ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 محاضرات في حوار الحضارات

حوار الحضارات مشروع تقدم به الرئيس محمد خاتمي رئيس الجمهورية الاسلامية الايرانية، فنال اهتماماً عالمياً واسعاً وأعلنت منظمة الامم المتحدة عام ٢٠٠١ عام حوار الحضارات.

ولعلٍ ماحل بالساحة العالمية في ذلك العام وبعده أراد أن يثبت عدم جدوى هذه الفكرة، وأراد أن يؤكد على طبيعة الصراع بين المجموعات البشرية، غير أن المؤمنين بفكرة حوار الحضارات لايزالون يعتقدون أن هذا الذي يطغى اليوم على الساحة إنما هو «زبد» لايمكن أن يغطّي على الفطرة الانسانية الميّالة بطبيعتها نحو «ما ينفع الناس» ومن المؤكد أن منافع الناس لا تتحقق بالصراع، بل بالتفاهم والحوار.

المستشاريات الثقافية للجمهورية الاسلامية في بلدان العالم نشطت في مجال حوار الحضارات، ولتوثيق هذه النشاطات نبدأ بعرض نشاط تتوفر للمجلة وثائقه وتقاريره وهو ماقامت به المستشارية الثقافية في دمشق.

المستشارية الثقافية بدمشق أعدت قبل حلول سنة ٢٠٠١ (عام حوار الحضارات) لاقامة مؤتمر تحت عنوان «كيف سندخل سنة حوار الحضارات» وعقد خلال الايام ٢٢ - ٢٣ / ١١ / ٢٠٠٠م. وطبعت مجموعة المقالات المقدّمة للندوة في كتاب تحت عنوان: «محاضرات في حوار الحضارات» جاء في مقدمته:

«أمام العالم الإسلامي اليوم فرصة من أعظم ما مرّ عليه في تاريخه. فالعالم كان يعيش قبل سنين صراعاً بين قطبين: الرأسمالي والاشتراكي. وكانت المدرسة الاشتراكية قد قامت على أثر ما أنزلته الكتلة الرأسمالية من ظلم بالشعوب، وعلى أثر ما ظهر على مجتمعاتها من علامات تدل على انهيارها من الداخل.

لكن هذه المدرسة ما استطاعت أن تحلّ المشكلة، بسبب ما أفرزته من تضاد يعود إلى منطلقاتها المادية، فقد وقعت بسبب هذه المنطلقات بنفس المشاكل التي يعاني منها المعسكر الرأسمالي، فسقطت، وحاول منافسها أن يستغل فرصة السقوط لينفرد بالساحة. لكنه يواجه عقبات كبيرة على الصعيدين الداخلي والخارجي. وهذه العقبات تعود بالدرجة الأولى إلى انحرافه عن القيم الإنسانية وعن فهم الجانب الروحي من الإنسان.

ومظاهرات الرفض الواسعة التي شهدتها سياتل، وواشنطن ونيس وبراغ ودافوس وغيرها من بلدان أوروبا وأمريكا تدلّ على رفض الشعوب الأوروبية والأمريكية نفسها للمشاريع العالمية المهيمنة.

من هنا فإن العالم الإسلامي يبقى هو الوحيد الذي يمتلك المشروع الحضاري المتكامل الذي ينظر إلى الإنسان بجانبيه المادي والمعنوي، ويقيم نظامه على أساس دفع الإنسان على سلّم كماله الفطري.

غير أن المشروع الإسلامي بحاجة إلى «دعوة» «بالحكمة» و «الموعظة الحسنة» وإلى حوار «بالتي هي أحسن».

والحكمة تقتضي أن يكون الخطاب على مستوى العصر وحاجاته وتعقيداته، لأن الحكمة كما يقال: وضع الشيء في محلّه. والموعظة الحسنة تتطلب أن تكون آلية الخطاب متطورة مؤثرة فاعلة في العقل والقلب.

وشرط «بالتي هي أحسن» يفرض أن يكون الحوار إنسانياً قائماً على أساس احترام الرأي الآخر، وبعيداً عن روح الاستعلاء والإسقاط.

ونعتقد أن مشروع «حوار الحضارات» الذي تبنته الأمم المتحدة بدعوة من الرئيس محمد خاتمي يستطيع أن يبلور الخطاب المطلوب لأمتنا في عصرها الراهن … ويجعلها قادرة لأن تقدّم حضارتها في جوانبها العملية والنظرية، وأن تدخل الساحة العالمية بقوة وريادة، وتستثمر فرصة انهيار المشاريع التي لا تقيم وزناً للجانب الروحي والمعنوي من الإنسان.

لكن هذا المشروع يحتاج إلى دراسات مستوعبة من كل العلماء والباحثين كي تتضح معالمه، وتنجلي أهدافه، وتتواصل مسيرته.

من هنا فإن «مركز الدراسات الثقافية الإيرانية العربية» بالمستشارية الثقافية للجمهورية الإسلامية الإيرانية بدمشق، دعا إلى ندوة تحت عنوان: «كيف سندخل سنة حوار الحضارات»، فاجتمع لفيف من الباحثين، وألقيت بحوث وتعقيبات ودار نقاش جاد مفيد. وهاهي البحوث والتعقيبات وبعض ما تسنّى لنا تسجيله من مداخلات، نقدّمه للقارئ الكريم على أمل أن تكون سنة ٢٠٠١ مدخلاً إلى حوار حضاري يمتدّ عبر السنوات والقرون، ليسجل لأمتنا موقفاً آخر من مواقفها التاريخية الداعية إلى إنقاذ البشرية من ظلم الإنسان لأخيه الإنسان».

كلمة وزير الثقافة والارشاد الاسلامي

السيد أحمد مسجد جامعي رحّب بالحاضرين وبارك للندوة وقال:

«يسرّني أن يكون البحث حول حوار الحضارات قد بدأ في جمع من رجال العلم وبمقالات علمية قيّمة، وآمل أن نستثمر عطاء هذه الجلسات في تحقيق أهداف حوار الحضارات على الساحة العالمية وخاصة في ساحة العالم الإسلامي.

فكرة حوار الحضارات لو تناولها جمع من رجال الفكر والنخب المثقفة ودرست أبعادها المختلفة بدقة وإمعان وانفتاح، ستؤدي إلى النتائج القيمة المرجوّة، وغير خاف أن فكرة حوار الحضارات ذات حساسية نظرية وثقافية، كما أن عطاءها السياسي يتجه إلى تصفية الأجواء السياسية والتعايش.

من هنا فإنه يجب أن تدرس بدقة - من ناحية - في المحافل الفكرية، ومن ناحية أخرى لا بد من الاهتمام بمفعولها على صعيد السياسة العالمية، لذلك أرى أن التعامل بين هاتين المجموعتين، أعني النخب السياسية والفكرية سيعود بنتائج مثمرة وبنّاءة في هذا المجال.

وجمعنا هذا يتضمن ممثلين لشعوب، كانت يوماً منطلق الحضارات الكبرى. وهذه الأرض التي نجتمع عليها هي من الأصقاع الحضارية التي تبلورت حضارتها غالباً حول محور واحد من الأديان التوحيدية الكبرى. بمثل هذه الهوية ندخل ساحة حوار الحضارات لأن وجهنا الحضاري ممتزج تماماً بالوجه الديني، وهذا «الأنا» المحاور يحمل الوجهين معاً.

أريد من هذا المنظار أن ألج البحث، أي من منظار الوجه المعرفي للحضارة. الحضارة الإسلامية بصفتها الدينية والمعرفية التي تشخص بالفكر الفلسفي والآثار الثقافية والمدونات التاريخية. وأعتقد أن الحضارة الإسلامية - بسبب قيامها على أساس معرفي - اهتمت بشكل خاص بالحرية والعقلانية، وطبعاً لابدّ أن أضيف هنا أن قصدي من الحرية ليس هو الحرية السياسية بمعناها المتداول اليوم.

هذه الحضارة باتساع صدرها لأفكار المخالفين وآرائهم قد وفّرت الجوّ لعرض وجهات النظر المختلفة. ونشهد في التاريخ أن سعة الصدر هذه كلّما ضاقت، قلّ التنوع الفكري، وضاقت دائرة العقلانية أكثر، مما يؤدي إلى أفول هذه الحضارة.

ومن نماذج هذا الاستيعاب الحميد نستطيع أن نذكر وقفيّة «ربع رشيدي» ووقفيّة «مدرسة خان» في شيراز. ففي وقفيّة ربع رشيدي ينصّ الواقف على تخصيص ميزانية لترجمة مجموعة من الكتب سنوياً إلى العربية والفارسية (اللغتين العلميتين آنئذ)، وإرسالها إلى البلدان الأخرى، والمخاطبون في هذه الوقفية هم أهل الصين والهند، وهما من الأقاليم الحضارية الكبرى يومذاك.

وفي وقفية مدرسة خان بشيراز يخصص الواقف ريع الموقوفة على إرسال بعثة من أفراد هذه المدرسة إلى أرجاء العالم ليجمعوا الكتب المختلفة في دائرة العلوم والمعارف والحكمة، أو ليستخدموها ويضعوها تحت تصرف طلاب المدرسة. هذه الحركة توقفت برهة من الزمن، ولا عجب أن تكون هذه الوقفة مقرونة تقريباً بعصر بدء أفول الحضارة الإسلامية، وبنموّ الحضارة الغربية وازدهارها أيضاً.

كنت أسائل نفسي دائماً: لماذا رحّب الغربيون بنظرية حوار الحضارات أكثر من الشرقيين؟ يبدو أن هناك ارتباطاً وثيقاً بين الحوار والتعامل وقابلية الإنتاج الحضاري، لأن الحوار لا يوفّر فرصة معرفة الآخر فحسب، بل إن ساحة الحوار توفّر فرصة معرفة الذات ومعرفة الامكانيات معاً.

إن أول آثار الحوار هو الدخول في عالم المعرفة، معرفة الذات، أو بعبارة أخرى، معرفة الهوية الشخصية. وقسم من معرفتنا يحصل بالمقارنة مع الآخر، أي أننا نعرف أنفسنا في مرآة الآخر. تماماً كما عرف الغرب نفسه. هذه المعرفة تحصل عن طريق النخب الفكرية، والحوار يؤدي - بطبيعته - إلى الكشف عن الذات وعن الإمكانيات، وعن القيود، وعن المحيط.

الحوار كذلك يساعد على إدراك المشترك في الآفاق، وبهذا يخلق الانسجام والتعاضد والتفاهم، والبحوث التي دارت في هذه الجلسة كشفت مدى حاجتنا إلى معرفة الذات والآخر والمشترك. المعرفة المشتركة التي تحصل عن طريق الارتباط المباشر ودونما واسطة مع الآخر.

التعارف بين المجتمعات الإسلامية يتم اليوم عبر القنوات الغربية، فعلى سبيل المثال، عرف الشرق السينما الإيرانية بعد أن تحدث عنها الغرب. والمجتمعات الشرقية أقبلت على تلكم الأفلام التي سلّط الغرب الأضواء عليها. ولو أمكن الارتباط المباشر مع ثقافة إيران وفنها فربما اهتم الشرق بأنواع أخرى من الأفلام والفنون الإيرانية.

وفي الحقول الثقافية الأخرى أيضاً يسود وضع مشابه، ففي العالم الإسلامي شخصيات مرموقة في نتاجها الفكري والثقافي، لكن نتاج هؤلاء غالباً ما يبقى محدوداً في الدائرة المحلية، ولا تحظى بالشهرة. ففقدان الارتباط الداخلي بين البلدان الإسلامية يؤدي إلى أن تبقى ثرواتنا الفكرية مجهولة خارج الإطار الجغرافي الإسلامي. ولو قُدّر لها أن تُعرف فإنما يتم ذلك عن طريق الغربيين.

اسمحوا لي أن أواصل حديثي باستشهاد هو عبارة عن قول للسيد خاتمي: «الهدف من حوار الحضارات هو بلوغ الحرية، والأمن، والعدالة، والرقي الروحي، أو بالتعبير الدارج الرقي الأخلاقي».

ظروف عالمنا المعاصر تبرز بجلاء أكثر الضرورات المذكورة، فنحن نواجه اليوم مسألة العولمة، والعولمة تشق طريقها بدون إرادتنا، والعولمة تحت شعار توحيد الثقافات تستهدف إزالة التنوع الثقافي. والعولمة وإن اتخذت ظاهراً اقتصادياً، فهي ذات جانب ثقافي أهم بكثير. وإذا حققت أهدافها في النهاية فسيكون لها أبعاد مرعبة، ولو فُرض ما يسمى بالتوحيد الثقافي لم يبق ثمة مجال للحوار. ذلك أن شرط الحوار هو قبول التعددية، قبول حقّ الاختلاف والحرية والتعقّل. فالحوار يعني الوصول إلى إدراك مشترك عن طريق تبادل المعاني والأفكار. لذلك فإن أي تيار وأية مؤسسة ترفض هذه الشروط فإنها تعمد إلى سدّ طريق الحوار. لذلك يضع السيد خاتمي الحرية والأمن باعتبارها هدف الحوار وشرطه.

ثمة جناحان فكريان يتخذان عملياً موقفاً معارضاً للحوار: المنهزمون تماماً أمام الغرب… المؤمنون بعدم إمكان تحقيق تقدم إلاّ عن طريق تقبّل الثقافة الغربية تقبلاً تاماً، ورفض الثقافة الذاتية، والمجموعة الأخرى هي التي سدّت الطريق أمام التغيير والتطوير واعتبرت نفسها مستغنية عن معطيات التطور الغربي. فلا ذلك الانفتاح المنفلت غير المنضبط، ولا هذا الانغلاق المنعزل المسدود يؤدي إلى الحوار.

والنديّة ضرورة من ضرورات الحوار، وتعني عدم الانبهار، وعدم الإحساس بالدونية إزاء الطرف الآخر. وعلى سبيل المثال: فإن الثورة الإسلامية لا تنظر إلى أمريكا باعتبارها شأناً فريداً متسامياً، لكن أمريكا ترى لنفسها هذه المنزلة. لذلك فإن الحوار متوقف معها على الصعيد السياسي لعدم وجود الندية، ففي الظروف المتساوية فقط يمكن البحث عن المصالح المشتركة عن طريق الحوار.

إذاً فالحوار طريق مليء بالتعرّجات، ولا يمكن أن نتوقع حصول كل شيء عن طريق الحوار، ولا بالإمكان الحصول على نتائجه بسرعة. وثمة موضوعات مختلفة مثل: الدين، الأسرة، مكانة المرأة، البيئة الطبيعية، وهي من المسائل التي تدخل حيّز الحوار. وعلى هذا الصعيد لا بدّ من تعيين الأولويات، وتشخيص الأخطار والتهديدات المشتركة، والتوصل إلى الآليات المشتركة، باعتبارها من المراحل المختلفة لحوار الحضارات.

إن طرح مسألة حوار الحضارات في الأمم المتحدة، والمصادقة على المشروع في أعلى المستويات التنفيذية الممكنة، وعدم طرحها في مؤسسة تابعة كاليونسكو يدلّ على تعدّد الجوانب في أهمية المشروع، ولا بدّ أن تشقّ النظرية طريقها في الساحات السياسية والاقتصادية والثقافية.

أنا مؤمن بأن الخطوة الأولى للحوار يجب أن تنهض بها النخب الفكرية والثقافية، وأن أول خطوة لا بدّ أن تتجه إلى إعطاء مفهوم جديد للإنسان يبعده عن المفهوم الذي يرى فيه آلة للانتعاش الاقتصادي. وبديهي أننا لا ننظر إلى هذا المشروع على أنه مشروع إيراني، ونأمل أن يدخل هذه الساحة الهامة كلّ المفكرين من جميع أرجاء العالم».

كلمة مركز الدراسات الثقافية الايرانية – العربية

وباعتبار أن هذا المركز (وهو مركز في طهران وله فرع في دمشق تحت إشراف المستشارية الثقافية الايرانية) هو الذي دعا الى المؤتمر، القيت كلمة المركز وجاء فيها:

«كنا قد عقدنا العزم منذ أشهر لإقامة ندوة تحت عنوان: «كيف ندخل سنة حوار الحضارات»؟ والباعث لعقد هذه الندوة واضح… فلا بدّ من إعداد أنفسنا لدخول مشروع عظيم أطلق اسمه على سنة ٢٠٠١م، ولكنه مشروع مستقبل البشرية على امتداده. والإعداد ضروري كي نستطيع دفع مسيرة الحوار نحو أهداف محدّدة تعود بالخير على البشرية عامة وعلى أمتنا بصورة خاصة، ولكي نبعد الحوار عما لا طائل تحته، وعمّا يدخلنا في شكليات، وفي ثرثرة جوفاء، وفي بطر فكري ابتليت به معظم النخبة المثقفة من أمتنا، فانتفخت وتعالت وجلست في أبراج عاجية بعيدة عن الواقع المعاش، وعن نفسية الأمة ومزيجها الفكري والحضاري، وعن آمالها وآلامها.

مشروع حوار الحضارات طرحه المفكرون منذ سنين، ودار حوله نقاش طويل، وجاء كتاب «صدام الحضارات» لهنتنغتون ليعطي للمسألة بعداً جادّاً، وليحوّل القضية إلى نظرية استراتيجية للعلاقات الدولية، وليطرح فكرة حتمية الصراع بين الحضارات، ثم شهدت الساحة العالمية نوعاً جديداً من الممارسات تنبئ أن نظرية صراع الحضارات بدأت تخرج إلى حيّز التطبيق … وأن المخاوف من عودة الوجود الإسلامي إلى ساحة الحياة، ومن عودة العالم الإسلامي ليحتل مكانته في المعادلات الدولية، بدأت تتبلور في عمليات بطش وإبادة، وفي عمليات إذلال وإخضاع، وفي أساليب تفريغ المسلمين من أي إحساس بالهوية والعزّة والكرامة.

ولم يقتصر القلق على الدائرة الإسلامية، إذ عمّ كثيراً من الداوئر الأخرى بما في ذلك الأوروبية التي بدأت تواجه عملية إلغاء وانتقاص وهيمنة.

وفي هذا الجوّ أعلن الرئيس محمد خاتمي مشروع حوار الحضارات ليجد ترحيباً عالمياً منقطع النظير… وليدفع بالأمم المتحدة إلى تبنيه مما يعني عالمية الحاجة وشموليتها لجميع جوانب حياة المجتمعات البشرية السياسية منها والاقتصادية والثقافية.

وبعد أن عزمنا على إقامة الندوة حدثت على ساحة المنطقة مستجدات هامة جعلتنا نتردد في عزمنا، وأهم هذه المستجدات تصاعد الانتفاضة المباركة في فلسطين، وتشديد البطش الصهيوني بأطفال الحجارة وبأهلنا في الأرض المحتلة.

هل الظروف في مثل هذه الحالة مناسبة للحديث عن «حوار»؟ أي حوار أمام عمليات الإرهاب والقمع الوحشي بحقّ شعب يدافع عن أرضه وبيته؟ !

غير أننا عدنا إلى الأهداف التي رسمناها في دهننا لحوار الحضارات، وأول هذه الأهداف تبيين حقيقة موقف حضارتنا من الآخر، وهو موقف قائم على أساس «يستمعون القول» وعدم إلغاء الآخر:  وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين، ودعوته إلى المشتركات: إلى كلمة سواء بيننا وبينكم. وهكذا تبيين حقيقة موقف الحضارة المهيمنة القائمة على أساس الاستعلاء، والتفوق العنصري، والتمييز العرقي، وتنازع البقاء، وبقاء الأقوى …

عدنا إلى هذا الهدف فوجدنا أن الظروف القائمة كلها تنطق بالشهادات والوثائق على حقيقة هذا الفرق «بيننا» و «بينهم»، وتدعو إلى ضرورة استنطاق هذه الشهادات والمواقف لاستجلاء معالم مسيرة المستقبل ضمن إطار حوار الحضارات».

محاور الندوة

١ـ حوار الحضارات - رؤية فلسفية

قدمت فيها ورقتان: الاولى - مقومات وشروط الحوار السويّ بين الحضارات للدكتور أبي يعرب المرزوقي (مفكر وباحث من تونس) والورقة تضم بحثاً فلسفياً معمّقاً، ومن الأفضل أن نقدّم للقارئ ماكتبه الدكتور رضوان زيادة ملخصاً ومعقباً على كلمة الدكتور المرزوقي:

«لا يتوقف الدكتور المرزوقي عند مفهوم الحضارة، إذ أنه محدد لديه وفق تعيناته النظرية القائمة على أساس أن الأمة والحضارة توأمان، وهو لذلك يفترض أن الأمة توجد ولا تقوم إلا بحضورها القومي، وحضورها هذا يعني أنها متلازمة للحضارة ومتحققة بها، وبذلك تندغم الأمة بالحضارة ولا تكاد تبين وذلك عندما تأخذ الحضارة سمات الأمة ومميزاتها القومية، وهذا ماجعله يبتدأ من الحوار لا من الحضارة على اعتبار أنه الشق الملتبس وحاجة التصنيف والتقويم ملحة بالنسبة إليه، وعليه فهو يقسم الحوار إلى ضروب وبحسب آفاقه ومستوياته أو بحسب قصده ثم يلح على طلب مقومات الحوار كي يزيل اللبس المحيط بالمفهوم، وهو لذلك يشترط على الحوار شروطاً بحسب قصوده وظروفه لا يتحقق إلا بها ولا يكون إلا بوجودها.

ونقطة البدء هذه لديه جعلته يخلص إلى أن الحوار الحقيقي لا يجري بين الحضارات ولا ضمنها وإنما هو حوار بين البشر بتوسط ما في الحضارات من صبوٍ إلى التجاوز الذاتي نحو ما يتعالى عليها، غير أن الحوار بين البشر لا يدخل ضمن الحوار القصدي أو المطلوب بذاته وإنما هو يجري عفوياً ودون إلحاح مسبقٍ في الطلب عليه، وهذا ما نلحظه في النظر إلى ظاهرة الاختلاط في الشعوب وما ينتج عنها من تمازج الأعراق، وعندها يكون الحوار بين البشر أقرب إلى الظاهرة التلقائية، وهو ما ينفي عنه صفة الحوار ليدخله في سياق عمليات التواصل التي تشكل بمجملها خارطة الالتقاء والاتصال بين مختلف الأجناس في معاشهم وحياتهم.

وبذلك تكون الحضارة ذات سمات خاصة متصفة بها، وتشكل هذه السمات بمجموعها ما يُطلق عليها مفهوم. وإذا كان «هنتنغتون» قد اعتبر أن الحضارات هي هويات ثقافية فإن ذلك صحيح إلى حد كبير دون الانزلاق معه في اعتبار أن هذه الهويات هي كيانات متبلورة وناجزة تتحصن الحضارات داخلها ويصعب عليها الخروج منها أو القيام بعملية التغيير والتطوير، هذه العملية التي تصبح ضرورية مع تقادم الزمن ويفترض عندها أن تمد هذه الحضارات بخيوط اللقاء والتواصل مع العصر حتى تكون قاصرة على الحضور فيه، بما يعنيه الحضور من قدرة على الفعل والتأثير. وإذا عدنا إلى مفهوم الحوار الذي يبغيه ويطلبه لوجدناه يحدده بأنه حوار التعارف بين البشر الذين أدركوا وحدتهم الأصلية في الأخوة الآدمية المتعالية على حد تعبيره على الأشكال الحضارية، وبذلك لايقوم الحوار لديه ولا يكون إلا بأن تتحدد غايته مسبقاً، وبذلك يكون نفي الحوار صفته التواصلية بما هي لقاء بين الذات والآخر، وحصره في صفته الغائية التي تقوم على أساس وظيفة الإقناع والإلتزام، فتحديد الغاية ينفي عن الحوار اسمه ليدخله في باب الإلزام أو الإكراه.

وفي ضوء مفهوم الحوار هذا يمكن فهم الثنائية التي افترضها المحاضر في تقسيم الحضارات إلى حضارات حلولية تتسم بالنزوع إلى الحرب، وحضارات استخلافية تتسم بالنزوع إلى السلم، والتقسيم الثنائي هذا أقرب إلى التصنيف الاختزالي مما ينفي الصفة المركبة عن الحضارات ويمنعنا من إدراك الجوانب المختلفة للحضارات من حيث علاقاتها المتشابكة فيما يتعلق بثقافتها ومميزاتها وأساطيرها وكل ما يتعلق بالشخصية الحضارية، لذلك علينا ألا نسقط في فخ الاختزال خاصةً فيما يتعلق بالحضارات التي تكون محط اشتراك لعدد كبير من الأمم والتي يصعب علينا قراءة وجه وحيد ونفي الأوجه المتعددة التي تتعين بها هذه الحضارة أو تلك.

وانطلاقاً من ذلك فإن المحاضر لا يرفض الصراع بين الحضارات كما يسميه بل يجده ضرورياً من أجل تحقيق القيم. وهنا يبرز السؤال عن جدوى الحوار ومغزاه إذا لم يوجد بين الصراع إن لم نقل يلغيه، ذلك أن الصراع تاريخياً تجلى بكيفيات مختلفة، كانت معظمها تهدف إلى إلغاء هوية الآخر ونفيه من أجل تحقيق سيادة الذات وانتصار قيم الانسان، وهنا يبرز الحوار لا كحل سحري للخروج من الصراع وإنما كطريق لابد من ولوجه من أجل نفي صراعات التمركز والإلغاء وتحقيق الشراكة القائمة على التبادل بين الأطراف جمعيهم، وإذا كان الصراع ضرورياً بحسب المحاضر من أجل تحقيق القيم، فإن ذلك ينفي عن القيم قوتها القائمة بذاتها وعدم حاجتها إلى صراع الوجود حتى تتحقق، إذ عندها تصبح قيم المنتصر الغالب لا القيم الإنسانية العليا».

كما قدم الدكتور يوسف سلامة (الاستاذ في جامعة دمشق) ورقة تحت عنوان: «حوار الحضارات بين السلب واليوتوبيا» رفض فيه فكرة حوار الحضارات، وقدّم لبلدان العالم الثالث اقتراحات من شأنها أن تحافظ على وجودها في عالم صراع الحضارات، ومما جاء في بحثه:

«إن خطاب الحضارة الغربية المعاصرة - خطاب ما بعد الحداثة - قد تحول من العقل - وهو خطاب الحداثة - إلى (الإرادة) بكل تجلياتها وصورها الممكنة، أي إرادة المعرفة وإرادة الحقيقة وإرادة الاعتقاد والتي ترتد جميعها إلى (إرادة القوة). فالخطاب الغربي الراهن في سائر المجالات قد أصبح يستمد قيمته وأهميته وفاعليته من إرادة القوة فتجاوز بذلك الأسس الكلاسيكية التي بنيت عليها الحضارة الغربية ابتداء من القرن السابع وأعني بذلك الذاتية والعقلانية.

وما يترتب على ذلك هو أن خطاب الحضارة الغربية الراهنة خطاب لم يعد يتصف بالعقلانية والإنسانية، وبالتالي فقد ما كان ينطوي عليه من كلية، فتحول بذلك إلى خطاب جزئي أو خاص ففتت إلى خطابات جزئية، بحيث لم يعد بوسعنا أن نتحدث عن فضاء غربي حضاري واحد بقدر ما يمكننا التحدث عن فضاءات متعددة تعكس تنوعاً في الخطاب الحضاري الغربي غير مسبوق لا يمكن تفسيره إلا بإرادة القوة التي تنسب إلى كل مجتمع غربي بعينه.

وما يلزم عن ذلك ولادة نوع من الخطاب الغربي المتناقض داخل فضاء جديد، الأمر الذي يكشف عن ما يمكن وصفه بأنه بداية لتنوع حضاري جديد داخل الفضاء الغربي، الأمر الذي قد يترتب عليه ظهور تناقضات ثقافية وروحية ناجمة عن لا عقلانية الخطاب الجديد الذي يؤسس خطاباً على إرادة القوة، بدلاً من تأسيسه على عنصر يمكن الاحتكام إليه بدرجة معقولة من الاتفاق مثل مبدأ العقلانية وما يرتبط به، كما كان سائداً حتى نهاية القرن التاسع عشر في الحضارة الغربية المعاصرة.

قد نكون إذاً بإزاء نقطة البدء في تفتت هذه الحضارة الذي قد يفضي على المدى البعيد إلى أن تفقد وحدتها وقوتها اللتين تمتاز بهما حتى يومنا هذا. فتأسيس الخطاب على إرادة القوة قد يفضي إلى بروز متناقضات خطيرة داخل هذا الخطاب قد يستعصي حلها إلا خارج هذا الخطاب نفسه.

ومن هنا يتعين على بلدان العالم الثالث وعلى ساستها وعلى مفكريها أن يرقبوا تفتت وحدة الخطاب الغربي لا من أجل اكتشاف تشتت هذه الوحدة واحتمال ضياعها فحسب، وإنما أولا بالذات من أجل صياغة خطاب حضاري جديد يأخذ من اعتباره كل الملاحظات السابقة التي تميل إلى الافتراض بأن وحدة الخطاب الغربي الحضاري مآلها إلى التفكك، الأمر الذي يلزم بلدان العالم الثالث - بصرف النظر عن إيديولوجياتها وأديانها ونظم الحكم فيها - بان تشكل جبهة واحدة تستهدف الانخراط في عملية تفاعل ثقافي واسعه المدى - بقصد إنتاج أكبر عدد ممكن من المبادئ والأفكار التي يمكن أن تكون مشتركة بين بلدان العالم الذي يسود فيه الفقر والجهل والاستبداد أيضاً.

وبوسعنا العثور على نقطة ابتداء قد تمت صياغتها منذ الخمسينيات عندما وضع الآباء الكبار المؤسسون البذرة الأولى لما أسموه بعدم الانحياز ونعني بهم (عبد الناصر) و (نهرو) و (تيتو). ولا نعني بالعودة إلى فكر هؤلاء المؤسسين أن نتبنى مضمونه كاملاً، بل يعني أن نستمد منه روح المقاومة البطولية التي أبداها هؤلاء القادة ضد أكبر معسكرين وأكبر درجة من الاستقطاب شهدها التاريخ الإنساني. ومما يكمل ذلك استلهام شتى التجارب السياسية الكبيرة وصور المقاومة الخلاقة التي ظهرت في كثير من بلدان العالم الثالث ومن بينها على سبيل المثال الثورة الإسلامية الكبرى التي أسست للجمهورية الإسلامية في إيران.

على أن كل ذلك وإن كان يشكل بعض الأسس التي لا بد من توافرها من أجل الانخراط في حوار حضاري مع الغرب الراهن، فلا بد من أن يكون واضحاً من أن التاريخ الإنساني قد أثبت لنا أنه لم يكن هناك أي نوع من الحوار بين الحضارات، وإن كل ما سيطر على التاريخ حتى يومنا هذا إنما هو الصراع بين الحضارات. وعلى ذلك، فإن بلدان العالم الثالث راغبة في أن تستمر في الوجود، فينبغي لها أن تتخلى عن فكرة الحوار وأن تؤسس عالماً جديداً فيها يسمح بولادة الشروط الضرورية حالياً والكافية مستقبلاً من أجل الدخول في مواجهة مع هذا الخطاب الغربي الآخذ قي التفتت في صور متعددة. ومن شأن ذلك أن يلزم بلدان العالم الثالث - وخاصة تلك التي ترى أنها مؤهلة أكثر من غيرها للانخراط في مثل هذا الصراع - بخلق الشروط والظروف المناسبة لإنتاج ما تقتضيه هذه المواجهة مع الآخر الذي يجب ألا يفكر أحد منا بطريقة ساذجة بحيث يعتقد أن سقوطه وشيك وأنه سيسقط من تلقاء ذاته، وأن كل واجبنا ينحصر في اقتسام الغنائم والأسلاب.

لا بد لبلدان العالم الثالث من أن تعيد صياغة نظمها السياسية ونظمها الاقتصادية وبناها الثقافية، من أجل أن ترتقى جميعاً لتصل بالإنسان في عالم الفقراء والمحرومين إلى مستوى المواطن الذي يستطيع أن يقول كلمة في وطنه، ويرى رأياً فيمن يمثله من الساسة والحكام، ويختار من بين الأنساق الثقافية المتعددة - بحرية تامة - النسق الذي يتعرف على نفسه فيه، على أن يكون للمواطنين الآخرين الحق الكامل في اختيار أي نسق يريدون. إن إشاعة الديمقراطية وما ينتج عنه من ضرورة التداول السلمي للسلطة ومن منح مؤسسات المجتمع المدني كل حقوقها، شروط ضرورية وليست كافية من أجل تأسيس خطاب جديد يسمح لنا بالتقدم خطوة واحدة في الاتجاه الصحيح. ويظن بعض الجهلة أن المجتمع المدني عدو للدولة وخصم لها، وفي حين أن كلمة المجتمع المدني هي إقامة التوازن اللازم بين الدولة والمجتمع. وليس ثمة مجتمع يمكن أن يخلو من دولة ومجتمع مدني، ولكن عندما تبتلع الدولة كل شيء فإن الحديث عن المجتمع المدني لا يعني أكثر من تصحيح الأشياء ولايعني مناهضة الدولة من حيث هي كلية موحدة وضابطة للمصالح المتباينة في المجتمع وللاتجاهات المتنوعة التي تضج بها الحياة الاجتماعية. إن من يحيا في هذا

العالم ليس أمامه إلا أن يدافع عن نفسه، ولا يعني الدفاع أن ننتظر تناقضات الآخر حتى تفكك أبنيته، بل هو يعني الشروع في التسلل إلى داخل تناقضاته حتى نسهم في مفاقمتها تمهيداً لأن يفجرها هو ذاته بذاته. ولا سبيل إلى العيش في هذا العالم بغير ذلك».

٢ - حوار الحضارات والعلاقات الدولية

وفي هذا المحور أيضا قدمت ورقتان:

الاولى – حوار الحضارات في ضوء العلاقات الدولية الراهنة للاستاذة الدكتورة نادية محمود مصطفى (استاذة العلاقات الدولية / كلية الاقتصاد والعلوم السياسية – جامعة القاهرة).

وكانت الورقة غنية بتوجهاتها وبثراء معلوماتها، كما كانت الاستاذة الباحثة نجمة الندوة في نشاطاتها ومشاركاتها العلمية الاكاديمية.

وكانت موضوعات بحثها على مستويين:

الاول - خصائص العلاقات الدولية الراهنة، وموقع العلاقة بين الحضارات منها.

والثاني - الامة الاسلامية في النظام الدولي / البعد الثقافي والحضاري، وتحديات الوضع الراهن للأمة وأين حوار الحضارات؟

وخلصت من بحثها الى القول:

«إن التحليل في هذه الورقة إنما يسعى للتأكيد على بعض الأمور وهي:

من ناحية: تعزيز التعاون حول «حوار ثقافي» بشروط ومضامين تجعله سبيلاً للتعارف الحضاري الحقيقي، ومن ثم تنأى به أن يكون سبيلاً لتمكين ثقافي لطرف على طرف آخر أو أن يكون قناة للاعتذار والدفاع والتبرير في مواجهة «الاتهامات» المتعددة للإسلام والمسلمين سواء أفي أوروبا ذاتها أم خارجها.

من ناحية أخرى: يقدم رموز الفكر الإسلامي المعاصر أطروحات متكاملة حول «البعد الثقافي» فمن المقاربة بين القيم الإسلامية والقيم الغربية إلى تقديم الرؤية عن الدلالات الثقافية المعاصرة في إطارها السياسي الراهن، إلى تحليل العلاقة بين العولمة والهوية ودور الأديان، إلى البحث في الأبعاد الثقافية السلوكية للمسلمين «الأقليات» في ظل ضغوطات العولمة وما بعد الحداثة، إلى الحديث عن حقوق الإنسان في الإسلام كضرورات وليس مجرد حقوق، إلى التمييز بين العالمية والعولمة، ومن ثم العلاقة بين الإسلام والعولمة.

هذه ليست إلا نماذج على سبيل المثال وليس الحصر وهى تعني، في نظري، نماذج على «المبادرة» الثقافية وليس «الاعتذار» الثقافي، نماذج تدفع للتقدم نحو صياغة رؤية إسلامية وتشارك في هذه الصياغة. فإذا كان الجميع يتفقون على أن هناك أزمة عالمية ذات بعد قيمي - ثقافي واضح الدلالة يستوجب مراجعة المنظورات: فإن الإسلام قادر على أن يقدم رؤية تساهم في تقنين الرؤية الجاري صياغتها للعالم وخاصة حول أوضاع الأقليات، ومنها المسلمة في العالم.

بعبارة أخيرة، نحن في حاجة لخطاب غير اعتذاري، غير دفاعي، نحن في حاجة لخطاب ينطلق من الذات الإسلامية وخصائصها «وبمبادرة» تجاه الآخر وذلك حتى يتحقق التوازن في الرؤية الذي هو أساس الفاعلية.

وإذا كانت «اليونسكو» تعد لأن يكون عام ٢٠٠٠ عام «ثقافة السلام» فلابد وأن يكون الطرح الإسلامي «لمفهوم» السلام حاضراً وفاعلاً ومؤثراً، وإذا كانت مفاهيم «ثقافة التسامح»، «ثقافة قبول الآخر» يتم تداولها في محافل «الحوارات الثقافية» فإن الطرح الإسلامي لها يجب أن يكون حاضراً وفاعلاً ومؤثراً، وإذا كانت ندوات وحوارات «الإسلام والغرب» تتعدد في تلاق وتقاطع حول أمور منهاجية ومضمونية، فيجب أن تكون الرؤية الإسلامية حاضرة وفاعلة ومؤثرة وإذا، وإذا… الخ.

إذاً المطلوب «المبادرة الثقافية» عند تخطيط رؤية استراتيجية للعمل الثقافي الإسلامي في الغرب وذلك انطلاقاً من رؤية كلية عن وضع البعد الثقافي (بين أبعاد أخرى) في هجوم الآخر تجاهنا وعن وضع البعد الثقافي الإسلامي في مشروع النهوض الحضاري الإسلامي، فهذا البعد الثقافي الإسلامي. الذي تضعه وثائق «الإيسيسكو» في قلب هذا المشروع الحضاري - ليس منقطع الصلة بالأبعاد الأخرى: السياسية، الاقتصادية، العسكرية. وكذلك فإن مشاكل الدول الإسلامية الثقافية لا تنقطع أو تنفصل عن إمكانيات أو قيود العمل الثقافي الإسلامي لنصرة الجاليات المسلمة في الغرب أو عن العلاقة الثقافية مع الغرب. بعبارة أخرى: فإن الرؤية الاستراتيجية المطلوبة يجب أن تنطلق من عدة أسس وتنبني على بعض الأسس الأخرى، فليس هناك حوار ثقافي حقيقي بين غير أكفاء من الناحية المادية، كما أن الحوار في ذاته ليس السبيل بمفرده لحل مشاكلنا مع الآخر أو لديه.

ومع ذلك، فانطلاقاً من وسطية الإسلام وانطلاقاً من رؤيته عن التعارف الحضاري فان هذا التعارف الحضاري يمثل السبيل للتجديد الحضاري لدينا من ناحية ولمشاركة الفكر الإسلامي في عملية التجديد الحضاري العالمية من ناحية أخرى.

فبالرغم من إدراك خطورة أدوات السيطرة والهيمنة ومنها الثقافية الآن، إلا أن التجارب التاريخية جميعها تؤكد أن هناك أيضاً تفاعلات ثقافية - انسيابية هادئة تحقق الاحتكاك بين الحضارات. وهذا الاحتكاك لا يكون دائماً في اتجاه واحد. فحتى الحضارة - الضعيفة مادياً - بمقدورها أن تترك آثارها على الحضارات الأقوى مادياً. وإذا كانت حضارتنا الإسلامية بمعايير القوى المادية قد تراجعت الآن إلا أنه مازال للعملة وجه آخر أكثر أهمية وأكثر حيوية وهو منظومة القيم في الإسلام ورسالته للعالمين».

والورقة الثانية في هذا المحور كانت للدكتور محمد السعيد إدريس (مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية – مؤسسة الاهرام – مصر)، تحت عنوان: «حوار الحضارات في ضوء العلاقات الدولية الراهنة العالمية والاقليمية ومستقبل الحوار»، جاء فيها:

» من الخطأ، بداية، تصور أن دعوة "حوار الحضارات" هي البديل أو النقيض أو مجرد الرد على دعوة "صدام الحضارات" التي فجرها عالم السياسة الأمريكي «صموئيل هنتنجتون» في دراسة بعنوان "صدام الحضارات" نشرت في المجلة الأمريكية Foreign Affairs (صيف ١٩٩٣) لسببين رئيسيين:

أولهما: أنه على الرغم من محاولة مفكرين ومؤسسات سياسية وإعلامية غربية وضع الإسلام والحضارة الإسلامية كعدو للحضارة الغربية أو العدو البديل للشيوعية على نحو ما كتب المستشرق المعروف «برنارد لويس» حول حتمية الصراع بين الإسلام والغرب في مجلة The Atlantic Monthly (سبتمبر ١٩٩٠)، فقد ثبت أن الصراع الذي تفجر في العالم عقب انتهاء الحرب الباردة وسقوط النظام الدولي ثنائي القطبية لم يكن صراعاً بين حضارات في مجمله ولم يكن صراعاً بين الإسلام والحضارة الغربية بصفة خاصة، ولكنه كان في الأغلب صراعاً بين دعوتي العالمية Universalism والإقليمية Regionalism في محاولة لضبط أنماط العلاقات والتفاعلات في النظام العالمي مع شيوع دعوة العولمة Globalism كواحدة من أهم معالم وأسس النظام العالمي الجديد، إضافة إلى مجموعة كبيرة من الصراعات العرقية والطائفية التي استهدفت وحدة "الدولة القومية". وبشكل عام كانت الدولة القومية في النوعين المذكورين من الصراعات هي المستهدف.

ثاني هذه الأسباب أن دعوة حوار الحضارات تعتبر أفضل الطرق لمواجهة غلو ظاهرة العولمة كايديولوجية Globalism وكي لا تتحول آليات التفاعل بين الثقافات والحضارات من عمليات التثاقف المتبادل L`accluration إلى عملية إحلال ثقافة بينية واحدة L`Interculturation فوق أطلال الثقافات الأخرى التقليدية القديمة والحديثة، دون تجاهل أو تقليل من شأن العولمة كعملية Globalisation. فالعولمة كعملية ظاهرة مركبة تتضمن التدفقات المادية وغير المادية وشبكات التفاعل وأنساق التنظيم، وكلها تؤدي إلى اختصار المكان والزمان، بحيث ينعدم أثر المسافة والحجم أو يكاد، كما يختصر الزمان إلى أدنى حد ممكن. ففي ظل هذه العملية أخذ تدفق الخدمات والمنتجات وعناصر الانتاج من دولة إلى أخرى يتم عبر معظم الحدود كما لو كان العالم كله قد أصبح قرية واحدة، كما أن كثافة التدفق قد زادت على نحو لم يكن معروفاً ولا متصوراً من قبل.

حوار الحضارات يأتى، وفق هذه التطورات، كضرورة لترشيد عملية العولمة، وبالذات في بعدها الثقافى. ولكن يأتي التحدي الأكبر: هل العالم مستعد، وبالذات العالم الغربي والحضارة الغربية، لمثل هذا النوع من الحوار والتفاعل والتثاقف المتبادل؟

الإجابة على هذا السؤال يصعب أن تكون "نعم" أو "لا" دون تحليل لوضعية وخصوصية النظام العالمي الراهن أو الحالة الراهنة للنظام العالمي. هل هذه الحالة تفرض عولمة الثقافة بمعنى هيمنة الثقافة والحضارة الغربية في ظل سيطرة الغرب والولايات المتحدة الأمريكية على أهم عمليات وآليات العولمة أم أن هناك فرصاً للتثاقف المتبادل والحوار. بمعنى أخر إذا لم يكن هناك مفر في ظل عملية العولمة من حدوث "عولمة ثقافية" فهل النظام العالمي سوف يفرض نموذجاً ثقافياً واحداً هو الثقافة الغربية في ظل الهيمنة السياسية والاقتصادية للغرب أم أنه يمكن أن يسمح بوجود ثقافة عالمية تجمع كل مزايا الحضارات والفكر الإنسانى.

تحليل خصوصيات النظام العالمي الراهن هي إذاً التي سوف تحسم الإجابة على مستقبل حوار الحضارات، أي أن دعوة حوار الحضارات لن تلقى الاستجابة لمجرد كونها دعوة أخلاقية تتوافق مع القيم والمبادئ الإنسانية النبيلة بل سيتوقف الأمر على آليات وتفاعلات النظام العالمي وبتحديد أكثر على مستقبل العلاقة بين ظاهرتي العالمية والإقليمية، حيث أن وجود الأقاليم كمناطق وكثقافات في مواجهة سطوة العالمية من شأنه الإبقاء على خصوصيات هذه المناطق والأقاليم وبالذات الخصوصيات الثقافية، كما أن آليات التفاعل بين الأقاليم وقيادة النظام العالمي سوف تحدد موقع ومكانة ثقافات هذه الاقاليم في الثقافة العالمية، وامكانية تأسيس حوار حقيقي بين الثقافات والحضارات.

الفرضية الأساسية لهذه الدراسة، بناء على ما تقدم، هي أن مستقبل حوار الحضارات سوف يتوقف على مستقبل العلاقة بين النظم الإقليمية والنظام العالمي «.

ثم درس الباحث:

«أولاً العلاقة بين النظام العالمي والنظم الإقليمية، وثانياً تأثير الخصائص الجديدة للنظام العالمي في النظم الإقليمية، وثالثاً ظاهرة الإقليمية الجديدة كنمط جديد من التفاعلات العالمية من شأنها خلق أنماط للتفاعلات التعاونية بين الاقاليم تتيح فرصاً حقيقية للحوار بين الثقافات والحضارات».

٣ - حوار الحضارات والألفية الثالثة

قدمت فيه ثلاثة بحوث:

الاول – تحت عنوان: «حوار الحضارات في عصر العولمة» للدكتور عبد النبي اصطيف (أستاذ جامعة دمشق – كلية الآداب)، جاء فيه:

«وليس ثمة من يماري في أن الأمل الإنساني سيكون معقوداً على "حوار الحضارات"، ولكن الأمل وحده لا يكفي، ولابد له من أن يقترن بالعمل لمواجهة واقع يغري القوي بالضعيف، والغني بالفقير، والغرب بسائر العالم؛ ومن هنا فإنه

لا بد من اتخاذ الحوار بين الحضارات سبيلاً أو أداة لتعبئة جميع القوى المناهضة للعولمة / الأمركة، بحثاً عن نظام أكثر عدالة وإنسانية، يؤمن بالفروق، ويشجّع التنوع، ويرى فيهما مصدرين لا ينضبان للغنى الذي أراده الله للمجتمع الإنساني:

ياأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا.

والتعارف (والصيغة العربية تدل على المشاركة)، أو المعرفة المتبادلة لا تتحقق إلا بإقامة الشراكة المعرفية بين "الأنا" و "الآخر"، و"الناس أعداء ما جهلوا" كما يقول المثل العربي، والجهل فيما يبدو يولّد العداوة. وحتى يزيل المرء هذه العداوة بينه وبين محيطه فإنه يلجأ إلى المعرفة: معرفة نفسه؛ ومعرفة العالم من حوله.

ولكن كلتا المعرفتين بحاجة إلى "الآخر"، فدون "الآخر" " The other " لايمكن أن يعرف المرء نفسه، حتى أن ثمة أجزاء من جسمه كرأسه، ووجهه وتعابيره، وظهره وغيرها لا يراها دون الاستعانة بالآخر، أو بـ مجموعة من "المرايا". ودون "الآخر" لا يستطيع المرء تحديد هويته التي لا تتضح له إلا من خلال اختلافها عن هوية "الآخر". ومثلما تحتاج الهوية إلى "آخر" تتميز إزاءه، فإنها بحاجة إلى اللغة الطبيعية (natural language) وسيلة للإفصاح عن هذه الهوية، واللغة الطبيعية مؤسسة إنسانية لا توجد إلا بوجود "الآخر".

والمتأمل في تاريخ الحضارات الإنسانية يتبين أنها وإن حملت أسماء وصفات تنتمي إلى لغة ما (الحضارة اليونانية)، أو أمة ما (الحضارة الصينية)، أو قارة ما (الحضارة الأوروبية)، أو دين ما (الحضارة الإسلامية)، فإنها جميعاً حضارات

مولّدة تدين بوجودها لإسهام الأمم الأخرى، وأنها في الحقيقة مؤسسة على شراكة معرفية تتجاوز حدود اللغة، والأرض, والأمة، وغيرها.

وبالطبع فإن حصيلة هذه الشراكة المعرفية على المستوى الفردي والجمعي ينبغي أن توظف لخير الإنسان والارتقاء بشروط حياته، وبناء مستقبل أفضل للجنس البشري. وهذا لا يكون إلا بالبحث عن شريك يؤمن بجدوى التعاون مع الآخر، ولا سيما في الغرب الذي بات يفتقد "الإحساس بالمقدّس" في حياته، ويحاول أن يتلمّسه لدى غيره من الأمم وبخاصة لدى المسلمين».

والبحث الثاني في هذا المحور تحت عنوان: «حول إشكالية الخيار بين حوار الثقافات أم صراعها» للدكتور وجيه كوثراني (أستاذ في الجامعة اللبنانية)، حاول فيه الإجابة على السؤال التالي: هل ثمة خيار حيال منطق الدول الكبرى والامبراطوريات والسوق والاعلام؟ !

ومن النتائج التي يخلص اليها البحث:

«التمييز - رغم التداخل والتشابك - بين سياسات الدول الكبرى والأمبرطوريات ومنطق السوق العالمية وإعلامه وثقافته من جهة، وبين انسياب الثقافات والأفكار الإنسانية وتسربها بين المجتمعات، من جهة أخرى.

في المستوى الأول: شكّلت الحروب أدوات السيطرة والهيمنة في التاريخ، كذلك هي أدوات تركز الرساميل واحتكار الإعلام وتدفق المعرفة والتلاعب أحياناً ببرامج الأنترنيت اليوم، إنها أشكال من العنف الجديد في السيطرة العالمية، كبديل لسيطرة الأمبراطوريات والإمبرياليات القديمة.

أما في المستوى الثاني: (انسياب الأفكار) فإن ثمة مخزوناً من الأفكار أو تيارات أفكار (مدارس، اتجاهات، أخلاقيات، قيم)، كانت تشق لنفسها مجار غير مرئية في التاريخ، عبر المخطوط أو الكتاب أو الاحتكاك الإنساني (تجارة، بعثات، تعلّم، تعليم)، إنها مجار سليمة كانت تتم وتنحفر في العقول والنفسيات والذهنيات بمعزلٍ عن الحروب أو على موازاتها أو كنتيجة لها».

والثالث من بحوث هذا المحور تحت عنوان: «أهمية الحوار والتواصل بين الحضارات» للبروفسور دومينيك ماليه (مدير المعهد الفرنسي للدراسات العربية في دمشق) بدأها بالقول:

«أودّ في البدء أن أتوجه بشكري الجزيل إلى الصديق الزميل الأستاذ الدكتور آذرشب بدعوة المعهد الفرنسي للدراسات العربية بدمشق إلى المشاركة في هذا المؤتمر.

والواقع أن مشاركتنا هذه تمثّل خطوة جديدة على طريق التعاون المثمر القائم بين معهدنا وبين المستشارية الثقافية الايرانية بدمشق.

فقبل عامٍ من الآن أتيحت لي فرصة تقديم محاضرة عن ابن خلدون في هذه المكان بالذات … محاضرة تمحورت حول التفاعل الثقافي المتبادل بين الفرس والعرب.

كما قدّمت زميلة لنا الدكتورة «هيلين بيلوستا» محاضرة عن انتقال العلوم بين الفرس والعرب …

وكان الأستاذ الدكتور آذرشب قد لبّى مشكوراً قبل أشهر دعوتنا لإلقاء محاضرة في المعهد عن مفكرٍ إسلامي بارز ألا وهو «محمد بن عبد الكريم الشهرستاني» صاحب كتاب «الملل والنحل».

ولا يخفى على أحد بأن هذا التعاون المتبادل بيننا هو شكل من أشكال حوار الحضارات، لقد كنت قبل أسابيع قليلة قد قدمت مداخلة في إطار الأسبوع الثقافي الذي نظمته «مكتبة الأسد» حول موضوع الاستشراق … وذلك على هامش معرض الكتاب … ومع أن مداخلتي تلك قد جوبهت بردة فعل عنيفة من قبل بعض المستمعين إلا أنني رأيت فيها - أي في ردّة الفعل - دليلاً على حيوية حوار يشكّل مدخلاً لكل لقاء وتفاعل مثمرين. إن الحوار هو مفهوم فلسفي ! وكان «سقراط» أول من أدخله إلى الحقل الفلسفي فجعل منه الممارسة الوحيدة الممكنة للفكر الفلسفي، ونظر «أرسطو» إلى الحوار باعتباره جزءاً من المنطق وأطلق عيه اسم (الجدل) الذي أصبح منذ ذلك الحين في يد الإنسان أداة من أدوات تمييز الحق عن الباطل.

وفي هذا السياق لابد من الإشارة إلى التوافق الذي قام بين منطق اليونان وفن المناظرة في الأدب العربي ! وكانت الثقافة العربية قد تركت لنا تراثاً عريقاً في الحوار بين الحضارات. والمثال الأبرز على ذلك تجلّى في المناظرة الشهيرة التي دارت بين (أبي بشر) متى بن يونس - معلم الفارابي - وبين (أبي الحسن بن عبد الله بن المرزبان السيرافي) في علاقات بين المعاني والألفاظ ومنطق أرسطو بالنسبة إلى العرب. وهي المناظرة التي رواها «أبو حيان التوحيدي» بأسلوبه الرائع في كتاب «الإمتاع والمؤانسة» وفي «كتاب المقابسات…».

ثم تحدث ماليه بعد ذلك عن تجربة «المعهد الفرنسي للدراسات العربية» في إغناء الحوار بين الثقافات.

***

بقي أن نقول إن كل بحث من بحوث المؤتمر تلاه تعقيب، وشارك في تلك التعقيبات المعدّة مسبقاً:

د. رضوان زيادة، الاستاذ عمر كوش، د. محمد الارناؤوط، الاستاذ أنور أبوطه، د. غريغور مرشو، والاستاذ زكي الميلاد، والدكتور ماهر الشريف.

كما كان للحاضرين مداخلات وحوارات ضمّها جميعا كتاب «محاضرات في حوار الحضارات» وهو الكتاب الخامس من سلسلة «كتاب الثقافة الاسلامية».

جدير بالذكر أن المستشارية الثقافية الايرانية بدمشق أقامت بعد سنة ٢٠٠١ مؤتمراً هاماً تحت عنوان: «كيف نواصل مشروع حوار الحضارات»، وصدر فيه كتابان سنعرضهما في العدد القادم من المجلة باذن الله تعالى.



[ Web design by Abadis ]