ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 تأملات في آية التقوى من سورة الاعراف \محمد مهدي الآصفي *

ملخص

في آية التقوى من سورة الأعراف حديث عن التقوى وهي: المقاومة النفسية. ولها عوامل هي المراقبة والذكر، وثمرتها: الحصانة والبصيرة. وفي الآية أيضا حديث عن طريق تعامل الشياطين مع قلوب المؤمنين، كما فيها حديث عن موقف المؤمنين حين تقتحمهم الشياطين. ونتيجة التعامل هذا تنقدح البصيرة التي تطرد عوامل الانحراف، وهي نور ينبعث في النفوس المؤمنة، ومصباح هذا النور التقوى.

(إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا، فـإذا هم مبصرون) [١].

نتحدث عن هذه الآية الكريمة ضمن ثلاث محاور إن شاء الله.

ـ

* - عالم ومفكر من النجف الاشرف.

المحور الاول: حول قوله تعالى: (إن الذين اتقوا)

المحول الثاني: حول قوله تعالى: (إذا مسهم طائف من الشيطان).

المحور الثالث: حول قوله تعالى: (تذكروا فإذا هم مبصرون)

١ - (إن الذين اتقوا)

تعريف التقوى

التقوى: كف النفس عن الهوى فيما حرم الله تعالى على الانسان، والنفوس تميل مع الاهواء الى فتن الحياة الدنيا.

وقد ابتلى الله تعالى الانسان بين الاهواء والفتن. الأهواء في داخل النفس. والفتن خارج النفس. وتميل الأهواء الى الفتن بالافتتان بفتن الدنيا.

وقيل الاهواء داخل النفس (الغريزة الجنسية). وقيل الفتن خارج النفس (الجنس الآخر) الذي تميل اليه الأهواء.

والتقوى هو كف النفس عن نزوع الهوى الى فتن الحياة الدنيا فيما حرم الله تعالى. والنفوس ميالة نزاعة الى الفتن. وبتعير آخر التقوى هو حفظ النفس عند حدود الله تعالى وكف النفس عما حرم الله من فتن الدنيا ومغرياتها، وهو معنى «المقاومة النفسية» وهذا هو تعريف التقوى.

عوامل التقوى

والعوامل التي تحفظ الانسان عند حدود الله، وتكفّه عن تجاوز الحدود: «المراقبة» و «الذكر».

المراقبة حتى يعرف الانسان مواضع قدمه وحركته، فلا يسقط في ماحرم الله، ولا يستغفله الشيطان الى تجاور حدود الله. وقد يستدرج الشيطان الانسان الى تجاوز حدود الله، ويستغفله، فلا يشعر إلانسان الا وقد سقط في شرك الشيطان.

والمراقبة تبصر الانسان بمواقع خطاه وبمصائد الشيطان وأشراكه ومداخله الى النفس الانسانية، حتى لا يستدرجه الشيطان اليها، ولا يستغفله فيها.

و «الذكر». يمنح الانسان شحنة من القوة والعزة مما يحتاجه الانسان في هذه المقاومة النفسية. فذكر الله وخشيته تمنح الانسان العزم والقوة التي يحتاجها الانسان عند مغريات الحياة الدنيا.

وهذا إيجاز يحتاج الى شرح وإيضاح على النحو التالي:

١ـ المراقبة

آفة الانسان في الدنيا «الغفلة»، وهي أم كثير من مصائب الانسان. والشيطان يستغل فرصة غفلة الانسان. فيوقع الانسان في مهالك الهوى والفتن. في لحظات الغفلة يفقد الانسان الانتباه تماماً، فاذا امتدت به الغفلة، وأصبحت الحالة الغالبة عليه، حجبته الغفلة عما حوله تماماً، وأصبح لا يقوى على مشاهدة شيء مما حوله من المهالك والأخطاء. ويسهل عندئذ على الشيطان أن يوقعه فيما يريد من المهالك.

في سورة «يس» نقرأ وصفاً دقيقاً لحالة «الغفلة» التي تستهلك كل وعي الانسان وانتباهه، وتحجبه حجباً كاملاً عما يحيط به من المخاطر والمهالك. لنقرأ هذا النص من كتاب الله: (لتنذر قوماً ما أُنذر آباؤهم فهم غافلون… إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي الى الاذقان فهم مقمحون. وجعلنا من بين أيديهم سداً، ومن خلفهم سداً فأغشيناهم فهم لا يبصرون. وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ( [٢].

لقد أرسل الله تعالى رسوله (ص) لينذر هؤلاء القوم في فترة من الرسل الذين غلبتهم الغفلة، وحجبتهم عن كل رؤية حتى عادوا لا يقدرون على شيء من الرؤية لما حولهم: (لتنذر قوماً ما أُنذر آباؤهم فهم غافلون (.

ولقد عاقبهم الله على الغفلة بتشديد الغفلة، وهذه هي العقوبة العادلة التي يعاقب الله تعالى بها الذين يركنون الى الغفلة عن علم واختيار، ويركنون الى حياة الغافلين فيعاقبهم الله، فيسلبهم القدرة على الانتباه (إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي الى الأذقان فهم مقمحون (مثلهم في الناس مثل الذي يشدّون على عنقه أغلالاً حتى بلغت ذقنه، فينشد رأسه بعنقه، فلا يستطيع أن يرفع برأسه حتى ينظر الى الاعلى (الغفلة عن الله)، ولا يستطيع أن يطأطئ برأسه، حتى ينظر الى نفسه (الغفلة عن النفس).

(وجعلنا من بين أيديهم سداً، ومن خلفهم سداً (وجعل الله سدوداً من بين أيديهم ومن خلفهم، حتى تحجبهم الرؤية عما حولهم (الغفلة عن آيات الله في الكون والمجتمع). (فأغشيناهم فهم لا يبصرون (هؤلاء حكم الله فيهم بالغفلة التامة الشاملة، فهم لا يبصرون شيئاً من آيات الله في الكون والمجتمع ولا يبصرون أنفسهم ولا يبصرون الله البتة…

وهذه الحالة من فقدان الانتباه هي تفاعلات الغفلة، فإن الغفلة تأتي بالغفلة وتتضاعف الغفلة (العقوبة الالهية للذنوب في الدنيا من سنخ الذنوب غالباً)، إن البصيرة والانتباه تأتي بالبصيرة والانتباه.

وهذه الحالة من الغفلة الشاملة وفقدان الانتباه وسط هذه المزالق والمهالك من أخطر مايصيب الانسان، وهي من أمهات مصائب الانسان كما ذكرنا.

«المراقبة» و «المحاسبة» من أفضل الآليات التربوية لعلاج هذه الحالة المضاعفة الناشئة من تركيب الغفلة وفقدان الانتباه.

وحالة «المراقبة» حالة متطورة للمحاسبة. فالمحاسبة هي أن يخصّص الانسان كل أسبوع أو كل يوم مرة أو مرتين أو أكثر لمحاسبة نفسه على أعماله وما ارتكب من الأخطاء والعثرات في الغفلات.

فإذا أفلح في «المحاسبة» مكنه الله من المراقبة، في كل حالاته، في السراء والضراء، وفي حالات العافية والشدة، كالسائق الذي يجري بسيارته بسرعة على طريق جبلي وعر. فإذا فقد المراقبة الدقيقة لحركته وسيره لحظة واحدة انحرفت السيارة عن مسيرها.

فالمراقبة هي حالة الانتباه الدائم المتصل للسلوك النفسي وعمل الجوارح.

وقد تحوج المراقبة صاحبها بدء الأمر، الى جهد نفسي فوق العادة، ولكن الانسان كلما يتقدم في مراقبة سلوكه يزداد قدرة وكفاءة على إدارة عملية المراقبة بسهولة أكثر ومن غير جهد يذكر، تماماً كالسائق الذي يتدرب على السياقة مدة طويلة، فلا يحتاج الى جهة كبير لمراقبة حركته وسيره، وتنقلب عملية المراقبة بالنسبة اليه الى حالة طبيعية لا تستهلك منه جهداً كثيراً.

٢ - الذكر

ذكر الله تعالى يمنح الانسان قدرة عالية على ضبط النفس. فإن حقيقة التقوى: المقاومة النفسية والضبط. والمقاومة والضبط جهد نفسي شاق يحتاج الى قوة وطاقة نفسية كبيرة. وهذه الطاقة العالية يكتسبها الانسان من ذكر الله، فإن ذكر الله وخشيته يمنح الانسان قدرة على المقاومة والطاعة: (وأما من خاف مقام ربه، ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى ( [٣].

علاقة كف النفس عن الهوى بذكر الله ومخافة الله

إن مقاومة الهوى، وكف النفس عن الشهوات لا يتيسر للانسان إلا بمخافة الله.

والذكر هنا ليس «سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر»، وإن كان ذلك من الذكر، ومن أعظم الذكر. ولكن الذكر الذي يمنح الانسان قوة على المقاومة وضبط النفس هو استحضار حضور الله جل شأنه ومراقبته للانسان. فإذا استحضر الانسان الحضور الالهي في كل مكان وزمان استحمى من الله وخافه وأطاعه.

عن أبي الحسين البزاز عن الامام أبي عبد الله الصادق (عليه السلام)، قال: ألا أحدثك بأشد ما فرض الله عزوجل على خلقه؟ قلت بلى.

قال: إنصاف الناس من نفسك ومواساتك لأخيك، وذكر الله في كل موطن، أما إني لا أقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، وإن كان هذا من ذاك، ولكن ذكر الله في كل موطن، إذا هجمت على طاعة منه أو معصيته [٤].

ثمرات التقوى:

ثمرات التقوى كثيرة، وكلها طيبة مباركة.

يقول تعالى (ومن يتق الله يجعل له مخرجاً، ويرزقه من حيث لا يحتسب، ومن يتوكل على الله فهو حسبه. إن الله بالغ أمره. قد جعل الله لكل شيء قدراً (.

ويقول تعالى: (والعاقبة للمتقين (.

ولكنا نشير هنا الى ثمرتين طيبتين من هذه الثمرات وهما «الحصانة» و «البصيرة»: واليك إجمال الحديث عنهما:

الحصانة

التقوى حصن، يحمي الانسان من مثلت الابتلاء الرهيب: الهوى (من داخل النفس) والفتن (من خارج النفس)، والشيطان (الذي يسعى بين الاهواء والفتن يزين الفتن للاهواء، ويثير الاهواء تجاه الفتن) وهو أخطر مثلت يواجهه الانسان. وعند هذا المثلث يسقط ناس كثير من خلق الله.

فإذا تحصن الانسان بحصن التقوى حفظته التقوى من السقوط في الذنوب والمعاصي.

يقول علي (عليه السلام)، وهو إمام المتقين، وأخبر الناس بالتقوى: «التقوى حصن المؤمن»، «التقوى حرز لمن عمل بها». «أمنع حصون الدين التقوى»، «لا للعقل أحسن من الورع»، «الجأوا الى التقوى، فإنه جنة منيعة».

تأملوا في هذه الكلمات العلوية في تعريف التقوى «الجنة» «العقل» «الحرز» «المنيع» «الحصن» كل ذلك يؤكد حالة المناعة والحصانة التي تمنحه التقوى لصاحبها في مواجهة مثلث الابتلاء الرهيب.

يقول إمام المتقين علي (عليه السلام): «واعلموا عباد الله: أن التقوى دار حصن عزيز، والفجور دار حصن ذليل، لا يمنع أهله ولا يحرز من لجأ اليه» [٥].

والامام (ع) يشير هنا الى تحصين التقوى للمؤمن في مقابل المثيرات والغرائز والاهواء: «إن التقوى دار حصن عزيز»، و «الحصن العزيز»: هو الحصن المقاوم، الذي لا ينفذ اليه العدو.

وفي مقابل ذلك الفاجر يعيش في دار «حصن ذليل» والحصن الذليل في مقابل الحصن المنيع الحصين العزيز، يسهل على العدو أن يتسلقة وينفذ إليه، ويقتحم فيه، من غير جهد.

وهذا هو الفرق بين «التقوى» و «الفجور». التقوى تمنح الانسان الحصانة والمناعة، وأما الفاجر فهو مكشوف للشيطان بالكامل، يسهل عليه أن ينفذ الى قلبه وعقله وعواطفه وإحساسه، فيقرب له البعيد ويبعد عنه القريب، ويطيل أمله في دنياه القصيرة، ويبعد له الآخرة القريبة، ويزين له المتاع الزائل من متاع الدنيا، ويزهّده في متاع الآخرة الباقي.

وأخيراً يسلبه إيمانه ودينه: (ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوأى أن كذّبوا بآيات الله (.

والى هذه الثمرة تشير آية الاعراف المباركة: (إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكّروا (.

البصيرة

النتاج الآخر للتقوى: «البصيرة»

يقول تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً ( [٦].

والفرقان هو بصيرة التفريق بين الحق والباطل، والصدق والكذب. والمؤمن والمنافق، والاستقامة والانحراف، والهوى والضلال.

وقد جعل الله التقوى مفتاحاً. لهذه البصيرة، فمن اتقى الله رزقه الله هذا الفرقان. ومن رزقه الله هذه البصيرة لم يلتبس عليه الحق بالباطل.

جاء رجل الى الامام (ع) وقد ملكه الريب والشك في قتال طلحة والزبير وأم المؤمنين عائشة في معركة الجمل فقال له علي (عليه السلام): «ويلك إنك لملبوس عليك. اعرف الحق تعرف أهله» ولكي يعرف الانسان الحق والباطل، لابد أن يتوسل الى ذلك بالتقوى.

ويقول الامام أمير المؤمنين (عليه السلام): «أشعر قلبك بالتقوى مثل العلم».

وكل هذه النصوص في هذا السياق.

وقبل أن نختم هذا البحث لابد أن نقول: بين ثمرات التقوى وعوامل التقوى علاقة وصلة واضحة.

قد ذكرنا للتقوى عاملين وثمرتين أما العاملان فهما: «المراقبة والذكر» وأما الثمرتان فهما «الحصانة والبصيرة». وبين الثمرتين والعاملين علاقة واضحة فإن «الحصانة» نتاج المراقبة، و «البصيرة» نتاج الذكر.

هذا حديثـنا عن المحور الاول لهذه الاية الكريمة وقد تحدثنا فيه عن «تعريف التقوى»، و «عوامل التقوى» و «عثرات التقوى»، «وعلاقة الثمرات بالعوامل».

والآن ننتقل الى المحور الثاني من هذا البحث:

٢ - (إذا مسهم طائف من الشيطان … (

طريق تعامل الشياطين مع قلوب المؤمنين:

وفي هذا الجزء من آية الأعراف الكريمة نقرأ طريقة تعامل الشياطين مع المتقين من خلال «المس» و «الطوف» وإنها تختلف عن طريق تعامل الشياطين مع الكافرين والفاسقين. وهي طريقة الاز والتهييج والهمز والطعن والاستحواذ والسيطرة، وهي طريقة تختلف تماماً عن طريقة تعامل الشياطين مع المتقين.

فلنتأمل في هاتين الكلمتين، لنعرف من خلالهما نهج تعامل الشياطين مع المتقين.

المس: معروف، وهو اللقاء الخفيف السريع الخاطف الذي يشبه اللمس. إن الشياطين لا تتمكن من اقتحام قلوب المؤمنين المتقين ونفوسهم، كما يقتحمون ويداهمون قلوب سائر الناس ونفوسهم. إن نفوس المتقين منيعة حصينة، لا ينفذ إليها الشيطان، ولا سبيل لهم الى المتقين الا بالمس الخفيف دون الاقتحام والمداهمة.

وأثر مس الشيطان في نفوس المتقين «الهم بالذنب» و «خطور الذنب على البال»، فإذا خطر الذنب على بالهم، وأثار الشيطان في نفوسهم الهم بالذنب تذكروا، فبصّرهم الله بموقع الشيطان من نفوسهم، فطردوا الشيطان عن أنفسهم.

روى صاحب «نور الثقلين» عن أبي عبد الله الصادق (ع) في تفسير قوله تعالى: (إذا مسّهم طائف (هو الذنب يهمّ به العبد، فيتذكر [٧]. وفي أصول الكافي: «هو العبد يهمّ بالذنب، ثم يتذكر» [٨].

الطائف: هي الكلمة الثانية الواردة في هذا الجزء من الآية في طريقة تعامل الشياطين مع المتقين. وقد ذكر المفسرون لها ثلاثة معانٍ متقاربات. وها نحن نذكر كلمات المفسرين في هذه المعاني الثلاثة، يقول في «قاموس القرآن» في مادة طوف: «الطائف: الوسواس» [٩]. والوسوسة هي أسلوب تعامل الشياطين مع المؤمنين بالكرّ والفرّ، يقول تعالى: (قل أعوذ برب الناس، ملك الناس، إله الناس من شر الوسواس الخناس. الذي يوسوس في صدور الناس من الجنّة والناس (.

إن الشيطان يتقدم الى المتقين للمس والنيل منهم، فيذكرهم الله تعالى بموقع الشيطان من نفوسهم فيبصرون، ويطردون الشيطان، فتخنس وتفر عنهم الشياطين، فإذا عرفوا منهم لحظة غفلة أعادوا الكر عليهم، فاذا تذكروا فروا عنهم، وهكذا يعيدون الكر والفر على المؤمنين، وهذه هي الوسوسة، وهي طريقة «الوسواس الخناس» مع المؤمنين.

يقول الرازي في التفسير الكبير: «يقول أبو زيد طاف إذا أقبل وأدبر (وهو ماذكرناه من الكر والفر والوسوسة) وأطاف إذا جعل يستدير القوم، ويأتيهم من نواحيهم، وسمى الجنون والوسوسة طيفاً لانه لمة من لمة الشيطان تشبه لمة الخيال، قال الفراء: الطائف هو ماكان كالخيال الذي يلم بالانسان» [١٠].

ويقول الجلال السيوطي في «الدر المنثور»: «الطائف اللمة مـن الشيطان» [١١].

هذه ثلاثة معان للطائف قرأناها في كلمات المفسرين.

١ـ الوسوسة هو أسلوب الكر والفر. وقد شرحناه من قبل، وهو أسلوب يتبعه الشيطان عندما يعرف من نفسه العجز عن اقتحام ومداهمة نفوس المتقين، كما يصنع العدو عندما يعرف قوةً وانتباهاً من عدوه، فيعجز عن مداهمته للاستحواذ عليه، فيرصد لحظات الغفلة والانشغال عنده ليتقدم إليه، فإذا عرف منه انتباهاً وحذراً خنس عنه وفر.

٢ - الاستدارة، كما قال أبو زيد، هو أسلوب معروف يتبعه اللصوص عندما يصادفون محلاً منيعاً محصناً، فيستديرون حوله بحثاً عن الثغرات التي تمكنهم من النفوذ والدخول.

والشياطين لا يسعهم النفوذ الى نفوس المؤمنين. بطبيعة الحال، فهم محصنون بالتقوى، فلا يبقى لهم الا أن يطوفوا حول قلوبهم، راصدين لحظات الغفلة عن ذكر الله في نفوسهم، فإذا عرفوا من نفوسهم مثل هذه اللحظات تسللوا منها الى نفوسهم، وهي الثغرات التي منها تتسلل الشياطين الى نفوس المؤمنين، وعندئذ يذكرهم الله تعالى بموقع الشياطين من نفوسهم فيتذكرون ويبصرون ويطردون الشياطين.

٣ - المعنى الثالث للطوف والطائف: اللمة كما قال الجلال السيوطي وأبو زيد.

واللمة من «الالمام» وهو اللقاء أو الزيارة أو النيل الخاطف السريع.

يقول الراغب: «اللمة» من قوله الممت بكذا أي نزلت به، ويقال زيارته إلمام أي قليلة [١٢].

وهو معنى قريب من المس، وهو شأن الشيطان مع قلوب المؤمنين، حيث لا يستطيع أن يداهمهم ويقتحمهم، فيلم بقلوبهم إلماماً سريعاً فيذكرهم الله تعالى بمواقع الشيطان، فيتذكرونه ويبصرون ويخنس الشيطان. ذلك لان الله تعالى لم يجعل للشياطين على قلوب الكافرين سلطاناً ونفوذاً.

يقول تعالى: (إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون، إنما سلطانه على الذين يتولونه، والذين هم به مشركون (.

إنما سلطان الشيطان على قلوب الكافرين والفاسقين، لأنهم أولياؤه ويتولونه، ومن يتول الشيطان يكن له على قلبه نفوذ وسلطان وولاية. وحيث لا يتولى المتقون الشيطان، فليس له ولاية وسلطان على قلوبهم. وبين هاتين الولايتين علاقة، فحيث يتولى الناس الشيطان يتولى الشيطان السلطان والنفوذ على قلوبهم، وحيث يرفض الناس ولاية الشيطان، لايكون للشياطين ولاية ونفوذ وسلطان على قلوبهم.

وهذه حقيقة هامة في طريقة تعامل الشياطين مع قلوب الناس، نستطيع أن نعرف من خلالها سلطان الشياطين على قلوب الناس، ومقدار سلطانه على كل قلب.

طريقة تعامل الشياطين مع الكافرين والفاسقين

وتختلف طريقة تعامل الشياطين مع قلوب الكافرين والفاسقين عن طريقة تعاملهم مع قلوب المتقين. فأولئك لا حصانة لقلوبهم بالتقوى، وليس لهم مناعة، تمنع الشيطان من اقتحام قلوبهم، فيقتحم الشيطان قلوبهم اقتحاماً، بكل عدته وعدده، ويستحوذ على قلوبهم، ويبسط عليهم سلطانه.

يقول تعالى: (استحوذ عليهم الشيطان، فأنساهم ذكر الله، أولئك حزب الشيطان، ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون ( [١٣].

والاستحواذ هو الهيمنة والسيطرة والسلطان الواسع الذي تمارسه الشياطين على قلوب الكافرين والفاسقين.

وهذا هو ماذكرناه من سلطان الشيطان على قلوب الكافرين والفاسقين، لأنهم يوالونه، ومن يوالِ الشيطان، يتول الشيطان النفوذ والسلطان على قلبه: (إنما سلطانه على الذين يتولّونه، والذين هم به مشركون ( [١٤].

هذه هي النقطة الفارقة الاولى بين منهج تعامل الشيطان مع هؤلاء وأولئك. والنقطة الفارقة الثانية:

إن الشيطان لا يزيد على مس المتقين من بعيد مساً خفيفاً فيتذكرون الله فيفر الشيطان عنهم بينما يألف الفاسقون الشيطان ويتخدونه قريناً ورفيقاً لهم.

وشتان بين من يمسه الشيطان مساً خفيفاً وبين من يتخذه الشيطان قريناً. (ومن يعش عن ذكر الرحمان نقيض له شيطاناً فهو له قرين (.

والنقطة الفارقة الثالثة:

أن الشيطان يمس هؤلاء مساً خفيفاً. وأثر هذا المس هو الهم بالمعصية والتفكير فيها، فيعصمهم الله تعالى عنها بينما يدخل الشيطان في نفوس أولئك فيهيجهم ويثيرهم ويؤزهم أزا:

(ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزاً ( [١٥].

والتأزير من الأز، بمعنى أزير القِدر عند الغليان، وهو معنى التهييج، والإثارة العالية، والانفعال الذي يفقد صاحبه السيطرة على نفسه.

وهذا المعنى يلتقي بالاستحواذ الذي يمكّن الشيطان من قرينه: (استحوذ عليهم الشيطان، فأنساهم ذكر الله. أولئك حزب الشيطان. ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون ( [١٦].

والاستحواذ هو السيطرة الكاملة للشيطان على الانسان.

والشيطان يمس المؤمنين المتقين مساً، بينما يطعن الفاسقين والكافرين طعناً: (وقل ربّ أعوذ بك من همزات الشياطين (. والهمز: الطعن، كما يقول اللغويون.

٣ـ (تذكروا فإذا هم مبصرون (

فإذا تعرّض لهم الشيطان بالمس والجس والطوف، وألقى في نفوسهم الذنب تذكّروا موقع الشيطان من نفوسهم دفعة واحدة فإذا هم مبصرون.

وهنا ثلاث نقاط في هذا الجزء من الآية الكريمة نتوقف عندها إن شاء الله.

أـ انقلاب التقوى الى البصيرة.

ب - المفاجأة في الانقلاب.

ج – البصيرة التي تنقلب اليها التقوى.

أ - انقلاب التقوى الى البصائر

إن الشيطان إذا مس المتقين بسوء وألقى في نفوسهم الهم بالسوء والذنب انقلبت التقوى في نفوسهم الى تذكر وبصيرة: (تذكروا فإذا هم مبصرون (.

إن انقلاب التقوى الى البصيرة داخل النفوس من أغرب قضايا الانقلابات في الكون.

الانقلابات تجري في حقول الفيزياء، والكيمياء، والميكانيك طبقاً لحسابات ومعادلات أخضعها العلم لمقاييس دقيقة في المختبرات العلمية ونفس هذه الانقلابات تجري داخل النفوس، وهي مشهودة ومعروفة، وتجري داخل النفوس كالتي تجري في الفيزياء والكيمياء والميكانيك في حقل المادة، وبنفس المقاييس الدقيقة، غير أن العلم لا يتمكن من إخضاع هذه الانقلابات لحسابات دقيقة في المختبرات، كالتي يضعها العلم في حقل المادة.

في حقل المادة تنقلب الحركة الى الطاقة الحرارية، وتنقلب الطاقة الحرارية الى الحركة، وتنقلب الحركة الى النور والحرارة.

وكانت القفزة العلمية الاولى في حياة الانسان عندما استخرج الحرارة من ضرب حجارة بأخرى، فاستخرج الحرارة من الحركة، وكانت القفزة العلمية الثانية في حياته عندما استخرج الحركة من الطاقة الحرارية وتمكن من حركة عربات القاطرات الكبيرة على السكك الحديدية بقوة البخار. ثم استخرج الطاقة الكهربائية من حركة تدفق المياه… وهكذا أخضع العلم الانقلابات التي تجري في المادة لحسابات دقيقة، وسخرها لخدمة الانسان.

والأمر كذلك في داخل النفوس تنقلب التقوى الى البصائر، والايمان والاخلاص الى قوة وعزم، وينقلب كفّ النفس عن هواها الى هدى وبصيرة. وينقلب الاخلاص الى الايثار، والصبر الى انشراح الصدور وشفافية النفوس، كما تجري تبادلات متقابلة داخل النفس الانسانية، فينقلب الايمان الى رحمة ونور، والنور الى إيمان بصور متبادلة، يقول تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله، وآمنوا برسوله، يؤتكم كفلين من رحمته، ويجعل لكم نوراً تمشون فيه ( [١٧].

والتقوى عمل وسلوك نفسي، في كف النفس عن الهوى، وسلوك عملي في اجتناب الحرام، ويتحول الى نور يمشي به الانسان في الناس.

والعكس أيضا صحيح يتحول النور الى عمل وسلوك نفسي وجارحي (عضوي). يقول تعالى: (إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجّداً ( [١٨].

والعلم في هذه الآية نور، يتحول الى سجود وعبادة وذكر وطاعة وهو سلوك نفسي وجارحي، يقول تعالى: (إنما يخشى الله من عباده العلماء (والعلم نور يتحول الى خشية وتقوى من الله، وهكذا نجده في القرآن تبادلاً بين العمل والعلم. وبين التقوى والنور، والنور والتقوى.

وكيف يتحول التقوى الى النور والبصيرة. والتقوى من مقولة إلجام النفس (كف النفس)، والبصيرة من مقولة النور والمعرفة؟ ! لسنا نعلم من أسرار ما أودع الله داخل النفوس إلا أن الله تعالى أخبرنا بذلك في كتابه، وإننا قد عرفنا هذه التبادلات والتفاعلات داخل نفوسنا مرات عديدة. يقول تعالى: (واتقوا الله ويعلّمكم الله ( [١٩].

والعلاقة بين طرفي الآية الكريمة واضحة لمن تأمل فيها وهي تدل على أن التقوى مفتاح العلم والمعرفة. والمقصود بالعلم في هذه الآية المعرفة والبصيرة، وليس ما يتلقاه الناس في المدارس والجامعات من العلم.

وهكذا تنقلب التقوى الى «تذكر» والتذكر الى «البصيرة».

ب – المفاجأة في الانقلاب

المفاجأة في الانقلاب واضحة في آية الاعراف: (فإذا هم مبصرون (ومعنى «إذا» هنا: المفاجأة كما يقول علماء العربية.

دفعة تتبدد الغفلة، وينتشر النور، وينتبه الانسان من الغفلة، عندما يمسه الشيطان، فينكشف الشيطان، ويهزم أمام النور والذكر واليقظة. والشيطان يستغل فرص الغفلة عند الانسان، فإذا أنس منه غفلة لحظة، أقبل عليه في نفس اللحظة، وعندما تنقلب الغفلة الى ذكر وانتباه ويقظة ونور ينكشف الشيطان تماماً فينهزم، والنور دائما يطرد الشيطان، كا أن السارق عندما يكشفه النور للآخرين ينهزم.

فإذا تذكر الانسان زالت عنه الغفلة، وإذا تبصّر الانسان زالت عنه الظلمة، والتقوى تـنقلب الى تذكر وبصيرة: (تذكروا فإذاهم مبصرون (.

والمفاجأة. في انقلاب التقوى. الى ذكر وبصيرة، لا يترك مجالا للشيطان للمكث والبقاء، وهو عامل أساس في اندحار الشيطان.

إن الشيطان يستعمل أسلوب المفاجأة في «الهمز» و «الطعن» ويستعمل أسلوب الإغفال في الرصد، والله تعالى يمكن المتقين بالتقوى من مفاجأة الشيطان بالتذكر والبصيرة.

ومَثَل ذلك مثل الحراسات الكهربائية الحديثة. إن اللصوص تستغل فرصة الظلام لتختفي فتقدم الى محلات الناس وبيوتهم للسطو والسرقة، عند غياب أصحابها عنها. فإذا اقتربوا من المحلات والبيوت في ظلام الليل اشتعلت المصابيح الكهربائية تلقائياً مرة واحدة، فينكشف اللص تماماً تحت النور، فينهزم، وينتبه صاحب المحل الى خطر المداهمة القريب، فيأخذ حذره من الخطر.

إن الظلمة دائماً مخبأ حريز لاصحاب النيات الخبيثة، وإن النور طارد لهم دائماً.

ومثل آخر لذلك أجهزة الإنذار العسكرية الحديثة المبكرة التي تتلقى بصورة مبكرة خطر توجيه الصواريخ البعيدة المدى من ناحية العدو، فتقوم بإنذار الناس بصورة سريعة ليدخلوا المخابئ الآمنة عند سقوط الصاروخ.

وهكذا يكون دور التقوى في الانذار المبكر لأصحابها عند مداهمة العدو لهم: (تذكروا، فإذا هم مبصرون (.

ج – البصيرة

المقصود من الابصار هنا النور، ولكنه نور منبعث من داخل النفوس. و «البصيرة» و «النور» متقابلان، فالبصيرة من داخل النفس، والنور من الخارج. والابصار هو تلقي نور الخارج بما يرزق الله الناس من البصائر التي أودعها الله داخل النفوس.

ولكن النور هنا نور منبعث من الداخل، بخلاف النور في الفيزياء.

يقول تعالى: (يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا: انظرونا نقتبس من نوركم، قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً ( [٢٠].

إن هذا النور الذي يفتقده المنافقون والمنافقات يوم القيامة، فيسألون الذين آمنوا أن ينظروهم ليقتبسوا من نورهم، في ذلك اليوم الرهيب، ليس من قبيل النور الذي نقتبسه من الخارج، وإنما هو نور منبعث من الداخل. وقد اكتسبه الذين آمنوا داخل نفوسهم في هذه الدنيا. وخسره المنافقون والمنافقات، ولم يكتسبوه في الدنيا فيحشرون عمياً، في ظلمات بعضها فوق بعض يوم القيامة. فإذا سألوا الذين آمنوا أن ينظروهم ليقتبسوا منهم بعض هذا النور، قال لهم الذين آمنوا: (ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً (وهو «جد» في «سخرية»، جد: لأن المكان الذي يقتبسون فيه هذا النور في داخلهم هو الدنيا وليس الآخرة، وسخرية لأنه لا سبيل لهم يومئذ للعودة الى الدنيا. ليقتبسوا من هذا النور. فقد انقطع بهم السبيل، ونفذ حظهم من هذه الدنيا، وخسروا كل ما رزقهم الله من رأس مال الوعي والبصيرة في الدنيا.

إذن هذه البصيرة التي يرزق الله تعالى عباده المتقين، ويطردون بها الشيطان هي نور منبعث من داخل نفوسهم. ومصباح هذا النور التقوى.

الهوامش:

١ - الاعراف / ٢٠١.

٢ - يس / ١٠.

٣ - النازعات ٤٠ – ٤١.

٤ - ميزان الحكمة ٣ / ٤٢٦.

٥ - نهج البلاغة، خطبة ١٥٧.

٦ - الانفال / ٢٩.

٧ - نور الثقلين، ٢ - ١١٢.

٨ - نفس المصدر والموضع.

٩ - قاموس القرآن: مادة طوق.

١٠ - التفسير الكبير للرازي ١٥ / ٩٩.

١١ - الدر المنثور للسيوطي ٣ / ١٥٥.

١٢ - مفردات القرآن مادة لمم.

١٣ - المجادلة / ١٩.

١٤ - النحل / ١٠٠.

١٥ - مريم / ٨٣.

١٦ - المجادلة / ١٩.

١٧ - الحديد / ٢٨.

١٨ - الاسراء / ١٠٧ - ١٠٩.

١٩ - البقرة / ٢٨٢.

٢٠ - الحديد / ٣.



[ Web design by Abadis ]