ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 شيخ الإشراق \ سيد حسين نصر *

ملخص

شيخ الاشراق السهروردي، شهاب الدين (ت ٥٨٧هـ) له مدرسته الخاصة في الفلسفة والعرفان وله دوره الهام في توثيق الصلة بين العقل والدين، كما له مكانته في النثر الفارسي الفلسفي. ومدرسته تقوم على خطاب يصلح أن يكون اليوم عالمياً لمافيه من أصالة ونبوغ.

ما أسهل الكتابة عن السهروردي وأشدها امتناعاً بالنسبة إلي! فهي سهلة من حيث أني قد سعدت بالحياة مع آثار شيخ الإشراق سنوات طويلة. تجددت علينا فيها مواقع النجوم، وباركنا اختلاف الليل والنهار معاً. كان ذلك منذ أحد عشر عاماً من قبل، عندما بدأت جمع آثاره الفارسية حتى اليوم، ويمكنني القول بأني قد أتيت على هذا العمل تقريباً، وقمت بما التزمت به نحو تلك الآثار. كما أن ما حالفني من التوفيق في تحقيقات ومطالعات أخرى مختصرة في شأنه، قد أكد لي أنني فكرياً وروحياً قريب غاية القرب من شيخ الإشراق. وإذن، كنت لا أشعر إلا بالضآلة أمام إدراك مقامه الحقيقي من الحكمة والفلسفة.

ومهما يكن، فإن هذا القدر من المعرفة بالسهروردي والائتناس به، هو مايجعل الكتابة عنه صعبة في نظري. برغم مايراود فكري ويغريني بسهولتها. أجل! إنها سهلة من حيث وفرة العناصر الشائقة، التي تستثير الفكر وتستدر البيان في شخصية كشخصية السهروردي، فما أكثر مداخل الكاتب إليه. إلا أن الإشكال الآن، يتمثل في أن الكاتب إذا ما تتبع عظمة الشيخ وشخصيته الفريدة يتعذر عليه في الواقع أن يلم بوجهات نظره المختلفة في مجال هكذا ضيق، أو لحظات هكذا سريعة.

وعليه، أراني في هذا المقال ميالاً إلى البدء بطرح المسائل الأصلية على القارئ الكريم، أو لعلي في الواقع، متذرع بهذا لرغبتي في تقديم زبدة من فلسفة شيخ الإشراق. هذا، وقد سبق لي أن قدمت بعض المطالب في هذا الصدد بصورة مجملة في كتاب «ثلاثة حكماء مسلمين»، كما قام العلامة المستشرق هنري كوربان على وجه الخصوص بتحقيقات قيمة في هذا الباب، عرض فيها فلسفة السهروردي من جوانبها المختلفة.

وطبيعي هنا، أنني لا أعمد إلى تناول آثاره بصورة منهجية فلسفية أو على حد قول الغربيين سيستماتيك (systematiqur)، بمعنى أن أبدأ بالمنطق وأنتهي بما وراء الطبيعة مثلا، وإنما أميل إلى إعادة البحث مجدداً فيما عرضته في مجالس الدرس على أبنائي الطلبة الأعزاء، مما يتعلق بالسهروردي من حيث حياته وآثاره وأفكاره الرئيسية الفلسفية منها والعرفانية.

جوانب من حياة السهروردي

أما وقد بدأنا بحياة السهرورودي: فلا شك في أن أغلب العلماء قد اطلعوا بالفعل على ماورد من ترجمة حياته وشرح أحواله في أكثر كتب الرجال المعروفة مما دون في القرن السادس وماتلاه، مثل «وفيات الأعيان» لابن خلكان، وبخاصة «نزهة الأرواح» للشهرزوري. إلا أن ماهو جدير بالنظر في حياة السهروردي هو أن ظل حياته المشرق قد امتد من بعده ليحتوى الملاصدرا والسبزواري… ولا يزال هذا الظِلّ النوراني يمتد بفيئة في أوج ريعانه. لقد بدأ الثلاثة حياتهم بمرحلة شاقة مرهقة من التلمذة والتحصيل، أو في الواقع من مواصلة الليل بالنهار في سبيل تحصيل العلم، ثم امتدت إلى مرحلة طويلة نسبياً من الرياضة والعزلة والإمساك عن كل نوع من العلم الصوري أو المدرسي، لتصل في النهاية إلى مرحلتها الأخيرة المثمرة ذات القطوف الدانية. ومن هنا يمكننا القول بأن الخطوط البيانية لحياة الثلاثة متماثلة من حيث اتجاهها وارتفاعها وانخفاضها، اللهم إلا في تفاوت السهروردي عنهما في أنه قتل في الثامنة والثلاثين من عمره. أو بعبارة أخرى في أن هذه الحياة المعنوية بتمامها قد توفرت للسهروردي وبلغت نهايتها في فترة زمنية أقصر، بينما نرى أن كلاً من ملاّصدرا والسبزواري قد شبعا من عمريهما

المباركين، وعلى أي تقدير، فإن حياة السهروردي كانت من حيث نوع الحياة وطريقة التربية، أنموذجا للحكماء من بعده. فنحن نشاهد في حياة الحكماء قبل السهروردي كالكندي والفارابي إلى حدما من ذلك، نظراً لانخراطه في السير والسلوك منذ بدء حياته، ولأنه قد اكتسب تحصيلاته الصورية، حتى لقد تعلم المنطق والفلسفة المشائية في أوساط عمره تقريباً. أما بقية – الفلاسفة والحكماء المسلمين الكبار، كالكندي وأبي الحسن العامري وأبي يعقوب السجستاني وابن سينا، فلاشك في أن حياتهم لم تكن بهذا النمط أو على هذا الغرار.

ومن هنا كانت حياة السهروردي، أصلاً، نوعاً من الإبداع في حياة الفلسفة والفيلسوف في الإسلام. وهذه النقطة بالذات لم تحظ من حياة السهروردي بما ينبغي لها من العناية والانتباه حتى اليوم.

على أن ماهو أجدر بالعناية من غيره في حياة السهروردي، هو تلك الزوايا الغامضة منها، كالبحث مثلا عن الكيفية التي انجذب بها إلى سلوك الحياة المعنوية في مستهل شبابه، أو الباعث الذي دفعه إلى مغادرة دياره متوجهاً إلى غرب العالم الإسلامي قاصداً بلداً طالما استهوى الحكماء من قبله، والكيفية التي تمت بها هذه الهجرة.

أما ماهو أعجب من ذلك كله، فتلك الخاتمة الفاجعة التي انتهت إليها حياته، ولماذا يقتل حكيم مثله؟ فنحن نعلم – علاوة على حالة أو حالتين – مما اصطبغ بالصبغة المذهبية أو السياسية، كما حدث في قتل الشهيد الأول والشهيد الثاني، أو مما غلبت عليه الصبغة السياسية على أثر ما حدث من المنازعات بين الشيعة والسنة لا لصرف الجانب المذهبي – أن ثلاثاً من الشخصيات البارزة في الإسلام، هم الحلاج وعين القضاة والسهروردي قد واجهوا نفس هذا المصير. فأما استقصاء العلل التي من أجلها قتل الأولان واستيفاؤها فأمر يسير. لقد كانت رسالة الحلاج إفشاء الحقائق الباطنية، تصفية للنفس وتوجيهاً للمسلمين إلى علم الباطن، واستفزازاً لوجدانهم الأخلاقي، كان هو شخصياً على علم بأنه سيبتلي آخر الأمر بمثل هذه العاقبة. ويمكننا الحكم في صدد عين القضاة أيضا على نفس الوتيرة. فمن الممكن، على وجه العموم أن نقف، من مطالعة آثارهما والتحقيق في طريقة تفكيرهما على أسباب قلتهما. وأما الوصول إلى العلل الواقعية في قتل السهروردي، فليس من السهولة بمكان. هذا لأنه قبل أن يكون العارف الذي يختم له بالبرهان الصحيح، كان الحكيم الفيلسوف المفكر الذي طالما عرض العرفان في ثوب الفلسفة

والتفكير الفلسفي.

وقصارى ما كان من أمر الفلاسفة أنهم كانوا يعاقبون بالإبعاد لقاء اتهامهم بالتظاهر بآرائهم وعقائدهم الخاصة، كما حدث مع ابن رشد، فلم يحدث في نطاق العالم الإسلامي، على خلاف اليونان وأروبا، أن قتل فيلسوف ما، في أي وقت ما.

جانب آخر من القضية: هو جو سورية من حيث التفكير العقلي والفلسفي في عهد السهروردي. وهذا الجانب الذي يبدو في نظري أساسياً للغاية، لم يحظ من البحث والتحليل بما يستحقه مطلقاً، على الرغم من احتمال كون حياة السهروردي الدينية أيضاً مرتبطة به. بمعنى أننا لم نهتمّ بدراسة الواقع المذهبي في مدينة حلب، المدينة التي قتل فيها السهروردي، والناحية الشمالية من سورية، وشمال لبنان الحالي، التي كانت قبل الحروب الصليبية من المراكز الشيعية الكبرى؟ ثم اقتضت هزيمة الفاطميين على يد الفرنجة أن يدين المسلمون في تلك الجهات لمن دحر الفرنجة فاضطروا إلى اتباع الفاتح اللاحق صلاح الدين الأيوبي، مما أدى في النتيجة إلى سيطرة المذهب السني. لقد ورد السهروردي حلب، وهذا التحول المذهبي العميق في شمال الشام آخذ في استكمال عناصر تكوينه؛ وظل هناك حتى تم لهذا التحول أن يقلب الكيان المذهبي في تلك الناحية بصورة كلية. وهنا يجب أن نضع نصب أعيننا، ما أثبته الأستاذ كمال صليبي بالشواهد الدقيقة في كتاب تاريخ لبنان، من أن أهالي طرابلس (شمال لبنان الآن) في القرن السادس الهجري كانوا جميعا من الشيعة، أما منذ القرن الثامن فقد صارت طرابلس أحد المراكز الهامّة بالنسب

ة للمذهب السني، حتى لقد أصبح تعداد الشيعة في تلك النواحي الآن معدوداً محدوداً للغاية. وعلى هذا فليس من المستبعد أن يكون هذا التحول العميق الذي حدث بين القرنين السادس والسابع موجباً لاستفزاز السهروردي فلم يتمالك نفسه في مقابل ما طرأ من المظاهر عن إفشاء مطالب كانت بلا شك تتضمن جانباً باطنياً كصورة من صور المقاومة، وفي رأيي أنه، مالم يتم التحقيق الدقيق حول أوضاع تلك الناحية، تاريخياً ودينياً وفلسفياً واجتماعياً أولاً، فلا يمكن أن نكتشف الأسباب الحقيقية التي أدت إلى قتل السهروردي.

إن الدلائل التي قدمت إلى الآن لا تروق في نظر أهل التحقيق، والسؤال الذي وجهه إليه علماء حلب في المجلس الذي عقدوه للمناظرة والبحث بينهم وبينه، هو الآخر يؤيد هذا الرأي. لقد سألوه:

- الله قادر على أن يخلق مايشاء؟

- قال: نعم

- فقالوا: نبي الإسلام خاتم الأنبياء؟

- قال: نعم. إذّ ذاك قالوا:

- فكيف يمكن لإله هكذا ألا يستطيع أن يبعث نبياً بعد نبي الإسلام؟

وما أشبه هذا السؤال بقياس الإحراج، فكل جواب يحتمله يدين السهروردي ويدمغه بالضلال. إلا أنه لاشك في أن غرضهم كان الإشارة إلى دائرة الولاية. يعني في الواقع، الإشارة إلى أصول عقيدة السهروردي. وهذا لأنه كان قد كرر القول في آثاره بأنه: ولو أن النبوة قد ختمت، إلا أن الولاية – بهذا المعنى الذي يفهمه الشيعة – مازالت قائمة.

وإذا كانت وقائع مجلس البحث والمناظرة هذا لم تنقل إلينا بوضوح فإن ما يتأتي من واقع الأسانيد والمدارك التاريخية يوضح كيف أن السهروردي كان في هذه المعركة ضحية لما تمخض عنه النزاع الشديد بين الفاطميين وأهل السنة. ومع أنه لا شك في أن السهروردي لم يكن إسماعيلي المذهب إلا أن اعتقاده الكلي بمسألة الولاية، كان سبباً لابتلائه. وعلى أي تقدير فالواجب أن تكون مسألة الولاية في فلسفة السهروردي، ونظريته الخاصة بالتشيع والتسنن، أول ما يُحلُّ بالنسبة له، إلا أن هذه العقدة لم تتطرق إليها يد أحد حتى، الآن بالحل.

ماذا عن آثاره؟

والمسألة الأخرى بعد حياته، هي أن نسعد الحال بما يتيسر من القول عن آثاره. لقد قدم الشهرزوري في «نزهة الأرواح» أكثر الفهارس تفصيلاً فيما يختص بآثار السهروردي، كما ضمن حاجي خليفة كتابه «كشف الظنون» مايمكن أن نعتبره كتاباً في المصادر مفصلاً إلى حد ما عن آثار الشيخ، مرتكناً في ذلك على نفس الآثار بالذات وما وصل إليه من المصادر الأخرى.

أما في الغرب فقد قام أربعة من العلماء بتحقيقات قيمة حول آثار السهروردي: أولهم بروكلمان في كتابه «تاريخ الأدب العربي»، وتعتبر تحقيقاته، على ماهي عليه من النقص، ذات قيمة عظيمة من حيث التعريف بنسخ تلك الآثار. ثم ريتر، ودراسته عن السهروردي من أعظم ما يوثق به من أعمال المستشرقين، فقد قضى سنوات طويلة في استانبول على ذمة التحقيق بصدد السهروردي، وقدم بالفعل نظريات صائبة بشأن بعض آثاره.

أما ماسينيون بالذات، فانه عند ما بدأ مطالعاته حول الحلاج راق له أن يتتبع نفوذ الحلاج فيمن جاء بعده من المفكرين الإسلاميين، الأمر الذي أدّى به إلى نقل مارواه الحكماء والعرفاء المسلمون الكبار، أمثال روزبهان وشيخ الإشراق عن الحلاج من مقطوعات، وجمعها في كتابه «أخبار الحلاج» وكان ضمن هذه التحقيقات أن تتبع ماسينيون أهمية آثار السهروردي فقسمها إلى ثلاثة مجاميع: آثار فترة الشباب، فآثار الفترة المشائية، ثم آثار الفترة الإشراقية. إلا أنني للأسف، مع كل ما لماسينيون من نبوغ خاص وطرافة في القول كما عهدناه، لا أتفق معه في هذا التقسيم.

فحتى نصل إلى كيفية آثار السهروردي ومن ثم نقيمها، يجب أن نتعرف عن كثب على جميع تلك الآثار، إلا أن هذه الفرصة لم تتيسر لماسينيون مع الأسف. وهذا يعني أنني لا اعتقد بأن السهروردي، على حد ماذهب إليه ماسينيون في كتابه عن تاريخ التصوف، كان في أول شبابه عارفاً ثم درج إلى الفلسفة المشائية وإذذاك ظهر الحكيم الإشراقي. وهذا لأن السهروردي في مكان من رسالته «الألواح العمادية» التي لم تطبع حتّى الآن ولم يعثر إلا على نسخة واحدة من متنها العربي، كما لم يعثر أيضا إلا على نسخة واحدة من متنها الفارسي، الذي يوجد في مجموعة آثاره الفارسية – قد نوّه باسم كتاب حكمة الإشراق. وهذه الإشارة تفيد أن الألواح العمادية قد كُتبت بعد حكمة الإشراق، الأمر الذي ينقض تقسيم ماسينيون.

أما المحقق الأوروبي الرابع الذي اشتغل بالسهروردي، فهو هنري كوربان، العالم الذي ندين له بتحقيقاته وجهوده التي لا تعرف الكلل في سبيل تقديم الفلسفة الإسلامية إلينا. لقد أنفق عمراً في دراسة السهروردي وقدمها إلينا. وهو يقسم آثار السهروردي إلى أربعة أنواع. ولعله مما يجمل ذكره هنا، أنني بدوري قد قدمت في الفصل الثاني من كتابي «ثلاثة حكماء مسلمين» تقسيماً آخر يختلف نوعاً ما عن تقسيم كوربان، إلا إنه لامجال لتكراره.

ومهما يكن، فإن ما يهمنا بالنسبة لتعرف فلسفة السهروردي، هو الرابطة بين هذه الخمسين أثراً من رسالة إلى كتاب، التي خلفها من بعده. هذه المسألة التي لم تجد حلاّ هي الأخرى حتى الآن، فلاشك في أن الوصول إليها لا يتاح قبل طباعة الآثار قاطبة وتحليلها وهضمها. إذ ربما يكون السهروردي قد كتب بعض هذه الآثار في وقت واحد: كما كان من ملاصدرا، فنحن نعلم أن بعض رسائل ملاصدرا قد تواءمت في الكتابة وأنه حررها في وقت واحد، الأمر الذي من أجله يعتبر تقسيم آثار ملاصدرا تبعاً للزمان غير صحيح، ومن الجائز على أي حال أن يكون السهروردي قد قام بنفس العمل. أضف إلى ذلك، أن السهروردي كان يتناول سائر آثاره بالجرح والتعديل، اللهم إلا كتابه حكمة الإشراق، الكتاب الذي كتبه في فترة وجيزة ناهزت أخريات حياته.

أما عدم الحصول على المجموعة الكاملة لآثار الشيخ كنتيجة لعدم طباعتها فإنه هو الآخر في حد ذاته من المسائل التي لها ارتباطها بمعرفتنا به.

إن ماطبع من آثاره هو حكمة الإشراق وهياكل النور وجانب الإلهيات (المقاومات والمطارحات والتلويحات) ومجموعة رسائله القصيرة بالفارسية وبعضها بالعربية، وللأسف الشديد إن قدراً من المسائل الفلسفية المهمة الجديدة التي كانت مورداً للبحث والنظر في كتاباته مازالت لهذا السبب غامضة على كثيرين من أهل التحقيق. وعليه، فإن أهم خطوة نخطوها في طريق معرفة السهروردي هي طبع آثاره جميعاً طباعة علمية دقيقة.

في صدد «الواردات والتقديسات»

والمسألة المهمة الثانية مما يختص بآثار السهروردي، التي تبدو في نظري من أصعب الموارد في تحقيق أفكاره والتي تقدم لنا الرابطة بين الفلسفة اليونانية والفلسفة الإسلامية، هي مسألة الأدعية والخطابات والرسائل القصيرة غير المتشابهة التي دونت بعنوان الواردات والتقديسات، والتي يبدو أن أحد تلامذة السهروردي أو باحتمال قوي أن الشهرزوري هو الذي جمعها. ومع أن البعض يذهبون إلى أن هذا الكتاب أثر قائم بذاته، إلا أنني أميل إلى تأييد ريتر في رأيه القائل بأن هذا الكتاب يتكون من قطع متناثرة مختلفة قد جمعت فيه. وعلى أي حال فإن ما يعنينا ليس ما تتصف به من التآلف أو التناثر، وإنما الذي نهتم به هو ما نشاهده في هذا الجزء المتفاوت بعضه عن بعض من آثار السهروردي، من آثار مشائية وآثار إشراقية وثالثة أخرى عرفانية، إن هذه المجموعة تشتمل على مطالب لا نشاهدها في آثار الحكماء الإسلاميين، إلا في بعض موارد معدودة مثل «غاية الحكيم» الذي يعزي إلى حكيم إسبانيا الكبير الكيميائي المجريطي، ورسالة أو رسالتين في العلوم الغريبة للإمام الفخر الرازي الذي تحدث هو الآخر لابعنوان الاعتقاد وإنما بصورة الإشارة عن الأدعية المختصة بالسيارات والنجوم المختلفة. إن

هذه الآثار قد تبدو في نظر البعض كأنها لا تستحق الاهتمام، ولكنني أراها على العكس. وهذا لأننا إذا

نظرنا بدقة، نشاهد أن هذه الطريقة من التفكير، التي تتعلق بالدور الأقدم للتمدن البابلي، قد دخلت على الفلسفة اليونانية على أثر انتشار الفلسفة الأفلاطونية المحدثة في الشرق، وأنها تتعلق بهذا الجانب من حوزة الفلسفة الأفلاطونية المحدثة المعروفة بمدرسة سورية، وان اسمها توأم مع اسم إمبليخوس أو – جامبليك (Jamblichus) ولها تعامل مع علم الطلسم بمعناه الأصيل، يعني التورجيا (Theurgia) اليونانية. فميل السهروردي إلى هذا النحو من التفكير يشير إلى ماكان له من ارتباط مباشر بالمدرسة الأفلاطونية المحدثة السورية وما تبقى من الميراث البابلي القديم في مراكز مثل حرّان.

لقد اشتبه الأمر أصلاً على المؤرخين الغربيين في أنهم يعمدون لمجرد نسبة مدرسة أو حوزة فكرية إلى الأفلاطونية المحدثة إلى التقليل من أهميتها المعنوية والعرفانية ومن أصالتها. على حين يجب التوجه إلى أن آمونيوس وتلميذه فلاطينوس أو غيرهما من حكماء هذه المدرسة لم يكونوا فلاسفة بالمعنى العادي للكلمة ولا يمكن تشبيههم بأساتذة الفلسفة في الجامعات اليوم وإنما كانوا أهل رياضة وشهود، وما هذه الفلسفة في الواقع إلا نوع من العرفان القائم على الرياضة والتوسل بعالم الغيب، غلب عليه الظهور في مظهر الفلسفة البحثية.

فارتباط السهروردي بمثل هذه المدرسة الفكرية لا يقلل بحال ما من أصالة طريقة تفكيره، ولا ينقص من الأهمية العرفانية لأفكاره النابعة من مصدر العرفان الإسلامي. فليس إلا عرفاناً حياً يرتكز على دين حي، هو الذي مايمكن أن يبعث أفكار القدماء العرفانية الأصيلة ويعيد إليها قيمتها.

فمجرد إطلاق صفة «نيو أفلاطوني» على بعض مما أثر على السهروردي من الأفكار الفلسفية لا يقلل من قيمة هذه الأفكار ولا يمكن أن يذهب بأصالة السهروردي وقيمته في نظر المحقق البصير، وبخاصة أن الكلمة أفلاطونية محدثة عادة ما تستعمل بصورة تدل على عدم الاطلاع على الماهية الواقعية لهذا النوع من الفكر وجذوره العميقة في عرفان أصيل، عرفان أنجبه تفكر أفراد معدودين يطلق عليهم اليونان بنوماتيكوي (pneumatikoi) هذه الكلمة التي أصاب أصحاب كتب الرجال من المسلمين كل الإصابة في ترجمتها بـ «الروحيين».

لقد كانت بعض المناطق من سورية وبخاصة حران تشكل ملجأ لبقايا المدارس العرفانية اليونانية القديمة من نحلة الفيثاغورية والأفلاطونية الجديدتين إلى الكيمياء وعلم الكون الهرمسي، ثم بقيت هذه الأفكار في تلك المناطق بشكل رواسب لم تستطع السيول البعدية أن تجرفها بالكلية، وما كان من المقادير إلا أن تحترم هذا الميراث وترعاه حتى انتقل إلى التمدن الإسلامي حيث القى بحياته الجدية في عالم الفكر الإسلامي.

فإحياء الفكر العرفاني اليوناني القديم والمدرسة الهرمسية على وجه الخصوص كما يشاهد في أدعية السهروردي وأوراده، من أهم المسائل الحساسة في تاريخ الفكر الإسلامي، الخليقة بالمزيد من التحليل والاستقصاء.

لقد عثر الأستاذ كندي أستاذ الجامعة الأمريكية في بيروت منذ ثلاث أو أربع سنوات على نسخة خطية نفيسة لصور الكواكب ترجع إلى القرن السابع أو الثامن، نقشت فيها الكواكب نقشاً غاية في الجمال، فهي أبدان ذوات أياد عديدة تستثير الاهتمام وتبعث على العجب. ويلاحظ الرائي لهذا الكتاب أن طريقة نقشه أو رسمه لا ترتبط بأي وجه من وجوه الشبه بالفن الإسلامي، بل ربما كانت متعلقة بإحدى المدارس الفنية القديمة في آسيا المركزية، أما من الناحية الفكرية والمعنوية، فالكتاب في الحقيقة عبارة عن بيان وتوجيه لذلك النحو من التفكير في الكواكب الذي نشاهده في واردات وتقديسات السهروردي.

آثاره الفارسية

أما بالنسبة لآثار السهروردي الفارسية فلا أرى داعياً لتكرار الكلام عن أهميتها من الناحية الفكرية في هذا المجال؛ على أني أتناولها من زاوية جديدة. فهذه الآثار تعتبر للوهلة الأولى من أجمل ماكتب في إيران وعالم الفارسية من نماذج النثر الفلسفي. لقد كتب في عصر اعتبر من العصور الذهبية للنثر الفارسي. ومع هذا كما قلنا لايوجد بين ماكتب بالفارسية من الآثار الفلسفية ما هو على هذه الدرجة من النفاسة والروعة. ودراسة هذه النماذج من نقطة النظر هذه تؤدي بنا إلى أنه كما أن فكر السهروردي ينطلق إلى أبعاد عديدة فإن أسلوبه وسبكه في الكتابة ذو جهات وجوانب عديدة أيضاً. فمثلا، نرى أن رسالته «لغت موران = لغة النمل» و «رسالته في حقيقة العشق» اللتين حالفني التوفيق ونشرتهما في مجلة «معارف إسلامي = المعارف الإسلامية» وأيضاً في مجموعة آثاره بالفارسية تتفاوتان فيما بينهما من حيث السبك تفاوتاً كلياً، هذا مع أنه لا مجال للشك مطلقاً في نسبتهما إليه فقد جمعتا منذ البداية ضمن آثاره، علاوة على مايضمنا من العبق الفكري السهروردي.

هذه الآثار، علاوة على كونها كتبت بالفارسية فأضافت إلى تراث هذه اللغة تراثاً تعتز به وتفتخر، لها أهمية خاصة أخرى، من حيث كون الفكر لاينفك عن اللغـة بحال من الأحوال، فلو أن إنسـاناً استطـاع أن يعبـر تعبيراً موفقا عن فكرة ما بلغة ما، فقد استعان بقدرته الخلاقة، ومن ثم كانت الترجمة فناً آخر وراء مجرد نقل الألفاظ والعبارات، كأن المترجم الحقيقي من يترجم الأفكار أولا ثم يكسوها بما يناسبها من الألفاظ. وعليه، إذا ما تسنى لشخص أن يشرح كتاب فيتجنشتاين (Wittgenstein) مثلا بالفارسية السلسة الفصيحة الملائمة للفهم، فلا جدال في أنه مبتكر، لامن حيث اللغة فحسب، وإنما من حيث الفكر أيضاً فإذا كانت عبقرية السهروردي قد أبدعت فيما نقله إلى الفارسية مما كتبه بالعربية أو فيما كتبه أصلا بالفارسية، فإن أهمية ذلك تمثل في أنه إذا فكر باللغة الفارسية وبحث المسائل الفلسفية والعلمية بها، فقد هيأها وأعدها لاستيعاب الفكر الفلسفي، كما بعث فكره إلى الحياة مرة أخرى.

فإذا ما اطلعنا على آثار السهروردي ندرك تماماً أن اللغة الفارسية قادرة على بيان أدق المطالب الفلسفية كما ينبغي، الأمر الذي قلما توجه إليه المفكرون الحكماء الإيرانيون. أما أولئك الذين اصطنعوا هذه اللغة وكانوا قادرين على ذلك فإن آثارهم تعتبر مجلى قدرتها وإمكانها على بيان تلك المطالب. وهذه الآثار في حد ذاتها جواب على من يظنون، لعدم إحاطتهم برموز الفارسية الفياضة، أن التفكير بها متعذر وأن ليس في إمكانهم أن يسبكوا أفكارهم في قالب من عبارتها، وهم في ذلك إما إنهم لا يعرفون الفارسية حق معرفتها وإما إنهم لا تتوافر لديهم الأفكار أو تتم لديهم عملية الانفعال الذهني. هذا على حين أن آثار السهروردي توضح تماماً هذا الجانب من قدرة اللسان الفارسي وبلاغته وتدل على أن هذه اللغة تتسع لاحتواء أدق المطالب المنطقية أو الطبيعية أو الإلهية في قوالبها اللفظية بنفس الدقة والقدرة التي تتمتع بها اللغة العربية. وكم هي أخاذة تلك الأفياء النورانية الجميلة التي تمدها لغة السهروردي أثناء كتابته بالفارسية، ولهذا كانت علاوة على شرف محتواها جديرة بأن تحتل مكانها على مستوى الطراز الأول من آثار النثر الفارسي.

ومما يليق بالذكر هنا أن هناك شكاً كبيراً في نسبة أثرين إلى السهروردي، أولهما «بستان القلوب» أو «روضة القلوب»، والثاني: (يزدان شناخت = معرفة الله). ولما كنت قد اتفق لي في العام الماضي أن قضيت مدة من الوقت في تصحيح هاتين الرسالتين اللتين تعتبران أطول مانسب إليه من رسائل كان واجباً عليّ أن أقرر أنهما من الرسائل الفلسفية الهامة. وفي اعتقادي، مهما قيل عن صاحبهما، أن نسبتهما إلى السهروردي لا أقل من أنها مدعمة بما يقرب من اليقين إن لم يدعمهما اليقين التام.

فأما بخصوص «بستان القلوب»، فالواضح تماماً من سياق الكلام وطريقة عرض المطالب أن هذا الأثر متعلق بالسهروردي، وأما بخصوص «يزدان شناخت» فقد لا يحصل اليقين بتلك الدرجة على الرغم من أن الشهرزوري قد أيد نسبته إلى السهروردي، إلا أن مجرد وجود بيت من شعر سنائي (المتوفى في حدود ٥٣٥هـ) في هذه الرسالة مما قد يعتبر ذريعة لإنكار أصالتها من جانب بعض المحققين، لايعد دليلا، كافياً متيناً، لأن كثيراً من أبيات سنائي في الفترة الثانية من حياته كانت جارية على الألسن في نطاق اللغة الفارسية. ومرة أخرى؛ فإن ما يبدو لي من السبك وطريقة عرض المطالب والدخول إليها، هو أن هذه الرسالة لا أقل من أنها متعلقة بمدرسة السهروردي إن لم تكن له بالذات، وهذا لأن مفتاح الوصول إلى أصالة آثار السهروردي بعد الممارسة وحصول الملكة لدى الباحث، في العلم بطريقة ورود السهروردي إلى مبحث «النفس».

من الممكن أن يتشابه هذا المبحث مبدئياً مع أمثاله في رسائل خواجه نصير الدين أو بابا أفضل، إلا إن طرز بيان السهروردي لدى تصديه للمواضيع وبيان ماهية نفس الانسان مشخص تمام التشخيص، ضمن عاداته المميزة، إنه يتوسل إلى غرضه بالآيات القرآنية فيؤولها بطريقته الخاصة. وهذه الحقيقة كانت موضوعي في مناسبات أخرى حيث كتبت أقول: إن السهروردي أول حكيم إسلامي استفاد ودائماً بصورة غاية في الوضوح من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، ولم يحدث قبل السهروردي أن حكيما تناول الآيات القرآنية بالبحث في آثاره الفلسفية، ففي شفاء أبي علي ابن سينا مثلا لا توجد إلا آية كريمة واحدة في قسم الإلهيات.

أما بواعث هذا الأمر فغامضة لا يسعنا بيانها الآن، أما ما يمكننا أن نذكّر به فهو أن المشائين كانوا دائماً يعتقدون أن الفلسفة عليها أن تثبت حقيقة الفلسفة بنفسها بعيدة عن الدين المحض، وقد وفًى الأستاذ محسن مهدي أستاذ جامعة هارفارد هذا الموضوع حقه تماماً في كتبه ومقالاته عن الفارابي. أما السهروردي فقد عمد من جهة أخرى إلى إظهار الوحدة بين التفكر العقلي والحقيقة القرآنية على حقيقتها الذاتية، فلا عجب إذن عندما يتناول مبحث النفس في أن نرى أنفسنا أمام تلك النفس التي رسمت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية حدودها وبينت معالمها. وعليه فمن الممكن أن تكون نفس هذه المباحث بالذات ضابطاً ومعياراً لتقرير أصالة ما ينسب إلى السهروردي من آثار.

وعلى أي تقدير، فالكلام عن حياة مفكر مبدع لا ينحصر في جزئيات حياته الصورية الظاهرية وتقصّي مظاهر حياته المادية مما نعم به الكثيرون ممن سبقوه فحسب. كما أن تصيد موجبات الحذلقة، الذي مازال للأسف يحتفظ بمكانته الكبيرة، لا يكفي. فما يهمنا هو طريق الوصول إلى حدود الفكر وثغوره، ومعانقة الآفاق المعنوية واكتشاف الأعماق الداخلية للمفكر. وهكذا كانت الحال في السابق حينما كانت المدرسة دائماً سابقة على الشخص مقدمة عليه من حيث الأهمية. فالآثار المنسوبة إلى فيثاغورس أو جابر بن حيان أو آخرين من مفكري الإسلام، إن لم تكن لهم بصورة أكيدة، إلا أنها تتعلق بمدارسهم الفكرية؛ ومن ثم فهي في الواقع ونفس الأمر، تتعلق بهم على المستوى الأوسع. بمعنى أننا عندما نلتقي في إحدى المدنيات الدينية بمدرسة فكرية نشاهد أن كثيراً من الأشخاص يرتبطون بها سواء من الناحية المعنوية أو الجانب العملي ارتباطاً يحملهم على التخلي بكل إخلاص عن أسمائهم وحيثياتهم؛ فينكرون ذواتهم إيثاراً منهم للمدرسة التي ينتمون إليها وينسبون آثارهم إليها. وما أصدق هذا بالنسبة لرسالتي السهروردي (بستان القلوب ويزدان شناخت = معرفة الله). هذا، فيما لو لم تكونا منسوبتين إليه على ال

إطلاق، ما دامت هاتان الرسالتان تؤيدان طريقة تفكير السهروردي باللغة الفارسية. وباختصار، لقد اصطنع السهروردي اللغة الفارسية لأول مرة بصورة جدية لغةً فلسفية له.

أفكار السهروردي

إن الأصول والمنابع الفكرية التي استقى منها السهروردي أفكاره لتتسع حتى لا يستوعبها مجالنا هذا، وقد تناولت الموضوع بما تيسر لي في مواضع أخرى، إلا أن مالايدرك كله لا يترك كله.

ولربما لم يحفل تاريخ الفكر الإسلامي بمسألة أهم من هذه المسألة أو أصعب منها. فالبعض يعتقدون أن السهروردي باعث الحكمة الإيرانية القديمة، على حين أن البعض الآخر لا يقولون مطلقاً بأية أهمية للمنابع الإيرانية في آثاره. سوى أني أرى أن الحقيقة أمر بين هذين الأمرين. فلا شك أن السهروردي كان على معرفة بجانب من أفكار الزرادشتية عن طريق منابع نجهلها على حقيقتها، أهي عن طريق الكتب أم مما تناقلته الصدور من الروايات؟ غير أن هذه الأفكار لا ترتبط بالزرادشتية القديمة، وإنما تتعلق بتلك الزرادشتية التي كانت سائدة في العصر الساساني.

على أننا عندما نتكلم عن الحكمة الخسروانية أو الفهلوية، أو نشاهد اسمها في آثار فلاسفة أمثال حاجي ملاهادي السبزواري مثلا، فهذا لا يعني أنه كانت هناك في إيران طبقة كبيرة من المفكرين ممن يضارعون ابن سينا والفارابي، أو كانت لهم آثار ثم اختفت فجأة بعد الفتح الإسلامي وعبثت أنامل النسيان بأفكارهم، فهذا القول لاشك غير معقول ومثل هذه الحادثة غير ممكن في تاريخ الفكر الشري.

فقد ذهبت جماعة إلى الاعتقاد بوجود تفكير فلسفي في إيران القديمة إلا أن هذا التفكير لم يدون، كما أنه لم يكن منفصلا عن الدين. وأراني شخصياً متفقا مع هذا الرأي على طول الخط، إذ لم يحدث في العهود القديمة أن انفكت الفلسفة عن الدين إلا في مكان واحد، هو اليونان القديمة أيام ارسطوطاليس أما بالنسبة للمدنيات الأخرى القديمة كالتمدن الصيني أو الياباني أو الهندي أو الإيراني، فقد كان التفكير الفلسفي ممتزجاً دائماً بالفكر الديني. وبناء على هذا، فعندما يتكلم السهروردي عن حكماء إيران القديمة، فإن الحكيم إذاً يعني المفكر العاقل العالم، فهم على ذلك أولئك الأفراد الذين كانوا يتكلمون عن (اهورامزدا = الله) و (أهريمن = الشيطان)، والوجود والعدم ونظائر ذلك، كانوا على طريق البحث عن أسرار الوجود وحقيقة الخلق. من المسلّم أنهم لم يكونوا كأولئك الحكماء الذين جمعهم الإسلام تحت لوائه في حوزاته العلمية والدينية، ممن اشتغلوا بتأليف الرسائل والكتب والبحوث المدرسية وتصنيفها، أو تركوا في الحكمة آثاراً مدونة، حتى يقال إن الفتح الإسلامي قد ذرّ عليها غبار الخذلان.

فإذا ما عدنا الآن إلى ماهو أهم من ذلك وتصدينا من جهة أخرى لمسألة المنابع الفكرية للسهروردي بمعنى الباعث الأساسي الذي بعثه على هذا النحو من التفكير، ازدادت المسألة عمقاً وصعوبة. فالواقع أن السهروردي يمثل نقطة التقاء زرادشت من جانب وأفلاطون من الجانب الآخر، وهذا الأثر الفكري الذي أحدثه في روح العرفان الإسلامي قد أسفر عن إحياء ميراثين فلسفيين متفاوتين والتقائهما معاً. والتحقيق في هذه المسألة يوضح المصير المعنوي للسهروردي وتاريخ الفكر الإسلامي، إلا أن حل هذه المسألة أيضا ليس بالأمر اليسير.

وقد أراني ميالا بعنوان التحليل لمعنوية الإسلام والعرفان الإسلامي إلى عرض الحقيقة من أن المؤسس لأكثر الأديان والباعث لها هو جريان الفيض الإلهي لاتباع هذه الأديان، يعني، بالنسبة للفرد المسيحي مثلا، فإن نور فيض الرب الذي يطلق عليه الغربيون (Grace) لا يتجلى له إلا عن طريق السيد المسيح (ع)، وهذا ما تقرره أصول الكلام والإلهيات لدى الفرق المسيحية قاطبة. أما الوحي الإسلامي فيتسع به الإمكان لتلقي الفيض الإلهي عن جريانات أنبياء آخرين أيضا، فنحن عادة ما نتوسل بسائر الأنبياء في أدعيتنا الإسلامية، كما أن أهل السنة يتوسلون بالدعاء لإبراهيم (ع) بعد الصلوات الخمس. ومحمد (ص) في نظر الإسلام شمس في سماء عالم المعنى وسائر الأنبياء بمثابة النجوم فيها. فوجود هذه الطبيعة بالذات في الكيان الديني وطريقة تفكر الوحي الإسلامي قد جعلا من الميسور إعادة بعث الكثير من أفكار ماقبل الإسلام والتعرف عليها من جديد. وعلى أي تقدير، فإن التماس بين الإسلام والثقافة اليونانية، ووجود الفلسفة المشائية الإسلامية على النحو الذي نعرفه، ثم امتزاجها بالثقافة الإيرانية الغزيرة، يعني في الواقع، التقاء (الا مشاسپندان = الملائكة السبعة المقربين) و (الفره وران =

الكائنات النورانية) الزرداشتية بالمثل الأفلاطونية على مستوى العرفان الإسلامي، الأمر الذي أحدث ظاهرة عجيبة في تفكير البشر. وما رسالة السهروردي إلا مما ينشأ في مثل هذه اللحظات الحساسة من القاء هذه الأفكار.

وفي نظري أن أهمية فلسفة السهروردي وعمقها منحصران في أنه قد قرّب بين هذين الأصلين المتباعدين ظاهرياً كل عن الآخر، بين الفكر الشرقي والفكر الغربي.

لقد سبقت المحاولة من جانب الغرب أيضاً، فأرادوا أن يربطوا بين الفكرين الشرقي والغربي، كمحاولة (Plethon) المفكر البيزنطي المعروف بميله إلى الجمع بين زرادشت والمسيح وافلاطون، وكان يقول: أنا إنسان مسيحي زرادشتي. إلا أن هذه المحاولات لم تقم لها قائمة على الإطلاق ولم تدم وماتت قبل أصحابها. على حين أن السهروردي قد أسس مدرسة لولم تكن، لم يكن هناك أدنى شك في تعرض الفلسفة المشائية، وهي ذات الجذور اليونانية الإسلامية المشتركة التي ترتبط من حيث الكيان الفكري بالفلسفة الاستدلالية اليونانية ارتباطاً عميقاً، إلى الضياع من النطاق الإسلامي، ولابتليت بمصير قد ابتليت به فعلا في الغرب.

وعلى الرغم من اعتقادي بأن تحقيق فلسفة السهروردي وتحليلها لا يقتصر على بحث أفكاره فحسب، بل الواجب أن يستوفي من أعماق روح المتفكرين الإسلاميين وزواياها، إلا أنني أرى أن أفكار السهروردي الفلسفية الخاصة لم تتناول أية فكرة رئيسية منها بالقدر الكافي من البحث والتحليل، وفي مقدمتها جميعاً، نقده المنطق الصوري الأرسطي. لقد أجربت بعض الانتقادات من جانب المتكلمين أو المتشرعين كابن تيمية. ولكن نقد السهروردي قد جاء في اتجاه مقابل تماماً، فقد أنزل المقولات العشر إلى أربع، ثم جعل من المنطق الصوري سلّماً صاعداً إلى عالم الإشراق. فإذا ما تأملنا تاريخ المنطق بعد ذلك في الغرب، ندرك ما لنقد السهروردي على المنطق الصوري الأرسطي من قيمة بالغة.

وفكرة أخرى رئيسية، هي مسألة التشكيك، التي لولم تنبع في ذهن السهروردي لما كانت مسألة واحدة – كمسألة الوجود وتشكيكة التي نشاهدها في رسائل غياث الدين منصور ومن بعده ملاصدرا – لتطرح علينا أصلا وتجد قبولا. وابن سينا لم يكن يسلم أصلاً بجواز إمكان التشكيك الذاتي. ولهذا، فقد رد علة الحركة الجوهرية من أساسها. فالارتقاء من إحدى مراتب الوجود إلى مرتبة أخرى عن طريق الحركة الذاتية الجوهرية في اعتقاده غير ممكن. فهو يعتقد بالتباين الكامل بين وجودات الماهيات المتحققة، أو بعبارة أخرى، لقد كان من القائلين بأصالة الوجود. غير أنه كان يؤمن بأن الوجود العارض على أية ماهية متباين تماما في كل الماهيات مع أي وجود آخر. وهذا لأن ابن سينا لم يستطع قبول أن يكون ما به الامتياز في شيء ما، هو الاشتراك في نفس ذلك الشيء. أما السهروردي فقد بيّن مسألة التشكيك الذاتي على أحسن وجه في مورد النور. وهذه هي نفس النظرية التي أثرت أعمق الأثر في الحكماء من بعده ودفعتهم إلى الاعتقاد بالوحدة والتشكيك.

ومسألة أخرى من المسائل البارزة في فلسفة السهروردي، وهي وحدة العلم، وهو يعتبر أن أي علم كان نوع من الإشراق. أما بخصوص العلم الإلهي فإنه يعتقد بأن وجود العالم بالذات علم إلهي، وفي رأيه أن علم الله بالعالم هو في حد ذاته أصل وجود هذا العالم. ومن هنا كانت الإضافة الإشراقية لدى الحكماء أيضاً نابعة من نظرية شيخ الإشراق، فرأي السهروردي بالنسبة للعلم الإلهي من العمق بحيث لفت إليه أنظار جميع الحكماء تقريباً من بعده، فنرى خواجه نصير الدين مثلاً في شرح الإشارات وهو أثر مشائي بحت، متبعاً للسهروردي في مسألة العلم الإلهي ثم يأتي بعد ذلك ما لاتجاه السهروردي الخاص بالإشراق والنور من أثر كبير على تاريخ العلوم الإسلامية أيضاً، لقد أعاد علم المناظر إلى الحياة مرة أخرى، فالكتاب العمدة الكبير في علم المناظر والمرايا في الإسلام هو «كتاب المناظر» لابن الهيثم المصري عالم القرن الخامس. ثم يبدأ الميل إلى هذا العلم يأخذ في الضعف في القرن السادس، حتى افتتح كمال الدين الفارسي تلميذ قطب الدين الشيرازي شارح السهروردي المعروف، بكتابه «تنقيح المناظر» فصلا مشرقاً في تاريخ هذا العلم مرة أخرى، وأوجد علماً على حدة يختص بقوس قزح.

هذا الميل من جديد والإقبال مرة أخرى على مسألة الإبصار والنور لاشك ثمرة انتشار حكمة الإشراق والاعتقاد بالنور كأصل للوجود، وكوسيلة لكسب العلم لدى السهروردي. وعلى هذا المستوى تنشأ رابطة مباشرة بين علم النفس وعلم المرايا، شبيهة بمدرسة «الجشتالت» النفسية الحديثة الحائزة على الأهمية الخاصة بالنسبة للفن وفلسفته أيضاً.

ومسألة أخيرة مهمة مادمنا في صدد السهروردي، مسألة قد ألقت ظلالها على القرون الفلسفية الإسلامية من بعد، وأسهمت بصورة أساسية في فلسفة ملاصدرا أيضاً، وهي مسألة الخيال وأهميته بالنسبة لعلم الكون وللمعرفة. فالسهروردي، أول من أشار إلى ذلك العلم في تاريخ الفلسفة الإسلامية، وأكد على أهميته بالنسبة لمعرفة العالم الخارجي. سوى أن الخيال في نظر السهروردي، على خلافه لدى ملاصدرا، ليس عالما منقطعاً. إن الاتجاه إلى عالم الخيال يمثل جانباً من جوانب الفلسفة السهروردية، ويتعامل مع الصور في عالم الطبيعة والفن ويلتقي في وجة الشبه مع فلسفات «الجشتالت» و «الفورم» اليوم أيضاً.

أهمية السهروردي اليوم

لئن ظل السهروردي دائما يحتل المكان الأول من الاهتمام والعناية في إيران والبلاد الدائرة في فلكها، وظل النور في أوج إشراقه من مصباح السهروردي أينما فتح كتاب الحكمة في هذه البلاد المنتجة للكلمة، فهذا لأنه قد أقام القنطرة المتينة بين مرحلتين من عمر هذه الأمة العريقة في مضامير الفكر ووحّد بين الأفكار الإيرانية القديمة والحكمة والعرفان الإسلامي.

إلا أن شيخ الإشراق إشراقه لا يقتصر على شرق دون غرب أو يستطيع مكان أن يحصره ويختص به دون سائر الجهات، فهو كلي مشاع في عالم الفكر عامة، وفي هذا النطاق الذي تجتازه المآذن المكبرة بأصواتها، المتلاحقة بين الدقيقة والأخرى، وهذا لأنه أولا: أول من رفا بأنامله العارفة وخيوط أفكاره النورانية ثوب الفلسفة ولاءم شقيها فجمع الميراثين الفلسفيين القديميين المختلفين شرقاً وغرباً في حجر الإسلام.

ولأنه ثانيا: أول حكيم يعانق بروحه قلل الفكر الشامخة في آفاق الحقيقة فوق سحب القول، وهناك يتوافر له الإمكان في ربط الكلام والفكر الإنساني بالكلام والفكر الإلهي، فيربط الحكمة بالقرآن الكريم بأمتن العرى وأجمل الوشائج، فلا نراه في فقرة من أثر من آثاره إلا متدرجاً صاعداً حتى يتوج مسيرته الفكرية بالآية القرآنية مستشهداً بها في جلالها وعظمتها.

ولأنه ثالثا: صالح الإنسان مع نفسه، وجمع شقيه إلى بعضهما فأحيا الرابطة العميقة بين العقل والعرفان، أو بمعنى آخر بين المنطق والعشق. ثم إنه قدم لنا هذه الرابطة التي تؤكد أصالة نبوغ الفكر الإسلامي، وعرض لنا هذا التآلف والانسجام بين العقل والعرفان والدين، في آثاره الجميلة بطريقة لا تقصر في الإعلان عن روعتها في كل كلمة تقبلها عين القارئ أو تعانقها روحه بذراعي فكره وقلبه. وأخيرا وليس آخراً، ولأن السهروردي هو الذي جعل الفلسفة الإسلامية إسلامية بالمعنى الأعمق عما كانت عليه من قبله.

والله أعلم بالصواب!

* - باحث و مفكر و جامعي ايراني.



[ Web design by Abadis ]