ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 القضية الفلسطينية في العلاقات العربية الايرانية * \ أحمد صدقي الدجاني

استهلال

إخواني وأخواتي

سلام الله عليكم ورحمته وبركاته

أوجه تحية باللسان الفارسي: «وقت شما بخير» مساءكم خير – و «أز ديدار شما مسرورم» - إنني سعيد برؤيتكم - «وإن شاء الله حال شما خوبه» - إن شاء الله أنتم بخير – وهي تحية عطرة من واحد من أبناء فلسطين العرب لكل إخوته الإيرانيين.

ـ

* - ورقة الاستاذ الراحل في ندوة العلاقات العربية – الايرانية / الاتجاهات الراهنة وآفاق المستقبل - الدوحة ١٩٩٥.

أشير إلى أنه حتى بداية القرن العشرين الميلادي الذي شهد حدوث صدع في ثقافتنا في الدائرة الحضارية العربية الإسلامية، كان الخاصة من أقوامنا يتحدثون العربية والفارسية والتركية. وأنا أسمع مذ كنت طفلا أن جد والدتي وجدي لأبي كانا يتقنان الفارسية. وقد لفت انتباهي حين تفتحت أن كتابي المخلاة والكشكول لـ بهاء الدين العاملي شأن كتاب الكشكول للبحراني فيه مقاطع بالفارسية التي تستخدم في الكتابة الحرف نفسه المستخدم في كتابة العربية. وكم سعدت حين تعرفت على الأدب الفارسي مترجماً وقرأت أشعاراً للشيرازي والسعدي وجلال الدين الرومي وغيرهم. ولن أنسى تلك اللحظات الرائعة التي عشتها مؤخراً مع «أم البنين» نقرأ معاً قبل النوم مقتطفات من شعر مولانا جلال الدين من كتاب صدر حديثاً في أبو ظبي يورد الشعر بالفارسية ثم يقدم ترجمته العربية، فكنت أترنم مستمتعاً بحلاوة الوزن والقافية وأنا أتلو بالفارسية، ثم نستمتع بالمعاني الرفيعة وزوجتي تقرأها بالعربية. وإن لنا أن نتطلع إلى يوم قريب نرأب فيه الصدع الذي أصاب ثقافتنا.

إن من أهم الأفكار التي بلورتها هذه الندوة هي ضرورة تكثيف العمل لرأب الصدع الذي أصاب ثقافتنا وفصل بين الثقافتين الفارسية والعربية في حضارتنا العربية الإسلامية المعاصرة. وقد أقبل أجدادنا من قبل، منطلقين من قول رسول الله (ص) «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، على النهل من ثقافات فارس والهند والصين وأفريقيا، فقطفنا ثماراً طيبة من أعمال ابن المقفع وأمثاله وقرأنا فيما قرأنا من حكم الفرس ماجاء في كتاب جاويدان خرد – الحكمة الخالدة – جمع أمر العباد في أربع خصال، «العلم والحلم والعفاف والعدالة». وكم نحن تواقون اليوم من خلال ما سمعناه في هذه الندوة إلى تحقق التفاعل الثقافي بين إيران والوطن العربي وبقية أنحاء عالمنا الإسلامي ليقوى إسهامنا في تجدد عالمنا الحضاري…

تمهيد

تحتل قضية فلسطين منذ بروزها قبل أكثر من قرن مكاناً مهماً في العلاقات العربية – الإيرانية، بحكم ما مثلته الغزوة الصهيونية الاستعمارية لفلسطين في قلب «الوطن العربي والعالم الإسلامي» من تحد لشعوب الدائرة الحضارية الإسلامية كافة، ومنها شعوب الأمة العربية والشعوب الإيرانية. وقد دخل هذا التحدي مرحلة جديدة في أعقاب زلزال المنطقة عام ١٩٩١ مع انعقاد «مؤتمر سلام الشرق الأوسط» في مدريد يوم ٣٠ / ١٠ / ١٩٩١، وسعي الولايات المتحدة الأمريكية إلى فرض نظام إقليمي على «الدائرة الإسلامية» باسم «نظام الشرق الأوسط»، تكون القيادة فيه للكيان الصهيوني الاسرائيلي.

سيتناول هذا البحث قضية فلسطين في العلاقات العربية – الإيرانية في إطار ندوة «العلاقات العربية – الإيرانية، الاتجاهات الراهنة وآفاق المستقبل»، محاولاً أن يعالج وفق مخطط الندوة «موقع قضية فلسطين ومدى مركزيتها لدى الأخوة العرب والإيرانيين، وموقعها بالنسة إلى الأمن القومي لكل منهما، وآثار محاولات التسوية الراهنة للصراع العربي – الإسرائيلي في العلاقات العربية – الإيرانية».

حين نتحدث عن علاقات عربية – إيرانية، تتداعي إلى الخاطر دائرة الوطن العربي ودائرة إيران المتجاورتين في «عالم إسلامي» ازدهر فيه عمران حضاري إسلامي منذ أربعة عشر قرناً، بعد أن حمل رسالة الإسلام وتمثل حضارات المنطقة. ويخطر على البال أن مصطلح «العالم الإسلامي» الذي تقع فيه الدائرتان مصطلح حديث استخدمه الكتاب الغربيون منذ القرن الماضي للدلالة على «ديار المسلمين»، الممتدة من المغرب الأقصى على المحيط الأطلسي غرباً إلى إقليم سينكيانغ في الصين شرقاً، ومن أواسط آسيا شمالاً إلى أفريقيا المدارية جنوباً. وقد شاع استخدامه في الأوساط الإسلامية بعد صدور كتاب حاضر العالم الإسلامي في العشرينيات متضمناً تعليقات الأمير شكيب أرسلان على ماكتبه لوثروب ستودارد الأمريكي في كتابه عالم الإسلام الجديد الذي ترجمه عجاج نويهض. ويخطر على البال أيضاً أن مصطلحاً غربياً آخر أكثر حداثة هو «الشرق الأوسط» أصبح اليوم أكثر شيوعاً في الاستخدام بين الغربيين للدلالة على الجزء الأكبر من «ديار المسلمين». ويبدو من تطور مدلول هذا المصطلح الذي استخدم أول مرة عام ١٩٠٢ أنه تأسس على «الشأنين النفطي والفلسطيني»، على حد تعبير معين حداد في مقاله: «مفهوم الشرق

الأوسط»، وأنه ارتبط بالفكر الاستراتيجي البريطاني، كما أوضح جلال معوض في مقاله «الشرق الأوسط: الدلالات…»، ومن ثم بالفكر الاستراتيجي الأمريكي، وقد شرح كاتب هذا البحث هذه المصطلحات في كتابيه عن المستقبل… وفي مواجهة نظام الشرق الأوسط.

إن عامل الجوار الجغرافي هو أحد العوامل المهمة التي تحكم العلاقات العربية – الإيرانية وموقع قضية فلسطين في هذه العلاقات. وهذا ما حدا ببعض العرب المشتغلين بالعلوم السياسية أن يضعوا إيران ضمن مصطلح «دول الجوار» المحيطة بالوطن العربي. لكن هناك عوامل أخرى تحكم هذه العلاقات العربية – الإيرانية عددت منها ورقة عمل هذه الندوة «روابط تاريخية وجيوستراتيجية ومصالح مشتركة وتحديات النهوض المعاصر»؛ وجماع هذه العوامل هو الانتماء إلى حضارة واحدة. وهذا ما يحدو آخرين من العرب المشتغلين بالعلوم السياسية إلى إبراز هذا الانتماء الحضاري، والحديث عن «دائرة الحضارة الإسلامية» التي يسمونها أيضا «دائرة الحضارة العربية الإسلامية» لإبراز اللسان العربي الذي غلب التعبير به عنها لأن القرآن الكريم نزل به. وقد يجري اختصار المصطلح إلى «الدائرة الإسلامية»، وهو المصطلح الذي استخدمه جمال عبد الناصر في كتابه فلسفة الثورة. ويحرص هؤلاء على تجنب استخدام مصطلح الشرق الأوسط للدلالة على هذه الدائرة، ومن الملفت أن المؤتمر القومي العربي الخامس اعتمد في بيانه مصطلح «الدائرة الحضارية» هذا، حين رصد «الاستقرار النسبي لعلاقات الدول العربية مع كل من إيران و

تركيا في إطار النظر إلى العرب في دائرتهم الحضارية الأوسع»، وحين أكد «ضرورة تطوير الجوانب الايجابية مع هذه الدائرة الحضارية التي تمثل في الوقت نفسه عمقاً استراتيجياً للأمة العربية بما يضمن المصالح المشتركة للطرفين ويصون الروابط الروحية والحضارية العميقة التي تربط بينها».

وفي ضوء حقيقة انتماء كل من الوطن العربي وإيران إلى دائرة الحضارة الإسلامية التي شارك في بنائها مسلمون ونصارى ومؤمنون آخرون، يتحدد مفهومنا للعلاقات العربية – الإيرانية. فهي علاقات بين شعوب الأمة العربية والشعوب الإيرانية على الصعيد الشعبي تضع نصب العين المشروع الحضاري لكل منهما بأهدافه جميعها، وهي أهداف متماثلة في جوهرها بحكم الانتماء الواحد الحضاري والظروف المتشابهة التي أحاطت أثناء بلورتها، تشمل تحرير الأرض من الاحتلال الأجنبي، ووحدة الأمة والوطن، والشورى والديمقراطية، والتنمية التي توفر الكفاية، والعدل الاجتماعي، والتجدد الحضاري. وهي أيضاً علاقات على الصعيد الرسمي بين الدولة الإيرانية والدول العربية، فرادى ومجتمعين، في إطار النظام العربي الذي تمثله جامعة الدول العربية، وفي إطار التجمعات الإقليمية العربية.

أولاً: موقع قضية فلسطين لدى كل من العرب والإيرانيين

تحتل قضية فلسطين موقعاً خاصاً لدى كل من الاخوة العرب والإيرانيين. وقد تجلت هذه الحقيقة في اهتمامهم الكبير بها منذ بروزها قبل أكثر من قرن في مراحلها المتتالية واحدة تلو الأخرى، وفي بلورتهم هدف تحرير فلسطين، هدفاً عظيماً يضعونه نصب أعينهم ويحلمون بتحقيقه ويسعون له. ويبدو ارتباط كل من الاخوة العرب والإيرانيين بقضية فلسطين قوياً تمتد جذوره في أعماق التاريخ من خلال الذاكرة التاريخية، وهو مستقر في الضمير الشعبي. وليس أدل على قوة هذا الارتباط وعمق جذوره من أن التحولات التي أحاطت بشعوب الأمتين العربية والإيرانية، وبقضية فلسطين على مدى أكثر من قرن، لم تؤثر في ثبات هدف تحرير فلسطين، وإن أثرت أحياناً في درجة الاهتمام بقضية فلسطين، نقصاناً أو زيادة.

حين نتأمل في أسباب احتلال قضية فلسطين هذا الموقع الخاص لدى كل من الاخوة العرب والإيرانيين نقف أمام سببين رئيسيين، يتصل الأول بفلسطين، بينما يتصل الآخر بقضيتها.

فلسطين في الضمير الشعبي لكل عربي وإيراني أرض باركها الله، فيها المسجد الأقصى الذي يقترن بالإسراء والمعراج عند المسلم، وفيها كنيسة القيامة التي يحج إليها النصراني، وفيها الحرم الإيراهيمي ومرابع الأنبياء الذين يؤمن بهم المسلم والنصراني واليهودي. وزيارتها من ثم حلم يسعى الواحد إلى تحقيقه. وهي في الذاكرة التاريخية للعربي والإيراني تقترن بأحداث منذ أقدم العصور تهز أوتار قلبه حفظتها روايات قصص الأنبياء منذ الطوفان. كما تقترن بأحداث منذ ظهور الاسلام هي جزء من تاريخه الحي بما حفل به من انتصارات وهزائم وأمجاد ونكسات. وقد احتلت أحداث الغزو الفرنجي لبيت المقدس وما حولها ومقاومته بالجهاد، مكاناً خاصاً في هذه الذاكرة التاريخية تشير إليه سيرة الملك الظاهر الشعبية التي بقي عامة الناس في ديار الإسلام يرهفون السمع لرواتها جيلاً بعد جيل إلى وقت قريب. ويبرز في هذه السيرة من بين من يبرز «الفداوية» الذين تنقلوا بين إيران والوطن العربي وأسهموا بدور متميز في مقارعة الفرنجة المعتدين. كما يبرز فيها تبادل العطاء بين فلسطين وأقطار عربية أخرى، وبين إيران وبلاد ما وراء النهر، من خلال قصة الظاهر بيبرس نفسه. وفلسطين في الحياة اليومية لك

ل عربي وإيراني جزء من دائرته الحضارية التي تصون مصالحه ومعاشه. وكم من التجار تنقلوا بين أرجاء هذه الدائرة وهم يسلكون طريق الحرير منذ قديم الزمان وطرق التجارة الأخرى، وكم من الرحالة.

برزت قضية فلسطين في الربع الأخير من القرن التاسع عشر الميلادي، بفعل الغزوة الصهيونية الاستعمارية الاستيطانية لفلسطين، بينما كان الوطن العربي وإيران وأقطار أخرى من ديار الإسلام ودائرته الحضارية يواجهون تحدي الغزو الاستعماري الأوروبي في موجته الكبيرة الثانية. فإيران كانت قد تعرضت لعدوان روسيا القيصرية في الشمال ولتحرشات بريطانيا في الجنوب. وقد فقدت فارس جورجيا وأرمينيا (اريفان ولنكوران) بعد حربين في ثلاثة عقود في مطلع القرن التاسع عشر، وتم القضاء على الخانات الإسلامية وقمع الحضارة المحلية والشعور القومي بالإرهاب كما يقول جمال حمدان في استراتيجية الاستعمار والتحرير. وبدأت روسيا تتطلع إلى احتلال المنطقة التي قال فيها بطرس الأكبر: «من يسيطر على هذه المنطقة يسيطر على العالم». وطوقت روسيا إيران من ثلاث جهات واعتبرت السياسة الروسية الاستعمارية كل ما هو جنوب القوقاز مجالاً حيوياً ومنطقة نفوذ، ورأت في إيران «قناة السويس الروسية» وسعت إلى فتح ممر لها في المنطقة. وكانت إيران أيضاً قد عانت الكثير من التدخل البريطاني في المنطقة الذي قاده منذ عام ١٧٦٣ مقيم سياسي بريطاني عام في ميناء بوشهر كان «بمثابة ملك المنطقة المتوج

» وارتفعت حمى هذا التدخل بعد غزو بونابرت مصر عام ١٧٩٨، واشتدت مع هذا الارتفاع مقاومة فارس للتدخل البريطاني. وقد تكرر اتهام المقيمين البريطانيين حكومة إيران بالسعي لإضعاف النفوذ البريطاني في مياه المنطقة وبقية الأقطار الإسلامية، ومن هؤلاء جونز الذي كتب بذلك إلى السفير رولنسون في طهران عام ١٨٦٠، كما أورد مصطفى عقيل في كتابه سياسة إيران في المنطقة ١٨٤٨ – ١٨٩٦.

كان الوطن العربي قد تعرض هو الآخر للغزو الاستعماري الفرنسي لمصر عام ١٧٩٨، ونجح في صد حملة بونابرت، لكنه لم يلبث أن واجه موجة استعمارية كبيرة مذ عام ١٨٣٠ استهدفت فرنسا فيها الجزائر، واستهدفت بريطانيا فيها عدن وسواحل الجزيرة العربية والمنطقة. وما أسرع أن واجه وهو يتابع مقاومته الموجة الاستعمارية الثانية منذ عام ١٨٨١ التي بدأت بغزو فرنسا تونس، ثم احتلال بريطانيا مصر.

لم يكن صعباً على الاخوة العرب والإيرانيين منذ بروز قضية فلسطين وبدء الغزوة الصهيونية الاستعمارية الاستيطانية لبيت المقدس وما حولها، أن يربطوا بين المخططات الاستعمارية في فلسطين وما خططه الاستعمار لموطن كل واحد منهم في مختلف أنحاء «الدائرة الإسلامية». وقد أدركت خاصتهم، من خلال إمعان النظر وإعمال الفكر ما أدركته عامتهم بحسها الفطري وبما وعته ذاكرتها التاريخية، أن هذا الكيان الصهيوني الذي تعمل القوى الاستعمارية الأوروبية على تثبيته في فلسطين إنما هو في حقيقته قاعدة استعمارية أوروبية أمامية في قلب العالم الإسلامي في آسيا وأفريقيا. كما أدركت الخاصة والعامة معاً ما يعنيه استهداف المقدسات الإسلامية والنصرانية من قصد أوروبي للمساس بالإسلام والحضارة الإسلامية وتحطيم معنويات المنتمين إليها. وهكذا بدت قضية فلسطين منذ بروزها للإخوة العرب والإيرانيين قضية كل واحد منهم، لها بعدها الروحي عند المسلم، فهي قضية إسلامية، وعند النصراني المنتمي إلى الحضارة الإسلامية التي شارك في بنائها، ولها أبعادها الجغرافية والسياسية والاقتصادية والثقافية بفعل ما تتضمنه الغزوة الصهيونية لفلسطين من تخريب وتهديد على هذه الصعد كافة.

لقد تأكدت هذه الحقيقة وترسخت، من خلال مسار قضية فلسطين على مدى قرن، والمراحل التي مرت بها الغزوة الصهيونية، متسللة (١٨٨٢ – ١٩٧١)، ومتغلغلة (١٩١٧ – ١٩٤٨) وغازية (١٩٤٨ – ١٩٦٧). ومتوسعة (١٩٦٧ – ١٩٨٢)، وساعية لقيادة المنطقة وكيلاً عن قوى الهيمنة الدولية (١٩٨٢ - ). والتسميات الأربع الأولى لجمال حمدان الذي انتهى من دراسته لإقامة إسرائيل في كتابه استراتيجية الاستعمار والتحرير إلى ثماني نتائج يحددها الجغرافي السياسي. فإسرائيل كدولة ظاهرة استعمارية صرف، واستعمارها طائفي بحت، وهو عنصري مطلق، وقطعة من الاستعمار الأوروبي عبر البحار، واستعمار استيطاني في الدرجة الأولى، وعلى الرغم من ذلك يجسم الاستعمار المتعدد الأغراض (استيطاني استراتيجي اقتصادي)، وهو استعمار توسعي أساساً شعاره الصهيوني «من النيل إلى الفرات أرضك يا إسرائيل»، وأخيراً هو استعمار بالأصالة والوكالة لحساب الصهيونية العالمية والاستعمار العالمي.

يكفي للتدليل على تأكد حقيقة موقع قضية فلسطين الخاص لدى الاخوة العرب والإيرانيين، أن نستحضر مسارها، ونقف أمام علامات فارقة فيه بالنسبة إلى الوطن العربي وإيران. فمؤتمر الصلح عام ١٩١٩ في أعقاب الحرب الأولى (١٩١٤ – ١٩١٨) الذي ثبت الاستعمار الأوروبي في جل الوطن العربي بعد أن فصل بين أجزائه بحدود سياسية وقسمه إلى مناطق نفوذ بين بريطانيا وفرنسا، وحتى إيطاليا، هو الذي رفض مطالب إيران، وهو الذي مكن انكلترا من فلسطين باسم الانتداب لتعمل على تنفيذ تصريح بلفور الصادر في ٢ / ١١ / ١٩١٧ بإقامة دولة يهودية في فلسطين. وقد واجهت انكلترا هذه إيران بمعاهدة استهدفت وضعها تحت السيطرة البريطانية التامة، كما يقول دونالد لبر في كتابه إيران: ماضيها وحاضرها، ومع أن الشاه والحكومة أظهرا استعدادهما لقبولها، إلا أن التحرك الشعبي قاومها ومنع إجازتها.

من هذه العلامات الفارقة، كان انعقاد المؤتمر الإسلامي العام في بيت المقدس بين ٧و١٧ / ١٢ / ١٩٣١. فقد جاء انعقاده في وقت كانت شعوب الأمة العربية والشعوب الإيرانية مشغولة بالنضال القطري من أجل الاستقلال وطرد المستعمر بعد أن فرضت التجزئة على الوطن العربي وفصل بين أجزاء العالم الإسلامي. وبدا واضحاً من أعمال المؤتمر وتداعيات انعقاده والإعلام الذي أحاط به، مالقضية فلسطين من موقع خاص لدى جميع شعوب الدائرة الإسلامية. وتضمنت قراراته قراراً بشأن الأماكن القدسة والبراق بخمسة بنود عالجت قضية فلسطين ودعت إلى مواجهة الخطر الصهيوني، تماماً كما تضمنت قراراً باستنكار كل أنواع الاستعمار في أي قطر في إطار أحد أهداف المؤتمر، وهو «البحث في نشر أساليب التعاون الإسلامي». والملفت ما ناله هذا المؤتمر من تجاوب شعبي، على الرغم من دأب القوى الاستعمارية الأوروبية ومن وقع في شباكها من «الانغماسيين»، على النفخ في مشاعر التعصب القطري والضرب على وتر الاستعلاء القومي لتخريب الانتماء القومي الأصيل. وقد أشار شكيب أرسلان في تعليقاته على حاضر العالم الإسلامي إلى هذه المحاولات لإذكاء «العصبية المقيتة» بين أقوام بغية محاربة الجامعة الإسلامية وانجرار

فئة للقيام بها بين الفرس «كما عند غيرهم من الأمم الإسلامية»، ثم قال: «ولكنها لا تزال ضعيفة بالقياس إلى السواد الأعظم الذي عمدته الإسلام، بل قد زال من بينهم أكثر النفرة التي كانت عنده لأهل السنة، بما هو نتيجة انحطاط القوة السياسية الإسلامية بأجمعها وشعور العجم بالحاجة إلى التضامن مع سائر المسلمين». وتحدث أرسلان عن رؤيته لارتباط الاخوة الفرس بقضايا المسلمين بصورة عامة، وقضية فلسطين بصورة خاصة، في فترة مابين الحربين أثناء مرحلة التغلغل في الغزوة الصهيونية، فقال: «إن الدولة الفارسية لاتزال دولة إسلامية وحامية للتشيع في الإسلام. ولقد لحظ كل من ساح في بلاد العجم حتى من الأوروبيين أن الأمة الفارسية تشعر بشعور العالم الإسلامي جميعه، فتهتم لتركيا ولبلاد العرب ولمصر وللمغرب ولكل بلاد الإسلام اهتماماً أكيداً. ويكرثها مايكرث المسلمين ويسرها ما يسرهم…». ثم ضرب مثلاً بما حدث في المؤتمر الإسلامي العام قائلاً: «وفي أواخر السنة الماضية عندما انعقد المؤتمر الإسلامي شهده جماعة من أعيان الشيعة، كالسيد الطباطبائي، والسيد حسين آل كاشف الغطاء، وجماعة من علماء الشيعة في العراق… وقد صلى أعضاء المؤتمر الممثلون لجميع العالم الإسلامي مر

تين بإمامة المجتهد الكبير السيد حسين آل كاشف الغطاء مما أبهج المسلمين جميعاً، وصرح رياض بك الصلح مفخرة شباب سوريا بأنه اليوم قد انبثق فجر الوحدة الإسلامية». ويكشف هذا الحديث الذي يعود إلى عام ١٩٣٢، فضلاً عن مكان قضية فلسطين لدى الاخوة العرب والإيرانيين، عن دورها في إخضاع تناقضات ثانوية بين الاخوة المسلمين، سنة وشيعة، وبين الاخوة المنتمين إلى الحضارة الإسلامية، أقواماً ومللاً، لصالح مواجهة التناقض الرئيسي بينهم جميعاً وبين الاستعمار الأوروبي وحليفته الحركة الصهيونية، وقد سمى المؤتمر الإسلامي العام صلاح الدين الطباطبائي من إيران أميناً عاماً له.

من العلامات الفارقة الأخرى، الاستجابة لتحدي نكبة فلسطين عام ١٩٤٨ وإقامة إسرائيل دولة للكيان الصهيوني، وقد بدت واضحة قوية في كل من الوطن العربي وإيران. ونذكر كيف خرجت المظاهرات في طهران سنة ١٩٤٨ تندد باغتصاب فلسطين، تماماً كما حدث في العواصم العربية، وكيف قاد آية الله الكاشاني الحركة الشعبية التي طالبت بالتصدي للصهيونية. ثم كيف عبرت الاستجابة للتحدي عن نفسها في حركة تأميم النفط التي ساند فيها الكاشاني مصدقاً، تماماً كما عبرت عن نفسها في قيام ثورة ٢٣ تموز / يوليو ١٩٥٢ في مصر وتدفق الثورة العربية. وقد شهدت إيران، شأن الدول العربية ودولاً إسلامية أخرى، حملات شعبية إبان حرب فلسطين لجمع الأموال وإرسال المتطوعين.

جرى اختبار الموقع الخاص لقضية فلسطين في إيران عام ١٩٦٠ حين اعترف الشاه بـ «اسرائيل» وسمح لها بتمثيل سياسي وتجاري. فقد عم الغضب قطاعات واسعة من الأمة الإيرانية على نظام الشاه، واعتبر كثيرون تعاونه مع اسرائيل «بمثابة طعنة موجهة إلى كبريائهم واعتزازهم بدينهم، إلى حصنهم ووعائهم»، على حد تعبير فهمي هويدي في كتابه إيران من الداخل. وحين تحرك النضال الفلسطيني بقيام منظمة التحرير الفلسطيني عام ١٩٦٤، وبدأت حلقة جديدة من الثورة الفلسطينية، رأينا تجاوباً قوياً بين الشباب الإيراني مع هذه الثورة، وقد ازداد هذا التجاوب بعد حرب عام ١٩٦٧ واحتلال اسرائيل القدس الشرقية. ومثل هذا الاختبار جرى في مصر العربية عام ١٩٧٧ حين زار رئيسها الكنيست في القدس المحتلة، ثم أبرم معاهدة عام ١٩٧٩ معها برعاية أمريكا التي شهدت على اتفاقية كامب ديفيد عام ١٩٧٨. وكانت نتائج الاختبارين واحدة في جوهرها، وإن اختلفت في التفاصيل، تماماً كما كانت ردة الفعل في إيران والوطن العربي على اعتراف إحدى دول دائرتنا الحضارية بالكيان الصهيوني.

لقد كان دخول الغزوة الصهيونية مرحلة التوسع عام ١٩٦٧ عاملاً حاسماً في تعميق ارتباط غالبية الاخوة الإيرانيين والعرب بقضية فلسطين، وعاملاً حاسماً في الوقت نفسه في قيام قلة منهم بالتسليم للغرب بقيادة الولايات المتحدة والقبول بالأمر الواقع، والتخلي من ثم عن قضية فلسطين. ويلفت النظر أن عمق الارتباط بقضية فلسطين لدى هذه الغالبية تغذى من البعد الروحي للقضية ومن بعدها القومي على السواء، فزاد وضوحها عند العرب باعتبارها قضية عربية إسلامية، وعند الإيرانيين باعتبارها قضية إيرانية إسلامية، وربما إذا أردنا مزيداً من الدقة: قضية «إسلامية إيرانية» والرأي الغالب بين الدارسين أن نتائج حرب عام ١٩٦٧، ثم الإقدام على الصلح مع «إسرائيل»، كانا من أهم العوامل التي أدت إلى ظهور حركة الإحياء الإسلامي في أقطار العالم الإسلامي. هذه الحركة التي تضع تحرير فلسطين والمقدسات فيها من الاحتلال الصهيوني في صلب أهدافها.

واضح أن مسار الصراع ضد التحالف الصهيوني الاستعماري في منطقتنا، جعل الارتباط بقضية فلسطين ينتقل من مجرد العاطفة إلى الوعي العقلي لدى عامة الناس، العرب والإيرانيين. وهذا ما يفسر قدرتهم على الصمود أمام حرب نفسية همها فصلهم عن قضية فلسطين، وبعض أسحلتها الموجهة شديدة النفاذ، وخصوصاً تلك التي تستغل التناقضات بين الاخوة والتحولات في المواقف إلى درجة تجاوز الخطوط الحمراء. وقد أثبتت أحداث الثمانينات أن الارتباط بقضية فلسطين لدى الاخوة الإيرانيين صمد في أشد الظروف صعوبة، سواء أثناء الحرب بين العراق وإيران أو حين تحول موقف القيادة الفلسطينية تجاه إيران. وحين تعرض الشعب العربي في مصر لهذه الحرب النفسية بغية فصله عن قضية فلسطين في الفترة نفسها أثبت هو الآخر عمق ارتباطه بقضية فلسطين، والأمر نفسه يصدق على شعوب عربية أخرى.

إن هذا الوعي العقلي لقضية فلسطين جعل الاخوة العرب والإيرانيين يدركون طبيعة صراعهم ضد الصهيونية. وقد عبرت كتابات الثورة الإسلامية في إيران عن رؤية الغالبية لهذا الصراع، تماماً كما عبرت كتابات التيارين العربي والإسلامي في الوطن العربي. فهو صراع مصيري، وهم يواجهون فيه دول الغرب الاستعمارية والصهيونية العالمية، وهدف هذا التحالف الاستعماري الصهيوني ليس احتلال فلسطين فحسب وإنما إحكام السيطرة على الوطن العربي وبقية دول العالم الإسلامي. ونجد تفصيلاً لهذه الرؤية في كتاب رفعت السيد أحمد الحركات الإسلامية في مصر وإيران.

ثانياً: موقع «اسرائيل» بالنسبة إلى الأمن القومي

لكل من إيران والوطن العربي

يتحدد موقع «إسرائيل» بالنسبة إلى الأمن القومي لكل من إيران والوطن العربي تبعاً لحقيقة كونها «دولة استعمار استيطاني بالأصالة والوكالة لحساب الصهيونية العالمية والاستعمار العالمي» على حد تعبير جمال حمدان. فإيران والوطن العربي يقعان ضمن الدائرة الإسلامية وينتميان إلى الحضارة الإسلامية. وإسرائيل اغتصبت فلسطين التي تقع في موقع مهم من الدائرة الإسلامية، وهي بعد أن تكونت تجمعاً استعمارياً استيطانياً تعمل لنفسها ولقوى الهيمنة الغربية، للتحكم في المنطقة.

لقد حدث في مطلع عام ١٩٩٥ أثناء كتابة هذا البحث أن تلقت وكالات الأنباء يوم ٧ / ١ / ١٩٩٥ خبر «صدور تهديدات إسرائيلية بضرب مفاعلات إيران النووية». وفي الفترة نفسها، نقلت هذه الوكالات تصريحات لرئيس الوزراء الاسرائيلي تهدد مصر والدول العربية وتتحدث عن حرب. وجاءت هذه التهديدات لدى زيارة وزير الدفاع الأمريكي «بيري» إلى المنطقة. وكانت «إسرائيل» قد دأبت في النصف الثاني من عام ١٩٩٤ على اتهام إيران بمساندة الإرهاب، واتهام دول وقوى عربية بأنها إرهابية، مرددة اتهامات أمريكية لهذه الدول والقوى. وإذا ما استحضرنا ماقامت به «إسرائيل» من ضرب للمفاعل النووي العراقي في حزيران / يونيو ١٩٨١ تنفيذاً لهدف أمريكي إسرائيلي، ندرك مدى جدية هذه التهديدات الاسرائيلية، حين تأتي تنفيذاً لسياسة أمريكية، ويتضح لنا الخطر الذي تمثله إسرائيل للأمن القومي لكل من إيران والوطن العربي.

ومن الملفت أنه على الرغم من وضوح هذا الخطر لكل من الاخوة الإيرانيين والعرب على أمنهم، فإننا نجد أن إسرائيل نجحت في إقامة «اتصالات» ببعض دول المنطقة، سرية في غالب الأحيان، وإن بدأت تتجه إلى العلنية بعد انعقاد مؤتمر مدريد في ٣٠ / ١٠ / ١٩٩١. وقد جاءت هذه الاتصالات دوماً في ظل تفجر خلافات بين الدول الشقيقة في الوطن العربي والعالم الإسلامي على السواء. واستهدفت النفخ في الصراعات الناشبة من جهة، بغية إضعاف أطرافها واستنزاف طاقاتهم، والتغلغل في المنطقة في جهة أخرى، بغية الوصول إلى دور قيادي فيها. وواضح أن هذا الأمر أيضاً يتضمن في نهاية المطاف خطراً إسرائيلياً على الأمن القومي لكل من إيران والوطن العربي. وهو يكشف في الوقت نفسه عن «تعقد» مسألة الأمن القومي في ظل أوضاع المنطقة السائدة والخريطة السياسية لدولها التي كان للدول الاستعمارية دور بارز في رسم الحدود بينها.

إن جوهر عقدة «الأمن القومي» لكل من إيران والوطن العربي هو وجود خطر خارجي بالغ يهددهما معاً وكل الدائرة الحضارية الإسلامية التي تضمهما، ويبرز هذا الخطر أكثر ما يبرز على مياه المنطقة التي تقع بينهما، وتمثل «إسرائيل» فيه رأس الحربة بين الخطر أكثر ما يبرز على المياه التي تقع بينهما، وتمثل «اسرائيل» فيه رأس الحربة بين قوى الهيمنة الخارجية. ثم إن هناك تناقضات بين إيران وبعض جاراتها الشقيقات العربيات بسبب الحدود واختلاف السياسات؛ الأمر الذي جعل نشوب الحرب العراقية - الإيرانية ممكنة الحدوث عام ١٩٨٠ والاستمرار ثماني سنوات، وجعل العلاقات متوترة بين إيران وبعض بلدان المنطقة الأخرى. وقد برزت هذه التناقضات أيضاً بين بعض البلدان العربية واشتدت بفعل غلبة النظرة القطرية. وهكذا أصبح من الضروري عند الحديث عن الأمن القومي العربي «تحديد المقصود، وتوضيح علاقته بالأمن القطري، وبالأمن الإقليمي وأمن المجموعات الإقليمية، واستحضار مصادر التهديد وكيفية التعامل معها والسياسات الأمنية التي يمكن رسمها وصياغتها بغية دعم الأمن والحفاظ عليه». وقد تساءل عدد من الباحثين ومنهم عبد المنعم المشاط: «هل يمكن في الظروف الراهنة الحديث عن أمن قو

مي عربي، أم أن هناك تحولاً كاملاً ونهائياً نحو الأمن القطري بكل ما يعنيه من خيارات قطرية قد تتناقض مع الأمن الجماعي» [١]. ولاحظ بيان المؤتمر القومي العربي الخامس الصادر في أيار / مايو ١٩٩٤ «أن إزالة المرجعية القومية للأمن القومي العربي أدت إلى أن يصبح الأمن القطري منفلتاً من دائرة الأمن القومي وساعياً وراء الارتباط بمراكز أجنبية». ولعل من أشد الصعوبات في تحديد فهم بعض الدول للأمن، قطرياً كان أو قومياً، هي على حد قول وزير دفاع عربي سابق: «وجود خلط كبير عند قياداتها بين أمن الدولة وأمنهم الشخصي».

كان من أخطر ما أدت إليه التناقضات «القطرية» المحكومة بنظرة «الدولة القطر» وحدودها السياسية، أن ظهرت آراء تجعل تهديد إسرائيل للأمن القومي لكل من إيران والوطن العربي ليس هو التهديد الوحيد. ووصل الأمر إلى الحديث عن تهديد دولة شقيقة لأمن أخرى ووضعه أحياناً قبل التهديد الاسرائيلي. وأصبح من المألوف في بعض البحوث ذكر «إسرائيل» مع إيران ودولة عربية أو أكثر باعتبارها مصدر تهديد لأمن دولة عربية أخرى، بل بدأنا نرى نذر السكوت عن طروحات خارجية تتحدث عن التقاء المصالح الأمنية لأحد أقطار منطقتنا مع المصالح الأمنية لإسرائيل، وتدعو من ثم إلى التعاون على هذا الصعيد. لكن لم يلبث أن شهد وطننا العربي تراجع هذه الطروحات بعد أن تكشفت عملية التسوية الأمريكية التي بدأت في أعقاب زلزال المنطقة على حقيقتها بفضل قيام الفكر العربي – القومي – الإسلامي بدوره، وتجلي حقائق كثيرة على أرض الواقع.

قلنا إن التهديد الاسرائيلي للأمن القومي لكل من إيران والوطن العربي نابع من العلاقة الاستراتيجية التي تربط الكيان الصهيوني بالولايات المتحدة الأمريكية، وبسياسة الولايات المتحدة تجاه العالم الإسلامي بصورة عامة و «المنطقة» بصورة خاصة. وقد تحدث وليام كوانت عن هذه السياسة بعد «عاصفة المنطقة» قائلاً «دعونا نذكر أنفسنا بالمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط وماذا تكون فعلاً في عصر مابعد الحرب الباردة؟ لايزال لدينا مجموعتان من المصالح السياسية والاقتصادية المحددة التي تشدنا إلى هذا الجزء من العالم، وهي ببساطة النفط وإسرائيل. فالولايات المتحدة أكبر مستورد للنفط في العالم، وباعتبارها القوة العظمى لا يسعها عدم المبالاة بنفط المنطقة. والالتزام الأمريكي لإسرائيل وإن لم تكن جذوره ممتدة إلى مصالح اقتصادية أو سياسية ملموسة، فهو على الأقل مصلحة آمرة كمصالحنا في المنطقة، لاعتبارات سياسية أمريكية محلية في الأساس. ونتساءل عما إذا كانت إحدى المصلحتين تعزز الأخرى. الجواب بوضوح لا. ومن هنا أهمية السلام في الشرق الأوسط» [٢].

ويلفت النظر في حديث كوانت عن إسرائيل أنه يتبنى الرأي القائل بأن إسرائيل لا تمثل مصلحة سياسية أو اقتصادية ملموسة للولايات المتحدة وأن أسباب الالتزام بها يعود إلى السياسة الأمريكية الداخلية. وقد اتسعت دائرة القائلين في الولايات المتحدة بتناقص أهمية إسرائيل في الاستراتيجية الأمريكية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، بينما كانت في الذروة إبان الثمانينيات طول عهد الرئيس ريغان انسجاماً مع سياسته في مواجهة الاتحاد السوفياتي، مما أوصل إلى إبرام التحالف الاستراتيجي الأمريكي – الاسرائيلي الذي شرحه يوسف الحسن في كتابه اندماج: دراسة في العلاقات الخاصة بين أمريكا وإسرائيل في ضوء اتفاقيات التعاون الاستراتيجي بينهما. وأياً كان الحال، فإن السياسة الأمريكية لم تلبث أن عادت إلى العهود لإسرائيل بمهام معينة في المنطقة. وقد حددد لس أسپن، وزير الدفاع الأمريكي السابق، في خطابه يوم ١٦ / ٦ / ١٩٩٣ أمام لجنة الشؤون العامة الأمريكية – الاسرائيلية (ايپاك) في واشنطن، ستة أهداف اتفق عليها مع رئيس الوزراء الاسرائيلي رابين في إطار ما أسماه: «تعديل تفكيرنا الاستراتيجي في ضوء التغيرات التي طرأت على العالم». وهذه الأهداف جميعها تهدد الأمن القومي لكل

من إيران والوطن العربي في الصميم، وهي «التيقن من أن مؤسسات الأمن القومي في الولايات المتحدة وإسرائيل تعمل في الاتجاه نفسه، وتحديد نوع المخاطر التي تواجهها إسرائيل اليوم ومواجهتها، والحفاظ على المساعدات الأمنية الأمريكية لإسرائيل ومعاونتها، والحفاظ على تفوقها التقني العسكري، والحفاظ على الاتصالات الوثيقة بين العسكريين، والاستخدام الأمثل لقاعدة الصناعة العسكرية في البلدين، والحفاظ على حضور عسكري أمريكي قوي في المنطقة، والعمل مع إسرائيل على منع انتشار الأسلحة النووية والبيولوجية والكيمائية».

نزداد فهماً لهذه الأهداف المشتركة حين نستحضر السياسة الأمريكية للسيطرة على نفط المنطقة. وقد أوضح ميشيل جوبير في حديثه عن هذه السياسة «أن السيطرة على النفط كميات وأسعاراً لا تزال هي الهاجس الوحيد الدائم المتسلط على الولايات المتحدة. وكل ما عدا ذلك ليس سوى توابع وملحقات»، وطالب بالتركيز على الأمر الأكثر أهمية، وهو «الوصاية الأمريكية الموجودة في كل زمان ومكان لأسباب اقتصادية واستراتيجية». ويزداد فهمنا، من ثم، للهدف الأخير الخاص بمنع انتشار الأسلحة النووية، والمقصود به اليوم إيران ودول عربية عدة. ويتداعى إلى الخاطر كيف تبجح ارييل شارون، وزير الحرب الاسرائيلي السابق في مطلع عام ١٩٨٢، وفي أعقاب ابرام الاتفاق الاستراتيجي بين إسرائيل والويالات المتحدة بأن إسرائيل ستتحرك في خمس دوائر، أوسعها بين باكستان شرقاً والمغرب غرباً، وداخلها دائرة تشمل إيران وتركيا، وداخلها دائرة تشمل دول نفط عربية، وداخلها دائرة تشمل دول الجوار العربي لفلسطين، ثم دائرة فلسطين.

لقد اشتد التهديد الاسرائيلي لأمن إيران والوطن العربي مع مجاهرة السياسة الأمريكية بعزمها على مضايقة «الدول الرافضة» في منطقتنا لعملية التسوية التي تقودها وللمخطط الذي باشرت تنفيذه لإقامة نظام شرق أوسطي. ورأينا هذه المجاهرة في ما كتبه مستشار الأمن القومي الأمريكي انتوني ليك في فورين أفيرز في ربيع ١٩٩٤ بعنوان «مواجهة الدول الرافضة» (Confonting Backlash States)، ووصف فيه بعض هذه الدول بأنها «خارجة على القانون، لم تختر أن تبقى خارج العائلة فحسب بل هاجمت أيضاً قيمها الأساسية» [٣]. والوصف يكشف عن مدى الحرص الأمريكي على فرض النظام العالمي الذي تريده، ومدى حنقها على من يصمد في مقاومته له. وقد وضع إيران في قائمة هذه الدول التي يجب على الولايات المتحدة أن تواجهها. وهكذا ما أسرع ما رأينا شن حملات إعلامية منتظمة أمريكية – اسرائيلية على إيران بلغت ذروتها مؤخراً في مطلع عام ١٩٥٥، حين أعلن مسؤول في البيت الأبيض يوم ٥ / ١ / ١٩٩٥ أن الولايات المتحدة «قلقة للغاية» من تصميم إيران على امتلاك السلاح النووي على الرغم من توقيعها معاهدة الحد من انتشارها، واعتبر أن نجاح طهران في الحصول على السلاح النووي «يشكل تهديداً لمصالحنا الحيوية ف

ي المنطقة». ولم يخف متحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية أن هذه المسألة ستكون محل بحث بين وزير الدفاع والمسؤولين الاسرائيليين أثناء زيارته المنطقة، لكنها «لن تكون المحور الرئيسي للمحادثات».

وأضح اليوم أن «اسرائيل» صعدت من حملتها الإعلامية على إيران إلى درجة أن تساءل بعض الباحثين: هل ثمة مقاربة إسرائيلية جديدة إزاء إيران؟ وقد أجاب هوشنك أمير أحمدي عن هذا السؤال في بحثه «إيران والتهديد الإسلامي: المقاربة الاسرائيلية الجديدة» [٤]. ملاحظاً أن إسرائيل دأبت على اتهام إيران بأنها وراء التفجير الذي حدث في بيونس أيرس في الصيف الماضي، وأن هناك دعوة إسرائيلية لمطاردة الإيرانيين والهجوم على إيران تحكمه اعتبارات استراتيجية وتكتيكية. وأوضح «أن إسرائيل قلقة من مساندة إيران للحركات الرافضة للتسوية، وهي تربط بين هذه المساندة والموقف الإيراني الرافض للتسوية، لتحصل على مساندة الولايات المتحدة وبعض الأنظمة العربية. وهكذا راح الإسرائيليون مؤخراً يتحدثون عن خطر إيراني بدلاً من الحديث عن خطر إسلامي».

إن الأمن القومي لكل من إيران والوطن العربي هو في نطاق أمن «العالم الإسلامي» الذي دأبت قوى الهيمنة الدولية على النظر إليه باعتباره دائرة واحدة ينبغي تفكيكها وتفجير العلاقات بين بعض أقطارها. وقد رأينا كيف قامت الصهيونية الفكرية بدور خاص في اختلاق فكرة «الخطر الإسلامي» بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وتعميمها في الغرب. وهكذا كتب برنارد لويس مقاله «جذور الغضب الإسلامي» عام ١٩٩٠، ثم مقاله عن «شرق أوسط جديد» نعى فيه القومية العربية عام ١٩٩٢. كما رأينا كيف قام قادة إسرائيل بتعميم فكرة «الخطر الإسلامي» من خلال زيارتهم الرسمية إلى دول كثيرة في أعقاب حرب المنطقة.

لقد أدركت القيادات التاريخية في كل من إيران والوطن العربي موقع اسرائيل بالنسبة إلى أمن العالم الإسلامي بصورة عامة، والأمن القومي العربي والأمن الإيراني بصورة خاصة. وهكذا رأينا ثورة ٢٣ تموز / يوليو تتحدث عن هذا الخطر، «فليس هدف الدول الاستعمارية الكبرى من خلق إسرائيل هو احتلال فلسطين فحسب، وإنما سيكون لكل الدول العربية نفس مصير فلسطين إذا أعطيت لإسرائيل الفرصة»، على حد ماجاء في بيان الإمام حول دعم قضية فلسطين [٥]. وقد نبهت تصريحات رسمية إيرانية وعربية مراراً إلى «أن اسرائيل تحاول استغلال الانقسامات الحاصلة في العالم العربي لتحقيق أهدافها بالهيمنة»، كما جاء في البيان الذي صدر مؤخراً عن الرئاسة الإيرانية بمناسبة زيارة وزير الخارجية السوري يوم ٧ / ١ / ١٩٩٥. وتشهد منطقتنا في هذه الفترة مايشبه الاجماع على استشعار خطر «التسلح النووي الإسرائيلي»، وعلى ضرورة تعبئة قدرات دول المنطقة الدبلوماسية لإجبار اسرائيل على تدمير أسلحتها النووية. ومن الملفت التقاء مصر وإيران على هذا الأمر على الرغم من اختلافهما في أمور أخرى، مما يؤكد تنامي الادراك بموقع إسرائيل من الأمن القومي لكل منهما، وما تمثله من تهديد لأمن العالم الإسلامي كله.

ثالثاً: آثار محاولات التسوية الراهنة للصراع

العربي الاسرائيلي في العلاقات العربية – الإيرانية

تتم محاولات التسوية الراهنة للصراع العربي – الاسرائيلي وفق مخطط أمريكي – صهيوني لإقامة «نظام الشرق الأوسط» في دائرتنا الحضارية الإسلامية. وما يتضمنه هذا المخطط يحمل في طياته تأثيرات سلبية في العلاقات العربية – الإيرانية. ولكي نحيط بهذه التأثيرات السلبية ينبغي أن نستحضر مخطط النظام، وقد صدرت كتابات جادة حوله في وطننا العربي، من بينها واحد أصدره مركز دراسات الوحدة العربية، ونقف عند أمور بعينها فيه فصلت شرحها في كتابي في مواجهة نظام الشرق الأوسط ولا للحل العنصري في فلسطين.

أول: هذه الأمور أن هذا النظام موجه إلى الدائرة الإسلامية مكاناً بهدف تثبيت الكيان الصهيوني فيها والتحكم من ثم في أمورها. وهو وثيق الصلة بالمخطط الأمريكي لإقامة «النظام العالمي الجديد» الذي رفع شعاره جورج بوش إبان أزمة المنطقة، وبما يتضمنه هذا النظام من جوانب تتصل باعتبارات السوق. وقد أكد ساتو الياباني، مدير عام الأبحاث في مؤسسة دولية للسلام في طوكيو، في حديثه إلى جريدة الحياة يوم ٣١ / ٥ / ١٩٩٤ بعد أن زار المنطقة: «وجوب التعاون بين دول المنطقة لأنك إذا نظرت إلى تاريخها تجد أن الحدود الحالية لا معنى لها، وأن العلاقات الاقتصادية بين دولها إيجابية في كل الأحوال».

ثاني: هذه الأمور أن هذا النظام بعد أن يعمد إلى تصفية قضية فلسطين من دون إحقاق الحقوق الوطنية الثابتة غير القابلة للتصرف للشعب العربي الفلسطيني، ينصب من «إسرائيل» قائدة للمنطقة، تتحكم في سياسات دولها من خلال التدخل في ستة موضوعات، هي أنظمة الحكم والاقتصاد والبيئة والتسلح وتوزيع الثروات والسكان.

ثالث: هذه الأمور أن هذا النظام يأخذ في حسبانه الأطراف الدولية، التي سيكون لها نشاطات في المنطقة. وهذا ما عدا مخطط عملية التسوية إلى أن يجعلها في مسارين: مسار المباحثات الثنائية بين إسرائيل وأطراف عربية، ومسار المفاوضات المتعددة الأطراف التي يشارك فيها أكثر من ثلاثين دولة وتناقش في لجان الموضوعات الستة.

لقد جاء انعقاد مؤتمر قمة الدار البيضاء الاقتصادي آخر شهر تشرين أول / اكتوبر ١٩٩٤ في إطار المساعي لإقامة نظام الشرق الأوسط. وكان من الملاحظ فيه أن الدعوة لم توجه إلى إيران والعراق وليبيا وهي من الدول التي تعتبرها الولايات المتحدة «رافضة»، كما لم تحضر المؤتمر سوريا، ولم يحضره لبنان. وحين سئل شمعون بيريس عن إمكانية قيام شرق أوسط جديد في غياب هؤلاء، أجاب: بـ «إنه لا يمكن ذلك»، لكنه شدد على أن إسرائيل تؤيد السياسة الأمريكية تجاه «الدول الرافضة». ويلفت النظر أن ساتو الياباني أوضح في تصريحه سالف الذكر «أن الغرب واليابان ينظران باهتمام إلى فرص السلام في المنطقة، لكن ما يخافونه هو أن تتزايد مشكلة إيران، في ظل التباين في وجهات النظر حول طريقة احتواء هذه الدولة وسياستها الراهنة». وهذا الحديث يكشف عن مرامي الغرب والدول التابعة له من هذا النظام، كما يكشف عن كيفية تأثير تنفيذ المخطط في العلاقات العربية – الإيرانية. وقد أدركت سوريا مبكراً الهدف من المفاوضات متعددة الأطراف، فقاطعتها مع لبنان. والدعوة إلى مقاطعتها متزايدة في أوساط المفكرين العرب الاستراتيجيين، ومنهم أمين هويدي الذي دعا في مقال في الاهرام يوم ٣١ / ١ / ١٩٩٥ إلى «

مقاطعة اللجان متعددة الأطراف التي تحاول إسرائيل من خلالها «نشل» عوامل القدرة، من مياه وقوة بشرية ورأس مال وسوق كبيرة وطاقة، من جيب العرب».

واضح أن لعملية التسوية الجارية عند «مصمميها» واضعي مخطط النظام شرق الأوسطي أهدافاً استعمارية تستهدف، في ما تستهدف، تخريب العلاقات العربية – الإيرانية، لتمكن إسرائيل من النفاذ إلى المنطقة، وقوى الهيمنة الغربية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية من إحكام سيطرتها عليها. وقد حذرت صحيفة طهران تايمز بمناسبة انعقاد مؤتمر القمة الاقتصادية للدول العربية من فتح أسواقها لإسرائيل، معتبرة أن الدور الإسرائيلي في الأسواق العربية سيخدم إسرائيل وحدها.

واضح أيضاً أن لعملية التسوية الجارية مضاعفاتها التي لم يكن بعضها في حسبان «مصمميها». وقد توقع حدوثها الفكر النابع من المنطقة. والملفت أن المخططات الخارجية تتضمن دوماً ثغرات تؤدي إلى حدوث تناقضات عند تنفيذها، وليس هذا غريباً وواضعوها هم من خارج المنطقة، لا يفهمونها حق الفهم ويريدون بها شراً، (ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين (. وما أكثر ما اعترف أولئك المخططون بهذه الحقيقة بعد فوات الأوان. ومثال على ذلك، وصف انتوني ليك، في مقاله في فورين افيرز، الاستراتيجيا الأمريكية تجاه إيران والعراق مرتين خلال السبعينيات، ثم الثمانينيات، بأنها كانت مدمرة.

وقد كرر ذلك الوصف مارتن انديك في مجلس الشيوخ في شباط / فبراير ١٩٩٤. ومعلوم كم عانت دائرتنا جراء هذه الاستراتيجيا المدمرة وانسياق البعض منا إلى الوقوع في شباك تفجير التناقضات بيننا. وحين نستحضر تداعيات عملية التسوية ومضاعفاتها، نجد من بينها تصاعد الارهاب الرسمي الإسرائيلي وازدياد الأطماع التوسعية التي تتطلع في هذه المرحلة إلى «الهيمنة الاقتصادية» لما أسماه بعض مفكرينا العرب بـ «إسرائيل العظمى» في المخيلة الصهيونية، تماماً كما نجد تصاعد المقاومة وصلابة عودها وارتقاء عملياتها النوعية، بفعل روح الإيمان الفياضة التي اتسمت بها وتجسدت في جنوب لبنان وفلسطين. ونجد تعثر عملية التسوية على كل المسارات، سواء تلك التي استطاعت قوى الهيمنة الدولية فرض «اتفاقات مملاة» على أطراف عربية فيها، أو التي لم تستطع.

لقد توقع بعضهم في الغرب هذا التعثر مبكراً، ومنهم ميشيل جوبير الذي قال في دراسته سالفة الذكر: «ربما تتوافر الفرص لتسوية عرجاء بين الاسرائيليين والفلسطينيين، تحرم المزايدات في الدول العربية من ميدانها المفضل، لكن يمكن للمرء أن يراهن بأنه إذا ماقام هذا الهدوء المقلقل، فإن المنازعات بين العرب ستستأنف بقوة أكثر فأكثر، مما يبرر ويسهل في آن واحد الوجود الأمريكي». وما يصدق على العرب في مابينهم يصدق على العلاقات العربية – الإيرانية بين بعض الدول العربية وإيران، حين يحدث الانسياق إلى تضخيم التناقضات الثانوية وتناسي التناقض الرئيسي مع العدو الخارجي الذي يتربص بها جميعاً.

هناك مثل واحد صارخ على تضخيم التناقضات الثانوية، يسهم فيه أهل القلم وأهل السيف على السواء، في دائرتنا الحاضرية، ويؤثر سلباً في العلاقات العربية – الإيرانية، هو ما يكتبونه وما يصرحون به عن «مياه المنطقة». فبينما حقائق المكان والزمان والإنسان تطرح «هذه المياه» واصلاً بين الاخوة العرب والإيرانيين، كما شرحت في كتابي وحدة التنوع وحضارة عربية إسلامية في عالم مترابط، نجد من يتفنن في طرح موضوع هذه المياه فاصلاً بين هؤلاء الأخوة، و «مادة» للصراع حولها بدءاً من الاسم. وينساق باحثون سياسيون إلى التعسف في قراءة التاريخ، فيقول أحدهم مثلاً: بقيت مياه المنطقة آلاف السنين تحت سيطرة… المصرية»، ويذكر اسم دولة، ويرد عليه آخر بالجملة نفسها ذاكراً اسم دولة أخرى. والتاريخ يؤكد أن هاتين الدولتين وجميع «الدول» المحيطة بهذه المياه كانت في إطار دولة واحدة هي دولة الخلافة الإسلامية على مدى قرون.

لقد أدى زلزال المنطقة في مطلع عام ١٩٩١ إلى أن يتكثف الوجود الأجنبي في المنطقة بفعل تضخيم التناقضات الثانوية؛ وواضح أن قوى الهيمنة الدولية تتابع استغلال عملية التسوية الجارية للحفاظ على وجودها المكثف فيه، بغية نهب مايمكن نهبه من ثورات المنطقة النفطية، ويعمد هذا النهب إلى وسائل عدة، منها بخس أسعار النفط الخام، ومنها أيضا استنزاف ثروات الأقطار المصدرة للنفط بشراء السلاح. وواضح أيضاً أن قوى الهيمنة الدولية تستغل عملية التسوية الجارية، فضلاً عن إفساد العلاقات العربية – الإيرانية، في الاستفراد بالدول التي تقاوم هيمنتها في الدائرة الإسلامية دولة بعد أخرى. وها نحن نراها تعمد إلى فرض اللقاء مع إسرائيل على الأطراف التي وقعت «اتفاقيات سلام»، كما حدث يوم ٢ / ٢ / ١٩٩٥، وتحاول إيجاد مؤسسة من هذا اللقاء، كما صرح وزير الخارجية الأمريكي، تواجه الدول التي ترفض التوقيع. وقد رأينا كيف حرصت بعض هذه الأطراف على أن تعلن عن عدم قبولها بذلك، وأن تعمل على وضع اللقاء في حجم صغير وتحاول التمسك بالنظام العربي.

لعل من أهم الظواهر التي نراها اليوم في سماء «دائرتنا الإسلامية» هي ظاهرة الاستجابة لتحدي عملية التسوية التي تحاول قوى الهيمنة فرضها علينا، ونهوض الفكر في منطقتنا بدوره في أطر هذه الاستجابة. وقد كان من أهم ما طرحه هذا الفكر ضرورة العمل لإقامة نظام إقليمي نابع من الدائرة الإسلامية جمعاء. وكان جمال حمدان قد تحدث في كتابه استراتيجية الاستعمار والتحرير عن «مثلث القوة» الاقليمي الذي يضم في نطاق هذه الدائرة تركيا وإيران ومصر. وقد تبنى محمد السيد سليم هذا المصطلح في بحثه في شؤون الأوسط [٦]. ونجد في إيران حديثاً عن «شرق أوسط ثقافي ثوري جديد يرتكز على الانتماء للإسلام ويضم الشعوب الإسلامية من آسيا الوسطى إلى شمال افريقيا في إطار مفهوم ثوري يقترب من المفهوم الإيراني للعلاقات الدولية» كما يقول إبراهيم عرفات. وكان كاتب هذه السطور قد عالج موضوع «التضامن الإسلامي وإمكانية قيام نظام إقليمي في العالم الإسلامي» لندوة العالم الإسلامي والمستقبل التي عقدت في القاهرة (١٠ / ١٩٩١)، ونشره في كتابه عن المستقبل برؤية مؤمنة مسلمة، ثم طرح الموضوع في مطلع عام ١٩٩٢ في مقال «نظام إقليمي في منطقتنا» الذي ضمنه كتابه عمران لا طغيان. وهو يجد أن

أفضل مايختم به هذا البحث هو ماجاء في ذلك المقال، ولذا فإنه يستأذن في إرفاقه بنصه.

ملحق:

نظام اقليمي في منطقتنا

نحن في الأيام الأولى من عام ١٩٩٢ الميلادي. والمناسبة تغري أهل الرأي العرب بوقفة استشراف وتشوف يحددون فيها أهم الموضوعات المتعلقة بحاضر أمتهم ومستقبلها التي ينبغي أن يتناولها فكرنا السياسي بالنظر، ثم يرتبون هذه الموضوعات بحسب الأولوية، ويعكفون عليها لبلورة رؤى مستقبلية بشأنها واقتراح لمعالجتها.

لقد انتهيت من وقفة الاستشراف والتشوف هذه حين وقفتها إلى أن هناك موضوعات عدة تتزاحم على المكان الأول، ولكني وجدت أن أكثرها إلحاحاً علي هو موضوع العمل لإقامة «نظام إقليمي لمنطقتنا».

سألت نفسي: لماذا يلح هذا الموضوع اليوم؟ وكيف نعالجه؟ في ضوء وجود «جامعة الدول العربية» كنظام عربي إقليمي، ووجود «منظمة دول المؤتمر الإسلامي» كنظام إقليمي للعالم الإسلامي.

أول ما يخطر على البال في تعليل إلحاح هذا الموضوع اليوم هو أن جميع دول المنطقة التي تشمل الدائرتين العربية والإسلامية ستواجهه في «المفاوضات المتعددة الأطراف» بعد أيام ضمن «مؤتمر التسوية» الخاص بالصراع العربي – الصهيوني. فهذه المفاوضات وفق ما يعتقد متبنو قرار المؤتمر ينبغي أن تتركز على قضايا المنطقة المتنوعة، مثل «الرقابة على الأسلحة والأمن الإقليمي والمياه وقضايا اللاجئين والبيئة والتنمية الاقتصادية والمواضيع الأخرى ذات الاهتمام المشترك»، كما جاء في نص دعوة الرئيسين بوش وغورباتشيف لحضور المؤتمر في تشرين الأول / اكتوبر ١٩٩١. وواضح أن هذه القضايا جميعها تقع في صلب موضوع النظام «الاقليمي في منطقتنا». ولابد من أن تكون لنا نحن العرب أفكارنا بشأنها وبشأن الموضوع ككل.

هناك سبب آخر لالحاح هذا الموضوع يتضح لنا حين نتأمل في الداعي لهذه المفاوضات، وهو أن الولايات المتحدة الأمريكية في نطاق توجهها لإقامة مادعاه الرئيس بوش «نظام دولي جديد»، تتزعم محاولة لتهدئة «بؤر التوتر الاقليمية»، و «إنهاء المنازعات» القائمة بسببها وترتيب «أنظمة إقليمية» تنسجم مع أفكارها حول هذا النظام الدولي الجديد.

وهكذا سنجد أنفسنا نحن العرب أمام «عملية دولية» تستهدف رسم منطقتنا، بلورت أفكارها الرئيسية الولايات المتحدة الأمريكية مع حليفاتها الغربيات وكان «لليهودية الغربية» دور خاص في هذه البلورة. ومن المتوقع من ثم أن تضع هذه العملية في الاعتبار الأول «الأمن الاسرائيلي» والتمكين لـ «الكيان الصهيوني» في المنطقة. وما أسوأ ما سيواجهنا إذا نحن لم نطرح بالمقابل أفكارنا النابعة منا بشأن النظام الإقليمي لمنطقتنا.

إن هذا التوجه الأمريكي الغربي إلى ترتيب منطقتنا متزامن مع توجه أمريكي غربي لترتيب مناطق أخرى في عالمنا تقوم بين شعوبها وشعوبنا روابط ووشائج وتجمعم مصالح مشتركة، كما هو الحال مع دول أفريقيا السوداء التي لم تدخل دائرة الحضارة العربية الإسلامية، ومع دول أوروبا الشرقية، ومع دول جنوب شرق آسيا. والمطلوب من ثم أن يبلور فكرنا السياسي تصوراً للعلاقات التي يمكن أن تقوم بين النظام الإقليمي في منطقتنا والأنظمة الاقليمية في هذه المناطق، في إطار «هدف التعاون» الذي تدعو إليه روح حضارتنا، وليس من «منطلق فكرة الصراع». وهذا سبب ثالث لإلحاح الموضوع.

واضح اليوم بعد زلزالي أوروبا الشرقية هذه المنطقة أن الرأي الغالب بين المفكرين السياسيين والمشتغلين بالعلوم السياسية في عالمنا وفي الولايات المتحدة بصورة خاصة، بشأن الوصول إلى الأمن الجماعي في إطار نظام دولي، هو أن يقوم هذا النظام على «أنظمة إقليمية» قوية تتوصل إلى حلول للمنازعات الإقليمية وإلى ايجاد صيغ للتعاون. وهذا الاقتناع متصل بالمرحلة الجديدة التي دخلتها الأمم المتحدة في أعقاب تحولات الثمانية عشر شهراً، بين خريف عام ١٩٨٩ وربيع عام ١٩٩١. وهي مرحلة تختلف عن سابقتها التي استمرت أربعة عقود من السنين. وقد كانت أكاديمية المملكة المغربية سباقة في دراسة هذه المرحلة في ندوتها حول «الأمم المتحدة بعد حرب المنطقة» التي انعقدت في الدار البيضاء في نيسان / ابريل ١٩٩١. كما أن هذا الاقتناع يأخذ في اعتباره الأخطار التي يمكن أن تنجم من نزوع متزايد في أوساط الدولة الأعظم والدول الكبرى للتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، بإغراء «غطرسة القوة» التي حدثنا عنها ملياً عضو مجلس الشيوخ الأمريكي الراحل وليم فولبرايت في كتابه الشهير، وبأسماء وذرائع جديدة. وقد كشفت ندوة أكاديمية المملكة المغربية الأخيرة حول «مبدأ التدخل وهل يع

طي شرعية جديدة للاستعمار؟ » التي انعقدت في تشرين الأول / اكتوبر الماضي ١٩٩١ في الرباط عن جسامة هذه الأخطار. وإن لنا أن نستشهد هنا بما أوضحه تشارلز ويليام ماينز رئيس تحرير مجلة فورين بوليسي، من «أن الأمم المتحدة لن تصبح في النهاية رجل شرطة بغض النظر عن نتيجة أزمة المنطقة. ومن ثم فإن ماينبغي التماسه في المدى البعيد هو الحل على المستوى الإقليمي» [٧]. وتوقع ماينز أن تكون الولايات المتحدة كدولة عظمى، ومثلها الدول الكبرى الأخرى، واعية في المستقبل «الأعباء الباهظة للتدخل، من دم يسيل ونقود تبدد في المقام الأول. ويجب من ثم أن يقوم النظام الدولي على شيء أكبر من أكتاف القدرة العسكرية الأمريكية. ولا يمكن لأولئك الذين يراهنون على غير ذلك أن يتوقعوا أن تجهد الولايات المتحدة نفسها بالدرجة عينها في أزمة قادمة».

كما نستشهد بما قاله شاهرام شوبين في مقاله في مجلة سرفايفل: «أصبح من المسلم به أن الأبنية الإقليمية ينبغي أن تكون هي أحجار الزاوية في بناء الأمن في مختلف أجزاء العالم. ويعكس هذا جزئياً الصعوبات السياسية واللوجستية للتدخل وتكاليفه. وكذلك التصور الشائع عن أن الترتيبات الإقليمية هي انعكاس مشروع للسياسات المحلية. ومن المعتقد عادة أن مثل هذه التجمعات تعكس روح المناطق، وتبني توافق الرأي وتسهم في الأمن العام» [٨]. وهكذا نجد أنفسنا أمام سبب رابع لإلحاح موضوع النظام الإقليمي في منطقتنا»، لأننا المسؤولون عن هذه المنطقة، ومخطئ من يتوهم أن الآخرين يمكن أن يتحملوا هذه المسؤولية عنا.

أول ما يخطر على البال حين نفكر في كيفية معالجة هذا الموضوع الحيوي هو أن نقف أمام أمور عدة تتعلق به:

الأمر الأول هو أن الوقت مناسب اليوم في أعقاب الزلزالين للمعالجة. فهناك استشعار للحاجة إلى هذا النظام الإقليمي في أوساطنا، ولدى الآخرين. وقد جرى التعبير عنها صراحة إبان أزمة المنطقة حين حدث التطلع إلى حل إقليمي للأزمة. وتأكد آنذاك أن هناك معاناة بسبب افتقاد وجود نظام إقليمي فاعل.

والأمر الثاني: هو أنه لا يوجد بعد تصور مكتمل لما ينبغي أن يكون عليه هذا النظام الإقليمي لدى الولايات المتحدة الأمريكية وحليفاتها الغربيات، وإن وجدت أفكار بشأنه، فالغرب الذي رتب بيته الغربي في معاهدة باريس أواخر عام ١٩٩١ لا يزال يفكر في ما سيكون عليه شكل البيوت الأخرى في عالمنا. ونضرب مثلاً على هذا الأمر مايطرح من أفكار في أوساط الغرب لإقامة «نظام لأمن المنطقة»، حيث نلاحظ وجود حيرة في تحديد دائرة هذا النظام ومكانها في منطقتها، فضلاً عن وجود تناقضات بين العناصر المقترحة لهذا النظام.

وقد أعلنت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة أوائل عام ١٩٩١ «أن هناك حاجة إلى نوع من بنية للأمن الاقليمي في المنطقة ينبغي لدول الغرب أن تؤيدها إن طلب ذلك إليها، وأن الأمر يتطلب إقامة نظام للحد من الأسلحة، وأن المعونة الاقتصادية داخل المنطقة يجب أن يكون لها دور، وأن يجري التصدي للمشكلة العربية الاسرائيلية بقوة متجددة». وأكدت المملكة المتحدة رغماً عنها «أن فكرة الأمن ينبغي أن تتطور من المنطقة ولا تفرض عليها من الخارج». ويلاحظ شاهرام شوبين، وهو يعرض لهذه العناصر «أن الغرب يحتاج إلى التركيز على أسباب عدم الاستقرار المحتملة، والتسليم بأن تأثير القوى الخارجية عليها محدود».

والأمر الثالث: هو أننا لم ننضج نحن أصحاب المنطقة تصوراً لهذا النظام الإقليمي، وإن ترددت أفكار بشأنه في أوساطنا. ومن الأمثلة على هذه الأفكار التي ترددت في أوساط رسمية ما تضمنه إعلان دمشق منها، وما جاء في بيان قمة التعاون الأخيرة بشأن أمن المنطقة. وقد صدرت كتابات عدة على صعيد الفكر السياسي العربي تضمنت أفكاراً تتردد في أوساط غير رسمية. وما نود أن نؤكد عليه هنا هو أن فكرنا السياسي قادر على وضع هذا التصور، وقد طرح خلال العقود الأربعة الماضية خطوطاً أساسية فيه، كان يمكن لو جرى تبنيها أن تجنبنا أهوالاً وقعت، لكن العلة كمنت دوماً في افتقاد الآلية التي تصل بين الفكر السياسي واتخاذ القرار في حياتنا السياسية العربية وممارساتنا، وما أحوجنا اليوم إلى شفاء هذه العلة.

إن الخطوة الأولى في معالجة هذا الموضوع الحيوي، بعد الوقوف أمام هذه الأمور الثلاثة، هي تحديد دائرة «المنطقة» التي يقوم فيها هذا النظام الإقليمي وفق مقياس يعتمد، لتتحدد من ثم زاوية النظر. وصعوبة هذه الخطوة نابعة من حقيقة تعدد دوائر الانتماء التي يمكن أن يكون منها الانطلاق في المعالجة. فهل «المنطقة» هي أقطار عدة تقوم فيها دول تلتقي على مصلحة معينة، أم هي دائرة القوم بكاملها، أم أنها دائرة الانتماء الحضاري العمراني الأوسع؟ وقد رأينا الغرب في معاهدة باريس يعتمد هذه الدائرة الأخيرة للوصول إلى «نظام غربي» دخلت فيه أوروبا الشرقية مع أوروبا الغربية مع كندا والولايات المتحدة. والفارق كبير بين اعتماد هذه الدائرة الشاملة وأن يكون الاقتصاد على دائرة جزئية داخلها تضم «الغرب الرأسمالي الليبرالي» الذي حمل اسم الغرب في نطاقها تمييزاً له عن شرق «أوروبي غربي» في نطاقها أيضا كان يتبنى نظاماً آخر قبل الزلزال الذي هز كيانه.

لم نمل من التأكيد على مدى ثلاثة عقود على أن مايحدد منطقتنا هو انتماؤنا العمراني الحضاري لحضارتنا العربية الإسلامية التي شاركنا في تشييد صرحها نحن العرب، مسلمين ونصارى، أقواماً أخرى ومللاً. وقد حمل هذا التأكيد في طياته التحذير من أن نقع في الخطأ الذي وقعت فيه أوروبا حين اعتمدت دائرة القوم وجعلتها سبباً للصراع بين الأقوام، وخصوصاً أن نموذجها هذا الذي فرضته علينا إبان تسلطها الاستعماري عمد أيضاً إلى تقسيم دائرة القوم الواحدة إلى دوائر قطرية أصغر، لكل منها جنسيتها، وكم ضل أولئك الذين حاولوا أن يوفروا الأمن لأنفسهم وهم أسرى هذه الدائرة القطرية الأصغر أو حاولوا أن يحققوا النماء. وما أكثر ما استشهدنا بحديث أرنولد توينبي عن هذا الموضوع وهو يشرح النتائج الوخيمة للنموذج الغربي في أوروبا نفسه، «وكيف أنها مع ذلك لا تعتبر شيئاً إزاء الضرر الذي أحدثه هذا المبدأ نفسه حين صدر إلى بلدان أخرى»، كما قال في كتابه العالم والغرب. واستحضرنا ما عمد إليه في دراسته للتاريخ حين جعل «الحضارة» وحدة الدراسة. ويلفت النظر إلى أن المدارس الفكرية في الغرب تشهد عودة إلى اعتماد هذه الدائرة في النظر إلى الأمور بعد أن ركزت فترة على «الدائرة الع

المية الكلية» باعتبارها «قرية عالمية»، وقد استشهدنا في دراسة كتبناها مؤخراً عن «الوحدة الفكرية» بما كتبه مايكل فلابوس في بحثه «الثقافة والسياسة الخارجية» من «أن الحقيقة الأكبر بالنسبة إلى القبائل العالمية هي منطقتها الثقافية وليس القرية العالمية»، والمنطقة الثقافية عنده هي دائرة العمران الحضاري. وقد انتهى من بحثه إلى «أن إحساس الشعوب بالنفس يتشكل أساساً على مستوى المنطقة الثقافية وليس على مستوى دائرة القوم أو الدائرة الأممية» [٩].

إن إغفال هذه الدائرة العمرانية الحضارية في التوجه إلى إقامة نظام إقليمي تنجم عنه نتائج وخيمة. وقد رأينا كيف أدى هذا الاغفال في مرحلة من تاريخنا المعاصر إلى حدوث صراع بيننا وبين أشقائنا الذين يمثلون عمق وطننا العربي حين وقعنا نحن وهم في أسر «رد الفعل». ولا تزال بقايا هذا الأمر تظهر في دراسات فكرية سياسية تصدر عنا وعنهم تجعل «الصراع» الذي قام هو أساس البحث بدل أن يكون «التعاون» هو الأساس والمنطلق. وما فتئنا ننبه لضرورة التخلص من هذه البقايا. ونتيجة وخيمة أخرى نراها حين يجري البحث عن دائرة جزئية بمعزل عن الدائرة الحضارية الأكبر، هي الانسياق وراء التعسف في التعامل مع الواقع. ومثل على ذلك ما نجده في الدراسات الغربية عن «أمن المنطقة»، وهي تحاول عبثاً القفز فوق حقيقة المكان في تعاملها مع هذه الدولة وتلك.

حين نعتمد «الدائرة العمرانية الحضارية» أساساً لتحديد منطقتنا وزاوية النظر في معالجة قضاياها، فإن ذلك لا يعني أن نغفل عن وجود دوائر داخلها أساسها الانتماء إلى مصلحة بعينها أو إلى جهة أو إلى قوم. فمن الممكن أن يكون «للنظام الاقليمي الحضاري» أنظمة فرعية داخله، وقد رأينا كيف شهد عقد الثمانينيات في أوله وفي آخره قيام أنظمة فرعية داخل النظام العربي.

إن الخطوة الأخرى في معالجة هذا الموضوع الحيوية بعد تحديد دائرة المنطقة، هي الوقوف أمام حقيقة وجود كيان استعماري استيطاني يحتل موقع القلب منها. وهو أحد كيانين استعماريين استيطانيين غربيين بقيا في العالم القديم، والآخر هو النظام العنصري في جنوب أفريقيا. وقد أدى زرع الغرب الكيان الصهيوني العنصري في فلسطين، قلب الوطن العربي والعالم الإسلامي إلى صراع لا يهدأ حتى يتجدد. وهذا الصراع، كما يقول تشارلز ماينز، له بعده الدولي المؤثر، ويكفي أن نشير إلى أن هذا البعد الدولي هو الذي جعل الغرب يزود هذا الكيان بالسلاح النووي، تماماً كما فعل مع نظيره في جنوب أفريقيا، الأمر الذي جعل الغرب يواجه سعي دول المنطقة لامتلاك هذا السلاح النووي. وواضح أن هذا الغرب يسعى منذ أقام الكيان الصهيوني إلى أن يضعه في موقع متميز ضمن نظام إقليمي في المنطقة يرسمه وفق مصالح آنية. وهو اليوم يستشعر إمكانية ذلك أكثر من أي وقت مضى، ومتهيئ له في هذه «المفاوضات المتعددة الأطراف». فكيف نتعامل مع هذا المستجد؟

لابديل من التمسك بموقف مبدئي جوهره أنه لا يمكن لقاعدة استعمارية استيطانية في إقليم ما أن تكون جزءاً من نظامه الاقليمي. وحتى لو تم فرض ذلك بالقوة فإن استمراره متعذر، لأن هذه القاعدة مشدودة دوماً إلى موجديها ونظامهم الاقليمي، ولأن هناك سنناً تاريخية تحكم العلاقات المتصلة بوجودها، بينها وبين من أوجدها وبينهما وبين الشعب المستهدف بها، ومنطقته المستهدفة بها أيضاً.

إن النظام الإقليمي في منطقتنا، في ضوء ماسبق، هو فعلاً موضوع حيوي ملح. وهو يستحق أن نوليه عنايتنا الفائقة في هذه الفترة. وحبذا لو أن كلاً من أمانة جامعة الدول العربية وأمانة منظمة المؤتمر الإسلامي شكلتا له «لجنة تفكر» تضم نخبة من مفكرينا في الدائرتين العربية والإسلامية لتصوغ كل منهما ورقة عمل بشأنه توطئة لمناقشة الورقتين في اجتماع مشترك للجنتين يكون عليه بلورة أفكار وتصور، وتناقشه المؤسسات المعنية فيهما وصلاً إلى إقراره.

الهوامش:

١ - عبد المنعم المشاط، الأمن القومي العربي: لا تزال هناك فرصة، » شؤون الأوسط، العدد ٣٦ (كانون الأول / ديسمبر ١٩٩٤).

٢ - ميشيل جوبير] وآخرون [، ماذا بعد عاصفة الخليج: رؤية عالمية لمستقبل الشرق الأوسط، تقديم ابراهيم نافع (القاهرة: مركز الأهرام للترجمة والنشر، ١٩٩٢).

٣ - Anthony Lake, “Confronting Backlash States,” Foreign Affairs, vol. ٧٣ no. ٢ (March) April ١٩٩٤). .

٤ - هوشنك أمير أحمدي، «إيران والتهديد الاسلامي: المقاربة الاسرائيلية الجديدة» شؤون الأوسط، العدد ٣٤ (تشرين الأول / اكتوبر ١٩٩٤).

٥ - في مواجهة الصهيونية، ترجمة خضر نور الدين ورفعت سيد أحمد.

٦ - محمد السيد سليم، «التفاعل في «مثلث القوة / إطار فكري ومؤسساتي» شؤون الأوسط، العدد ٣٣ (أيلول / سبتمبر ١٩٩٤)، وهو في الأصل ورقة قدمت إلى: ندوة «نحو حوار ثلاثي متكافئ بين العرب وإيران وتركيا» التي عقدت في بيروت بتاريخ ١٤ - ١٥ تموز / يوليو ١٩٩٤.

٧ - Charles William Maynes, “Dateline Washington: A Necessary War؟ ” Foreign Policy, no. ٨٢ (Spring ١٩٩١).

٨ - Shahram Chubin, “Post - War Gulf Security,” Survival, vol. ٣٣,no. ٢ (March - April ١٩٩١) …

٩ - Michael Vlabos, “Culurte and Foreign Policy,” Foreign Policy, no. ٨٢ (Spring ١٩٩١) …



[ Web design by Abadis ]