ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 قيم التضامن و التكافل في التراث العربي و الإسلامي و أبعادها الإنسانية \ محمد قجة *

ملخص

الطبيعة الالهية في نفس الانسان تدعو البشرية بمختلف أديانها ومذاهبها وقومياتها الى التضامن والتكافل، وكلما كانت الجماعة البشرية أقرب الى الفطرة كانت أقرب الى روح التضامن والتكافل، نشاهد قيم التكافل والتضامن حتى عند العرب الجاهليين بسبب حياتهم الفطرية البعيدة عن تعقيدات الحياة الاجتماعية. ثم جاء الاسلام ليرسخ حياة حضارية قائمة على أساس قيم التكافل والتضامن. نشاهد معالم ذلك في الفكر والمواقف والادب.

تمهيد:

تحتل الحضارة العربية والإسلامية مكان الصدارة بين الحضارات البشرية عظمة وتراثاً وبعداً إنسانياً وثراء ثقافياً، وامتداداً عبر الزمان والمكان والتنوع

ـ

* - رئيس جمعية العاديات، حلب.

والتسامح وسعة الأفق.

وقد استطاعت هذه الحضارة أن ترسي جملة من القيم والمثل عبر تاريخها الطويل، وأن تكرس تلك القيم والمثل نماذج ثقافية وتراثية وسلوكية وإبداعية، تركت آثارها العميقة والجمة في شتى ميادين المعرفة الإنسانية.

وكان الإنسان - دائما - محور اهتمام تلك الحضارة، وعماد تلك القيم، وإليه اتجهت كل الدراسات والعبر والمواعظ والتجارب، بحيث خلفت لنا تلك الحضارة

العربية والإسلامية نماذج من العطاء الفكري الإنساني لا حدود لها.

ويمكننا التوقف لدى بعض الأمثلة لتلك القيم الحضارية في مجالات:

- الثقافة العربية والإسلامية.

- الفكر الحضاري الإنساني.

- الأدب والإبداع والتراث.

ولكن لن يأخذ البحث طابع الإحصاء والحصر، فهذا غير ممكن نظراً لتشعب جوانب الموضوع وضخامتها، وإنما سأتوقف عند بعض الأمثلة من التراث الفكري العربي والإسلامي، في سياق المحاور التي تشكل الموضوع.

أولا: قيم التضامن والتكافل في الثقافة العربية والإسلامية

وسوف نعرض في هذا المحور لأمثلة من الثقافة العربية في العصر الجاهلي، ثم من القرآن الكريم والحديث الشريف، ثم من نماذج شتى من الحضارة الإسلامية.

أـ ففي العصر الجاهلي نكتفي بإيراد مثالين يؤكدان روح التضامن والتكافل على نطاق واسع، وهما: حلف المطيبين، وحلف الفضول.

وحول حلف المطيبين يروي ابن هشام في السيرة النبوية [١]. أنه بعد وفاة قصي بن كلاب اختلف ذريته بنو عبد مناف، وبنو عبد الدار حول الحجابة واللواء والسقاية والرفادة، فانقسمت قريش إلى فريقين، أحدهما مع بني عبد مناف، والآخر مع بني عبد الدار، فأخرج بنو عبد مناف جفنة مملوءة طيباً فوضعوها لأحلافهم عند الكعبة، ثم غمس القوم أيديهم فيها فتعاقدوا وتعاهدوا هم وحلفاؤهم، ثم مسحوا الكعبة بأيديهم توكيداً على أنفسهم، فسموا المطيبين. بينما تعاقد بنو عبد الدار وحلفاؤهم عند الكعبة على أن لا يتخاذلوا ولا يسلم بعضهم بعضاً، فسموا الأحلاف.

وتوسع الحلفان بانضمام القبائل إلى كل منهما، وكادت الحرب تقع. وبينما الناس على ذلك وقد أجمعوا للحرب، إذ تداعوا إلى الصلح، على أن يعطوا بني عبد مناف السقاية والرفادة، وأن تكون الحجابة واللواء والندوة لبني عبد الدار كما كانت، ففعلوا ورضي كل واحد من الفريقين بذلك، وتحاجز الناس عن الحرب، وثبت كل قوم مع من حالفوا، حتى جاء الإسلام، فقال رسول الله: «ما كان من حلف في الجاهلية فإن الإسلام لم يزده إلا شدة». يريد المعاقدة على الخير ونصرة الحق.

أما حلف الفضول فهو من أهم وثائق حقوق الإنسان وأقدمها وأعدلها، وقد سمي بذلك لأن القوم تحالفوا أن يردوا الفضول على أهلها. وألا يغزو ظالم مظلوماً. وقد تداعت قبائل من قريش فاجتمعوا في دار عبد الله بن جدعان لشرفه وسنه، فتحالف بنو هاشم وبنو المطلب وبنو أسد بن عبد العزى، وبنو زهرة بن كلاب، وبنو تيم بن مرة، وتعاقدوا على أن لا يجدوا بمكة مظلوماً، من أهلها وغيرهم ممن دخلها من سائر الناس، إلا قاموا معه، وكانوا على من ظلمه حتى ترد عليه مظلمته [٢].

ويروي ابن هشام أن رسول الله (ص) قال: «لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفاً ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو أدعى به في الإسلام لأجبت».

وكان الحلف قبل البعثة النبوية بعشرين عاماً. وكان سببه أن رجلا من بني زبيد قدم مكة ببضاعة، فاشتراها منه العاص بن وائل، فحبس عنه حقه، فاستعدى عليه الزبيدي بعض وجوه قريش فأبوا أن يساعدوه ونهروه، فانتظر اجتماع قريش حول الكعبة، ووقف منشداً:

يا آل فهر لمظلوم بضاعته

ومحرم أشعث لم يقص عمرته

إن الحـرام لمـن تمت كـرامته

ببطن مكة نائي الدار والنفر

يا للرجال وبين الحجر والحجَر

ولا حـرام لثوب الفـاجر الغـدِر

فقام الزبير بن عبد المطلب، وقال: مالهذا مترك. فأنشد: [٣].

حلفت لنعقدن حلفاً عليهم

نسميـه الفضـول إذا عقـدنا

وإن كنا جميعاً أهل دار

يقـر بـه الغريـب لـذي الجوار

فاجتمعت هاشم وزهرة وتيم في دار ابن جدعان، فصنع لهم طعاماً وتعاقدوا، وكان حلف الفضول، وكان بعدها أن أنصفوا الزبيدي من العاص بن وائل.

ولقد بلغ من شدة حلف الفضول وقيمته الكبرى أنه بقي مثلا يضرب وقت الحاجة، حتى بعد مجيء الإسلام. ويروي ابن هاشم في هذا المجال أن الحسين بن علي نازع الوليد بن عتبة في مال بينهما، فقال له الحسين: «أحلف بالله لتنصفني من حقي أو لآخذن سيفي، ثم لأقومن في مسجد رسول الله (ص) ثم لأدعو بحلف الفضول…» وقد انصف الوليد الحسين بعد ذلك [٤].

ب – وفي القرآن الكريم إلحاح على قيم التضامن والتكافل بين المسلمين. وتكريس لهذه القيم بين الناس جميعاً. والآيات القرآنية في هذا المجال كثيرة جداً، والقرآن الريم يخاطب الناس جميعاً بهذا البعد العظيم المعبر عن روح المساواة بين البشر:

(يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم ( [٥].

وهذا الآية الكريمة تؤكد قضيتين هامتين في الإطار الحضاري الإنساني:

الأولى: أن الله تعالى، قد خلق الناس شعوباً وقبائل لكي يتعارفوا، وليس لكي يتخاصموا، وهكذا فإن الحضارة الإسلامية في محكم الآيات القرآنية تدعو إلى الحوار الحضاري وليس إلى الصراع الحضاري، وتؤكد أن الإسلام يعترف بالشعوب الأخرى وعقائدها وحضاراتها.

والثانية: أن الله تعالى يؤكد أن أكرم الناس عند الله هو أتقاهم وليس أبيضهم أو أسودهم أو أغناهم أو أشرفهم نسباً:

وهاتان القضيتان تبرزان بوضوح الفهم الإنساني العميق لدى الحضارة الإسلامية لحقائق الوجود البشري.

وقد انطلقت استراتيجية التعامل الحضاري في التاريخ الإسلامي من هذا المفهوم، فلم يقم المسلمون بإجبار الآخرين على تغيير معتقدهم، ولا يذكر التاريخ أن فترة أو حاكماً أو مرحلة من مراحل التاريخ الإسلامي شهدت عمليات إرهاب ديني أو قمع مذهبي. ويؤكد هذا وجود عدد من الأديان والطوائف والمذاهب تمتعت بحرياتها خلال المراحل المختلفة لحكم الإسلام عبر أربعة عشر قرناً.

وإذا أردنا تتبع الآيات القرآنية في هذا الميدان لرأيناها أكثر من أن تحصى، ومن شواهدها قوله تعالى:

(لا إكراه في الدين ( [٦].

(ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن [٧].

ومن جهة ثانية أكد القرآن الكريم على ضرورة وحدة الصف وتضامن المؤمنين في سائر مواقفهم تحقيقاً لوحدتهم وتتويجاً لمصالحهم المشروعة.

قال تعالى:

(إنما المؤمنون إخوة ( [٨].

(واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا ( [٩].

(وتعاونوا على البر والتقوى ( [١٠].

(كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ( [١١].

ج - وفي الحديث الشريف دعوة إلى التكافل بين المؤمنين، ودعوة إلى معاملة الناس بالحسنى، وإلى رص الصفوف والتناصح والحرص على المصلحة العامة، ونبذ الخصومات، والإصلاح بين الناس، ومساعدتهم.

ومما ورد في الحديث الشريف تدليلا على هذه المعاني قوله (ص):

«الدين النصيحة» رواه مسلم.

«لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» متفق عليه.

«لا ضرر ولا ضرار» رواه ابن ماجة والدار قطني.

«لا يحل لرجل أن يروع مسلماً» رواه الطبراني.

«أبغض الرجال إلى الله الألد الخَصِم» متفق عليه.

«من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم» الطبراني.

«من لا يرحم الناس لا يرحمه الله» متفق عليه.

«المسلم أخو المسلم، لا يخونه، ولا يكذبه، ولا يخذله» الترمذي.

«المسلمون شركاء في ثلاث: الماء و الكلأ والنار» أبو داود.

«إن أمتي لن تجتمع على ضلالة، فإذا رأيتم اختلافاً، فعليكم بالسواد الأعظم» ابن ماجة.

«إن المرء كثير بأخيه» ابن سعد.

«لا تباغضوا ولا تحاسدوا، ولا تدابروا و لا تقاطعوا، وكونوا عباد الله إخواناً، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث» متفق عليه.

«كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» متفق عليه.

«إن قوماً ركبوا في سفينة فاقتسموا، فصار لكل رجل منهم موضع، فنقب أحدهم موضعه بفأس، قالوا: ما تصنع؟ !… قال: هو مكاني أصنع به ما أشاء، فإن أخذوا على يده نجا ونجوا، وإن تركوه هلك وهلكوا» البخاري.

«مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» متفق عليه.

وهكذا نجد أن هذه الأحاديث الشريفة تكرس قيماً نبيلة يمكن إيجازها فيما يلي:

- الدعوة إلى وحدة الصف وعدم التنابذ والتخاصم.

- الدعوة إلى التعاون والتكافل بين أبناء المجتمع حرصاً على المصلحة العامة.

- الدعوة إلى التشاور وتغليب الرأي العام على المصالح الخاصة.

- الدعوة إلى المودة والأمن والسلام والتسامح.

وهذه القيم سارت عليها خطوات الحضارة الإسلامية عبر تاريخها الطويل وأرستها سلوكاً عاماً ورسمياً وفردياً.

د – وإذا نحن استعرضنا جوانب عامة من سمات الحضارة الإسلامية لرأينا أنها امتازت – عبر تاريخها ومناطقها الكثيرة – بمزايا عدة جعلت منها مناراً إنسانياً رفيعاً. ولعل أبرز هذه المزايا:

١ـ التسامح وسعة الأفق واستيعاب كل الحضارات والتيارات الفكرية السابقة.

٢ - المرونة العقلانية التي تعاملت بها مع التيارات الداخلية فيها، من سنة وشيعة ومعتزلة وأشاعرة… وما يتضمنه ذلك من فرق ومدارس شتى. ومن جهة أخرى ما تعاملت به هذه الحضارة مع الحضارات الأخرى. ونلاحظ هذه المرونة والعقلانية في جملة الآيات والأحاديث التي تدعو إلى إعمال العقل واحترامه.

٣ - احترام الآخر وإفساح المجال لإبداء رأيه والتعامل معه على قدر كبير من الحرية الفكرية. وتشهد مجالس الخلفاء والأمراء والسلاطين على مدى ماكان يجري فيها من مناقشات بين أفكار ومذاهب وآراء وتيارات… في إطار غلب عليه احترام الآخر وعدم رفضه وعدم قمعه. والدليل على ذلك استمرار أكثر تلك التيارات والمذاهب حية حتى اليوم.

٤ - التكافل في صوره الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية بما يتضمنه ذلك من نظام مالي قائم على الزكاة والضرائب المدروسة والتوجه نحو العدالة الاجتماعية التي تشمل طبقات المجتمع وفئاته المتباينة. (إن الله يحب المقسطين [١٢]. وذلك بغض النظر عن لون بشرة الناس وعرقهم ومذهبهم.

٥ - الحث على التشاور وعدم اتخاذ القرارات الفردية، وهذا تأكيد على دور التضامن في المجتمع. (وأمرهم شورى بينهم ( [١٣].

(وشاورهم في الأمر ( [١٤].

٦ - إن التضامن والتكافل يقتضي أن يتحلى المجتمع بالرفق والعلاقات الإنسانية. ولذا نجد القدوة والمثل في دعوة القرآن الكريم للرسول (ص) لأن يكون نموذجاً في سلوكه الرحيم اللين العطوف الذي يقوي أواصر التفاهم والتضامن:

(فبما رحمة من الله لنت لهم، ولو كنت فظاً غليظ القلب، لانفضوا من حولك [١٥].

ثانياً: في الفكر الحضاري الإنساني:

بعد أقل من قرن على الفتوحات الإسلامية، كانت راية الحضارة العربية والإسلامية ترفرف فوق جبال الهيملايا شرقاً وعلى الأطلسي غرباً. وقد قوضت تلك الفتوحات إمبراطوريات مستبدة كانت قائمة على استعباد الناس وظلمهم ومصادرة آرائهم، وقتلهم إذا خالفوا المعتقد الرسمي للدولة، ومثال ذلك ما كانت تفعله الإمبراطورية البيزنطية بالمذاهب المختلفة للكنيسة الرسمية في بيزنطة من نساطرة ويعاقبة وآريوسية وسواها.

ولم تكن الفتوحات الإسلامية مجرد امتداد جغرافي أو سياسي، ولكنها كانت فتحاً حضارياً شاملاً حقق امتزاجاً في الفنون والثقافات السابقة وصاغ منها حضارة جديدة ذات أبعاد إنسانية، وهذا ما عجز عنه من قبل الإغريق والرومان رغم امتدادهم الجغرافي والسياسي لأنهم كانوا يعتمدون القوة العسكرية في نشر ثقافتهم، وهذا ما رفضته الشعوب التي دانت لهم.

أما المسلمون فقد فتحوا الأبواب واسعة للحضارات والثقافات بأبعادها الإنسانية، فاستوعبوها وأغنوها. ولهم يعود الفضل في حفظها، وتقديمه من جديد إلى العالم.

وبما أن اللغة هي الوعاء الذي يحتضن الثقافة بكل أبعادها ورموزها، فإن اللغة العربية، بمرونتها وطواعيتها وقدرتها الفائقة على الاشتقاق، استطاعت أن تواكب – بسرعة مدهشة – حركة التطور الفكري والترجمة والاحتكاك مع الحضارات الأخرى.

وهذا ما جعل اللغة العربية تنتشر عبر الأقطار الإسلامية بصورة طيعة، لأنها الأقدر على الاستيعاب والبقاء. واقتضى ذلك وضع الأسس للقواعد والنحو والشعر والبلاغة ومفاتيح العلوم والفنون. وبقيت العربية سيدة الثقافة العالمية حتى منتصف القرن الثامن عشر، حينما بدأت تخلي مكانها تحت ضغط اللغات الأوربية المدعومة باقتصادها الكبير ونفوذها السياسي الهائل.

ولم تقف العربية موقف المعطي فحسب، وإنما وقفت موقف التبادل الحضاري والثقافي والترجمة من اللغات الأخرى في حواضر الثقافة المختلفة في المشرق والمغرب: بغداد والقاهرة وقرطبة ودمشق وحلب وأصفهان وفاس وتونس وصقلية… الخ.

سوف أتوقف عند بعض النماذج المؤثرة التي قدمتها الحضارة الإسلامية إلى الفكر الحضاري الإنساني. وكان لها الأثر البارز، وأحياناً الأثر الحاسم في تطوير الفكر الإنساني في إطار التكافل الإنساني والرؤية البعيدة لآفاق العلاقات بين الشعوب والمجتمعات والأديان والأعراق والحضارات والفلسفات.

وهذه النماذج هي: إخوان الصفا والفارابي من المشرق، وابن رشد وابن عربي من المغرب.

أـ ورد في رسائل إخوان الصفا في مجال السياسة النفسانية قولهم: «لتكن أخلاقك رضية وعاداتك جميلة، وأفعالك مستقيمة، تؤدي الأمانة إلى أهلها كائناً من كان من ولي وعدو، وتأخذ نفسك بحفظها، وترعى حق من استرعاك حقها، وتحسن مجاورة جارك، وتصفي مودة صديقك، وتخلص المحبة لمحبك، مع قلة الطمع وإزالة الفزع في مستعجل زائل، وحادث نازل، وتريد للغير ماتريد لنفسك.

وسبيلك أن تعود نفسك عمل الخير لأنه خير، لا تريد بفعلك عوضاً، ولا يحملك على فعله خوف، فمتى فعلت لطلب المكافأة لم يكن خيراً وإن لم تطلب المكافأة، وإنما أردت الذكر والاسم، كنت أيضاً منافقاً ولم يكن خيراً. والمنافق لا يستأهل أن يكون في جوار الروحانيين» [١٦].

إن هذا النص المقتضب يوضح بجلاء مدى الفهم الإنساني العميق للمجتمعات البشرية، وضرورة توجيه القوى نحو الحقيقة والمحبة والتعاون والتكافل بين الناس، بغض النظر عن كل الاعتبارات.

ب – أما الفارابي فهو في مدينته الفاضلة يرسم أبعاد التعاون بين أبناء المجتمع، لأن هذا التعاون ضرورة الوجود والحياة. ويوضح أن الاجتماع الفاضل هو الذي يقود إلى نيل السعادة. والأمة الفاضلة هي التي يتعاون أبناؤها فيما بينهم، كما تتعاون هي مع الأمم الأخرى.

«… إذ جميع الكمالات ليس يمكن (للإنسان) أن يبلغها وحده بانفراده، دون معاونة ناس كثيرين له، وأن فطرة كل إنسان أن يكون مرتبطاً فيما ينبغي أن يسعى له بإنسان أو أناس غيره، وكل إنسان من الناس بهذه الحال، وأنه لذلك يحتاج كل إنسان فيما له أن يبلغ من هذا الكمال إلى مجاورة ناس آخرين، واجتماعه معهم. وكذلك في الفطرة الطبيعية لهذا الحيوان أن يأوي ويسكن مجاوراً لمن هو في نوعه، فلذلك يسمى الحيوان الإنسي والحيوان المدني. فيحصل ههنا علم آخر ونظر أخر، يفحص عن هذه المبادئ العقلية وعن الأفعال والملكات التي بها يسعى الإنسان نحو الكمال، فيحصل من ذلك العلم الإنساني والعلم المدني.

… فالمدينة التي يقصد بالاجتماع فيها التعاون على الأشياء التي تنال بها السعادة في الحقيقة، هي المدينة الفاضلة، والاجتماع الذي به يتعاون على نيل السعادة، هو الاجتماع الفاضل. والأمة التي تتعاون مدنها كلها على ماتنال به السعادة، هي الأمة الفاضلة. وكذلك المعمورة الفاضلة، إنما تكون إذا كانت الأمم التي فيها تتعاون على بلوغ السعادة. والمدينة الفاضلة تشبه البدن التام الصحيح الذي تتعاون أعضاؤه كلها على تتميم حياة الحيوان وعلى حفظها عليه. وكما أن البدن أعضاؤه مختلفة متفاضلة الفطرة والقوى، وفيها عضو واحد رئيس وهو القلب…

فكذلك المدينة أجزاؤها مختلفة الفطرة، متفاضلة الهيئات، وفيها إنسان هو رئيس، وآخر يقرب مراتبه من الرئيس.

ج – ولعل ابن رشد يقف في طليعة المفكرين المسلمين الذين تركوا بصماتهم على الحضارة الإنسانية من خلال فلسفته العقلانية، وأفقه الإنساني الواسع، مما كان له أثره الحاسم في نهضة الفكر في أوربا، وتطور العلوم فيها استناداً إلى ابن رشد الفيلسوف والعالم والإنسان.

وتكاد الآراء تتفق على أن ابن رشد هو أكبر فلاسفة الإسلام، وأحد كبار الفلاسفة على مدى التاريخ البشري، وقد سبقه في الأندلس مفكرون مهدوا له السبيل مثل ابن طفيل وابن باجة وابن مسرة.

ويرى ابن رشد أن الموازنة بين الدين والفلسفة ليست ضرورية، وإذا اختلف المدلول الديني والفلسفي وجب أن نؤول ماجاء به الدين [١٧].

وهو يحث على أخذ الحقيقة من أية جهة جاءت ومن أي إنسان وصلت بغض النظر عن انتمائه ودينه.

يروي كريستوف كولومبس مكتشف القارة الأمريكية في مذكراته بأن من أقنعه بسهولة الرحلة من أسبانيا إلى الهند عن طريق الغرب هو ما كان يقول أرسطو ويؤكده ويثبته ابن رشد.

منذ القرن الثالث عشر الميلادي كان ابن رشد ومذهبه الرشدية موضع خلاف وصراع على المنابر الأوربية، في الجامعات والكنائس والمحافل الثقافية.

ولقد أحدث فكر ابن رشد هزة عميقة في الفكر الأوربي لاتزال أصداؤها تتردد حتى اليوم بين مؤيد للرشدية ومعارض لها.

وإن كل مدرسة فكرية فلسفية في أوربا بعد القرن ١٣م. تأثرت بالرشدية بصورة أو بأخرى، ومن ذلك:

- مدرسة الحقيقيين الذين يرون أن النوع هو الوجود الحقيقي الذي يوجد الأشخاص لتمثيله في العالم المحسوس.

- مدرسة الاسميين الذين يرون أن وجود النوع إنما هو اسم أو كلمة مالم يقترن بوجود الأشخاص.

- يمثل المدرسة الأولى سكوتس بينما يمثل الثانية أوكهام.

وكان مارتن لوثر يقول مفتخراً: إن أوكهام هو أستاذي العزيز. والمدرستان أساساً منبثقتان عن المدرسة التجريبية التي وضع أساسها روجر بيكون [١٨].

وفي القرن الثالث عشر نفسه أمر فردريك الثاني (ملك طليطلة) بترجمة عن ابن رشد. بينما أمر أسقف باريس في الوقت نفسه بتحريم كتبه وسماه «رأس الضلال».

ويمكن تلخيص أثر ابن رشد والفلسفة الإسلامية عموماً في الفكر الأوربي من خلال النقاط التالية: [١٩].

١ـ الاتجاه نحو الطبيعة والعناية بالبحث والتجربة.

٢ - الميل نحو التفكير الطليق والتحرر من سلطان الكنيسة.

٣ - الاتصال بالثقافات الأجنبية وبخاصة العربية واليونانية.

بينما يرى نصر حامد أبو زيد إن ابن رشد دعا إلى التعددية من خلال فهمه للتأويل، فالتعددية قائمة أساساً في طباع البشر [٢٠].

ويؤكد مفكرون عرب آخرون حاجتنا الملحة إلى الرشدية واستعادة العقل العربي المستقيل. وضرورة عودتنا إلى فكر الكندي والفارابي وابن سينا وابن حزم وابن باجة وابن طفيل وابن رشد [٢١].

ويرى الجابري: إن ابن رشد ترك أثراً في الحضارة الأوربية بحيث خلق تياراً ثورياً عجل بالتقدم بالصورة التي مكنت العلم فيما بعد من أن يقوم بدوره التاريخي في النهضة الأوربية الحديثة [٢٢].

ويمكننا تلخيص آراء ابن رشد في الحوار والتنوير والعقلانية في النقاط التالية:

١ـ دعا ابن رشد إلى الارتكان إلى العقل البشري في شقه الناطق ونهجه المنطقي المستند الى البرهان والنظر والحكمة.

٢ - دعا ابن رشد إلى التوجه العلمي المستند إلى التجربة الطبيعية.

٣ - ربط ابن رشد بين العقل والتعليل والتجريب.

٤ - دعا ابن رشد إلى التأويل بما يخدم التفسير العقلي، وإلى عدم الأخذ بالرواية على علاتها، وهو في هذا المجال يفرق بين التأويل الفلسفي للنصوص وبين التفسير الحر في تلك النصوص.

ويرى أن التأويل الفلسفي يمكننا من الوصول إلى الحقائق العليا، والعقل الفلسفي هو وحده الحكم وهو المفسر دائماً.

٥ - انطلاقاً من التأويل توصل ابن رشد إلى احترام الرأي الآخر ودعا الى محاورته وعدم قمعه، وقال بالتوفيق وليس بالصدام بين الحكمة الفلسفية والحكمة الشرعية لأن كلاً منهما تقود إلى الأخرى.

٦ - قال ابن رشد بوحدة العقل الإنساني وإنكار الخلود عن النفوس الجزئية. وقاده ذلك إلى ما نسميه اليوم التعددية القائمة على احترام كل الآراء وإفساح المجال لها لتبرهن على صدقيتها وواقعيتها.

٧ - إن التأويل والتعددية ووحدة العقل الإنساني في فكر ابن رشد قام عليه فيما بعد عصر التنوير في أوربا مستنداً إلى الرشدية في التحديث واعتماد المنهج التجريبي والنقد المنهجي القائم على الشك الديكارتي وإبطال التفسير الميتافيزيقي للحقائق. والرشدية أصبحت مذهباً في العصور الوسطى الأوربية وعصر التنوير وأصبح أتباعها الرشديون هم دعاة التنوير وهم رواد العلوم الطبيعية والفكر الفلسفي المادي العقلاني الذي كان من ثماره بيكون وجيمس وهيغل وديكارت. ولقد لعبت الرشدية دوراً محورياً في نشأة الوعي الفلسفي الإنساني في العصور الحديثة.

٨ - إن ابن رشد هو أهم شخصية عالمية في التاريخ الإسلامي في مجال الدعوة إلى الحوار واحترام العقل والاستماع إلى الآخر وأخذ الحقيقة أنى كان مصدرها، وهو في ذلك يحافظ على شخصيته الإيمانية وعمله قاضياً وفقيهاً.

٩ - إن المقارنة بين ابن رشد العقلاني المحاور الحضاري وبين الآراء المتشنجة التي يتم طرحها اليوم في كتابات هينتغتون وفوكوياما وغيرهما حول صراع الحضارات المزعوم تبرز مدى السلوكية الإنسانية لدى ابن رشد، والسلوكية العدوانية الاستعمارية لدى هؤلاء المتشنجين.

١٠ - إن فكر ابن رشد يجب أن يكون الأرضية العقلانية للتنوير العربي والإسلامي، هذا التنوير المستند إلى داخل الشخصية الإسلامية للمجتمع وإلى تميزها وفرادتها كجزء هام من الحضارة الإنسانية المرنة الواسعة.

١١ - إن العقلانية والحوار ليسا بالضرورة دعوة إلى الابتعاد عن الإيمان، فالفكر المنهجي العلمي يمكن أن يرافقه شعور إيماني يمنح صاحبه الراحة والاطمئنان.

د - ابن عربي وأثره في الحضارة الإنسانية:

لم ينقسم الباحثون حول مفكر كما انقسموا حول ابن عربي بين مؤيدين ومعارضين، والمؤيدون متحمسون، والمعارضون شديدو العداوة ينقلون الرجل إلى دائرة الكفر والزندقة.

ومن أبرز مؤيديه في التاريخ الإسلامي المخزومي والفيروزآبادي والصلاح الصفدي وابن العديم والزملكاني والقطب الحموي وعمر السهروردي والنووي والسيوطي والكاشاني والمقري وجلال الدين الرومي والشيرازيان سعدي وحافظ. ومن أبرز معارضيه ابن تيمية وابن اياس والبقاعي وجمال الدين بن الخياط وعلي الفارسي وسواهم.

ويعتبر ابن عربي مثالا للفكر الإنساني الذي ترك بصماته بعيداً عبر الأجيال وعبر القارات. وكان فكره مرآة للنقاء الإنساني في سموه وتسامحه ورفعته: يقول في ترجمان الأشواق:

قالت: عجبت لصب من محاسنه

فقلت: لا تعجبي ممـا ترين فقـد

يختال ما بين أزهار وبستان

أبصرت نفسك في مـرآة إنسـان

فالإنسان عنده جزء من هذا الكون الجميل بأزهاره وبساتينه (١١٧ ترجمان الأشواق).

بل إنه ينتقل خطوة أهم في فكره الإنساني الواسع الذي يعبر عنه من خلال قوله الأشهر:

ألا يا حمامات الأراكة والبان

لقد صار قلبي قابلاً كل صورة

وبيت لأوثان وكعبة طائف

أديـن بديـن الحـب أنى توجهت

ترفقن لا تضعفن بالشجو أشجاني

فمرعى لغزلان ودير لرهبان

وألواح توراة ومصحف قرآن

ركائبه فالـدين ديني وإيـماني

(ترجمان الأشواق: ٢٤٦)

وهل هناك اتساع وعمق فكري أكبر من ذلك يستوعب ثقافات عصره ومذاهبه وآراءه فيقول أن قلبه يقبلها جميعاً.

بل يمضي ليؤكد ذلك في قوله:

لا أبالي شرق الوجد بنا

كلما قلت: ألا، قالوا: أما

لهف نفسي لهـف نفسـي لفتى

حيث ما كانت به أو غربا

وإذا ما قلت: هل، قالوا أبى

كلمـا غنـى حَمـام غيبا

وإذا نحن حاولنا تتبع الأثر الذي تركه الشيخ محي الدين بن عربي في الفكر الإنساني لكان ذلك بحاجة إلى جهد ووقت أكبر من المتاح الآن. ونكتفي ببعض الأمثلة:

١ـ يرى المستشرق الأسباني خوان ريبيرا أن محي الدين بن عربي قد أثر بشكل واضح في فلسفة رايموندو لوليو. والذي يتصفح كتابات لوليو يجده يتكئ في كثير من الأشياء على الشيخ محي الدين. (١٧٥ ذخائر الأعلاق تحقيق الشنقيري ١٩٩٥).

٢ - يرى المستشرق الاسباني آسين بلاثيوس أن ابن عربي قد ترك أثراً كبيراً في كتابات دانتي في كتابه: الكوميديا الإلهية ويتابعه في ذلك كثيرون. وقد أفردنا جدولاً مفصلاً لهذا التأثير وبخاصة في كتاب الفتوحات المكية وكتاب رحلة إلى مملكة الله.

٣ - يرى المستشرق الياباني ايزوتسو أن التاوية وتطورها قد تأثرت بفكر ابن عربي في المجالات الفلسفية والصوفية والمعرفية والتوحيد والحق المطلق والإرادة. (ص ١٨ ذخائر الأعلاق).

٤ - تأثر سبينوزا بموضوع وحدة الوجود عند ابن عربي كما تأثر بموضوع التوفيق بين الحقيقة الفلسفية والحقيقة العرفية عند ابن رشد وقد أوضح إبراهيم مدكور تفاصيل وجزئيات دقيقة مقارنة بين ابن عربي وسبينوزا. (وحدة الوجود بين ابن عربي وسبينوزا) القاهرة، ١٩٧٢.

٥ - تأثر (ليبنتز) بفكر ابن عربي، ويمكن ملاحظة ذاك بمقارنة بسيطة. (محمود قاسم – القاهرة، ١٩٧٢).

إن الشيخ الأكبر محي الدين بحياته ورحلاته ومؤلفاته يمثل الإطار الحضاري الواسع للبحر المتوسط.

فهو قد ولد في مرسية، في أقصى غرب المتوسط، لأسرة ذات أصل عربي صريح ينتهي إلى طيء. وانتهت حياته في أقصى شرق المتوسط في دمشق، بعد سيرة حافلة بالرحلات العلمية طاف خلالها كثيراً من مدن العالم الهامة في عصره. وكأنه بهذه الحياة وهذه الرحلات قد ربط شرق المتوسط بغربه رغم الحروب الطاحنة والخلافات العميقة والأحقاد المتراكمة على مر التاريخ.

وينطلق ابن عربي من رؤية عامة شاملة للإنسان، رؤية تحترم الإنسان بغض النظر عن عرقه ولونه ومذهبه. والإنسان خليفة الله على الأرض: (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ( [٢٣].

والخلافة رتبة كمالية لا يحوزها إلا الوجود الإنساني كما يقول ابن عربي في فتوحاته، وهو لذلك يرفض فكرة أن الإنسان حيوان ناطق، أو يقول: إن هذه العبارة تنطبق على الجماد والنبات والحيوان، والإنسان مزاج خاص.

والمزاج الخاص هو الإنسان الحي العاقل الذي يفضل بقية الخلق (الفتوحات المكية ٢ / ٦٤٢).

إنه الإنسان الذي خاطبه ربه قائلا: (يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك ( [٢٤].

فالإنسان لدى ابن عربي يجمع العالم في شخصه، فالعالم إنسان كبير، والإنسان عالم مختصر [٢٥].

وانطلاقاً من ذلك كانت فكرة حب الإنسان للإنسان لدى ابن عربي تجسيداً لرؤيته أن الإنسان مخلوق تولد من تزاوج الروح الكلي والطبيعة الكلية، فالروح أبوه والطبيعة أمه [٢٦].

ويبلغ الأفق الإنساني سموه الفكري والعرفاني في موضوع وحدة الوجود لدى ابن عربي. فهذه القضية هي بحر الوجود الزاخر الذي لا ساحل له، وهي من حيث ذاتها (الحق). وهي من حيث صفاتها وأسماؤها (الخلق) فهي إذاً الحق والخلق، والأول والآخر، والقديم والحادث.

وعلى الرغم من وجود هذه العبارة في مصطلحات الصوفية قبل ابن عربي، فإن ابن عربي هو الذي أرسى دعائم هذه الفكرة وبلورها وبخاصة في كتابه فصوص الحكم:

فالحق خلق بهذا الوجه فاعتبروا

جمـع وفرق فـإن العين واحـدة

وليس خلقاً بهذا الوجه فادكروا

وهي الكثيرة لا تبقـي ولا تـذر

إن الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي، ابن مرسيه والأندلس، والراقد في دمشق، إنما هو تجسيد لرؤية حضارية ربطت بين جانبي المتوسط في أفق متسامح غني عميق. أفق يجب أن يقوم على الفهم المتبادل والاحترام المتبادل لكي تتحقق مقولة الشيخ الأكبر في رؤيته الرفيعة للإنسان.

ثالثاً: في الأدب والإبداع والتراث:

منذ العصر الجاهلي نجد ظاهرة التكافل لدى بعض الشعراء، فهم بذلك يخرجون عن نطاق التكافل القبلي الضيق إلى أفق إنساني أرحب، كما هو شان بعض الشعراء الصعاليك، ويمثلهم عروة بن الورد في قوله: [٢٧]

وإني امرؤ عافي إنائي شركة

أتهزأ مني إن سمنت وان ترى

أفرق جسمي في جسـوم كثيـرة

وأنت امرؤ عافي إنائك واحد

بجسمي شحوب الحق، والحق جاهد

وأحسو قـراح الـماء والماء بارد

وهذا معنى إنساني رفيع يدل على أسمى درجات التضامن الاجتماعي، فالشاعر رغم قلة مابيده، فإنه حريص على إشراك الآخرين في طعامه، ولو بقي ضامراً نحيلاً.

ويعتبر زهير بن أبي سلمى مثالاً للشاعر الإنسان في سعة أفقه وبعد نظره وحكمته المتوازنة، ودعوته إلى السلم بين عبس وذبيان بعد حرب داحس المريرة، ومديحه من سعى إلى هذا السلم: [٢٨].

تداركتما عبساً وذبيان بعدما

وقد قلتما: إن ندرك السلم واسعـا

تفانوا ودقوا بينهم عطر منشم

بمال ومعروف مـن الأمـر نسلم

ويختتم قصيدته الرائعة بحكمه الإنسانية الرائعة. ومنها قوله: [٢٩]

ومن لا يصانع في أمور كثيرة

ومن يك ذا فضل فيبخل بفضله

ومن يجعل المعروف من دون عرضـه

يضرس بأنياب ويوطأ بمنسم

على قومه يُستغنَ عنه ويُذمم

يفره، ومـن لا يتـق الشتم يشتم

إنها الدعوة إلى إنسان مثالي مرن عقلاني صاحب فضل يساعد قومه ويتضامن معهم ويبذل لهم المعروف، ويحرص على سمعته النبيلة في أوساط مجتمعه.

ونلمح هذا البعد الإنساني لدى الشاعر قريط بن أنيف في قوله: [٣٠]

لكن قومي وإن كانوا ذوي عدد

يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة

كأن ربك لـم يخلـق لخشيتـه

ليسوا من الشر في شيء وإن هانا

ومن إساءة أهل السوء إحسانا

سواهم من جميع النـاس إنسانـا

ويأخذ التكافل والتضامن بعداً عربياً واضحاً في ساعة الشدة. فأبو الفرج يروي في كتابه الأغاني أبياتاً ينسبها إلى حسان بن تبع الحميري وهو يفخر بعروبته وبجيشه المقاوم للنفوذ الفارسي والنفوذ الرومي: [٣١]

أيها الناس إن رأيي يريني

بالعوالي وبالقنابل تردي

وبجيش عرمرم عربي

مـن تميم وخنـدف وإيـاد

وهو الرأي، طوفة بالبلاد

بالبطاريق مشية العواد

جحفل يستجيب صوت المنادي

والبهاليـل حِميـر ومـرادِ

وهذان النصان من العصر الجاهلي يدلان على الروح المبكرة للتضامن العربي في وجه العدوان الخارجي….

كما نلاحظ يقظة هذا التضامن العربي لدى احتلال الأحباش لليمن، ثم محاولتهم غزو مكة وهدم الكعبة بقيادة أبرهة.

وقد تصدت عدة قبائل لجيش أبرهة قبل وصوله إلى مكة. فلقد انبرى له ذو نفر اليمني ولكنه هزم [٣٢] كما انبرى له نفيل الخثعمي، ثم مسعود الثقفي، فلم يتمكنا من صده. حتى إذا وصل إلى حصار مكة خرج إليه عبد المطلب يقول لأبرهة: إن للبيت رباً سيمنعه، فأجاب أبرهة: ما كان ليمنع مني، فقال له عبد المطلب: آنت وذاك.

وقصد عبد المطلب إلى الكعبة وأخذ بحلقة بابها، وأنشد:

يا رب لا أرجو لهم سواكا

إن عـدو البيـت مـن عاداكا

يا رب فامنع منهم حماكا

أمنعهـم أن يخربـوا قراكـا

وفي العصر الجاهلي نفسه نجد كيف أن التكافل الإنساني كان مدعاة للفخر لدى الشعراء الذين تغنوا بالوفاء والأخوة والتضامن الدائم. ومثال ذلك قول معد بن أوس المزني: [٣٣]

وإني أخوك الدائم العهد لم أحل

أحارب من حاربت من ذي قرابة

وإن سؤتني يوماً صفحت إلى غد

كأنك تشفي منك داء مخامراً

ستقطع في الدنيا إذا مـا قطعتني

إذا حال دهر أو نبا بك منزل

فأحبس مالي إن غرمت فأعقل

ليعقب يوماً منك آخر مقبل

أذاتي وما في نيتي لك معضل

يمينك، فانظر أي كـف تبـدل

وفي معنى قريب من ذلك، يقول عدي بن زيد العبادي: [٣٤]

وما بدأت خليلاً لي أخا ثقة

يأبى لـي الله خون الأصفياء وإن

بريبة، لا ورب الحل والحرم

خانوا ودادي، لأني حاجزي كرمـي

وكان من الطبيعي أن تتطور معاني التكافل والتضامن في الأدب والشعر عقب الدعوة الإسلامية، وأن تغدو المعاني الدينية الجديدة موضع هذا التكافل….

وتبلورت هذه المعاني الدينية بوضوح أكبر ليغدو الإسلام هو الرابطة الجامعة الضامنة الكافلة، وليس الروح القبلية أو الإقليمية. يقول الشاعر ثابت قطنة من شعراء العصر الأموي: [٣٥]

المسلمون على الإسلام كلهم

وما قضى الله من أمر فليس لـه

والمشركون أشتوا دينهم قِددا

رد، ومـا يقـض يكـن رشـدا

ويأخذ أدب التكافل الاجتماعي صوراً مختلفة، منها ما شكاه الشاعر المعروف باسم الراعي إلى عبد الملك بن مروان من جور ولاته في جباية الأموال، طالباً منه أن ينصف الناس ويستمع إلى ظلاماتهم: [٣٦]

أبلغ أمير المؤمنين رسالة

أخليفة الرحمن إنا معشر

عرب نرى لله في أموالنا

إن السعاة عصوك يوم أمرتهم

فادفع مظالـم عيلـت أبناءنا

تشكو إليك مضلة وعويلا

حنفاء نسجد بكرة وأصيلا

حق الزكاة منزلاً تنزيلاً

وأتوا دواهي لو علمت وغولا

عنـا وأنقـذ شلونـا المأكولا

لقد حفل الأدب العربي شعره ونثره بمظاهر من صور التكافل في الميادين السياسية والجهادية والاجتماعية، ولا يتسع المجال لإعطاء هذه الميادين حقها من الدراسة.

فلقد أفرزت العصور الإسلامية المتلاحقة أحداثاً جساماً واكبها الأدباء، وبخاصة في فترات المقاومة ضد الغزاة البيزنطيين والتتار والصليبيين. كما كان لكل هذه الفترات شعراؤها وأدباؤها وكتابها وخطباؤها في المشرق والمغرب.

وبرز في مجال التكافل الإنساني أدباء خلدت أسماؤهم على مر الدهور مثل أبي العتاهية وأبي العلاء المعري.

وأبو العتاهية في تصويره حالة مجتمعه كان يقدم صورة مثلى عن تضامنه مع هذا المجتمع، ويقوم بدور الإعلامي الناجح الذي ينقل تلك الصورة إلى المسوؤلين ليعالجوها. ومن ذلك قوله: [٣٧]

ولو أني حبيت الخلد فرداً

فلا هطلت علي ولا بأرضي

ولـو أن النجوم لـدي مـال

لما أحببت بالخلد انفرادا

سحائب ليس تنتظم البلادا

نفت كفـاي أكثـرها انتقـادا

ولاشك أن هذه الأبيات تمثل قمة التكافل الإنساني والإيثار بمعانيه السامية. وهو في الوقت نفسه من عيون الشعر العربي، ومن أبدع ما نظمه أبو العلاء المعري.

أما التضامن وقت الأزمات الكبرى، فنكتفي بإيراد مثالين له، أحدهما من فترة الحروب الصليبية في المشرق، وآخر من فترة الحروب الصليبية في الأندلس والمغرب.

وقد استطاع عماد الدين الزنكي في المشرق أن ينسق العمل الجهادي بين حلب والموصل، وتمكن إثر ذلك من تحرير «الرها» وطرد الصليبيين منها بعد احتلال دام ستة وأربعين عاماً. وكان ذلك التحرير منعطفاً هاماً في تحول تلك الحروب من مرحلة الدفاع لدى المسلمين إلى مرحلة الهجوم والبدء بتصفية الاحتلال الأوربي وفي تحرير الرها أنشدت قصائد كثيرة منها قصيدة «القيسراني»: [٣٨] قال فيها:

حذار منا وأنى ينفع الحذر

وأين ينجو ملوك الشرك من ملك

حتى إذا ما عماد الدين أرهصهم

فلا تخف بعدها الإفرنج قاطبة

حتى تعود ثغور الشام ضاحكة

ردت إلـى حلـب الشهباء بهجتها

وهي الصوارم لا تبقي ولا تذر

من خيله النصر لا بل جنده القدر

في مأزق من سناه يبرق البصر

فالقوم إن نفروا ألوى بهم وزر

كأنما حل في أكنافها «عمر»

بعدالرها ومشى في عرسها الظفـر

أما في الجناح المغربي من العالم الإسلامي، فقد جندت أوربا قواها لإخراج المسلمين من الأندلس، وبدأت حروب طويلة دامت أكثر من أربعة قرون بدءاً من سقوط طليطلة ١٠٨٥م حتى سقوط غرناطة ١٤٩٢م. وخلال ذلك كان الشعر والأدب يواكب الكوارث النازلة بالحواضر الإسلامية، ويحث على المقاومة، ويستصرخ همم الأخوة عبر البحر ليتضامنوا مع إخوانهم المنكوبين في الأندلس. وقد نشأ ما يمكن أن ندعوه شعر المقاومة. وبرز شعراء لامعون من أمثال: السميسر، وأبي البقاء الرندي، وأبي الحسن بن الجد؟ ، والوقشي، وابن طفيل، وابن الأبار، ولسان الدين بن الخطيب، وسواهم.

ونكتفي بمثال من شعر ابن طفيل يحث فيه على توحيد الصفوف لمواجهة العدو، وتضامن الجهود، مستخدماً إثارة المشاعر الدينية والقومية والتاريخية: [٣٩].

أفرسان قيس من هلال بن عامر

وقوموا لنصر الدين قومة ثائر

بكم نصر الإسلام بدءاً فنصره

فقوموا بما قامـت أوائلكـم بـه

وما جمعت من طاعن ومضارب

وفيئوا إلى التحقيق فيئة راغب

عليكم، وهذا عوده جد واجب

ولا تغفلوا إحياء تلـك المناقـب

لهوامش:

الهوامش:

ـ

١ - ابن هشام، السيرة النبوية.

٢ - ابن هشام، السيرة النبوية.

٣ - الثعالبي، ثمار القلوب.

٤ - ابن هشام، السيرة النبوية.

٥ - الحجرات / ١٣.

٦ - البقرة / ٢٥٦.

٧ - النحل / ١٢٥.

٨ - الحجرات / ١٠.

٩ - آل عمران / ١٠٣.

١٠ - المائدة / ٢.

١١ - آل عمران / ١١٠.

١٢ - الممتحنة / ٨.

١٣ - الشورى / ٣٨.

١٤ - آل عمران / ١٥٩.

١٥ - آل عمران / ١٥٩.

١٦ - إخوان الصفا، الرسائل.

١٧ - عمر فروخ، عبقرية العرب في العلم، ١٥٤، بيروت ١٩٨٥.

١٨ - العقاد، ابن رشد، ٥١ دار المعارف - القاهرة.

١٩ - توفيق الطويل في تراثنا العربي ٢٤٣، ٨٧ عالم المعرفة الاسلامي.

٢٠ - نصر حامد أبو زيد مجلة العربي، ص ١١٠، الكويت ٥ / ١٩٩٣.

٢١ - محد سليمان، الرشدية وقضية النهضة ٩٧، مجلة الطريق ١١ / ٩٩٣.

٢٢ - محمد عابد، بنية العقل العربي، ٢ / ٣٤٤، بيروت.

٢٣ - البقرة / ٣٠.

٢٤ - الانفطار ٦ – ٧.

٢٥ - الفتوحات: ٢ / ١٢٤.

٢٦ - الفتوحات: ٢ / ٣٥٤.

٢٧ - شوقي ضيف، العصر الجاهلي، ٣٨٤، دار المعارف - مصر.

٢٨ - زهير، الديوان، ١٥ – ١٦، القاهرة ١٩٦٤.

٢٩ - زهير، الديوان ٢٩ – ٣١، القاهرة ١٩٦٤.

٣٠ - أبو تمام، الحماسة، ١ / ٣٠ - ٣١.

٣١ - الأصفهاني، الأغاني، ٢٢ / ٣١٧.

٣٢ - ابن هشام، السيرة النبوية، ١ / ٤٠.

٣٣ - البحتري، الحماسة ٦٦.

٣٤ - البحتري، الحماسة ٧٣.

٣٥ - الأصفهاني، الأغاني ١٣ / ٥٠.

٣٦ - شوقي ضيف، التجديد في الشعر الأيوبي ١٢٧.

٣٧ - المعري، سقط الزند ٢ / ٥٦٢.

٣٨ - الطباخ، أعلام النبلاء ١ / ٤٢٢.

٣٩ - الموحدي، البيان المغرب ٨٨.



[ Web design by Abadis ]