ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 الكتاب الناطق \ محمد مهدي الآصفي *

ملخّص

القرآن كتاب ناطق، ولكن لاينطق الاّ لمن يحسن استنطاقه ولهذا شروط، ونطقه يتجه نحو إماطة اللثام عن حقائق الكون الكبرى، وتقرير سنن الله في الحياة، ثم إن من خصائصه أن ينطق بعضه ببعض ويفسّر بعضه بعضاً.

(الله نزَّل أحسن الحديث، كتاباً متشابهاً، مثاني، تقشعر منه جلود الذين يخشون ربّهم ( (الزمر / ٢٣).

وهذا الوصف أبرز أوصاف القرآن.

يقول امير المؤمنين (عليه السلام) في صفة القرآن: «فهو (القرآن) بينهم شاهد صادق، وصادق ناطق» نهج البلاغة خ ١٤٧.

وهذان وصفان في صفة القرآن.

شاهد صادق وصامت ناطق.

__________

*ـ الامين العام للمجمع العالمي لاهل البيت (ع).

وإليك توضيحاً موجزاً لكل من هذين الوصفين.

ونبدأ أولاً بـ «الشاهد الصادق».

القرآن شاهد أولاً وليس بغائب من ساحتنا وحياتنا والشهود نحو من الحضور.

والقرآن حاضر في حياتنا، يشهد لنا وعلينا، وهو شاهد صادق.

فما معنى هذه الشهادة؟

القرآن ميزان دقيق للحق والباطل، والقرب والبعد من الله، ومقياس دقيق لتشخيص الحق والباطل. فما تطابق من حياتنا وسلوكنا ومنطقنا وعلاقاتنا مع القرآن فهو الحق، ومالم يتطابق منه مع القرآن فهو باطل. وهذا التطابق والتخالف هو شهادة القرآن للانسان أو عليه: فممن تخلف عن الحق شهد عليه، ومن استقام على الحق شهد له.

وإذا شهد القرآن لأحد شفع له، وإذا شهد على أحد سعى به عند الله، والله تعالى يقبل شفاعة القرآن فيمن يشفع له، ويصدق القرآن فيمن يسعى به.

يقول علي بن أبي طالب امير المؤمنين (عليه السلام): «القرآن شافع مشفع وماحل مصدق».

شافع مشفع، يقبل شفاعته، والماحل: الساعي الذي يسعى بأحد عند الحاكم. والقرآن ماحل يسعى بالمتخلفين الى الله تعالى، والله يصدق القرآن في سعايته.

هذا عن شهود القرآن وحضوره في حياة الناس.

والفقرة الاخرى في كلام الامام (ع) نطق القرآن، فإن القرآن كتاب ناطق فماهو منطق القرآن، وكيف ينطق القرآن؟

إن للقرآن في حياتنا خطابا يخاطبنا به، إذا أصغينا اليه. وللقرآن في حياتنا جواب، إذا سألناه.

إذن للقرآن في حياتنا خطاب وجواب لمن يحسن استنطاق القرآن يقول الامام علي (ع) في نفس النص السابق: «ذلك القرآن فاستنطقوه».

وليس كل أحد يحسن استنطاق القرآن. وقليل جداً، أولئك الذين يعرفون استنطاق القرآن، ويتلقون منه الجواب والخطاب. ومن نماذج منطق القرآن أن القرآن ينطق بعضه بعضاً يقول الامام علي (ع) في ذلك والقرآن «ينطق بعضه ببعض» والذين يحسنون استنطاق القرآن يعرفون كيف ينطق القرآن بعضه ببعض، وكيف يكون تخصيص عمومات القرآن بالقرآن، وتقييد إطلاقات القرآن بالقرآن، وتبيين مجملات القرآن بالقرآن، وكيف يكون تأويل متشابه القرآن بمحكماته، وهو معنى هذه الكلمة العلوية الدقيقة «وينطق القرآن بعضه ببعض».

والذي يسلخون القرآن بعضه عن بعض، ويريدون أن يفهمون كل آية آية من القرآن على حدها، أولئك لا يحسنون استنطاق القرآن ولا وعي نطق القرآن.

وبعد هذه المقدمة، بين أيدينا ثلاثة أسئلة، تحتاج الى إجابات واضحة:

١ـ كيف ينطق القرآن؟

٢ - ولمن ينطق القرآن؟

٣ - ولماذا ينطق القرآن؟

وإليك الاجابة على هذه الأسئلة الثلاثة.

١ـ كيف ينطق القرآن؟

القرآن خطاب الله تعالى الى الناس. وفي هذا الخطاب أمر، ونهي، وزجر، ودفع، واستنكار وتقريع وتحبيذ، وتحبيب وتشويق، ونداء، وهتاف.

وفي هذه النداءات والخطابات ترتفع الحجب بين الله تعالى وعبده حتى يتلقى الانسان الخطاب مباشرة من لدن الله، فاذا بلغ الانسان هذا المبلغ من المعرفة، وتلقى الخطاب القرآني من الله مباشرة، وجد في القرآن لذّة لا تعادلها لذّة.

ورحم الله العبد الصالح العارف كان يقول:

كنت أقرأ القرآن فلا أجد فيه لذة كبيرة، فحاولت أن أقرأ القرآن وكأني أسمعه من بين شفتي رسول الله (ص) فوجدت من تلاوة القرآن لذة عظيمة، ثم حاولت أن أقرأ القرآن وكأني أتلقاه من ملك الوحي مباشرة، فوجدت في قراءة القرآن من اللذّة مالا يوصف، ثم قرأت القرآن وكأني أتلقّاه مباشرة من عند الله فوجدت في تلاوة كتاب الله من اللذة مالا أرتوي منه ولا أطيق مفارقته مهما تلوت منه.

فإذا تمرّس الإنسان في تلقي الخطاب القرآني من الله مباشرة يجد من تكريم الله تعالى له مالايطيق شكره، وأنـّى يطيق العبد أن يشكر الله تعالى على هذا التكريم، وقد خصه بالخطاب دون سائر خلقه.

تأمّلوا في جمال هذا التخصيص الالهي للمؤمنين بالخطاب المباشر:

(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ( (الاعراف / ٦٢).

(يا أيها الذين آمنوا اصبرو وصابروا ورابطوا ( (آل عمران / ٢٠).

(يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ( (النساء / ٢٩)

(يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعو الرسول ( (النساء / ٥٩).

(يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ( (النساء / ١٣٥).

(يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء ( (النساء / ١٤٤).

(يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ( (الانفال / ٢٤).

(يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم ( (الانفال / ٢٧).

(يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا لا تنفرون. أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة ( (التوبة / ٣٠١).

(يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب اليم ( (الصف / ١٠).

(يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم ( (الحج / ١)

(يا أيها الذين آمنوا لم تقولون مالا تفعلون ( (الصف / ٢).

(يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة ( (التحريم / ٦).

إن للقرآن الى الذين آمنوا خاصة، والى الناس عامة خطابات شتى فيها أمر ونهي وزجر وتحبيب وتشويق وترغيب، وترهيب، يقول أمير المؤمنين علي (ع) عن الخطاب القرآني:

«آمر زاجر، وصامت ناطق، حجة الله على خلقه، أخذ عليهم ميثاقه». وفي هذا الخطاب يجد الانسان لذة لا تفوقها لذة وبصائر وبينات، لا يجدها في غير القرآن.

هذا عن الخطاب القرآني، ولكن للقرآن إلى جانب الخطاب جواب لمن يحسن استنطاق القرآن.

وسوف نتحدث عن جواب القرآن في الفصل الثالث من هذا المقال، عند الحديث عن منطق القرآن (لماذا ينطق القرآن؟ ).

٢ - لمن ينطق القرآن؟

والآن ننتقل الى الجزء الثاني من هذا الحديث. لمن ينطق القرآن، وللجواب على هذا السؤال إجمال وتفصيل.

أما الاجمال: فالجواب أن القرآن ينطق لمن يفتح قلبه عليه. ومن ينغلق على القرآن فلا ينطق له القرآن.

وأمّا التفصيل:

لله تعالى في حياتنا كتابان ناطقان هما كتاب التكوين (الكون) وكتاب التدوين (القرآن). وهما كتابان، وناطقان. فهما كتابان: لاننا نقرأ في كل منهما آيات جلال الله وجماله وصفاته الحسنى وهما ناطقان لأنهما ينطقان بآيات الله وجلاله وجماله.

كتاب التكوين

ولنتأمل في كتاب التكوين أولاً.

إنه كتاب وناطق. يقول تعالى (وما من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم (… إن كل شيء في هذا الكون ناطق بتسبيح الله، مافي ذلك شك، ولكن لا يفقه هذا التسبيح إلا قلّة من أصحاب البصائر. أما عامة الناس فلا يكادون يفقهون حمداً وتسبيحاً لهذا الكون.

إنما يفقهه الذين ينظرون في آيات الله، وعجائب خلقه ويتدبرون فيها. ويقرأون في جمال الكون وعظمته جمال الخالق وجلاله وعظمته… أولئك الذين يعرفون كيف يستنطقون الجبال والبحار والغابات والسحاب والرياح والأجرام الكونية القريبة والبعيدة والمجرّات، ولاولئك ينطق هذا الكون بجلال الله الخالق وعظمته وجلاله وجماله ورحمته.

وما أجمل كلمة سعدي، الشاعر الفارسي حيث يقول:

أوراق الاشجار الخضراء عند أصحاب البصائر أسفار في المعرفة… كل ورقة منها كتاب في معرفة الله إن لهذا الكون خطاباً لمن يعي خطاب. هذا الكون، وأن الكون ناطق بجمال الله وجلاله وحكمته وتدبيره لمن يحسن قراءة آيات الله وصفاته الحسنى على صفحات الكون.

يقول أمير المؤمنين (ع) «والكون ناطق بتدبير الله وحكمته، يحمد الله بجميل الصنع، وينزهه عن العجر».

أجل، الكون يحمد وينزه ويسبح الله، ولكن الناس لا يفقهون هذا الحمد والتنزيه والتسبيح.

ويقول أمير المؤمنين (ع): «فصار كل ما خلق حجة له دليلاً عليه، وإن كان خلقا صامتا، فحجته بالتدبير ناطقه ودلالته على المبدع قائمة».

إن هذا الخلق الصامت ناطق بالحجة على تدبير الخالق، وبالدلالة على إبداعه وحكمته، فأي نطق أبلغ من هذا النطق، وأي خطاب أبلغ من هذا الخطاب؟

وعن هذا الخطاب والنطق يقول أمير المؤمنين (ع):

«وأرانا من ملكوت قدرته وعجائب ما نطقت به آثار حكمته» وفي موضع آخر يقول (ع) «وأشهد أن من سواك بشيء من خلقك، فقد عدل بك، والعادل بك كافر، بما تنزلت به محكمات آياتك ونطقت به شواهد حجج بيناتك» (نهج البلاغة خطبة ٩١).

الخرائب والآثار

إن «الآثار»، اليوم علم قائم بالذات، يتخصص فيه علماء، والاسلام يحترم هذا العلم، شريطة توظيف هذا العلم في استنطاق هذه الآثار والخرائب، وعلى أن لا نجرد هذه الآثار مما تحمله من الخطاب، فاذا جردناها عن خطابها فلا احترام لهذا العلم، ولاكرامه.

إن لهذه الخرائب خطابا الى الملوك والأمراء والحكام وأصحاب المال والسلطان والجاه: ألا يغتروا بهذه الدنيا وإقبالها وزينتها ومتاعها.

فما أسرع مايدركهم الاجل الذي لابد منه، ويفتك بهم، كما فتك بأصحاب المال والجاه والسلطان من قبل، وما أكثر ماترك أصحاب المال والسلطان من الآثار والخرائب من بعدهم في بابل، ومصر، وبصري، والمدائن وبرسبوليس وبعلبك، وما أقل من يفقه خطاب هذه الآثار، ويعي ما تنطق، ويعرف كيف يستنطقها.

والسياحة في هذه الآثار نافعة ومفيدة، إذا عرف الإنسان كيف يستنطق هذه الآثار، ويتلقى منها الخطاب والجواب.

يقول علي (ع): «وسر في ديارهم وآثارهم، وانظر فيما فعلوا وعما انتقلوا، وأين حلّوا ونزلوا» (نهج البلاغة).

يروي الشريف الرضي أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) مرَّ على «المدائن»، وكان بصحبته بعض أصحابه، فأنشد:

جَرَت الرياح على رسوم ديارهم

فكأنهم كانـوا علـى ميعـاد

فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) أفلا قلتم: (كم تركوا من جنات وعيون، وزروع ومقام كريم، ونعمة كانوا فيها فاكهين، كذلك وأورثناها قوما آخرين، فما بكت عليهم السماء والارض، وماكانوا منظرين ( (الدخان ٢٥ – ٢٦).

إن لفقه الخطاب وفقه الجواب أهلاً يختصون به، وليس كل أحد يفقه خطاب الأشياء وجوابها.

كتاب التدوين

وكما لكتاب التكوين خطاب وجواب، كذلك لكتاب الله المدوّن خطاب وجواب ونطق لمن يحسن استنطاق كتاب الله ويعي خطابه وجوابه.

يقول الامام أمير المؤمنين علي (ع) في وصف القرآن: «ناطق لا يعيي لسانه، وبيت لا يهدم أركانه، وعزّ لا تهزم أعوانه» (نهج البلاغة، خطبة ١٣٣).

ويريد الامام (ع) بذلك أنه كتاب ناطق، وليس بصامت كما يتصوره الناس، يحمّلونه ما يشاؤونه من آرائهم وأوهامهم. وليس بوسع القرآن أن يصحح مايطابقه من التفسير ويخطّئ مايخالفه من الرأي.

بل هو ناطق، دائم النطق، لا يعي لسانه، ولا تنفد معانيه ومفاهيمه وأفكاره.

وخطاب الله لا نفاد له ولا حدود، كما لا نفاد لله تعالى ولا حدود لذاته سبحانه.

والقرآن بيت لا يهدم أركانه، يأوى اليه الناس، ويسكنون ويطمئنون إليه، ويستقرون عند آياته، كما يأوى الناس الى بيوتهم، يسكنون اليها، ويجدون فيها الاستقرار والأمن والراحة، كذلك يجد الناس، إذا صفت فطرتهم في كتاب الله أمناً، وسكناً وقراراً لانفسهم، ودعة وراحة لنفوسهم… ويبقى هذا البيت قائماً، لا تهدم أركانه، مادامت الفطرة باقيه في نفوس الناس.

والقرآن عزُّ لا تهزم أعوانه، يجد فيه الذي يؤون اليه عزّهم وقوتهم وشموخهم وأصالتهم.

ولكن لمن ينطق القرآن؟ ومن هم الذين يتلقون خطاب القرآن وجوابه وبصائره وكنوزه… وهذا سؤال هام، لابد أن نطيل الوقوف عنده. فليس ينطق القرآن لكل أحد، ولا يتلقى خطابه ونداءة كل الناس، وإنما ينطق القرآن لمن يعرف أن يستنطق القرآن، ولا يحسن استنطاق القرآن إلا من يفتح مغاليق قلبه عليه ويسلّمه أزمّة نفسه، ويمكـّنه من عقله وقلبه. إن في القرآن جواباً لمن يريد أن يفهم القرآن، ويأخذ من القرآن… أما من يطلب آراءه وأهواءه في كتاب الله، ولا يطلب هدى الله وبيناته، فالقرآن صامت تجاهه، ومنغلق عليه.

الطوائف الثلاث من الناس ازاء القرآن

والناس إزاء القرآن ثلاث طوائف:

الطائفة الاولى - منغلقة إزاء القرآن، لا يفتحون مغاليق قلوبهم للقرآن، ولا يأخذون من هدي الله وبيناته… أولئك لايجدون في القرآن خطابا ولا جوابا، ولا ينطق لهم القرآن بشيء من آياته وبيناته وبصائره.

والطائفة الثانية - تزيد على الاولى، فتحاول أن تحمّل القرآن آراءها وأهواءها وأوهامها وتسعى لتطويع القرآن لما يريد ويفكر، وليس لتطويع أفكاره وآرائه وأهوائه لما يقول الله تعالى… أولئك لايجدون في القرآن خطاباً ولا جوابا… ولا ينفذ نور القرآن وبصائره الى عقولهم وقلوبهم.

يقول عنهم أمير المؤمنين (عليه السلام) «وآخر قد تسمّى عالماً، وليس به، فاقتبس جهائل من جهال، وأضاليل من ضلال، ونصب للناس أشراكاً من حبائل غرور، وقول زور، قد حَمَل الكتاب على آرائه، وعطف الحق على أهوائه… يقول أقف عند الشبهات، وفيها وقع، ويقول اعتزل البدع وبينها اضطجع، لا يعرف باب الهدى، فيتبعه، ولا باب العمي فيصد عنه».

والقرآن صامت إزاء أولئك الذين يعطفون الهدى على الهوى، أي يحمّلون القرآن أهواءهم وآراءهم، أولئك لا يفقهون من القرآن بصائره وبيناته، لانهم لا يريدون أن يفقهوا القرآن، وإنما يريدون توظيف القرآن لاسناد أهوائهم وآرائهم، ومن لا يريد أن يفقه القرآن لا يفقه القرآن.

والقرآن لا يفتح كنوز بصائره إلا على أولئك الذين يلتزمونه ويتبعونه، ولا يفارقونه. أما الذين يطلبون في كتاب الله أهواءهم وآراءهم وأوهامهم فيحجبون عن هدي القرآن وبصائره، تخلفوا عن القرآن وفارقوه، أم تقدموا القرآن وحاولوا أن يقودوا القرآن الى حيث يريدون.

يقول أمير المؤمنين (ع) عن رسول الله (ص) وما خلّف في أمته: «خلّف فينا راية الحق، من تقدمها مرق، ومن تخلف عنها زهق، ومن لزمها لحق».

وإنما ينطق القرآن لمن لزمه وتبعه، ومن يريد أن يفقهه، وهذه الطائفة لا تلزمه ولا تتبعه وإنما تريد أن تطوعه لمآربها وغاياتها… وكلام الامام (ع) دقيق في تشخيص هذه الحالة: «كأنهم أئمة الكتاب أليس الكتاب إمامهم؟ !».

والامام (ع) يشير بهذه العبارة الى فتنة الخوارج وهي من مضلات الفتن.

أولئك كانوا يقرأون القرآن ويحتجون به، ولكن كما يريدون، وكما يحبون، وليس كما يريد الله ويفصح عنه القرآن.

هاتان الطائفتان لاتجدان في القرآن خطابا ولا جوابا ولا نطقاً، لانهم لا يريدون من القرآن خطابا ولا جوابا ولا نطقاً، فيحجبون عن كنوز القرآن وبصائره وبيناته، لانهم لم يطلبوا من القرآن بصائره وبيناته، والطائفة الثالثة هي التي تتلقى الخطاب والجواب والنطق من القرآن مباشرة، ويفقهون بصائر القرآن وبيّناته، وليس بينهم وبين القرآن حجاب. يتعاملون مع القرآن مباشرة، يعطونه الانقياد والتسليم ويسلمونه أزمة أنفسهم، ويحكمون على آرائهم وأهوائهم، ويأخذون من القرآن الخطاب والجواب ويتلقون منه بصائره وبيناته… وهذا هو معنى التفاعل مع القرآن: الأخذ والعطاء، والذين يريدون ألا يفتح لهم القرآن كنوزه ويسمعهم خطابه وجوابه، دون أن يفتحوا للقرآن عقولهم وقلوبهم، ويمكـّنوا القرآن من أنفسهم وأهوائهم وآرائهم… يطلبون عبثا، ولا ينالون مايريدون، البتة.

يقول الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) في صفة ظهور وحكم المهدي من آل محمد (عليه السلام): «يعطف الهوى على الهدى ويعطف الرأي على القرآن» وهذه هي صفة هذه الطائفة (تعطف الهوى على الهدى): أي تحكّم الهدى على الهوى وتطوّع الهوى للهدى و (تعطف الرأي على القرآن) أي تطوّع الرأي للقرآن، وتحكم القرآن على الرأي، حيث يعطف الناس الهدى على الهوى والقرآن على الرأي… وهذا هو الانقلاب الذي يقوده المهدي من آل محمد (ع) في القيم والمواقع في هذه الامة. ولنقرأ كلام الامام (ع) في هذا الانقلاب: «يعطف الهوى على الهدى، إذا عطفوا الهدى على الهوى، ويعطف الرأي على القرآن إذا عطفوا القرآن على الرأي» (نهج البلاغة، خطبة ١٣٨).

إذا كان الناس يخضعون القرآن للرأي والهوى، فإن الامام المهدي (ع) يخضع الرأي والهوى للقرآن.

وعن هذه الطائفة يقول الامام أمير المؤمنين (ع):

«قد أمكن الكتاب (القرآن) من زمامه، فهو قائده وإمامه يحلَّ حيث حَلَّ ثقله، وينزل حيث كان منزله» (نهج البلاغة، خطبة ٨٧).

وهو وصف دقيق لهذه الطائفة، يمكنون القرآن من أزمة نفوسهم، فهو إمامهم وقائدهم، يحلون حيث يحل، وينزلون حيث ينزل.

وعن هؤلاء يقول أمير المؤمنين عن القرآن: «واستدلوه (القرآن) على ربكم، واستنصحوه على أنفسكم، واتهموا عليه آراءكم، واستغِشّوا فيه أهواءكم» (نهج البلاغة، الخطبة ١٥٦).

والتشخيص في كلام الامام (ع) دقيق:

(استدلوه على ربكم) يعني اطلبوا من القرآن الدلالة على الله. واطلبوا من القرآن النصيحة لانفسكم. (واستنصحوه على أنفسكم) فان القرآن خير ناصح، إذا لجأ اليه الانسان يطلب منه النصح بصدق.

(واتهموا عليه آراءكم) فاذا اختلفت عنه آراءكم، فاتهموا عليه آراءكم، وصدقوا القرآن والتزموا به فيما ينصحكم.

(واستغِشّوا فيه أهواءكم) وإذا اختلفت عنه أهواءكم، فخذوا النصح في القرآن وأتهموا آراكم وأهواءكم بـ (الغِشّ).

هؤلاء يحكمهم القرآن، ويكون مقياسا ومعيارا لهم في كل شيء، فيقيسون ويزنون الموازين بالقرآن فما صح منه فهو الصحيح، ومالم يصح منه فهو الخطأ (إنا أنزلنا عليك الكتاب بالحق، لتحكم بين الناس بما أراك الله ( (النساء / ١٠٥). فهو مقياس للحكم والحق.

هؤلاء ينطق لهم القرآن، ويفهمون خطاب القرآن وجوابه، ويتلقون بصائره وبينانه من دون حجاب.

إن هذا الكتاب يختلف عن سائر الكتب وسائر العلوم فبإمكان الانسان أن يفهم الفيزياء والميكانيك والهندسة المعمارية، إذا قرأها ووعاها وحضرها عند علمائها، تفاعل معها أم لم يتفاعل، أعطاها نفسه، أم لم يعطها… أما القرآن فلا يكاد يفقه الانسان خطابه ويتلقى معارفه وبيناته، إلا إذا أعطاه نفسه، ومكّنه منها، وفتح عليه مغاليق قلبه، وفي غير هذه الحالة سوف يبقى خلف الحجاب، محجوباً عن بصائر القرآن وبيناته، مهما كانت ممارسته ودراساته له.

٣ - بماذا ينطق القرآن؟

وهذا هو ثالث الاسئلة: بماذا ينطق القرآن؟ القضايا الكبرى التي تهم الانسان تتضمنها الأواني الثلاثة: إناء الماضي وإناء الحاضر وإناء المستقبل.

وحياة الانسان كلها، وما يتطلبه ويحتاجه في هذه الاواني الثلاثة… والانسان ليس للحاضر فقط، وإنما هو لهذه الأواني الزمانية الثلاثة جمعا، للماضي، وللحاضر، وللمستقبل. وكما لا ينفصل الانسان عن الماضي لا ينفصل عن المستقبل.

إن الانسان يعيش الحاضر، ولكن بميراث الماضي وآمال المستقبل. ويدخل الماضي في تكوين فكر الانسان وتشخيصه وثقافته وولائه وبراءته. وإن ميراثنا من الانبياء والصالحين والهداة والدعاة الى الله في الولاء والبراءة، وفي إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والامر بالمعروف والنهي عن المنكر جزء لا يتجزأ من كياننا الثقافي والسياسي والحركي… كما أن العكس أيضا صحيح، وإن فصائل الكفر براءة واحدة، وإنْ تشعبت وتعددت ولاءاتهم لا ينفصل حاضرهم عن ماضيهم. وإنّ حاضرهم ميراث الماضي، وماضيهم جذور الحاضر وعمقه الحضاري. هذا أولا، وثانيا:

إن الماضي، ليس فقط ساحة لحوادث الشارع، وانما هو ساحة لسنن الله تعالى أيضا، وسنن الله لاتتبدل ولا تتحول، وهي سواء في الماضي والحاضر والمستقبل.

وعندما نقول التاريخ لا نعني فقط السرد الزماني لحوادث التاريخ، وإنّما نقصد به وعي سنن الله في التاريخ والمجتمع من خلال هذا السرد الزمني لأحداث التاريخ… وعليه فاننا نقرأ الحاضر والمستقبل في مرآة التاريخ. والقرآن شديد العناية بهذين الامرين فيما يذكر من التاريخ وهو كثير.

والقرآن كما يعني بالماضي يعني بالمستقبل وكما يربط الحاضر بالماضي، يربط الحاضر بالمستقبل يقول تعالى: (ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الارض، ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين (وهذه الآية وإن كانت وارده في شأن الصراع القائم بين بني إسرائيل بامامة موسى بن عمران وبين فرعون وجنده، ولكن مشيئة الله تعالى وإرادته بإقامة المستضعفين ووراثتهم للمستكبرين وسقوط المستكبرين وهلاكهم… مشيئة عامة لا تخص ساحة الصراع من بني إسرائيل وفرعون في التاريخ، وإنما تعم الماضي والحاضر والمستقبل.

ويقول تعالى: (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الارض يرثها عبادي الصالحون (.

وهذا الميراث العظيم، لاشك لم يتحقق بعد بكل أبعاده ولاشك أنه سوف يتحقق في المستقبل.

ويقول تعالى: (إنّ الارض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين ( (الاعراف / ١٢٨).

ويقول تعالى: (فاصبر إن العاقبة للمتقين ( (هود / ٤٩).

والآيات بهذا المعنى كثيرة في كتاب الله، وهي جميعاً تطمئن المؤمنين بالمستقبل، وتوكد لهم أن لهم العاقبة، وأنهم سوف يرثون الأرض وما فيها من سلطان، وأن الله تعالى يجعلهم أئمة في الأرض وشهداء عليها لا محالة وهي تبعث الأمل في نفوسهم، وتمكنهم من تجاوز الحاضر بآلامه ومعاناته لاستقبال المستقبل، ليس بالآمال والأحلام، وانما طبقا لسنن الله تعالى التي لا تتبدل ولا تتغير في التاريخ والمجتمع.

وشتان بين من يمنّي الناس بالآمال والاحلام، ومن يوضح لهم سنن الحياة وقوانينها للماضي والحاضر والمستقبل، والقرآن لا يمنـّي الناس بالآمال والاحلام. وإنما يشرح لهم سنن الله تعالى في التاريخ والمجتمع ليعد المؤمنون أنفسهم لإمامة المستقبل ووراثته، وليبعث هذا الاعداد والتحضير في نفوسهم القدرة على مقاومة معاناة الحاضر وعذابه.

فلا يفصل القرآن الحاضر عن الماضي، كما لا يفصل الحاضر عن المستقبل.

وكما يقرر سنن الله للمؤمنين في الماضي والمستقبل، كذلك يرسم للمؤمنين نظام أمرهم وحياتهم في الحاضر فالقرآن إذن يستوعب قضايا الانسان في الماضي والحاضر والمستقبل.

يقول الامام علي أمير المؤمنين (عليه السلام): «ذلكم القرآن فاستنطقوه، ولن ينطق، ولكن أخبرك عنه: ألا أن فيه علم ما يأتي، والحديث عن الماضي، ودواء دائكم ونظم مابينكم».

إذا استنطقنا القرآن أخبرنا القرآن بالمستقبل والماضي والحاضر «علم ما يأتي والحديث عن الماضي، ودواء دائكم ونظم مابينكم».

القرآن ينطق بعضه ببعض

والقرآن ينطق بعضه ببعض، ويفسّر بعضه بعضا. يقول تعالى: (الله نزّل أحسن الحديث: كتاباً متشابهاً، مثاني (أي: كتاباً يشبه بعضه بعضا، وليس (المتشابه) هنا في مقابل (المحكم)، لانه وصف لكل الكتاب (كتاباً متشابها)، و (المتشابه) في مقابل المحكم لا يكون وصفا لكل الكتاب، وإنما يصف به الله تعالى بعض الكتاب. يقول تعالى: (هو الذي أنزل عليك الكتاب، منه آيات محكمات، هن أم الكتاب، وأخر متشابهات ( (آل عمران / ٧). فالقرآن إذن بعضه يشبه بعضاً، وبعضه يفسر بعضاً.

و (الثاني) من (الثني) بمعنى الانعطاف والكتاب (مثاني) بعضه ينعطف على بعض، فلا تتخالف، ولا تتناقض آياته.

يقول الامام علي (ع) في القرآن:

«كتاب الله، تبصرون به، وتنطقون به، وتسمعون به، وينطق بعضه ببعض، ويشهد بعضه على بعض، ولا يختلف في الله، ولا يخالف بصاحبه عن الله».

والامام (ع) يشير بذلك الى قوله تعالى: (أفلا يتدبرون القرآن، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا (النساء / ٨٢.

إذن بالقرآن نفهم القرآن، وبعضه يفسر بعضاً وبعضه يشهد لبعض، وبعضه يصدق بعضاً.

عن رسول الله (ص): «إن القرآن ليصدق بعضه بعضاً، فلا تكذبوا بعضه ببعض» (كنزل العمال، ح ٢٨٦١ و ٤٠٢٩).



[ Web design by Abadis ]