ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 ابن المقفع بين حضارتين دراسة فكرية نقدية و أدبية * \ حسين علي جمعة **

ملخّص

أسلم ابن المقفع عن تفكير وتدبّر دون إجبار، وقف بين حضارتين: فارسية قديمة زائلة، واسلامية جديدة ناهضة، فأعطى لكل واحدة حقها وكان جسراً بينهما للإغناء والإثراء. ودعا الى أن يكون الإنسان حرا ذا مروءة، وآمن بأن اصلاح المجتمع يبدأ من الفرد. قتل بسبب سياسي وليس بسبب الزندقة كما شاع، ويتضح ذلك من مطالعة آثاره التي توضح سلوكه الدؤوب في الاصلاح الاجتماعي والاخلاقي والسياسي، وما نهض به ابن المقفع في حقل الترجمة إنما كان بدافع «التعارف» الانساني بين الشعوب.

____________

* - هذا جزء من دراسة كاملة للاستاذ الباحث حول ابن المقفع.

** - استاذ الأدب القديم والدراسات العليا بجامعة دمشق.

اسمه ونسبه

أبو محمد عبد الله بن المقَفَّع فارسي الأصل والمولد. وكان اسمه روزبه بن داذويه؛ ومعنى «روزبة»: المبارك. وقيل اسمه: داذَوَيه، وكنيته أبو عمرو، وقيل: أبو عمر، والأول أرجح؛ ولما أسلم تسمَّى بعبد الله؛ وتكنى بأبي محمد. وانفرد الزبيدي فـي «التاج» بتسميته داذبة بن داذجِشْنس، وزعم أن ابن المقفع ذكره بكتابه «اليتيمة» [١].

ولادته

لا تعرف سنة ولادته، ولم يحددها أغلب الدارسين بدقة؛ مما أدى إلى اختلافهم فـي شأنها قديماً وحديثاً، وكذلك اختلفوا فـي مكانها؛ فقيل: ولد بالعراق سنة (١٠٦هـ / ٧٢٤م) وقيل: ولد بقرية «جور» إحدى قرى «فيروز آباد» من إيران اليوم سنة (١٠٦ أو ١٠٧هـ) [٢] بينما ذهب بعض المحدثين إلى أنه ولد فـي «جور» على الأغلب فـي عشر التسعين من القرن الهجري الأول. [٣]

وبنى صاحب هذا الرأي حكمه على ظنه بأن ابن المقفع عمل لدواوين عمر بن هُبَيرة؛ ولذا فإن عمره يقارب الستين سنة؛ وهذا يتفق مع ما أنتجه من آثار؛ إذ لا يعقل لديه أن شاباً صغيراً أنتج هذه الآثار العظيمة…. [٤]

والرأي الراجح لدينا أنه لم يعمل لعمر بن هبيرة، والي يزيد بن عبد الملك على فارس وكان هشام بن عبد الملك عزله سنة (١٠٥هـ) وإنما عمل لابنه يزيد والي مروان بن محمد (آخر خلفاء بني أمية) فـي ولايته على كِرمان سنة (١٢٨هـ) ثم كتب لأخيه داود بن عمر بن هبيرة بعد وفاة يزيد أخيه، علماً أن والدَ ابن المقفع لم يستوطن العراق زمن الحجاج وإنما استعمله الحجاج على بعض دواوين فارس [٥].

ولهذا كله فإن ولادة عبد الله كانت فـي قرية «جور» سنة (١٠٦هـ / ٧٢٤م) لأنه قتل سنة (١٤٢هـ / ٧٥٩م) بعد أن عاش ستاً وثلاثين سنة كما قال ابن خلكان، والجاحظ [٦].

أُسرته

لا يعرف شيء عن أسرته عدا أبيه وابنه محمد؛ فأبوه يسمى (دَاذويه) وقيل: اسمه داذجِشْنِس؛ وقيل: المبارك. والمُقَفَّع - (بتشديد الفاء وفتحها) على وزن اسم المفعول - لقب له؛ لأنه كان قد ولي دواوين للخراج فـي إمارة والي «العراق وفارس» الحجّاج بن يوسف الثقفي؛ فسرق مالاً؛ فضرِب ضَرْباً مبرحاً تقفَّعت يداه منه؛ أي تشنّجت؛ فلقِب (المقفّع).

ولسنا نميل إلى الرأي القائل: إنه لقِب «المقفِع» على وزن اسم الفاعل؛ بتشديد الفاء وكسرها - لأنه كان يشتغل بالقفاع؛ جمع «القَفْعة»؛ وهي مثل القُفَّة، وجمعها القِفاف؛ أو هي مثل الزنابيل، ومفردها الزَّبيل، والزنبيل؛ …. ولكن القفعة بغير عروة. [٧]

والراجح أن أباه لم يسلم؛ وبقي مجوسياً مانوياً، ولكنه عُني بتأديب ابنه كما عُني بتعليمه العربية. [٨] أما ابنه محمد فقد ورث مهنة أبيه فـي الكتابة والتأليف؛ ولذا اختلط العديد من المؤلفات بينه وبين أبيه، وليس بصحيح أن اسمه أحمد [٩].

نشأته

كانت «جور» القرية الهادئة الجميلة التي ينسب إليها الورد الجوري؛ لشهرتها فيه؛ مسقط رأس عبد الله بن المقفع؛ نشأ فـي أحضان ربوعها الغناء، وترعرع فـي كنف أسرة تعتنق المجوسية الموروثة؛ ورأى كل يوم أقرباءه وجيرانه يتعبدون على مذهب «ماني»؛ فألف ذلك بالاعتياد، فاتبع مذهب ماني بن يزيد، هو الآخر.

ولما وجد فيه أبوه علامات الذكاء والنجابة، ورهافة الحس، ولطافة الذوق ورغبة شديدة فـي الإقبال على المعرفة حَرَص على تعليمه صنعة الكتابة التي كان يتقنها ويعمل بها…. ثم دفعه إلى الازدياد من الثقافة، وحفزه على تعلم العربية وإتقانها كالفارسية تماماً لأنها لغة الدولة ودواوينها…. وهي وسيلة الكاتب الناجح إلى الحياة.

من هنا بدأ ابن المقفع مشواره؛ بدأه فـي سن مبكرة، وعيناه لا تريان إلا المعرفة؛ وعقله لا يعشق إلا العلم والثقافة…. فقد تفتحت مواهبه ومشاعره وأفكاره على احترام القدماء وربما تقديسهم…. والإذعان لذوي الجاه والسلطان…. ومن ثم تعمقت خبرته بالحياة العامة والخاصة حين دخل فـي أول شبابه إلى دواوين الولاة فـي فارس، وعمل لدواوين بعض الولاة مثل يزيد بن عمر بن هبيرة فـي كرمان (١٢٨هـ) ولأخيه داود؛ والي البصرة حتى سنة (١٣٢هـ). ويبدو أنه حين كان يعمل لدواوين (داود) التقى بعبد الحميد الكاتب وانعقدت بينهما صداقة عظيمة؛ فقيل: وُجد عبد الحميد فـي بيته فأُخذ فقتل (١٣٢هـ).

وهذا لا يعني أنه استقر بمكان واحد لأنه عمل لوالي نيسابور (المسبّح بن الحُوَّاري الخُوَيلدي؛ ثم لواليها سفيان بن معاوية بن يزيد بن المهلب الذي سيكون له شأن كبير معه…. ونظن أن عمله لهما كان بعد عمله لداود…. ويبدو أن الحال لم تستقر به؛ ولهذا كاتب عيسى بن علي سنة (١٣٢هـ) ثم انتقل إليه فـي الأهواز.

هكذا كانت الأحداث الجسام فـي حياة ابن المقفع مع تحول الدولة السياسي والفكري من بني أمية إلى بني العباس ذات أثر كبير فـي نمو شخصيته…. فما يشاهده من أحداث مرعبة، وفتن كقطع الليل البهيم، وهو على مقربة من مصادرها جعله شديد الحساسية والحذر من الوقوع فيها…. فلجأ إلى التاريخ ليرى فيه راحته، ويعوض فيه عما يعاني من مرارة النفس…. فاتصل بآثاره وترجم منها ما ترجم، ولكنه فُقد كله.

وحينما انتقل إلى عيسى بن علي ووجد لديه السكينة وراحة البال؛ ولمس منه العقل والحِلم والمروءة؛ ولم يكرهه على الإسلام أسلم - كما سيتضح لنا بعد قليل - وحين انتقل إلى أخيه سليمان فـي البصرة لم تنقطع صلته بعيسى…. وأخلص لهما معاً، وأقام بها بصحبتهما حتى مصرعه…. علماً أن سليمان ولي البصرة سنة (١٣٣هـ) وظل فيها حتى عزله المنصور (١٣٩هـ / ٧٥٦م).

وهنا يتساءل المرء: ألم يفكر أن يصبح كاتباً للخليفة؟ بلى، فقد ثبت لدينا من أخباره، ومما كتبه فـي رسالة الصحابة أنه ذهب فـي وفد من فضلاء البصرة إلى دار الخلافة فـي الأنبار فمنعته بطانة أبي العباس، ورجع الوفد كله [١٠]. ويبدو أن هذه الحادثة قد تركت أثرها فـي نفسه.

واستقر الحال لابن المقفع فـي البصرة وكان مولىً لآل الأهتم من بني تميم، وهم من أرباب الفصاحة؛ كما اتصل بأبي الجاموس ثور ابن يزيد الأعرابي المعدود من كبار العربية؛ ومنه شرب البلاغة وفصح لسانه، وأتقن أساليب اللغة؛ وكان ثور يَفد على آل سليمان ابن علي [١١]. وإذا كان ابن المقفع - هو الآخر - لم ينقطع عن آل سليمان وتلقى منهم معارف جمّة فإنه لم ينقطع عن مجالس العلماء فـي البصرة التي كانت موئل العلم والأدب والمعرفة …. وكان أبوه يحثه على طلب المعرفة، وكان يستقدم علماء اللغة إلى بيته…. وبهذا كله لزم البصرة وإن تردد على بعض بلاد العراق، ولم يفارقها لا إلى بلاد الترك ولا إلى غيرها [١٢].

إن القراءة الواعية لحياته ونشأته تؤكد أن ابن المقفع بادر إلى الاتصال برجال الدولة فـي العهد الأموي والعصر العباسي منذ يفاعته ليعمل فـي صناعة الكتابة التي عمل بها أبوه من قبل…. وكان أبوه يحثه على ذلك إلى أن أتيح له المجال للعمل فـي دواوين يزيد بن عمر بن هبيرة فـي كِرمان ثم نيسابور قبل انتقاله إلى العراق فـي عهد أخيه داود، وفيه التقى عبد الحميد الكاتب.

ولا شك فـي أن ابن المقفع كان شديد التطلع إلى أن يصبح كاتباً معروفاً، وأن تحقيق هذا الهدف يبدأ من دواوين الولاة …. والأمراء…. ومن ثم الخلفاء…. ولكنه كان فـي الوقت نفسه يتوجس الخيفة والحذر من الاتصال بالسلطان؛ لأنه شاهد بأم عينه - وهو ما يزال فـي مقتبل العمر - الفتن الكبرى التي أخذت تعصف بالدولة الإسلامية. فهناك غير والٍ يخلع أو يحبس، أو يقتل؛ ثم يأتي آخر ويرحل، وهكذا دواليك. وهاهي ذي دولة بني أميّة تنتهي ويبزغ فجر دولة جديدة لبني العباس الذين كادوا لأبناء عمومتهم من آل البيت (رضي الله عنهم) وأبعدوهم عن الخلافة. وفـي ذلك كله كان ابن المقفع قريباً من صنّاع أحداثها وما يجري فيها من مؤامرات واغتيالات…. وإبعاد…. ومثالها قصة صديقه عبدالحميد الكاتب.

فقربه من بعض الولاة، وقصة صديقه جعل الصورة عنده أكثر وضوحاً ودقة من غيره؛ فتنحّى عن الخوض فـي مجرياتها، وإن آلمه ما يقع فيها من رعب وخوف وتشريد وسجن وقتل…. وكما يقال: رب ضارة نافعة؛ فهذه الأحداث الكثيرة والمتنوعة زودته بذخيرة عظيمة لمادة مؤلفاته…. كما أنضجت رؤيته السياسية والفكرية حين قدمت له خبرة واسعة بالسلطان وكيفية تفكيره…. فضلاً عن تأثير كتابات عبد الحميد فيه.

لهذا استفزه التاريخ القديم فـي بلاد فارس فوجد فيه ضالته فـي التعبير عما يعاني منه ويقلقه على الصعيد الذاتي والاجتماعي والرسمي…. وشدد على أن تكون ترجماته الأولى مرتبطة بإصلاح الفساد السياسي والاجتماعي….

ولهذا حصر اتصاله فـي عهد الدولة العباسية - وهو العهد الذي نضج فيه فكره؛ وكان عمره نحو [٢٧] عاماً - بأسرة عيسى بن علي ثم أخيه سليمان ومن يتصل بهما، ولم يتطلع يوماً إلى أن يصبح كاتب الخليفة أبي جعفر…. ولهذا لم يغادر البصرة إلى الكوفة إلا فـي مرات قليلة فـي عهد واليها عِمارة بن حمزة (على الأرجح).

ونحن نوافق من يرى أن ابن المقفع لم يفكر لحظة واحدة فـي الاتصال بالخليفة لأسباب كثيرة، يمكن إبراز أعظمها هنا:

١ـ وجود كاتب لدى المنصور كان يدرك قيمة ابن المقفع وهو أبو أيوب المُوْرِياني. فاضطغن عليه، وسعى فـي الكيد له؛ والوشاية به وتشويه سيرته، [١٣] على نحو ما.

٢ـ اضطغان سفيان بن معاوية والي البصرة (١٣٩ـ١٤٥هـ) على ابن المقفع لأنه كان يسخر منه علناً فـي شكله وعلمه….؛ بدافع ذاتي، أو بدافع من عيسى بن علي وأخيه سليمان، بينما كان سفيان أثيراً عند الخليفة أبي جعفر، وكان يعرف حقد سفيان عليه [١٤].

٣ـ سياسة الخلفاء وموقفهم منه: يبدو لنا أن إدارة شؤون الخلافة على الوجه الذي يراه ابن المقفع لم يكن ليقنعه؛ ومن ثم كره المفاسد، والمظالم التي استشرت على أيدي بطانة الخليفة أبي العباس ثم المنصور…. وكان هو من شهد أَخْذَ عبدالحميد الكاتب من بيته إلى السفاح ثم سلمه هذا إلى عبد الجبار…. [١٥]

وتصاعدت حكاية نفوره من الفساد بترجمته لكتاب (كليلة ودمنة) نحو سنة (١٣٢هـ / ٧٥٠م) [١٦] وكان هدفه من وراء هذا الكتاب كشف ما يدور فـي أروقة الخلافة والولايات؛ والسعي إلى إصلاحه …. ثم جاءت مؤلفاته الأخرى (الأدب الصغير، والأدب الكبير، ورسالة الصحابة)؛ لتعزز هذا الاتجاه لديه، وجميعها تجعل من السلطان مادة غنية للمناقشة والحوار….

يبدو أن الخلفاء قد أدركوا الرموز التي تنطوي عليها رسائله؛ وكذلك البطانة التي تعمل عندهم؛ هذه البطانة التي منعته مع وفد البصرة مـن الدخول إلـى أبي العباس؛ كما يذكر هو فـي رسالة الصحابة [١٧] فلم يرغب أحد منهم فـي جعله كاتباً له أو فـي تقريبه من مركز الخلافة…. وهم ما زالوا يحسنون الظن فيه، لأنه يعمل عند عمومتهم؛ عند آل سليمان بن علي بن محمد بن علي…

وكذلك أيقن ابن المقفع بأن الخلفاء لا يميلون إليه، مما جعله ينغمس فـي شؤون ذوي نعمته، ويبتعد عن دار الخلافة…. حتى كان كتاب «الأمان» الذي غدا سبباً مباشراً وقاطعاً لقطع رأسه على وجود الأسباب الأخرى.

وبهذا لم يكن ابتعاد ابن المقفع عن مركز الخلافة لأنه فارسي النزعة؛ أما قتل أبي مسلم الخراساني فهو لسبب سياسي وشخصي عند أبي جعفر المنصور؛ وطالما حرَّض أخاه أبا العباس على قتله؛ ولم يفعل وإن همَّ به ذات مرة. ولما تسنم المنصور الخلافة قتله برومية المدائن سنة (١٣٧هـ) [١٨] وليس كما ذهب إليه بعض المحدثين [١٩]؛ إذ أشرك ابن المقفع مع أبي مسلم الخراساني فـي العداوة للعباسيين خاصة والعرب عامة بسبب فارسيتهما.

٤ـ لم يذكر أحد من القدماء أن ابن المقفع اتصل بالخليفة أو صار كاتباً له. وإذا كان قد ترجم بعض الأعمال، أو وجّه بعضها إلى الخليفة؛ فهذا لا يعني أنه أصبح كاتباً له…. فالرجل لم ينقطع عن سليمان بن علي وأخيه عيسى؛ …. وهذا ما ذكره القدماء، كما ذكروا اتصاله بولاة آخرين، ولو كان كتب للمنصور أو اتصل به؛ لما غفلوا عن ذكره؛ فضلاً عن أنه حاول الاتصال بالسفاح كما قلنا ولم يفلح. ولعل هذه الحادثة رغّبته عن الاتصال بالمنصور…. والخبر الوحيد الذي ذكر اتصاله بالخليفة روي عن صاعد الأندلسي فـي طبقاته؛ ثم تبعه فيه بعض الباحثين بعده، كحاجي خليفة والزركلي وفروخ وغيرهم [٢٠]؛ ونقلوا عنه…. وهو خبر لا يصمد أمام الأخبار الأخرى التي لم تشر إلى ذلك الاتصال.

وهذا كله ينقلنا إلى الحديث عن إسلامه ثم أخلاقه، ثم مصرعه.

إسلامه

دخل ابن المقفع دواوين الدولة الأموية فـي ولاية يزيد بن عمر ابن هبيرة لمروان بن محمد؛ على كِرمان سنة (١٢٨هـ)، ولم تزد سِنّه على اثنتين وعشرين سنة… ولكنه عاصر فتناً عظيمة، ومؤامرات لا حصر لها… فالخيانة يتطاير شررها فـي جنبات الأرض؛ والموت يحيط بالناس من كل اتجاه، ويقعد لهم كل مرصد… ثم انتهى أمر الدولة الأموية وبزغ فجر دولة بني العباس علـي يد أبـي العباس السفاح (عبد الله بن محمد بن علي) (١٣٢ـ١٣٦ / ٧٥٠ـ٧٥٦م) …. ولم يكن لابن المقفع إلا الصبر إلى أن جاء عيسى بن علي والياً لابن أخيه أبي العباس على الأهواز سنة (١٣٢هـ) فاتصل به؛ وعمل كاتباً لدواوينه.

ونرى أن عيسى قد أدرك فـي طبع عبد الله بن المقفع الجِدَّ والنشاط والعفة، والذكاء والصدق؛ والإخلاص…. ففيه مُروءة وثقافة وعلم وعقل…. فقرَّبه منه، إذ جعله مؤدباً لبعض بني أخيه إسماعيل.

وهنا نقول: أخذ نجم ابن المقفع يظهر من الأهواز، وعلى يد واليها أخذت حياته تتحول تحولاً جذرياً وسريعاً، وهو لا يزال على ديانته المجوسية، ومذهبه المانوي؛ ولم يكرهه أحد على تغيير مذهبه…. ولكن عقل الرجل كان يبحث منذ وعى الحياة عن معتقد يلبي ما يدور فـي خلده…. لقد بقي سنوات فـي دواوين الدولة، وهي سنوات لم تكن جدباء؛ كما يبدو لنا…. ففيها ربما ترجم العديد من الآثار الفارسية؛ والآثار اليونانية التي نقلت إلى اللغة الفارسية القديمة (الفهلوية) …. ونظن أن هذه الآثار ربما قوّت لديه النزوع للتفتيش عن دين فيه اطمئنانه؛ علماً أنه يرى أمامه الإسلام يمد نوره فـي الآفاق…

لهذا كله؛ عاش حراً فـي اعتقاده، وهو ينظر فـي تعاليم الإسلام؛ ويقرأ القرآن الكريم؛ وسيرة المصطفى…. ويراقب سلوك الخلَّص من أهل الدين…. وكان فـي ذلك كله يتدبَّر شأنه؛ حتى تهيأت نفسه للإسلام. ولما أراد الله سبحانه له الخير جعله يمشي فـي طريق ضيّقة من طرقات الأهواز، فتناهى إلى سمعه وفؤاده صوت مرتفع لصبي صغير يتلو قوله تعالى: (ألم نجعل الأرض مهاداً، والجبال أوتاداً، وخلقناكم أزواجاً، وجعلنا نومكم سباتاً ( (النبأ ٧٨ / ٦ـ٩) فوقف منصتاً حتى أتم الطفل تلاوة السورة؛ فقال فـي نفسه: «الحق أنه ليس هذا بكلام بشر»، ثم ذهب إلى عيسى بن علي، وقال له «قد دخل الإسلام فـي قلبي، وأريد أن أسلم على يدك». فأجابه عيسى: «ليكن ذلك بمحضر من القّواد، ووجوه الناس؛ فإذا كان الغد فاحضر». ثم حضر طعام عيسى عشية ذلك اليوم، فجلس ابن المقفع يأكل ويزمزم على عادة المجوس؛ فقال له عيسى: (أتزمزم وأنت على عزم الإسلام؟ ) فقال: (أكره أن أبيت على غير دين، فلما أصبح أسلم على يده) [٢١] ومن ثم اختص به كاتباً؛ ثم آثر به أخاه سليمان فـي البصرة، ومن ثم انتقل عيسى إلى كنف أخيه فـي البصرة نحو سنة (١٣٥هـ) [٢٢].

هذه هي قصة إسلام الرجل التي توحي أحداثها بصدق إخلاص الرجل لمعتقده، ولم تكن زمزمته موحية بالزندقة والنفاق كما ذهب إليه بعض الباحثين، وإنما دليل صدق الموقف.

ولعل كل من يقرأ سيرة ابن المقفع وما بثه من آراء يدرك أنه أخذ نفسه بالمثال الأرحب للأخلاق والإنسان النبيل؛ إذ أدّبته نفسه مما رأى من تجارب الناس ونطق تقريباً بما قاله المسيح حين قيل له مرة: «من أدَّبك؟ قال: نفسي؛ إذا رأيت من غيري حسناً أتيته، وإن رأيت قبيحاً أبيته» [٢٣].

ولست أُعنى هنا بآرائه إلا فيما يوضح لنا صفاته التي نشأ عليها منذ صغره فإن لم يستطع بلوغ الكمال كان يأخذ بما يوصله إليه، وهو القائل: «أخذ القليل خير من ترك الجميع».

لهذا كان شديداً على نفسه، مراقباً لكل تصرف أو كلمة تخرج منه؛ فجعل عقله رقيباً يقظاً لكل ما يصدر منه… وأراد لذاته أن تكون الصورة التي لا تناقض فيها ولا تشويه… فقد آمن بأن إصلاح المجتمع يبدأ بالفرد؛ وإصلاح الفرد يبدأ بالذات، فهو أجلُّ له وأَوقر؛ ولهذا يقول: «من نصب نفسه للناس إماماً فـي الدين، فعليه أن يبدأ بتعليم نفسه وتقويمها فـي السيرة والطعمة والرأي واللفظ والأَخدان؛ فيكون تعليمه بسيرته أبلغ من تعليمه بلسانه…. ومعلم نفسه ومؤدبها أحق بالإجلال والتفضيل من معلِم الناس ومؤدبهم» [٢٤].

فتعلقه بالمثل العليا لا يشك أحد فـي أمرها و «هي التي كانت تحمله على فعل الخير لأنه خير، وتجنب الخبث لأنه خبث. وهو إذن ممن كانوا يعبدون الفضيلة لا عبادة العبيد، ولكن عبادة الأحرار». «وكان يصدر فـي كل أفعاله عن فكرة هي من خُلق نفسه ونتيجه من نتائج فلسفته» …. ولكن أن يكون «عقله لا دينه - كائناً ما كان هذا الدين - هو الذي كان يهديه إلى الطريق التي يسلكها فـي معاملة الناس ومواجهة الأشياء…. ليس طمعاً فـي الثواب، …. [و] ليس خوفاً من انتقاد أو عقاب» [٢٥] فهذا ما ينبغي للباحث أن ينظر فيه بإمعان، ويقلبه على وجوهه.

إن حكاية إسلام ابن المقفع تدل على رجاحة عقله؛ وعظمة تمسكه بالفضائل التي رغب فيها، وهي فضائل توافق تعاليم الإسلام ومبادئه… إذ كان مسلماً قبل أن يؤمن بالدين الحنيف. فلما آمن به تابع ما كان عليه وازداد ضَبْط العقل نفسه للنفس بالإيمان السامي قوَّة ومضاءً؛ وصار يملك حافزاً أعظم يسيّره لم يكن يعرفه من قبلُ…. فالتقدير والإجلال فـي الدنيا ينتهي بموت صاحبهما؛ وهذه نظرة فلسفية وجودية لم تكن تقنع ابن المقفع لذلك كان يبحث عن الدين الذي يحقق له كمال الفضيلة؛ لأنه لم يجدها متمثلة فـي المانوية التي ولد عليها…. ولمّا أسلم تحقق له ذلك…. فصار يقرأ قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لِمَ تقولون مالا تفعلون، كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ( (الصف ٦١ / ٢ - ٣).

وبهذا ربط عمله بقوله وكان يرجو فيهما وجه الله وآخرته قبل دنياه لقوله: «أحق ما صان الرجل أمر دينه؛ المغبون من طلب الدنيا بعمل الآخرة؛ المصيبةُ العظمى الرزيّةُ فـي الدين، طوبى لمن ترك دنياه لآخرته». وهذا القول مستمد من قوله تعالى: (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة، ولا تنس نصيبك من الدنيا، وأحسِن كما أحسن الله إليك، ولا تبغ الفساد فـي الأرض؛ إن الله لا يحب المفسدين ( (القصص ٢٨ / ٧٧).

ونرى أن عقله ليس دينه، وإن جعله رقيباً وحارساً على أفعاله؛ والذكي من يفعل هذا؛ لكن الأذكى منه من يربطه بالإيمان السليم ويقتدي بسير النبلاء والأنبياء…. وهو الذي عرف سيرة المصطفى بعد إسلامه وقرأ قوله تعالى: (لقد كان لكم فـي رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر، وذكر الله كثيراً ( (الأحزاب ٣٣ / ٢١) كما قرأ الثقافة العربية وصدر عنها؛ ولا سيما فيما عرفناه من قوله السابق: «مَن نصّب نفسه …. » إلى آخر القول، وكأني به قد صدر فيه عن أبيات أبي الأسود الدؤلي؛ ومنها [٢٦]:

لا تَنْه عن خُلُقٍ وتأتي مثله

عارٌ عليك إذا فعلْتَ عظيمُ

ابدأ بنفسك وانهها عن غيِّها

فإذا انتهت عنه فأنت حكيم

فهناك يُقْبَل ما وعظت ويقتدى

بالعلم منك وينفع التعليم

ولا ريب فـي أنه كان مؤدباً ومعلماً لأبناء الولاة وأقربائهم وكان عقله ومروءته وشرفه يلزمه بالفضائل…ولكنه أدرك أن أي عمل نبيل يكون فيه صلاح النفس والآخر إذا تجسد فـي إيمان صحيح؛ فهو يُؤْجَر عند ذلك مرتين مرة فـي الدنيا ومرة أخرى فـي الآخرة؛ وهذا ما وجده فـي قوله تعالى: (من جاء بالحسنة فله خير منها؛ ومن جاء بالسيئة فلا يُجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون ( (القصص ٢٨ / ٨٤) وقوله تعالى: (أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء…. ( (الكهف ١٨ / ٩) وقوله تعالى: (إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها ( (الإسراء ١٧ / ٧) وقوله: (للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم ( (آل عمران ٣ / ١٧٢).

إنه بحث عن الدين حتى هيأ له الله الإيمان باستماعه إلى ذلك الصبي الصغير…. فقد اجتمع العقل والذكاء والمروءة…. و…. عند الرجل بتعاليم الإسلام فازداد كمالاً على كمال وهو يقف بين ماضٍ جعل عقله رقيباً عليه، وبين حاضر كان الدين رأس فضائله حتى: لم يبق فـي الإسلام من أهل فارس «شريف يذكر إلا أن يكون عبد الله بن المقفع والفضل بن سهل» مذكوراً فـي جماع الأخلاق [٢٧].

وقال محمد كرد علي فيه: «صحة الإيمان وحب الإسلام صفتان ماثلتان فـي ابن المقفع، مهما تقوّل عليه المتقوّلون…. كان محافظاً على شعائره (وفـي الوقت نفسه) لايحرّم على نفسه الطيبات المحللة؛ فليس فيه جمود الفقهاء، ولا استهتار الأدباء؛ فهمَ من الدين ما فهمه كل عاقل» [٢٨].

ومن صميم هذا الرأي نقول: إن ابن المقفع مثله مثل كثير من البشر؛ يملك نفساً لها نزواتها ووثباتها، فكان يجمع صفات الفضيلة، وصحة الدين، ولا يمتنع من التظرف والمزاح، والاختلاط بغير الفقهاء، وربما اجتمع إلى المغنين والمغنيات، ومجالس الشعر، واستفزه الطرب إلى سماع الألحان والأصوات الشجية، وبذل مالاً وفيراً فـي سبيل ذلك…. وربما تعاطى شيئاً قليلاً من النبيذ الذي حلله آنذاك فقهاء العراق… ولكنه لم يرتكب محرماً؛ وهو القائل [٢٩]:

سأشرب ما شربت على طعامي

ثلاثاً ثم أتركه صحيحا

فلست بقارفٍ منه أثاماً

ولستُ براكبٍ منه قبيحا

ويقول أيضاً: «على العاقل أن لا يكون راغباً إلا فـي إحدى ثلاث خصال: تزوّد لمعادٍ، أو مَرَمَّة لمعاش؛ أو لذة فـي غير محرم» [٣٠] فهو يطلب المتع ما كانت حلالاً، ويمتنع عن كل ما فيه شبهة الحرام عقلاً وديناً فيقول: «لا عقل لمن أغفله عن آخرته ما يجده من لذة دنيا، وليس من العقل أن يحرمه حظَّه من الدنيا بصره بزوالها». ويقول: «على العاقل ما لم يكن مغلوباً على نفسه ألا يشغله شغل عن أربع ساعات: ساعة يرفع بها حاجته إلى ربه، وساعة يحاسب بها نفسه، وساعة يفضي بها إلى إخوانه؛ وثقاته الذين يصدقونه عن عيوبه، وينصحونه فـي أمره، وساعة يخلي فيها بين نفسه وبين لذتها مما يحلّ ويجمل. فإن هذه الساعات عون على الساعات الأخر» [٣١]. وهذا مماثل لما ورد فـي الحديث المرفوع: «ليس بخيركم من ترك دنياه لآخرته، ولا آخرته لدنياه حتى يصيب منهما جميعاً؛ فإن الدنيا بلاغ إلى الآخرة» [٣٢].

وعلى الرغم من أننا سنتحدث عن اتهامه بالزندقة فإننا نشير فـي هذا المقام إلى هذه الملذات التي يقبل عليها ابن المقفع، وهذا السلوك من طلب الدنيا يخالف كل المخالفة ما كان عليه أهل المانوية. فهم لا يأكلون اللحم، ولا يقبلون على الملذات؛ ويقمعون شهوة النفس فـي الاستماع إلى الألحان والطرب والغناء؛ ويزهدون فـي الدنيا ويتقشفون، ويواصلون صومهم ليلاً ونهاراً؛ ويطوفون فـي البلاد يدعون إلى دينهم…. ويعظمون إبليس لأنه خلق من نار، ويحرمون دفن الموتى فـي الأرض… [٣٣]

فأين ابن المقفع من ذلك كله؟ إنه لم يعظّم إبليس، وجعله عاصياً حاسداً بغيضاً متعالياً - وكذلك جاء وصفه فـي القرآن الكريم ـ [٣٤] ومكث عند آل سليمان بن علي فـي البصرة؛ ولم يزهد فـي الدنيا، أو يواصل صومه…. وكان يأكل اللحم؛ ويستمع إلى الطرب واللحن…. ونرجح أنه كان يؤدي فرائض الصلاة لقوله: «فأصل الأمر فـي الدين أن تعتقد الإيمان على الصواب، وتجتنب الكبائر؛ وتؤدي الفريضة. فالزم ذلك لزوم من لا غناء به عنه طرفة عين، ومن يعلم أنه حُرمه هلك؛ ثم إن قدرت أن تجاوز ذلك إلى التفقّه فـي الدين والعبادة فهو أفضل وأكمل» [٣٥].

ومن طريف ما حكي عن اجتماعه ببعض المتهمين بالزندقة مثل يحيى بن زياد وصالح بن عبد القدوس وعلي بن الخليل وبشار بن برد، وغيرهم [٣٦] أن أصحاب بشار ذكروا تهاون بشار فـي أمر تأدية الصلاة، ولم يذكروا غيره فقالوا: «كنا إذا حضرت الصلاة نقوم إليها، ويقعد بشار؛ فنجعل حول ثيابه تراباً؛ لننظر: هل يصلي، فنعود؛ والتراب بحاله، ولم يقم إلى الصلاة» [٣٧]. ويبدو أن اجتماعه هذا مع بعض المارقين من الدين والسمر معهم جعل تهمة الزندقة تلتصق به…. وهو بريء منها براءة كل مؤمن هذه الأيام يعاشر أحياناً بعض أناس نزعوا عنهم صبغة الدين، ولكنهم اتّصفوا بالحرية والعدالة.

ولا شيء أدل على تمسكه بدينه من قوله: «ابذل لصديقك دمك ومالك؛ ولمعرفتك رفدك ومحضرتك؛ وللعامة بشرك وتحننك، ولعدوك عدلك؛ واضنن بدينك وعرضك عن كل أحد» [٣٨].

بل إننا نراه فـي كثير مما ترك، فضلاً عن سلوكه يصدر عن مبادئ الدين الحنيف كما فـي قوله: «وعلى العاقل أن يذكر الموت فـي كل يوم وليلة مراراً؛ وذكراً يباشر به القلوب، ويقْدَع الطِّماع؛ فإن كثرة ذكر الموت عصمة من الأَشَر، وأماناً - بإذن الله - من الهلع» [٣٩].

فنحن لن نتوقف عند كلمة (بإذن الله) وما فيها من عمق الدلالة على صحة إسلامه؛ ولكننا نذكّر أنفسنا بالمصدر الذي نهل منه كلامه؛ إنه مستمد من أحاديث المصطفى (ص)؛ كقوله فـي الحديث الصحيح «أكثروا ذكر هاذم اللذّات الموت» و «أكثروا ذكر هاذم اللذات الموت؛ فإنه لم يذكره أحد فـي ضيق من العيش إلا وسّعه عليه، ولا ذكره فـي سَعةٍ إلا ضيّقها عليه»، وكذلك فـي الحديث الحسن: «أكثروا ذكر هاذم اللذَّات، فإنه لا يكون فـي كثير إلا قلّله، ولا فـي كثير إلا أجزله» [٤٠].

ولا يمكن للمرء - فـي مثل هذا المقام - أن يتغافل عن العديد من رسائله التي جعلت المعاني القرآنية عدتها وسندها لفظاً ومعنىً [٤١] وهي - بلا ريب - تؤكد صحة إسلامه؛ ولو كان عقله وحده هو دينه لفعل فيها ما كان يفعله بمؤلفاته التي كتبها قبل إسلامه…. أو تلك التي كتبها فـي بدايته؛ ومن هذه الرسائل ما جاء فـي كتاب تعزية أرسله إلى رجل أُصيب بعزيز له: «أما بعد؛ فإن الآخرة والدنيا بيد الله؛ هو يدبرهما، ويقضي فيهما ما يشاء؛ لا رادّ لقضائه، ولا معقِّب لحكمه. فإن الله خلق الخَلْق بقدرته؛ ثم كتب عليهم الموت بعد الحياة؛ لئلا يطمع أحد من خلقه فـي خُلْدِ الدنيا؛ ووَقَّت لكل شيء ميقاتَ أجَلٍ؛ لا يستأخرون عنه ساعة، ولا يستقدمون. فليس أَحد من خلقه إلا وهو مستيقن بالموت؛ لا يرجو أن يخلصه من ذلك أحد. نسأل الله خير المُنْقلب» [٤٢].

لو أراد أي منا أن يعيد هذا الكلام إلى مصدره الإلهي [٤٣] لما عجز؛ ويمكن له أن يعرض كلامه كله على آي الذكر الحكيم، فـي أي معجم من المعاجم المفهرسة لألفاظ القرآن.

وبناء على ذلك كله فإننا نعتقد مع من يعتقد بصحة إسلامه؛ وصدقه فيه، وإن لم تكن منزلته فـي فقه الدين بمنزلة فقهاء الإسلام؛ لأنه لم يعش على الإسلام إلا تسع سنوات…. وفـي هذه السنوات جهد أن يجمع بين خيري الدنيا والآخرة؛ فاتصف بشيء من الإقبال على الدنيا من دون أن يرتكب محرماً؛ فاتهم برقة الدين. ولما اجتمع ببعض الأدباء والمستهترين؛ وكان له من الآثار المترجمة ما كان اتهم بالزندقة؛ ولما دخل دواوين الولاة وصِم بأن إسلامه كان لغرض دنيوي ولم ينزع عصبيته عن مذهبه المانوي القديم، ولا تعصبه لفارسيته عند من زعم ذلك [٤٤].

وختام الأمر - هنا - نقول: أقدم ابن المقفع على ترجمة الآثار القديمة الهندية والفارسية واليونانية من لغته الفهلوية فـي أول شبابه؛ لأنه آمن بأن الشجرة الطيبة هي التي تطرح ثمرها للناس؛ وحين أخذ نفسه بالخلق النبيل السامي التزم بعد إسلامه بتعاليم الدين الحنيف…. ودل كل ما تركه على عقل ناضج؛ وحكمة بالغة؛ ولم يخرج فيه عن مبادئ الإسلام.

أما أعداؤه؛ وحساده فـي عصره فقد رموه بالزندقة؛ ثم تعاورت أقلام الدارسين بعده على نقل هذا الاتهام، فضلاً عن القراءات الخاطئة لآثاره وأقواله فارتبطت التهمة به؛ حتى ماانفك أحد يتحدث عنها، وكأنه ما حفظ عنه غيرُها؛ وما أسهلَ أن يرمي إنسان إنساناً بهذه التهمة ليتخلص منه فـي ذلك الزمان…. ولذا نصيح: ما أكثر الزنادقة…. اليوم؛ إذا قيسوا بذلك المقياس.

وبناء على ما سبق لابد من الحديث عن أخلاقه وصفاته؛ وهي تقوي الميل إلى عدم زندقته؛ وتعزز نفيها عنه؛ …. وهذا ما سنركز فيه القول حين نتحدث عن زندقته بعد أن نجلو صفاته وآثاره لتكون بين أيدينا دليلاً على براءته منها.

أخلاقه وصفاته

لعل ما تقدم بين أيدينا قد دلَّ على جملة من أخلاق ابن المقفع وصفاته، فضلاً عما ترشدنا إليه مؤلفاته…. فقد أخذ نفسه بالفضيلة والمروءة؛ ولم يخرج عن مفهوم الخلق السامي، وتعاليم الدين الحنيف إلا مرة واحدة مع سفيان بن معاوية…. إذ كان يتهكم به ويسخر من شكله وعلمه…. ولا نعرف السبب وراء هذا…. إلا أن يكون قد عرف عنه فرية عظيمة…. ولهذا كان لا ينبس ببنت شفة؛ وهو والٍ للبصرة؛ وابن المقفع يعبث به على رؤوس الأشهاد…. [٤٥]

هذا ما نراه فـي سلوك ابن المقفع الفريد مع هذا الرجل، ولكنه سلوك لا يليق بالأخلاق التي اتصف بها، واجتمعت له وقلَّ أن تجتمع فـي غيره.

فهو صادق صدوق مقدّر للصداقة حق قدرها؛ وفـي ودود، محب للناس جميعاً؛ عفيف النفس طيب المعشر، مجد مثابر لا يمل، وصبور لا يقنط؛ ومتفائل مستبشر لا ييأس…. شغوف بالمعرفة؛ مقدر لأهل العلم، موقر لشأنهم…. كاره للجهل والكذب والغدر والخيانة، والشر والحسد، والمراءة والنفاق؛ والغش والتدليس والسرقة…. ينفر من الحريص ويذم البخيل، ويهفو إلى الكريم، ويسعى إلى الإصلاح ويعمل له …. فيبذل ماله ونفسه من أجل ذلك…. يحب المؤمن وتزداد منزلته إذا اتسم بتلك الفضائل…. ولكنه يتذمر منه ويتحسر له إن افتقدها…. ولما خلق الله الإنسان وكرمه جعله حُرَّاً؛ - والحر من يتحلّى بالفضيلة والخلق ولو لم يكن على دين…. لهذا يبجله ويعاشره - . إذا وعد وفى؛ وإذا حدَّث صدق، وإذا أؤتمن حافظ على أمانته…. يعين المحتاج ويقدم له من ماله…. ما يفك ضائقته. وهو القائل فـي الكرم: «واعلم أنه سخاءان: سخاوة نفس الرجل بما فـي يديه، وسخاوته عما فـي أيدي الناس» [٤٦].

ولهذا كله فلسنا نوافق بعض الباحثين الذين ذهبوا إلى أن ابن المقفع كان يتهكم بالعرب وأمرائها، فقصة ابن المقفع مع سفيان فريدة؛ بينما عشرته للعديد من الأمراء العرب تنقض ما زعموه عليه. ومن ثم جعلوا رسالة الصحابة نمطاً آخر من الطعن فـي قوانين العرب وأمرائها والسخرية من ولاتها [٤٧] ثم غالى الدكتور عبد اللطيف حمزة [٤٨] فـي اتهام ابن المقفع بالتهكم والسخرية من العرب جميعاً فـي الخبر الذي رواه ابن عبد ربه فـي «العقد الفريد»؛ ثم رواه أيضاً أبو حيان التوحيدي فـي «الإمتاع والمؤانسة» [٤٩] وكلاهما أورد الخبر تحت عنوان متشابه يتحدث عن «فضائل العرب» …. صحيح أن كثيراً من لغة رواية الخبر قد تغيرت لكنها لم تتناقض…. فما ندري كيف اتفق للدكتور حمزة تفسيره له على أنه يسخر فيه من العرب …‍‍!!؟ وكأنه بفعله هذا يستجهل علمين من أعلام التاريخ والأدب والفكر عند العرب…. لأنه وحده القادر على قراءة ما وراء الكلمات، وقراءته - وحدها - اهتدت إلى أن ابن المقفع يسخر من العرب…. أمَّا ابن عبد ربه والتوحيدي فلم يعرفا القراءة الباطنية للخبر…. إنه لأمر أعجب من العجب…!! فابن المقفع حين يعرض لصفات الأجناس إنما يضع كل جنس من البشر فـي الموضع الذي ات

صف به فـي التاريخ؛ ثم يوضح أثر القرآن فـي العرب خاصة، وما قدمه لهم من خير عميم، حين خصّهم بالدين الحنيف، ونقلهم بوساطته ليصبحوا سادة الدنيا بعد أن كانوا منعزلين فـي باديتهم.

وبهذا كله يقف مرة أخرى بين حضارتين قديمة زائلة وجديدة ناهضة لا ينسى ما للأولى وما يمكن أن تفيده؛ ولا يتهكم من جنس الثانية أو يسخر؛ بل هو أميل إلى الثناء على هؤلاء البدو الذين لم يكونوا شيئاً مذكوراً فإذا بهم يقودون الدنيا وتنقاد لهم. وهذا لا يعني أنه يتعصب للعرب - أكثر مما هو عليه الجاحظ مثلاً - كما ذهب إليه كرد علي [٥٠]. وإنما موقفه موقف الرجل العاقل المنصف الذي يعطي ما لقيصر لقيصر، ومالله لله (٥١).

لقد شب وفؤاده يستفزه إلى كل معرفة؛ وروحه تسمو إلى كل خلق؛ ويتطلع إلى المستقبل بتفاؤل وثبات …. لا يوهن من عزيمته حسد حاسد؛ ولا كيد والٍ؛ ولا اضطغان كبير أو صغير. ولهذا كله يقول: «من حاول الأمور احتاج فيها إلى ستٍ: العلم والتوفيق، والفرصة، والأعوان، والأدب، والاجتهاد» (٥٢).

وقال: «لا تجد العاقل يحدّث من يخاف تكذيبه؛ ولا يسأل من يخاف منعه، ولا يَعِد بما لا يجد إنجازه، ولا يرجو ما يعنَّف برجائه، ولا يقدُم على من يخاف العجز عنه» (٥٣)

فالعاقل هو المؤمن الحقيقي بالخُلُق، ومن كان له خُلُق فهو ذو مروءة. ويؤكده جواب الرسول (ص) لرجل من مجاشع على سؤاله: ألست أفضل قومي؟ «فقال: إن كان لك عقل فلك فضل، وإن كان لك خُلُق فلك مروءة… وإن كان لك تقى فلك دين» (٥٤).

فأي رجل إن لم يكن متديناً، فليكن حراً ذا مروءة، وهذا ما نراه فـي مقولة لابن المقفع فـي بعض شروط الصديق: «إذا نظرت فـي حال من ترتئيه لإخائك فليكن حراً ليس بجاهل ولا كذاب ولا شرير» (٥٥). لهذا كان يذم الحريص الغافل، والحسود المبغض؛ ويكرههما كراهة تدل على عقل واعٍ؛ وتدين قويم لقوله: «الحرص والحسد بِكر الذنوب؛ وأصل المهالك. فأما الحسد فأهلك إبليس؛ وأما الحرص فأخرج آدم من الجنة» (٥٦).

فهو يفضل الصديق بأن يكون متديناً حراً شريفاً، وهذا أنبل ما يراه، وإن لم يكن متديناً، فليكن حراً شريفاً؛ أما إذا كان متديناً وفقد صفات المروءة فلاحاجة للإنسان به… وإن فُرض علىالمؤمن الشريف أن يخالط بعض المستهترين أحياناً - كما حدث له، وكما يحدث لنا فـي أيامنا هذه - فليتمسك بخلقه وعقله من دون الإساءة لهم.

فابن المقفع مثل للوفاء والإخلاص والتضحية بالنفس والمال من أجل صديقه؛ وقصته مع عبد الحميد الكاتب - مثلا - تؤكد ذلك. فقد روي أن عبد الحميد طلب من بني العباس، فاستخفى فعُثر عليه عند «ابن المقفع - وكان صديقاً له - ففاجأهما الطلب، وهما فـي بيت، فقال الذين دخلوا عليهما: أيكما عبد الحميد؟ فقال كل واحد منهما: أنا، خوفاً من أن ينال صاحبه مكروه؛ وخاف عبد الحميد من أن يسرعوا إلى ابن المقفع؛ فقال: ترفقوا بنا؛ فإن كلاً منا له علامات…. ففعلوا؛ وأُخذ عبد الحميد» (٥٧)

إنه قدَّم روحه فـي سبيل صديقه، آواه إليه؛ ودفع نفسه للتهمة قرباناً له…. ومن كانت هذه صفته فإن حاله أهون عنده ليبذله فـي سبيل المحتاجين إليه…. أصدقاء وغير ذلك.

وروى ابن قتيبة أن ابن المقفع كان له جار ركبه دَيْن، فرغب فـي بيع داره لسداد دينه، فقال: «ما قمت إذاً بحرمة ظل داره إن باعها مُعْدماً، وبت واجداً، فحمل إليه ثمن الدار وقال: لا تَبع» (٥٨).

وذكر الجهشياري قصّة أخرى له مع عمارة بن حمزة؛ ثم قال فيه: «وكان سرياً سخياً، يطعم الطعام؛ ويتسع على كل من احتاج إليه. وكان قد أفاد من الكتابة لداود بن عمر مالاً؛ فكان يجري على جماعة من وجوه أهل البصرة والكوفة ما بين الخمس مئة إلى الألفين فـي كل شهر» (٥٩).

فالرجل يتعهد ذوي الحاجات، ويواسيهم بماله، ونفسه؛ مما يدل على سماحة خلقه؛ وهو القائل: «أهل العقل والكرم يبتغون إلى كل معروف وُصْله وسبيلاً» (٦٠). فالعقل يزيد العاقل بصراً، ويزيد الخفافيش سوء بصر…. بل إن اجتماع عقل ابن المقفع مع خلق رفيع؛ ورهافة حس، يشي - دون شك - بأن حذره لم يكن تقيَّة أو نفاقاً؛ كما ادعاه عليه بعض الباحثين (٦١)؛ وهو القائل: «الكريم يمنح الرجل مودته عن لُقْية واحدةٍ أو معرفة يوم؛ واللئيم لا يصل أحداً إلا عن رغبة أو رهبة» (٦٢)؛ و «لا يتم حسن الكلام إلا بحسن العمل؛ كالمريض الذي قد علم دواء نفسه؛ فإذا هو لم يتداوَ به لم يُغْنِه علمه» (٦٣) فشدة حذره من السلطان ناتج عن حلم سديد، وتجربة واعية بشؤون السياسة؛ فهو الذي كابد فتن الولاة، ورأى أحداثاً عظيمة تجري بين ظهرانيه.

ولو أعاد المرء النظر فـي كتاب الأمان لاستيقن بما طبع عليه من فضائل؛ فهو صادق مخلص؛ محض مودته وإخاءه لذوي نعمته؛ فكان وفياً شريفاً ولم يخذلهم حين احتاجوا إليه. لهذا وضع كل حذقه فـي الكتابة؛ وبلاغته بمعرفة العربية وأساليبها؛ ودل على فهم عميق بنفس أبي جعفر المنصور؛ لأنه استشعر منه البطش والغدر بعبد الله بن علي؛ فأحكم كل منفذ عليه (٦٤)؛ وهو يعلم أنه يضع دمه بين حروف كلماته…. وهو الذي قدّم نفسه - من قبل - قرباناً لصديقه عبد الحميد الكاتب.

ودل فـي هذا الكتاب وغيره على أنه بليغ فصيح وكاتب مبدع، يضع كلامه فـي الموضع الدقيق له؛ وعالم فطن لأبعاد ما يرمي إليه كلامه، …. حتى صار مضرب المثل ببلاغته كما نجد فـي شعر لأبي تمام يذكره مع غيره من البلغاء؛ فـي مدحه للحسن بن وهب (٦٥):

فكأن قِسّاً فـي عكاظ يخطب

وكأن ليلى الأخيلية تندب

وكثير عزة يوم بينٍ ينسُب

وابن المقفع فـي اليتيمة يسهب

وشهد له الأصمعي اللغوي المعروف (ت ٢١٦هـ) بفصاحته فقال: «قرأت آداب ابن المقفع فلم أر فيها لحناً إلا قوله: العلم أكثر من أن يحاط بالكل منه فاحفظوا البعض» (٦٦)، وكان الصواب أن يقول: «كله» و «بعضه» بغير «أل» … كما سعى الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت ١٧٠ هـ) إلى مجالسته، ولما سئل عن نتيجة مجالسته له: «كيف رأيت صاحبك؟ فقال: ماشئت من علم وأدب إلا أن عقله وعلمه أكثر» (٦٧). وقد حرفت رواية الخبر نتيجة النسخ أو رواية الرواة فكان الجواب «ما رأيت مثله، وعلمه أكثر من عقله» (٦٨)، وقد صدق كل منهما فـي وصف الآخر، ووقع بذكائه على أهم ما يتصف به.

ومن ثم قال ابن سلام: «سمعت مشايخنا يقولون: لم يكن للعرب بعد الصحابة أذكى من الخليل بن أحمد ولا أجمع، ولا كان من العجم أذكى من ابن المقفع ولا أجمع» (٦٩).

وكذلك كان مثار إعجاب كثير من القدماء والمحدثين؛ استشهدوا بآرائه (٧٠) وأثنوا على أخلاقه وذكائه وعفته وقناعته فـي المأكل والملبس والمشرب، وكرمه الفياض، فكان «جواداً فارساً جميلاً» كما قال الجاحظ (٧١). وقال محمد كرد علي فيه:

كان «رجل نجدة وأنفة وكرم أخلاق ومروءة ووفاء وحسن عشرة. وكان ربّ جد وعمل، لا يستند فـي أموره (إلى) الخيال، وجل اعتماده على عقله وتجاربه وتجارب من سلف من حكماء الأمم. كان محافظاً على شعائره، لا يحرم على نفسه الطيبات المحللة؛ فليس فيه جمود الفقهاء، ولا استهتار الأدباء، فهِم من الدين ما فهمه كل عاقل» (٧٢).

ولهذا كله نعجب للجاحظ كيف اتهمه بالجهل بعد أن أثنى عليه، فقال: «وإذا أردت أن تعتبر ذلك إن كنت من خُلَّص المتكلمين ومن النظارين فاعتبر ذلك بأن تنظر فـي آخر رسالته الهاشمية فإنك تجده جيد الحكاية لدعوى القوم… وقد يكون الرجل يحسن الصنف والصنفين من العلم، فيظن بنفسه عند ذلك أنه لا يحمل عقله على شيء إلا بَعُد فيه» (٧٣). ثم استجهله معتزليٌّ آخر هو أبو بكر الأصم، فقال: «ولقد رأيت ابن المقفع هذا فـي غزارة علمه وكثرة روايته كما قال الله تعالى: (كمثل الحمار يحمل أسفاراً ( (الجمعة ٦٢ / ٥) قد أوهن علمه وأذهله حلمه، وأعمته حكمته وحيَّرته بصيرته» (٧٤). ولعل هذا الحكم يحدونا - من جديد - إلى تذكر مجالسة الخليل لابن المقفع؛ إذا قال الأول فـي الثاني: «علمه أكثر من عقله» بينما قال الثاني فـي الأول: «عقله أكثر من علمه» (٧٥)، وشتان بين الحكمين.

وبذلك كله يتضح لنا أمران اثنان فـي الانتقاص من عبد الله بن المقفع وهما:

١ـ كان ابن المقفع يجهل علم الكلام الذي يتقنه المعتزلة، وإن أقروا له بغزارة العلم وجيد المعارف، وكثرة الرواية… ولكنه فـي هذا العلم ليس حجة. ثم اتهم بالجهل وقلة تدبر أمره فقال البغدادي: «وجهل ابن المقفع أداه إلى أن كتب أماناً…. فقتله» (٧٦).

٢ـ غلب على علمه ومؤلفاته منهج الجمع والتصنيف؛ فليس له من الفضل إلا أنه نقل ما لدى القدماء من الفرس والهنود وربما غيرهم…. ولهذا ظهر علمه أكثر من عقله، فلو كان يملك - فـي رأيهم - العقل الراجح لسخر علمه فـي إنقاذ نفسه.

وفـي ضوء ذلك نقول: على المرء أن يسعى وليس عليه إدراك المنى؛ وإذا نقصت معارفه من علم الكلام؛ فهذا ليس بضائره، ولا يقوَّم به حدّ المعرفة؛ فـي زمانه؛ فضلاً عن أن الإنسان لا يمكنه أن يبلغ الكمال وإن نشده طوال حياته…. فالكمال لله وحده، والإنسان مركب على النقص؛ ومن ادعى أنه قد علم فقد جهل. وهو القائل: «العلم أكبر من أن يحاط بالكل فخذوا البعض» …. إذا أهملنا صغر سن ابن المقفع، وأن الجاحظ نفسه قدَّمه فـي «بلاغة اللسان والقلم والترجمة واختراع المعاني وابتداع السِّيَر…. وعدَّه من المعلمين ثم من البلغاء المؤدبين» (٧٧).

وأخيراً نرجح بأن ابن المقفع ليس مجرد جامع أو مصنف لآثار الفرس وغيرهم؛ ولكنه أخذ نفسه فيما يراه من الواقع السياسي والاجتماعي والفكري - وهو لم يكن قد أسلم - بأن يرجع إلى التاريخ…. فيفيد منه…. ويحاور أهله ويستمع إليهم فـي ضروب من الأخلاق ولطائف الأمور…. فترجم بعض تلك الآثار وما نقل إليها من الهندية على السواء، مما هو مكتوب باللغة الفارسية؛ وطبع ذلك بطابعه الشخصي وثقافته العربية، وساقه من أجل هدف إصلاحي ليس غير.

وما الذي يضير هذا الشاب وهو فـي مقتبل العمر أن يعمد إلى مايعرفه من ثقافات؛ ويجعلها مركز اهتمامه، وهو ما يزال لا يعرف غيرها؟ ! إنه ينهل منها آراءً سياسية واجتماعية وفكرية؛ ويستشف أنظمة وقوانين يراها مفيدة لأبناء عصره؛ شأنه شأن المبدعين والمفكرين المخلصين هذه الأيام…. فابن المقفع وجد نفسه أنه يقف بين حضارتين ولا يملك إلا قلمه وعقله فتوجه إلى ثقافته القديمة لينهل من معينها ما يفيد واقعه، ولكنه كان مبدعاً حين مزج بين ما هو قديم وما هو جديد؛ فقدّم لنا المثال الحيوي على المزج الحضاري مبكراً. ثم تراه من بعد إسلامه وإتقانه للغة العربية يضع مؤلفات تدل على إبداع من نوع جديد؛ كما هو عليه رسالة الصحابة…. والأدب الكبير والأدب الصغير…. ثم لا يحيد فـي منهجه عن منهج عبد الحميد الكاتب فـي رسالته إلى ولي العهد (٧٨). وبذلك كله نرى أنه إذا كانت كل صناعته تحتاج إلى ذكاء فإن الكتابة تحتاج إلى ذكائين: «جمع المعاني والحروف بالقلم» (٧٩).

مصرعه:

جاء على رأس دولة بني العباس رجلان شديدان حازمان هما أبو العباس السفاح وأخوه أبو جعفر المنصور، فبطشا بأقرب المقربين إليهما إن لم ير رأيهما، وقد عاين ابن المقفع ذلك عن كثب لأنه كان كاتباً لعيسى بن علي عم أبي العباس، كما أشرنا إليه من قبل…. إذ عاش فـي مرحلة زمنية عصيبة من حياة الأمة الإسلامية. ولما نأى بجنبه عن كل ما يجري… ابتعد عن مركز الخلافة وأبي جعفر المنصور؛ ولكنه دخل فـي نهاية المطاف فـي أتون خلافاتها فدفع رأسه ثمناً لذلك، ووقع المحذور الذي كان يخشى منه، فانطبقت عليه مقولة: «من حام حول الحمى أوشك أن يقع فيه»؛ فهو قد وقع فيه فعلاً…. ولم ينجه عقله ولا حذره من قدره….

بل لنقل: إنه أحد أولئك الذين قتلهم علمهم وإتقانهم للمعرفة وصنعة الكتّاب؛ ومن العلم ما قتل… فابن المقفع الذي تعهده أبوه بالرعاية، وعلمه صناعة الكتابة، فتثقف الثقافة الفارسية والثقافة العربية على السواء حتى وصل فيهما إلى درجة أقرب إلى الكمال كان حسن صنعه فـي إحكام كتاب الأمان الذي كتبه لعبد الله بن علي نحو سنة (١٣٩هـ) بدافع من أخيه عيسى السبب الأعظم الذي أدى إلى مقتل ابن المقفع. وكان الذين شقَّ على أبي جعفر ما جاء فـي أسفل الكتاب؛ ليوقع بخطه عليه؛ وهو: «وإن أنا نلت من عبد الله بن علي أو أحد ممن أقدمه معه بصغير من المكروه أو كبير؛ أو أوصلت إلى أحد منهم ضرراً له؛ سرّاً أو علانية؛ على الوجوه والأسباب كلها، تصريحاً أو كناية؛ أو بحيلة من الحيل؛ فأنا نَفـي من محمد بن علي بن عبد الله ومولود لغير رشدة. وقد حلَّ لجميع أمة محمد خلعي وحربي والبراءة مني، ولا بيعة لي فـي رقاب المسلمين، ولا عهد ولا ذمّة. وقد وجب عليهم الخروج من طاعتي، وإعانة من ناوأني من جميع الخلق، ولا موالاة بيني وبين أحد من المسلمين، وهو متبرئ من الحول والقوة؛ ومدّعٍ إن كان أنه كافر بجميع الأديان، ولقي ربه على غير دين ولا شريعة، محرم المأكل والمشرب وا

لمناكح والمركب والرِق والملك والملبس على الوجوه والأسباب كلها، وكتبت بخطي ولا نية لي سواه؛ ولا يقبل الله مني إلا إياه والوفاء به» (٨٠).

هذا جزء مما ينبغي أن يوقّع عليه الخليفة من كتاب الأمان؛ فهو مكتوب بلغة بالغة الدقة، وفيها كثير من الإثارة؛ فضلاً عن أنه لم يمكنه من التأويل كي يفتك بعبد الله ولو كان عمه؛ لأنه خرج عليه فـي الشام؛ …. ولم يبايعه إلا فـي سنة (١٣٨هـ) بعد أن فرَّ فـي البلاد، ثم استطاع الدخول إلى البصرة وكان واليها للمنصور - آنئذ - عمه سليمان بن علي الذي سعى جاهداً مع أخيه عيسى لأخذ الأمان لأخيهما عبد الله. ولمّا وعدهما أبو جعفر بالأمان أحفظه فعلهما، واضطغن على ابن المقفع، ثم عزل سليمان سنة (١٣٩هـ / ٧٥٦م) وولَّى مكانه سفيان بن معاوية (١٣٩ـ١٤٥هـ) ثم أمره بقتل ابن المقفع سنة (١٤٢هـ / ٧٥٩م). أما كيفية مقتله فسنوضحها بعد أن نشير إلى بعض الأسباب الأخرى التي تراكمت سنة بعد سنة حتى إذا حان قدره كتب ذلك الكتاب بأمر من عيسى بن علي.

فسبب مقتل ابن المقفع سبب سياسي شخصي يكمن وراءه ما اختزنه ابن المقفع من مهارة ومعرفة؛ فلم يترك للمنصور منفذاً ينفذ منه إلى قتل عبد الله بن علي.

لهذا حبس الخليفة عبد الله بن علي سنة (١٤٠هـ) ثم قتل فـي السجن فيما بعد سنة (١٤٩هـ) بأمر من المنصور؛ وكان عبد الله قد أغرى بإخوته وابن المقفع، ففطن له وقتل وهدم البيت على صاحبه، (٨١) كما يقول الجاحظ.

فالكتاب فـي اعتقادنا السبب الأول والأخير فـي قتل ابن المقفع، أما الدواعي الأخرى فكانت بمنزلة المقدمات لمصرعه، وذلك ما ذكره البغدادي قبل قليل. وليس من أحد يشك فـي أن ابن المقفع نال شهرة عظيمة فـي التأليف والترجمة؛ ومهر بصناعة الكتابة فـي الدواوين…. وقد جّرَّ عليه هذا كله حسد الحاسدين وكيد الكائدين ومنهم أبو أيوب المورياني كاتب الخليفة كما عرضنا له من قبل.

أما السبب الآخر فهو حقد سفيان بن معاوية المهلبي على ابن المقفع؛ وكراهيته الشديدة له… ولم تذكر الأخبار القديمة سبباً للعداوة بينهما، علماً أن أول اتصال وقع لابن المقفع به كان يوم ولايته على نيسابور… ومن بعدُ صار والياً للمنصور على البصرة؛ ولكنها روت أن ابن المقفع كان «يعبث بسفيان…. وينال من أمه، ولا يسميه إلا بابن المغتلمة، وكثر ذلك منه). واستمر يستخف به (كثيراً، وكان أنف سفيان كبيراً، فكان إذا دخل عليه قال: السلام عليكما، يعني نفسه وأنفه. وقال له يوماً: ما تقول فـي شخص مات وخلَّف زوجاً وزوجة؟ يسخر به على رؤوس الناس. وقال سفيان يوماً: ما ندمت على سكوت قط؛ فقال ابن المقفع: الخرس زين لك، فكيف تندم عليه؟ !!. وكان سفيان يقول: والله لأقطعَنَّه إرْباً إرْباً، وعينه تنظر. وعزم على أن يغتاله؛ فجاءه كتاب المنصور بقتله».

وكان من أمر ابن المقفع قبل مقتله أن عيسى بن علي طلب إليه أن يذهب بأمر أخيه عبد الله إلى سفيان فأجابه بقوله: ابعث إليه غيري؛ فإني أخاف منه. فقال: اذهب فأنت فـي أماني (٨٢). ثم ذهب فرأى عزم سفيان على قتله؛ فقال بتهكم به: «والله إنك لتقتلني فتقتل بقتلي ألف نفس، ولو قتل مائة مثلك ما وفوا بواحد؛ ثم أنشد شعراً (٨٣):

إذا ما مات مثلي مات شخص

يموت بموته خلق كثير

ذ

وأنت تموت وحدك ليس يدري

بموتك لا الصغير ولا الكبير

ثم أمر بتَنُّور فسجر، ثم أمر بابن المقفع فقطعت أطرافه عضواً عضواً؛ وهو يلقيها فـي التنور، وهو ينظر، حتى أتى على جميع جسده؛ ثم أطبق عليه التنور، وقال: ليس عليَّ فـي المـثلة بك حَرَج لأنك زنديق وقد أفسدت الناس» (٨٤).

هذه هي أشهر رواية لكيفية مقتله بعد أن عاش ستاً وثلاثين سنة؛ وكذلك روي أنه «ألقاه فـي بئر المخرج وردم عليه الحجارة؛ وقيل: أدخله حماماً، وأغلق عليه بابه فاختنق» …. ونرى أن الرواية الأخيرة أقرب إلى المنطق والعقل ومجريات الحادثة، فمن حضر من الشهود أفادوا بأنهم رأوه يدخل دار الوالي ولم يخرج منها. (٨٥)

وحين يتحدث المرء عن مصرع ابن المقفع لا يمكنه أن يتغافل عن سبب آخر أشرنا إليه على نحو ما فيما تقدم…. وهو علم الرجل ومهارته فـي الكتابة. فحين نصّب نفسه مدافعاً عن الرعية، وأخذ يغمز من الخليفة ويلمز بطانته، وينقد سياسة تدبير شؤون الحكم وتعيين الولاة؛ ويوحي بظلم الحاكم المطلق فـي كتابه «كليلة ودمنة» وإن لم يسمّه كان هذا بداية لاضطغان أبي جعفر عليه.

ثم نصّب نفسه من جديد بعد تولي أبي جعفر الخلافة سنة (١٣٦هـ) مرشداً وناصحاً يوصيه بجملة من التدابير التي تبصره بإصلاح فساد بطانته؛ وكأنه غافل عنها، مما زاد حنق الخليفة عليه….

وما زال غضب المنصور يتصاعد حتى أخرجه كتاب الأمان عن حلمه وسياسته المرنة مع ابن المقفع. والسبب أن الكتاب يحمل فـي طياته نذير الثورة الحقيقية والتمرد الصريح…. فقد وقف الكتاب سداً منيعاً فـي وجهه فلم يستطع أن ينال من رجل خارج عليه، ولم يبايعه إلا قهراً بعد مطاردته…. وهذا ينذر بالتقليل من هيبة الخليفة؛ ويشجع الآخرين على أن يحتذوا حذوه…. لهذا وجدنا المنصور يسجن عبد الله بن علي ثم يضيع دم عبد الله بن المقفع حين طلب بثأره عيسى بن علي وأخوه، ومن ثم يقتل عيسى بعد ابن المقفع فـي ظروف غامضة فـي السنة نفسها (١٤٢هـ) وهي السنة التي مات فيها سليمان أيضاً (٨٦).

ولهذا كله لا ندري سبباً لرفض الدكتور طه حسين أن يكون كتاب الأمان مدعاة لقتل ابن المقفع حين رجح نفيه بقوله: «ويقولون: بل قتله عهد كتبه لعبد الله بن علي أحرج صدر المنصور؛ إذ ألزم الخليفة إن رجع أن تكون نساؤه طوالق؛ ورقيقه حراً؛ إلى غير ذلك. فغضب المنصور وأغرى إلى والي البصرة سفيان…. بقتله فقتله». ثم يقول: «أما أنا فأرجح جداً أن الذي قتل ابن المقفع ليست الزندقة، ولم يقتله تشدده فـي الأمان الذي كتبه لعبد الله بن علي؛ لأنه يوشك أن يكون أسطورة ليس لدينا منها نص. ولكن لابن المقفع رسالة أخشى أن تكون هي التي قتلته؛ لأنها توشك أن تكون برنامج ثورة؛ وهي موجهة إلى المنصور…» (٨٧)

وإذا كان قد استنكر مقتله على تلك الرواية التي قطعته إرباً إرباً فهو محق فـي استنكاره؛ لأننا رجحنا الرواية الأقرب للمنطق؛ وهي حبسه فـي الحمام حتى مات دون أن يدري به أحد، وأما أن يستنكر كتاب الأمان ويجعله أسطورة لعدم وجود نص فهذا كلام غير دقيق؛ لثبات النص وروايته عن الرجال الثقات. أما أن تكون «رسالة الصحابة» السبب الوحيد لقتله فهذا غير مسلّم عندنا، وإن وصفها بأنها: توشك أن تكون برنامج ثورة. ونحن لا نستبعد قيمة ما توحي به من وجوه استفزاز الخليفة؛ إذ كانت تحمل من النقد اللاذع لنظام الحكم أكثر مما ينبغي أن يثار… ولكنها ليست سبباً فـي قتله لأنَّها كتبت نحو سنة (١٣٦هـ) بينما كتب «الأمان» آخر (١٣٩هـ) وأدى فـي جملة ما انتهت إليه الأحداث إلى عزل سليمان ابن علي عن البصرة وحقد الخليفة عليه وعلى أخيه عيسى وحبس عبد الله. وهنا نتساءل: أيعقل أن يتريث المنصور ثماني سنوات حتى ينفذ فـي ابن القفع حكم القتل وهي برنامج ثورة؟ !. إننا نستبعد فرضية الدكتور طه حسين؛ علماً أن أبا جعفر كان فطناً ذكياً حذراً فهو يعد من الدهاة؛ وهو أدرى الناس بضغائن الصدور من غيره؛ وهو من بطش بأعدائه على الظن، فليس من المنطق فـي شيء أن يقتل المنصور ابن

المقفع على رسالته «رسالة الصحابة» بعد تلك المدة الطويلة من كتابتها؛ وهي التي دفعته إلى التفكير الجاد لإيجاد نظام واحد للقضاء والخراج…. لذا فالراجح لدينا أن هذه الرسالة كانت سبباً من الأسباب التي تجمعت عند المنصور للأمر بقتله، ولاسيما ما تدل عليه عبارة ابن المقفع نفسه، ويقول فيها: «الملك يحتمل كل شيء من أصحابه إلا ثلاثاً: إفشاء السر، والتعرض للحُرَم، والقدح فـي الملك» (٨٨).

وقد يقول قائل: لماذا لا تكون الزندقة وراء مقتله، ولا سيما أن سفيان بن معاوية قد وصمه بذلك فـي رواية المدائني عن كيفية مقتله؟ . ومن ثم فإن بعض المحدثين كالدكتور عبد اللطيف حمزة لا يرى سببا لقتله غير الزندقة، إذ يقول: «فعندي أن المنصور لم يتذرع بكتاب الأمان فـي قتل الرجل، ولكنه حين أراد قتله إنما تذرع بسبب واحد قبل كل شيء هو الزندقة أو هو شهرة ابن المقفع بهذه الصفة» (٨٩). ولما ذهب هذا المذهب جعل الخروج على السلطان والخليفة زندقة، كما يخرج الإنسان عن الدين الإسلامي…. ولا سيما أن الزنادقة أصبحوا فـي نظر الخليفة المنصور مصدر شر عظيم له ولدولته….

ونحن لا نرتاب فـي أن الزنادقة شر كبير على الناس فـي كل زمان ومكان، ولكن أن نسلّم باتهام كل من هبَّ ودب بالزندقة على اعتبار ما نفكر فيه أو نتعصب له…. فهذا أغرب من الغرابة منهجاً وعلماً وموضوعية…. فالباحث سلم بزندقة ابن المقفع - وهو بريء منها كما سنرى - ثم جعله مطارداً فـي زمرة الزنادقة الذين طاردهم أبو جعفر المنصور، وقتل بعضهم…. وهذا كله محض افتراء وتوهم وخيال غير دقيق ومناقض للواقع التاريخي…. فابن المقفع كان بالقرب من الخليفة، وإذا كان الخليفة قادراً على أخذ عمه عبد الله ابن علي والي الشام لأنه ثار عليه فهو أقدر على أخذ ابن المقفع القريب منه فـي البصرة عند عمه سليمان بن علي…. فالزندقة شر مستطير على المجتمع والدين، ولكنها لم تكن سبب مقتله كما رآه الدكتور طه حسين وهو ما نذهب إليه، على أننا لا نرى رأيهم فـي تهمة الزندقة…. وهذا يعود لأسباب كثيرة سنناقشها فـي الفصل الثالث…. بيد أننا نشير هنا إلى أن الرواية الوحيدة التي ورد فيها اتهام ابن المقفع بالزندقة من أبناء معاصريه إنما هي رواية المدائني (ت ٢٢٥هـ) على لسان سفيان بن معاوية…. وهي رواية مشكوك فيها…. ومما يؤيد الشك فيها أن المنصور لم يقتل من الزنادقة

إلا من اعترف على نفسه بها، وبأنه ارتكب بحق الإسلام أمراً فظيعاً، كما هو حال ابن أبي العوجاء الذي وضع أحاديث مكذوبة على رسول الله، واعترف بذلك فقتله المنصور…. (٩٠)

فهذه هي الحالة التاريخية الوحيدة فـي هذا الشأن؛ إذ لم يكن المنصور يتعرض لحرية الرأي والفكر إلا إذا ارتبط بمركز الخلافة والحكم، أو جاهر بعدائه للإسلام، وأخذ يفتري عليه وعلى رسوله….

وبناء على ذلك كله نرى أن هناك أسباباً عديدة اجتمعت كلها، بعد أن تراكمت سنة إثر أخرى حتى كان «كتاب الأمان» وما لحقه من وقوف ابن المقفع مع بني علي أعمام الخليفة…. مما أدى إلى نقمة المنصور عليه وأمره لوالي البصرة الجديد سفيان بن معاوية كي يتخلص منه…. وهنا واتت الفرصة المناسبة سفيان وكان يضطغن عليه كثيراً فقتله شر قتلة كما ذهبت إليه الروايات العديدة…. ما عدا رواية وحيدة ذهبت إلى أن ابن المقفع قتل نفسه…. ثم اتفقت مع غيرها ممن ترى أن كتاب الأمان هو سبب قتله. فقد ذكر فـي كتاب «المقالات والفِرَق» الذي صنفه سعد بن عبد الله بن خلف الأشعري القمي (ت ٥٠١هـ) أن المنصور لما ضجر من كتاب الأمان كتب إلى عامله على البصرة سفيان بن معاوية أن يقتله… ولكن سفيان الذي ظفر بابن المقفع أراد حمله إلى المنصور؛ فما كان منه إلا أن قتل نفسه، فقيل: شرب سماً؛ وقيل: شنق نفسه (٩١).

وهذا ليس بصحيح لما تبيناه من أن عيسى بن علي أراد الأخذ بثأر ابن المقفع من سفيان؛ فانتهى هو الآخر نهاية مجهولة…. فـي سنة (١٤٢هـ / ٧٥٩م).

ويخلص المرء إلى أن حسد الكتاب وحقدهم عليه كأبي أيوب المورياني؛ وكراهية بعض الولاة المقربين من الخليفة وتوعدهم له بالشر، والنكاية له عند المنصور…. وتعرض ابن المقفع لنقد الولاة والحكم بصورة مباشرة وغير مباشرة؛ ووقوفه إلى جانب بني علي أعمام الخليفة…. كل ذلك أدى إلى عدم تقبل الخليفة لابن المقفع، ومن ثم عدم الرغبة فيه، ومن ثم كراهيته التي بلغت أوجها بكتاب الأمان…. مما جعله يعزم على قتله….

فسبب مقتله سبب ذاتي شخصي، ثم اجتماعي سياسي فـي ضوء ما ذكرناه، وقبل كل ذلك قتله إتقانه لحرفة الكتابة….

أما تاريخ مقتله فقد اختلف فيه القدماء والمحدثون، وإن اتفقوا على أنه وقع فـي البصرة؛ فجعله كثير منهم بين سنتي (١٤٢هـ / ٧٥٩م) وبين (١٤٥هـ / ٧٦٤م)؛ ومنهم من مده إلى سنة (١٥٠هـ) أو بعدها بقليل…. وكل له رأيه (٩٢). ولكننا نرجح أنه قتل سنة (١٤٢هـ / ٧٥٩م) وهي السنة التي قتل فيها عيسى بن علي الذي رغب فـي الثأر له….، فضلاً عن أن ابن خلكان يفيد بأنه عاش ستاً وثلاثين سنة، فإذا كان مولده الذي اتفق عليه أغلب القدماء سنة (١٠٦هـ / ٧٢٤م) فإن سنة (١٤٢هـ) هي الأرجح لمقتله؛ وهي السنة التي حددها الجاحظ أيضاً (٩٣).

وأخيراً نقول لعل بيان زندقته ينكشف فـي الكلام على آثاره، وتبين هذه الآثار جملة من الإضاءات عن عقيدته وثقافته ومنهجه، وسلوكه الدؤوب فـي الإصلاح الاجتماعي والأخلاقي والسياسي…. وهي فـي الوقت نفسه توضح لنا مفهوم ابن المقفع للترجمة التي توسع فيها باعتبار نزوعه الفارسي الإنساني لا باعتباره الشعوبي…. وقد عمل لذلك منذ دخوله الدواوين…. وهذه الآثار هي التي تسلمنا إلى الفصل الثالث الذي يبرئ ابن المقفع من الزندقة والشعوبية….

الهواهش:

[١] انظر الوزراء والكتاب ١٠٣ و ١٠٩ والفهرست ١٧٢ والقاموس المحيط والتاج (قفع) وخزانة الأدب ٣ / ٤٥٩ـ٤٦٠ ووفيات الأعيان ٢ / ١٥١ ولسان الميزان ٣ / ٣٦٦ والأعلام ٤ / ١٤٠ وتاريخ الأدب العربي (بروكلمان) ٢ / ٩٢ و (فروخ) ٢ / ٥١، وضحى الإسلام ١ / ١٩٥ وتاريخ آداب اللغة العربية ١ / ٤٣٨ـ٤٣٩ والفن ومذاهبه فـي النثر العربي ١٣٤ والعصر العباسي الأول ٥١٠ وأمراء البيان ٨٦ وابن المقفع ٤٠ - ٤١.

[٢] المصدر السابق نفسه.

[٣] انظر أمراء البيان ٨٦ - ٨٧ وأخذه كما يبدو لنا من الوزراء والكتاب ١٠٩.

[٤] انظر الفن ومذاهبه فـي النثر العربي ١٣٤.

[٥] انظر تاريخ الطبري ٧ / ٥٠٠ والوزراء والكتاب ١٠٩ والبداية والنهاية ١٠ / ٩٦ وتاريخ الأدب العربي (بروكلمان) ٣ / ٩٢ـ٩٣ وضحى الإسلام ١ / ١٩٥ - ١٩٦ وانظر شذرات الذهب ١ / ٥٠ وتاريخ الحكماء ٢٢٠.

[٦] وفيات الأعيان ٢ / ١٥٣ وانظر فيه ١٥٢ والبخلاء ٣٦٨ وتاريخ آداب اللغة العربية ١ / ٤٣٨ وانظر حاشية ٩٣ـ٩٦ مما يأتي.

[٧] انظر وفيات الأعيان ٢ / ١٥٥ والفهرست ١٧٢ وخزانة الأدب ٣ / ٤٦٠ والقاموس المحيط والتاج (قفع) ومن حديث الشعر والنثر ٤٦ وابن المقفع ٤٢، وأمراء البيان ٨٦.

[٨] انظر البيان والتبيين ١ / ٢٥٥ - وعنه أخذ شوقي ضيف فـي الفن ومذاهبه فـي النثر العربي ١٣٤.

[٩] انظر مثلاً: وفيات الأعيان ٢ / ١٥٢ وبعد، ومارآه بروكلمان فـي تاريخ الأدب العربي ٣ / ٩٨.

[١٠] انظر جمهرة رسائل العرب ٣ / ٤٢ وما سيقال فـي التكلم على الرسالة من بعدُ.

[١١] انظر تاريخ الطبري ٧ / ٤٧٠ـ٥٠٤ (أحداث سنوات ١٣٢ـ١٤٢هـ) والكامل فـي التاريخ ٥ / ٤٩٧ والبيان والتبيين ١ / ١١٥ـ١١٧ و٢ / ٢١١ وتاريخ آداب اللغة العربية ١ / ٤٠٣ وتاريخ الأدب العربي (فروخ) ٢ / ٥٢.

[١٢] انظر وفيات الأعيان ٢ / ١٥٤.

[١٣] انظر وفيات الأعيان ٢ / ٤١٠ وتاريخ اليعقوبي ٢ / ٣٨٩ ومعجم الأدباء ١٥ / ٢٤٢ و ٢٥١ـ٢٥٣ (ترجمة عمارة بن حمزة)

[١٤] انظر تاريخ الطبري ٧ / ٤٧٠ـ٤٧١ وكتاب الصناعتين ٦٤ و ٢٦٦ ووفيات الأعيان ٢ / ١٥٢ـ١٥٣ وسرح العيون ١٤٩ ومحاضرات الأدباء ١ / ٢٩ وأمراء البيان ٨٦ـ٨٧ وقد ذهب صاعد الأندلسي فـي (طبقات الأمم) إلى اتصاله بالمنصور (٧٧ وبعد) =وعنه أُخذ فـي الأعلام ٤ / ١٤٠ وتاريخ الأدب العربي (فروخ) - ٢ / ٥٢. وانظر حاشية [٢٠] مما يأتي ونصيحة الملوك ٥٤٩ حاشية [١].

[١٥] انظر الوزراء والكتاب ٧٩ وبعد ووفيات الأعيان ٢ / ١٥٢ وانظر حاشية ٦٠مما يأتي.

[١٦] انظر تاريخ الأدب فـي إيران ٤٤٤ ودراسات فـي الأدب المقارن ١٧٤ وتاريخ الأدب العربي (بروكلمان) ٣ / ٩٣.

[١٧] انظر جمهرة رسائل العرب ٣ / ٤٢، وحاشية ١٣٠ وما بعدها من الفصل الثاني فـي الحديث عن رسالة الصحابة.

[١٨] انظر تاريخ الطبري ٧ / ٥٠٠ والتنبيه والإشراف ٢٩٥ وتاريخ اليعقوبي ٢ / ٣٦٧ - ٣٦٨ ونصيحة الملوك ٥١٠ - ٥١١ وانظر حاشية ٧٩ من الفصل الثالث.

[١٩] انظر ابن المقفع ٥١.

[٢٠] انظر طبقات الأمم ٧٧ وكشف الظنون ٣ / ٢١٣ والأعلام ٤ / ١٤٠ وتاريخ آداب اللغة العربية ١ / ٤٣٨ وتاريخ الأدب العربي (فروخ) ٢ / ٥٢ وتاريخ الأدب العربي (حنا الفاخوري) ٤٤٩ وراجع حاشية ١٤ مما تقدم.

[٢١] انظر وفيات الأعيان ٢ / ١٥١.

[٢٢] انظر تاريخ الأدب العربي (فروخ) ٢ / ٥١.

[٢٣] وفيات الأعيان ٢ / ١٥١، وقوله ذلك مأخوذ من كلام المسيح (عليه السلام) بتمامه وإن تغيرت بعض حروفه إذ سئل (من أدّبك؟ قال: ما أدبني أحد، رأيت الجهل قبيحاً فاجتنبته) العقد الفريد ١ / ٤٤٢.

[٢٤] الأدب الصغير ٢٩.

[٢٥] انظر ابن المقفع ٥٩.

[٢٦] ديوان أبو الأسود الدؤلي ٤٠٤.

[٢٧] التنبيه والإشراف ٧٦، وانظر سرح العيون ١٤٩ ومحاضرات الأدباء ١ / ٢٩ و٣١.

[٢٨] أمراء البيان ١٠٧ وانظر حاشية ١٠٨ و ١٠٩ من الفصل الثالث.

[٢٩] انظر أمراء البيان ١٠١ - ١٠٢ وتأمل ما ورد فـي وفيات الأعيان ٢ / ١٥١ وبعدُ، وراجع حاشية ١١٠ من الفصل الثالث.

[٣٠] الأدب الصغير ٢٧ و ٥٤ على ترتيب المقبوسات.

[٣١] الأدب الصغير ٢٦ - ٢٧.

[٣٢] الجامع الصغير من حديث البشير النذير (رقم الحديث ٧٥٩٤) وانظر الحديث بلفظ مشابه فـي عيون الأخبار ١ / ٣٢٧.

[٣٣] انظر الآثار الباقية عن القرون الخالية ٣٠٧ - ٣٠٨ والملل والنحل ١١٥ وبعد وأمالي المرتضى ١ / ١٣٨ وضحى الإسلام ١ / ١٤١ وفجر الإسلام، وفيه حديث مطول عن ديانات المجوس.

[٣٤] انظر مثلاً قوله تعالى فيما ورد فـي السور الآتية (الأعراف ٧ / ١١ـ١٢ والحجر ١٥ / ٢٧ والإسراء ١٧ / ٦١ وص ٣٨ / ٧٤ـ٧٦ والرحمن ٥٥ / ١٥).

[٣٥] الأدب الكبير ٦٩ وانظر فيه ٤٢ - ٤٦ و ٥٤ و ٥٧.

[٣٦] انظر مثلاً الأغاني ١٣ / ٢٧٩ وأمالي المرتضى ١ / ١٣١ و ١٣٥ـ١٣٦ و ١٤٠ـ١٤٨.

[٣٧] أمالي المرتضى ١ / ١٣٨ وراجع حاشية ١٠٧ من الفصل الثالث.

[٣٨] الأدب الكبير ١٠٢ وعيون الأخبار ٣ / ١٥.

[٣٩] الأدب الصغير ٢٤. يقدع: يكفّ أو يمنع. الأَشَر: البَطَر وكفر النعمة. الهلع: الجزع.

[٤٠] الجامع الصغير (حديث رقم ١٣٩٦ و ١٤٠٠ و ١٣٩٩) تبعاً لترتيب الأحاديث فـي الكلام.

[٤١] انظر جمهرة رسائل العرب ٣ / ٥٣ وبعد.

[٤٢] جمهرة رسائل العرب ٣ / ٥٧.

[٤٣] انظر مثلاً: سورة (الأنعام ٦ / ٢ والأعراف ٧ / ٣٤ و ١٢٥ ويونس ١٠ / ٣ و٣١ و٤٩ وهود ١١ / ١٠٤ والرعد ١٣ / ٢ و٤١ والنحل ١٦ / ٦١ والأنبياء ٢١ / ٤٠ و١٠٤ والمؤمنون ٢٣ / ٤٣ والشعراء ٢٦ / ٥٠ وسبأ ٣٤ / ٣٠).

[٤٤] انظر مثلاً: وفيات الأعيان ٢ / ١٥٢ وأمالي المرتضى ١ / ١٣٦ وفجر الإسلام ١٢٨ وضحى الإسلام ١ / ١٣٨ و١٥١ـ١٥٥ و١٥٨ وابن المقفع ٤٥.

[٤٥] انظر القسم المتعلق بأسباب مصرعه مما يأتي حاشية ٨٣ - ٨٥ وانظر الفصل الثالث.

[٤٦] الأدب الكبير ١١٦ وانظر البيان والتبيين ٢ / ١٦٦ و١٩٧ و١٩٨ و٣ / ١٧٤ والمحاسن والأضداد ٥١.

[٤٧] انظر الحواشي (١٣٠ـ١٥٦) من الفصل الثاني (رسالة الصحابة) وهي فـي جمهرة رسائل العرب ٣ / ٣٠ـ٤٨ فليس فيها شيء مما ذهب إليه الدكتور حمزة.

[٤٨] انظر ابن المقفع ٦٣ وانظر حاشية (٦١ـ٦٢) من الفصل الثالث

[٤٩] انظر الإمتاع والمؤانسة ١ / ٧١ـ٧٢.

[٥٠] انظر أمراء البيان ٩٧.

(٥١) ينقل الاستاذ الدكتور هنا رواية العقد الفريد (٣ / ٣٢٤ – ٣٢٥). تمامها عن رأيه في العرب وغيرهم من الشعوب، ويعلّق على ماتبينه الرواية من انصاف ابن المقفع للعرب حذفناها للاختصار.

(٥٢) الأدب الصغير ٥٢ - ٥٣.

(٥٣) الأدب الصغير ٥٣.

(٥٤) عيون الأخبار ١ / ٢٩٥.

(٥٥) الأدب الكبير ١٠٩ وانظر عيون الأخبار ٢ / ٢٦.

(٥٦) عيون الأخبار ٣ / ١٩١ - ١٩٢ وانظر فيه ٢ / ٩ وبهجة المجالس ١ / ٤٠٩ - ٤١٠.

(٥٧) وفيات الأعيان ٣ / ٢٣١ وانظر فيه ٢٢٩ - ٢٣٠ والوزراء والكتاب ٧٩ وبعد وتاريخ الأدب العربي (بروكلمان) ١ / ١٦١ و٣ / ٩٣ وضحى الإسلام ١ / ١٩٧ والفن ومذاهبه فـي النثر العربي ١١٤ وراجع حاشية [١٥]

(٥٨) عيون الأخبار ١ / ٣٣٩ وانظر فيه ٣ / ١٥.

(٥٩) الوزراء والكتاب ١١٧ وانظر أمراء البيان ٩٩ - ١٠٠ وابن المقفع ٥٤ - ٥٥.

(٦٠) الأدب الصغير ٦٠.

(٦١) انظر ابن المقفع ٦٠.

(٦٢) الأدب الصغير ٦٠.

(٦٣) الأدب الصغير ٦٣.

(٦٤) انظر تاريخ الطبري ٧ / ١٠٥ ووفيات الأعيان ٢ / ١٥٢ وضحى الإسلام ١ / ١٩٥ـ١٩٦ وتاريخ الأدب العربي (بروكلمان) ٣ / ٩٣.

(٦٥) شرح ديوان أبي تمام١ / ٨١وثمار القلوب١٩٩ ـ٢٠٠وأمراءالبيان١٩٠وابن المقفع ٦٩.

(٦٦) انظر وفيات الأعيان ٢ / ١٥١ و ٢٤٦ وأمالي المرتضى ١ / ١٣٦ وراجع حاشية [٤٧] من الفصل الثالث.

(٦٧) المصدر السابق.

(٦٨) المصدر السابق.

(٦٩) المزهر فـي علم اللغة ٢ / ٤٠١.

(٧٠) انظر ما قيل فيه مثلاً: العقد الفريد ١ / ١١ـ١٢ و٢ / ٤٤١ و٤٧٨ و ٣ / ٥ و٣٢٤ ومحاضرات الأدباء ١ / ٢٩ و٣١ و٦٠ و ٧٦ـ٧٧ و٨٤ و٩٣ و٩٦ وبهجة المجالس ١ / ٣٢١ و٤١٠ و٤٥٢ وأمالي المرتضى ١ / ١٣٦ـ١٣٧ ومعجم الأدباء ٣ / ١٧٧ و١ / ٧٤ـ١١٤ وضحى الإسلام ٢ / ٢٢٥.

(٧١) انظر أمالي المرتضى ١ / ١٣٦ـ١٣٧ ووفيات الأعيان ٢ / ١٥٢ وابن المقفع ٥٦.

(٧٢) أمراء البيان ١٠٧.

(٧٣) أمراء البيان ٩٤ - ٩٥.

(٧٤) المصدر السابق.

(٧٥) وفيات الأعيان ٢ / ١٥١

(٧٦) خزانة الأدب ٣ / ٤٦٠.

(٧٧) أمراء البيان ٩٥ وانظر البيان والتبيين ١ / ٢٥٢ ومعجم الأدباء ١٥ / ٢٤٢ وتاريخ الأدب العربي (الزيات) ٢٠٣ـ٢٠٤ و٢١٤

(٧٨) انظر أمراء البيان (٦٦ وبعد) فـي أقسام رسالة عبد الحميد إلى ولي العهد، وما الموضوعات التي دارت عليها، وانظر الرسالة ذاتها فـي جمهرة رسائل العرب ٢ / ٤٠٦ رقم الرسالة ٥٠٥.

(٧٩) محاضرات الأدباء ١ / ٩٧.

(٨٠) أمراء البيان ١٠٨ - ١٠٩ وانظر تاريخ الطبري ٧ / ٥٠١ وخزانة الأدب ٣ / ٤٦٠؛ وكل منهما أشار إلى الكتاب بينما أثبت اليعقوبي جزءاً منه وحكى قصته: تاريخ اليعقوبي ٢ / ٣٦٨ وانظر وفيات الأعيان ٢ / ١٥٤ والأعلام ٤ / ١٤٠ وتاريخ آداب اللغة العربية ١ / ٤٣٨.

(٨١) انظر الكامل فـي التاريخ ٥ / ٤٩٦ - ٤٩٧ ومروج الذهب ٣ / ٣١٥ وتاريخ اليعقوبي ٢ / ٣٦٩ ورسائل الجاحظ ٢ / ١٣٠.

(٨٢) وفيات الأعيان ٢ / ١٥٣ وانظر ضحى الإسلام ١ / ١٩٦.

(٨٣) الوزراء والكتاب ١٠٣ وبعد.

(٨٤) وفيات الأعيان ٢ / ١٥٢ وانظر أمالي المرتضى ١ / ١٣٦ والفهرست ١٥٣ و ١٧٢.

(٨٥) انظر وفيات الأعيان ٢ / ١٥٣ و١٥٢ على الترتيب فـي الرقمين.

(٨٦) المصدر السابق.

(٨٧) انظر من حديث الشعر والنثر ٤٦ - ٤٧.

(٨٨) المحاسن والأضداد، ١٦.

(٨٩) ابن المقفع ٢٣٠.

(٩٠) انظر أمالي المرتضى ١ / ١٣٧ وانظر خبراً عن معاملة أبي جعفر للرعية فـي بهجة المجالس ١ / ٣٣٥.

(٩١) بين ابن المقفع ولافونتين ١٦.

(٩٢) انظر تاريخ الأدب فـي إيران ١٠٢ وراجع مصادر حاشية (١ـ٥) مما تقدم.

(٩٣) انظر وفيات الأعيان ٢ / ١٥٢ـ١٥٣ والبخلاء ٣٦٨؛ وراجع (ح ٦).



[ Web design by Abadis ]