ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 الحداثة * \ محمود محمدي عراقي **

ملخًص

الحداثة مصطلح جاءنا من الغرب لكنه كان موجودا على امتداد كل حركة حضارية في تاريخ البشرية. والحركة الحضارية الاسلامية ميّزت بين البدعة والابداع، وهضمت كلّ مفيد، لكن حين توقفت هذه الحركة أصبحت تعاني من كل جديد يرد عليها، وتقف تجاهه موقف المنفعل لا الفاعل. والجمهورية الاسلامية لها تجربة معاصرة في حقل التعامل مع الحداثة، تتلخص في الجمع بين الاصالة والمعاصرة.

كثيرة هي المصطلحات الغربية التي تناقشنا طويلاً حول ألفاظها، دون أن ندخل في محتواها، وأن ندرسها على ضوء الفطرة المشتركة بين جميع البشر.

________

* - بحث مقدم الى الاجتماع الرابع للجنة الخبراء المكلفة ببحث أوجه التحديات التي تواجه الامة في القرن الحادي والعشرين – طهران ١٢ – ١٤ جمادي الاولى ١٤٢٤.

** - رئيس رابطة الثقافة والعلاقات الاسلامية.

والوقوف السطحي عند هذه المصطلحات يؤدي غالباً إلى تعامل انفعالي معها، فإما الرفض التام بحجة المحافظة على الأصالة، وإمّا التمسك الأعمى بدليل ضرورة مواكبة العصر. وهكذا كنا فريقين في قضايا الحرية والديمقراطية والمجتمع المدني وأمثالها… ومنها «الحداثة». وكان بالإمكان في هذه جميعاً أن ندرسها دراسة مستوعبة على ضوء تراثنا، ونجعلها رافداً من روافد إغناء مسيرتنا الحضارية كما فعلنا ذلك في عصور الإسلام الذهبية حين انفتح العالم الاسلامي على الثقافات اليونانية والفارسية والهندية. لكنّ توقف الحركة الحضارية في هذه الأمة خلال القرون الأخيرة جعلنا نقف من الٍرأي الآخر موقفاً انفعاليا يتسم كما قلت إما بالتحجّر أو بالذيلية والالتقاط.

صحيح أن الحداثة مصطلح جاءنا من الغرب، وظهر هناك على أثر الاصطدام بين المفاهيم اللاهوتية ومقتضيات المعرفة الحديثة [١]، لكنه في الواقع كان موجوداً على امتداد كلّ حركة حضاريّة في تاريخ البشرية.

فالحركة الحضارية تتطلّع دائماً إلى الجديد، دون أن تفرّط بما حقّقته في تاريخها الحضاري ودون أن تلغيه، لأنها حركة واحدة مترابطة الخطى متواصلة الحلقات، ولو ألقينا نظرة على تاريخ الفلسفة والطب والفلك والهندسة بل على تاريخ النحو والبلاغة والشعر والكتابة في حضارتنا الإسلامية إبّان ازدهارها لرأيناها ترفض التقليد والجمود، وتتجه دائماً الى التجديد في الفكر والفنّ، ولكن بالوقوف على القاعدة الرصينة التي أرساها السلف من العلماء.

إن الحركة الحضارية في التاريخ الاسلامي شقّت طريقها وسط أمواج من الفتن والاضطرابات وعمليات القمع التي ظهرت في المجتمع الاسلامي نتيجة انحراف الحكم في كثير من أدواره عن النهج الاسلامي الصحيح وتولّي الحكام الجهلة المصلحيين شؤون الأمة، غير أن الطاقة الهائلة التي أودعها الاسلام في هذه الامة أمدّت الحركة الحضارية بزخم كبير جعل الإبداع متواصلا والإنتاج العلمي مستمراً والذوق الفني والأدبي متدفّقاً على مرّ العصور.

وفي إطار هذه الحركة الحضاريّة كان هناك تمييز واضح بين البدعة والإبداع، وبين «الحديث» الحقيقي و «الحديث» المزيّف. البدعة لا تستند إلى جذور فهي الكلمة الخبيثة المماثلة للشجرة الخبيثة اجتثت من فوق الأرض مالها من قرار، والإبداع ينطلق من فطرة الله التي فطر الناس عليها، وهو سبحانه بديع السماوات والأرض. والابداع كلمة طيبة كالشجرة الطيبة أصلها ثابت في فطرة الانسان، وفرعها في السماء يباركه الله دائماً لتؤتي ثمارها باستمرار. والفرق بين البدعة والابداع هو الفرق بين الحديث المزيف والحديث الحقيقي.

وبعد توقّف المسيرة الحضارية لأمتنا لأسباب لامجال لذكرها توقفت أيضا حركة الابداع فيها. من هنا فإننا بدل – الإبداع والإنتاج العلمي – وقعنا في جدل عقيم حول مايردنا من اصطلاحات غربية، هذا يرفض، وهذا يقبل، وكل ذلك على مستوى الكلام والكتابة دون أن يكون لذلك غالبا ارتباط بحركة الأمة نحو مستقبل أفضل. التحدي الكبير الذي واجه أمتنا في العصر الحديث هو أنها أمة جامدة راكدة حضارياً وقد انفتحت على عالم الغرب المتحرّك في جميع مجالات الحياة.

الفطرة الإنسانية تحب الحركة والتحول والتطوير، وكان خطر الذوبان في الغرب كبيراً لولا تصدّي القادة الفكريين المبدأيين الذين حافظوا على تماسك الأجيال بالخطاب الاسلامي المستند الى إيضاح حقائق دين الفطرة والى بيان عظمة ماقدّمه الاسلام إلى الحضارة الانسانية جمعاء، والى شدّ الشعوب الاسلامية بعودة حضارية مستقبلية.

لكن هذا الخطر لايزال قائماً إذا لم تتظافر الجهود على إعادة دورنا الحضاري على الساحة البشرية. لايزال جماعة من أنصار «الحداثة» في الآداب والفنون والتراث يستهينون بماضينا الحضاري ويدعون الى الانقطاع عن الجذور تماماً. وهذه الدعوة تشكّل بالدرجة الأولى أكبر خطر على مستقبلنا الحضاري، لأن الأمة لاتستطيع أن تتحرك إذا فقدت جوهر حضارتها وشخصيتها التاريخية [٢].

لا أزعم أن كلّ أنصار الحداثة وقعوا في فخّ الإعراض عن شخصيتنا الحضارية، فأكثر من عرف بالتطرّف منهم في هذا المجال له رؤية واضحة في الفرق بين الحديث الحقيقي والحديث الزائف، أو بين الحديث والجديد كما يسميه أدونيس [٣].

وأدونيس يقف عند الفرق بين البدعة والابداع في مجال الشعر – وهو المجال الذي دارت فيه غالباً بحوث الحداثة دون غيرها من مجالات الفكر والفن – يقول:

«كل إبداع هو إبداع عالَم: فالشاعر الحق هو الذي يقدّم لنا شعره عالـَماً شخصياً خاصا، لا مجموعة من الانطباعات والتزيينات، إذن كل إبداع تجاوز وتغيير.

حين ندرك هذا لايعود صعباً أن نميّز بين الجديد والمزعوم جديداً، بين الجدّة والزيّ، بين الإبداع والبدعة. البدعة هي الهوس بالآني الحاضر العابر، هي هاجس الطرافة للطرافة، هي التعلّق بالجديد لأنه جديد وحسب.

وكثيراً ما يتداخل الإبداع والبدعة. فالزيّ يرافق الجدّة دائماً. لكن البدعة نهر عابر، والإبداع نهر عميق باق. وفي حين تكون البدعة موجة، يكون الإبداع الحركة والعمق. فالبدعة أزياء والإبداع نبوّة، والأزياء تعكس تموّج الحياة، أما النبوّة فتعكس أغوارها» [٤].

ويعرب أدونيس عن قلقه من انجراف الحياة العربية بقوى البدعة والسهولة لأنها لا تطوّر بل تزيد حالة الجمود تعقيداً [٥].

ولا يذكر أدونيس سبب ضمور الابداع وطغيان البدعة، وهو توقّف حركتنا الحضارية منذ قرون، فالابداع لا يمكن أن يولد إلا في مسيرة حضارة متحركة، وفي غيرها لانجد إلا التظاهر بالإبداع وهو «الزيّ» أو «البدعة» كما في تعبير أدونيس.

والواقع أن كثرة الحديث عن «الحداثة» و «مابعد الحداثة» في القصيدة العربية أوحى بأن قضية الحداثة الشعرية كأنها قضية أدبية بحتة بينما هي في الواقع قضية الانسان في هذه المنطقة من العالم. يقول الدكتور عبد العزيز المقالح:

«تبدو قضية القصيدة الجديدة أحياناً في الواقع العربي المعاصر وكأنّها قضية أدبية بحتة، بينما هي في واقع الأمر قضية الجديد بعامة وقضية الإنسان الجديد على سبيل التخصيص. والإنسان الجديد الذي أشير إليه هنا هو ذلك الذي حاول ويحاول بعد مراحل التقطع الحضاري والسقوط أن ينهض من كبوته ويصبح جديداً. وأن يجعل أبعاد الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية تكتسب الوعي بالجديد، وتكون قادرة على التعبير عن هذا العصر وليس عن غيره من العصور» [٦].

ولعلّ الازمة التي يعانيها الشعر العربي المعاصر هو أنه يريد أن يتحرّك لوحده في مجتمع يسوده الركود في جميع مناحيه الابداعيّة. إن الشاعر المعاصر بذوقه المرهف وبمشاعره الفطرية المتسامية يرفض أن يبقى في إطار التقليد والاجترار والتكرار، ولكن أنّى له أن يرتفع الى المستوى الذي يريد إذا لم يكن ضمن تيّار حضاري يشمل جميع مجالات الحياة.

التجربة الإيرانية في الحداثة

وحدة الدائرة الحضارية بين الإيرانيين والعرب جعلت معظم التجارب الاجتاعيّة والثقافية مشتركة بينهما.

ولا يخفى أن الإيرانيين ساهموا في إطار الحضارة الإسلامية بسهم واف في عملية التطوير الحضاري على مختلف الصعد العلمية والأدبية والفنيّة، ومتى ومتى ماساد جو من الجمود لفترة انكسر هذا الجمود على يد ذوي العقليات المتطوّرة الحداثية.

حين كانت تظهر شخصيّة تسيطر بفكرها على الساحة وتؤدّي الى انبهار الطلبة والدارسين، والى إبقاء الدراسات ضمن حدود ماقدّمته من فكر كبير، يتصدّى لها من يكسر هذه السيطرة المؤدية عادة الى الجمود، وغالباً مايصرّح المتصدّي بأنه أراد بعمله أن يدفع بعجلة التجديد والتطوير، ولدينا من ذلك الأمثلة الكثيرة في تراثنا، اكتفي بنموذج واحد هو محمد بن عبد الكريم الشهرستاني صاحب الملل والنحل (المتوفى سنة ٥٤٨هـ)، فهو حين رأى فكر ابن سينا قد أدى بالدّارسين إلى الاكتفاء بالشروح والحواشي على مؤلفات هذا الفيلسوف الكبير تصدّى له في كتاب سمّاه «مصارعة الفلاسفة» يقول في مقدمته:

«وإنما تسبر غرر العقل، وتبيّن قيمة الرجل عند مناجزة الأقران ومبارزة الشجعان، والاختبار يظهر خبيئة الأسرار، وبالامتحان يكرم المرء أو يهان.

وقد وقع الاتفاق على أن المبرّز في علوم الحكمة، وعلامة الدهر في الفلسفة، أبو علي الحسين بن عبد الله بن سينا، فلا يقفوه فيها قاف وإن نقض السواد، ولا يلحقه لاحق وإن ركض الجواد.

وأجمعوا على أن من وقف على مضمون كلامه وعرف مكنون مرامه، فقد فاز بالسهم المعلّى، وبلغ المقصد الأقصى. بله الاعتراض عليه ردا ورضاً، وتعقّب كلامه إبطالاً ونقضاً، فإن ذلك باب ضربت دونه الأسداد وقبضت عليه الحفظة والأرصاد.

فأردت أن أصارعه مصارعة الأبطال، وأنازله منازلة الرجال. فاخترت من كلامه في الهيات «الشفاء» و «النجاة» و «الاشارات» و «التعليقات» أحسنه وأمتنه، وهو ما برهن عليه وحقّقه وبيّنه.

وشرطت على نفسي ألا أفاوضه بغير صنعته، ولا أعانده على لفظ توافقنا على معناه وحقيقته، فلا أكون متكلماً جدلياً أو معاندا سوفسطائياً» [٧].

بهذه الموضوعية والعمق والنهج العلمي كانت عملية التطوير متواصلة، ولكن هذا لا يعني أن كل جديد كان ينظر إليه بأنه أفضل من سابقه بالضرورة، فالمهم أن يكون هناك جديد، وإن تعرّض هذا الجديد للنقد، كما حدث فعلا بالنسبة لكتاب مصارعة الفلاسفة، إذ ردّ عليه عالم آخر هو نصير الدين الطوسي في كتابه «مصارع المصارع» وانتصر فيه لآراء ابن سينا.

وحين ظهرت الحركة الاخبارية في الفقه لتجمّد عقلية الفقهاء في إطار النصوص ظهرت الحركة الأصولية لترسم للاجتهاد الفقهي منهجاً يفتح الطريق أمام العقل ليمارس دوره في فهم الشريعة على ضوء تطورات الزمان والمكان، وهو المنهج الذي قامت عليه مدرسة أهل بيت رسول الله (ص).

وفي الحقل السلوكي حين ظهرت موجة التصوّف التي تدعو الى العزلة وتقليد المشايخ تقليداً أعمى ثار كبار العرفاء أمثال سعدي وحافظ والمولوي ليرسموا للعرفان طريقا متحركا يستهدف تغيير الانسان والحياة، فذمّوا الصوفيّة التي تكتفي بالمظاهر واعتبروها رياءً ونفاقاً. يقول حافظ الشيرازي:

غلام همت دردي كشان يك رنگم نه آن گروه كه ازرق لباس ودل سيه اند

فالشاعر يظهر ولاءه لأولئك الخالصين المخلصين الذين هم بلون واحد، ويذمّ المرتدين القباء الازرق (المتظاهرين بالزهد) بينما هم يحملون قلباً أسود.

كما دعوا الى تجاوز الواقع نحو حياة متجدّدة متطورة على الدوام، يقول حافظ الشيرازي أيضا:

بيا تا گل برافشانيم ومي در ساغـر اندازيم

فلك را سقف بشكافيم و طرح نو در اندازيم

أگر غم لشكر انگيزد كه خون عاشقان ريزد

مـن وساقي بهم سازيم و بنيادش براندازيم

يدعوالشاعر الى ملء الأجواء بمظاهر جمال الزهور والرياحين والى ملء الكؤوس بالخمرة الإلهية، من أجل هدم السقف الذي ضربه الفلك على رؤوسنا وبناء صرح جديد لحياتنا.

ويقول: لو أن الهموم جيّشت جيوشها لسفك دم العاشقين فأنا والساقي نشنّ هجوماً عليها وندكّ أساسها. في إشارة الى أن عشاق الحقيقة لا يملون ولا يسأمون.

ودعا المولوي الى رفض التقليد الأعمى واعتبره أكبر خطر يواجه حياة البشرية. يقول:

خلق را تقليدشان برباد داد أي دو صد لعنت براين تقليد باد

فالبشرية في رأي مولانا جلال الدين قد أضرّ بها التقليد، ويصبّ مائتي لعنة على هذا التقليد.

متى أصبحت الحداثة خطراً؟

حين تكون المسيرة الحضارية متواصلة متدفقة فإنها تهضم كلّ جديد وتمثله في جسدها ليتحول إلى طاقة تدفع المسيرة نحو كمالها المنشود. ولكن حين تتوقف تفقد قدرة التجديد الذاتي، ويصبح كل جديد يأتيها من الخارج وبالاً عليها، لأنها لا تستطيع أن تهضمه وتتمثله، فيفرض عليها كل خلفياته الفكرية والتاريخية، وهي خلفيات لا تتناسب مع المزيج الحضاري التاريخي للأمة.

وهكذا وضع الأمة المسلمة منذ أن سقطت أمام الغزو الاستعماري الغربي، استنزفت كل طاقاتها الحركية الحضارية، وأصبحت لا تستطيع أن تستفيد من تجارب الغرب الحضارية، بل تقف منها موقف المنفعل، تثير حولها صخباً وضجة بين مؤيد ومعارض دون أن تستفيد منها شيئاً.

شهد العالم العربي موجة منفعلة تجاه الحداثة التي بشّر بها الغرب، وخاصة بعد الحرب العالمية الأولى، وظهر من تنكّر لدينه وثقافته ودعا الى الذوبان في الحضارة الغازية من أمثال: لطفي السيد ومنصور فهمي وإسماعيل مظهر وأمثالهم من تلاميذ كرومر البريطاني.

ولكن ظهر في الرعيل الذي ربّاه السيد جمال الدين الأسد آبادي (المعروف بالأفغاني) من استطاع أن يبين خطر هذه الدعوة على وجود الأمة وهويتها [٨].

وفي إيران برزت نفس الخطورة حين ظهر المتغربون يدعون الى خروج إيران من دائرة الحضارة الاسلامية، وانضمامها الى الدائرة الأوروبية، والى إلغاء الخط العربي وحذف المفردات العربية من اللغة الفارسية، والى إزالة كل المظاهر الإسلامية بما في ذلك العمامة والزيّ الاسلامي للمرأة من أمثال: ملكم خان، ورضاخان، وآخوندزاده [٩]. ولكن ظهر أمام هؤلاء تيار قادته الحوزة العلمية يؤكد على ضرورة العودة الى حركتنا الحضارية وعلى الهوية الاسلامية لايران والثقافة الايرانية، وعلى خطورة كل دعوة تسيء الى هذه الهويّة.

ولعل هذه الأصوات المتغرّبة المهزومة من دعاة الحداثة هي التي دفعت بمجمع الفقه الإسلامي لاصدار قراره المرقم (٩ / ٣ / ١١) بشأن الحداثة ووصفها بأنها «مذهب الحادي» [١٠].

تجربة الجمهورية الاسلامية تجاه الحداثة

الجمهورية الاسلامية الايرانية وليدة تيّار فكري وعملي آمن بالمشروع الحضاري الاسلامي، وتحرك على طريق تحقيقه، وفي هذه الحركة الحضارية استطاع أن يستوعب المستجدات في إطار التنظيم السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وأن يواكب مسيرة الفنون والآداب مع المحافظة الصارمة العلمية الاجتهادية على القيم والمبادئ الاسلامية.

دعوة الامام الخميني (رضي الله عنه) قامت على أساس تحقيق كل أماني الشعب وتطلعاته الى الحرية والاستقلال من جهة والى بناء دولة على أساس من القرآن والسنة من جهة أخرى.

وسعى كل تلاميذ الإمام في إيران على هذا الطريق جامعين بين الأصالة والمعاصرة، ومؤكدين على ضرورة أن يكون الإسلاميون في طليعة المسيرة الأدبية والفنية والفكرية في البلاد.

بل إن حديث الإمام الخميني وتوجيهاته بشأن «المرأة» قد سحب البساط من تحت أرجل كل المنادين بتحرير المرأة، وقدّم لمشاركة المرأة في الشؤون الاجتماعية والسياسية مشروعاً أسكت فيه كل دعاة الحداثة الغربية في حقل الشؤون النسوية.

وتلاميذه من أمثال الشهيد مطهري وآية الله الخامنئي وآية الله الشهيد بهشتي والدكتور باهنر والدكتور مفتح دخلوا الساحات الحساسة قبل الثورة وكانوا طليعيين في الجامعات وفي نقابات الاطباء والمهندسين وتجمعات الطلبة والعمّال.

لقد حاول اليساريون أن يجدوا لهم موضع قدم في إيران مستفيدين من عداء الشعب الإيراني لأمريكا، لكن الإمام جعل من أمريكا الشيطان الأكبر، ووجّه كل القوى لمحاربته وخاصة في المجال السياسي والثقافي، مما فوّت الفرصة على المزايدين.

وبعد انتصار الثورة أقيم النظام النيابي المبتني على الشورى الاسلامية، مما جعل إيران في مقدمة الدول التي تستند الى إرادة الجماهير.

وأقرّ الدستور الايراني الذي يعد أكبر صياغة قانونية إسلامية للمجتمع الاسلامي الذي يحافظ على كرامة الانسان وعزّته ويوفّر له جميع سبل تكامله ورشده.

وأقرّ المشروع الثقافي من قبل المجلس الأعلى للثورة الثقافية، وفيه منهج تفصيلي لتطوير الفنون والآداب والعلوم والدراسات والبحوث، ومن أجل إثراء المسيرة الحضارية للدولة الاسلامية.

وأمام هذه التجربة الرائدة تحركت القوى المعادية التي لا تسعدها العودة الحضارية لهذه الأمة بمحاولات تخريبية ثقافية هائلة باسم «العولمة» تارة وباسم «الحداثة» تارة أخرى، وباسم «القرية الكونية» وغيرها من الاسماء، وراح المنظرون الاستراتيجيون يرسمون خطط المواجهة في إطار ما أسموه «صراع الحضارات».

كل ذلك من أجل مواجهة ظاهرة بدأت تغطي كل العالم الاسلامي في العقود الاخيرة، وهي ظاهرة الصحوة الاسلامية والنهوض من أجل استعادة الدور الحضاري لهذه الأمة.

أخلص من كلامي إلى النتائج التالية:

أولاً – إن المفكرين في عالمنا الإسلامي يجب أن يتعاملوا مع الحداثة بأنها ظاهرة إيجابية فطريّة، مع التنبيه الى الفرق بين الإبداع والبدعة.

ثانياً – يجب أن ينصبُ اهتمام كل المفكرين المبدأيين على استعادة دورنا الحضاري على الساحة، وعلى تحريك المشروع الحضاري لهذه الأمة، وبدونه فإن كل مظاهر حياتنا ستبقى سطحية لا تتجاوز القشور، أو الأزياء كما قال بعضهم.

ثالثاً – إن الطروحات الفكرية التي نقدّمها لأمتنا وخاصة لجيل الشباب يجب أن تتضمّن رؤية مستقبلية تشدّ الأمة تجاهها وأن نبتعد عن الاكتفاء باجترار الماضي وعن التقليد الأعمى.

رابعاً – إذا لم ينهض الرساليون في تقديم المشروع الحضاري والرؤية المستقبلية، فسينهض بها الالتقاطيون والمنهزمون والمبهورون ليقدموا عراقيل جديدة أمام الابداع والتجديد الحقيقيين.

خامساً – يجب أن تتظافر الجهود لكشف زيف الحداثة التي تتزعمها أمريكا اليوم باسم العولمة، ولإيقاظ الأمة على مايواجهها من تحديات، ولرسم الخطط الكفيلة بمواجهة هذا التحدي.

الهوامش:

١ - موسوعة المورد، منير البلعبكي، المجلد السابع، ص ٤٤، ط ١، بيروت ١٩٨٨.

٢ - حركة الحداثة في الشعر العربي المعاصر، د. كمال خيربك، دار الفكر بيروت، ط ٢، ١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م، ص ٢٣.

٣ - انظر: مقدمة الشعر العربي، أدونيس، دار العودة، ط٤، بيروت ١٩٨٣، الفصل الخامس (آفاق المستقبل) ص ٩٩ / ومابعدها.

٤ - نفس المصدر، ص ١٠٠.

٥ - نفس المصدر، ص ١٠١.

٦ - أزمة القصيدة العربية / مشروع تساؤل، الدكتور عبد العزيز المقالح، دار الآداب، ط١، بيروت ١٩٨٥، ص ١٥.

٧ - كتاب «مصارعة الفلاسفة» محمد بن عبد الكريم الشهرستاني، مطبوع في مقدمة كتاب «مصارع المصارع» لنصير الدين الطوسي، منشورات مكتبة آية الله المرعشي النجفي، قم ١٤٠٥هـ.

٨ - تحولات الفكر والسياسة في الشرق العربي (١٩٣٠ – ١٩٧٠) د. محمد جابر الانصاري، عالم المعرفة، الكويت ١٩٨٠م.

٩ - انظر: مقدمة فكرية لحركة المشروطة، دكتر علي أكبر ولايتي، منشورات المستشارية الثقافية الإيرانية – دمشق.

١٠ - مجلة مجمع الفقه الاسلامي / دوره ١١ / العدد ١١ / ج ٣ / ص ٥٣٠.



[ Web design by Abadis ]