ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 نظرية التصابي عند بن نبي و أفق النقد الحضاري \ بوعرفة عبد القادر

ملخّص

إذا كان لينين قد ألّف «مرض الطفولة اليساري» ليبين فيه مايمكن أن تقع فيه الحركة اليسارية من أمراض الطفولة أو التصابي فان مالك بن نبي تنبّه في وقت مبكر الى مايمكن أن تقع فيه الصحوة الاسلامية المعاصرة من أمراض مرجعها الكبت والشعور بالنقص والهزيمة النفسية وأهمها دأء التكديس والهذر الكلامي وداء الوثنية، ويرى أن هذه الأمراض تكدست نتيجة انحدار منحنى الحضارة الاسلامية بعد دولة الموحدين.

إن الإنسان كمشكلة جوهرية في العالم الإسلامي، لها أبعاد في شتى ميادين المجال الحضاري، ومن الواضح أن مالك بن نبي حاول من خلال رصد إشكالية الإنسان أن يبين وجود حالة مرضية أصابت إنسان ما بعد الموحدين الذي يرمـز

إلى عصر الانحطاط، وتلك السمات المرضية العامة والخاصة تكون بمثابة المرآة العاكسة له.

والمرض الحضاري سماته في الغالب يمتد زمنها قرونا في الذات، تعمل على إبراز صبيانية الإنسان، ولقد اصطلح مالك بن نبي على تسميتها بالأمراض شبه الصبيانية مع العلم أن لينين سبقه إلى ذلك عندما درس الماركسية وما سيترتب عنها من نقائص وسلبيات نتيجة الوعي الزائف والمرض الصبياني.

وللإشارة أن السمات المرضية تعرض إليها كثير من المفكرين العرب المعاصرين، غير أن الدراسة اقتصرت على جانب دون آخر، فالجابري مثلا درس سمة مرضية تتعلق بالعقل العربي من ثنايا أزمة الخطاب العربي المعاصر، كما تعرض محمد محي الدين إلى سمة الفخر والتغني بالماضي. ونحن نعلم أن علم النفس المعاصر يربط العرض النفسي أو العصبي بالحالات النفسية للأنا وخاصة اللاشعور، وعليه فكل سمة من تلك السمات تعتبر كعرض مرضي للأنا الإسلامي.

وفي هذا المقال سنعمل على تبيان أين تكمن أزمة الإنسان، ويتطلب البحث والتقصي عن الأمراض الصبيانية، دراسة مسحية لجل مؤلفات بن نبي.

وقبل خوض غمار التحليل والتقصي، لدي بعض الملاحظات لابد أن نشير إليها في المقدمة:

١_ الأمراض الصبيانية الخاصة بإنسان ما بعد الموحدين أنتجتها ظروف كونية تتعلق بمسألة الدورة أساسا، وبالتالي هي حالة تصيب كل إنسان عرف الحضارة. تعرض لها إنسان الرومان قديما كما بيٌن مونتسكيو ذلك في كتاب «تأملات في أسباب عظمة الرومان وانحلالها».

٢ - العامل الاستعماري نمى الأمراض شبه الصبيانية عن طريق حلبة الصراع الفكري من أجل تمديد عصر السبات الحضاري.

٣ - الأمراض شبه الصبيانية تجعل الإنسان يركن إلى الغريزة وتفقد الروح فرقدها والعقل نوره، ويغدو الإنسان مجرد طفل حضاري، وشبه مالك بن نبي المرحلة التي يعيشها المسلم من عصر مابعد الموحدين بمرحلة الطفولة لدى الكائن البيولوجي.

٤ - الأمراض شبه الصبيانية تنتج عطالة في ثلاث قوى، العقل، القلب، اليد، وبالتالي تنتج ثلاث أزمات: أزمة عقل انعكست سلبا على التفكير وأنتجت إما فكرا ميتا أو مميتاً، وأزمة روحية مست النفس فكان الانزواء والانطواء الحضاري، وأصبح الدين مجرد طقوس وعادات، والأزمة الثالثة تجلت في الإنتاج والاستخلاف، فلم تزرع اليد ما تأكل، ولم تنسج ما تلبس، ولم تصنع بما تعمل.

٥ - الأمراض شبه الصبيانية تدخل تحت إطار «ما ضد الإنسان»

anti - homme) ) وبالتالي تعتبر نقطة خطيرة في مجال البعث الحضاري، لأنها مرتبطة بالمرحلة الأخيرة تعكس مرحلة الوهن الفكري والنفسي الناتج عن تراكم مجموع الأمراض، التي أدت إلى إخراج المسلم من المركزية الحضارية والتاريخية إلى هامش التاريخ أو مزبلة الحضارة كما قال بن نبي، إذ تحوّل الإنسان إلى مجرد صبي في حركة الحضارة والتاريخ.

٦ - الأمراض شبه الصبيانية تعكس أن مشكلة العالم الإسلامي تكمن في النموذج، وأن الذوق العربي هو نفسه مريض، يقول مالك: «فالذوق العربي لا يدرك تماما استغرابه، لأنه لم يفكر في مشكلة النموذج».

وعليه: ماهي أبرز السمات المرضية؟ مامدى تأثيرها في المسار الحضاري للإنسان؟ وما مدى قيمة إدراكها في بعث الإنسان وإعادة صياغة النموذج المفتقد؟

أولاً: سمات المرض النفسي لإنسان مابعد الموحدين

إذا كانت القابلية للاستعمار السمة البارزة في نفسية إنسان العالم الثالث على العموم، فهذا يعني ارتباطها بالنفس من منطلقات اللاشعور الجمعي، الذي نلاحظ ملامحه في النكوص الحضاري، أو نزعة التبرير… الخ.

وإنسان مابعد الموحدين دخل مرحلة الكبت والشعور بالنقص فتكونت في آناه جملة من العقد جعلت المجتمع الإسلامي مجتمعا مذرذراً (مفككا)، عاجزا عن القيام بأي عمل خلاق يمليه منطق التحدي والرد – الاستجابة – (DEFI - RIPOSTE).

والنفس الاجتماعية تصاب بجملة من الأمراض والأعراض، يمكن للدراس أن يستقرئها من خلال عمل فكري جاد للعالـم الفرنسي غوستاف لوبون حين حلل نفسية الحشود في كتابه «روح الاجتماع»، ويظهر أن مالك بن نبي أدرك هو الآخر أن الأفول الحضاري لا ينتج سوى حشودٍ بشرية، تشبه قطعان الغنم، فبرغم كمها العددي فهي لا تقدر أن تصنع لنفسها عالم أشياء أو أفكار، لأن العطالة مست جميع نواحي الحياة، ويتزامن مع العطالة عرض نفسي أخطر من الداء نفسه يتمثل في أعذار العطالة التي نلاحظ وجودها في أبسط أعمالنا اليومية.

والسّمات النفسية التي تعكس الأمراض شبه الصبيانية يمكن حصرها على النحو التالي:

١_ نزعة التسامي والتعالي: مركب النقص تجاه الحضارة الأرو – أمريكية وثقافتها المادية، جعلت الذات العربية المعاصرة تسلك مسلكا سحرياً تمثل في النكوص إلى الوراء، عن طريق امتداح الماضي وفق أدب الفخر وذكر مناقب السلف. والخطاب الرومانسي الحالم، وبدل أن يثمر العمل ويخلق في الذات رغبة قوية في التقدم نحو النموذج الغالب، خلق مرضا نفسيا تمثل في ذهان التعالي الذي يعكس أزمة تراجيدية تجلت في سلوك إضطرابي مفعم بالهيجان العاطفي المدمر، من أبرز نتائجه تعدد النكسات والهزائم المتكررة على يد ثلة من البشر، فنفسية الشعور بالعملقة مجرد حلم يقظة، يخفي حقيقة الأنا القزمية معنويا، فكل ذات عندما تفقد عناصر التحدي وآليات التكيف، يسيطر عليها ذهان الاضطراب السلوكي، الذي يمكن أن نصطلح عليها بالهستريا الحضارية التي تنتاب الذات العربية منذ الأفول، فتلجأ إلى أسلوب حيوان النعام – أي دفن الرأس في الرمال – والرمال ليست بالنسبة لإنسان مابعد الموحدين سوى ذلك العالم السحري المليء بالفخر والزهو، وخطاب «كنا» أو نحن الأولى عرف الزمان… الخ.

وعقدة التسامي يراها المستشرق هامتلون جب إحدى العوائق التي تجعل العقل الإسلامي عاجزا عن فهم مشكلاته الحقيقية، ونفس الرأي تقريبا ذهب إليه الدكتور عبد اللطيف عبادة حين قال: «إن استخدام نزعة المديح وأدب الفخر والتمجيد كوسيلة للتغلب على مركب النقص الذي اعترانا إزاء سلطان الثقافة الغربية، واضح أنهما وسيلة للتخدير والتسلية تعزل الفكر والضمير عن الشعور بالمتاعب الحقيقية».

والثقافة عند أي شعب ما إذا اتجهت إلى الماضي مدحا وتمجيدا فقط، فإنها تعلن موت أهلها وفقدان أدنى حضور في مجرى أحداث عالم الكبار.

والعالم الإسلامي ثقافته المعاصرة يحددها مالك بن نبي في قوله: «فحين اتجهت الثقافة إلى امتداح الماضي أصبحت ثقافة أثرية، لا يتجه العمل الفكري فيها إلى الأمام بل ينكص إلى الوراء، وكان هذا الاتجاه الناكص المسرف سببا في انطباع التعليم كله بطابع دارس لا يتفق ومقتضيات الحاضر والمستقبل، وبذلك أصيبت الأفكار بظاهرة التشبث بالماضي، كأنها قد أصبحت متنفسا له».

إن عقدة التسامي والنزعة الماضوية أصابت الطبقة المثقفة العربية خاصة إذ نلاحظ في المجال ذاته العديد من الكتابات تصب في الفخر والمديح والغوص في أعماق التاريخانية، ككتاب «أصالة الفكر العربي» لعبد الرحمن مرحبا، أو مؤلفات عبد الحليم محمود.

٢ - ذهان السهولة والاستحالة: تبني مالك بن نبي نظرية الحدين، التي تعكس أن الفكرة أو الشيء يقع بين طرفين متناقضين: الإفراط والتفريط، وضعهما كمقياس ومعيار فعالية الأشياء أو عدمها، والإنسان السوي هو من يستطيع أن يساوي بين الحدين ولن يستطيع ذلك إلا في حالة وجود نسبة متساوية بين الاستجابة والتحدي، وعندما تفقد تلك السمة يصبح الإنسان غير سوي، تتحكم فيه عقدتين فإما يفرط أو يفرّط.

وإنسان مابعد الموحدين أصيب بذهانين (deux psychoses) السهل والمستحيل وذهان السهولة ينطلق من شعار «كل شيء سهل» مما يوحي بعدم الجهد أو النشاط ويفضي إلى الكسل والدعة، فالمسلم اللاشاهدي يسهل الأمور حتى تعتقد أن الأمر لا يحتاج إلى أدنى طاقة أو عمل، مما يؤدي إلى عدم التخطيط والتقدير، فيظهر داء التأجيل أحد ألد أعداء الوقت، وبالتالي يحدث الشلل الاجتماعي لخلل الوظائف في السلم الاجتماعي، يقول مالك بن نبي: «طالما ظل الفكر عاطلا منعدم التأثير بقي النشاط حركة وفوضى، وتزاحما يبعث على الضحك والرثاء، وليس هذا سوى شكل من أشكال الشلل الاجتماعي».

وليت الأمر توقف عند ذهان السهولة فحسب، بل امتلكه ذهان أخطر من الأول، تمثل في ذهان المستحيل الذي نراه في شمال إفريقيا تحويه ثلاث شعارات:

أ_ لسنا بقادرين على فعل شيء لأننا جاهلون (نقص العلم).

ب – لسنا بقادرين على أداء عمل ما لأننا فقراء (نقص المادة).

ج – لسنا بقادرين على تصور الأمر لأن الغزو الثقافي ببلادنا (التبعية).

ومن خلال الشعارات السالفة نلاحظ أن العطالة مست ثلاث جوانب في الإنسان (أ= عطالة الروح والقلب)، (ب = عطالة اليد)، (ج = عطالة العقل).

وذهان السهولة والمستحيل يعدم العلاقة بين الفكر والنشاط، ويجعل الفوضى تسود الأعمال، فيسود الاضطراب ويجد الإنسان نفسه في حالة هيجان تعكس فشله، فتتصدع العلاقة بين ذاته والموضوع، يعبر مالك عن هذه الحالة بقوله: «فلكل نشاط عملي علاقة بالفكر، فمتى انعدمت – هذه العلاقة – عمي النشاط واضطرب، وأصبح جهداً بلا دافع، وكذلك الأمر حين يصاب الفكر أو ينعدم فإن النشاط يصبح مختلا مستحيلا، وعندئذ يكون تقديرنا للأشياء تقديرا ذاتيا، وهو في عرف الحقيقة خيانة لطبيعتها وغمط لأهميتها، سواء كان غلوا في تقديمها أم حطا من قيمتها».

وتبرير عدم القدرة على فعل نشاط ما بالمستحيل، ينبئ أن الإنسان بلغ من التسيب الحضاري درجة قصوى، يجعل منه مجرد كتلة من اللحم متحركة، واستعمال بن نبي لفظ «خيانة» يبرز أن منطق السهل والمستحيل جعلا العالم الإسلامي يفقد الفعالية الحضارية والمغامرة المتجلية في الفتوحات الإسلامية وتحمل الصعاب والمشقة.

فإنسان بدر لو عمل يمنطق إنسان ما بعد الموحدين ما كان أبدا ليؤسس دولة المدينة، ثم يبعث جيوشه لتفتح العالم للمرة الثانية في تاريخ البشرية بعد الإسكندر المقدوني.

إنها لخيانة عظيمة للحضارة وروح الانتماء عندما يسيطر ذهان السهولة والمستحيل على عقليات أفراد المجتمع، بل إنها مطية للاستعمار مهما كان لونه ونوعه، يقول مالك بن نبي في هذه النقطة بالذات: «وهذان الشكلان من أشكال الخيانة يتمثلان في العالم الإسلامي الحديث، في صورة نوعين من الذهان فإما أن يتمثل في صورة النظر إلى الأشياء على أنها سهلة ميسورة أو تأخذ صورة النظر إليها على أنها مستحيلة، فيصاب النشاط بالشلل».

لقد كان الأمر فعلا كما قال، فلقد سهل التصور العربي قضية فلسطين التي تعكسها مقولة: «ماهي إلا جولة ونرمي باليهود في البحر» لكن الذي رمي به في البحر لم يكن سوى من كان يأمل ذلك في أحلام اليقظة سنة ١٩٤٨ و ١٩٦٧، وغيرها من المواطن.

٣ - داء التكديس: يعتري الإنسان العاجز مرض نفسي يتمثل في التكديس، ذلك أن إنسان الكتلة يعتقد أن المخرج من الأزمة الممتدة في ضميره تكمن في نقص الأشياء، لذا لجأ إلى تكديس أغلب الأشياء، والتكديس ظاهرة عامة في العالم الإسلامي، فكم من ورشة ومؤسسة تعمل على جلب الوسائل الحديثة، لكن بدل استغلالها واستثمارها في مشاريع تنموية، تقبع في مستودعات ومخازن، تفقد قيمتها يوما بعد يوم.

ولقد حذر فرانسيس بيكون المجتع البريطاني من داء التجميع والتكديس واعتبره أحد أوهام العقل، وأبرز سمة مرضية في نفسية إنسان العصور الوسطى، ولقد شبه بيكون العملية التكديسية بالتجميع النملي، ذلك أن النمل يعمل على تكديس المواد دون بنائها في حين أن النحل يبني ثم يكدس. والتكديس كسلوك مرضي لا يحل المشكل بقدر ما يزيد في عمق التخلف، وتدهور قيمة الإنسان مهما كانت منزلته الاجتماعية.

وداء التكديس مس الفلاح والتاجر والقائد والمثقف والطالب، وأخطر مظاهر التكديس على الإطلاق ما تعلق بالأفكار، فالثقافة الإسلامية المعاصرة تزخر بكم هائل لا طائل منه من المعلومات والمعارف، ولم تفد المسلم في حياته ولا معاركه ولا تحدياته، بل كانت سببا في هزائمه، وتخلفه. إن من يكدس أطنان الحديد والإسمنت والحجارة، لا يبني أبدا بيتا، لأن مايكدس يدخل في نطاق الضائع.

٤ - داء الرفض: من علامات التحضر في أي شعب ما وجود التطهير الذاتي كمبدأ روحي وعملي معا، لأنه يعكس سلامة الأنا من داء نفسي خطير، يتجلى في مرض الرفض «لا». إن إنسان ما بعد الموحدين نتيجة النرجسية وعقدة التسامي اتخذ الرفض أسلوبا وفلسفة سحرية، والغرض من ذلك الهروب من التطهير الذاتي الذي يحصل وفق منهج الاستبطان الجمعي، لأن الذات المهزومة تخشى أن ترى نفسها في مرآة الكف.

والأمر الثاني: إثبات وجود الأنا ولو كانت مجرد شبح أو كتلة، والرفض في نفسية العربي والمسلم لا يستند إلى المعقول أو المنطق بل إلى اللامعقول، تتحكم فيه الأهواء والأوهام. ويرى بن نبي أن الرفض ينميه موجهو الصراع الفكري من أجل تعطيل العقل النقدي. والرفض لم يخدم إنسان مابعد الموحدين إلا نادرا، لكنه خدم الفكر الموازي (الاستعمار) إنه يتجلى في عالم السياسة، فالزعيم السياسي يعتقد الرفض ميزة والنقد ضعفا، كما نلاحظه في شخص الفقيه عندما لا يعترف بالخطأ في الفتاوى حتى وإن برهنوا له على فسادها من صحيح الكتاب والسنة.

وعقدة الرفض يعتبرها مالك بن نبي عائقا مشلا لمصالح الأمة، يقول في هذا السياق ما يلي: «ويجب أن أضيف بأنها لم تكن المرة الأولى، التي يعترضني في الطريق هذا العائق المشل (الرفض)، والذي يبدو لي الآن، بعدما مر بعض الزمن، أنه لم يعق في شيء مصالح الاستعمار، وإنما أعاق القضية الوطنية».

وعقدة الرفض تفسر فشل المشاريع التنموية والإصلاحية، لأن الوثن البشري يرفض الفكرة الجديدة. والصين على سبيل المثال لما انتهجت فلسفة النقد الذاتي بعد الثورة الشعبية، استطاعت أن تتخلص من عقدة الرفض، فاتجه الإنسان الأزرق (*) كما ينعته الغرب إلى البناء وفق مبدأ الانسجام والتناغم دون عقدة الرفض، وإن بلدان كالجزائر قبل الثورة وبعدها يعكس مدى شدة سلوك الرفض خاصة عند الطبقة السياسية.

يقول مالك بن نبي وقد بدأ التأثر والحسرة من ثنايا خطابه محاولا إصلاح الحال: «وكم نود هنا في بلادنا أن نتخلص من عقدة الرفض التي طالما سدت الطريق أثناء الثورة على أن كل نقد سيكون في صالح الاستعمار».

٥ - النزعة الرومانسية الحالمة: الأمراض الطفولية على حد تعبير بن نبي تنتج مرضا معنويا يتجسد في الرومانسية الحالمة التي تخضع إلى الخيال الجانح والأوهام والبلاغة المبتدعة، وتغدو الثقافة حرفة وأبرز سمة لها على وجه الخصوص حضور فكرة «نحن كاملون»، فلا نقص يعتريها ولا تحوّل يدركها. وتصبح الرومانسية الحالمة بالكمال الوهمي بلاء على الذات، يقول مالك بن نبي: «ومصدر هذا البلاء معروف، فمن المسلم به الذي لا يتنازع فيه اثنان أن الإسلام دين كامل، بيد أن هذه القضية قد أدت في ضمير ما بعد الموحدين إلى قضية أخرى هي: «نحن مسلمون، إذن نحن كاملون».

ثانيا: سمات مرض عقل ما بعد الموحدين

قدس الإنسان منذ القدم العقل، وأصبح معيار التفكير والتميز الإنساني، ولقد اتخذ عند اليونان مفهوم (اللوغس) وعند الفرس (النومس) وعند الفراعنة (ماعت)، والعقل عند العرب من فعل ثلاثي عقل بمعنى ربط أو أوثق والقصد من ذلك ملكة ربط الأشياء والأحكام بعضها ببعض حتى تعطي معنى واضحاً مدركاً، والعقل عموما هو ملكة التفكير من موازنة ونقد وحكم وإدارك.

غير أن العقل الإنساني يسير جنبا إلى جنب مع التاريخ، وبالتالي يعتريه التحول والتبدل، ويدخل في نطاق الأمراض شبه الصبيانية حيث تتجلى سماته المرضية فيما يلي:

١) - الذرية (ATOMISME) عندما نستعمل منهج الحفر الأركيولوجي في دراسة العقل البشري، فإننا نلاحظ وجود طبقات عقلية على غرار طبقات الأرض، وكل طبقة عقلية تعكس مستوى الإنسان الفكري وما كان عليه في الماضي.

كما يتبين أن العقل يخضع لقانون الدورة، فعند مرحلة الميلاد الحضاري يكون حضوره بعد الروح التي تحتل المركز الأول، وعندما تبدأ المرحلة الثانية (القوة) يكون العقل هو مركز الحضارة.

بيد أنه في المرحلة الثالثة (الشيخوخة) يصبح العقل مهمشا وتطغى عليه سمات مرضية نخص منها على الخصوص الذرية.

والذرية نزوع العقل إلى التجزئة والذرذرة الفكرية، وتصبح المشكلات العامة مجرد أجزاء مفككة، كل جزء قائم بذاته في تصورات العقل، وبالتالي تغدو مجرد أكوام، تفقد صورة التكامل وتبتعد عن منهج التركيب المتآلف.

إن الذرية علامة من علامات عجز العقل أو أزمته، والعجز أدق من الأزمة، لأن الأزمة قد تكون حاضرة حتى في مرحلة قوة العقل وشموليته، لكن العجز مرتبط بالانحطاط.

ويذكر مالك بن نبي أن المستشرق الإنجليزي هاملتون جب أستاذ بأكسفورد، اتهم العقل الإسلامي بالذرية في كتابه ( LES TENDANCES MODERNES DE L’ISLAM) أي (الاتجاهات الحديثة في الفكر الإسلامي) ومالك لا يوافق جب في جوهرية الذرية في العقل الإسلامي، لأن الذرية حالة من حالات كل عقلي، تتجلى في مرحلة البداوة والبدائية التي تصيب الكائن الحضاري وفق مبدأ الحتمية التاريخية.

والعقل الأوروبي شهد ذرية قاتلة قبل عصر ديكارت، أي عندما كان الغرب يعيش عصور الظلام على نحو اصطلاحه وفلسفته.

وبالتالي فالذرية ليست سمة فطرية في العقل الإسلامي وإنما يكتسبها الإنسان غالبا في خطواته الأولى، كما كانت الحال في أوروبا قبل ديكارت وكما صارت إليه الحال بعد عصر ابن خلدون في العالم الإسلامي، عندما توقف كل جهد عقلي.

والذرية تعمل على تضييع الوقت الذي هو ثالث قطب للحضارة، وبدل أن يدرك العقل المعضلات الحضارية ومسوغات حلها فإنه يتجه نحو الاهتمام بأجزائها المتناهية في الصغر. حتى وإن استطاع فهم بعض الذرات من أزمتنا وقضايانا، فحتما أن إدراك الجزء لا يغني عن الكل شيئا.

ولم تستطع النهضة تعديل العقل أو إصلاحه، بل العكس تماما وقع العقل الإصلاحي في الذرية، كما نلاحظ ذلك عند محمد عبده ومحاولة الاستنجاد بالعقل الكلامي لفهم قضايا عصرنا.

والذرية رغم كونها مجرد عرض إلا أن الفكر الإسلامي لم يستطع التحرر منها، قياسا بالعقل الياباني الذي عدلها في غضون نصف قرن من عمره الحضاري، يقول مالك بن نبي: «فلن يكون هذاالعجز سوى عارض خاص بعقل مابعد الموحدين، ولم تستطع – الاستطاعة عند بن نبي تكمن في التفعيل – الحركة الحديثة أو حركة الإصلاح تعديل الاستعداد العقلي في هذه الناحية تعديلا جوهريا».

والذرية تعكس مأساة إنسان استيقظ دون (هزة قلب)، ودون توتر فكري، أو قلق حضاري يدفعه إلى التقدم وتحقيق النموذج.

٢ - داء الوثنية: التقديس أحد ملامح السلوك البشري منذ القديم، وكان أول ما قدسه الإنسان البدائي الطبيعة التي كانت مصدر دهشته وحيرته، ثم ما لبث أن تحول التقديس إلى تأليه، فصارت من جملة الأوثان التي تعبد. وكانت مهمة الأنبياء القضاء على الوثن المجسد كما فعل إبراهيم ومحمد (ص)، وإذا كان تحطيم الأوثان المجسدة يحتاج إلى دعوة ورجال يحملونها، فإن العقل البشري عرف أوثانا غير مجسدة لا تشغل حيزا مكانيا، بل تربض في العقل ذاته، وإذا كان الرسول قد نجح في تحطيم أوثان الكعبة فإن العقل الإسلامي صنع من جديد أوثانا جديدة أخطر من الوثن المعبود، لأنها قضت على الإنسان الشاهد قضاء حضاريا.

وعندما ندرس فكر فرانسيس بيكون نلاحظ وجود نظرية الأوهام أو الأصنام المتعلقة بالعقل (the idol of the mind) والتي حددها في خمس عناصر.

١_ صنم القبيلة (the idol of tribe) يتركب من العادات والتقاليد والأساطير والقيم العرفية.

٢ - صنم السوق (the idol of the market) يتركب من معاني اللغة وآلياتها.

٣ - صنم الكهف (the idol of the cave) تصورات الذات المنطوية في عالمها السحري المغلق.

٤ - صنم الكنيسة (the idol of the theater) تكونه أعمال السلف التراثية وفلسفة وعلومهم.

٥ - صنم الكنسية (the idol of the church) المعتقدات الدينية المتغذية بروح الدوغمائية المطلقة.

وإذا كان بيكون يدرس العقل الغربي في عصره، ويكتشف أوثانه المعيقة فإن مالك بن نبي درس هو الآخر العقل الإسلامي المعاصر، واكتشف وجود أوثان تصارع الأفكار الأصلية، وهذا ما نلاحظه في كتابه «مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي» حين وضع فصلا بعنوان «صراع الفكر والوثن».

وأخطر الأوثان ما تجسد في صورة الدرويش أو (الولي) ثم في شخص الزعيم السياسي. والعلاقة بين الفكر والوثن على مر التاريخ تتجدد في عدة صور، فكلما سقط الوثن أمام تحدي فكرة أصلية، أعقبه إنسان ما بعد الموحدين بوثن جديد، وجدلية الفكرة والوثن يحتدم صراعها عندما يفقد العقل القدرة على الإدراك والتفكير الصحيح، فالإنسان الصحيح هو صاحب التفكير الصحيح.

والعقل الإسلامي منذ الانحطاط يعيش في دوامة الأوثان، مما نتج عنه ضعف العلاقات وتمزق الشبكة الاجتماعية، وعودة عقلية التجمع المفكك. ويلخص بن نبي الجدلية السابقة في قوله: «هذه الجدلية تحدد طبيعة علاقة الفكرة – الشخص، التي تنقلب عند التطرف إلى علاقة فكرة – وثن، وبفضل تلك العلاقات المنجرفة نحو التطرف فإن الشعب الجزائري أقام قبب مرابطيه وأوليائه، وحافظ على عكوفه عليهم عبر قرون مابعد الموحدين».

وأنا أخط هذه الأسطر، رأيت أوثانا جديدة تأخذ مكانها في عقل إنسان مابعد الاستقلال، تتمثل في الحزب السياسي. لقد غدا في ذهنية المواطن صنما يعبد دون طقوس، إن أزمة الجزائر الراهنة تعود إلى سيطرة أوثان جديدة صنعتها السياسية المنحرفة والتي هي أقرب إلى البوليتيك العامي منها إلى الفكر السياسي.

٣ - النزعة التبريرية والعقلية الجدلية: الإنسان ميال بطبعه إلى الجدل والتبرير، إلا أن الميل قد يتحول إلى مرض نفسي يسلب العقل طابعه النقدي ويفقده القدرة على الربط والموازنة، وإنسان مابعد الموحدين طغى على جل أعماله سواء العلمية أو العملية، الفكرية أو الأدبية طابع الجدل الكلامي والتبرير اللامعقول. والحركة الإصلاحية وقعت في مطب الداء السابق، فخلقت عقلا يلجأ إلى التبرير كلما حضر مركب النقص في ذهنه، فمسألة التحضر والتقدم تأخذ منعرجا خطيرا، إذا ما دخلت الدول الآسيوية نطاق المقارنة خاصة كاليابان مثلا، فنرى العقل يبرز أسباب تقدم اليابان وتأخر المسلمين، والمثال ما كتبه شكيب أرسلان وأبو الحسن الندوي.

والعمل الثقافي يبقى مجرد نشاط عضوي فقط، خال من أي عمل بنائي هادف، بل يحمل في ذاته عملا دفاعيا لا غير. والجدل آفة العقل حتى ولو كان العقل صائبا في تصوره، لأن الجدل مطية الكهفية والنرجسية، فالعقل عندما يصاب بداء الجدل لا تصبح الحقيقة غايته ولا المعرفة سبيله، بل الغاية الانتصار ولو بالغلط ودفن الحقائق، وهذا ما عبر عنه الدكتور برهان الدين غليون بالعقل السجالي (**).

ولقد أدرك ابن رشد مشكلة العقل الجدلي، فحاول معالجة الأمر عن طريق تأسيس عقل جديد يحمل طابع التوفيق، لكن الدورة الحضارية لم تسعفه لأن العقل الإسلامي كان يتجه صوب دائه. ويتجلى داء الجدل في واقعنا المعاصر تجليا واضحا في مواقف المفكر والمثقف والأديب الذي لا يريد أن يسمع لخصمه أو منتقده، فلا تهمه الحقيقة إن كانت في غير مذهبه ونحلته. فالمصلح الديني لا يسمع للمفكر اليساري أو اليميني، والعكس صحيح، رغم وجود نقاط مشتركة لو اتفقوا عليها لأمكنهم حل كثير من الأزمات. يقول مالك بن نبي: «لم يكن المتجادلون يبحثون عن حقائق وإنما عن براهين، ولم يكن المجادل ليستمع إلى محدثه، بل كان يغرقه في طوفان من الكلام. والجدل من أضر الأمور على كيان الأمة، إذ هو يقوم في عمومه على هيام أحمق بالكلمات».

وتشير المصادر التاريخية أن أهل القسطنطينية غرقوا في جدل عقيم حول مسألة الأسبقية في الوجود (البيضة أم الدجاجة؟ ) بينما جيوش محمد الفاتح تدك أسوار المدينة وتقتحم أطرافها.

إن الجدل عندما يقترن بالعقل الطبيعي يولد عقما وشللا قاتلا، ولم يحدث في تاريخ الفكر البشري أن انتصر العقل الجدلي، بل كان دوما مرتبطا بالانحطاط وبداية الأفول، والعصر العباسي الأخير غرق مثقفوه في الجدل، حتى فقدوا العقل الراشد واكتسبوا العقل التائه، الذي مهد للمغول تقويض الحضارة الإسلامية.

ثالثا: سمات مرض السلوك الاجتماعي

أمراض النفس والعقل تنعكسان على السلوك العام للمجتمع، فيكون السلوك مطابقا للمبدأ السيكولوجي والعقلي، وعلى هذا الأساس فإن السلوك الاجتماعي لإنسان مابعد الموحدين أصيب بالأمراض شبه الصبيانية، وتجلت أعراضه في عدة سمات مرضية نخص منها مايلي:

آ) داء اللفظية: (العائق اللغوي) عندما تنطوي النفس على أغوارها العميقة في متاهات اللاشعور الجمعي وينصاع الأنا للهو، يجد السلوك الغريزي طريقا سهلا للتواجد والتحقيق. وتتعمق الأزمة عندما يفقد العقل رشده ويسبح في يم التيه، ساعتها يتجه السلوك العام للجماعة إلى مواطن القداسة، ومن أهمها اللغة، إذ ينشأ سلوك سحري غريب، يتجه نحو اللفظية المتمثلة في إجادة الكلام والهيام به، وتصبح الألفاظ معيار الكمال وتمام بلوغ المرام، وبدل أن يكون العقل والقلب واليد معايير الوجود، يصبح اللسان وما يلوك من ألفاظ خلابة قد لا تحمل أية معنى ولا فكرة، ونلاحظ داء اللفظية يتجلى في عدة مظاهر.

التربية التقليدية (التعليم) اتسم بالطابع البلاغي الأدبي، واقتصر التحصيل على مدى قوة المتعلم في إجادة الكلام، وكثرة التأليف وقوة حوصلة العلوم في قوالب الرجز الشعري. ولقد ذكر ابن خلدون في مقدمته كثيرا من سلبيات إنسان مابعد الموحدين، تخص ما نحن بصدد تحليله، وبخاصة الفصول التالية: .

- فصل في أن كثرة التأليف في العلوم عائقة عن التحصيل.

- فصل في أن كثرة الاختصارات المؤلفة للعلوم مخلة بالتعليم.

واللفظية كسلوك عام جعل المثقف العضوي والفقيه المتمذهب يرى كماله في لسانه، وأن أسماء الشهرة، كالعلامة ووحيد زمانه إنما تكسب بالبراعة في البيان.

ب) عدم ارتباط الكلام بالفعل، وهذا الحال يعكس حدوث تصدع بين «الذات والموضوع»، وبالتالي حدث ما يصطلح عليه في علم النفس «الانفصال».

ج) اللفظ تحول من وسيلة حضارية تترجم الأفكار إلى مجرد شهوة تدفع إلى الكلام كما يدفع الجوع إلى الطعام والجنس للجماع. إن الهوس بالكلام كالهوس بالمخدرات أو السجائر، فإنسان مابعد الموحدين غرامه بالكلام قتله من حيث لا يدري، كما فعل الدب بصاحبه.

د) من المعلوم أن الفكر السفسطائي جعل من الخطاب معيار كمال الإنسان. وكان الخطيب سلطته وشهرته تعلو على حسب مدى صناعة الكلام.

وعصر مابعد الموحدين اتجه نحو نفس الغاية، وكان معيار العالم ماسماه بن نبي «بحر علم» و «حجة الأنام» … ومعيار «وفرة العلم» يترجم أن النموذج الحاضر هو «إنسان الكم».

هـ) ظهور المقدس اللفظي في الثقافة الإسلامية جعل اللغة العربية تصاب بالجمود وفقدان الفاعلية والحركية. ويبين مالك بن نبي داء اللفظية في قوله: «وهنا يؤدي بنا المقام إلى الحديث عن الحرفية، فلقد أبدعت العبقرية العربية أجمل لغات العالم، ولكن هذه العبقرية كانت في موقفها مما أبدعت، كالمثـّال الذي هام بتمثاله، وقد أبدع مناقشه، والغرام بالكلمات أخطر من الغرام بالمعدن أو الرخام أو الحجر، فهو يؤدي أولاً وقبل كل شيء إلى أن يفقد الإنسان حاسة تقدير الأمور على وجهها الصحيح، وهو أمر ضروري لكل جهد إيجابي من أجل البناء».

ولا زال الغرام بالكلمات في الوطن العربي يجد حضوره في الإمام الحكومي والدعوي معا، وفي السياسي والنقابي…… وبالتالي لازلنا نعبد صنما اسمه اللغة.

الحرفية الثقافية

الخطاب العام في العالم الثالث، يبرر التخلف بأمية الإنسان وجهله. فالمثقف في الوطن حيث العربي يعتقد نفسه نموذجا عاملا ومقبولا حين يتحصل على كم من الشهادات، أو التزكيات بالنسبة للمصلحين الدينيين، وحين ينعت في المحافل وعلى صفحات الجرائد بأنه مثقف، والخطورة تتجلى في تحويل الثقافة من رسالة حضارية إلى وسيلة لاكتساب الخبز، وعليه تصبح مجرد حرفة أو مهنة.

١ـ مرض الحرفية يتسم بمظاهر سلبية تفرزها رغبة الذات المهزومة في سلوك «التعالم»، والذي نلاحظه في شتى نواحي الحياة العامة والخاصة. وإنسان ما بعد الموحدين ما إن يتعلم حروفا حتى يخال نفسه صار عالما ومفكرا، والصعوبة تكمن في انعكاس البلاء على التربية والتعليم، وعلى الرأي العام من خلال وسائل الإعلام، وعلى الدين من خلال الإمام المتعالم، ويوضح مالك بن نبي المرض فيقول: «والحقيقة أن منذ خمسين عاما نعرف مرضا واحداً يمكن علاجه هو الجهل والأمية. ولكننا اليوم أصبحنا نرى مرضا مستعصيا، هو التعالم، وإن شئت فقل: الحرفية في التعلم، والصعوبة كل الصعوبة في مداواته، وهكذا أتيح لجيلنا أن يشهد خلال النصف الأخير من هذا القرن ظهور نموذجين من الأفراد في مجتمعنا، حامل المرقعات ذي الأطمار البالية (يقصد رجالات الإصلاح) وحامل اللافتات العلمية (أبناء الجامعات).

وفي بلد كالجزائر لم نستطع في فترة (١٩٨٩ – ٢٠٠٠) أن نميز بين العالم والمتعالم ولا بين السياسي الحق والبوليتيكي المغامر، ولا بين الفقيه والدخيل، ذلك أن أغلب الشعب في لحظة ما، صار متعالما أو سياسيا، وأدنى درجات التقمص تمثلت في الفقيه المفتي الذي استباح ثلث الشعب من أجل تحقيق نموذجه.

إن السلوك الاجتماعي حين تعتريه مثل هذه الأمراض وغيرها يكون بادرة للانحلال والمفسدة، وتقويض معالم المجتمع والمتمثلة في جهاز الدولة وشبكة علاقاته.

٢ - داء الشيئية: الشيء له حضور قوي وسحر في الذات، لتعلقه باللذات والشهوات، وسد الحاجات الملحة، كما يعد عند الشعوب ذات البعد الواحد معيار القوة والحضارة، والسلوك الاجتماعي عندما يطغى عليه الشيء ترى جميع الممارسات تحاول أن ترتكز عليه كمطلب وقاعدة وغاية.

والشيء بكل ما يحمله من أبعاد يعود سلبا أحيانا على الإنسان وخاصة إذا أصبح محور تفاعلات الذات، والإنسان الجاهلي كان غارقاً في عالم الأشياء فتحول سلوكه إلى مادي ولم يخرج نموذجه عن نطاق الشيء (فرس، امرأة، مهند، ولد ذكر، إله من حجر أو تمر… الخ).

وعندما يفقد الإنسان السيطرة على الشيء يتحول فكره وسلوكه الى النزعة التشتيتية، يصبح الكم اللغة السائدة والمعيار الناقد. ومثـّل جمال الدين الأفغاني في تصوراته النزعة الشيئية حين انزلق فكره في عالم الأشياء، وأعتقد أن حل المشكلات الحضارية يكمن في الشيء.

فالهند تمتلك زخما بشريا يفوق سكان بريطانيا أضعافا مضاعفة، ورغم ذلك فالثلة البريطانية استعمرت الكثرة الهندية. وجمال الدين من وهم الفكر اعتقد أن الحل يمكن في كم من الأشياء ينتجه السلوك الاجتماعي الهندي، وعليه لمح للهنود أنهم لوبصقوا على الجزر البريطانية لأغرقوها في بحر من اللعاب.

ولم يسلم التعليم من الشيئية، فلقد اعتقدت المدارس الإصلاحية أن مايصلح التعليم هو إدخال المنضدة والكرسي واستعمال السبورة، لكن العقل العربي لم يفكر في توفير الجو المعرفي قبل توفير الشيء. كما أن العلاقات الاجتماعية نفسها لم تخرج عن إطار التقييم الشيئي.

ولقد أعاق التفكير في «عالم الأشياء» العالم الإسلامي من إدراك جوهر مشكلاته الحقيقية، وخاصة المتمثل في عالم الأفكار وعالم الأشخاص.

وبن نبي يحاول من خلال إبراز الشيئية كنزعة مرضية أن يلفت الانتباه أن الإنسان ليس كما ولا مادة، بل الإنسان جوهر روحي مادي. إن الإنسان ليس في نظر المسلم (الكم) الذي تجري عليه تجارب المخبر، وعمليات المصنع وحاجات الجيش، فالإنسان ليس (الكم) بل (الصفة).

عندما تناقش مشاكل العالم الثالث على العموم، نلاحظ أن الإنسان الجنوبي يجعل تخلفه وانحطاطه يرجع إلى عدم امتلاكه للصاروخ كرمز للدفاع، والهاتف كرمز للاتصال… ولما امتلك في بعض البلدان الشيء لم يستطع أن يحطم صنم التخلف بل العكس تماما كلما وفر الشيء زادت علاقته الاجتماعية سوء وتدهورا.

٣ - النزعة السياسوية وداء العظمة وسلوك الاستبداد: السلطة وبريقها، والعظمة وسحرها، جعلت الصراع يحتدم بين مجموع الأفراد والساسة منذ القدم، ولم يستقم العمل السياسي والممارسة السياسية إلا من خلال الدساتير والمواثيق فقط لكن عندما يكون الشعب في ذروة الحضارة. ولعل أبرز مؤشر لمعالم الانهيار يكمن في السياسة، فلقد ذكرنا سابقا أن مشكلة العالم الإسلامي بدأت حين وقع الشرخ في كيان المجتمع من حادثة السقيفة وصفين. إذ بدأت النزعة الاستبدادية تتجذر في أذهان الحكام ونفسيتهم، ولم تعد العلاقة بين الراعي والرعية كما حددها القرآن، وتمثلت في شخص عمر بن الخطاب، بل أصبح الحاكم يعتبر نفسه الوصي بدون وصاية، والسيد بدون اختيار. فلم يمر وقت طويل حتى شهد العالم الإسلامي فتنا سياسية وحروبا داخلية، ودولاً تنهار وأخرى تقوم، وبدأ المعول السياسي ينخر كيان الأمة نخرا.

والسياسوية نزعة أفرزها العقل الذري، الذي يعتقد أن السياسة هي جوهر المجتمع وأن بإحكامها تنصاع الرعية. ولا يتأتى الأمر إلا إذا كان الحاكم فوق رعيته، ميزته الاستبداد والقوة، وكأني بمكيافيللي لما ألف كتابه «الأمير» كان يعكس صورة المجتمع السياسي في الأقاليم الإسلامية.

ومجتمع مابعد الموحدين، مارس ساسته أشنع صور الاستبداد وغلبت المصالح الشخصية القيم الأخلاقية والإنسانية، وغدا المجتمع مذرذرا مفككا، تسوده الطبقية. ولقد تفطن مالك بن نبي للنتائج المترتبة عن ذلك في قوله: «وإذا ما تعذر هذا العامل (يقصد التعاون بين الفرد والدولة) فإن القطيعة المعنوية سوف تعزل الدولة عن المواطن وتشل الطاقات الاجتماعية، أو تشتتها تشتيتا تكون نتائجه: عدم الانسجام وعدم التناغم، ومعارضات طاغية في فوضى شاملة، يسودها شعار (عليك خاصة نفسك).

والساسة في المجتمعات المتخلفة يتلونون كالحرباء مع أي وضع مستجد، فعندما تتضارب المصالح فلن تكون السياسة سوى دكتاتورية عارمة، كما تعرفها بكل أسف كثير من بلدان العالم الثالث، وهي بالتالي لن تستطيع أن تنسجم في الحقيقة مع مصائر الأمة ولا أن تحقق أهدافها.

وعندما بدأت الشعوب تخرج من نطاق الأمية وتتخطى أوهام العقل رويدا رويدا، بدأت الحرباء السياسية تتلون من جديد بألوان الإغراء والوعود، والشعارات البراقة، خصوصا حين ترفع شعارات خلابة وتصرح بوعود مغرية.

وجملة القول أن السمات السلوكية السابقة هي أبرز مظاهر اللاتحضر، وتعكس مدى سيطرة الوعي الزائف على الذهنيات، وأغلب المجتمعات الإسلامية والعربية لازالت الأمراض الطفولية ميزتها الأساسية.

الهوامش:



[ Web design by Abadis ]