراز وتوجيه دور الأديان فـي حوار الشعوب وتعاونها من أجل الحرية والعدالة والتنمية المتوازنة، ولعل هذا يكون تتويجاً مناسباً فـي نهاية عام حوار الحضارات».

* * *

الدكتور وجيه قانصوه استاذ الجامعة اللبنانية قدم بحثاً تحت عنوان: «حوار الحضارات والتأسيس للمختلف» ذكر فيها الازمة الكامنة في الحوار الحضاري وقال:

«إذا كانت الأزمة المعاصرة للعالم هي كون الحداثة الغربية تدفع به إلى الهاوية، لا لأنها قامت على العقل والتقانة والثروة، بل لأنها استبعدت امتدادات الجمال والروح داخل الإنسان، فسطحته وحولته إلى شيء يستهلك، فإن الخطاب الديني المعاصر المحلي والخارجي بالمقابل، عجز عن مقاومة عملية التسطيح، وعن إغناء الأبعاد الروحية، وعن تنمية الخيال، وعن دمج عوالم الغيب فـي عالمنا خارج أطر المنظومات وتوازنات القوى.

ليست كل ظاهرة تدين هي تعبيراً عن حيوية وعودة للدين، بقدر ما يمثل بعضها رد فعل للانسداد المجتمعي والاختناق السياسي، يمثل حالة عنف وشكل انغلاقاً وتعصباً ضد الآخر، مشروع سلطة يوظف الخيال الديني فـي خطاب تعبوي وتضامني. وهذا يستدعى، انتشال الخطاب الديني من الاستغراق الكامل فـي المحليات واستحضار رهاناته الكونية المغيبة، التي توتر الأعماق الإنسانية وتستعيد الأبعاد المنسية فـي التكوين النفسي والذهني للإنسان».

* * *

ومن الجمهورية اليمنية قدم الاستاذ محمد محمد المقالح مقالاً تحت عنوان: «الحوار النقدي الداخلي ثم الحوار مع الحوار الحضاري الآسيوي» ومما جاء فيه:

«فـي عددها الصادر بتاريخ ٢٥ / ١١ / ٢٠٠١م كتب على الغلاف الخارجي من مجلة نيوزويك الأمريكية العنوان الآتي: (عصر حروب المسلمين !!…‍) وقد خصصت المجلة العدد برمته لتأكيد هذا المعنى وللقول: إن ما يجري اليوم فـي العالم من صراعات ومن حروب مسلحة وأعمال عنف وإرهاب هي فـي غالبيتها لاتعدو كونها إما حروب المسلمين ضد غيرهم أو حروب المسلمين ضد بعضهم بعضاً، موردة أرقاماً وإحصاءات معينة حاولت بها أن تؤكد فرضيتها هذه، ومع أن المجلة الأمريكية كتابها الثلاثة لم يسموا الحرب التي تشنها اليوم الولايات المتحدة وحلفاؤها على أفغانستان والعراق وفلسطين وغيرها من دول العالم الإسلامي، إلا بكونها «حروباً ضد الإرهاب» أي حروباً ضد المسلمين. ومع أنها «أي المجلة» لم تقل جديداً خلافاً لما سبق وأن كتبه كل من فوكوياما وهنتغتون وأعادا تكراره مراراً حول «حضارة» وتفوق الغرب الليبرالي مقابل «بربرية» وتخلف الآخرين وبدرجة رئيسية المسلمين، وإذا كان هناك جديد فـيها فهو فـي درجة التحريض وإثارة الكراهية ضد العرب والمسلمين، وصلت عند فوكوياما إلى حد من «الوقاحة» يصعب قبولها من قبل أي إنسان له علاقة بالفكر وبالثقافة خصوصاً، وهو يطالب فـي المقال المذكور القوات

الأمريكية وحلفاءها بشنق مقاتلي وقادة «القاعدة وطالبان» على أعمدة الكهرباء فـي الشوارع والميادين العامة معتبراً ذلك شرطاً ضرورياً، ونسي أن يقول حضارياً لإسقاط نموذجهم (أي المسلمين) أمام أنفسهم وأمام الآخرين، وحتى يكونوا عبرة لمن سيأتي بعـدهم ‍‍. !!»

* * *

وتقدم الدكتور هادي خانيكي من جامعة العلامة الطباطبائي بايران ببحث تحت عنوان: «الحوار مع الذات والحوار مع الآخر» تحدث فيه عن شروط الفهم الموضوعي للحوار وقال:

«مشروع حوار الحضارات من حيث أنه يبحث عن سبل إحلال العقل محل القوة فـي الساحة الدولية، هو مشروع ملتزم بقيَم الحداثة الأساسية، ويتجه إلى إقامة نظام دولي قائم على جميع معايير فلاسفة العصر الحديث. ولكن من وجهة نظر أخرى يمكن إقامة هذا المشروع على نوع من العقلانية الناقدة لقيم العصر الحديث أيضاَ، بحيث يتجه نحو نقد آليات العصر الحديث التي تنقض الحوار الحر.

صحيح أن مشروع حوار الحضارات يستهدف فـيما يستهدف مواجهة مشروع صدام الحضارات. ولكن يجب أن لا نفهم أن هذا المشروع يقتصر على إقامة حوار من أجل الحؤول دون حدوث عنف على الساحة العالمية. يبدو أن هذا المشروع يستهدف مساحة أوسع. يستهدف الحوار المسبوق بانفتاح طرفـي الحوار. الحوار الملتزم بالاستماع. الحوار الذي يبدأ باتفاق بين الطرفـين على إمكان النظر إلى الأمور من منظار الجانب الآخر. وبهذا الاعتبار، الحوار يعني تبادل فتح الحصون الحضارية بوجه الآخر. وهذا الانفتاح لا يحمل نوايا هضم الجانب الآخر، بل على العكس يقوم على أساس الاعتقاد بأن الجانبين سيقويان بسبب هذا الانفتاح. هذا التصوير لحوار الحضارات من حيث رفضه لنموذج الهيمنة الحالية فـي الساحة الدولية، قريب من القيم الحديثة، ومن حيث هو غير مسبوق بفكرة حذف الجانب الآخر من الحوار، فإنه يذهب إلى أبعد من قيم العصر الحديث».

* * *

ومن إيران أيضا قدم الدكتور رضا شعباني استاذ التاريخ في جامعة الشهيد بهشتي بحثاً تحت عنوان: «الحوار … ضرورة» جاء فيه:

«الحوادث التي مرت فـي القرنين الأخيرين فـي أعقاب الثورة الفرنسية (١٧٨٩م / ١٢٠٤هـ) أثبتت نهاية إمكان العيش فـي جوٍ آمن هادئٍ وديع نستطيع فيه أن نعيش براحة بال بمعزل عن العالم والعالمين. التجارب المؤلمة التاريخية أثبتت للعالم جميعاً وخاصة لنا نحن الشرقيين أننا يجب أن نواجه أزمات حياتية جديدة تتجاوز نطاق القبيلة والقوم والمنطقة وتفرض علينا قواعد للعبة عالمية جديدة فـي الحقل السياسي والاقتصادي والعسكري والثقافـي شئنا أم أبينا».

* * *

والاستاذ الدكتور سهيل زكار من جامعة دمشق شارك بدراسة تحت عنوان «حوار الحضارات… تواصل لا صراع» قدم فيه تقريراً عن المؤتمر الذي انعقد في جامعة الدول العربية تحت عنوان: «حوار الحضارات» وجاء فيه:

«على رأس مزايا العصر الذي نعيشه السرعة المتناهية في كل شيء: في المعلومات، والوسائط والأفكار، والتقنيات، لذلك يجد الإنسان نفسه في عالمنا، غالباً غير قادر على استيعاب كل ما يجري من حوله، فيقوم بردات فعل متفاوتة، لاعلى طريقة التحدي والاستجابة حسب مبدأ المؤرخ توينبي، بل على قاعدة الرفض ثم الإذعان، مع شيء من التظاهر بالتعامل المستقل، وهذا ما حصل تجاه أطروحة نهاية التاريخ، وأهم منها قضية صراع الحضارات والعولمة.

ويلاحظ من حيث المبدأ، أن الأطروحات الجديدة ظهرت في الولايات المتحدة الأمريكية، ومنها انتشرت، فكما تفردت الولايات المتحدة، منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، بالقوة العسكرية، أرادت أن تتفرد بفلسفة الحياة المستقبلية، وأن تغرض ذلك بالقوة، مع شيء كبير من الرعونة والصلف، والسلوكيات غير العقلانية، التي ترفض البحث في جذور القضايا وبواعثها، وذلك على العكس تماماً من فلسفات تاريخ الوقائع المتنوعة، ومدارس التعليل التاريخي».

* * *

والاستاذ سهيل العروسي من سوريا قدم ورقة عن «المستجدات على الساحة العالمية وحوار الحضارات» جاء فيه:

«إذا أردنا لمشروعنا الحضاري أن يستمر لابد من تنمية كل مفردات القوة وتطويرها للوصول إلى الحق، لأن الركون والاستسلام والاسترخاء لمنطق أن أمريكا ستتحلل من الداخل، وأن الحق معنا لا يكفـي لإلحاق الهزيمة بأعداء الحوار (ذلك بأن الله لم يك مغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم…. (الأنفال ٥٣».

* * *

والاستاذ هشام جعفر رئيس تحرير اسلام اون لاين. نت (الموقع العربي) قدم دراسة تحت عنوان: «من حوار الحضارات الى التواصل الحضاري» درس فيه مايجري على مواقع الانترنت من حوار، وما ينبغي على الجانب الاسلامي أن يفعله تجاه هذه المواقع على اختلاف توجهاتها، ومما جاء فيه:

«ماذا يعني أن يكون للإنترنت دور فـي التواصل الحضاري بين الشعوب والأمم؟ ما هو هذا الدور؟ وما هي الإمكانيات التي تتيحها هذه الأداة لتحقيق التواصل الحضاري بعد أن اكتسبت أهمية متزايدة فـي السنوات الأخيرة؛ حيث من المتوقع أن يصل عدد مستخدميها نهاية عام ٢٠٠٢ (١٢٩) مليوناً وما هو واقع حوار الحضارات على شبكة المعلومات الدولية؟ وما هي متطلبات تفعيل هذه الأداة من قبلنا - نحن العرب والمسلمين - فـي التعريف بالإسلام (ديناً وشريعةً) وتقديم عالَم المسلمين؟

هذه أمثلة لبعض الأسئلة الساذجة التي تعد ضرورية قبل الشروع فـي الحديث عن كيف يمكن أن تساهم الإنترنت فـي الانتقال بحوار الحضارات من أن يكون هم قطاعات من النخب الثقافـية والبحثية، إلى تحقيق تواصل حضاري حقيقي بين الأمم والشعوب، هذا الدور يجب أن يفهم فـي إطار محددات أربعة:

١ - الأداة: وأقصد بها خصائص الإنترنت التي تعد إضافة نوعية مختلفة إلى الأدوات الإعلامية السائدة، وتحولاً فـي طبيعتها وخصائص جمهورها.

٢ - الواقع: واقع الحوار الجاري الآن على الإنترنت وأشكاله، خاصة بعد أحداث ١١ سبتمبر، بالإضافة إلى بيان واقع المسلمين على شبكة المعلومات الدولية، ومدى مشاركتهم فـي فعاليات الشبكة.

٣ - المضمون: ونقصد به صورة الإسلام التي تقدم على الشبكة؟ وكيف يقدم عالَم المسلمين؟ وما متطلبات التعريف بالإسلام وتقديم عالم المسلمين؟ »

وأختتم البحث - الذي أعده بمنزلة مقدمة للموضوع - بخلاصة خبرة قامت بها شبكة "إسلام أون لاين. نت" بموقعيها: العربي والإنجليزي من واقع تغطيتها لأحداث ١١ سبتمبر التي فرضت عليها القيام بمجموعة من الأدوار والمهام مع تصاعد الضجة التي اتخذت اسم مكافحة الارهاب.

* * *

ومن جمهورية مصر العربية تقدمت الدكتورة باكينام الشرقاوي بدراسة تحت عنوان «حوار الحضارات من منظور إيراني» جاء فيه:

«تمثل الثورة الإيرانية عودة الثورات الدينية خلال العصر الحديث، وهو السياق الذي لابد أن يترك بصماته على الرؤية الإيرانية لكثير من القضايا المعاصرة.

وتمر إيران عقب الثورة الإسلامية - عند خاتمي - بمرحلة جديدة من إعادة بناء الحضارة، ورأى خاتمي فـي حواره مع الـ / سي. ن. ن / أن الإيرانيين يبحثون عما بحث عنه مؤسسو الحضارة الأمريكية منذ أربعة قرون ولهذا يشعرون بـألفة فكرية لمعنى جوهر الحضارة الأمريكية.

هناك خصوصية لسياق الجدل الثقافـي والفكري الإيراني، لقد فرضت الثورة العديد من الأسئلة الهامة على المفكرين الإسلاميين، هل يستطيع الحكم الإسلامي مواجهة التحديات العلمية والاجتماعية المعاصرة؟ هل الديموقراطية البرلمانية ملائمة للإسلام؟ وكيف يمكن إيقاف أو قلب المسيرة المتقدمة للعلمانية وكيف تكون مواجهة الغرب؟ وتمت الإجابة على هذه الأسئلة بطرق مختلفة فـي مناخ على الرغم من تقييده سياسياً بشكل نسبي إلا أنه مزدهر فكرياً. ليس الدين المصدر الوحيد لأيديولوجية الثورة بل إن الشعبية أحد الروافد فقط، ومن ثم فإن التنوع والتعدد فـي المصادر هو إحدى السمات الرئيسية للخريطة الإدراكية الإيرانية».

* * *

بعد ذلك لابد من الاشارة الى أن الدكتور حسن حنفي من كلية الآداب بجامعة القاهرة شارك بدارسة منشورة في هذا العدد، ولابد أن نشير أيضاً الى أن حواراً جاداً كان يعقب الدراسات، ومن جميعها خرج المؤتمر ببيان ختامي وتوصيات على النحو التالي:

البيان الختامي والتوصيات

«نظراً لضرورة استمرار مشروع حوار الحضارات باعتباره مشروع الإنسانية التواقة إلى حياة كريمة تصون عزة الإنسان وكرامته، ولما تحمله مجموعتنا الحضارية من مقومات فكرية وخلفية تاريخية تراثية تؤهلها لتقديم مشروع إنقاذ البشرية من الصراع والنزاع، ولأهمية مراجعة واقعنا الداخلي لتجاوز الخلل الموجود في حياتنا الحضارية، وخاصة فيما يرتبط بضرورة عودة حركتنا إلى طريق المساهمة في العطاء الفكري والتقني والمعنوي على الساحة البشرية، ولحاجتنا الماسة إلى بلورة خطابنا الحضاري على ضوء معرفة الذات ومعرفة ما يحمله الآخر من فهم لنا……

أقام مركز الدراسات الثقافية الإيرانية العربية التابع للمستشارية الثقافية للجمهورية الإسلامية الإيرانية بالتعاون مع المركز الدولي لحوار الحضارات في طهران ومركز الدراسات الاستراتيجية في جامعة دمشق مؤتمراً تحت عنوان «كيف نواصل مشروع حوار الحضارات» في دمشق خلال الأيام ١٩ - ٢١ / ١ / ٢٠٠٢م.

قبل جلسة الافتتاح تشرف الوفد الإيراني المشارك في المؤتمر برفقة سعادة السفير والمستشار الثقافي الإيراني بمقابلة سيادة الدكتور بشار الأسد رئيس الجمهورية العربية السورية، وفي هذه الجلسة تفضل السيد الرئيس بتوجيهات علمية فكرية هامة من أجل أن يحقق حوار الحضارات أهدافه المرجوة لما فيه خير أمتنا وعزتها وكرامتها والتغلب على ما يواجهها من تحديات.

كما التقى الوفد السادة وزراء الإعلام والثقافة والسياحة في الجمهورية العربية السورية ورئيس جامعة دمشق ودارت خلالها أحاديث هامة بشأن الضرورات الملحة القائمة أمام أمتنا في حقل الثقافة والعلم ومواجهة التحولات العالمية.

في جلسة الافتتاح شارك جمع من كبار المسؤولين السياسيين والحكوميين السوريين إضافة إلى جمع غفير من العلماء والمفكرين وأصحاب السماحة والغبطة من رجال الدين الإسلامي والمسيحي.

وفي هذه الجلسة وجه سيادة السيد محمد خاتمي رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية نداء إلى المؤتمر أشار فيه إلى أهمية مشروع حوار الحضارات وضرورة استمراره، ودور أمتنا الإسلامية في تفعيله، والمشاكل التي تعتري طريقه.

ثم توالت جلسات المؤتمر لليومين التاليين صباحاً ومساء ألقيت فيها بحوث تناولت محاور المؤتمر وهي:

- متطلبات استمرار مشروع حوار الحضارات: في الحقل العلمي، وفي الجانب الثقافي، وفي الإطار الإعلامي.

- مستقبل البشرية على ضوء مشروع حوار الحضارات: العلاقات الدولية القائمة وآفاق المستقبل، الحالة الثقافية الراهنة وآفاق المستقبل.

- الوضع الاجتماعي والأخلاقي في العالم واحتمالات المستقبل.

- دور المجموعة الحضارية الإسلامية في مشروع حوار الحضارات: المؤهلات الموجودة في المجموعة الحضارية الإسلامية، المطلوب من هذه المجموعة لكي تدخل ساحة حوار الحضارات، سبل التعاون الرسمي والشعبي لمواصلة المشروع.

- إنجازات سنة حوار الحضارات وسبل مواصلتها: المؤتمرات والندوات والدراسات وسبل مواصلتها، عطاء سنة حوار الحضارات في ساحة العلاقات بين الحكومات والشعوب وكيفية تفعيل هذا العطاء، تجربة المركز الدولي لحوار الحضارات في طهران وكيفية إثراء هذه التجربة.

- المستجدات على الساحة العالمية وحوار الحضارات.

ولقد ناقش المجتمعون الأوضاع العالمية الراهنة، وتطورات الأحداث خاصة بعد الحادي عشر من سبتمبر / أيلول ٢٠٠١م وكيف أثرت على العالم أجمع، بأفكاره وشعوبه وسياساته.

ومع تطورات الأحداث في فلسطين، والتي وصلت إلى ذروتها هذه الأيام من اعتداءات صهيونية غاشمة مدعومة، صار الحديث عن الحوار بين الحضارات ضرورة لكشف زيف المعتدين الذين يلتحفون برداء وقشرة حضارية غير حقيقية، وصار الحوار الحضاري، ضرورة، لتخليص العالم من الإحن والصراعات وخلق تفاعل إنساني، وتعارف إنساني سليم.

إن المجتمعين في هذا المؤتمر، وبعد مداولات عدة ومناقشات غنية، وحوارات بناءة، تفاعلت فيها الآراء من المدارس الفكرية السياسية المتعددة، رأوا أن حوار الحضارات ضرورة لأمتنا من هذه اللحظة التاريخية الفاصلة، وهو ضرورة مبنية على العزة والإيمان بأننا أمة حوار، وبأننا نعي رسالتنا نحو العالم أجمع.

واقترح المجتمعون جملة من آليات العمل لكي تضمن استمراراً حقيقياً لمشروع حوار الحضارات، وهي بإيجاز:

١ - الدعوة لإنشاء مركز أبحاث عربي إسلامي متخصص في مشروع حوار الحضارات تكون نواته العلمية ممن شارك في مؤتمرنا هذا.

٢ - تفعيل آليات مقاومة المشروع الصهيوني في المنطقة باعتباره عقبة كؤود تقف دون حوار حضاري حقيقي بين الحضارات.

٣ - بعد سنوات من طرح المشروع على مستوى الفكر والحركة، هناك حاجة في هذه المرحلة التأسيسية إلى تقويم اتجاهات الفكر والحركة وتحديد ثمارها ومحصلتها، من حيث تحديد الاتجاهات المختلفة التي تناولت فكرة «حوار الحضارات» قبولاً أو رفضاً.

٤ - بعد أن نال النقاش بين الاتجاهات المختلفة حول «حوار الحضارات» حظه الوافر في مجال الاهتمام بالفكرة، لابد من الانتقال إلى تقويم ما يتم طرحه حتى الآن من آليات وأدوات لتطبيق الفكرة، وما تم طرحه من قضايا تمثل مضمون الحوار.

٥ - ضرورة الانتقال من مرحلة الاهتمام بالحديث عن «حوار الحضارات» إلى تصميم الحركة وتنفيذها للدخول في حوار جادٍ، وهذا يتطلب تحديد قائمة بأولويات موضوعات الحوار وقضاياه وذلك على ضوء متطلبات وحاجات الأمة الإسلامية.

٦ - الاهتمام بالتنسيق والتعاون بين الدول والمنظمات التي تدير مشروعات للحوار، خاصة بين منظمة المؤتمر الإسلامي وجامعة الدول العربية، بل وكذلك بين المنظمات المدنية التي تعمل في نفس المجال. فإن خدمة أهداف حوار الحضارات لن يتحقق بالجهود الرسمية فقط ولكن أيضاً بجهود المنظمات والمؤسسات غير الحكومية.

٧ - تأسيس موقع على شبكة المعلومات يتضمن بنك معلومات (الكتب، المقالات، الوثائق، المؤتمرات) التي تخص المشروع، وتغذيتها المستمرة. على أن تكون خطوة نحو تكوين شبكة على الموقع تجمع بين المهتمين والعاملين في هذا المجال من مختلف أرجاء العالم الإسلامي.

٨ - الاهتمام بدعم المراكز البحثية المعنية بالموضوع مباشرة أو التي تتطرق إليه من مشروعات، والتنسيق فيما بينها على اعتبار أن هذه المراكز العلمية تمثل قاعدة لتوليد الأفكار ولتدريب الكوادر البحثية الشابة.

٩ - هناك حاجة ماسة إلى حوار داخلي إسلامي، وهذا يستدعي تحديد دقيق ووافٍ للقضايا الخلافية الرئيسية والعمل على إجراء حوار بين القراءات المتعددة، بهدف وضع أيدينا على ثوابتها والمساحة المشتركة بين التيارات الفكرية المختلفة، ويعد هذا مطلباً أساسياً عند انطلاق ممثلي حضاراتنا الإسلامية في حوارها مع الحضارات الأخرى.

١٠ - إعداد أرشيف بكل ما نشر من كتابات عربية وفارسية وأجنبية عن «الحوار بين الحضارات» يكون عوناً للباحثين في بحوثهم القادمة، والتحضير لنشره في موقع خاص على الشبكة العالمية. وبحث إمكانية إصدار نشرة دورية، ترصد ما يتصل بحوار الحضارات من نشاطات ومنشورات في الوطن العربي والإسلامي والعالم بشكل عام.

١١ - تخصيص جائزة سنوية لأفضل بحث يساهم على نحو متميز في إغناء جوانب من مسألة «الحوار بين الحضارات».

١٢ - ترجمة البحوث الأجنبية الجيدة المتصلة بحوار الحضارات إلى العربية والفارسية حتى يتيسر للباحثين المسلمين الإطلاع عليها.

١٣ - إدانة الإرهاب بكافة صوره، ومن أي جهة أو مصدر كان، واعتبار الإرهاب لادين له ولا هوية، ومن الضروري التمييز بين الإرهاب المذموم والمقاومة المشروعة.

١٤ - رفض المقولات التي تصور العلاقات بين الدول والأمم والثقافات والهويات على خلفية الصدام والصراع بين الحضارات والثقافات، أو لغة التفوق بين الثقافات أو البحث عن عدو جديد، والتأكيد على ضرورة الحوار والتعارف والتواصل بين الحضارات.

١٥ - التأكيد على مواصلة مشروع حوار الحضارات وإنه ليس مشروع سنة، وإنما هو مشروع مستدام لبناء مستقبل أفضل ومن أجل أن يعيش العالم في أمن وسلام ورفاه.

١٦ - الدفاع عن القيم والمبادئ والأخلاقيات المشتركة بين الأمم والثقافات والحضارات والدعوة إليها كالعدالة والحرية والحقوق.

١٧ - من حق الأمم والثقافات أن تبتكر لها نموذجاً في التنمية، ونمطها في التطور الحضاري المستقل، بعيداً عن كل أشكال السيطرة والهيمنة والتدخل الخارجي.

١٨ - يتقدم المشاركون بالشكر لمركز الدراسات الثقافية الإيرانية العربية بالمستشارية الثقافية على جهوده في خدمة حوار الحضارات وبلورة مشروعه سواء في مؤتمره الأول سنة ٢٠٠٠م «كيف ندخل سنة حوار الحضارات»، أو في هذا المؤتمر سنة ٢٠٠٢م «كيف نواصل مشروع حوار الحضارات»، ويطالبون بتنظيم ورشات عمل وحلقات بحث دورية في مركز الدراسات العربية الإيرانية، تتناول جوانب مختلفة من مسألة «الحوار بين الحضارات» تنشر وقائعها وتوزع على المهتمين.

١٩ - يقدر المشاركون اهتمام السيد الرئيس خاتمي بالمؤتمر ويشكرونه ويطلبون اعتبار ندائه الموجه وثيقة من وثائق المؤتمر».



[ Web design by Abadis ]