ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 مقدمة في تطورات الفكر الحديث منذ النهضة وحتى ١٩٣٠ \ محمد جابر الانصاري *

ملخص

المواجهة بين «الأصالة» و «المعاصرة» في العالم العربي بدأت منذ الغزو الاستعماري للعالم الاسلامي، ومرّت بأدوار كان أولها: الإحياء السلفي الذي تصدّى للغزو الغربي، لكنه خسر المعركة بعد أن فاته الاسهام في معركة الحضارة.

وثانيها: التصالح التوفيقي الذي يمثل الاستجابة المثمرة في المواجهات الحضارية. وثالثها: ظهور تيار (العلمانية) متأثراً بالهزيمة النفسية أمام الغرب، لكنه تيار بقي محدوداً في بيئات ضيقة. وأمام الممارسات الاستعمارية في العالم العربي، سقط التيار العلماني، وعاد كثير من العلمانيين نحو التوجّه الاسلامي. وتبيّن زيف الادعاء الاوروبي بالتقدمية والعقلانية، ثم ظهر التيار الجديد الذي يبحث عن ذاته في دينه ومعتقداته وجذوره الحضارية.

ـ

*ـ باحث ومفكر بحريني.

أ - الإحياء السلفي

مع تفكّك الدولة العثمانية، وتصاعد حركة التحدّي الأوروبي، بدأت ردّة الفعل أوّلا من جانب البيئات السلفيّة، لأنّ السلفية المطعّمة بالصوفية السنّية كانت النبض الوحيد الذي بقي عندئذ من حيوّية الإسلام (في العالم العربي). فظهرت الحركة الوهابيّة في الجزيرة العربية (منذ ١٧٤٤) … ثم تلتها حركة عبد القادر الجزائري (١٨٢٣ – ١٨٤٧) التي نظمت مقاومة مسلّحة ضد الاستعمار الفرنسي مبعثها إحياء صوفي – سنّي، ثم الحركة المهدية (١٨٨١ – ١٨٩٨) التي مثلت حركة مشابهة ضد الاستعمار البريطاني في السودان جامعة هي الاخرى بين روح الجهاد وحماسة التصوف. ثم الحركة السنوسية في ليبيا (١٩١٢ – ١٩٢٥) بالخاصتين ذاتيهما: المقاومة والرجعة الى الأصول.

لقد توازت في أغلب هذه الحركات ظاهرة الصمود المشرّف والمقاومة المسلّحة العنيفة ضد الغرب – ولعلّها أعنف مقاومة مدعمة بروح الجهاد أظهرها الإسلام في العصر الحديث – مع ظاهرة الاخفاق في تحقيق أي قدر من التحديث أو الاستيعاب لعناصر القوّة المعنوية أو الماديّة في الحضارة الغربية، أو حتّى إدراك أهداف الغرب الحديث [١]. على عكس التقليدية اليابانية – مثلا – التي ارتدت إلى جذورها، ولكن مع استيعاب فعال للتقنية الغربية والقدرة الحديثة على التعبئة والتنظيم، ممّا مكنها من تحقيق النهضة ورد التحدي [٢] … لقد وقعت السلفية العربية الحديثة في إبهام تاريخي عندما فاتها التمييز بين الاستعمار الغربي الحديث (ومن ورائه حضارته الحيّة الجديدة)، وبين الحملات الصليبية (وإرثها الديني الوسيط) وهي الحملات التي نجحت السلفيّة في صدها، ثم ركدت بعدها مطئنة الى انتصارها التاريخي، وإلى تفوقها على الغرب المسيحي، الامر الذي فوت عليها إدراك معنى خمسة قرون من النهضة الانسانية الحضاريّة الجديدة، ومن التحوّلات الجوهرية غير المعهودة من قبل في الفكر والاجتماع والتقنية [٣]. وكانت النتيجة أن خسرت معارك الحرب، بعد أن فاتها الإسهام في معركة الحضارة. ولم يظهر عليها

أنّها استوعبت الأبعاد الكاملة لأزمتها التاريخية بعد تلك الهزائم، إذ لم تقدم استجابة حاسمة للتحدّي بعد.

ب - التصالح التوفيقي

بعد أن تتابع اخفاق السلفية في ردّ التحدّي الخارجي – بخلاف القانون التاريخي القديم – جاءت حركة الإصلاح التوفيقي (الأفغاني ١٨٣٩ – ١٨٩٧ – محمد عبده ١٨٤٩ – ١٩٠٥ – الكواكبي ١٨٥٤ – ١٩٠٢) لتمثّل الأسلوب الآخر في التقليد الإسلامي لمجابهة التحدّي. فقد اتّضح أن التحدّي في جوهره حضاري وليس بعسكري أو ديني أو سياسي. والتوفيقية هي الاستجابة الإسلامية المثمرة في المواجهات الحضارية.

ونلاحظ ان التوفيقية – كشأنها تاريخياً – ظهرت في البيئات الأكثر احتكاكاً بالحضارة والأكثر انفتاحاً على المؤثرات الخارجية. كما أنّها قبلت بالتعايش مع الحكم الأوروبي ومؤثراته الحتمية وبعض تشريعه – بخلاف السلفية – جاهدة قدر الإمكان لصياغة تلك المؤثرات إسلامياً، وإلباسها بالمصطلح الإسلامي:

الديمقراطية تتطابق مع الشورى، المنفعة العامة تتوازى توفيقيّا مع المصلحة الشرعية، الرأي العام الحديث يقارن بمبدأ الإجماع الفقهي، والضريبة بالزكاة… الخ [٤] … وهكذا بدأت مرحلة جديدة من التوفيقية هدفها هذه المرة خلق صيغة متوازنة بين قيم الإسلام والحضارة الأوروبية الجديدة، ليس بوضع الطرفين على جانب واحد من الأهمية صراحة – إذ لا يمكن وضع نظام إلهي بموازاة نظام بشري حسب معايير الايمان الإسلامي – ولكن عن طريق التنظير التبريري [٥]. (أو الحجاجي أو الاعتذاري) القائم على مبدأ إرجاع القيم والمنجزات الاوروبية الى جذور أو أصول أو قرائن اسلامية، (بغض النظر عن المستندات التاريخية لهذا الإرجاع، أو الفروق القائمة بين طبيعة النظام الإسلامي والنظم الأوروبية). وإذا كان محمد عبده قد بدأ هذه المعادلة بالقول إن الحضارة الصحيحة تتوافق مع الإسلام، فإن الرعيل الثاني من مدرسته مال بطرف المعادلة إلى الناحية الأخرى فقال إن الإسلام يتوافق مع ما تأتي به الحضارة [٦].

وإذا شئنا النظر إلى التاريخ في استمراريته قلنا إن التوفيقية الحديثة هي لقاء آخر متجدد بين تراث الشرق الأدني والعقل الأوروبي (منذ نشأته الإغريقية). وإن ماحدث هو مواجهة لموجة «هيلينية» جديدة قادمة هذه المرة من أوروبا الغربية بثوب عصري. غير أن هذه النظرة الاستمرارية يجب ألا تحجب عنا تميز الظروف الجديدة وخصوصيتها. فهذه الموجة لا تأتي باختيار حّر [٧]، وبقرار من الخليفة باستقدام الكتب الاغريقية وإنشاء دور لترجمتها، وإنما تجتاح ببوارج حربية، وبضغوط سياسية واقتصادية لا ترد، وبفكر نقدي عقلاني خالص ثائر على الأصول القديمة تبشر به الكتب والجامعات، شاء الخليفة أم أبى. بل إن هذه الموجة الجديدة أطاحت بالخليفة والخلافة في نهاية الأمر. ولم يستطع عبد الحميد أن يتوافق معها، كما فعل المأمون من قبل. وحتمت طبيعة الظروف الجديدة أن يلمس الإسلام الحديث من الغرب ظواهره المادية المتفوقة قبل أن يدرك جوهره الحضاري الإنساني الداخلي [٨]. بينما تعرف المسلمون القدماء إلى جوهر الفكر الإغريقي بصورة حميمة متأنيةبعد ذهاب سطوة الإسكندر بقرون، ولم يضطروا للخلط بين الجانبين، كما حدث للتوفيقيين المحدثين الذين ظلوا ينتقون من الغرب ما يرونه باهراً أ

و ظاهراً من أوجه حضارته كأساليبه العسكرية والسياسية والاقتصادية دون النفاذ الى ماوراء تلك الأساليب من غايات ومنطلقات، ومن نظرة كونية جديدة للإنسان والحضارة والطبيعة مغايرة لكل ماسبقها من نظرات غيبية. (وهي حقيقة لابد من مواجهتها بشكل مباشر ونافذ قبل الشروع في أية صياغة توفيقية بين الإسلام والغرب الحديث).

ومنذ مطلع النهضة الى اليوم تستمر محاولات دعم المعادلة التوفيقية بين توازن واختلال حسب حركة المد والجزر في مجرى المؤثرات الغربية. وكلما جاءت هذه المؤثرات بتحديات أكبر اضطرت التوفيقية إلى مزيد من التنقيح في معادلتها وذلك بالتوسع في إعادة تفسير الإسلام – عقلياً ومدنياً وعلمياً ثم ديمقراطياً ثم اشتراكياً وربما ماركسياً – من أجل الحفاظ على سلامة منطلقها النظري المبدئي القائل: إن الإسلام يتقبل كل ماهو صحيح وجوهري وضروري في الحضارة الحديثة، وكل ما تحتمه تطورات العصر ومصالح الجماعة [٩].

ج - اتجاهات العلمنة والرفض

من الظواهر الملفتة أن عصر مطلع النهضة الحديثة في الشرق العربي لم يشهد حركة عربية تحديثيّة خالصة تعمل على الاستيعاب الكلّي والجوهري للحضارة الغربية بإحلال النظرة العقلية العلميّة محلّ النظرة الغيبيّة الدينيّة وقصر الدين على جانبه الروحي الفردي الخالص. وما برز ضمن هذا الاتجاه يمثّل نماذج فرديّة وفئات محدودة من خارج البيئات السلفيّة والتوفيقيّة، أي من خارج الإيمان الأصولي.

ولعل مردّ ذلك، كما أسلفنا، عدم نشوء تيّار علماني مستقل في تاريخ الإسلام، أو عدم سماح الإطار الجامع المانع للإسلام بظهور مثل ذلك التيار. أضف إلى ذلك أن الرفضية القديمة - المؤهلة للقيام بمثل هذا الدور - قد حالت نزعتها الباطنية العرفانية، التي انغلقت بفعل الحصار والانكفاء على الذات، دون تقبّلها للعقلانية الحديثة.

وبدت التوفيقيّة السنيّة أقرب إلى التفاعل مع العقل الغربي من تلك الباطنيّة التي وجدت في العقل الحديث نقضاً لمرتكزها العرفاني السرّي ولعصمة تعاليمها الخفيّة [١٠].

وهكذ فإذا كانت الباطنيّة قد مثّلت ثورة في الماضي ضد المحافظة الإسلامية من منطلق «عرفاني»، فإنّه لم يقدر لها أن تتحوّل إلى ثورة بالمعنى العقلاني الحديث لمفهوم الثورة الفكرية التي تنفذ إلى مختلف جوانب المعرفة فتسلّط عليها ضوء التحليل والنقد والنقض ولا تقف أمام أيّ حاجز من سرية أو عصمة.

إنّ قسطا من هذه المهمّة الانتقادية للأسس والأصول ستتصدّى للقيام به «العلمانيّة المسيحيّة» التي كانت أقرب إرهاص في فكر النهضة عن منحى الثورة العقلانية التحديثيّة، الجذرية والشاملة.

كان الفكر المسيحي المشرقي القديم قد قام بدور رئيسي – قبل الاسلام – ضمن عملية إدخال المؤثرات العقلية الهيلينيّة إلى منطقة الشرق الأدني، والتوفيق بينها وبين مسلمات الوحي الديني. (كليمان الإسكندري: ١٥٠ – ٢٠٠، وأوريجين: ١٨٥ – ٢٥٤م) كما واصل رسالته هذه إبّان النهضة الفكريّة الإسلامية عن طريق الترجمة، والجهد الفكري المستقلّ (يحيى بن عدي: + ٩٧٤م). ومن منطلق موقعه التاريخي هذا بين الدين السامي والعقل الأوروبي، كان هذا الفكر مؤهلا، أكثر من غيره، لدور الريادة عندما جاءت الموجة «الهيلينية» الجديدة من أوروبا المسيحية – العلمانية، هذه المرّة، ومعها تجربة غير معهودة من قبل في تحديد العلاقة الجدلية بين الدين والعقل تستند إلى مبدأ الفصل والتمييز والتفريق بينهما، وتتجاوز مستوى التوفيق الكلاسيكي. وهي تجربة كان الفكر المسيحي العربي، بحكم جذوره الدينية وصلاته الفكرية بالغرب، أقدر على استيعابها وتمثّلها والتبشير بها [١١].

ولذا نرى محور الصراع في فكر النهضة يتركّز بين التوفيقية الإسلامية والعلمانية المسيحية التي أيقظت تيار «الرفض» الفكري وحرّكته. (ولقد كانت «الرفضية» لدى المسلمين بحاجة – في أغلب الأحيان – إلى منبهات فكريّة غير إسلامية تغذّيها وتميّزها عن مجرى الأصوليّة والإجماع).

وإذا كان هذا الرافد العلماني المسيحي لم يتحوّل إلى تيار رئيسي فاعل في الفكر العربي الإسلامي، لأنّه لم ينبع من داخله ولم يتمكّن من الاندماج فيه، فإنّه قد أسهم في دفع التوفيقية الإسلامية – بحكم صراعه معها [١٢]. إلى مزيد من العقلانية والاستيعاب الجدي للحضارة الغربية. كما أنه أسهم – ضمن عوامل أخرى – في خلق تيار إسلامي تجددي، علماني الميل، خرج على توفيقيّة عبده – بعد أن تتلمذ عليها – ومثـّل ظاهرة استثنائية هامّة – وإن تكن موقّتة – في الفكر العربي (وذلك ما سنعرض له في فقرة تالية).

من ناحية أخرى، مهّدت التأثيرات العقلانيّة المادية المبكّرة التي جلبها العلمانيّون المسيحيّون لتقبّل الأفكار المادية الماركسية في فترة لاحقة. فعلى الرغم من أنّ العلمانية المسيحية لم تكن ماركسية النزعة أساساً، وغلب عليها المنحى التطوري الدارويني والقيم «الليبرالية» إجمالا، إلا أنّ ما جلبته من عقلانية خالصة، وتفكير اجتماعي تطوري اشتراكي، ونزعة «يسارية مبكرة» [١٣]. أسهم في تهيئة بعض العرب لتقبل الماركسية عندما بذرت بذورها في العشرينات ومطلع الثلاثينات [١٤]. (ترجم خالد بكداش «البيان الشيوعي» إلى العربية عام ١٩٣٣).

غير أن العلمانية والماركسية معاً بقيتا محصورتين اجتماعياً وفكرياً الى حد كبير ضمن نطاق الأقليات وفي حدود البيئات ذات الأوضاع الخاصّة [١٥]، «ولم يَنـْمُ تيار علماني أو ماركسي بشكل طبيعي، متأصل وراسخ في البيئات السلفية والتوفيقية – لأن الفكرتين لم تنحسم علاقتهما بالإسلام بصورة ناجعة. وارتبطت الفكرة العلمانية، سياسياً وايديولوجياً، بالغرب الرأسمالي (الاستعماري)، كما ارتبطت الماركسية على النحو ذاته بالمعسكر الشيوعي الملحد» [١٦].

هذه الأسباب مجتمعة خلقت نوعاً من التطابق في الذهن العربي المسلم – صواباً أو خطأ – بين التيّار العصري الجديد، برافديه العلماني والماركسي، وبين النمط الفكري الثالث من أنماط الفكر القديم، وهو نمط الرفضية والبدعة والإلحاد. فلقد جاء الفكر الرافض الجديد من حضارة علمانيّة، غير إسلامية، ذات منزع عقلي انتقادي متحرر تجاه الدين والتقليد، وارتبط في البيئة العربية المسلمة بعناصر غير إسلامية، أو غير سنية على الأقل، واتّخذ في مراحله الأولى موقف النقض الصريح للإسلام.

فكان لهذا كله أشدّ وطأة من الرفضية القديمة (التي حافظت على انتمائها الإسلامي بطريقتها الخاصّة). وكان لا مناص من استيقاظ الحاسّة التاريخية الجماعية وحصول التطابق في التصّور الجماعي للأمّة بين منزع التحديث الجذري الخالص المناهض للإسلام، وبين تيار البدعة والإلحاد، خاصّة وأن التيّار الرفضي الجديد جُوبه أيضا بالتيّارين القديمين المتجدّدين ذاتيهما: السلفية والتوفيقية. وأصبح في حكم المحتّم عليه – للأسوأ أو للأحسن – أن يخضع لقانون الصراع الفكري، المثّلث الجوانب، في الحضارة العربية الإسلامية، وأن يأخذ موقعه القديم الاستثنائي والشاذّ، بين تياريها الآخرين [١٧].

وقد تكون مصادفة تاريخية غريبة أن يتطابق التّيار الداعي لاعتناق الحضارة الحديثة في حياة أمّة من الأمم مع تقليد البدعة والزندقة وإلالحاد في تاريخها. غير أنّها ظاهرة قائمة ويتوجّب تسجيلها من حيث هي ملاحظة علمية (ثم يبقى من مهام الفكر العربي ذاته أن يتصدّى لها بالمعالجة).

الصراع بين توفيقية عبده وتغريبية كرومر:

كانت قوّة التحدّي الأوروبي، الحضاري والسياسي أعظم من أن تصمد لها توفيقية محمد عبده ومعادلته التي حاولت بعد أزمان من التنافر والعداء الجمع بين الإسلام والغرب في صيغة تصالحية واحدة. فمن ١٨٨٢ عام الاحتلال البريطاني لمصر إلى ١٩١٨ عام السيطرة البريطانية – الفرنسية الكاملة على المشرق العربي، إلى ١٩٢٤ عام إلغاء الخلافة، استطاع الغرب تدريجيا أن يصفّي الكيان العربي الإسلامي الموحد نهائيّاً – لأوّل مرة في التاريخ [١٨]. وأن يحكم أقطار الشرق العربي حكماً مباشراً، وأن يفرض أسلوبه في الإدارة والتشريع، ومنهجه في التربية، ونمطه في الاقتصاد وأن يلحق المنطقة بدورته الرأسمالية العالمية مصدراً للمواد الخام، وسوقاً استهلاكية لمنتوجاته، وممراً استراتيجيّاً لطرق تجارته [١٩].

وأصبحت موثّراته الحضارية تبعا لذلك تنفذ إلى المجتمعات العربية بقوة واندفاع دون أن يكون لهذه المجتمعات حرّية الاختيار أو الرفض في ظلّ شخصية جماعية مشتركة متماسكة. ونتج عن ذلك سوء استيعاب وهضم المؤثّرات الغربية ممّا أدّى إلى ارتباك واضطراب في تلك المجتمعات؛ واختلّ التوازن إلى حدّ كبير بين موروثها وجديدها [٢٠] وهو التوازن الذي طمحت توفيقية عبده لإقامته في وجه التحدّي الغربي.

وممّا يستحق المقارنة أنه في الفترة ذاتها التي ظهرت فيها كتابات محمد عبده داعية لإحياء الإسلام مابين ١٩٠٠ – ١٩٠٥، كان اللورد كرومر، أبرز حاكم غربي «تحديثي» في الشرق العربي، ينشر كتاباً عام ١٩٠٨ يزعم فيه أن الإسلام إذا لم يكن ميتاً فإنّه في طور الاحتضار اجتماعيّاً وسياسيّاً، وأنّ تدهوره المتواصل حسب زعمه لا يمكن إيقافه مهما أدخلت عليه من اصلاحات تحديثية بارعة، لأنّ التدهور كامن في جوهره الاجتماعي – منذ الأصل – وهو جوهر قائم على تخصيص دور متخلّف للمرأة في المجتمع، وعلى التغاضي عن نظام الرقّ، وعلى جمود الشرع وقطعيّة العقيدة [٢١]. وإنّه لا بديل عن التحديث الكامل بدون الإسلام. (وهي نتيجة تلخص أفكار الغلاة من المستشرقين المعادين للاسلام).

ونحن إذا قارنّا بين القوّة الفاعلة التي مثّلها كرومر في الشرق العربي ومن ورائه دولته البريطانية وحضرته الأوروبية – والقوّة المحليّة المغلوية والمشتّتة التي يحاول تجميعها محمد عبده، تبّين لنا مدى الاختلال في المعادلة بين الجانبين واستطعنا أن ندرك مغزى روح المهادنة التي أظهرها عبده تجاه كرومر [٢٢]. وهي الروح التي ستتحوّل إلى نزعة قبوليّة شبه مطلقة للفكر الأوروبي وللسياسة الأوروبية ونظمها لدى الفرع العلماني من مدرسته: لطفي السيّد (١٨٧٢ – ١٩٦٣)، سعد زغلول (متوفّى ١٩٢٧)، طه حسين (١٨٨٩ – ١٩٧٣)، إسماعيل مظهر (١٨٩١ – ١٩٦٢)، الذي اتّجه بعد وفاة عبده إلى مايقرب من نظرة كرومر بشأن مسألة التجديد وطريقة معالجة أزمة الإسلام.

وقد برز هؤلاء المجدّدون بعد الحرب العالمية الأولى بفترة وجيزة، لكنّ الاتّجاه التحديثي كان قد لاح قبل الحرب. ففي ١٩٠٧ تأسّس حزب سياسي جديد عرف باسم «حزب الأمّة». وأفردت صحيفة الحزب (الجريدة) صفحاتها لكتـّاب شربوا من مناهل الفكر الغربي… كان بعضهم من حواريي محمد عبده، أمّا الآخرون فتلقّوا العلم في أوروبا. وتأثّر اثنان منهم، هما طه حسين ومحمد حسين هيكل اللّذان لعبا دوراً بارزاً في الحركة التجديدية بالآراء التحديثية للطفي السيّد [٢٣].

وإذا كان لطفي السيّد لم يعالج قضايا الفكر الديني مباشرة فإنّ طريقة معالجته للمسألة الوطنية المصرية، ومطالبته بانتهاج النظام الحرّي – أي الليبرالي حسب ترجمته له [٢٤]. بما يستند إليه من قيم وأسس فلسفيّة وحضارية، كلّها أمور يستشف منها اتّجاهه الفكري بشأن قضية الإسلام والعصر. والنصّ التالي الذي نشره لطفي السيّد عام ١٩١٣ في «الجريدة» يوضح أين يقف فكريّاً من خلال مذهبه السياسي الذي يحدّده بجلاء: «يعوزنا شيوع الاعتقاد بأن مصر لا يمكنها أن تتقدّم، إذا كانت تجبن عن الأخذ بمنفعتها وتتواكل في ذلك على أوهام وخيالات يسمّيها بعضهم الاتّحاد العربي، ويسمّيها آخرون الجامعة الإسلامية» [٢٥].

من هذا المنطلق الخالص بمنزعه «الحري» العلماني المستغرب انطلقت حركة التجديد الجذري، الرافض لروح التوفيق، في فترة مابين الحربين. وهي الحركة التي تولّدت – تاريخيّاً – من توفيقيّة الأفغاني – عبده – الكواكبي، ولكنّها تحوّلت إلى تجسيد اتّجاه نقيض لها بتأثير الإصلاحات الغربية (نهج كرومر)، من ناحية، وبتأثير المدرسة العربية العلمانية الخالصة (شميّل – فرح أنطون – يعقوب صروف – سلامة موسى)، من ناحية أخرى.

وفي صميم هذه الحركة التجديدية سيتم اللّقاء لأوّل مرّة في الفكر العربي بين الإسلام والعلمانية في مزيج مذهبي واحد، وسيتبلور لدينا المصطلح النادر «المسلمون العلمانيّون»، أو «العلمانية الإسلامية» [٢٦].

وهو مصطلح وجد مضمونه الواقعي ونموذجه الحي في تجربة تركيا الكمالية، التي تمثّل العامل الثالث لنشوء هذه الحركة (بالإضافة إلى الإصلاحات الغربية العلمانية المسيحية العربية).

وفي الفترة مابين ١٩٢٥ – ١٩٣٠ تبلغ هذه الحركة ذورتها وتستجمع زخمها وقوّة دفعها، بحيث لو تأمّل مؤرخّ حال الشرق العربي في تلك السنوات، لرجّح أنّ المعركة بين القديم والجديد، بين الإسلام والحداثة، بين السلفية والعلمانية لابدّ أن تصل إلى نهايتها الحاسمة بانتصار نقيض على آخر بصورة لا تحتمل عودة التوفيق بينهما؛ ولَتواتـَر وتجمّع لديه من الظواهر الماثلة عندئذ مايدلّ على أنّ التيّار التجديدي الدينامي المندفع هو المؤهّلُ للحسم التاريخي [٢٧].

أ - وكان منصور فهمي (متوفّى ١٩٥٨) قد بدأ علميّا هذا التقليد عندما كتب أطروحته في فرنسا عام ١٩١٣ بعنوان «حالة المرأة في التقاليد الإسلاميّة وتطوّراتها» بإشراف المستشرق اليهودي ليفي برول (١٨٥٧ – ١٩٣٩)

– Levey Bruhl؛ ونهج فيها منهج النقد التاريخي العلمي، المتحرّر من الالتزام بحقيقة الوحي، في تفسير سلوك النبي وعلاقاته وتشريعاته [٢٨]. وفي عام ١٩٢٥ تبعه الشيخ علي عبد الرازق الخريج الأزهري، والقاضي الشرعي، بإصدار كتاب «الإسلام وأصول الحكم» طرح فيه قضية العلمانية للمرّة الأولى في صميم الفكر العربي الإسلامي، بعد أن أصدرت الحركة العلمانية الكمالية كتيّبا برّرت فيه لجوءها إلى العلمنة ببعض المبرّرات المستمدّة من مبادئ الإسلام ذاته [٢٩]. وتكمن خطورة هذا العمل الذي طوّره عبد الرازق بصورة أكثر منهجية وعمقاً وارتباطاً بأصول الإسلام، في أنه استند لأوّل مرّة في تاريخ الفكر الإسلامي إلى حجج ومبرّرات دينيّة شرعية مستمدّة من القرآن والسنّة والتاريخ الإسلامي لتبرير العلمانية ضمن إطار الإيمان الديني ذاته، وليس من منطلق العلمانية الخالصة المنافية للدين [٣٠]. وذلك ما جعل منها قضيّة «مشروعة» داخل الفكر الإسلامي، بعد أن كانت تطرح منذ مطلع النهضة من خارجه.

ثمّ اصدر طه حسين عام ١٩٢٦ كتابه «في الشعر الجاهلي» مستخدماً منهج الشكّ الديكارتي والنقد التاريخي الأوروبي في غربلة الروايات والنصوص الدينية – بما في ذلك آيات القرآن – ممّا طرح إمكانية نقد القرآن ونقضه من وجهة نظر البحث العلمي [٣١] … وهنا تكمن خطورة هذا الكتابين وليس في مجرّد تشكيكه بمصادر الشعر الجاهلي. ومن هذا المنطلق كان طه حسين يؤكّد وقتها أن العلم في ناحية والدين في ناحية، وأن التوفيق بينهما محال [٣٢].

وفي العام ذاته (١٩٢٦) كتب إسماعيل مظهر (١٨٩١ – ١٩٦٢) في المقتطف يدعو إلى نقض العقلية الغيبيّة المخلوطة بشيء من العلم التي تميزّت بها الحضارة الإسلامية وأحياها الأفغاني، وإلى إحلال العقلية العلمية الأوروبية محلّها دون تقريب وتوفيق، وبأسلوب الصدام والمواجهة بين العقليتين المضمحلّة والصاعدة: «إنّني أتوقّع، وعسى أن يكون ذلك قريباً، أن الخطوة التي خطوناها في سبيل الخروج من ظلمات الأسلوب الغيبي إلى وضح الأسلوب اليقيني، سوف تقودنا سعياً إلى ميدان يتصادم فيه الأسلوبان تصادماً يثير في جوّ الفكر عجاجة ينكشف غبارها عن الأسلوب الغيبي وقد تحطّمت جوانبه واندكّت قوائمه. وتترك الأسلوب اليقين قائماً بهامه الجبّار القوي الأصلاب مشرفاً على الشرق، وقد هبّ من رقاد القرون، ليسير في الدروب التي مهّدت سبله للأنام نواميس النشوء والارتقاء» [٣٣]. وهي دعوة نلمح من وراء سطورها روح يعقوب صروف ومنزعه العلمي الخالص. ولقد كان (مظهر) متأثّراً بصروف أكثر من تأثّره بخاله لطفي السيّد [٣٤].

وبعد وفاة صروف أسّس اسماعيل مظهر مجلّته «العصور» عام ١٩٢٧ على نهج المقتطف، ولكن بصراحة أكبر في تناول المسائل الدينية وفي التعرّض لرجال الفكر السلفي والتوفيقي وحتّى للمجدّدين من أمثال علي عبد الرازق وطه حسين، وفيها طبق مظهر ما دعا إليه من ثورة عقلية في «المقتطف».

وفي هذه الفترة ايضاً كان محمد حسين هيكل (٢٨٨ – ١٩٥٦) يطرح مفهوماته في الأدب الفرعوني [٣٥]. وفي الدعوة إلى العلم الخالص ويترجم أبحاثاً عن النظرة الوضعية لأوغست كونت القائلة بانتصار مرحلة العقل، ويؤلّف كتاباً عن «حياة روسو» (١٩٢٢) شارحاً فكرته في «الدين الطبيعي» [٣٦].

وفي عام ١٩٣١ نشر الشاعر العراقي جميل صدقي الزهاوي (١٨٦٣ – ١٩٣٦) ملحمته «ثورة في الجحيم» في مجلّة «الدهور» (التي أصدرها إبراهيم حدّاد ببيروت لتخلف «العصور»، واستمرت سنتين (١٩٣١ – ١٩٣٣) [٣٧]. وتتضمّن ملحمة الزهاوي تأملات في العدل الإلهي وفي مفهوم الجنّة والنار؛ والعمل الصالح [٣٨].

وفي هذه الفترة أيضا أخذ الدكتور إسماعيل أحمد أدهم (المتوفّى ١٩٤٠) – وهو مستعرب متمصّر من أصل مزيج تركي روسي، كان على صلة بالاستشراق الروسي – يعالج الموضوعات الدينية بحرية شديدة [٣٩].

ب – وبموازاة هذا الرافد العلماني العقلاني العام، كانت بواكير الاتجاه الماركسي تبدأ في الظهور بعد انتصار الثورة البلشفية في روسيا (١٩١٧)، وتحولها للاهتمام بالشرق مع تأسيس «الأممية الثالثة» ١٩١٩ (وهو التاريخ الذي اتخذ منه اليساري اللبناني يوسف يزبك تقويماً جديداً محل التاريخين الميلادي والهجري، فصار يؤرخ هكذا: في ٧ ت ١، ، للسنة السادسة، للأنترناسيونال الثالث) [٤٠]. وقد ظلّت الأفكار الاشتراكية حتى قبيل الحرب العالمية الأولى محصورة بشكل رئيسي في نطاق العلمانيين المسيحيين. وأصدر سلامة موسى في عام ١٩١٣ كتابه «الاشتراكية» يشرح فيه مفهومه لها المستقى من الفابية التطورية البريطانية. غير أننا في العام ذاته نلاحظ لأول مرة بداية انتشار الفكرة في أوساط المثقفين المسلمين، حيث قام الكاتب المصري مصطفى حسنين المنصوري (١٨٩٠ – ١٩٦٤) بتأليف كتابه الرائد «تاريخ المذاهب الاشتراكية» ليصبح بهذا العمل: أوّل اشتراكي مسلم في العالم العربي ينقل صوت الفقراء ويعلن بأنّ في الاشتراكية علاجا للأوضاع القائمة» [٤١]. وفي عام ١٩٢٠ تأسّس «الحزب الاشتراكي المصري». ثم تلاه «الحزب الشيوعي المصري» عام ١٩٢٢. وفي ذلك العام ظهرت في زحلة بلبنان جريدة «ا

لصحافي التائه» (١٩٢٢ – ١٩٣٠) لاسكندر الرياشي (بمشاركة يزبك) لتكون «جريدة العمّال والبؤساء» [٤٢]. ولتمثّل النواة الأولى للتجمّعات الشيوعية في لبنان وسوريا وفلسطين. وفي العام ذاته أيضا (١٩٢٢) ترجم أحمد رفعت بمصر أوّل كتاب ماركسي رسمي، وهو كتاب لينين «الدولة والثورة» فبدأت بذلك «مرحلة جديدة لنشر مبادئ الاشتراكية العلمية» بعد أن كانت «تنقل محرّفة. أو غير مفهومة» [٤٣]. ثمّ ترجم خالد بكداش «البيان الشيوعي» عام ١٩٣٢، وتبعه مصطفى حسني بترجمة كتاب فردريك انجلز «مبادئ الشيوعية» تحت عنوان «تعاليم الماركسية» عام ١٩٣٥ [٤٤].

جـ – وفي الفترة ذاتها، بدأ التفكير القومي العربي يكتسب لأوّل مرّة مفهوماً علمانياً على يد المفكّر المسلم ساطع الحصري (١٨٨٠ – ١٩٦٨). ولم يعد الدين عنصراً جوهرياً حاسماً في القومية [٤٥]. ولاحت إمكانية تأسيس «أمة» عربية جديدة غير مرتبطة ضرورة بمفهوم «دار الإسلام». واذا كان لطفي السيّد قد دعا إلى وطنية مصرية علمانية، فإنّ عمله هذا – أي ربط العلمانية بالشخصية المصرية منذ العهد الفرعوني – لم يكن في خطورة ماهدف إليه ساطع الحصري الذي كان مغزى فكرته يتركّز في علمنة العروبة، مادة الإسلام (تاريخيّاً). إذ عندما تتعلمن العروبة لابدّ أن يتعرّض ذلك المزيج العضوي التاريخي للتحلّل بافتراق عنصريه: «العصبية» العربية و «الدعوة» الدينية، إذا شئنا استخدام مصطلح ابن خلدون ومفهومه التاريخي [٤٦].

وهذا مايجعل من دعوة العلمانية في الفكر العربي الاسلامي مسألة تتعدّى نطاق التشريع وشكل الدولة إلى التصدّي بالتغيير والتبديل لثوابت الكيان الحضاري العام.

ولعل مغزى هذه الثورة العقلية الشاملة (بمختلف روافدها التي عرضنا لها في هذه الفقرة) كان يتركّز في مجابهة هذه القضية المحورية الأم وحسمها.

وللحيلولة دون تحقيق هذا الحسم، سوف تتجمّع أيضا – حول المحور ذاته – ردّة الفعل المضادة، أو حركة الإحياء الإيماني التراثي (التوفيقية الجديدة) …

إخفاق العلمنة الخالصة

والمفارقة الغريبة في تاريخ هذه الثورة العقلية، أنها بدت حوالي ١٩٣٠ وكأنّها قد بلغت ذروتها وأوشكت أن تحقّق انعطافاً حاسماً في مجري الفكر العربي، غير أن بلوغها ذروة صعودها كان إيذاناً – في الوقت ذاته – ببداية اضمحلالها وانحدارها. لقد مرّت هذه الثورة العقلية الناقدة في حياة الفكر العربي ومضة خاطفة ما لبثت أن خبت بالسرعة ذاتها، دون أن تمرّ – شأن النهضات العقلية – بأدوار نضج واستقرار واستمرار. وبدا لأحد شهود تلك الثورة بعد سنوات قليلة من خفوتها (عام ١٩٣٦) أنّ نموّها وتطّورها لم يخضعا «لسنة النشوء والارتقاء بل لسنّة التدهور والانحطاط» [٤٧]. أمّا السبب في نظره فمرده إلى عامل «الرأي العام» الذي كان قويّاً مسلّحاً فتغلّب وانتقم وأصبحت له السلطة التامة. وانهزم أمامه فريق المفكّرين الصرحاء هزيمة منكرة.

ولم تكن له أمثلة كثيرة في تاريخه القريب فاضطر إلى التسليم. وتعوّد المجاراة بدل المقاومة، والمداراة مكان المصارحة. فلم يعد هناك معسكران، ولم يعد صراع، وإنّما معسكر واحد، ولا قتال… [٤٨]. وتحوّل التياران المتصارعان إلى «مدرسة واحدة يختلف أفرادها اختلافاً طفيفاً في العرض لا في الجوهر» [٤٩].

هذا «المعسكر الواحد» أو «المدرسة الواحدة» تعبير عن عودة الاتّجاه التوفيقي وإحيائه (منذ حوالي ١٩٣٥) وانصباب الرافدين العلماني والسلفي ضمن مجراه العام بعد أن تعذّر الحسم وتحتّم التصالح. وهكذا قُدّر لهذه الثورة العلمانية العقلية أن تخرج على توفيقية محمد عبده بعد وفاته (عام ١٩٠٥) وأن تعود إليها – لأسباب سيأتي ذكرها – بعد ثلاثة عقود من السنين [٥٠].

وكان أبرز تفسير ذاتي لأزمة هذا الاتجاه يصدر بشكل اعتراف من داخله يتلخّص في أنّ «البذر» العقلي الثوري كان يلقى «في غير منبته، فاذا الأرض (العربية) تهضمه، ثمّ لا تتمخض عنه، ولا تبعث الحياة فيه» (٥١). كما لاح لأحد أعلام تلك الثورة الفكرية (عام ١٩٣٦) لدى ارتداده عنها، وتأمّله في إخفاقها.

رفض التسوية التي فرضها الغرب

إنّ «التسوية» التاريخية التي أسهم الغرب في فرضها على الشرق العربي في الفترة بين ١٩٢٠ – ١٩٣٠، والمتمثّلة في إقامة كيانات متعدّدة فيه ذات جذور إقليمية منفصلة تستند إلى فكرة «الوطن» المحدود، وتخضع للنفوذ الغربي، وتقتبس أنظمته السياسية في الحكم وسائر قيمه الفكرية والحضارية، وتخرج شيئاً فشيئاً على وحدة كيانها الحضاري الثقافي العام؛ هذه التسوية وإن خلقت أمراً واقعاً وقائماً مايزال مستمراً في خطوطه العامة إلى اليوم، واستندت إلى حقائق جغرافية وتاريخية وإثنيّة في واقع المشرق ذاته، إلا أنها لم تتخذ صفة التشكّل الطبيعي المستقرّ والنهائي لوجه هذه المنطقة (٥٢). واتّضح من توالي الشواهد التاريخية والفكرية بعيد عام ١٩٣٠ أن أسس تلك «التسوية» تعاني خللاً كبيراً، وأن المنطقة العربية في معظم أقطارها لم تجد فيها هويتها الحقيقية، وأنها تطمح إلى تحقيق ذاتها ضمن تشكّل مشترك جديد يكوّن لجذورها الحضارية، بقدرما يكون متفاعلاً مع حضارة الغرب (٥٣). (وإن تفاوتت الاجتهادات حول طبيعة التشكّل الجديد، والجذور التي يستقى منها).

ولقد حال الغرب دون نشوء كيان جماعي بديل في المنطقة يتولّى أمر تحضيرها بارادتها واختيارها (عندما نقض وعوده بتأييد إقامة المملكة العربية المتحدة وحارب المحاولات الاتحادية التالية) (٥٤). . كما لم يسمح بأيّة حركة تحديثيّة تصنيعيّة جدّية في الأوطان الواقعة تحت سيطرته (٥٥).، على الرغم من تظاهره بحمل رسالة التحديث. وأخذ يتّضح أنه مهتّم بمصالحه الاقتصادية – السياسية المباشرة أكثر من اهتمامه برسالته الحضارية وقيمه الإنسانية في الحرية والمساواة. وشيئاً فشيئاً أخذ يتراءى للجيل الذي تربّى في ظل الحكم الأوروبي وذهب للدراسة في الجامعات الأوروبية، ثم عاد إلى بلاده يدعو للقيم الأوروبية في السياسة والحضارة والحياة كلّها، أنه كان مخدوعاً وأن للغرب وجهين متناقضين. وأن مؤثّراته التي يجلبها للمستعمرات أغلبها بهرج وقشور؛ أمّا تبشيره بثقافته وقيمه فلزعزعة تراث المنطقة العربية وهدم كيانها الحضاري الموحّد، أكثر منه نشراً مخلصاً للفكر الإنساني الحديث المتحرّر (٥٦). (أو هكذاخيّل لكثيرين من أبناء الشرق العربي، على الأقلّ).

لهذا كلّه اضطربت عمليّة التحضير والتحديث في الشرق العربي ولم تؤت ثماراً مؤكدة، وسبّبت من الارتباك والاختلال أكثر ممّا خلقته من الحيويّة والتفتح. فلا هي أدّت إلى مايشبه «النموذج الياباني» في النهضة التقنية مع الحفاظ على الشخصية التقليدية. ولا هي أدّت إلى مايقرب من «النموذج الصيني» في الثورة الجذرية الشاملة واعتناق عقيدة جديدة باترة للقديم، ولا هي وصلت إلى مستوى «النموذج الهندي» في تحقيق حدّ أدنى من ملامح الدولة العصريّة الديمقراطيّة مع محافظتها على تراثها الروحي وطابعها التقليدي. ونلاحظ أن هذه الأمم الشرقية الكبرى الثلاث انطلقت من مبدأ «الوحدة القومية» أساساً ولم تدخل العصر مقسّمة مجزّأة حيث يكاد يستحيل إنجاز تجربة تحديثية راسخة تجابه تحدّيات العصر ومسلتزماته من واقع التقسيم والتجزئة (٥٧). وإذا كان العرب لعوامل داخلية ذاتيّة مسؤولين إلى حدّ كبير عن ذلك، فإنّه يجب عدم إغفال عامل الموقف الغربي من هذه القضيّة. لقد وقف الغرب لأسباب استراتيجية مصيرية ضدّ أية وحدة عربية فاعلة: ليبراليّة كانت أم سلفيّة أم يساريّة (٥٨).

هذه قضيّة محوريّة تتفرّع منها مسائل التحضير والتحديث والبناء الفكري. وهي تفسّر لنا إلى حدّ لا يجوز إغفاله هذا الاختلال البنيوي في الاستيعاب الحضاري والفكري لدى العرب. لأنّ هذه الخيارات الجوهريّة تحتاج إلى كيان جماعي متّسق الوجهة يقرّرها ويقدم عليها، ولا يمكن أن تنجزها كيانات متفرّقة متنازعة الاتّجاهات والنظم والمؤثرات (٥٩).

مؤشرات العودة إلى المنحى التوفيقي

يصعب تحديد بروز التحولات والتغيرات الكبرى في حياة المجتمعات، وتحديد بداية العهود الجديدة في تاريخها، بسنة أو سنوات قصيرة معينة.

فهذه التحولات والبدايات تنغرس بذورها في فترات سابقة، وتظل تنمو بالتدريج لفترات تالية – ضمن تيار الزمن الجاري – حتى تتضح معالمها وتبرز ملامحها. إلا أن بعض الفترات الزمنية تتميز عن غيرها بكثافة المؤشرات والظواهر الدالة على التحول والتغيير، بحيث يكون في مقدور الباحث رصدها وتحديدها تاريخياً باعتبارها علامة فارقة بين عهد وعهد، وبين نمط من الاجتماع والتفكير ونمط آخر مباين له ومختلف عنه.

ومن هذه الزاوية فإن السنوات الواقعة بين ١٩٣٢ – ١٩٣٩ تتميّز عن غيرها بوفرة الدلالات الفكرية والاجتماعية والسياسية، وبعمق التحولات والتغييرات في بنية المجتممع بمصر والمشرق، بحيث تستحق هذه الفترة من دارسي الشؤون العربية بعد الحرب الثانية وقفة خاصة متأنية، باعتبارها الفترة التكوينية الجنينية التي بذرت فيها بذور الاتجاهات المعاصرة.

فلقد تردد بين مؤرخي المجتمع العربي بعد الحرب الثانية (١٩٤٥) أن هذه الحرب بأحداثها المؤثرة هي التي كانت الحد الفاصل بين عهدين ومنها تولدت البدايات.

ولكن برغم ما للحرب من تأثير قوي في دفع عجلة التغيير، والاسراع بالتفاعلات فكرياً واجتماعياً، فانها كانت – على أهميتها – حدثاً خارجياً طارئاً ماكان له أن يُحدث كل ذلك التحوّل لولم تكن التربة العربية مستعدة ذاتياً من الداخل ببذورها وارهاصاتها السابقة لفترة الحرب، لأن تخصب بالغرس الجديد الذي اصبح قويّ العدة، واضح الأثر أثناء الحرب وبُعيدها.

يؤرخ الدكتور ألبرت حوراني: «في سنة ١٩٣٩ ولـّى عهد وانقضى، وبانقضائه ذهب معه نوع معيّن من الفكر السياسي في العالم العربي» (٦٠) متخذاً بذلك بداية الحرب والسنة الأولى منها تحديداً – هكذا وبشكل قاطع – نهاية لعهد وبداية لعهد جديد آخر في الفكر والسياسة. ويقول الباحث الأمريكي جون. س. بادو (Badeau): «كان العامل الأول الذي اكتنف عدداً كبيراً من مظاهر المجتمع الأخرى منذ عام ١٩٣٩ هو تجدد ضغط العالم الغربي السياسي، وازدياد تدخله في شؤون العالم العربي. كانت عملية التوافق بين الغرب والشرق بين الحربين العالميتين – على الرغم من بعض الصعوبات – منطلقة في سيرها… والراجح أنه لولم تجتح العالم الحرب العالمية (الثانية) لاستمر تكيّف الحياة الشرقية مع الاتجاهات الغربية دون توقف. ولكن الحرب نشبت وأرجعت عملية التوفيق هذه خطوات واسعة الى الوراء…» (٦١).

من أهمية التحولات الذاتية والارادية في المجتمع العربي بحيث تبدو عديمة الجدوى والأثر لولا تلك المؤثرات الخارجية الغربية.

ومع أنه لا سبيل إلى إنكار تأثير الحضارات القوية المزدهرة في الحضارات الراكدة أو النامية، فإن التنبّه للعوامل الذاتية الداخلية لا يقل عن ذلك أهمية من منظور قانون التحدي والاستجابة في سياق تتالي الفعل ورد الفعل وما ينشأ بينهما من جدلية.

فالعوامل الخارجية – على قوتها – لا تمثل الأصيل في المجتمعات التي تؤثر فيها، فهي تستثير الشعور بالخطر وتدفع للفعل، ولكن «الفعل» في حد ذاته يتمثل في العوامل الذاتية وكيفية استجابتها وتلقيها ومدى تخطيها للتحدي وتساميها عليه، والمؤشرات الجديدة المتواترة بين ١٩٣٢ – ١٩٣٩ هي التي مثلت الرد الهادئ العميق على التحدي الغربي منذ مطلع النهضة في القرن الماضي، وهي التي أعطت لتفاعلات الحرب في الشرق العربي مردودها الخصب والجذري بتحويل تلك الجذور والبدايات الى تيارات دينامية فاعلة، اتحدت فيها الأفكار الجديدة المتنامية في التربة العربية قبل الحرب بالقوى الاجتماعية الصاعدة التي أطلقتها متغيّرات الحرب، فتولدت من ذلك كله تلك الحركة أو الحركات الجديدة التي غيّرت وجه الفكر والمجتمع في مصر والمشرق.

وعليه، فإن سنة ١٩٣٩ ليست هي – تحديداً – العلامة الزمنية الفارقة التي يتحتم علينا أن نقف عندها، ونبدأ منها، تلمساً لبدايات الفكر الجديد، كما يشير البرت حوراني، بل لابد من الرجوع الى تفاعلات المجتمع العربي ذاته ومعاناة مفكريه قبل ذلك بعقد من الزمن على الأقل، أي منذ ١٩٣٠ على وجه التقريب. كما أننا سنرى أن استمرار «تكيّف الحياة الشرقية مع الاتجاهات الغربية دون توقف» - على حد تعبير بادو – قد بدأت تتعرض لعملية مراجعة ومعارضة تتسم بالتصلب، قبل الحرب بسنوات عديدة، وان هذا كله لم يكن نتيجة آلية أو رد فعل مبتسراً لـ «تجدد ضغط العالم الغربي السياسي» ماكان سيحدث «لولم تجتح العالم الحرب الثانية» على حد استنتاجه.

والأقرب الى الصحة اعتبار تلك التحولات نتيجة للاستفاقة الحضارية الذاتية التي تبلورت بحثاً عن الهوية الضائعة، بعد أن نجح الغرب بعد الحرب العالمية الأولى في فرض «تسويته» على الشرق العربي بتصفية كيانه الاسمي وتقسيمه الى دويلات.

فكيف تمثلت هذه الإرهاصات والبذور والبدايات الجديدة؟

في عام ١٩٣٢ انعقد بمصر «مؤتمر الطلبة الشرقيين» - وكان الطلبة ومايزالون طلائع الارهاصات الجديدة في مجتمعات الشرق العربي – فاهتم بهذا المؤتمر رجال الفكر بمصر، وأصدرت «السياسة الأسبوعية» وهي في بدء تحولها الفكري الجديد نحو «الإسلامية» عدداً خاصاً بهذا المؤتمر (٦٢) تحدث على صفحاته الى الطلبة عبد الوهاب عزام مشيراً الى القضية الأساسية التي تشغل أذهان قادة الثقافة وشبابها في ذلك الوقت: «… أضل الشرقيون أنفسهم، فاذا هم أجساد تنبض بقلوب الغرب وتفكر بعقوله، واذا هم مستسلمون لكل ما تطلع به أوروبا، منقادون لكل ما تأمرهم به، متهافتون على كل ما اتصل بها، ثم إذا هم أذلاء مقلدون، يحقرون أنفسهم وآباءهم وميراث حضارتهم وتاريخهم إلا أن تعظم أوربا أباً من آبائهم أو تعجب بمأثرة من مآثرهم فيقتدوا بها… والخلاصة أن الشرقيين يتلقون عن الغربيين أفكارهم وعقائدهم، كما يأخذون منهم منسوجات القطن والصوف ومصنوعات الحديد والنحاس وأصناف الأحذية … وكأنهم أوان شرقية تلمؤها أوربا بما تشاء من حلو ومر وجيد ورديء … ذلكم حالنا اليوم وموقفنا من أوربا، وذلك شر حال وأسوأ موقف، فما وراء هذه الأدواء إن أردنا لانفسنا السلامة والعافية؟ أول عنصر في هذا ا

لدواء أن نجد أنفسنا، بعد أن فقدناها وضللنا عنها. أعني أن نعد أنفسنا أناساً أحياء مفكرين، لهم حقوق في هذه الحياة وعليهم واجبات، يربئون أن يسخّروا لغيرهم… فاذا أحسنا في أنفسنا كرامة الانسان وأنفة الحر، فكرنا فعرفنا الذي نأخذ من أوربا والذي ندع، والذي نستحسن لأنفسنا والذي نستقبح، ونقدنا فقلنا: هذا حلال، وهذا حرام، وهذاطيب وهذا خبيث، ثم رجعنا الى تراث آبائنا نحفظ منه كل مفخرة، ونعتز فيه بكل مأثرة، وخططنا لأنفسنا في معترك الحياة خطة من عمل عقولنا وايدينا ووحي تاريخنا وآدابنا، تصل ماضينا وحاضرنا بالمستقبل الذي هو أشبه بنا وبأخلاقنا، إذا أحسنا التفكير عرفنا فرق مابين الصناعات والأخلاق والعادات، ولم يلتبس علينا ما نأخذ من أوربا من العلوم الطبيعية ونتائجها وما نتجنب من أخلاقها وآدابها، فانه لا فرق بين الحساب والهندسة والكيمياء في الشرق والغرب ولكن شتان ما بينهما في العقائد والخلق وسنن الاجتماع، فإن لكل أمة من أخلاقها وآدابها ثوباً حاكته القرون وعملت فيه الأجيال، فليس يصلح لغيرها، ولا يصلح لها غيره» (٦٣).

هكذا يرفض الكاتب حلة التغريب الناشطة في الفكر والمجتمع منذ بداية العشرينات معتبراً ظاهرة التقليد لكل ماهو غربي وضعاً غير لائق بالكرامة الانسانية، لأنه يحول المقلدين الى أدوات وآلات، وهو يرى أن نقطة البداية السليمة تتمثل في العودة الى البحث عن الذات الحقيقية الأصيلة، في «أن نجد أنفسنا بعد أن فقدناها» بالرجوع الى الجذور، واتخاذ موقف انتقائي نقدي من الحضارة الغربية يستند الى التمييز بين العلوم والصنائع وبين «العقائد والخلق وسنن الاجتماع» بحيث نأخذ من أوربا علومها الطبيعية، ونبعث من تراثنا وعقائدنا وأخلاقنا وسلوكنا فنجمع بين العنصرين في حياة جديدة مستقلة. وتتضح الرغبة في هذا «التميّز الجديد» عندما ينهي عبد الوهاب عزام حديثه مخاطباً اعضاء المؤتمر: «انهم سيجتمعون باسم الطلبة الشرقيين (٦٤)، فلينظروا ماذا يميزهم عن الطلبة الغربيين، فيجعلوه أظهر ما في المؤتمر وأروعه» (٦٥).

واذا كان عبد الوهاب عزام قد تحدث عن الأزمة في اطارها الشامل، فان محمد حسين هيكل (١٨٨٨ – ١٩٥٦) وهو المجدد الذي عرف بحماسته في عهده الباكر للتغريب والتمصير الاقليمي بمنأى عن مؤثرات العروبة والاسلام والذي ينتمي الى «الاحرار الدستوريين» غلاة المجددين آنذاك، يعود لينكأ الجرح وليتحدث تحديداً عن أزمته وأزمة جيله من المثقفين العرب الذين تعلموا في أوروبا، وصدقوا دعوتها للعلم والحرية والانسانية، ثم عادوا الى أوطانهم مخلصين لنداء التحديث فاكتشفوا الوجه الآخر للحضارة الغربية: «عاد هؤلاء الى بلادهم يبشرون بالحضارة الغربية، لكنهم مالبثوا أن صدمتهم ظاهرتان عجيبتان أثارتا دهشتهم لتناقضهما مع أصول الحضارة الغربية تناقضاً بيّناً. الأولى: هذه الحرب المنظمة التي يقوم بها الاستعمار الأوروبي لحرية العقل… وقد راعهم من هذه الحرب أنها لم تكن تقبل هوادة قط. وأن ممثل انكلترا في مصر لم يكن يأبى أن يكتب في تقاريره: إن مصر بغير حاجة الى علماء بالمعنى الغربي، وانما هي بحاجة الى موظفين مطواعين. والظاهرة الثانية انتشار المبشرين الغربيين في كل مكان من المدن الكبيرة والصغيرة بل في القرى يدعون الى المسيحية ولا يأبون التعريض بالاسلام. وبالرغم

من هاتين الظاهرتين ظل هؤلاء الشبان يدعون الى الحضارة الغربية مستندين الى أصلها الصحيح، أي الى حرية البحث ونزاهة العلم، ويدعون الى ذلك في حرارة لم تكن من شأن الجامدين على التقليد الديني الذين رموهم بالالحاد، فازدادت دعوتهم قوة واستعاراً، ولكن مرور الزمن فتح عيونهم على حقيقة أخرى لم تكن أقل إثارة لدهشتم من الظاهرتين اللتين قدمنا. فما يصدر الغرب للشرق من آثار حضارته قد وقف أو كاد عند أسوأ ثمرات هذه الحضارة وما كان يأتي بلاد الغرب من الربح المادي يمده بأسباب الرخاء والترف، فتجارة الرقيق الأبيض والكحول ومواد الزينة واللهو وجوقات الهذر المسرحي كان أول مايصدم الناظر لآثار الغرب في الشرق. ولم يقدم الغرب الى جانب هذا من صالح ثمرات حضارته ما يستر سوآتها هذه، بل هو كما قدمنا قد وقف حائلاً دون سرعة انتشار العلم الصحيح مما كان هؤلاء الشبان يجاهدون بكل ما يدخل في حدود طاقتهم لنشره والتمكين له… ثم كشف تعاقب السنين من بعد الحرب (الأولى) عن الحقيقة المؤلمة المضنية، فقضية أوربا التي حاربت في سبيلها أربع سنوات تباعاً والتي بذلت فيها مهج ابنائها… لم تكن إلا قضية الاستعمار ومن يكون له حق التوسع فيه: دول الوسط أم الحلفاء؟ ثم بدت

حقيقة أشد من هذه الحقيقة مرارة وايلاماً، تلك أن الغرب الذي تزعم دوله أنه تحرر من قيود التعصب الديني مازال يذكر الحروب الصليبية التي نشبت خلال القرون الوسطى بين المسيحية والإسلام، وإن كلمة لورد اللنبي يوم استولى على القدس وقوله إن الحروب الصليبية قد انتهت كانت تعبر عن معنى يجول بخاطر الدول الاوروبية جميعاً.

في ظل هاتين الحقيقتين الأليمتين جعلت دول الغرب التي وضعت يدها على العالم الاسلامي تمد في أسباب الجمود الديني عن طريق الجامدين المتعصبين، لتزيد الشعوب الاسلامية جموداً، وليزيدها الجمود ضعفاً، وجعلت تحمي الجماعات التبشيرية الدينية وتمدها بكل ما تستطيع من قوة، وتحاول أن تحطم كل قلم وكل رأس يقف في وجه هؤلاء واولئك» (٦٦).

إن هذه الشهادة ضد أوربا، بل هذه المحاكمة لها يجب ألا يفوتنا مغزاها (٦٧) فهي تصدر بعد مرور أقل من عشر سنوات (١٩٢٣ – ١٩٣٢) على استقلال مصر واقامة نظام دستوري برلماني حزبي على الطريقة الغربية في جو مفعم بالأمل في توجه مرص نحو الحضارة الغربية واستفادتها من قيمها وانجازاتها، وهي شهادة لا تصدر عن شيخ أزهر ولا عن مفكر سلفي بل تصدرعن مثقف درس في أورباوأعجب بحضارتها والتزم بالدعوة لها… ثم هاهو يقف وقفة مراجعة – على ضوء تجربته وتجربة جيله المتحمس للتغريب – ليكتشف أن دول الغرب في الشرق لا تقف مع المؤمنين المخلصين لحضارتها الصحيحة من أبناء المنطقة، بل تقف مع الجامدين من ناحية ومع المبشرين من ناحية أخرى، وتحطم قلم ورأس كل من يحاول تمثيل تيار «وسط» مستقل بين هؤلاء واولئك ليزرع القيم الأصيلة للحضارة الأوربية في تربته الوطنية، وتكون خيبة الأمل التاريخية عظيمة والصدمة مؤلمة: «هنا كانت اليقظة مرعبة. يقظة هؤلاء الشبان الذين درسوا في أوربا وجاءوا ينشرون في البلاد الاسلامية حضارة الغرب. ماهذا؟ الى أي حضيض يهوي أهل هذه الحضارة؟ كيف تطوع لهم ضمائرهم أن يستخدموا العلم الانساني لإذلال الانسانية واهدار كرامتها؟ » (٦٨) إن هذا السقوط ا

لأخلاقي لأوربا في الشرق يسبق سقوطها السياسي والعسكري ويمهد له. ولكن رغم هذا يبقى للجيل المجدد ايمانه بقيمة أساسية من قيم الحضارة الأوربية: «حرية العقل والتفكير وحرية البحث العلمي» باعتبار ذلك «خير أساس تقوم عليه حضارة»، مع إضافة تحفظ جديد فرضته التجربة هو: «على أن لا ينكر هذا الأساس (أي حرية العقل والبحث) حاجات الروح للاتصال بالعالم على انه فكرة لا على انه آلة، وعلى أن لا ينكر على العاطفة وعلى وحي النفس والهام الفؤاد سلطانهما في الحياة» (٦٩).

هذا التحفظ، وهذه الاضافة، يمثلان انعطافاً هاماً يستحق التوقف. فقد توصل الجيل المجدد، بعد أن رأى وجه أوربا في الشرق، ورأى أزمات أوربا الذاتية في الغرب، ورأى أيضاً ضعف استجابة مواطنيه لنداءات التقدم كما تطرح بوجهها الغربي، ان ثمة حلقة مفقودة في حركة النهضة العربية الجديدة، وانه ليس بالتقدم المادي وحده يحيا الانسان. وينوه هيكل بصحة الاستنتاج الذي توصل اليه المستشرق «جب» في كتابه المنشور حديثاً عندئذ بعنوان «وجهة الاسلام» (٧٠) بالاشتراك مع مجموعة من أساتذة الاستشراق، ذلك الاستنتاج القائل: «ان كثيرين من الشبان الذين حملوا لواء الحضارة الغربية وصاروا يبشرون بها قد عاد الكثيرون منهم يشعرون شعوراً قوياً صادقاً بأنهم في حاجة الى اكثر مما تمدهم الحضارة الغربية به، وانهم لذلك يجب أن يلجئوا الى تراث السلف من المسلمين لالتماس ما ينقص هذه الحضارة الجديدة» (٧١). ويضيف هيكل الى ذلك موضحاً معللاً من واقع تجربته: «وزادهم شعوراً بهذا النقص أن رأوا الفكرة القومية تقوم في الغرب على نضال اقتصادي عنيف لا يعرف هوادة ولا يقف في وجهه اعتبار من الخلق أو من الاخاء الانساني أو من المودة والرحمة. نضال في سبيل المادة بين أهل البلد الواحد،

وبين الدول المختلفة هو الذي كان مثار الحروب ومثار أسباب الشقاء والتعس في هذا العصر من عصور الانسانية».

وبعد تبيان شرور مادية أوربا ونضوبها الروحي نصل الى بيت القصيد في هذا التحول الجديد: «فهل ترى يجد العالم الاسلامي في تراث الماضي ما يشفي غلة روحه مما عجزت الحضارة الغربية عن أن تقوم به، وما يقيم حياة جديدة وحضارة جديدة ليس فيها هذا الجشع المادي الفظيع الذي يهوي بالانسان الى مرتبة لا ترضاها النفس الفاضلة. إن هذا التراث قد اختفى تحت طبقات وطبقات من أباطيل عصور الانحلال الذي أصاب العالم الاسلامي قروناً متواصلة».

وأخيراً تتحدد خطة عمل تصحيحي إحيائي أمام جيل التجديد الباحث عن ايمانه وروحه وجذوره: «فليكن من عمل رجال العالم الاسلامي أن يزيحوا أكداس هذه الطبقات وأن يعيدوا الى الوجود، في إحدى صور الوجود، وعلى طريقة علمية صحيحة، ما يشتمل عليه هذا التراث الذي غزا العالم وغذاه بأدوات الحضارة أجيالاً وقروناً» (٧٢). وهذه الإشارة الأخيرةبشأن احياء التراث ليست سوى تعبير عن الجهد الذي كان يقوم به هيكل ابتداء من العام ذاته – ١٩٣٢ - باعداد دراسة منهجية تاريخية عن حياة النبي قام بنشرها فصولاً في «السياسة الأسبوعية» قبل ظهورها في كتاب «حياة محمد» عام ١٩٣٥. ولم يكن التوجه لمثل هذه الدراسة عملاً فردياً منفصلاً، بل مثّل بداية ظاهرة «الاسلاميات» في كتابات كبار رجال الثقافة من جيل المجددين انفسهم حيث أصدر طه حسين الجزء الأول من «على هامش السيرة» عام ١٩٣٣ وكتب توفيق الحكيم مسرحية «محمد: الرسول البشر» عام ١٩٣٦ - بعد أن كان متجهاً لاستلهام الأساطير القديمة في «أهل الكهف» عام ١٩٣٣ و «شهرزاد» عام ١٩٣٤ – ثم تلت هذه الأعمال الاسلامية الجديدة، «عبقريات» العقاد منذ ١٩٤٣ (٧٣).

رأينا كلاً من عبد الوهاب عزام ومحد حسين هيكل ينقد جوانب في الحضارة الأوربية أو في تقيد الشرقيين لها، مع التسليم بوجود قيم ايجابية فيها تستحق الدرس والاقتباس رغم كل شيء. غير أن صوتاً متميزاً آخر في الثقافة العربية سيرتفع. وفي العام ذاته الذي نبدأ تاريخنا به – ١٩٣٢ – ليقول عن الغرب كلاماً أخطر، وليطرح على بساط البحث جدوى الحضارة الغربية من ألفها الى يائها، مثيراً بذلك تشكيكاً اكثر عمقاً في حركة الاقتباس الشرقي من الغرب، وفي مثلها العليا المستمدة من قيم المدنية المادية الحديثة، وما يزيد من مغزى هذا التشكيك ان صاحبه من رواد الحركة الرومانسية المجددة الثائرة وممن درس الحضارة الغربية عن كثب في روسيا وأمريكا وفرنسا، وخبروا نتاجاتها ومخاضاتها، ثم انه ليس مسلماً – مع انتمائه الثقافي للتراث العربي والشرقي مما يوحي بأن تحوله ضد الغرب ليس منحصراً في اطار ردة الفعل تجاه المؤامرات الأوربية في الشرق الاسلامي، وانما لابد أن يكون لأسباب أشمل وأعمق.

ففي أيار (مايو) ١٩٣٢ عاد ميخائيل نعيمة الى قريته «بسكنتا» بلبنان بعد غربة عشرين سنة في الولايات المتحدة. وكانت هذه العودة – التي تزامنت تماماً مع رجوع المجددين المصريين الى تراثهم الاسلامي – عودة جذرية حاسمة روحاً وفكراً وأدباً. وفي أول خطاب أمام أهل قريته قال: «منذ عشرين سنة أدرت وجهي ألى البحر وظهري الى صنيّن، واليوم صنين أمامي والبحر ورائي، وأنا بين الاثنين كأني في عالم جديد، وكأني ولدت ولادة ثانية» (٧٤). ويبدو أن هذه «الولادة الثانية» كانت همّ الشرق العربي كله في ذلك الوقت، ولكن ميخائيل نعيمة خطا بها خطوة بعيدة ترفض أية امكانية «للتوفيق» بين مادية الحضارة الجديدة وروحانية الشرق: «ما أبعد السلام المخيّم في جبالكم عن الجَلَبة المعسكرة في مدينة كمدينة نيويورك!… فعلام تصرون على تزويج سلامكم من تلك الجلبة؟ ».

«سلامكم هو أنفاس العزة القدسية المنبعثة من صخوركم وترابكم واعشابكم. وتلك الجَلَبة هي تطاحن المطامع والأهواء البشرية في سبيل الريال، والاثنان لا يتزاوجان ولن يتزاوجا. وليس أضل ممن يعتقد أن بامكانه التوفيق بين ريال نيويورك وسلام صنيّن. فريال نيويورك نقاب كثيف يحجب وجه الله. وصنين عرش من طهارة يبدو عليه وجه الله سافراً. من اختار منكم ريال المهجر وكل مافي قلبه من جلبة لا تستكنّ، فليطلّق سلام صنيّن» (٧٥).

ويتحدث ميخائيل نعيمة عن قوة جوهرية وضرورية مهملة يسميها «الخيال»، هي القوة ذاتها التي يريد محمد حسين هيكل ان يستخرجها رجال الفكر من التراث القديم، وان اختلفت التسميات، إنها قوة الايمان وقوة الروح: «الخيال هو المشعل وحامل المشعل في دياجير الجهل من حولنا. هوالطريق والهادي الىالطريق في مهمة الوجود المتناهي. هو الدليل الأوحد الى الحقيقة» (٧٦). وعندما يقول «الدليل الأوحد» فانما يقلل من دور قوة أخرى – هي العقل – اعتبرها الغرب دليله للحقيقة، واعتبرها التوفيقيون في الاسلام والمسيحية قوة رديفة وعيناً أخرى تبصر مع عين «الخيال» وتدرك مع قوة الايمان، أما هو فيرى ان هذه «العقلانية» التي اجتاحت الغرب وتهدد باجتياح الشرق مع اشتداد حركة التغريب والتحديث ليست سوى وسيلة مضلة لادراك الحق والسعادة، قال: «أما العقل الذي يغالي الناس في تكريمه فليس سوى ولد جموح يقوده الخيال من أنفه ولكن قلما يمشي به بعيداً. فاحذروا من أن تلقوا كل اتكالكم عليه. أما ترونه يجهد ذاته بغير انقطاع، وبغير جدوى، في تفهّم أسرار الكون… وحتى اليوم لم تستقم له صورة كاملة لا لحيوان ولا لانسان؟ … يدأب العقل بغير انقطاع في الأودية المكتظة بأشباح الحواس المظل

مة. يتعثر هنا ويدب هناك، ولاينتهي الى شيء. أما الخيال فبلمحة الطرف يطوف القمم المشرفة على تلك الأودية، وكومضة البرق ينير بلحظة أرجاء فسيحة من الحقيقة حيث العقل يلتمس سبيله وفي يده الواحدة عصا كسيحة، وفي الأخرى سراج بلا زيت» (٧٧).

هذا الاتجاه الايماني الصوفي الخالص بملامحه الذاتية قد يمثل تحولاً فردياً، ولكن نزعته الدينية وتحذيره من العقلانية المفرطة يندرجان ضمن ظاهرة العودة الاجتهادية العامة للبحث عن ايمان قديم متجدد واحياء تراث حجبه الزيف في عصور الانحطاط ويهدده عقل مادي متشكك. كما ان هجوم نعيمة على الحضارة الغربية وتحذيره الحاسم القاطع منها ومن التصالح أو التوافق معها بأية درجة ونسبة لمن أقوى مؤشرات ردة الفعل في الفكر العربي ضد الغرب والحضارة الغربية، لاستناده الى رؤية فلسفية روحية واضحة وشاملة أبعد من العوامل السياسية والدينية والقومية. انه موقف يقطع جسوره مع الغرب ولا يطالبه بتغيير موقفه ليعيد التصالح معه، وانها رؤية ترفض الحضارة الغربية المادية الحديثة جملة وتفصيلاً ولا ترى لها وجهاً صالحاً أو قيمة تستحق الاحتذاء. وميخائيل نعيمة لا يقصر هذا الموقف على ذاته، بل يدعو إليه أبناء بلاده لتغيير وجهة سيرهم وإعادة النظر في انبهارهم بالتقدم الغربي وتقليدهم للغرب، والى اعادة بناء حياتهم الجديدة على أسس من جذورهم الأصلية وهويتهم القديمة الراسخة، مما يدل على البعد الاجتماعي لهذا الموقف:

«وأنتم يا أبناء بلادي ليس يؤلمني من أمركم شيء على قدر ما يؤلمني تطلعكم الى الغرب، وجهدكم في تقليد مدنيته المحتضرة، واحتقاركم لأنفسكم ولكل ما فيكم من غني فطري وعري روحي. ولكم سمعتكم تقولون: لنقتبس من الغرب حسناته، ولنضمها الى حسناتنا وعندئذ تكتمل السعادة. »

وهنا يؤكد نعيمة رفضه بوضوح لهذه التوفيقية: «أولاً تعلمون أن لكل ما تقتبسونه وجهين: وجهاً صالحاً ووجهاً طالحاً فأنتم إن اقتبستم – مثلاً – حكومة البرلمانات اقتبستم مع محامدها كل مفاسدها، ومفاسدها لا تعد. وان أخذتم السيارة أخذتم مع بركاتها كل لعناتها. مثلما انكم عندما تقبلون قطعة من النقد لا تقبلون «طرّتها» دون «نقشتها» إذ لا سبيل الى الفصل بين الاثنتين. ثم انكم تفاخرون كل المفاخرة بتاريخ بلادكم فتدعونها «مهد الانبياء» فما نفعكم من هذا المهد وقد أصبح اليوم عشاً طار منه فراخه؟ ما نفعكم من انبيائكم ما لم يشع نورهم في قلوبكم؟ أراكم قد دفنتموهم في بطون الكتب وفي ظلمات المعابد وياليتكم تدفنونهم في أرواحكم … يا أبناء بلادي! لا يبهرنـّكم برق يعلعلع في عيون المدنية الغربية – انه لبرق خـُلّب، ولا يهولنكم رعد يزمجر في صدرها إنه لحشرجة الموت، ولا يحزنكم أن لا علم لكم يخفق في مقدمة أعلام الأمم – فإنني لست أرى بين تلك الأعلام ولا علماً لا أثر فيه للدم والاغتصاب والتهويل والارهاب» (٧٨).

وهكذا فان ميخائيل نعيمة وإن اختلف عن بقية مفكري الفترة في نظرته الروحية الصوفية الخالصة وفي انفصاله الفكري التام عن مرتكزات الحضارةالحديثة – خيرها وشرها – وفي رفضه للتوفيقية المستجدة باعتبارها الوسيلة الصالحة للجمع بين حسنات الغرب وفضائل الشرق، فانه مع هذا شارك بتحّوله الجذري وبصوته الجديد في تقوية الموجة الفكرية الجديدة الداعية الى وقف اكتساح موجة التغريب واعادة النظر في طبيعة النهضة وغاياتها، والرجوع الى احياء الجذور الايمانية الراسخة في تراث الشرق، هذا فضلاً عن «شهادته» الواقعية الحية بشأن تأكيد السقوط الاخلاقي والروحي لأوربا في نظر أبناء الشرق العربي، وهي شهادة تتفق مع شهادة محمد حسين هيكل في النتيجة وان اختلفت عنها في المنطلق ونوعية التعليل.

وتتوالى مؤلفات ميخائيل نعيمة ضمن اتجاهه هذا الى اليوم، ولكنها تبقى متميزة عن التيارات الفكرية الاجتماعية – السياسية التي انطلقت من رفض الغرب وعملت على إقامة كيان سياسي وحضاري مستقل لهذه المنطقة. أي أن نعيمة أسهم في الدعوة الى التحول الجديد وضرورته وكان صوتاً من أصواته البارزة، إلا انه اختط لنفسه اتجاهاً ذاتياً متميزاً ومنفصلاً عن تيارات التحول الجديد عندما اتخذت مساراتها الفعلية الواقعية على المعترك الاجتماعي السياسي بغاياتها القومية المحددة (٧٩).

ومن العراق يأتي صوت أحد كتابه في تلك الفترة ليتساءل إن كانت في الشرق العربي نهضة حقيقية، ولينبه الى الفروق الكثيرة بين الشرقي والغربي، وليكشف عن تضارب الأفكار والسبل المتبعة في سبيل النهضة المزعومة بما يوحي ان «وقفة المراجعة» التاريخية بشأن طبيعة النهضة والعلاقة مع الغرب والهوية المفقودة قد أصبحت مطروحة وملحة في معظم – ان لم يكن في كل – أجزاء المشرق العربي. يقول الكاتب والمصلح السياسي فهمي المدرس: «… تنقسم الآراء وتختلف المذاهب، فمن مقتصر على العلوم الابتدائية ومن مطنطن بالزراعة والمعادن، ومن محرض على التجارة والصنايع، ومن باحث عن المتاحف والمكتبات، ومن مدبدب بالفنون الجميلة، ومن داع الى الشركات، ومن مبشر بالكليات الأجنبية، ومن طالب تغريب البنين والبنات، ومن صارخ برفع الحجاب، ومن حاقد على المذاهب والأديان، ومن متعكز بالعنعنات وناهج نهج القدماء، ومن محلق فوق صروح الجامعات … والشرق في حالته الحاضرة أشبه ما يكون بمريض أزمن مرضه فتقطعت به الأسباب، فأخذ يخبط خبط عشواء، فتارة يحمل المرض على الحر، وأخرى على البرد… وهو كلما استبدل معالجة بغيرها من هذه المعالجات البسيطة توهم في جسمه خفة وفي حاله صلاحاً، ولكنه سرع

ان ما ينقلب سروره حزناً وأمله يأساً» (٨٠). هذه النهضة المضطربة سببها في نظر الكاتب العراقي أيضاً التقليد الأعمى للغرب والجري وراءه دون أي اعتبار لخصوصية الأوضاع الشرقية وطبيعة الروح الشرقية: «يرجع الشرقي من ديار الغرب طائشاً مما عرض له جمال الصنعة وجمال الطبيعة، وبدائع الفن، وآثار النعيم، ورغد العيش، فتشتهي نفسه أن يتحقّق له كل ذلك في وطنه، غير شاعر بأن الروح غير تلك الروح، وان البيئة غير تلك البيئة، وان القوم غير أولئك القوم، … على أن النهضة لا توهب، وان لكل قوم نهضة تلائمهم، والتقليد لا يفيد، والنهضة تدعو ولا يُدعى اليها، وما نهضت أمة إلا بدافع من نفسها، والدافع الذي يأتيها من الخارج يدهورها ويحطمها…» (٨١).

وهكذا كانت الرؤية الجديدة تتضح شيئاً فشيئاً ومرتكزها ان «التغريب» الكُلّي أمر مستحيل، ومحاولته لا تنتج غير الاضطراب، وانه لابد من الرجوع لما هو متجذر وراسخ في كيان هذه المنطقة ومحاولة خلق نهضة بدافع من ذات الأمة لا بعامل مفروض من خارجها.

غير ان هذه الرؤية، حوالي عام ١٩٣٢، كانت ماتزال أقرب الى الشعور المتنامي منها الى الموقف الفكري الحاسم، كانت ماتزال تتلمس طريقها نحو المزيد من الوضوح، ونحو معادلة فكرية أنضج، ونحو سبل أنجع للعمل والحركة، فتيار التغريب – في الواقع العملي – كان مايزال قوياً، ونفوذ أوربا – سياسياً ومعنوياً – لمـّا يتزعزع بعد، كما ان معظم اعلام التجديد الذين بدأوا يتعرضون لعملية المراجعة الذاتية الداخلية كانوا يمرون وقتها بفترة انتقالية بين القناعات الأولى والعِبَر الجديدة.

الهوامش:

١ - انظر التاريخ الفكري لهذه الحركات السلفيّة، من وجهة إسلامية أصولية في: محمد البهي: الفكر الإسلامي وتطوره: ص ٧٥ – ١١٠ ومن وجهة استشراقية غربية في: برنارد لويس، الغرب والشرق الاوسط، ص ١٤٧ – ١٧٩ (الترجمة العربية)، ومن وجهة الاستشراق السوفياتي في: فلاديميربور يسوفيتش لوتسكي، تاريخ الأقطار العربية الحديث: ص ٩٥ – ١٠١، ٢٠٥ – ٢١٤، ٢٩٩.

٢ - انظر مقارنة بين السلفية العربية والتقليدية اليابانية في: شرابي، المثقفون العرب والغرب: ص ١٣١ (الترجمة العربية).

٣ - يقول عباس محمود العقاد، المفكر الأصولي التوفيقي عن أعظم خطر للحروب الصليبية: «إن الخطر فيها إنما كان على نقيض المفهوم من هذا الخطر في عرف الجملة من مؤرخيها، لانها في الواقع لم تنهك قوى الأمم الإسلامية ولم تتركها موقنة بالهزيمة في نظر نفسها، بل تركتها وقد أورثتها إفراطا في الثقة برجحانها وإفراطا في سوء الظّن بأندائها، وقد كان هذا هو باب الخطر الجسيم إلى عدة قرون… قامت أوروبا بعدها مقام القيادة وتخلّف الشرق… وليس أخطر على الأمم الاكتفاء بالذات، والاعتزاز بالرجحان في أمثال هذه الظروف» العقّاد، الإسلام في القرن العشرين، ط ٢، ص ٤٦ – ٤٩.

٤ - ألبرت حوراني، الفكر العربي في عصر النهضة، ص ١٧٩ (الترجمة العربية).

٥ - انظر تحليلا للظاهرة الاعتذارية Apologetics التي تعدّ من أبرز خواصّ الفكر التوفيقي في: Smith, Islam in modern History. pp. ١١٥١٥٦

٦ - حوراني: ص ١٩٩.

٧ - إبراهيم عبد المجيد اللبّان، الفلسفة والمجتمع الاسلامي، ص ٢ / ص ١٧٨ – ١٨٢.

٨ - ونحسب أن المستشرق هاملتون جب قد وضع يده على جانب هام ودقيق من أزمة سوء الفهم بين الإسلام والغرب عندما قال: (وليس مدعاة للدهشة أن تعتبر غالبية علماء المسلمين أن الغرب من أرباب المادّية المحضة، فهم يجهلون ماهو وراء المظاهر الخارجية للحضارة المادية في الغرب) – جب، الاتجاهات الحديثة في الإسلام، ترجمة الحسيني، ص ٧٦.

٩ - استطاعت التوفيقية أن تجعل هذه المفهومات الحديثة جزءاً من الايمان الاسلامي ذاته، وشاع على ألسنة الكتاب دون تحفظ نسبة المصطلحات الغربية الى مضمون الشرع الالهي: (جعل الله فيه افضل مافي الديمقراطية، وأعدل مافي الإشتراكية، وأجمل ما في المدنيّة، ثم كشف لرسوله عن أطوار النفس البشرية في طوايا الغيب فدعا دعوته الخالدة لتكريم الإنسان وتنظيم العمران… من طريق التوحيد والمؤاخاة والمساواة والحرّية والسلام « - الزّيات، وحي الرسالة: ج ٣ ص ١٨٦. إنّ شعارات الثورتين الفرنسية والروسية تندمجان في الوحي الإسلامي. وتصر روح الإدعاء على امتلاك فضائلهما دون نواقصهما.

١٠ - د. نصر ص ١٩، ٢٣، ٢٤، ٢٧ – ٢٩…

١١ - قسطنطين زريق، نحن والتاريخ: ص ٣١. ولدراسة فكر المدرسة المسيحيّة العلمانية راجع: حوراني ص ٢٩٣ وما يليها. وأيضا: شرابي: ص ٧٦ وما يليها. وقد قسمها الدكتور شرابي الى ثلاث فئات: الأدباء الروّاد، وهما: فارس الشدياق (١٨٠٤ – ١٨٨٧) وناصيف اليازجي (١٨٠٠ ٠ ١٨٧١) وابراهيم اليازجي (١٨٤٧ – ١٩٠٦) وأديب اسحق (١٨٥٦ – ١٨٨٥) وفرنسيس مرّاش (١٨٣٦ – ١٨٧٣) وأنطاكي الحمصي (١٨٥٨ – ١٩٤١)، ثم رواد الثقافة والتربية وهم: بطرس البستاني (١٨١٩ – ١٨٩٣) وجرجي زيدان (١٨٦١ – ١٩١٤) ولويس شيخو (١٨٥٩ – ١٩٢٧) وعيسى المعلوف (١٨٦٩ – ١٩٥٦). ثمّ رّواد الفكر العلمي والفلسفة والدعوة العلمانية الصريحة وهم: يعقوب صروف (١٨٥٢ – ١٩٢٧) وشبلي شميل (١٨٦٠ – ١٩١٦) وفرح أنطون (١٨٧١ – ١٩٢٢) وسليمان البستاني (١٨٥٦ – ١٩٢٥) وأمين الريحاني (١٨٧٦ – ١٩٤٠) ونقولا حّداد (١٨٧٠ – ١٩٥٤) وسلامة موسى (١٨٨٧ – ١٩٥٨).

١٢ - محمد عبده، الإسلام بين العلم والمدنية، كتاب الهلال، ١٩٦٠، ص ١٩١ حيث يرّد على فرح أنطون. وأيضا: حوراني: ص ٣٠٣.

١٣ - شرابي: ص ٨٩ – ٩٢.

١٤ - أضف إلى ذلك أنّ روّاد الماركسية العربية كان أوئلهم من الأدباء والكتّاب المسيحيّين مثل: اسكندر الرياشي، نقولا حدّاد، يوسف يزبك. رئيف خوري، سليم خيّاطة وفؤاد شمالي، وفرج الله الحلو (انظر: عبد الله حنّا، الاتّجاهات الفكرية: ص ٨٢، ١٢٦) – كما كان المؤسّس الفعلي والقائد التاريخي للحزب الشيوعي العراقي ميسحيّاً، وهو يوسف سلمان يوسف أو «فهد» الذي أعدم في العراق عام ١٩٤٩ (انظر: قلعجي: ص٢١).

١٥ - ومن الحقائق التاريخية التي يجب أن تورد بموضوعية ودون تقصّد الاساءة لأي اتجاه كون العناصر التأسيسية والقيادية في الجماعات الشيوعية العربيّة الأولى من اليهود المحلييّن أو الأجانب ومن الأقليات غير العربية (الأكراد – الأرمن). انظر هذه الوقائع وتفسيراتها في: أحمد صادق سعد (وهو يهودي أسلم)، صفحات من اليسار المصري: ٥، ٣٦ – ٣٧، ٤١ – وقلعجي، تجربة عربي في الحزب الشيوعي، ص ١٩ – ٢٤.

١٦ - إن القول باستمرارية الفكر الإسلامي يؤدّي بالمقابل إلى تصوّر نقيض له يجد استمراريته هو الآخر في تيار البدعة والإلحاد، يقول د. محمد البهي من وجهة الأصولية الإسلامية: (الفكر الإسلامي فكر مستمرّ لا يقف عند حقبة معينة من الزمن، ولا عند مفكّرين معينين في جيل من الأجيال، فإن واجه الإيمان بالإسلام الفكر الإغريقي والفكر الفارسي، … في وقت ما بالأمس، فإنّه يواجه في وقت آخر بعده الفكر العلماني الصليبي، والفكر الإلحادي الماركسي اليوم. وإن واجه هذا الايمان الضعف الداخلي الذي كان يتمثّل في الخصومة المذهبيّة والطائفية بين المسلمين أنفسهم، فإنّه يواجه اليوم ضعفاً داخليّاً آخر يتمثّل في (تبعية) تتمثّل في خصومة مذهبية طائفيّة كذلك، ولكن لغير المسلمين… لأعداء الإسلام) راجع: محمد البهي، الفكر الإسلامي في تطوره، ص ٤.

١٧ - عندما كتب الأفغاني (رسالة الرد على الدهريين) لنقض مذهب المصلح التجديدي الهندي سيّر أحمد خان (١٨٧١ – ١٨٩٨) المتأثر ببعض الأفكار الطبيعية الدراوينيّة، عمد إلى الربط المباشر بين هذا الفكر الجديد المادّي (النيتشري) - أي الطبيعي – وبين المنحى الباطني الإسماعيلي في الإسلام: (فلما كان القرن الرابع بعد الهجرة ظهر النيشرون (الطبيعيون) بمصر (يقصد: الفاطمية) تحت اسم الباطنية وخزنة الأسرار الإلهية. فإذا قرر المرشد (يقصد: الداعية الإسماعيلي) أصول الإباحة في نفوس اتباعه التمس لهم سبيلا لإنكار الألوهية وتقرير مذهب النيشرية الدهريين). … جمال الدين الأفغاني، الأعمال الكاملة، تح محمد عمارة، ص ١٥٨. ومعلوم أنّ الباطنية ليست مادية طبيعية، بل هي عكس ذلك روحانيّة ما ورائيّة. كما أن الباطنية لم تنكر الألوهية وإنّما أكّدتها. ولكن التطابق يتقرر بينهما في أول عمل فكري يشهده الإسلام الحديث على يد الأفغاني. كما ترتبط النظم الإشتراكية والماركسية – بالمثل – بالتقليد الدهري: (السوسياليست (الاجتماعيون)، النيهليست، الكمونيست (الاشتراكيّون): هذه الطوائف الثلاث تتّفق في سلوك هذه الطريقة الدهرية) - المصدر ذاته: ١٦٣ وغني عن البيان أن الماد

ية الحديثة ونظمها تفترق عن الباطنية والدهرية القديمة في متابعها الفكرية وأطرها الإجتماعية – الحضارية. ولكن الأصولية الإسلامية من واقع رفضها للتيّارين توحد بينهما وتطبّق مصطلحهما القديم على الفكر العلماني الجديد. ولقد شاعت هذه العادة الفكرية لدى الأصولية بفرعيها السلفي والتوفيقي. يكتب أحمد حسن الزّيات في (الرسالة «عام ١٩٥٠» وفي هذا العصر الحديث تجدّدت المزدكية والبابكية باسم الفوضوية والشيوعية فقامتا تدعوان… إلى الإلحاد والإباحية) - وحي الرسالة، ج ٣، ط ٥، ص ١٨٨.

١٨ - انظر وجهة مؤرخ سلفي تجاه هذا التطوّر في: د. محمد محمد حسين، الاتّجاهات الوطنية في الأدب المعاصر ٢ / ١.

١٩ - C. lssawi,Egypt in Revolution. Pp١٨ - ٣١

٢٠ - برنارد لويس، الغرب والشرق الأوسط: ص ٦٢ – ٦٣. ونجد التنبّه لخطورة هذه الظاهرة لدى الأدباء العرب أنفسهم ابتداء من محمّد المويلحي في (حديث عيسى ابن هاشم) مطبعة المعارف. ومصطفى المنفلوطي في (النظرات) (١٩١٠).

٢١ - Cromer. Modern Egypt. ii. pp. ١٣٤. ١٨٤ وللإطلاع على رة الفعل في الفكر الإسلامي ضدّ كتاب كرومر يراجع كتاب الشيخ اللبناني مصطفى الغلاييني: (الاسلام روح المدنية) الذي صدر في العام ذاته وألّف خصيصا للردّ على آراء المعتمد البريطاني.

٢٢ - محمد محمد حسين: الفصل ٢ ص ٢٨٦ – ٢٨٨.

٢٣ - د. مجيد خدوري، الاتّجاهات السياسية في العالم العربي، ص ٢٢٧ (الترجمة العربية).

٢٤ - لطفي السيّد، تأمّلات، ط ٢، ص ٨٧ – ٩٠، ١٣٢.

٢٥ - لطفي السيّد، تأمّلات، ط ٢، ٧٥.

٢٦ - شرابي: ص ٩٥ – ٩٦ – أمّا المستشرق ولفرد كانتول سميث فيدعوها (الليبرالية الإسلامية) وهذا المصطلح فضفاض ويتّسع لمفكرين توفيقيين عصريين أيضا، انظر كتابه: Islam in Modern History

٢٧ - p٣٣٦ - ٣٣٨ H. A. R. Gibb. ed. Whither Islami ١٩٣٢

٢٨ - نشرت هذه الأطروحة بالفرنسية في باريس عام ١٩١٣، ولم تترجم إلى العربية. ولكن نشأ حولها في حينه نزاع فكري في الصحف المصرية عندما نشرت مقتطفات منها بالعربية (ولم تدافع عنها إلا (الجريدة) للطفي السيّد) و (اضطّرت الجامعة المصرية بعد أن راجعت نصوص الكتاب إلى الاستغناء عن منصور فهمي). انظر: أنور الجندي، المعارك الأدبية، ص ٣٠٣.

٢٩ - محمد محمد حسين: الفصل الثاني ص ٥٧.

٣٠ - علي عبد الرازق، الاسلام وأصول الحكم: بحث في الخلافة والحكومة: في الإسلام، ط ٣، ١٩٢٥، ص: ٧١ – ٧٦، وانظر أيضا بابه الثالث (رسالة لا حكم ودين لا دولة)، ونلاحظ أنّ المؤلّف يعرّف نفسه على الغلاف: (من خريجي الأزهر وقضاة المحاكم الشرعية).

٣١ - قال طه حسين في الفقرة الثالثة من القسم الأول من كتاب (في الشعر الجاهلي) الذي صودرت نسخه: (للتوراة أن تحدّثنا عن إبراهيم وإسماعيل. وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضا. ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي) - انظر النصّ في: محمد حسين: الفصل الثاني ص ٢٧٨ وتعليقه عليه: (كلام لا يوصف بأقلّ من أنّه كفر بكتب الله ورسله…).

٣٢ - طه حسين، كتاب من بعيد، ط ٥، ص ٢٨٦.

٣٣ - إسماعيل مظهر، تاريخ الفكر العربي، ص ١١٥.

٣٤ - خدّوري، ص ٢٣٥ – ونلاحظ أن اسماعيل مظهر يهدي كتابه المذكور أعلاء (إلى أستاذي وصديقي يعقوب صرّوف… اعترافا بما له عندي من الدين الأدبي).

٣٥ - هيكل، ثورة الأدب، ص ١٤٤ وما بعدها، وأيضا ص: ١٥٢، ١٦٩، ١٨٦.

٣٦ - هيكل، جان جاك روسو: حياته وكتبه: الفصل الثاني ص ١٣٢، ١٤٩.

٣٧ - كانت تصدر بهذا الاعلان على غلافها: (حلت هذه المجلة محل العصور. فاقرأها تحرّر فكرك) - محررها بالقطر المصري: اسماعيل مظهر.

٣٨ - خدّوري: ص ٢٤٢ – ٢٤٥؛ يراجع نصّ القصيدة في: مجلّة الدهور، مج ١، عدد ٦ (آذار ١٩٣١) ص: ٦٤١ – ٦٦٩.

٣٩ - الزيّات، وحي الرسالة الفصل الثاني ص ٢١٨ – ٢١٩.

٤٠ - قدري قلعجي، تجربة عربي في الحزب الشيوعي، ص ٤٧.

٤١ - خدّوري: ص ١٠٧ – ١٠٨.

٤٢ - عن أثر هذه الجريدة، راجع: عبد الله حنّا، الاتجاهات الفكرية: ص ٨٤ – ٨٨، وأيضا: قلعجي: ص ٤٤ – ٤٨؛ وخدّوري: ص ١١٣ – ١١٦.

٤٣ - عبد الله حنا: ص ١٣٥.

٤٤ - المصدر ذاته: ص ١٣٦ – ١٣٨.

٤٥ - يحدّد الدكتور مجيد خدّوري زمن تبلور المفهوم العلماني لدى الحصري: (أمّا مفهومه عن القومية العلمانية فقد وضعه في أثناء عمله في البلقان (١٩١٠ - ١٩١٣) حيث أدرك أن مايفصل اليونان أو البلغار أو الصرب عن الترك ليس الدين بل أصولهم اللّغوية والثقافية المتميّزة. ورأى شعوب البلقان تتقاتل فيما بينها حول قضايا قومية بضراوة وأشدّ من قتالها مع الأتراك. فاستخلص من ذلك أن فوارق اللّغة والثقافة أعمق بين الأمم من فوارق الدين… وفي حديث للحصري مع مؤلّف هذا الكتاب قال: إنّه درس الشريعة الاسلاميّة فصدمه الأسلوب القديم الذي تدرس به. وهو يختلف عن الأسلوب الذي ندرس به العلوم الطبيعية. ومنذ صباه استخوذت على اهتمامه الطريقة العلمانية في تدريس المسائل الاجتماعية دراسة موضوعية) خدوري، ص ٢٠٨ – وتراجع أفكار الحصري بشأن علمانية العروبة في: محاضرات في نشوء الفكرة القومية (القاهرة ١٩٥١) ص ٢ – ٢٤، ١١٦ – ١٥٦، ١٨٥ – ٢٠٦.

٤٦ - ابن خلدون، المقدمة، ط عبد الله البستاني، ص ١٥٧ – ١٥٩، وانظر أيضا دراسة الحصري ذاته لهذا المفهوم لدى ابن خلدون في: ساطع الحصري، دراسات عن مقدّمة ابن خلدون، ط موسّعة (دار المعارف بمصر ١٩٥٣)، ص ٣٤٦ – ٣٥٠. والطريف أن الحصري يحاول (علمنة) تفكير ابن خلدون ذاته فينسب إليه – استنتاجاً – الاعتقاد بأنّ الشريعة مقصورة على (ماتقتضيه المصالح الأخروية) - المصدر السابق: ص ٤٩١.

٤٧ - أحمد أمين، (النقد أيضا)، مجلّة الرسالة، مج ٤ / قسم ١، العدد ١٥٢ (بتاريخ ١ / ٦ / ١٩٣٦)، ص ٨٨١ – ٨٨٣.

وهو مقال من أحدّ ماكتبه أحمد أمين المعروف بموضوعيته وحياديّته. ولعله أصرح (مرثية) قيلت في تلك الثورة العقلية المجهضة. ويبدو أن المقال مسّ كوامن الدكتور طه حسين، وأحسّ أنه من أبرز المعنيين به (وكان عندئذ منصرفا إلى تأليف كتاب على هامش السيرة، بعد أن أوقف كتاباته النقدية الفكرية الأولى) فانتفض بالردّ الحادّ المتهكّم على صديقه أحمد أمين – مع أنه لم يوثر عنهما خلاف فكري من قبل ووضع اللّوم على السياسة التي تدخّلت فأفسدت الفكر وعلى الجمهور المثقف الذي صفّق من بعيد ثمّ انقطع دعمه للمفكرين الأحرار في ساعة التجربة والامتحان (راجع: طه حسين، (في النقد: إلى صديقي أحمد أمين)، الرسالة، مج ٤، عدد ١٥٣ (٨ / ٦ / ١٩٣٦)، ص ٩٢١ – ٩٢٢، ٩٥٧). وانجذب إلى المحاورة كتاب ومفكرون آخرون، خاصة ممن كان لهم إسهام في تلك الحركة فشارك في الردّ والتعليق: توفيق الحكيم (المصدر ذاته، مج ٤، ص ١٠٠٣) ومحمد حسين هيكل (المصدر ذاته: ١٠٠٤) واسماعيل مظهر (المصدر ذاته: ص ١٢٥١) أمّا محمد فريد أبو حديد فقد أنكر وجود ثورة عقليّة أصلا وتساءل عن ماهيّة الظاهرة التي يتحدّث عنها أحمد أمين وأيّ تصوّر خيالي هي؟ (المصدر ذاته: ص ١٠٢٣).

وكان أحمد أمين قد دلّل على الحركة العقلية النقدية التي يعنيها بقوله: (كان يؤلّف الكتاب الديني، مثل كتاب (الاسلام وأصول الحكم). فتنشب معارك حامية، وانقسم المفكّرون إلى معسكرين، وفي كلّ معركة شحذ للأذهان… وتمحيص للحقائق). وكان ذلك كلّه: (علامة حياة أدبية وثورة فكرية وعقل باحث…) وهو يقرّ أن الأدب بمعناه الانشائي الجمالي الشعوري قد واصل تطوّره، ولكن النقد العقلي هو الذي تدهور (وهي ملاحظة تتضمّن الاحساس بسيادة الرومانسية وتغلّبها على العقلانية): (كان من الغريب أن تحدث هذه الظاهرة، وهي: رقي الأدب وانحطاط النقد… تعال فانظر معي الآن (١٩٣٦) إلى ما وصلنا إليه).

وفي مرحلة تالية من الحوار أوضح ماعناه بانحطاط النقد وتدهور حركة الفكر وحريّته بقوله: (وهل أتاك نبأ ماكان منذ شهرين، إذ نشر شاب. رسالة في الحديث (النبوي)، تعرض فيها للرواية والرواة… فاجتمع مجلس الوزراء وقرّر مصادرة الرسالة؛ مع أنّ المعتزلة منذ ألف سنة قد أنكروا أكثر الأحاديث إلا ما أجمع الرواة على صحته ولم يكفّرهم أحد من أجل ذلك… ألا يدلّ هذا وأمثاله على أننا أصبحنا أضيق صدراً وأقلّ حرّية؟ ومن الغريب أنّ أحداً لم يحرّك لهذا ساكناً ولم يفه ببنت شفة. ولو وقع هذا الحادث من عشر سنين لقام له الكتّاب الأحرار وقعدوا، ودافعوا ونقدوا) المصدر ذاته، ص ٩٦٣.

٤٨ - المصدر ذاته: ص ٨٨١ – ٨٨٢.

٤٩ - المصدر ذاته: ص ٨٨٢.

٥٠ - جدير بالملاحظة أن أفراداً من هذا التيّار بقوا على مواقفهم الفكرية المبدئية – مع شيء من الاعتدال، فقد أعاد طه حسين صياغة موقفه السياسي والفكري والحضاري بشكل منهجي واضح في كتاب (مستقبل الثقافة في مصر) (١٩٣٨)، وواصل ساطع الحصري وقسطنطين زريق دعوتهما إلى علمنة القومية دون تراجع، ولم يؤثر عن اسماعيل مظهر أيّ ميل للتصالح مع الفكر الديني حتى وفاته عام (١٩٦٢) – غير أن استمرار هذه النماذج الفردية البارزة أصبح بعد ١٩٣٠ يمثّل استثناء للمجرى التوفيقي السائد، ولم يعد يمثل تيّاراً أو حركة الرافد الماركسي الذي ستتوقف حركة مدة وجزره على علاقته بالتيّار القومي).

٥١ - هيكل، في منزل الوحي، ط ٢، (المقدمة) ص ٢٢ – ٢٦.

٥٢ - تمثّل اتّجاهات الأحزاب الجديدة منذ ١٩٣٠ شاهداً على اختلال التسوية المذكورة: فقد بدأت جماعة الاخوان المسلمين عام ١٩٨٢، وتكّون الحزب القومي السوري عام ١٩٩٣٢، وتبلور حزب البعث عام ١٩٤٠ – وهذه الأحزاب على مابينها من اختلاف في المنطلق والوجهة تجمع على أمرين بالنسبة للوضع القائم: رفض حدود التجزئة السياسية القائمة – بغض النظر عن نوعيّة الكيان الجماعي المنشود – والعمل على تغيير المجتمع بالانقلاب الجذري، (أي رفض الطريقة البرلمانية التي أدخلها الغرب والأوضاع التي أوجدها داخل الأوطان «المجزاة» ). هذا بينما أخذت تضعف تدريجياً الأحزاب «الوطنية» التقليدية مثل الوفد المصري والكتلة الوطنية السورية. والاستثناء الوحيد في ظاهرة الأحزاب الجديدة ظهور حزب الكتائب اللبنانية (١٩٣٦) باتجاه الحفاظ على كيان الوطن اللبناني القائم ضمن حدوده. (وبالنظر لهذه الخصوصية في الوضع اللبناني فإن تعميمنا أعلاه يقتصر على أقطار الشرق العربي الأخرى، وخاصّة مراكز الثقل السكّاني والسياسي وهي: مصر وسوريا والعراق). عن الأحزاب الجديدة راجع: باتريك سيل، الصراع على سورية: ص ٩٤، ١٩٨.

٥٣ - يقول برناد لويس: (خسر أهل الشرق الأوسط هويتهم الواحدة القديمة … (و) وجد الناس أنفسهم مواطنين لسلسلة من … الوحدات السياسية المفتعلة. وصاحب (ذلك) انحلالاً إجتماعياً وثقافياً موازياً له) الغرب والشرق الأوسط: ص ٦١ – ٦٢.

٥٤ - عندما أحبطت خطة سايكس بيكو ١٩١٧ (بين بريطانيا وفرنسا) حركة توحيد المملكة العربية بزعامة الشريف حسين قضت على إمكانية الوحدة (السلفية). وعندما منع تصارع النفوذين البريطاني والفرنسي توحيد سوريا والعراق في العهود الدستوررية البرلمانية ذهبت إمكانية الوحدة (الليبرالية) التحديثية التطورية. وباحداث الانفصال بين سورية ومصر (١٩٦١) – بعد معارضة الغرب والاتحاد السوفياتي للوحدة – قضي على تجربة الوحدة (التقدمية) الاشتراكية. لقد تبين أن الوحدة العربية تثير مخاوف الغرب الليبرالي والسوفياتي – معاً – بأي شكل كان. انظر: باتريك سيل: ص ٢١ – ٣٢، ٤١١.

٥٥ - عبد الرحمن الرافعي، في أعقاب الثورة المصرية، ط ٢، ص ٢٩٤ – ٢٩٦.

٥٦ - راجع شهادات عبد الوهاب عزام ومحمد حسين هيكل بشأن هذه القضية في: أنور الجندي، المعارك الأدبية: ص ٢٩٨ – ٣٠٢.

٥٧ - قسطنيطين زريق، في معركة الحضارة، ص ٤٤٠، حيث يقرر: إن حياة هذا العصر… لا تحتمل تضاؤل أبعادهم الكيانية.

٥٨ - جدير بالتأمل هنا ما يعبّر عنه المستشرق جب من مخاوف بشأن عودة الكيان العربي المتحد طوقاً عازلاً حول أوربا من طرفها الجنوبي.

٥٩ - يصف قسطنطين زريق حالة الإضطراب في البنية الحضارية للأمة فترة مابين الحربين بقوله إن الأمّة العربية (مقسمة إلى عناصر متباينة يفكر بعضها تفكيراً لاتينياً، وبعض آخر تفكيراً أنجلو – سكسونياً، ويحيى فريق حياة شرقية محافظة، والفريق الآخر حياة غربية مقهورة، ويسلك بعض جماعاتها سلوكاً دينياً، والجماعات الأخرى سلوكاً علمانياً) زريق، الوعي القومي: نظرات في الحياة القومية ١٩٤٠، ط منقحة ص ٧٧.

ويقول جمال عبد الناصر (١٩٥٤) مشخصاً الظاهرة ذاتها داخل المجتمع المصري قبل الثورة (وأنا أنظر أحيانا إلى أسرة مصرية من آلاف الأسر التي تعيش في العاصمة: لأب مثلا فلاح معمّم من صميم الريف، والأم سيدة منحدرة من أصل تركي. أبناء الأسرة في مدارس على النظام الإنجليزي، وفتياتها في مدارس على النظام الفرنسي: كل هذا بين روح القرن الثالث عشر، ومظاهر القرن العشرين) فلسفة الثورة، اخترنا لك [٣]، ص ٤٨.

٦٠ - Albert Hourani, Arabic Thought in the Liberal Age. lst ed. P. ٣٤١.

٦١ - ج. بادو (badeau)، (التطوّر في الدين)، في: دراسات اسلامية، لمجموعة من المستشرقين الأميركيين، الترجمة باشراف نقولا زيادة، ص ٢٥٠…

٦٢ - ملحق السياسة الأدبي، ١٤ جمادي، ١٣٥١ هـ – ١٤ اكتوبر ١٩٣٢ (عدد خاص بمؤتمر الطلبة الشرقيين).

٦٣ - المصدر السابق.

٦٤ - ان مفهوم (الشرقية) بمصر سيشيع في الفترة العائمة الضائعة بين اضمحلال مفهوم الجامعة الاسلامية وبدء مفهوم الجامعة العربية. وسيعنى العرب والمسلمين أساساً كما سيشمل شعوب الشرق البعيد كالهند واليابان، فيما يشبه ردّة شرقية عامة ضد الكتلة الغربية بعيداً عن فروق الدين والجنس ولربما كان انتصار اليابان على روسيا في ١٩٠٥ من الأسباب المبكرة لبعث هذه الرابطة الشرقية. ومن هذا التقسيم المبسّط للعالم الى شرق وغرب سينشأ مفهوم الروحانية الشرقية مقابل المادية الغربية بالرغم من عدم دقته. (انظر نقداً للشرقية من وجهة نظر قومية عربية: عبد الرحمن البزاز، بحوث في القومية العربية، ص ٣٥٣ – ٣٥٩).

٦٥ - المصدر السابق.

٦٦ - المصدر السابق.

٦٧ - إن ما سيرد في هذا البحث عن مادية أوربا وسقوطها الأخلاقي… الخ هو بطبيعة الحال عرض لآراء الكتاب العرب تجاه أوربا في تلك الفترة، وليس بالضرورة حكماً تقويمياً على الحضارة الأوروبية بعامة. واتماماً لجوانب الصورة تجدر الملاحظة ان الدارسين الغربيين من ناحيتهم يرون ان المفكرين المسلمين لم يقهموا جوهر الحضارة الغربية بعمق. يقول المستشرق جب: (وليس مدعاة للدهشة ان تعتبر غالبيةعلماء المسلمين ان الغرب من أرباب المادية المحضة، فهم يجهلون ماهو وراء المظاهر الخارجية للحضارة المادية في الغرب) انظر: جب، الاتجاهات الحديثة في الاسلام، (الترجمة العربية)، ص / ٧٦.

٦٨ - المصدر السابق.

٦٩ - المصدر السابق.

٧٠ - Gibb H. A. R. ed Whither Islam؟ London ويبدو ان هيكل رأى في الكتاب دليلا آخر على خدمة علماء أوروبا لسياسة بلادهم لا للحقيقة المجردة، ودارت بينه وبين طه حسين مجادلة حول هذا الأمر اعتبرت (نقطة ارتكاز في تمزق المدرسة الحديثة. (راجع: انور الجندي، المعارك الأدبية، ٢٩٥ – ٢٩٧).

٧١ - ملحق السياسة الأدبي، ١٤ اكتوبر ١٩٢٣.

٧٢ - المصدر السابق.

٧٣ - ألمح بعض من تناول ظاهرة «الاسلاميات» لدى الكتاب «المجددين، الى ان بعضهم لم يكن صادقاً في تحوله، وان الدافع اليها سياسي يتعلق بكسب الرأي العام أو ما الى ذلك من اعتبارات خاصة باولئك الكتاب. ان التحقق من هذا الأمر يحتاج الى دراسة خاصة موجهة لهذا الغرض. غير ان هذا النتاج الوافر من الدراسات والكتابات التراثية ذات الرؤية العصرية لا يمكن ان نرجعه جملة وتفصيلاً لسبب «تكتيكي». وعلى سبيل المثال فان الدكتور هيكل قد بذل جهداً علمياً كبيراً في «حياة محمد»، كما انه أظهر شعوراً دينياً صادق المعاناة في «منزل الوحي»، أما الاعتماد على روايات فكهة شخصية مثل «في ذات يوم جاءني العقاد يقول ان الناشر… قال: ان الدكتور هيكل قد اقتنى بيتاً من ربحه من كتاب محمد عليه السلام، ثم ضحك وقال: والله لأكتبن لهم عن السيد البدوي، لا عن سيدنا محد، ولنبني لنا عمارة!» (فتحي رضوان، عصر ورجال، ص ٢٣٠) ان مثل هذه الروايات يجب ان تبقى في نطاقها الشخصي الهازل، (انظر اشارات اكثر جدية لظاهرة الاسلاميات في: محمد محمد حسين، الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر، ج ٢، ص ١٥٨، وأنور الجندي: معالم الأدب العربي المعاصر، ٢٤٣).

٧٤ - ميخائيل نعيمة، زاد المعاد، ط ٣، ص ٢٩.

٧٥ - المصدر السابق، ٣٤.

٧٦ - المصدر السابق، ٩.

٧٧ - المصدر السابق، ٩ – ١١.

٧٨ - المصدر السابق ٣٩ – ٤٣.

٧٩ - إذا نظرنا الى تحول نعيمة ودعوته من زاوية مذاهب اجتماعية سياسية معينة فاننا سنواجه التساؤلات القائلة: هل دعوة نعيمة واقعية أو طوباوية؟ وهل اسهمت في دفع النضال أو في تجميده؟ وهل هي «تقدمية» أو «رجعية»، وهل يمكن للفكر العربي المتصدي لمعضلات الأمة العربية أن يستفيد منها بشكل عملي… الخ…؟ إن مناقشة هذه الأسئلة – التي نرى أنها أسئلة مشروعة على الاقل – يتعدى نطاق بحثنا. وحسبنا ما اكدناه من تأثير نعيمة بدعوته في بدء ظاهرة التحول الجديد ضد الغرب وباتجاه الهوية الأصيلة المفقودة، ويمكننا ان نشبه دور نعيمة بدور تولستوي بعد تحوله في خلق «مناخ» فكري عام ممهد للثورة الروسية. ان هذه الثورة مختلفة تماماً في فكرها عن مبادئ تولستوي. ولكن هذا لا ينفى انه كان ارهاصاً من ارهاصاتها. ألا يمكن النظر لدور ميخائيل نعيمة الروحي والفكري من هذه الزاوية بالنسبة لحركات الثورة في المشرق العربي؟

٨٠ - عبد الجبار داود البصري، رواد المقالة الأدبية في الأدب العراقي الحديث ص ١٠١.

٨١ - المصدر السابق ١٠٣، ١٠٤.



[ Web design by Abadis ]