ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 سبيل اخراج الامة \ محسن عبد الحميد *

ملخص

في حياة البشرية صراعات مادية وتطورات حضارية تتحكم فيها عوامل النصر والهزيمة.

وفي هذه العوامل لابد أن تضع الشعوب المسلمة نصب عينيها وهي تشق طريقها في خضم الحياة المتلاطمة إرادة الله في هذا الكون، ولابد أن تظهر الى الوجود «أمة الشهادة» لتتخذ من أسباب التحول وتجديد الايمان واستمرار التخطيط والعمل الدؤوب لاداء حق الخلافة والأمانة وبناء الحياة الاسلامية المتوازنة.

تمهيد في معنى الحضارة

اختلف الباحثون، تبعاً لمدارسهم الاجتماعية والتاريخية، في معنى الحضارة (Civeilizaion)، والمدنية (Citizen)، والثقافة (Culture)، فهم قد يجمعون بينها وقد يفرقون. فبعضهم يعطي الحضارة معنى شمولياً كلياً

_______

*ـ باحث… أكاديمي… (العراق).

يشمل نشاطات الإنسان كافة. وبعضهم يحصر المضمون الحضاري بمعنى الثقافة، ويستعمل المدنية بمعنى الحضارة التي تمثل الجانب المادي وحده. أي إنهم يذهبون إلى أن الحضارة مرادفة للمدنية، والثقافة تمثل الجانب الفكري والنشاط الإنساني والذوق الفني [١].

وعند دراستنا المعمقة لآراء المدارس الفلسفية والتاريخية والاجتماعية والنفسية [٢]، نجد أن الاتجاه العام واضح في الأخذ بخميرة هذه الآراء، وهو أن

الحضارة كل عام يتمثل بالنشاط الإنساني في عمله الدائب للوصول إلى حياة راقية أكثر من سابقتها في مجالات الأفكار الإنسانية والتقدم التقني وتسخير المادة تسخيراً ينتهي إلى سعادة الإنسان، وتربية ذوقه الجمالي أمام روعة الوجود، بدءاً من الإنسان إلى ماحوله من قوانين الحياة وسنن الكون.

فمظاهر الحضارة لابد أن تشمل النظام السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي، والتربوي، والديني، والفكري، والعلمي، والعسكري، والفني.

ويؤكد «ديورانت» على هذه المعاني الشاملة في كتابه «قصة الحضارة» [٣]. إذن فمحصلة الحضارة الإنسانية هي المزج التام بين كلمات «الحضارة» و «الثقافة» فمحصلة الحضارة الإنسانية هي المزج التام بين كلمات «الحضارة» و «الثقافة» و «المدنية»، ويمكن أن يزاد عليها للتوضيح لفظ المعرفة الإنسانية لتلك النشاطات كلها. وهي كلمة (Knowledge).

والحق أن الباحث الذي يراقب سير الحضارة في أسسها المعرفية ومظاهرها ومنجزاتها وعلاقاتها بتسخير الحياة والطبيعة، لا يخرج من هذا الفهم الشمولي لسير الحضارة الإنسانية.

الحضارة الإسلامية

والحضارة الإسلامية، ينطبق عليها هذا القانون الاجتماعي والحيوي، فهي لا تخرج عن الأنشطة الإنسانية وتفاعلها لأداء خلافة الله تعالى في الأرض [٤]. من أجل تحويل الوحي الإلهي، عقيدة وشريعة ونظام أخلاق، إلى تغيير وبناء وعمران في مجالات الحياة كافة، مستفيدة من حركة الأمم والشعوب الحضارية لخدمة بني الإنسان، مسلمين وغير مسلمين، من مبدأ أن الخالق هو رب العالمين وليس رب المسلمين فحسب.

وإذا أردنا أن نفك هذا التعريف إلى عناصره الأولى، قلنا: إن الإنسان هو وسيلة العمل والتغيير. ومن أجل أداء دوره في الأرض، أرسل خالقه تعالى الأنبياء والمرسلين، كي يحقق خلافته في الأرض. أي إن الخطاب الأساس هو لله تعالى، والإنسان منفذ لذلك الخطاب… فخطاباته حتى لو تعددت فلابد ألا تخرج على أصول خطابه الأخير للبشر، وهو الدين الذي أرسله الله تعالى للوجود كله مع النذير البشير الأخير، محمد بن عبد الله (ص).

فالحاكمية الحقيقية في هذه الأرض إذن هي للرب الإله سبحانه، والتي تمثل إرادته الأزلية الكونية أو الشرعية في الوجود. وحاكمية الإنسان تدور في بناء جزئيات حركة الحياة في إطار «الكل» الحضاري حول الإرادة الربانية الأزلية التي وضعت حقائق معرفية وجودية جاهزة أمامه، كي لا يتجه صراعه في الحياة لإنشاء الحضارة إلى العبثية والعدم، حين ينقل ذلك الصراع من داخل المادة والمعرفة المادية إلى داخل عالم الغيب والمعرفة الغيبية، فيتيه في محاولة إدراك تلك الحقائق، فلا ينتهي الطريق به إلا إلى التماس الفكر اللاسببي، بل الخرافي، في بناء المعرفة والحقائق، فتأخذ الحضارة طابعاً ميتافيزيقياً منحرفاً، فتلحق بحركة الإنسان وعمله أضراراً بالغة.

أما تحويل الخطاب الإلهي (الوحي) إلى حركة وحياة، فيحتاج من الإنسان إلى جهد عقلي مكثف، مدرك لقوانين المعرفة والطبيعة والحركة الاجتماعية في كل عصر، يجدد الحياة في حدود إدراك القطعي واللاقطعي من النصوص، والتماس مقاصدها ومآلاتها، والتحليل الدقيق لشبكة شريعتها في ظل التمييز التام بين أصول العقيدة وفروعها، وعدم التعصب للمذاهب القديمة والحديثة، وتجاوز نظرية «ليس في الإمكان أبدع مماكان» في عالم المجتمع والحضارة… وفي ظل إدراك حركة الزمان وتغير ظروف الحياة، والاستفادة القصوى من حركة الحضارات التي لا تتقاطع مع الانطلاقة المعرفية الإسلامية الأصيلة، والخروج الكامل من منهج حفظ وعرض النصوص فحسب، إلى مجال التفقه الأصولي لها ولما حولها، والذي نبه الله تعالى إليه في كتابه الكريم بقوله: (ليتفقهوا في الدين ( [٥].

أما الجانب القيمي في هذه الحضارة، فيتحقق عندما يدرك المسلمون إدراكاً شاملاً متكاملاً متوازناً أن لكل من أسماء الله الحسنى نصيباً في صيرورة الكيان البشري في بناء الحضارات، فلا يجوز أن يطغى نصيب على آخر، لأن طغيان جانب على آخر يؤدي إلى انحراف الفعل الحضاري، فعند ذاك يستلب الإنسانُ الإنسان، ويطغى عليه الاغتراب المريض عن نفسه وعما حوله من المخلوقات، فيخرج عن دائرة الإنسانية الرحبة.

دور الأمة المسلمة في عالم الغد

إلى تلك الأهداف الكبيرة التي حددناها في تعريفنا الحضارة، يتوجه دور أمتنا الشاهدة في عالم الغد.

من البدهي أن يبدأ هذا الدور من مذهبية إسلامية سديدة، واضحة المعالم، محددة الاتجاه، إذ من نافلة القول أن يدعي أي باحث: أن الانتقال الحضاري في أي مجتمع أو حضارة، لابد أن ينطلق من أسس واضحة، يخضع لها بالتالي إلى المنطق الداخلي الذي يربط بين أجزاء تلك الحضارات.

وتنوع الحضارات عبر التاريخ كان نابعاً من هذا المبدأ الجوهري الذي حدد لكل حضارة سماتها الخارجية المتصلة بالتطور الباطني لتلك الحضارة.

وحضارتنا الإسلامية التي قادت أوسع حركة حضارية شاملة قروناً عدة، بموجب ذلك القانون المطرد، بدورها لها منطق داخلي مترابط متوازن، يشكل «المذهبية الكونية» التي تجيب على مشكلة الإنسان أمام الكون وخالقه، وفي داخل حركة الإنسان نفسه، وتبقي على خصائص أمتنا في تطورها الخاص بها، مع عدم التقاطع مع كل ماهو خصائص إنسانية مشتركة، لاسيما أن حضارتنا على مدى تطورها كانت حضارة إنسانية مفتوحة، تجمع دائماً فضائل الحضارات، من منطلق قول النبي (ص): «الكلمة الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها» [٦].

والسر في لك أن الأنصبة البشرية من معاني أسماء الله الحسنى، مركوزة في فطرة البشرية، غير أن تلك الأنصبة لم تظهر في الحضارات الأخرى إلا مفرقة مبعثرة، بينما ظهرت في حضارتنا مجموعة في منظومة متناسقة، انتهت إلى جمع تلك الفضائل، لأن الوحي الرباني الصحيح هو الذي قادها ونظمها.

على أن تنوع مذهبيات السوق الحضاري من المسلمات البدهية التي تحدد ملامح الحضارات. والدليل الواقعي على ذلك أن الفرد الذي يعيش في مجتمع ما لايمكن أن يكون هو المجتمع نفسه، على الرغم من الملامح والسمات التي أعطاها أياه. فكيف يكون مجتمع ما أو حضارة ما نسخة مكررة من ذلك المجتمع أو تلك الحضارة؟

ومن هنا فإن الباحثين المنصفين يلاحظون أن التنمية الحضارية التي طبقت في مجتمعاتنا الإسلامية في العصر الحديث لم تؤت ثمارها المنتظرة، لأنها كانت تقليداً محضاً لما حصل خارج العالم الإسلامي من حركات التغيير النابعة من الحضارة الغربية التي تختلف اختلافاً جوهرياً في مصادرها ومناهجها المادية، وتطور تاريخها وأعرافها عن حضارتنا الإسلامية [٧].

إن الوجود الحقيقي للإنسان هو كيانه الثقافي والاجتماعي المتميز عن الوجودات الأخرى. فمنهج التغيير الحضاري الإسلامي يريد أن يوجد للإنسان المسلم وجوداً حقيقياً لا وجوداً أولياً مكتوباً في الجنسيات أو دفاتر النفوس، بينما وجوده الحقيقي يكون عبداً للآخرين، كوضع الأمة الإسلامية اليوم. فهي لظروف تاريخية معينة من الخمود والجمود والسقوط وإهمال سنن الله في الوجود، وجهل حقائق الإسلام، وعدم فهم طبيعة المرحلة، وقعت فريسة للحضارة الغربية التي تريد أن تبتلع الكيان الحقيقي للحضارات والثقافات وأصالة الأمم والشعوب، لأنها لا تؤمن إلا بطريق واحد، وتصر على أن كل من لا يلغي ماكان عليه تاريخه وحياته الحاضرة ويمشي في موكبها بدائي ومتأخر [٨].

أي إن «على الجميع أن يعتقدوا أن ثقافتهم المحلية وشخصيتهم المحلية غير ذات مفهوم، وأنهم لا يستطيعون بناء حضارة أو صناعة أو ثقافة، وإن عليهم من أجـل أن يكـونوا متحضرين، أن يقبلـوا أدوات الغرب وأنماطه وقيمه… وإذ لا يستطيع جيل قط أن يصل إلى استقلاله في مواجهة الغرب، الحاكم المطلق على العالم، فينبغي أن تدمر فيه كل قواعده الأساسية الإنسانية، وأن يحول إلى إنسان غث وفارغ ومغسول ومكنوس ومدهون، مثل قبر الكافر مزدان بالظاهر أما في الباطن فغضب لله عزوجل» [٩].

فإذا أردنا أن نخطط للغد الحضاري من منطلق مذهبياتنا الإسلامية، نجد أن الأساس المعرفي لها، لابد أن ينطلق، لا من الغوص في التاريخ وما أنتج فيه من معارف مرتبطة بالزمان والمكان، تمثل صراعات المصالح والغرائز في هذه الأرض، ولا من علم الكلام القديم ومادته المعرفية التي تتصل بمشكلات عصره، ويتعامل مع لاهوتيات أجنبية مرت بدهاليز العقل المنفرد في صراعاته اليومية، لتحقيق أكبر قدر ممكن من المصالح الذاتية، تنشد حب الانتصار وليس الحرص على الوصول إلى الحقيقة، لاسيما في الفترات المتأخرة،

ولا من فلسفات قديمة دخلت في العالم الإسلامي تحت مظلة الجمع بين النقل والعقل، انفردت بفهم الوجود من خلال عقل مادي لا يتجاوز عالم الشهادة، فهي فلسفات وثنية، لا تليق بالإنسان المكرم، ولا يشرفه أن يكون تلميذاً لها [١٠].

ولا من معرفة إشراقية تعتمد على رياضات وتجارب فردية قد تختلط فيها الإلهامات الرحمانية مع النزعات الشيطانية، وتتقدم نحو الفناء مع نسيان الوجود شطحاً، أو الفناء مع إنكار الوجود اتحاداً [١١].

وإنما ننطلق من الوحي الإلهي إلى الحاضر والمستقبل، ذلك الوحي المستقل عن الزمان والمكان، المتجسد في القرآن الكريم والسنة الصحيحة، من خلال ضوابط تفسير النص الإلهي والنبوي، التي أجمع عليها علماء الإسلام، وهي ضوابط اللغة وتفسير القرآن بالقرآن والنقل الصحيح عن النبي (ص) وأصحابه، وقراءة الكون قراءة علمية معاصرة، وقوانين العقل، والمعرفة الإنسانية والاجتماعية والنفسية المتجددة في التعرف الحقيقي على الله تعالى والكون والحياة، ونواميس حركة الحياة [١٢].

إن منهج الوحي الإلهي (القرآن والسنة)، منهج صاف مباشر يخاطب الكينونة الإنسانية مجتمعة، ويوقظ فيها الفطرة النظيفة. وهو كل شمولي لا يضع خطوطاً فاصلة بين الحس والعقل والحدس، وإنما يجمعها على صعيد واحد، يأخذ بعضها برقاب بعض، ليشكل المنهج الذي تتولد منه وحدانية الخالق في ذاته وأسمائه الحسنى وحاكميته المطلقة في الوجود.

وهو الذي يقدم القدوة العظمى في الوجود، الذي هو ثمرة الكائنات، والمخلوق الأرقى، والذي تجسدت فيه معاني الأسماء الحسنى في إطار التحمل البشري، تجسداً كاملاً متوازياً متسقاً، كي تتمحور حوله الحضارة، من أجل ألا تتغلغل في النظريات المثالية الطوبائية، وإنما تتطور أبداً في حدود واقعية تشدها إلى حقائق الحياة، ومثالية تقربها من الكمال المنشود.

وبالرغم من كل ذلك، فإن مذهبية الإسلام لا تضع النبوة مكان الإنسان وقواه في اكتشاف معالم عالم المادة وتسخيرها، وإنما تضع أمام الإنسان مجالاً زائداً لا يمكن للعقل أن يلجه، حتى يستكمل معرفته الكونية ويتوجه إلى خالقه، فلا يتحول إلى عبادة الأنداد التي تستعبده وتسحقه وتسلب آدميته تحت عجلة الاستلاب والطغيان [١٣].

وهو الذي يقود الإنسان للإيمان بحياة أخرى، توضع فيها موازين القسط، ويضعه أمام مسؤولية كبيرة يتعلق بها مصيره، لأن ذلك اليوم، هو يوم تحقق العدالة الإلهية، ويوم تحقق الكمال تجاه النقص الذي حصل في الدنيا.

ومسؤولية الآخرة لا تعني انتفاء المسؤولية في الدنيا، إذ لكل منها دوره في النفس والمجتمع، ومسؤولية الأولى هي مقدمة للمسؤولية في الحياة الأخرى [١٤].

وهو الذي كرم الإنسان وجعله خليفة في تنفيذ خطابه وجعله موضعاً لقبول تجليات أسمائه الحسنى، وصيره مثالاً مصغراً ونموذجاً للكائنات بأسرها، وزوده بالاستعدادات اللازمة لتسخير الوجود، وجعل بينه وبين ماحوله توازناً رائعاً، ليتحرك نحو التغيير والبناء الحضاري، متحرراً من جوانب الهدم في الذات، موجهاً غرائزه في مساربها الصحيحة، التي لها استعدادات دائمة للرقي والتوجيه السديد. فحيوانية الغرائز يوجهها الإدراك ويضبطها الشعور… وانحراف العقل تضبطه يقظة الوجدان الذي يربيه الوحي الإلهي من خلال النظام العبادي الذي يوصله إلى مرحلة التقوى [١٥].

ويلخص سيد قطب رحمه الله دراساته النفيسة حول الإنسان، فيقول: «ومن ثم فليست هناك قيمة مادية في هذه الأرض تعلو على قيمة الإنسان أو تهدر من أجلها قيمته» [١٦].

وإذا انطلق البناء الحضاري الرصين من تلك المذهبية الكونية الإسلامية المتوازنة، فحينئذ لا يجعل القوة نقطة الاستناد في الحياة الحضارية، ولا يهدف إلى تحقيق المصلحة الذاتية في كل شيء، ولا يتخذ الصراع دستوراً للحياة، ولا يلتزم التعصب العنصري رابطة للجماعات.

لماذا لا يفعل ذلك؟

يجيبنا الإمام سعيد النورسي رحمه الله تعالى، بعد استقراءاته العميقة في الحضارة العقلية المتمردة المعاصرة:

«لأن شأن القوة الاعتداء، وشأن المنفعة هو التزاحم، وشأن الصراع هو النزاع والجدال، وشأن العنصرية التجاوز على الآخرين» [١٧].

وإذا رجعنا إلى مساحة التاريخ الواسعة التي أشغلتها الحضارة الإسلامية، رأينا أن هذه المقولات الصائبة المستقرأة تنطبق عليها تماماً.

فهي لأنها كانت حضارة ربانية قامت بإرادة الله تعالى وتوجيه وحيه، لم تتخذ من القوة نقطة الاستناد الاساسية في الحياة البشرية، وإنما استعملت القوة قيمة أخلاقية متوازنة مع قيم الحق والعدل والرحمة والرأفة، لأن الطغاة والمجرمين المتحكمين في رقاب البشر لم يكونوا يرتدعون عن الشرك والمظالم عن طريق الدعوة السلمية والنصائح المفيدة والإرشاد القويم، فكانوا يحتاجون إلى قوة تحول بينهم وبين الانفراد بالمستلبين والمظلومين من الشعوب المقهورة، لإنقاذهم من جورهم وإعادة كرامتهم إليهم وإشعارهم بإنسانيتهم ثم الإقرار لهم بحرية التدين: (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي (.

وهي لم تهدف إلى تحقيق المصلحة الذاتية على حساب الشعوب والأمم، وإنما جاء إنشاؤها أصلا رحمة للعالمين.

ولذلك سرت خيراتها إلى الشعوب والأمم، شرقاً وغرباً، واسلتذ الناس طعم المساواة الإنسانية في شريعتها الإنسانية الرفيعة وقضائها المنفذ العادل، ويشهد لذلك المختصون الأجانب من غير المسلمين.

وهي ثالثاً لم تتخذ الصراع دستوراً للحياة، لأن الله تعالى شرع للإنسان قانون التدين، ودعاه إلى الحوار والجدل: (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنـا مسلمون (.

وهي رابعاً لم تلتزم التعصب العنصري رابطة للجماعات، وإنما انطلقت من أن الجميع عيال الله ومخلوقات الله، وهم إخوة في الإنسانية، لا يفضل أحد أحداً إلا بقدر قربه من خالقه وطاعته لسننه: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم (.

ولقد كان هذا المبدأ أساساً في الاعتراف بـ «الآخر» المسلم، و «الآخر» اليهودي، و «الآخر» النصراني، و «الآخر» المجوسي. وهو الذي انتهى إلى التعدد في داخل الحضارة الإسلامية في عصورها الزاهرة كلها.

يقول الأستاذ المؤرخ الدكتور عماد الدين خليل: «لنتذكر مثلاً أحادية الماركسية ومصادرتها للفكر (الآخر) وعقيدته ودينه، ولنتذكر أيضاً محاولة الكاثوليكية الأسبانية المسيسة على يد فرديناند وإيزابيلا ورجال الدين، تلك التي ألغت أمة كاملة من الحساب. لنتذكر هذا قبالة تنوع النسيج الديني في معظم مساحات التاريخ الإسلامي، حيث أتيح للنصراني واليهودي والمجوسي والصابئ والبوذي والهندي… إلى آخره، أن يعبر عن نفسه، وأن يقول كل مايريد أن يقوله، وأن يمتلك مقومات الديمومة والبقاء والامتداد في بيئة إسلامية لم تمارس في الأعم الأغلب أية مصادرة أو قسر أو نفي لعقائد الآخرين» [١٨].

إذن فالحضارة الإسلامية بمذهبيتها الشاملة وخصائصها المتنوعة، موجودة وجوداً قوياً، اعترف بها مؤرخو الحضارات من غير المسلمين، وكتبوا فيها وفي مؤسساتها وإنجازاتها المجلدات الضخمة، غير أنها تحتاج اليوم إلى مراجعة وتقويم وتجديد، من أجل رفدها بحياة جديدة، تستطيع أن تحمل المسلمين خاصة والإنسانية عامة، كما حملتهم وأسعدتهم بالأمس.

ولكن قد يسأل الباحث: كيف يمكن أن تتم تلك المراجعة وذلك التقويم والتجديد؟

أقول يتم ذلك – في رأيي – إذا اتبعنا الأسس الآتية:

أولاً: الانتقال من الفكر الإسلامي القديم إلى الوحي الإلهي ثم النزول من الوحي الإلهي إلى العصر الحاضر.

وقد أشرنا إلى جانب من ذلك في صفحات سابقة، والآن نذكر تفاصيل أخرى حول هذا الموضوع الخطير.

نعم نتوجه إلى الفكر الإسلامي القديم في مجالاته كلها لنقوم بعملية مسح شاملة.

فالنظام السياسي الذي ولده صراع «صفين»، صنعته نوازع الإنسان وفكره الاجتهادي، صواباً أو خطأ، حسب المرحلة المتاحة يومئذ، والذي انتهى إلى ظهور الخوارج والمرجئة والباطنية، تلك الفرق التي صبغت التاريخ الإسلامي بصبغة الصراع الطائفي والتحريفي المتطرف أسلم البعض إلى إدخال البدع في الدين، وانتهى بالآخرين إلى الخروج النهائي من الإسلام (الباطنية).

والنظام الاقتصادي الذي ولده النظام الوراثي، انتهى في جانبه الإسلامي إلى إحداث أكبر تنمية اقتصادية في العصر الوسيط، وأسلم المجتمع من خلال جانبه المنحرف (الوراثة) إلى تحكم الملاك في رقاب الفلاحين وأدى ذلك إلى ظهور التفاوت في الثروات، فخرج النظام بذلك على عدالة التوزيع، وتحقيق الكفاية لجميع أفراد المجتمع.

والاختلاط الفكري بين الثقافة الإسلامية والثقافات الأجنبية الدخيلة، انتهى من جهة إلى صراع فكري دموي حاد بين المعتزلة العقلانيين في تأويل النصوص وأهل الحديث المتمسكين بظواهرها.

ومن جهة أخرى اتجه إلى إحداث صراع فكري حاد بين المعتزلة والأشاعرة، وأهل الحديث والأشاعرة، الذين أرادوا ابتداءً إعادة نوع من التوازن بين العقل والنقل، ثم انغمسوا في العقليات المتأثرة بالفلسفة وانتهوا في العصور التي تلتها إلى خروقات واضحة في إدخال نظريات عقلية مجردة إلى الفكر الإسلامي.

وما يسمى بالفلسفة الإسلامية التي حمل لواءها أمثال الفارابي وابن سينا وأضرابهما، لم تكن فلسفة إسلامية حقيقية، وإنما كانت فلسفة لجماعة من المسلمين لم يكونوا فكراً إسلامياً، ولم ينطلقوا من قواعده القرآنية، بل هم قد خالفوا أصوله، لأن عقلياتهم كونتها ثقافات غريبة قيدتها ظروف وأوضاع فكرية معينة، لا تمت إلى أصول الإسلام بصلة.

والسبب في كل ذلك الانحراف الفلسفي، شرود العقل، لأنه انفرد بالأساس المعرفي لمناقشة قضايا الوجود بموازينه المحدودة ومنطلقاته المفردة الخاطئة [١٩].

وأما النظريات الصوفية وطرقها التي سادت في إطار الفكر الإسلامي القديم، فقد كانت نتاج الغنوصيات والنظريات الإشراقية التي انتقلت إلى المجتمع الإسلامي يومئذ من الأنظمة الروحانية الأجنبية التي كانت تعتمد على الرياضات الروحية المكثفة التي أفقدت الإنسان التوازن في كيانه، وانتهى من جهة إلى زعم كشفيات لا ضابط لها، زعمت الفناء في الله، وأنكرت حقائق الأشياء ضمن نظريات الحلول والاتحاد، وادعت في حالات معينة أن الإلهام هو مصدر يستقل بالمعرفة الوجودية بمعزل عن الوحي الإلهي [٢٠].

إذن فمن الأخطاء القاتلة: أن نسحب صراعات الماضي الفكرية والسياسية إلى حاضرنا ومستقبلنا… ومما هو أكبر من ذلك أن نضع ذلك الفكر بدل الوحي الإلهي المنزل الذي لا يراجع ولا يناقش.

وقد أدى الخلط بين الفكر والوحي في تاريخنا إلى إلحاق أضرار فادحة بحركة المجتمع الإسلامي، وانتهى إلى صراعات عنيفة، انمحت فيها السماحة، وانقطع الحوار الأخوي، واختفى الاجتهاد، وقدم كل طرف نفسه، وكأنه هو الذي يمثل الدين الحق، وغيره خارج عليه. وكان من نتائج تلك الصراعات المنحرفة، تقييد حركة الفكر وفرض الجمود عليه، والنكوص إلى الماضي، وإيقاف حركة التاريخ وتجديد الحضارة والتقدم بهما إلى الأمام.

ومن هنا، فعلى كل عصر، إن أراد أن ينطلق إلى بناء الحاضر والمستقبل أن يبدأ من الوحي الإلهي، ويتقدم إلى إيجاد فكر إسلامي جديد، مناسب لطبيعة المرحلة والظروف المحيطة بها، كي يوجد مسارب واضحة وصحيحة للالتزام والتنفيذ والتطبيق في ضوء التطورات الجديدة، وضمن الأصول القاطعة أو الراجحة الدلالة في تفسير نصوص كتاب الله وسنة رسوله (ص) [٢١].

على أننا يجب أن ندرك أن رصيدنا الحضاري الضخم ليس فكراً اجتهادياً مرحلياً فقط، وإنما فيه الجوانب التي رسمها الوحي الإلهي. فعند مراجعتنا لذلك الرصيد، بكل أبعاده وإنجازاته، لابد لنا أن نتبنى خلاياه المشرقة الخالدة التي خططها ذلك الوحي المعصوم، ونقل الإنسان المسلم من خلاله إلى حياة وحركة وتغيير مستمر وتجديد دائم، فالوحدانية والربانية والإنسانية والعالمية والقيمية والواقعية والمثالية والعقلانية والعلمية والإبداع والسلام والخلود والحق والعدالة والوسطية والأصالة، هي صفات عالية تتجسد في مراحل تطور حضارتنا، انداحت موجاتها الصافية، لا على العالم الإسلامي فحسب وإنما على العالم كله.

ثانياً: إن التغيير والتجديد الشاملين في الحضارة الإسلامية المنشودة المنقذة، لابد أن يبدأ من البنى التحتية، المعنوية منها والمادية، وليس بوصفات مؤقتة لملء الثغرات الخطيرة في البنيان الفوقي، أي إن التجديد يجب أن يدخل في الخلايا العميقة، حتى تسترجع الأمة الإسلامية برمتها العافية. فمراكز التأثير الإلحادي واللاديني وتلامذتها من المسلمين، لم يتمكنوا من المجتمعات الإسلامية، ولم يعيقوا بناء حضارتها من جديد إلا من خلال فراغ داخلي شامل وعميق. يظهر ذلك من خلال جهل حقائق الدين وحكمته وجمود العقل وثمراته، والاستسلام إلى التفسير الخرافي لأحداث الكون وعدم فهم السنن الإلهية في الوجود، بجانب خواء الروح واضطراب الأحوال والهزائم النفسية، وتمكن الجهل والمرض من الأكثرية المسحوقة في الأمة الإسلامة.

إن إصلاح الأعماق سيؤدي إلى وحدة العقيدة، وتنوع الأفكار ويقظة العقل واستقرار الأحوال. وهو الذي سيساعد المسلمين في إيقاظ حضارته وبنائها بناءً جديداً، ويحصنهم أمام التغريب والاستلاب الحضاري المعاصر.

وهذا المنهج هوالكفيل بإخراج المسلمين من المنظومة الإلحادية المادية الغربية إلى المنظومة الإيمانية الإسلامية، بمعناها الشامل.

وهو منهج الإسلام وطريقته في بناء الحضارة. وهو منهج وطريق مستقل يختلف جذرياً عن الأصول الرومانية اليونانية النصرانية اليهودية الالحادية التي سيطرت على الحضارة الغربية، في معظم جوانبها ومؤسساتها الثقافية والفنية.

ثالثاً: الحضارة الإسلامية عبر تاريخها المديد لم تلغ جهود الآخرين في بنـاء الحضارة الإنسانية، لأنها انطلقت من أن الإنسان – وليس المسلم فحسب – هو خليفة الله في الأرض: (إنـي جاعل في الأرض خليفة (بمعنى أن الإنسان شاء أم أبى يحمل في فطرته نصيبه البشري من كل اسم من أسماء الله الحسنى، فهو من تلك الأرضية يتعامل مع قوانين الحياة، فينشئ الحضارة، بمعناها الواسع، من الحضارات البدائية إلى الحضارات المعقدة.

فالحضارة الإسلامية عندما جابهت حركة البشر من خلال حضارتها، كانت تقتبس من ثمرات تلك الأنصبة فتجمع فضائلها، كلما كان التوجيه سديداً. فمثلاً أخذت علوم اليونان ومنطقهم ومناهجهم في الفلسفة، إلا إنها لم تأخذ ملاحمهم، لأنها كانت تمثل صراع الآلهة مع البشر، بينما منطقها هي كان يقوم على أساس التوحيد الخالص، وفهم الكون فهماً عقلانياً.

وهناك قضية أخرى في مشروعية الحوار، وهي أن الله تعالى لم يحرم البشر من لطفه الدائم، فقد أرسل إليهم الأنبياء والمرسلين مبشرين ومنذرين، ونشروا التوحيد والشرائع والفضائل: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً (.

فعلى الرغم من الانحرافات والتحريفات التي دخلت على كثير من تلك المبادئ، غير أن آثارها ظلت تمتزج بنسيج التفاعل البشري، بعضهم مع بعضهم الآخر، مما فتح سبيلاً للاقتراب والتفاعل والتأثر، للجسور المشتركة من جهتين، جهة الفطرة، وجهة مبادئ وأحكام الرسالات السماوية.

ولقد وعى المسلمون ذلك وعياً تاماً، فأخذوا الحكمة والعلم والثقافة والفن والعمارة والذوق من الحضارات التي واجهوها عبر عصورهم. ولم يقفوا قط مغلقين أمام الثقافات الأخرى، بل انفتحوا انفتاحاً ذكياً منضبطاً في كثير من الأحيان أمام جهود البشر في البناء الوضاح للحياة، في ظل ما يجعل المسلمين أكثر قوة وأكثر تقدماً وأكثر أصالة، حرصاً منهم على تقديم النموذج الإسلامي الأمثل.

الحضارة الغربية وغدنا القادم

وهذه المسألة في غاية الخطورة بالنسبة لنا، وهي كيفية مواجهة الحضارة الغربية، القوية الغنية العالمة المبدعة الطاغية، التي لا تعترف بحضارة أخرى غيرها، ولا تتحاور معها، ظناً منها أنها نهاية التاريخ وقمة التقدم.

وهذه المواجهة قدرنا في يومنا وغدنا، لا مناص لنا فيها، للأسباب الآتية:

- لأنها حضارة خالطت نسيج حياتنا، ابتداءً من غرف نومنا حتى أضخم مؤسسة في مجتمعنا، خالطت حياتنا الفكرية والأدبية والفنية والعلمية وغيرها، بحيث نستطيع أن نقول: إنها كادت أن تخرجنا من منظومتنا الحضارية الراكدة المقلدة إلى منظومتها الفاعلة المبدعة بكل مافيها من خير وشر.

- ولأنها تريد أن تلغينا وتلغي حضارتنا وتجعلنا كالآخرين تابعاً ذليلاً لها، لاسيما في ظل نظامها العالمي اليهودي الاستعماري الجديد [٢٢].

- ولأن اتخاذ موقف جماعي مختار حازم، غدا ضرورة للحفاظ على أمتنا، هذا الموقف الذي لابد أن ينبثق من عقيدتنا وأصول شريعتنا ونظام حياتنا وقيم أخلاقنا، وعمق حضارتنا، بشموليتها الإنسانية ومنطقها الداخلي، وتطورها التاريخي الخاص المنفتح، الذي لا يتقاطع مع كل جهد بشري خير.

- وقد يستغرب القارئ، إذا صرحت بأنني أعتقد أن الحضارة المعاصرة هي أقرب الحضارات على مر التاريخ الى حضارتنا، على الرغم مما فيها من الإلحاد والإباحية والطغيان وسيطرة الأفكار اليهودية القيادية على كثير من مؤسساتها السرية والعلنية.

وأسباب ذلك مايأتي:

أولاً: إن الحضارات السابقة على الإسلام لم يكن في مصادرها إسلام صحيح واضح، وإنما المبادئ الباقية الباهتة المنحرفة للأنبياء والمرسلين السابقين هي التي تركت بعض الآثار في سلوك أفرادها وتطور أنماط سلوكها الاجتماعي.

بينما الإسلام يعد عند الباحثين المنصفين اليوم من أهم مصادر الحضارة الغربية:

أ – في التوحيد، حيث رفض العقلاء التثليث، فالفلاسفة والعلماء الذين اتهموا بالإلحاد في العصور الأخيرة، لم يكونوا ملحدين باعتبار إنكار الخالق، وإنما باعتبار رفضهم لمبادئ الكنيسة.

ب – إن منهج قراءة الكون واكتشاف قوانين الحياة منهج قرآني واضح.

ج – رفض خطاب الكنيسة وإثبات الخطاب للإنسان، كان أثراً إسلامياً تدرجياً في الحضارة الغربية، نتج عن احتكاك الغرب بعقلية الاجتهاد الإسلامي، سواء في الفلسفة أم العلم أم التشريع أم القيم، لكن قصارى مافي الأمر أن الغرب نتيجة لاضطهاد الكنيسة الدموي لأهل الفكر والعلم أنكر الخطاب الإلهي (الوحي)، الذي كان في نظره خطاب الكنيسة، أو الوحي الذي اصطنعه رجال الدين (الأكليروس) في أوروبا، في العصور الوسطى. ولو كان أمام هؤلاء وحي صادق عقلاني يخاطب الكينونة البشرية دون وسطاء، ما أنكروا ذلك الخطاب [٢٣].

ثانياً: إن تفجير الإنسان لنصيبه الفطري من أسماء الله الحسنى، ولو مبعثراً مقطوعاً في هذه الحضارة، أوسع وأعمق وأكثر انطباقاً على قوانين الوجود من أية حضارة سابقة. فعلى سبيل المثال، قيم الحق والعدل والجمال والحرية وغيرها موجودة في هذه الحضارة في سلوك الأفراد، ولكنها مبعثرة وغير متوازنة. أي إن السلوك الغربي قد لا يجمع تلك القيم في مكانين أوزمانين. لأنه يؤمن بنسبية الأخلاق والمنفعة الحاضرة، نتيجة لتوجيه الثقافات المادية المنحرفة فيها [٢٤].

ثالثاً: إن هذه الحضارة الغربية تقبل بالتعددية في نفسها. وهذه التعددية في حرية الفكر أدت إلى الإبداع المستمر، لاسيما في جو الانفتاح على الجميع وعدم مصادرة الآراء. وقضية إلغاء (الآخرين) لا تأتي من أعماق هذه الحضارة، وإنما تنتج من تسلط أصحاب المصالح من اليهود والاستعماريين، جامعي الثروات ومغتصبي الشعوب والأمم.

إذن فضرورة وكيفية المواجهة تتطلب منا أن نهضم حضارة الغرب في كلياتها وجزئياتها، وأن نكون حياديين تماماً في دراستنا، وألا نقف موقف المهاجم أو الرافض كلياً لمادتها المعرفية ومنجزاتها، وإنما نبحث عن حالة التوازن الجواني والظاهري، والاعتراف والإقرار بالازدواجية المبدئية للعالم ثم محاولة التغلب عليها [٢٥]، فحينئذ فقط نستطيع أن ندخل في حوار حقيقي مع هذه الحضارة.

وهذا الحوار الحقيقي الصريح مهما طال، لابد أن ينتهي – في رأيي – إلى أسلمة هذه الحضارة – ولو على المدى البعيد – أو في الأقل بناء جسور مشتركة بين الحضارتين قائمة على الثقة وتبادل الخبرات والتعاون العالمي في سبيل خير الإنسان.

كيف؟

- إن حوار التوحيد مع التثليث حوار عقلاني، يؤيد التوحيد فيه العقل والعلم المعاصر، وقراءة الكون بهما في الحضارة المعاصرة كفيلة بإلحاق الهزيمة بالتثليث.

- إن حوار ظاهرة النبوة مع الألوهيات المتجسدة في الأرض حوار عقلاني، لأن فرضية النبوة بشرياً فرضية عقلية. فمن يؤمن بالله ويدرك صفاته التفصيلية، يؤمن أنه من غير المعقول ألا تشمل عنايته أشرف مخلوقاته، في حين تشمل تلك العناية غاية الشمول عالم الجماد والنبات والحيوان.

- إن جوهر الحياة الأخرى في الإسلام والنصرانية واحد، غير أن القرآن الكريم كعادته يبني ذلك اليوم الغائب عنا على أساس عقلي وعلمي ويقدمه نتيجة منطقية حتمية لحياتنا الدنيا، ثم إن اللاعقلانيات الموجودة في تصوير النصرانية لليوم الآخر لا توجد في الإسلام.

على أن القرآن الكريم في الحديث عن هذ العقائد يخاطب الكينونة الإنسانية عقلاً وقلباً وروحاً، فأدلته من خلال آياته تنساب في كيان العقلاء انسياباً.

- إن حوار القرآن الكريم مع القوانين والمنجزات التي اكتشفتها هذه الحضارة حوار متطابق، فلا مشكلة ولا تصادم بين منهج القرآن في البحث العلمي والعلم المعاصر. بل إن العلم المعاصر قرآني تماماً، كما يقول العلامة محمد أحمد الغمراوي رحمه الله [٢٦].

- إن حوار القرآن الكريم مع إنسانية الإنسان في الحضارة الغربية، وإثبات وجوده، حوار مريح جداً لعقلية مفكري الغرب، لأن القرآن أقر للإنسان الكرامة والحرية والخلافة الإلهية، وترك له مساحة واسعة في الحاكمية، وهي اجتهاد العلماء في إطار الضوابط الأساسية الخالدة الفطرية لفهم النصوص. ولذلك فإن الفقه في معظم قضاياه الدنيوية فقه بشري ولكن مهتد بهداية الكتاب والسنة.

وهذا الفقه نفسه أثـر في القوانين الأوروبية تأثيراً بالغاً، لاسيما المذهب المالكي… والقانون المدني الفرنسي في أكثر بنوده، يكاد يكون ترجمة حرفية من المدونة الكبرى للإمام مالك رحمه الله تعالى [٢٧].

وإذا زدنا على ذلك دعوة الإسلام للتعارف والتعاون البشري، لم تبق مشكلة كبيرة في كليات دائرة العقائد وفهم الكون وطبيعة الإنسان.

والتطلعات البشرية لإقرار حقوق الإنسان، متطابقة مع الإسلام في معظم القضايا الحقة لوثائق حقوق الإنسان التي صدرت من الأمم المتحدة.

وأتذكر هنا أن جهازاً من أجهزة الأمم المتحدة أصدرت بنود وثيقة في عام ١٩٧٥م، لرفع التمييز العنصري ضد النساء، ووزعت هذه الوثيقة على الأعضاء فيها لدراستها، وشكلت لجنة في جامعة بغداد للنظر في تلك الوثيقة، وكنت أحد أعضائها، وكانت المذكرة تحتوي على أكثر من خمسة وثلاثين بنداً، فوجدنا أن أكثر من ثلاثين منها متطابقة مع الشريعة الإسلامية، والبنود القليلة غير المتطابقة كان الحق فيها لجانب الإسلام، كالطلاق وتعدد الزوجات، وقد كتبنا مذكرة تفصيلية بشأن ذلك.

إن الحوار الإسلامي مع الحضارة الأوروبية في كليات المذهبية الإسلامية في الكون وخالقه والحياة والمجتمع أثبت نجاحه الأكيد، والدليل القاطع على ذلك أن كثيراً من الفلاسفة والمفكرين والعلماء والمثقفين الغربيين عندما تسنت لهم ظروف مناسبة لدراسة الإسلام، قبلوه وآمنوا به. وهم اليوم يدافعون عنه وينشرون مبادئه.

وأوضح الأمثلة على ذلك: اللورد هدلي، ويكثال، وجرمانوس، وجان بردوا، وايتبن دينيه، وغارودي، وموريس بوكاي، وغيرهم كثير.

وهذا النجاح التاريخي في الحوار مع الحضارة الغربية قد بدأ، ولكن على مستوى الأفراد وعدد من الجمعيات الإسلامية في الغرب. ولكن هذه بداية متواضعة تبشر بإمكانية النجاح الكبير في المستقبل.

ويوم أن تعيد الأمة الإسلامية صياغة حضارتها المتكاملة من جديد، وتربي أجيالها في ظلها، وتسخر خيرات بلادها في سبيل تقوية دولها ومجتمعاتها، وتدخل الحوار المصيري مع الحضارة الغربية، سواء بطاقاتها المتفجرة في بلادها أم بقوة كيان الأقليات الإسلامية في بلاد تلك الحضارة، والتي ستتأثر حتماً بقوة ووحدة تلك الصياغة، حينئذ سيكون الإنقاذ جماعياً شاملاً للحضارة المعاصرة في مذهبياتها المادية وعلومها الصرفة وعلومها الإنسانية الغزيرة، وشحنها بقوة عقيدتنا وشمولية شريعتنا ورقي نظامنا الأخلاقي، في ظل منهجنا العقلي والعلمي في فهم الوجود.

فهذا هو قدرنا في هذا العصر، فنحن نحتاج إلى الحضارة الغربية في مناهجها العلمية ومنجزاتها المادية، وفي جوانب من فلسفاتها وأفكارها التفصيلية عن عالم النفس والمجتمع والحياة والتاريخ والاقتصاد والصراعات الحضارية وغيرها.

وهي تحتاج إلينا لانتشالها من مذاهبها المادية بقوة مهجنا العقلي المستند إلى الوحي الإلهي الصادق. وتحتاج إلينا لإخراجها من عفن الإباحية، بروحانية نظامنا الأخلاقي الجامع للقيم المتماسكة التي لا تتبعثر يمنة ويسرة. وهي كذلك تحتاج إلينا لتبصيرها بمركز الإنسان المكرم عند الله، الخليفة المسخر، لا المتصارع، الذي يمكن أن يعيش في سلام ووئام مع إخوانه من بني البشر.

على ألا نكتفي بالأفكار المجردة، بل نقدم لهم النموذج الأرقى للقدوة التي يمكن أن تدور حولها الدوائر الحضارية، وهو رسول الله (ص) المثل الأعلى للكائن الحي في الوجود، والجيل الأول من صحابته الذين رباهم في مدرسة العبودية لله وحب الإنسان لأخيه الإنسان.

وهذا لا يكون إلا إذا قدمنا إلى أهل الحضارة المعاصرة تاريخنا بكل أبعاده، مبرءاً من التشويه والتحريف، بعيداً عن التعظيم الخطابي الذي يفتقر إلى الأدلة العلمية.

والتقدم الفردي لا يكفي في هذا السبيل، وإنما لابد أن يتمثل هذا في إطار جهد جماعي ضخم يشمل العالم الإسلامي كله، متجسداً في المعاهد الحضارية والتاريخية المتنوعة التي تحتضن المؤرخين الموثقين والمحققين الأثبات والمفكرين المحللين، بلغات عالمية عدة، وتخصص لها ميزانيات ضخمة كتلك التي تخصص في الغرب للمراكز التبشيرية والاستشراقية لإفساد عقائد وأفكار الشعوب والأمم.

المسلمون والنظام العالمي الجديد

ولسائل أن يقول:

كيف يمكن أن تتحقق كل تلك الأماني ونحن محاطون في عالمنا الإسلامي بالنظام العالمي الصليبي اليهودي الاستعماري الجديد، في الهيمنة على العالم وملاحقة كل مايقدم المسلمين خطوات إلى الأمام ويعيد إليهم وحدة عقيدتهم وتضامن أممهم؟

ذلك أن الغرب في مخططاته كلها، السرية والعلنية، قد عقد العزم على ألا تقوم الأمة الإسلامية مرة أخرى، وألا تنتصر في أي مجال من مجالات الحياة مرة أخرى [٢٨]، تلك مقرراتهم، واعترافاتهم تشهد على ذلك [٢٩].

فالجولة في هذا العصر لهم، والقوة بأيديهم، قوة المال، قوة العلم، وقوة التخطيط والدهاء وقوة الجنس، وهم متعاونون في ذلك، عاقدون العزم على تحقيقه.

فكيف يمكن بعد ذلك التفكير بالخلاص، والانتصار في هذه المعركة الضروس مع هذه القوى الكاسحة؟

أقول مع العقلاء، أصحاب الهمم: نعم، يمكن ذلك بكل تأكيد، لما يأتي:

- الحضارة الغربية ليست دولة واحدة، بعقيدة إيمانية راسخة واحدة، وإنما هي كيان ضخم، تعمل فيه جراثيم الفناء من داخلها، وفيها تناقضات فلسفية وسياسية واقتصادية كثيرة، وفيها مذاهب دينية متعددة قابلة للانفجار في لحظات تاريخية حاسمة تدمر كل شيء [٣٠].

- الحضارة الغربية، وإن تبدو اليوم لمن ينظرون إلى ظاهر من الحياة، ذات قطب واحد، تسيرها الولايات المتحدة الأمريكية، غير أنها تختزن في أعماقها صراعاً شديداً، بدأت كوامنه تظهر إلى السطح منذ هذه الأيام، فطغيان أمريكا، ومواجهة أوروبا، وغطرسة النازية في أعماق الشعب الألماني، وتململ الديغولية في فرنسا، سينتهي في النهاية إلى صراع موجه إلى قلب الحضارة الغربية، يستنفد قواها. أما إذا زدنا في الصراع ظهور القومية الروسية وشعورها بالضعف والمهانة، فإنه سيزيد الطين بلة.

لقد وصل الاستلاب اليهودي لأمريكا حالة خطيرة، بحيث استولوا على بؤر القرارات الخطيرة في البيت الأبيض ووزارة الدفاع والخارجية والمخابرات المركزية ومجلس النواب والأعيان (الكونجرس)، وتغلغلوا في المؤسسات الأعلامية والثقافية والفنية والاقتصادية [٣١]، فبدأ يؤدي ذلك إلى حقد شعبي عارم مبطن، يمكن في يوم ليس بعيداً أن ينفجر انفجاراً قوياً ينهي سيطرة اليهود على أمريكا، وتتحول تحذيرات جورج واشنطن وفرانكلين إلى واقع محسوس… وهكذا الحال في أجزاء أوروبا، لاسيما فرنسا وألمانيا.

في منظورنا لعالم القرن الواحد والعشرين، نلاحظ قوى أخرى بدأت تظهر إلى الوجود من الآن، فالقوة الاقتصادية الهائلة لليابان، وقوة الصين العسكرية والبشرية الضخمة ذات الأصول الشرقية للحضارة، ستشكلان في المستقبل أزمة كبيرة أمام وحدة المصالح الغربية… فالشعب الياباني لا يمكن أن ينسى توقيع صك الاستسلام الذي فرض عليه، لا بشجاعة الأمريكان وبطولاتهم وإنما بمفاجئة وحشية القنابل الذرية، وأما الصين فمرشحة تماماً للانتقام والوقوف أمام القوة الطاغوتية للحضارة الغربية بقيادة أمريكا.

- وأما الإباحية الجنسية وأمراضها الخطيرة وإدمان الحشيش وأنواع المخدرات الأخرى، لقد أدت إلى تحطيم الشباب في داخل دول الحضارة الغربية، وأسلمتهم من الآن إلى حالة من الضياع والعبثية والتمرد، فإنها ستضعف الشعوب الغربية، وتلحق بها أشد الأضرار الصحية والاقتصادية والنفسية، مما يعجل بنهاية طغيان هذه الحضارة وحيويتها الذاتية.

فإذا كانت الأوضاع الحضارية في الغرب تتوجه من القوة إلى الضعف، فإنه بالعكس من ذلك في العالم الإسلامي، فإنها تتوجه من الضعف إلى القوة، للأسباب الآتية:

أولاً: بعد أن انتهى تصور المسلمين في القرون الأخيرة إلى تواكلية مميتة، وجهل بسنن الحياة، وتعصب طائفي ومذهبي، أي الى نفق مظلم ضيق، وبعد أن استسملوا إلى الجهل والجوع والمرض، بدأت منذ قرن بذور النهضة تنمو شيئاً فشيئاً في أرجاء العالم الإسلامي، تجلت في التعرف على حقائق الإسلام، والتخلص من الاستعمار، وتسخير الثروات، والتخطيط لبناء الحياة ونشر العمران، والأخذ بأسباب الحضارة الحديثة، حيث ظهرت الدول الحديثة بمؤسساتها العلمية والاقتصادية والسياسية والتربوية.

وهذا بحد ذاته – على الرغم من عدم وضوح الرؤية الإسلامية الشاملـة – خطوة تقدمية في الانتقال من حياة البداوة والتأخر إلى حياة المدنية والتقدم.

ثانياً: الشعور بالانتماء إلى الأمة الواحدة، سواء الأمة العربية المسلمة أم الأمة الإسلامية الواحدة. فمظاهر التضامن والشعور بالمصير الواحد والاطلاع على المشاكل العامة والخاصة والتعاون العسكري وتبادل الخبرات وإنشاء المؤسسات كجامعة الدول العربية ومؤتمرات القمة العربية والمؤتمر الإسلامي وغيرها من التجمعات والمؤتمرات، كلها دليل على بدء عودة الوعي إلى الأمة.

ستقول: تلك المظاهر ضعيفة، لم تعمل كثيراً من أجل العالم العربي والإسلامي، وهو خاضع لتوجهات دول الاستعمار في بعض الحالات.

أقول: نعم إن هذه المؤسسات قد ظهرت، وسيكون تطورها إلى القوة وصنع القرار الموحد بقدر مستوى تطور العالمين العربي والإسلامي نحو الإسلام، وامتلاك الوعي الكامل، ثم الاستقلال عن السياسات الاستعمارية… ومجرد ظهور هذه المظاهر دليل على الاعتراف بالأفكار الكامنة وراءها. أما إصلاحها وتخليصها من السيطرة الأجنبية، فسيتحقق يوماً من الأيام. وبوادرها قد بدأت، حيث دعا المؤتمر الإسلامي الثامن إلى عدم الدخول في معاهدات عسكرية مع العدو الصهيوني.

ثالثاً: ظهور وعي شعبي عام في الأمة الإسلامية، نتيجة لحالة اليقظة الطبيعية، واستجابة للتحديات القائمة، يدعو إلى الإصلاح أحياناً وإلى الثورة أحياناً أخرى، وإلى الجهاد الشامل ثالثة. وعلى الرغم من أن هذا الاختلاف أعاق المسيرة في الماضي، إلا إن العقلاء نتيجة لضغط الكوارث الكبيرة التي حلت بالأمة، اعتباراً من نهاية الأربعينيات إلى اليوم يدعون إلى المصالحة بين القوى القومية والوطنية والحركات الإسلامية، وبدأ الحوار الفردي والجماعي في أماكن عدة، وذكر هؤلاء بعضهم بعضاً أن الجسور المشتركة بيننا كثيرة، على كل طرف أن يسير نحو (الآخر) عليها.

إن المرتبطين بأرض الإسلام ينظرون إلى يومٍ تتحد فيه الجهود للدفاع عن أصالة الأمة ومصالحها.

وقبالة ذلك، خفتت كثيراً حالة الاتهامات المتشنجة المتبادلة بين تلك الأطراف المتحاورة، بينما انفضحت في العالم الإسلامي كله حقيقة الشيوعية التي كانت مرتبطة بمصالح الاتحاد السوفيتي، الدولة المقبورة، وظهر الوجه الحقيقي للماسونيين، لاسيما في عصر العلو اليهودي الصهيوني الكبير وطغيانه ومؤامراته على الأمة الإسلامية.

على أن القوميين والوطنين بدأوا يتراجعون عن مواقفهم المتشددة السابقة في عزل الإسلام عن الحياة، وظهر عصر الدفاع عن النفس، ومغازلة الإسلام، وقبول قيادة الإسلام الحضاري، وخصوصية الأمة وعدم السماح بذوبانها في الحضارة الغربية.

والدلائل كلها تشير إلى أن المثقفين والمفكرين يتوجهون في العالم الإسلامي إلى الإسلام بخطوات ملحوظة، وسيأتي يوم قريب بإذن الله تعالى، ينضم فيه الجميع إلى القافلة الإسلامية، وحينئذ ستتوجه الجهود إلى البناء في ضوء الإسلام الشامل، عقيدة وشريعة وأخلاقاً، والذي يضم الكل في توجه حضاري واحد.

وهذا يبشر بسقوط اللادينية (العلمانية) إن شاء الله تعالى في العالم الإسلامي كله.

رابعاً: لقد حاولت القوى الطاغوتية الغربية بكل الوسائل الشيطانية زرع بذور الشك في أعماق كثير من الحكام ضد الإسلاميين، فلم يعاملوهم معاملة أبناء الوطن المخلصين، ولم يتحملوا معارضتهم السلمية البناءة، فصنعوا بتدبير ودفع من أعداء الإسلام مجازر وحشية للجيل الإسلامي الصاعد، وحشروا البقية في أعماق السجون، ليقضوا فيها ربيع أعمارهم. وهكذا حرمت تلك المجتمعات من طاقات هائلة مخلصة، كان من الممكن أن تكون في خدمة حركة الأمة الإسلامية إلى الأمام، لإنشاء حضارتها وحياتها المستقبلية، كي تستطيع أن تحافظ بها على أصالتها واستقلاليتها.

إن مواقف هؤلاء الحكام – لا سيما الثوريين منهم – قد دفعت بشباب الإسلام في تيارات معينة إلى التشنج والعنف، مما أساء إلى الحركة الإسلامية العالمية إساءة بالغة، فوصمتها دوائر الاستعمار والصهيونية بالإرهاب والعنف، ودعت الحكام في مؤتمرات دولية معروفة إلى تصفية جيوبها والقضاء المبرم عليها، والتمكين لمزيد من اللادينية والبعد عن الدين، ظناً منهم أنهم بذلك سيبعدون الأمة عن إسلامها، فأدت سياساتهم إلى عكس ما أرادوا، حيث اشتعلت جذوة الإسلام في نفوس الجيل الجديد.

وهكذا ضاعت جهود من الطرفين، كانت جديرة بأن تصب في صالح حركة الأمة الإسلامية.

لقد غدا التفاهم بين الحكام وبين الفصائل الإسلامية، وحتى القومية والوطنية المرتبطة بمقدسات الأمة وقضاياها المصيرية، ضرورة حتمية، من أجل إنضاج الحركة الحضارية، لتقوية أمة الإسلام لمواجهة مشاكل المستقبل والوقوف أمام النظام العالمي اليهودي الجديد، الذي يريد ابتلاع مصالح الأمة الإسلامية وإخضاعها إلى طغيانها العالمي.

إن الثقة يمكن أن تعود بين الحكام والمحكومين، إذا أشرك الحكام أبناء الأمة في صنع القرار، وتركوا العنف الدموي، وتراجعوا عن اعتبار كل معارض عدواً تجب تصفيته.

والحركات الإسلامية إذا حاولت من جهتها أن تتخلص من عقدها الصدامية السابقة، ونسيت المآسي التي حلت بأبنائها وبمجمل قضايا الأمة المصيرية، وتركت تكفير الحكام وعدتهم ابتداءً مسلمين، ثم عملت على نشر الوعي الإسلامي بين أبناء الشعب من خلال وسائل معاصرة مؤثرة، متعاونين مع الحكام المخلصين الواعين، أو ناصحين لهم، وصانعين جسوراً مشتركة من التفاهم على الأولويات، بينهم وبين المسلمين الآخرين على تنوع اتجاهاتهم، حينئذ يظهر للجميع أن الإسلاميين ليسوا خطراً على الحكام وعلى قضية التقدم… حينئذ يفهم الناس أن دعاة الإسلام لا يؤمنون بتوجيه القتال إلى إخوانهم في الداخل، وإنما يؤمنون بتوجيهه إلى صدور الأعداء في الخارج.

أما في الداخل، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بما يرضي الله تعالى والعمل الدؤوب لصياغة الأجيال صياغة ربانية إسلامية أخلاقية عالية، واستمرار الحوار البناء مع من لاتزال رؤيتهم غير واضحة بشأن حتمية الحل الإسلامي.

خامساً: لقد أثبت الفكر العلمي في العالم الإسلامي، في ظل الاستمداد العلمي والتقني الحديث، أن علماء المسلمين في الاختصاصات المتنوعة، لا يقلون ذكاءً وقدرة عن زملائهم الغربيين، بل يبرزون أحياناً ويتقدمون عليهم في جامعاتهم ومراكز أبحاثهم، ويثبتون كذلك جدارة فائقة في اختصاصات علمية دقيقة تختص بالتقنية العالية والذرة وما إلى ذلك، فانتبهت إليهم مراكز البحث العلمي في الغرب وأغرتهم بالبقاء، فاستقر هناك عشرات الألوف من العلماء والمهندسين والأطباء والفنيين والأساتذة المختصين حتى في العلوم الإنسانية، ولاسيما أن الأوضاع السياسية للبلاد الإسلامية غير مستقرة، وكرامة الإنسان المسلم غير مصانة، ومراكز الأبحاث العلمية في أخرى ليست متقدمة، والاستعدادات الأولية في بعضها الآخر غير موجودة أصلاً.

غير أن الذين الذين رجعوا إلى بلادهم أحدثوا نهضة حضارية كبيرة، في حدود الممكن، ويعني ذلك أن هناك إمكانية كبيرة جداً للترقي العلمي واسترجاع المنهج التجريبي في بلاد الإسلام، مع توفر الاستقرار السياسي وعودة احترام الإنسان، وتخصيص ميزانيات ضخمة للأبحاث العلمية.

وحينئذ سيرجع العلماء المهاجرون إلى بلادهم ويشتركون مع إخوانهم في الداخل في إحداث مدنية علمية إسلامية رصينة، إذا أحسن المسؤولون التخطيط والتنسيق والتوجيه في ظل موازين الإسلام، والمنجزات العلمية المعاصرة.

سادساً: إن من أعظم مرتكزات التقدم الحضاري، أن توجد في الأمة التي تريد أن تتحضر وتبدع في المدنية، إرادة النهوض الحضاري، لأنها تشعر بتأخرها وسقوطها أمام الأمم الأخرى.

وهذه الروح موجودة بأجلى مظاهرها في أمتنا الإسلامية، منذ أن بزغ نور الإسلام على جنباتها الواسعة.

وتلك الروح العالية والهمة القعساء في نشدان التقدم هي التي صنعت حضارتنا عبر التاريخ، وخدمت الإنسانية بأنوار المعارف العالية والأفكار السديدة.

ولقد صحت أمتنا اليوم، فنظرت إلى ما حولها، ورأت الفارق الكبير والبون الشاسع بينها وبين الأمم المتقدمة في المدنية، فهبت في بلدانها إلى اللحاق السريع بركب المدنية، مع قسوة الظروف وتعدد عوامل الإعاقة في الداخل والخارج، والشعور بالأخطار الكثيرة التي ستلحق بالأمة أفدح الأضرار إن تقاعست عن رفع قواعد البناء الجديد.

على أن ما تم إلى الآن، على الرغم من تواضعه، علامة مضيئة مشجعة بالإمكانات الهائلة التي يمكن أن تتحقق في ظل إرادة التصميم والنهوض، وفي جو الحرية الفكرية التي لا تنمو الحضارات على الوجه الأكمل إلا في ظلها.

سابعاً: إن التقدم الحضاري المؤثر والهائل في أية أمة يحتاج إلى خصوبة الطاقة والقوى الكامنة في بيئتها الطبيعية. والأمة الإسلامية بحمد الله تعالى، تمتلك تلك الطاقات، بأوفر وأجلى مظاهرها.

فأراضي العالم الإسلامي، يقع معظمها في المناطق المعتدلة، وتمر بها أنهار وبحار متعددة، تحيط بها المحيطات الشاسعة، بنيت على شواطئها عشرات الموانئ السوقية العظيمة، توصلها بجميع القارات من حولها، وتختزن ثروات هائلة من المعادن والمراعي والمزارع والغابات والثروات الحيوانية، بحيث يمكن أن تكتفي ذاتياً بما فيها من كنوز، وتسير نفسها بنفسها، دون حاجات حقيقية إلى ما حولها من مظاهر الحياة، إلا في التقنية الحضارية المعاصرة التي حصلت على كثير منها والتي لا يستحيل عليها توريد الباقي.

وتلك الطاقات لو استغلت استغلالاً علمياً متوازياً، لأدت إلى تنمية شاملة في أنحاء العالم الإسلامي كله، لاسيما في ظل التساند والتعاون والتخطيط المشترك، ووحدة المصير، كتلك التنمية التاريخية الكبرى التي وجهتها مذهبية الإسلام في الحياة في العصور العباسية والأندلسية الزاهرة، مع فارق الزمن والخبرة والتقدم.

إذن فأسباب النهوض والتقدم متوفرة في عالمنا الإسلامي، من مذهبية إسلامية شاملة واضحة المعالم، وثروات ونعم لا تحصى، وضعها الله تعالى بين أيدينا، وكتل بشرية تجاوزت المليار والربع مليار، بكل إمكاناتها الجسدية والعقلية والروحية.

وإذا كنا قد عرضنا بحثنا في إطار الصراعات المادية والتطورات الحضارية وعوامل النصر والهزيمة في حياة الأمم، فلابد لنا، ألا ننسى أن إرادة الله هي التي تدير هذا الكون، وأن أسرار أفعاله فينا وفي الأمم لازمة، وسننه جارية. فمن يدري ما يخبئ تعالى لعباده المؤمنين المظلومين الذين جعلهم شهداء على الناس؟

فلابد أن تظهر إلى الوجود «أمة الشهادة» مرة أخرى، لإضاءة حياة البشرية، وتذكيرها بخالقها وإلهها وقيادتها إلى الخير.

ولابد ألا ننسى الفعل الإلهي والتوكل عليه، ومن ضمن التوكل اتخاذ الأسباب، وتجديد الإيمان، وإدامة التخطيط، والعمل الدؤوب، لأداء حق الخلافة والأمانة، وبناء الحياة الإسلامية المتوازنة، على الأقل في بلادنا، حتى نكون نموذجاً للآخرين، فنخدم بذلك أنفسنا وغيرنا من الأمم المتخبطة في عفن الإلحاد والإباحية والضياع.

الهوامش:

١ - قصة الحضارة «ويل ديورانت»، المقدمة ١ / ٣، ٩، ١٠، روح الحضارة الإسلامية ومميزاتها، د. محمد عبد الهادي أبو ريدة، ص ٣، التغير الحضاري وتنمية المجتمع للدكتور محي الدين صابر، ص ٤٠٠ وما بعدها.

٢ - الحضارة، مجموعة المحاضرات التي قدمت إلى المجمع العلمي العراقي، من ٤ / ١١ إلى ٢٣ / ١٢ / ١٩٩٦م…

٣ - المرجع السابق، ص ٩.

٤ - روي عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما. قال الطبري: فكأن تأويل الآية على هذه الرواية التي ذكرناها عن ابن مسعود وابن عباس: (إني جاعل في الأرض خليفة). من يخلفني في الحكم بين خلقي، ١ / ٢٠٠، ط دار الفكر، بيروت، ١٤٠٨ هـ / ١٩٨٨م.

٥ - الظاهرة العامة في القرآن الكريم الفقه وليس الحفظ.

٦ - سنن الترمذي، علم ١٩، مع شرحه: تحفة الأحوذي، ٣ / ٣٨٢، دار الكتاب، بيروت، وسنن ابن ماجه، باب الحكمة، ٢ / ٢٨٩.

٧ - من أجل توضيح هذه الفكرة، راجع: «المسلم في عالم الاقتصاد» لمالك بن نبي.

٨ - نظريات التنمية المعاصرة، نصر محمد عارف، ص ٤١٦، الإسلام والصراع الحضاري، للدكتور أحمد القديدي، ص ٥٠، ٥٦، منشورات كتاب الأمة.

٩ - العودة إلى الذات، علي شريعتي، ص ٤١، ترجمة: إبراهيم الدسوقي شتا، ط الزهراء، الإعلام العربي، القاهرة، ١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م.

١٠ - الكلمات، سعيد النورسي، ص ١٤٤، ٦٤٤، ٦٤٨، ترجمة: إحسان قاسم الصالحي، ط سوزلر، استانبول.

١١ - مجموعة فتاوى شيخ الغسلام، ١٠ / ٢١٨، ط المغرب.

١٢ - راجع في معرفة هذه الضوابط تفصيلاً كتابنا: «تطور تفسير القرآن – قراءة معاصرة».

١٣ - تجديد الفكر الإسلامي للمؤلف، ص ١٤٦.

١٤ - الإسلام والتنمية الاجتماعية للمؤلف، ص ٢٦.

١٥ - الإنسان في القرآن الكريم للعقاد، ص ٩، ١٥ – ١٧ – ٤٨، وحقيقة الإنسان بين القرآن الكريم وحقائق العلوم، ص١٧٠.

١٦ - خصائص التصور الإسلامي، ص ١٢٤.

١٧ - الكلمات، ص ١٤٦.

١٨ - إسلامية المعرفة «الوحدة والتنوع في تاريخ المسلمين»، ص ٦٤، ع ٥، س ٢، صفر ١٤١٧هـ. اليهود في الدولة الإسلامية، للدكتور عبد العزيز الدوري في حولية «القضية الفلسطينية والصراع العربي اليهودي، ١ / ٧٩ – ١٣٠.

١٩ - تهافت الفلاسفة للغزالي، ص ١٥٠، والجانب الإلهي من التفكير الإسلامي للدكتور محمد البهي، ص ٢٥٩، ٣٣١، ورسائل إخوان الصفا، ٤ / ٤٢، نقلا عن: من الكندي إلى ابن رشد، ص ١١٥، للدكتور موسى الموسوي، والفكر الاسلامي وتقويمه وتجديده، ص ٩٧ وما بعدها للمؤلف.

٢٠ - المكتوبات، مصدر سابق، ص ١٠٥، ١٠٦، ٥٦٠، ٥٦١، ونشأة الفلسفة الصوفية، للدكتور عرفان عبد الحميد، ص ٦٦، ٧٣، ٨٠، ٩٠.

٢١ - انظر: من الفكر الإسلامي إلى الوحي الإلهي، لكاتب هذا البحث في مجلة «الأمة» الأردنية، ع ٦، س أولى، ١٤١٩ هـ / مايو ١٩٩٨م.

٢٢ - في سبيل الإحاطة بهذه الحقيقة راجع كتاب: صدام الحضارات، لهنتجتون.

٢٣ - قصة الحضارة، لديورانت، ١٣ / ٣٦٤، وفي تراثنا العربي الإسلامي للدكتور توفيق الطويل، ص ١٤، ١٤٢، ودور المسلمين في بناء المدنية الغربية، لحيدر بامات، وتراث الإسلام، بحث مارتن بلستر، ٢ / ٢١٤.

٢٤ - التثاقف الحضاري مع الغرب، بحث منشور في مجلة إسلامية المعرفة، للدكتور عرفان عبد الحميد، ص ٩، ع ٥، س ٢، صفر ١٤١٧هـ – يوليو ١٩٩٦م.

٢٥ - الإسلام بين الشرق والغرب، علي عزت بيجوفيتش، ص ٣٦.

٢٦ - الإسلام في عصر العلم، ص ٣٣، ٤١.

٢٧ - المقارنات التشريعية، للدكتور سيد عبد الله علي حسين، ط ١، الحلبي، القاهرة، ١٣٦٦هـ / ١٩٤٧م.

٢٨ - تحدث عن هذه القضية بعمق «الفرد كانتول سمث» في كتابه الخطير: «Islam In Modern History»، وهذا الخبير المخابراتي الغربي عاش في العالم الإسلامي من عام ١٩٠٨ إلى ١٩٣٥ م وانتقل من تركيا إلى بيروت إلى القاهرة إلى الهند، ونشر هذا الكتاب في عام ١٩٥٥.

٢٩ - التحدي الإسلامي للغرب، ديفيد برايز؛ القرن الأمريكي، هنري لويس؛ درع الصحراء وفضيحة النظام العالمي الجديد، نورد دايفز؛ النظام العالمي الجديد، فؤاد عشا؛ الفرصة التاريخية، ريتشارد نكسن؛ والنظام العالمي الجديد – ملامح ومناظر، د. شفيق المصري.

٣٠ - راجع في هذا: أفول الحضارة الغربية، لشبلنجر، وسقوط الحضارة الغربية، كولن ولسن، والحضارة في الميزان، لتوينبي.

٣١ - راجع في هذا الكتاب الوثائقي الخطي: من يجروء على الكلام، للسناتور الأمريكي السابق: بول فندلي.



[ Web design by Abadis ]