ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 ايران و مصر ثقافيا \ صادق خورشا *

ملخص

الاتجاه نحو الدراسات الشرقية في مصر خلال نصف القرن الماضي ربط ايران ومصر برباط ثقافي وثيق خاصة بعد أن آمن رواد هذه الدراسات بأهمية الدراسات الأدبية واللغوية والتراثية الفارسية باعتبارها مساحة هامة من مساحات الحضارة الاسلامية، وهي مما لايمكن أن يغفل عنه جميع المتطلعين الى نهضة العالم الاسلامي انطلاقاً من جذوره الحضارية.

في مطلع القرن العشرين، لمع في أفق مصر نجم «الدراسات الشرقية» على يد رائدها الدكتور «عبد الوهاب عزام»، وكان لهذا الإنجاز إرهاصاته وأسبابه. ولكي نرى الصورة واضحة وكاملة لابد لنا من إلقاء نظرة على هذه الحقبة التاريخية وعلى المجتمع المصري آنذاك ومدى تفاعله مع هذه النهضة الحديثة التي واكبتها

تغيرات عامة في كل المناحي. وسنحاول أن نتلمس مدى إرتباط بداية الدراسات ـ

* - استاذ الأدب المقارن في جامعة العلامة الطباطبائي.

الشرقية في مصر بهذه المتغيرات، وإن كنا نرى أنها رد فعل طبيعي للأحداث الاجتماعية والسياسية العامة، أي إنها حركة علمية أدبية ترتكز على دعائم اجتماعية سياسية، ولكن كيف ذلك؟ هذا ما سنعرض له في السطور التالية.

الحياة الثقافية في مطلع القرن العشرين

كانت مصر آنذاك في طور انتقالها من حياة القرن التاسع عشر إلى حياة القرن العشرين وبدأت حقبة من الزمان ذات أهمية كبرى في تاريخها الحديث. حدثت فيها تطورات فكرية واجتماعية وسياسية خطيرة، صيرت هذه المرحلة حلبة صراع بين إنجلترا و فرنسا على تثبيت كل منها نفوذها السياسي والثقافي وحتى الأدبي على هذه الأمة.

ويرجع اتصال مصر الحديثة بفرنسا إلى الحملة الفرنسية. ومنذ ذلك الحين كانت فرنسا ترى أنها الوريثة الوحيدة لهذه الديار وإن لم تتمكن منها عسكرياً فلتحكم قبضتها الثقافية عليها وقد عمدت في ذلك إلى الإرساليات التبشيرية والعلمية. فقد أسس الآباء العزاريون أول مدرسة فرنسية بمصر سنة ١٨٤٤م، ثم جاء «الفرير» وأسسوا أول مدرسة لهم سنة ١٨٤٥م، واعترفت الحكومة المصرية بخدماتهم التعليمية للبلاد فوهبتهم بعد خمسة أعوام من قدومهم إلى مصر قطعة فسيحه من الأرض شيدوا عليها مدرستهم [١]. ثم جاء دور الراهبات الفرنسيسكان، وأسسن مدرسة لتربية الفتيات سنة ١٨٤٦م. وهكذا توالت المدارس الفرنسية بعد ذلك وعلى الرغم من روح الإلحاد التي كانت سائدة في فرنسا فقد شجعت رجال الدين ليقوموا بنشر ثقافتهم في الخارج، كما أرسلت البعثات العلمانية إلى مصر فأسست عدداً من المدارس «تعمل على احترام جميع العقائد! ونشر الثقافة الفرنسية!» وما كادت سنوات العقد الأول من القرن العشرين تلملم أذيالها حتى كثرت أعداد تلاميذ هذه المدارس وازدادت بصورة ملحوظة.

وتشير التقارير إلى [٢]: «أن في نهاية عام ١٦٢٥م زاد عدد تلاميذ المدارس الفرنسية بمصر إلى أكثر من اثتين وأربعين ألف تلميذ وتلميذة».

أما عن انجلترا وسعيها في هذا الصدد، فقد عملت في البداية جاهدة على إخراج «نابليون» من مصر ثم شرعت في بسط سيطرتها عليها. ولقد هزم الإنجليز في موقعة «رشيد» هزيمة نكراء يحدثنا عنها التاريخ وعن بسالة أبناء المحروسة في الذود عن بلادهم. وقد حذت حذو فرنسا ممنية نفسها بأن تجني من وراء الإرساليات ثماراً يانعة، وكانت أولى هذه البعثات تبشيرية عام ١٨٤٠م.

ثم تأتي بعثة «مس وتلى» ابنة رئيس أساقفة «دبلن» الشهيرة، وقد وهبت هذه الفتاة نفسها لتحقيق مهمة عسيرة وهي جذب الفتيات المصريات إلى المدرسة للتعليم والثقافة وقضت فترة تربو على عشر سنوات محاولة ذلك، حتى كللت كل هذه المحاولات في نهاية المطاف بـإهداء الخديو إسماعيل لها قطعة من الأرض شيدت عليها مدرسة وبأموال الخديو نفسه.

كما انتشرت المراكز الثقافية في مصر متمثلة في المدارس والفروع الخاصة بالتعليم على أيدي البعثات الأمريكية [٣] التي لم تترك محافظة كبرى من محافظات مصر إلا ونشرت مدارسها ومعاهدها فيها.

وظلت كفة الميزان تتأرجح بين فرنسا وإنجلترا، كل منهما يحاول بسط نفوذه إلى أن سددت لمصر الضربة القاضية إثر الثورة العرابية التي كانت الذريعة المثلى للإنجليز فدخلوا مصر تحت ادعاءات كاذبة وأسباب واهية [٤].

وقد كان هذا الصراع بين اللغتين الإنجليزية والفرنسية في مصر على حساب اللغة العربية. وكان له آثاره التي انعكست على الحياة الثقافية فأصبحت لغة التعليم في نهاية الأمر هي اللغة الإنجليزية، ولم يبق الاحتلال على اللغة العربية إلا في مدرسة واحدة هي «دار العلوم» التي أبقى عليها الشيخ «محمد عبده» بدهائه ومهادنته للإنجليز وخاصة صديقه اللدود «گرومر»، ويتحدث عن دار العلوم الشيخ محمد عبده قائلا:

«إن باحثاً مدققاً لو أراد أن يعرف أين تموت اللغة العربية وأين تحيا، وجدها تموت في كل مكان، ووجدها تحيا في هذا المكان» [٥].

وقد نادي «محمد عبده» بالاستقلال والنهضة، وكان يرى أنه لابد من تهيئة الشعب المصري بالكامل وتعبئته لحمل أعباء هذا الاستقلال، وقد اعتنق تلاميذه فكرة الإصلاح وعلى رأسهم سعد زغلول ولطفي السيد وحافظ إبراهيم.

ثم جاءت النهضة القومية على يد مصطفى كامل وعاد إلى الأخذ بأساليب الرقي والنهوض مع ضرورة التخلص من ربقة الاحتلال وعبوديته. كما اتفق مع تلامذة «محمد عبده» على وجوب العناية بكل ما يرقى بالأمة في مجالات الصناعة والعلوم والتجارة والحرب حتى يتحقق الاستقلال ومن ثم يمكنهم المحافظة عليه [٦] …

وينادي «مصطفى كامل» في عام ١٩٠٤ – ١٩٠٥م بانشاء جامعة مصرية [٧] ويقوم على هذا المشروع جماعة من المصلحين الذين آمنوا بمبادئ «محمد عبده»، ويهلل الشعراء بانشائها، فهذا شوقي يقول فيها:

ألق في أرض منف أس جامعة

وانفض عن الشرق يأسا كاد يقتلـه

من نورها تهتدي الدنيا بنبـراس

فلا حياة لأقوام مـع اليـاس [٨]

وأنشأت الجامعة المصرية، وتوالت بعدها الأحداث على مصر، الثورة العارمة ومظاهرات النساء عام ١٩١٩م، وتغيير نظام الحكم، وإستقلال البلاد (نسبياً) ثم تصريح ٢٨ فبراير ١٩٢٢م الذي منحت مصر به الدستور.

ولأنه من الصعب دحر الفساد في سنوات معدودة فقد ظلت آثار الاحتلال البريطاني في مصر حتى بعد رحليهم.

فالأجيال التي تربت على أيديهم بالأمس أصبحت هي رجالات الدولة اليوم وأضحت مصر تحاكي إنجلترا في كل شيء فنرى الدكتور طه حسين يقول في ذلك:

«حياتنا المعنوية على اختلاف مظاهرها وألوانها أوربية خالصة، نظام الحكم عندنا أوروبي خالص، نقلناه عن أوربا نقلا في غير تحرج ولا تردد، وإذا عبنا على أنفسنا بشيء من هذه الناحية فإنما نعيبها بالإبطاء في نقل ما عند الأوربيين» [٩].

واندفع أصحاب الأقلام الشريفة يذودون عن تاريخهم وتراثهم وبدأت حركة مضادة للتغريب الثقافي ودافع الكثيرون عن أمتهم وأصالتها. وهناك من تأرجح في مواقفه فعلى سبيل المثال نرى المنفلوطي [١٠] الذي ترجم من الأدب الغربي، نراه في مقالة «المدنية الغربية» يقول: «إن كان لابد من الدعوة إلى إصلاحها فلندع باسم المدنية الشرقية لا باسم المدنية الغربية… إن دعوناهم إلى الحضارة فلنضرب لهم مثلا بحضارة بغداد وقرطبة وفينقيا، لا بباريس ورومية وسويسرا ونيويورك…».

وعلى كل لم تخل هذه الفترة من تضارب في الرأي، بين غلاة يحاولون ربط الشعب المصري بكل ما هو غربي، ومعتدلين نادوا بالجمع بين محاسن تقاليدنا، ومحاسن المدنية الأوربية [١١] وبين من تمسكوا بالتقاليد بإصرار منعهم حتى من النظر لمحاسن الغرب الحضارية يقول المنفلوطي «أصبحت أعتقد أن مفاسد الأخلاق والمدنية الغربية شيئان متلازمان و توأمان متلاصقان، لا افتراق لأحدهما عن صاحبه، إلا إذا إفترقت نشوة الخمر عن مرارتها، فكيف أتمناها لأمة هي أعز علي من نفسي التي بين جنبي» [١٢].

أما الحياة السياسية فقد تخيل الإنجليز منذ وطئت أقدامهم أرض مصر ١٨٨٢م أن الشعور الوطني قد مات في قلوب المصريين. وباتوا في هذا السبات حتى أفاقوا على أصوات الشعب الهادرة في كل مكان، بقيادة مصطفى كامل الذي سارت وراءه جموع الشعب تطالب بالاستقلال وتضحي بالأرواح في سبيل تحقيق ذاتها.

وتغنى الشعراء باسم الإسلام والوطنية ونندوا بالاستعمار، غير أن بعضهم كان متحفظاً في مجاهرته العداء للإنجليز أمثال أمير الشعراء «أحمد شوقي» ولهذا أسبابه، منها: أنه كان وقتها شاعر القصر، فهو برغم حبه العظيم الذي اشتهر به لوطنه، إلا أنه كان مكبلاً بقيود المحبة والقربى للأمير «عباس».

ووقعت في هذه الفترة أحداث جسام كحادثة «دنشواي» [١٣] الشهيرة وهي حادثة لن تمنحي من ذاكرة التاريخ المصري الثوري على مر عصوره. وقد استغل الوطنيون هذه الحادثة للتنديد بالاستعمار وأبلى في هذه المعركة «مصطفى كامل» بلاء حسناً حيث أسمع صوته للعالم أجمع عن طريق مقالاته في الجرائد الفرنسية، وكان من نتيجة ذلك أن أجبر اللورد «كرومر» على الاستقالة.

ثم حدثت ثورة مصر ١٩١٩م وعاد سعد زغلول من منفاه بعزم وقوة الجماهير التي خرجت عن بكرة أبيها غير خائفة من نيران بنادق الاحتلال.

وفي ٢٨ فبراير من عام ١٩٢٢ عاد إلى مصر استقلالها واعترفت إنجلترا بهذا الاستقلال – بأربعة قيود – ومنحتها الدستور وكانت خطوة على الطريق.

في هذه الأحوال السياسية وبرغم المحن التي توالت على الشعب المصري، فقد انتشرت الصحف اليومية والمجلات الأسبوعية مثل الهلال – المقتطف – السياسة الأسبوعية – البلاغ – الرسالة – والثقافة.

بل انتشر واشتهر الشعر السياسي في هذه الفترة على أيدي البارودي وأحمد شوقي وحافظ إبراهيم وخليل مطران وإبراهيم صبري وغيرهم.

وكذلك اشتهرت الأناشيد الوطنية وقلما تجد من شعراء العصر الحديث من ليس له نشيد قومي، ومن أشهرها في هذه الفترة نشيد «بلادي» الذي أصبح فيما بعد النشيد الوطني لمصر ونأخذ مثالا على الأناشيد الوطنية نشيد الرافعي الذي يقول:

اسلمي يا مصر إنني الفدا

أبداً لن تستكيني أبداً

ومعي قلبي وعزمي للجهاد

لك يا مصر السلامة

إن رمـى الـدهر سهـامـه

ذي يدي إن مدت الدنيا يدا

إنني أرجو مع اليوم غدا

ولقلبي أنت بعد الدين دين

وسلاماً يا بلادي

أتقيـهـا بفـؤادي

واسلمـي فـي كـل حـين

المظاهر الاجتماعية

كان نتيجة للأحداث السياسية المتعاقبة والتفاعلات الثقافية في العصر الحديث أن وجدت عدة مشكلات اجتماعية، منها التفاوت الاجتماعي بين الطبقات، والفقر الذي عم البلاد، وتزايد المعاناة الاجتماعية بشكل عام نتيجة للضغوط السياسية المتمثلة آنذاك في الاحتلال الإنجليزي، ولما نتج ونجم عن الحرب العالمية الأولى وبعدها بسنوات الحرب العالمية الثانية كذلك بروز مشكلة كبيرة هي قضية الأطفال المشردين، وقد انعكس هذا في شعر كبار الشعراء في تلك الفترة أمثال «حافظ إبراهيم» [١٤] و «خليل مطران» وغيرهما.

وظهرت مسائل أخرى على السطح منها محاكاة الغرب في حضارته وثقافته وأدبه وكانت هذه هي لب المعركة بين القديم والجديد. وقد دارت فيها الجولات على صفحات المجلات والجرائد، وتشعبت هذه القضايا إلى قضايا فرعية منها الدعوة الى العامية وهذه الدعوة قد بدأها في القديم السير «وليام ويلكوكس» وله جهود عديدة في محاولة تحقيق دعواه، منها محاضرته الشهيرة في ميدان الأزبكية عام ١٨٩٣ وقد نشرتها مجلة الأزهر في نفس الأسبوع وهو يدعو فيها إلى هجر الفصحى لأنها السبب في تأخر المصريين وعدم نبوغهم. ولكن دعوته هذه التي دعمها بعدة مؤلفات له لم تلق النجاح بل هاجمها الأدباء والكتاب ورجال الدين والوطنيون المصريون.

كما أحيا هذه الدعوة «سلامة موسى» [١٥] ولكنه رأى أن تكون هناك تسوية بين العامية والفصحى، وتبعه في ذلك «محد تيمور» والذي طبق دعوته عملياً بأن ألف بها القصص والمسرحيات.

وقد أثارت هذه الدعوى سخط الأدباء والكتاب، ولكنهم أنقسموا على أنفسهم منهم من يؤدي الفكرة على تحفظ ومنهم من يعارضها تماماً، وهناك أصحاب الدعوة نفسها والذين رفضوا الكتابة بالفصحى وتكونت لأنصار العامية جماعة مازالت حتى الآن تنادي بها في مصر.

على أي حال، كان هذه العصر هو عصر احتدام الصراع بين التقاليد الشرقية والمدنية الغربية، الشرقية تدعو إلى التمسك بالقديم بكل مظاهره من معتقدات وأساليب لغوية ونظم اجتماعية وسياسية وغير ذلك، والثانية تدعو إلى تحطيم التقاليد الموروثة واستبدالها بما استحدثته الحضارة الجديدة. وهناك من جمع بين الاثنين.

فكانت المعركة حامية الوطيس وصلت في بعض الأحيان إلى تبادل الشتائم على الورق فنقرأ للرافعي [١٦]. وهو يقول في «طه حسين»:

على أنه لو كان أستاذ الجامعة بليغاً معروفاً وشاعراً معدوداً وحكيماً متفلسفاً ثم كان فيه شيء من تلك الخلال السوء لنزلت به وغضت منه فكيف وهو ذلك الذي عرف الناس جميعاً أنه سيء الفهم في أساليب البيان، … قاصر الذهن في معاني الشعر… غليظ الحس بليد التصور منطفئ الخيال… ثم مع هذا كله يجمع في كل هذا الدعوى الفارغة والاستطالة والشر وبذاءة اللسان… الخ.

ثم ظهرت دعوة أخرى وهي «تحرير المرأة» التي فجرها قاسم أمين والتي يرى فيها أن المرأة المخدرة لا تنفع الأمة، ويدعو إلى السفور و مشاركة المرأة الرجل في الحياة تقليداً لأوروبا. وجاءت بعد ذلك ملك حفني ناصيف [١٧] وأيدت دعوة قاسم أمين مع تحفظها، ورفضها الاختلاط بين الجنسين، وأنشدت القصائد في ذلك، ورد عليها أمير الشعراء أحمد شوقي الذي لم توافق هذه الدعوة – في أول الأمر – هواه، فينشد قصيدته: صداح يا ملك الكنار ويا أمير البلبل.

وترد عليه ملك بقصيدة طويلة توضح رأيها وأنها سلكت الاعتدال في موافقتها لدعوة قاسم أمين.

ولم تقف أصداء هذه الدعوة عند هذا الحد بل تذكر المنار من الجزء الرابع لعام ١٩٠١ أنه أُلف في الرد على قاسم أمين أكثر من ثلاثين كتاباً.

وقامت هدى شعراوي تخطب من أجل حقوق المرأة، وتشكلت الحركة النسائية وكونت «الاتحاد النسائي» وانضمت إليها مي زيادة وعائشة التيمورية ونظمت المحاضرات في الجامعة المصرية.

وانقسم شعراء مصر في مواجهة هذه الدعوة بين مشجع ومندد، فذكرنا ماحدث بين شوقي وملك ناصيف الذي مالبث أن رأى أن المرأة من الحكمة أن تستجيب لدعوة «قاسم أمين» وتحاول جاهدة تمزيق حجابها ثم يرثي أحمد شوقي قاسم أمين بعد موته وكأنه في هذا الرثاء يؤدي دعوته الشهيرة.

ماذا رأيت من الحجاب وعسرهٍ

رأي بدا لك لم تجده مخالفاً

إن الحجـاب سمـاحة ويسارة جهلـوا حقيقتـه وحكمـة حكمـه

فدعوتنا لترفق ويسار

مافي الكتاب وسنة المختار

لولا وحوش من الرجال ضـواري

فتجـاوزوه إلـى أذى وضـرار

وبعد عودته من المنفى، يجهر بتأييد السفور في أشعاره، ويدلي حافظ بدلوه في هذه القضية ولكنه يقف موقفاً وسطاً، وفي النهاية تجتمع الآراء على ضرورة النهوض بالمرأة وتعليمها واختلفوا على أصل القضية إلى الآن.

وكذلك نرى النهضة الدينية في هذه الآونة تقوى في مصر، وكانت رد فعل على المفاسد التي تفشت أعقاب الحرب العالمية الأولى وأسست في ١٩٣٧ جمعية الشبان المسلمين، وازدادت أعداد المقبلين عليها من العشرات إلى الألوف، ولم تكن هذه الجمعية وحدها التي تذكي الشعور الديني في الشباب، لكنه كان هناك الحزب الوطني، وكذلك وجدت الصحافة الدينية التي كانت تذود عن الدين في مقابل الإلحاد الذي انتشر بين المفكرين المتشبعين بعلوم الغرب، وكانوا على جهل بدينهم أو تأثروا بآراء المستشرقين الذين لم يهتم أغلبهم بالدراسات الشرقية والدين الاسلامي، إلا لينالوا منه ويقللوا من قيمته.

وهكذا، راج نوع من الأدب في هذه الآونة هو الأدب الاجتماعي والديني وانتشرت المجلات والصحف المتحدثة بلسان كل فريق فعمقت الأفكار السليمة في أذهان الأمة، وأخرجتها من حالة الجمود الفكري.

والحقيقة أن مشكلة الفقر وقضية الدين بين الحرية والالتزام ومسألة السفور والحجاب لم تكن هي قضايا العصر، فالحالة الاقتصادية العامة كانت هي مشكلة المشكلات في مصر، فنزيف نهب الثروة الذي تعرضت له مصر منذ القديم أضعف اقتصادها، بل إن المستعمر كان قد غرس في روح المصريين وأفكارهم أنهم لا يصلحون للعمل والإنتاج حتى جاء مشروع تأسيس «بنك مصر» وشركاته المتعددة مما أثرى الحياة الاقتصادية وكان خطوة على الطريق قام بها رجال أحبوا بلادهم من أمثال طلعت حرب الاقتصادي الشهير وهكذا بدأت عجلة الاقتصاد تدور وتنتج.

الدراسات الشرقية

لقد بدأت الدراسات الشرقية وآدابها في مصر، في مطلع القرن العشرين، على يد رائدها الكتور «محمد عبد الوهاب عزام» الذي نال درجة الدكتوراه في الآداب بأطروحته عن الشاهنامة، وبنظرة سريعة إلى مؤلفه الأول «تاريخ الامة العربية» نجده يهتم بأحوال وطبيعة الجزيرة العربية القديم وما كانت عليه بلاد العرب وأحوال القبائل القديمة مثل قبيلة نجد وعدنان وحمير وكهلان ثم ينتقل بعد ذلك للحديث عن الرسول (ص) ويسرد حياته وغزواته ودعوته إلى الاسلام «ثم يتحدث عن اليهود وقد أفرد لهم الفصل الخاص من كتابه فأبان خطرهم على الأمة العربية حيث كانوا».

وهكذا نرى في إرهاصاته الفكرية عميق الاحساس بالخطر المحدق بإلاسلام.

«وكان النثر المطلق قد أخذ يتنفس حياته لدى حسين والعقاد والمازني فكان الأستاذ عزام يومذاك يحمل مشعله في الطليعة وكانت مقالاته البليغة تبعث روح العروبة من مكامنها فترد الأمل إلى انتظار عصر مشرق بدنيا العروبة والإسلام» [١٨].

وهكذا تابع الدكتور عزام مقالاته في مجلة الثقافة وكذلك مجلة الرسالة وأثرى الحركة الفكرية عن طريق محاضراته في الجامعة التي تناولت الآداب العربية الشرقية، والشعراء الكبار في تلك الآونة، وقد عرف بطبيعته الدينية العرفانية وشخصيته الشرقية الأصيلة. وقد تحدثنا آنفاً عن الحياة الاجتماعية وكذلك الحياة الفكرية في هذا القرن ورأينا كيف حدثت ثورة في الفكر فتحت الأبواب على مصاريعها لدخول النور الجديد. كما أن الفكر الغربي قام بغزو عقول أغلب المفكرين في هذه العصر وانتشرت الثقافة الأجنبية متمثلة في إرساء دعائم اللغة الانجليزية في كل مكان، وعليه زاد الاهتمام بالتراث الإنجليزي والفرنسي بل لقد تضاءل التراث الإسلامي – في أعين الكتاب الذين انبهروا بالفكر الغربي – في مواجهة الثقافة الغربية.

وكان هذا كله من عمل الاستعمار، على أن هناك فئة تمسكت بموروثاتها وإن وجدت في الغرب حضارة من الحكمة استثمارها في خدمة الحضارة الشرقية، وعليه بدأوا حركة الإصلاح، كل في مجاله. فبذلوا جهوداً مختلفة لإصلاح ما أفسده الاستعمار والاحتلال [١٩].

وكانت أولى خطوات عزام على الطريق إلى إرساء دعائم «الدراسات الشرقية» بطريقة علمية، ففي بادئ الأمر اعتنق «عزام» روح العروبة، في أدبه وحياته وفرق بين العروبة والعصبية القبلية ودعى في مقالاته الشهيرة إلى عدم الانبهار بالغرب وأكد على التمسك بالتقاليد الأصيلة حيث يقول:

«قل للذين يلتفتون عن المشرق ليولوا وجهوههم شطر المغرب، إنما تعرضون عن أنفسكم وتاريخكم، فابدأوا بأنفسكم فاعرفوها، ثم اعرفوا لغيركم أقدارهم، ولا تبخسوا الناس أشياءهم» [٢٠].

وفي ركب هذه الثورة الفكرية التي اجتاحت مصر عنى الأدباء بالترجمة أشد الاعتناء، فترجموا روائع الأدب العالمي وعرف الأدب العربي معنى الملاحم مثل الياذة هوميروس التي ترجمها البستاني، وتوالت تراجم الملاحم بعد ذلك.

وهنا بدأت شرقية الرجل النبيل تتحرك من كوامنها، ورأ أن حصر الأدب الإسلامي في إطار العروبة يضر بها أشد الضرر فالتراث الإسلامي لا يخص العرب وحدهم بل هو شرقي أي فارسي و تركي و أوردي و… وفي كل هذه الأمم حضارات فاقت كل الحضارات الغربية فلماذا نبتر تاريخ الشخصية المسلمة ونقوضه في إطار عربي ومن هنا كانت دراسته للغة الفارسية ودخوله بشجاعة إلى رحاب الشاهنامة في بداية حياته ونظمها بالعربية فجاءت في مصاف الملاحم الكبرى، وهو بهذا العمل قد فتح الأبواب ومهد الطريق لتناول التراث وإحيائه والتعريف به للأجيال التي غاب عنها امتداد جذورها.

ولقد تحدثنا عن نشأة الجامعة المصرية التي نادى بها مصطفى كامل وكانت حتى عام ١٩٣٥م تضم أربع كليات: الآداب، والعلوم، والطب والحقوق وفي نفس السنة ضمت إليها كلية الهندسة والزراعة والتجارة وفي عام ١٩٤٠ سميت بجامعة «فؤاد الاول» [٢١].

ثم توالت بعثات الجامعات المصرية بجانب بعثات وزارة المعارف وكانت أكثرها إلى إنجلترا لدراسة العلوم والطب والهندسة واللغات الاوربية واللغات الشرقية، وكانت سفرة عزام إلى إنجلترا ضمن هذه البعثات. وكان الدكتور «عزام» قد إلتحق مدرساً بكلية الآداب جامعة القاهرة (فؤاد الاول) في عام ١٩٢٧م، وقد رأى هو ومن يقومون على إرساء القواعد الأساسية لكلية الآداب أن تقترن دراسة اللغة العربية باللغات الشرقية حرصاً منهم على ربط الشخصية الاسلامية بجذورها وفروعها، لعلمهم أن الحضارة الاسلامية قامت على أكتاف الفرس ومن حق الذين ينتمون إلى الاسلام أن يعرفوا حضارتهم وسر نبوغهم. وبدراسة اللغة الفارسية والتاريخ الفارسي سيكشف المسلم عن حضارته العريقة ودررها الغالية وقد أكد هذا تلميذه الشوار بي فيقول:

«أما الذين قصروا في تحصيل الثقافة الاسلامية على مادون منها بالعربية فلا أحسبهم إلا مقصرين في الطلب… أو متمكسين بأوهي الأسباب ولو أنهم استكملوا عدتهم وأخذوا أهبتهم لاكسبوا أبحاثهم كثيراً من المتعة والدقة والخطر كما يفعل عادة بعض المستششرقين الذين نظروا إلى الثقافة الاسلامية نظرة واسعة، لم يقفوا بها عند النظرة الضيقة التي تجعلها عربية فحسب [٢٢] ».

وفي عرضنا للمعركة الدينية في أوائل القرن الماضي قلنا إن هذه الحركة أثرت الفكر الديني بعامة والفكر الاجتماعي بخاصة، ورأينا كيف قامت الجمعيات الاسلامية في مصر، ومن هذا المنطلق الديني وبهذا الفكر الشرقي الأصيل المتأثر بالنهضة الدينية آنداك وقف الدكتور عزام بالمرصاد للدعوة الشهيرة التي نادى بها عبد العزيز فهمي، وهي الكتابة بالحروف اللاتينية على غرار مافعله أتاتورك في بلاده.

فقام خطيباً في المحاضرات وكاتباً في مجلة الرسالة التي كانت مسرحاً لنوابغ الفكر المعاصرين، ولم يترك باباً إلا قد طرقه وعدها معركته الشخصية حتى تمكن من إخماد أوار هذه الدعوة. ولإجادته اللغات الشرقية كانت له مشاركات فكرية وصداقات مع الشعراء والمفكرين من أهل اللغات وهذا مامكنه من معرفة النتائج الوخيمة التي حدثت لتركيا من جراء تحقيق هذه الدعوة الخبيثة، وعرف أن هناك محاولات مشابهة حدثت في إيران ولكن الشعب الايراني المسلم بعامة ورجال الدين بخاصة وقفوا لها بالمرصاد وأحبطوها.

وهكذا جعل عزام يؤكد على ضرورة التواصل بين الأمم الشرقية المسلمة لإحباط أية مؤامرة تستهدف الشعوب الاسلامية في أي دولة كانت.

ونقل أدب إقبال إلى العربية شعراً ونثراً، ونظم منظومة سماها «اللمعات» وأهداها إلى إقبال ونشر مقدمتها في مجلة الرسالة.

ولم تكن هذه المرة الأولى التي يتعرف فيها العرب على إقبال من خلال عبد الوهاب عزام فسبق أن قدم إقبال إلى مصر في عام ١٩٣١م وأقامت له جمعية الشبان المسلمين الاحتفال اللائق به [٢٣] وقرأ الدكتور عزام طرفاً من شعر إقبال في هذا الحفل.

وبدأت أشعار وأعمال إقبال تدرس في الجامعة على يد الاستاذ وتلامذته وكانت رسالته إلى الزملاء أنه لو استطاع كل واحد منهم أن يترجم عملاً أو أكثر من اللغة التي يتقنها لأثروا المكتبة العربية بالكنوز الأصيلة.

ولم يهدأ الدكتور عزام وتلامذته النبلاء حتى صارت اللغة الفارسية تدرس في أكثر من جامعة وحقق الأمل في أن ينقل الدراسات الشرقية من أيدي المستشرقين إلى أيدي الشرقيين. وعلى سبيل المثال فقد أصبحت اللغة الفارسية تدرس في كلية الآداب، وكلية دار العلوم بجامعة فؤاد الأول (القاهرة) ومعهد اللغات الشرقية ومعهد الآثار الاسلامية الملحقين بهذه الجامعة. كما تدرس في كلية الآداب بجامعة فاروق الأول وفي الجامعة الأزهرية والجامعة الأميركية بمدينة القاهرة، والمدرسة العليا للثقافة الأثرية التابعة لوزارة المعارف، وهذا في فترة الأربعينيات. وفي عام ١٩٥٠م تأسس قسم اللغات الشرقية بجامعة عين شمس وبدأت الفارسية تدرس لغةً مستقلة وبعد تحقيق الحلم انتشرت أقسام اللغة الفارسية في باقي جامعات مصر وفي الإسكندرية على يد الدكتور طه ندا بدعم من الدكتور «طه حسين» والدكتور عبدالوهاب عزام، إذ حمل الدكتور «طه ندا» - رحمه الله - عبء إعداد الجيل الأول من خريجي جامعة الاسكندرية.

الهوامش:

١ - تاريخ مصر في عهد الخديو اسماعيل – ح ١ ص ٢١٨.

٢ - تقرير وزارة المعارف عام ١٩٣١ – ١٩٣٢م.

٣ - والحقيقة أن هذه البعثات لم يتوقف نشاطها على مصر فقط بل امتدت إلى بلاد الشام والدول العربية المجاورة أيضا: أنظر في ذلك الفنون الأدبية وأعلامها – أنيس المقدسي – ص ٣٠ - ٣٧ نشر دار العلم للملايين.

٤ - انظر الأدب الحديث – عمر الدسوقي – الجزء الأول – الفصل الخامس.

٥ - تقرير وزارة المعارف في عام ١٩٠٤ بخط الشيخ «محمد عبده» لمزيد من التفاصيل عن حياة الشيخ محمد عبده انظر على سبيل المثال الأدب الحديث، عمر الدسوقي الجزء الأول والثاني؛ الأدب المقارن للدكتور سعيد جمال الدين – فصل خاص عن محمد عبده.

٦ - مصطفى كامل – تأليف عبد الرحمن الرافعي – الطبعة الثانية ص ٣٠٧.

٧ - مصطفى كامل – الرافعي ص ٩٣ – ١٣٩ - ١٤٢.

٨ - الشوقيات – الجزء الأول – ص ١٥٨.

٩ - مستقبل الثقافة في مصر، ٣٠ - ٣٢.

١٠ - مصطفى لطفي المنفلوطي (١٨٧٦ – ١٩٢٤).

١١ - وجدت هذه النغمة صدى في أقوال الشعراء، انظر على سبيل المثال ديوان حافظ إبراهيم، ج ١، ص ٢٦٠.

١٢ - النظرات – الجزء ٣ – مقالة (مدينة الغرام).

١٣ - في عام ١٩٠٦، ذهب إلى قرية «دنشواي» جماعة من الإنجليز لصيد الحمام، فانفلتت متهم رصاصة أصابت إمرأة وحرقت جرن قمح، فتجمع الأهالي عليهم، فاعتدى البريطانيون على الأهالي بالأسلحة، وقتلوا شيخ الخفراء، فما كان من الأهالي إلا أن غضبوا ورموا الجنود بالحجارة، فجرح أحدهم جرحاً طفيفا، وفروا من معه لمسافات طويلة في الشمس المحرقة فمات أحدهم متأثرا بضربة شمس، وعقدت بعدها محاكمة عسكرية قضت على واحد وعشرين رجلا بأحكام مختلفة وبالإعدام شنقا على أربعة أبرياء، ونفذ الحكم علانية في نفس مكان الحادث. (راجع: مصطفى كامل – عبد الرحمن الرافعي، ص ١٩٧).

١٤ - أنظر، أشعار حافظ ابراهيم في الأعوام ١٩١٥ وهو يدعو اللإحسان، ١٩١٦ في الجمعية الخيرية و١٩١٦ في دارالعميان، ١٩١١ في ملجأ الحرية، كمثال اللاتجاه الشعري في تلك الفترة.

١٥ - نص المقالة نشر بمجلة الهلال أول يوليو ١٩٣٦م، (انظر كذلك مجلد الهلال التاريخي بمناسبة مرور مائة عام على تأسيسها).

١٦ - مصطفى صادق الرافعي – تحت راية القرآن – الطبعة ١٠ – ص ١٢٥.

١٧ - ملك حفني ناصيف هي باحثة البادية كما أطلقت عليها (مي زيادة) في مقالاتها بمجلة المقتطف وكانت صديقتها، ولما توفيت في ١٩٨١ خلدت (مي) ذكراها بنشر أعمالها وآثارها تحت هذا الاسم فاشتهرت (ملك) به بعد وفاتها.

١٨ - أنظر: عبد الوهاب عزام – للمحاسني – ص ٢٠ - ٢٢.

١٩ - مستقبل الثقافة في مصر – ١٩٣٨ القاهرة، ص ٧٧.

٢٠ - الرحلات – الطبعة الثانية – ١٩٣٨ م ص ٢٠٣.

٢١ - تقويم الجامعة ١ – ٤.

٢٢ - القواعد الأساسية لدراسة الفارسية – إبراهيم أمين الشورابي – ١٩٤٩م.

٢٣ - محمد إقبال سيرته وفلسفته ص ٦.



[ Web design by Abadis ]