ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 هذا العدد

بعد صدور العدد الاول التجريبي، انتظرنا مدّة، لنتسلّم مزيداً من وجهات النظر حوله، ولذلك جاء هذا العدد متأخراً قليلاً.

أكثر الرسائل التي وصلتنا باركت وشجّعت، لكن بعضها حمل اقتراحاً وتسديداً وتوجيهاً… إننا إذ نشكر لجميعهم هذا الاهتمام نرجو منهم ومن جميع القراء أن يساهموا ناقدين وناصحين ورافدين.

هذا العدد يحمل ما آلينا على أنفسنا تقديمه في هذا المجلّة، وهو مجموعة الدراسات والأفكار والآراء التي يمكن أن تساهم في الاقلاع الحضاري كما يقول مالك بن نبي، ومعالجة العقبات التي تحول دون عودتنا الى ساحة التاريخ.

* موضوع «الوسطية» يشكل معلماً هاما من معالم مسيرة هذه الأمة، ويوضّح النهج العام لهذه المسيرة، ويقيها من الافراط والتفريط في الحياة الفردية والجماعية، ويحمّل الأمة مسؤولية تحقيق الامنٍ والسلام العادل لا في ربوعها فحسب بل في العالم أجمع إيمانا منها بالقيم الانسانية التي تشمل «الانسان» كل إنسان. ومقال «الوسطية الاسلامية وأمان الانسان» في هذا العدد يوضّح هذه الحقيقة، ويردّ بشكل غير مباشر على من يحاول اتهام الاسلام بالعدوان… فلا عدوان إلاّ على الظالمين… وهذه الأمة أثبتت عمليا على مرّ القرون أنها – انطلاقا من عقيدتها – لا تريد علواً في الأرض ولا فساداً، بل تبشّر دائماً بتحرير الانسان، ورفع شأنه، وصيانة كرامته، وتفجير طاقاته على طريق الخير والامن والسلام.

* ويبقى «القرآن» هو الهادي لمسيرة هذه الأمة والموجّه لها في كل منعطفات الحياة… ليس هو كتاباً ساكتاً ينتظر من يطالعه، بل هو «كتاب ناطق» يقف بين الأمة يستنهض عزائمهم ويجيّش جموعهم، ويعبّئ طاقاتهم نحو تحقيق المجتمع الإنساني الأفضل، من هنا فإنه المحرك الأول والموجّه الأول للحضارة، وهو بعد ذلك يرافق المسيرة ليشحنها دائماً بالحيويّة والروح الانسانية. ومقال «الكتاب الناطق» يقف عند «النطق» القرآني وسبل الاستنطاق.

* مقال «الحداثة» يعالج مسألة على غاية من الأهميّة، إذ إن تيار الحداثة قسّم الأمة الى فريقين: قسم يدافع عنها باسم ضرورة التطوير والتجديد، وفريق آخر يرفضها باعتبارها أسلوباً من أساليب الغزو الثقافي الغربي يراد به محاربة ثوابت هذه الأمة. ما أراد المقال أن يفصّل في مدارس الحداثة، لكنه أراد أن يشير الى عامل نفسي هام في توجّه شباب الأمة بشكل خاص نحو الحداثيين، وألفت النظر الى ضرورة أن يتفهّم دعاة الاسلام هذا العامل النفسي، ويكونوا في طليعة التطوير الفكري والعلمي والثقافي في إطار أصيل كي لا تقع راية هذه الدعوة بيد البشير الغربي. إرادة التطوير نزعة فطرية ذاتية في الانسان، وإذا كان رائدها قائداً مبدئياً فإنه يدفع بهذه الارادة نحو إثراء الحركة الحضارية للأمة.

* دورُ الثقافة في المجتمع لايزال يحتاج الى مزيدٍ من الدراسات، فبريق الانتاج الصناعي الغربي جعل كثيراً منّاً يردّد أنّ عالمنا هو عالم الصناعة والتقنية والاقتصاد، وليس عالم الثقافة والآداب والشعراء‍ بينما الثقافة تشكل أساس كل حركة للأمة في اتجاه التطوير، والمشكلة التي تعانيها أمتنا في حقل التنمية إنما هي بالأساس مشكلة ثقافية. وقضية علاقة الثقافة بالتنمية دارت حولها دراسات مستفيضة وانقسم العلماء فيها الى مدارس متباينة، ومقال «دور الثقافة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية» يهتمّ بهذه العلاقة، ويقدّم وجهات نظر هامة في حقل التفعيل الثقافي.

* الدراسات الأدبية التي أفرزها عصر «التنافر القومي» في عالمنا الاسلامي، أساءت الى العلاقات الحضارية الايرانية – العربية في التاريخ، وشوّهت صورة هذه العلاقات، حتى ذهب بعضهم الى أن هذا اللقاء هو سبب انحطاط العرب بعد أن تلوّث نقاء الدم العربي بالفارسي !!! والواقع أن هذه النزعات كان وراءها غالباً دافع سياسي، أو «هوس» ديماغوجي، واليوم إذ نتحدث عن وحدة الدائرة الحضارية الاسلامية من الضروري أن ننفض غبار عصر التنافر القومي وندرس ماضينا برؤية موضوعية تنأى عن التعصب وضيق النظر. ويأتي مقال «ابن المقفع بين حضارتين» ليصوّر جانباً من التفاعل الحضاري الايراني – العربي، وليبين حقائق ترتبط بشخصية من شخصيات التواصل الحضاري في تاريخ هذه الأمة.

* والشيخ محيي الدين بن عربي رائد الحركة العرفانية في الفكر الاسلامي، وهذه الحركة - رغم ما ألصق بها من سلبيات نتيجة ظاهرة الدروشة في عصر الانحطاط – هي صاحبة مشروع إحيائي يركز على الجوانب الروحية والمعنوية في الانسان، ويكتشف مافي هذه الجوانب من طاقات هائلة تستطيع أن تخلق المجتمع الافضل للإنسان. وإذا كان البحر المتوسط يمتدّ من الأندلس الى الشام، فقد استوعبه تأثير ابن عربي، فانه ولد في مرسية وتوفي في دمشق، وتحرّك لايقاظ الروح في مجتمع تكالبت عليه عوامل الانحطاط. وهذا ما يتناوله مقال: «الشيخ محيي الدين بن عربي وأثره الحضاري في حوض المتوسط».

* وإذا كان الحديث عن ابن المقفع وابن عربي يعيدنا الى رجال التواصل الثقافي في عصورنا الماضية فان الدكتور عبد الوهاب عزام من كبار هؤلاء الرجال في القرن العشرين. هذا الرجل نشط على مدى النصف الاول من القرن الماضي لاستنهاض أمته واستعادة عزّتها، ومن المهم أنه وجد في اللقاء بين العرب وإيران محرّكاً هاماً لمشروع النهضة، فعمل على تأسيس الدراسات الفارسية والشرقية في الجامعات المصرية وترجم وكتب وأنشد لتكريس هذا اللقاء وهو بحق «رائد الدراست الفارسية في مصر» كما في دراسة هذا العدد.

* وليس ببعيد عن شخصية ابن عربي شخصية عالمية أخرى من تراثنا الحضاري هو مولانا جلال الدين الرومي، صاحب المثنوي وديوان شمس وغيرهما من المؤلفات الأخرى. هذا الرجل صاحب مدرسة عرفانية (صوفية) مشهورة، وصاحب قدرة على اختراق النفس الانسانية بكل زواياها وخباياها، ورائد دعوة لأن يعرف الانسان قدره ومنزلته وطاقاته، ولأن ينهض ويتحرك نحو كماله المنشود.

* وفي هذا العدد فتحنا ملفاً لروّاد الفكر الحضاري، وخصّصناه لمالك بن نبي، فهو حقاً من كبار المنظّرين لما يسميه الاقلاع الحضاري، أو استعادة الحركة الحضارية لهذه الأمة.

ومن خصائص فكر بن نبي: الأصالة والعمق والانفتاح على الدراسات الغربية في مجال علم النفس وعلم الاجتماع. لم يكن انفتاح مالك على حساب أصالته، بل كان يعيش فكر القرآن وأفكار العلماء المسلمين بكل وجوده. ومن خصائص بن نبي العمقُ في فهم الداء وتشخيص الدواء، وتقديم النظرية المدروسة في مجال دراسته. وفي الملف ثلاثة بحوث تلامس واقعنا الراهن وأمراضه وسبل استئناف الحركة الحضارية.

* وفي العدد أفكار وآراء للمناقشة منها: قضية الحجاب في فرنسا، وهي في الواقع قضية العلمانية الغربية والحرية الغربية، والموقف الغربي من الاسلام. كما فيها وقفة عند موضوع «تجديد الخطاب الديني»، وهو موضوع أثاره جمع من المثقفين اتُّهموا بأنهم انصاعوا للضغوط الامريكية الجديدة، وانهزموا أمام البطش الأخير في المنطقة. كما في هذه الأفكار إضاءة للعلاقات الايرانية المصرية… ولكن برؤية حضارية… بعد أن سمحت السياسة بازالة موانع التواصل.

وتقرير العدد خصصناه لواحد من نشاطات المستشاريات الثقافية الايرانية وهو «حوار الحضارات» واتخذنا من المستشارية الثقافية الايرانية بدمشق نموذجا لهذا الاستعراض.

* مرّة أخرى نستمد العون من كلّ أصحاب الهمّ الحضاري أن يرفدوا المجلّة بدراساتهم وأفكارهم آملين أن تكون «ثقافتنا» ساحة حوار لاثراء وجودنا الفكري والثقافي والله ولي التوفيق.

التحرير



[ Web design by Abadis ]