ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 الاتجاه النقدي عند الشهرستاني \ د. محمد حسيني أبو سعدة *

ملخّص

محمد بن عبد الكريم الشهرستاني (ت ٥٤٨هـ) صاحب كتاب (الملل والنحل) يمتاز بفكره المستقل ومدرسته الفريدة القائمة على الالتزام بالقرآن والسنّة مع رفض التقليد. استوعب أفكار زمانه، لكنه لم يقلّد مدرسة فكرية معينة، بل وقف منها موقف الناقد البصير، ولم يركن الى الجوّ السائد آنئذ، بل تعمّد أحيانا الى نقده من أجل تحريك مسيرة الفكر كما فعل مع ابن سينا. يمتاز نقده بالموضوعية والعقلانية والأمانة العلمية، وإن كبا أحياناً في أحكامه. وله تفسير باسم (مفاتيح الاسرار ومصابيح الأبرار) تبرز فيه ثقافته الدينية وولاءه لآل بيت رسول الله (ص) كما يظهر من التعليقات المضافة من التحرير على المقال.

تقتضي منهجية البحث أن أعرض لهذا الاتجاه النقدي من حيث خصائصه ودوافعه ومصادره، من خلال بعدين رئيسيين: أحدهما، أتناول فيه خصائص هذا الاتجاه والدوافع التي دعمت هذا الاتجاه عند الشهرستاني وعززته وأثرته … والبعد الثاني: مصادر الفكر النقدي عنده.

ـ

* - استاذ جامعي مصري.

البعد الأول – خصائص الاتجاه النقدي ودوافعه عند الشهرستاني

أولاً: خصائص الاتجاه النقدي عنده:

١ - لعل أهم ما يلحظه الباحث في فكر الشهرستاني من خلال مؤلفاته التي بين أيدينا، هي تلك الموضوعية التي تعد من أخص خصائص الروح العلمي للمفكر عامة، ولذوي الاتجاه النقدي على وجه الخصوص. ذلك أن هذه الموضوعية هي التي تضفي على انتقاداته ما يمكن أن يقدر لها من قيمة وأهمية، فضلاً عن أنها تدعم مشروعية النقد وتضمن له أن يحظى لدى الآخرين بدرجة من التقدير أقل ما توصف به أنها تلزمهم بقبوله والإذعان له.

وموضوعية الشهرستاني، حقيقة لم يختلف عليها الباحثون في فكره (*). وتتبدى لنا هذه الموضوعية في مظاهر عديدة، سواء في مواقفه مع بعض أصحابه من الأشاعرة وأهل السنة، أو في مواقفه النقدية مع خصومه والمخالفين لمذهبه وما يصدره عليهم وعلى آرائهم من أحكام. فهاهو مثلاً في كتابه «مصارعة الفلاسفة» يقدم لنقده مذهب ابن سينا بقوله: «فاخترت من كلامه في إلهيات «الشفاء» و «النجاة» و «الإشارات» و «التعليقات» أحسنه وأتقنه، وهو ما برهن عليه وحققه وبينه. وشرطت على نفسي ألا أفاوضه بغير صنعته، ولا أعانده على لفظ توافقنا على معناه وحقيقته، فلا أكون متكلماً جدلياً أو معانداً سوفسطائياً. فأبتدئ في بيان التناقض في فصوص نصوصه لفظاً ومعنى، وأردفه بكشف مواقع الخطأ في متون براهينه مادة وصورة» [١].

ـ

* - بل اختلف فيه الباحثون، وممن طعن فيه من معاصريه: البيهقي (تتمة صوان الحكمة / ١٤٠) والخوارزمي (معجم البلدان ٥ / ٣١٤ – ٣١٦) والسمعاني (التحبير) في المعجم الكبير / ١٦١) ومن غير معاصريه طعن فيه الامام الفخر الرازي (المناظرات / ٢٥ – ٢٧) ونصير الدين الطوسي (مصارعة المصارعة)، ولا يفوتنا أن نذكر من المعاصرين العلامة الاميني، إذ عقد فصلا في كتاب (الغدير) سماه (مخاريق الشهرستاني)، (الغدير في الكتاب والسنة والأدب ٣ / ١٤٢ – ١٤٧) (التحرير).

وسوف نرى خلال هذا البحث كيف التزم الشهرستاني بما اشترطه على نفسه مسبقاً من موضوعية، سواء في عرض مذهب خصمه ابن سينا ونقده له من واقع نصوصه وآرائه، أو فيما يوافقه عليه من معاني وأفكار تحملها دلالات الألفاظ والمصطلحات المستخدمة في كل مسألة.

وإذا كان الشهرستاني قد سار على نهج الغزالي في معارضته للفلاسفة ونقده لكثير من آرائهم، إلا أنه لم يتجاوز حد النقد إلى حيث تكفيرهم كما فعل الغزالي. وحسبه أنه كان أكثر دقة وموضوعية في الكشف عن مغالطات الفلاسفة في تعبيراتهم وفي أغاليطهم فيما تكلفوه من مصطلحات [٢]. والحق أن التساهل في إصدار أحكام بالكفر على المسلمين فرادى أو جماعات دونما رجوع في هذه الأحكام إلى مصادر يقينية في الشريعة، إنما هو ضرب من التجني، لا على من تقع عليهم هذه الأحكام فحسب، بل وعلى الشريعة الإسلامية ذاتها. ولئن كان مثل هذا الاتجاه – وخاصة في العصر الحاضر – يأخذ في ظاهره طابع الحماس الديني غيرة على الاسلام؛ إلا أنه في حقيقته وتأدياته – في نظرية – يضر بالإسلام وأهله، إذ يشيع من الفتنة والتمزق بين المسلمين مالا يحمد عقباه.

ومما يدعم اتجاه الشهرستاني إلى عدم تكفير أحد من المسلمين، ما يقرره عند استعراض أصناف المجتهدين من أصحاب الحديث وأصحاب الرأي، حيث يقول «اعلم أن بين الفريقين اختلافات كثيرة في الفروع ولهم فيها تصانيف، وعليها مناظرات. وقد بلغت النهاية في مناهج الظنون حتى كأنهم قد أشرفوا على القطع واليقين. وليس يلزم من ذلك تكفير ولا تضليل بل كل مجتهد مصيب» [٣].

وكذلك تبدت موضوعيته في موقفه من المعتزلة. وبالرغم من أنه وقف على مؤلفات خصومه التي تتضمن الهجوم عليهم ونقد آرائهم، فإنه لم يشأ أن يبني آراءه النقدية ضد المعتزلة على ما تضمنته هذه المؤلفات، وإنما ألزمته موضوعيته أن يعتمد في نقده لهم، على آرائهم هم، تلك التي ضمنوها كتبهم ومؤلفاتهم التي لاشك في نسبتها إليهم. مثال ذلك أنه يذكر في كتابه «الملل والنحل» آراء لبعض المعتزلة كثمامة بن أشرس والجاحظ، ولبعض الذين خرجوا عليهم كأحمد بن خابط وفضل الحدثي، مما اعتبرت في نظره ونظر خصوم المعتزلة آراء خاطئة تستأهل التفنيد والنقد. يذكرها على لسان ابن الراوندي، بما يفيد إطلاعه على مؤلف هذا الأخير: «فضيحة المعتزلة» الذي ضمنه ما اعتبره من آراء المعتزلة فضائح يثير بها مفكري الاسلام ضدهم [٤]، يذكر الشهرستاني هذه الآراء على سبيل التأريخ، ولا يعول عليها في معرفة آراء المعتزلة أو نقده لهم مثلما عول عليها عبد القاهر البغدادي مثلاً، بل إن جل ما يذكره من هذه الآراء لا يرجع فيه إلى كتاب ابن الراوندي ولا إلى كتاب البغدادي [٥].

وما كان للشهرستاني أن يعول على كتاب ابن الراوندي وهو يعلم مدى عداوته للمعتزلة، وذلك لأنه يعتقد بيقين أن نقد الرأي أو الفكرة لا يجوز أن ينبني على ما وردت عليه هذه الفكرة عند خصومها، بل على الصورة التي وردت بها عند أصحابها مباشرة. وعلى هذا، فإن الرأي القائل بأن «كتاب السنة كالبغدادي والشهرستاني كانوا في ردهم على المعتزلة وكلامهم عنهم، يعتمدون كثيراً على كتب الرافضة ويقتبسون منها، ولاسيما كتاب «فضيحة المعتزلة» لابن الراوندي» [٦] هو عندي – رأي إن صح بالنسبة للبغدادي، فلا يصح بالنسبة للشهرستاني. أو هو على الأقل مما يعوزه الدليل. خاصة إذا علمنا أن الشهرستاني في ردوده واعتراضاته على المعتزلة في كتابه «نهاية الأقدام» لا يتعرض لكثير من الآراء الشاذة التي نسبها ابن الراوندي الى الجاحظ والنظام، وإن كان يتعرض لآراء غيرهم ممن خرجوا على المعتزلة …

والغريب في الأمر أن صاحب ذلك الرأي الطاعن في الشهرستاني هو نفسه الذي يقول عنه في موضع آخر: «ان الشهرستاني أكثر المؤرخين نزاهة وأعفهم لساناً، وأرحبهم صدراً، وأبعدهم نظراً» [٧]. ولست أدري كيف تتسق النزاهة وبعد النظر مع تزييف آراء مفكرين أو فرقة حين تؤخذ هذه الآراء عن خصومهم، دون أن نتلمسها عند أصحابها الحقيقيين.

ولقد اقتضت موضوعية الشهرستاني أيضاً، ألا يجاري أسلافه من الأشاعرة في خصومتهم اللدودة للمعتزلة [٨] وسوف نرى أن آراءه في بعض المسائل التي تناولها بالبحث والدرس وانتقد بها آراء مخالفيه، كان يميل فيها إلى آراء للمعتزلة، بعد أن يعدل فيها بحيث تأخذ طابعاً أشعرياً فلا تنسب إلا إليه، ولعل أوضح الأمثلة على ذلك؛ موقفه من مسألة صلة الذات بالصفات وميله إلى القول بالأحوال التي قال بها أبو هاشم الجبائي المعتزلي، ولكن بعد تعديلها كما قلت.

وثمة مظهر آخر من مظاهر موضوعية متكلمنا أبي الفتح، وتتمثل في أنه عندما قصد إلى وضع مؤلفه الخاص «الملل والنحل» آثر أن ينبه الأذهان إلى مسلكه في هذا الكتاب مشيراً إلى التزامه بهذه الموضوعية حيث قال: «… وشرطت على نفسي أن أورد مذهب كل فرقة على ماوجدته في كتبهم، من غير تعصب لهم، ولا كسر عليهم، دون أن أبين صحيحه من فاسده، أو أعين حقه من باطله، وان كان لا يخفى على الأفهام الذكية في مدارك الدلائل العقلية لمحات الحق ونفحات الباطل [٩].

ولا يقدح في هذا ما على الشهرستاني من مآخذ في هذا المؤلف من حيث نسب فكر بعض فلاسفة اليونان الأقدمين إلى معين النبوة وأخذهم عنه، أو من حيث رد مذهب معظم الفرق الاسلامية إلى شبهة إبليس في احتكامه إلى العقل في مقابلة الأمر الإلهي. أقول إن هذه المآخذ لا تقدح في موضوعية الشهرستاني لأنها إذا قورنت بباقي آرائه وأحكامه الأخرى لغلبت دقته وموضوعيته في هذه على تساهله ومغالاته في تلك.

وكمثال أخير، يدعم ما توفر عليه فكر الشهرستاني في صورتيه الإيجابية والنقدية، رده على المعتزلة فيما ألزموه عليه من آراء له اعتبروه فيها متابعاً للفلاسفة حيث قال: «إن المعاني العقلية إذا لاحت حسية كالشمس، وجب اعتقادها ولزم اعتقالها من غير التفات إلى مذهب دون مذهب» [١٠].

وليس أكثر من هذا النص دلالة على التزامه بالحق واعتناقه له حتى وإن كان مما يقول به خصمه، وتلك هي الموضوعية في جوهرها. أما الزعم بأن موضوعية الشهرستاني وحياده، مجرد دعوى وتمويه [١١]؛ فهو زعم باطل، فوق أنه مما يعوزه الدليل، بل أكثر من دليل.

ولقد عبر ابن الجوزي عن ذلك بقوله: إن من أقبح القبيح في المناظرة أن يتبين للمناظر الصواب مع خصمه، ولا يرجع، ويضيق صدره كيف ظهر الحق مع خصمه، وربما اجتهد في رده مع علمه أنه الحق. وقد قال الشافعي رحمه الله. ما ناظرت أحداً فأنكر الحجة إلا وسقط من عيني. ولا قبلها إلا هِبْته، وما ناظرت أحداً فباليت مع من كانت الحجة، إن كانت معه صرت إليه [١٢].

٢ - وثمة خاصية أخرى من خصائص فكر الشهرستاني والاتجاه النقدي عنده، وهي التي تتمثل في نبذه التقليد لما فيه من إمّعية من جهة، وقدح في قدرات العقل وإمكاناته من جهة أخرى. «وليس يرضى عاقل بأن يعتقد مذهباً على غير بصيرة، وأن يسلك طريقاً من غير بينة» [١٣]. والحق أن التقليد في مجال الفكر، فضلاً عن أن فيه إلغاءً للعقل ومبادراته الممكنة، فإنه في الوقت نفسه يضع سلاسل وأغلالاً تحول دون التقدم خطوة نحو التجديد. وهذا في ذاته، يعد أكبر لطمة توجه إلى العقل الإنساني [١٤].

ولا يتسق التقليد في الآراء والمذاهب الفكرية مع الاتجاه النقدي بحال من الأحوال، لأن المقلد إذا كان قد ارتضى لنفسه التبعية دونما إعمال للعقل حتى في فهم ما يعتنقه تقليداً. فكيف يسوغ له منطقاً أو يتحقق له اقتداراً نقد آراء الآخرين؟ «إن العمل النقدي فوق أنه يتطلب فهماً دقيقاً وتمثلاً واعياً من جانب الناقد، لمذهبه هو أولاً، فإنه يستوجب فهماً واستيعاباً بنفس الدرجة لآراء ومذاهب الآخرين ممن يزمع توجيه انتقاداته إليهم.

وإذ يدرك الشهرستاني عدم جدوى التقليد نراه يقول: «… وربما يكون المستفيد من غيره مقلداً، قد وجد مذهباً اتفاقياً بأن كان أبواه أو معلّمه على اعتقاد باطل فيتقلّده منه دون أن يتفكّر في حقه وباطله، وصواب القول فيه وخطئه، فحينئذ لا يكون مستفيداً، لأنه ماحصل على فائدة وعلم، ولا اتبع الأستاذ على بصيرة ويقين [١٥].

وليس المقصود بنبذ التقليد، رفض كل الآراء والأفكار ووجهات النظر التي يقول بها الآخرون حتى وإن تضمنت حقاً وصواباً، وإلا كان مجرد تعنت وسفسطة لا طائل من ورائها، وإنما المقصود برفض التقليد ونبذه، ألا يسلم المرء دجماطيقياً بما يطرح عليه أو يعرض له من آراء أو دعاوى أو أفكار إلا بعد أن يمحصها ويزنها بمحك النظر، ويسبر غورها ليتعرف على ما تضمنته من حق لا يمتنع أن يأخذ به، ومن باطل يلزمه برفضه والعدول عنه طالما يجد لديه من المبررات والحجج ما يبرر به هذا الرفض.

ولم يخرج الشهرستاني في كل جولاته النقدية مع المتكلمين والفلاسفة عن هذا الإطار، بل كان على وعي كامل بما يقبله وما يرفضه من آراء، مدعماً موقفه في كلتا الحالتين بالحجة والبرهان.

ولقد أدى به رفضه للتقليد إلى الإيمان بإمكانات العقل وضرورة إعماله في مجال الفقه والاجتهاد في الأحكام قياساً واستنباطاً. ولذا يقول في هذا المجال… «إنا نعلم قطعاً ويقيناً أن الحوادث والوقائع في العبادات والتصرفات مما لا يقبل الحصر والعد، ونعلم قطعاً أيضاً، أنه لم يرد في كل حادثة نص، ولا يتصور ذلك أيضاً. والنصوص إذا كانت متناهية والوقائع غير متناهية، ومالا يتناهى لا يضبطه ما يتناهى؛ علم قطعاً أن الاجتهاد والقياس واجب الاعتبار حتى يكون بصدد كل حادثة اجتهاد» [١٦].

إذا علمنا مثلاً أن الحشوية كانوا يقفون عند ظاهر الآيات والنصوص الدينية، ولا يسمحون بالاجتهاد والتأويل، ويلغون دور العقل [١٧]، فلا غرابة أن نجد الشهرستاني ينتقدهم ويرفض موقفهم هذا موضحاً خطأ مستنده في هذا الموقف فيقول «ومن أصحاب الظاهر مثل داود الأصفهاني وغيره، من لم يجوز القياس والاجتهاد في الأحكام… وظن أن القياس أمر خارج عن مضمون الكتاب والسنة ولم يدر أنه (أي القياس) طلب حكم الشرع من مناهج الشرع» [١٨]. وذلك أن الأصفهاني هذا، لم يعترف إلا بالكتاب والسنة والإجماع أصولاً، دون القياس الذي رفضه ولم يعترف به، فأراد متكلمنا أن يوضح له خطأ ماذهب إليه.

والشهرستاني يدعم موقفه من الاجتهاد بقوله إنه لم تنضبط قط شريعة من الشرائع إلا باقتران الاجتهاد بها، لأن من ضرورة انتشار الشريعة في العالم، الحكم بأن الاجتهاد معتبر. ثم اننا رأينا الصحابة (رضي الله عنهم) كيف اجتهدوا، وكثيراً ما استخدموا القياس وخصوصاً في مسائل المواريث [١٩].

وما كان للشهرستاني أن يرفض موقف الحشوية إلا لإيمانه بيقين أن التمسك بظواهر الشرع ونفي أن يكون للعقل مدخل في التشريع اجتهاداً، إنما يمثل اتجاهاً لا عقلياً، يبتعد عن روح الإسلام ابتعاداً واضحاً. فالإسلام، بل كل شريعة من الشرائع لا تنضبط ولا تنتشر إلا إذا كانت تعول – ضمن ماتعول – على العقل والاجتهاد [٢٠].

ويمكن القول بأن الاعتداد بالعقل في مواجهة التقليد ومواجهة التسليم المطلق بالنص الديني عند الحشوية والظاهرية، كان سمة عامة لا لفكر الشهرستاني فحسب، وإنما لفكر كثير من كبار الأشاعرة أيضاً أمثال الباقلاني والجويني، والغزالي، وغيرهم ممن جاء بعد الشهرستاني أمثال الفخر الرازي وعضد الدين الإيجي. ومن هنا حق القول بأن مذهب الأشاعرة الذي أراد له مؤسسه أن يكون إلى جانب النقل أميل منه إلى العقل، أصبح يستند معظم متكلميهم إلى العقل، وأدلته، وما يفضي إليه من آراء [٢١].

ويكفي القول فيما يتعلق بموقف الشهرستاني من التقليد ورفضه، واعتزازه بالعقل في مواجهته، إنه مكّن له استقلالاً في شخصيته العلمية، انعكست آثاره على مواقفه النقدية وأبعادها المختلفة، ومن ثم فلا غرابة إن وجدنا لديه آراء وأفكاراً يخالف بها بعض أصحابه من الأشاعرة في مواجهاتهم لخصومهم من أصحاب الفرق

والمذاهب الأخرى (*). وهو ما يمكن معه القـول بـأن أبا الفتح قد ضمن لنفسه بنبذة التقليد طلاقة الفكر وحريته فيما يذهب إليه، وفيما يميل إليه من آراء، وما يميل عنه منها. ومن ثم لم يخل فكره الإيجابي أو النقدي من لمحات تجديد وإبداع. وإذا كان الإبداع في مجال العلوم الانسانية لابد أن يقوم على الذاتية والتفكير الحر المستقل، وكان التقليد على النقيض إذ يلغي عند المقلد ذاتيته العاقلة الخلاقة من حيث تنازل عنها بتقليده [٢٢] إ فإن الشهرستاني كان بحق مبدعاً مجدداً بوجه ما من الوجوه.

٣ - وتأتي من بعد ذلك خاصية أخرى من خصائص فكر الشهرستاني وما حواه من اتجاه نقدي. هي تلك الخاصية التي تتمثل في الأمانة العلمية. والصلة بين الأمانة العلمية والعمل النقدي مما لا ينكر وثاقتها أحد، ذلك أن المفكر الناقد إذا كان يلقي إلى الساحة بآرائه النقدية آملا في أن تحظى بالقبول والتقدير، فلابد لهذه الآراء من أن تكون مبنية في الأساس على أصول المذهب المنتقد، مستقاة من مصادرها الأصلية المباشرة كلما أمكن ذلك، ولا يقوم مثل هذا البناء، إلا إذا عرضت هذه الأصول ومضامينها بأمانة تامة دونما تحريف أو تزييف يراد بها سهولة نقدها وبيان تهافتها. ومن ثم، فإنه بقدر ما يكون الناقد أميناً في عرض المذهب أو الرأي الذي يتناوله تفنيداً ونقداً، وأميناً في سوق مبررات أصحابه وأدلتهم عليه، بقدر ما يلقى نقده هذا قبولاً واقتناعاً من جانب الآخرين وبقدر ما ينظر إليه تاريخياً على أنه عمل ذو قيمة.

والحق أن الشهرستاني كان أميناً إلى أقصى درجة ممكنة، فيما عرض له من مذاهب وآراء، سواء كان هذا العرض بقصد التأريخ أو كان بقصد التحليل والنقد. والناظر في كتاب «الملل والنحل» مثلاً، لاشك يدرك أن الشهرستاني كان ملماً

ـ

* - هذا يدلّ على أن الرجل – وإن عاش ودرس في بيئة أشعرية، لم يلتزم بالمذهب الاشعري، ولذلك لا يصحّ أن نعتبره من متكلمي الاشاعرة، فله مدرسته الكلامية الخاصة، ويتضح ذلك أكثر في تفسيره (مفاتيح الاسرار ومصابيح الابرار) انظر الجزء الاول المطبوع منه، منشورات مركز احياء التراث المخطوط، طهران (التحرير)

بتاريخ الفرق الاسلامية وآرائها الماماً دقيقاً، وعرض له عرضاً أميناً منصفاً بدرجة جعلت الباحثين منذ القرن الماضي يعوّلون عليه كثيراً، بل ولا يزالون يعولون عليه حتى اليوم، في معرفتهم بمذاهب هذه الفرق أو غيرها من المذاهب الأخرى [٢٣].

وقد سبقت الإشارة إلى أنه في هذا الكتاب قد شرط على نفسه أن يورد مذهب كل فرقة على ماوجده في كتب أصحابها دونما تعصب لهم أو كسر عليهم، ثم يؤكد ذلك بقوله: «…. هذا ما وجدته من مقالات أهل العالم، ونقلته على ما وجدته، فمن صادف فيه خللاً في النقل فأصلحه أصلح الله عزّوجل بفضله حاله، وسدد أقواله وأفعاله» [٢٤].

وواضح في النص أنه يفسح مجالاً للحد الأدنى – على الأقل – من الخطأ الذي يمكن أن يلحق بالانسان في أقواله وأعماله، فكل بني آدم خطاؤون. وهو يعترف أيضاً بأنه ماكان له في تصنيف هذا الكتاب كثير تصرف، سوى استيعاب المقالات كلها، وحسن الترتيب، وجودة النقل [٢٥].

وكذلك تظهر أمانة الشهرستاني العلمية في كتابه النقدي «نهاية الأقدام» وإذا كانت دلالات ما أذهب إليه هي مما سيتضح لنا خلال مواضع كثيرة من هذا البحث، ولا مجال لذكرها الآن، فإن ذلك لا يمنع من الإشارة إلى بعض هذه الدلالات على سبيل المثال – ذلك أنه بعد أن يكشف عن المصادر التي استقى منها المعتزلة قولهم بشيئية المعدوم، نراه يقول «ولولا أني التزمت على نفسي في هذا الكتاب (نهاية الاقدام) أن أبين مصادر المذاهب ومواردها واشتراك منتهى أقدام العقول في مسائل الأصول، لَمَا أهمَّني كشف الأسرار وهتك الأستار» [٢٦].

ولعل أبرز الدلالات على أمانته العلميّة ذلك النهج الذي سار عليه في كتابه «مصارعة الفلاسفة» الذي خصصه لنقد آراء فلاسفة الاسلام المشائين في مسائل عديدة، وإن كان يصوب نقده أساساً إلى ابن سينا منهم بالذات. إدراكاً منه ووعياً بأن مذهب الشيخ الرئيس يمثل غاية ما وصلت اليه الفلسفة الإسلامية في المشرق، وهو يشير إلى ذلك في «الملل والنحل» عند عرض مذهبه، فيقول «وإنـّما علاّمة القوم، أبو الحسن بن عبد الله بن سينا… ولما كانت طريقته أدق عند الجماعة ونظره في الحقائق أغوص، اخترت نقل طريقته من كتبه على إيجاز واختصار كأنها عيون كلامه ومتون مرامه، وأعرضت عن نقل طرق الباقين. وكل الصيد في جوف الفرا» [٢٧].

أما في «مصارعة الفلاسفة» فنجده قبل أن ينتقد آراء ابن سينا في مسألة من المسائل يعرض هذه الآراء بنصوصها في غاية الدقة والأمانة، وكما وردت في مؤلفات الشيخ الرئيس مشيراً أحياناً كثيرة إلى إسم المصدر أو المصنف الذي وردت به هذه النصوص. وأشهد أنني بمقارنة ماذكره الشهرستاني، بما ورد في هذه المصادر، لم أجد أي تحريف في النص ولا زيادة عليه ولا نقصاناً. وهو لا يغفل عن أن يقدم على النص بقوله: «قال ابن سينا في الشفاء» أو في «النجاة» أو في «التعليقات» وهكذا [٢٨].

٤ - ولا ينبغي أن نغفل بحال عن خاصية أخرى هي أرضية أساسية لأي فكر نقدي، وهي في نفس الوقت تثري العمل النقدي وتدعمه، وتتمثل فيما ينبغي أن تتوفر عليه شخصية المفكر من حس نقدي يتلمس بواسطته مافي الآراء والأفكار من حق وباطل، وصواب وخطأ وما يجوز تقبله عقلاً وما لا يجوز. وبمعونة الحس النقدي أيضاً، يستلهم الناقد ما يصدره على هذه الآراء والأفكار من أحكام وصفية أو نقدية.

وقد توفرت شخصية الشهرستاني العلمية على هذه الخاصية بدرجة أقل ما توصف به أنها مكّنت لبعض أحكامه أن تكون بمثابة مأثورات يستعين بها الباحثون في دراساتهم ومباحثهم لِما أوجدوا فيها من الدقة ما تستأهل به أن يعتنقوها دونما حرج أو حذر، يقلل من استحقاقها بالتقدير والتأييد. ولنضرب على ذلك أمثلة تدعم صحة ما أذهب اليه. فهو مثلاً يكشف عن طبيعة العلاقة بين مذاهب أكثر الفرق الاسلامية بعضها ببعض فيقول: «الفريقان من المعتزلة والصفاتية، متقابلان تقابل التضاد وكذلك القدرية والجبرية والمرجئة والوعيدية، والشيعة والخوارج، وهذا التضاد بين كل فريق وفريق، كأنه حاصل في كل زمان [٢٩] ». والحق هو ماذهب اليه الشهرستاني…

وكذلك حكمه على أبي الهذيل العلاف، والذي يقول فيه بأنه «شيخ المعتزلة، ومقدم الطائفة، ومقرر الطريقة والمناظر عليها». ثم يقوّم موقفه من مسألة القدر فيقول: «قوله في القدر مثل ماقاله أصحابه، إلا أنه قدري الأولى، جبري الآخرة» [٣٠]. على غاية من الإيجاز كذلك.

وبالحس النقدي أيضاً، أمكن له أن يدرك مافي أقوال ابن سينا وأفكاره من تناقض فيما بينها وبين بعضها البعض (*). وحسبي أن أحيل في هذا إلى كل مواقفه النقدية التي يتضمنها هذاالبحث مما لا يخالجنا معها شك في مدى ما تمتع به هذا الحس عنده من قوة. وقد أضرب على ذلك هنا مثلاً واحداً على الأقل. فهو عندما عرض لما قدم به ابن سينا لمذهبه في الوجود، أدرك أن تقسيمه للجوهر لم يكن تقسيماً محكماً ولا حاصراً يستوفي كل أقسام الجوهر ولا كل أقسام الوجود. فيقول: «وقد أغفل التقسيم الذي أورده ابن سينا أقساماً من الجوهر، وهي الجواهر الثانية من الأنواع والجواهر الثالثة من الأجناس. ولم يستوعب جميع أجناس الجواهر. بل إنه لم يذكر تقسيماً يستوفي جميع الموجودات بأنواعها وأشخاصها، وجواهرها وأعراضها حتى يتبين بالقسمة العقلية إمكان وجودها وبالبرهان العقلي وجودها» [٣١].

ويتبدّى حسه النقدي أيضاً عندما يقدم لتصنيفه لأهل الفرق والمذاهب والمقالات بقوله: «من المعلوم الذي لا مراء فيه، أن ليس كل من تميز عن غيره بمقالة ما، في مسألة ما، يعد صاحب مقالة، وإلا فتكاد تخرج المقالات عن حد الحصر

ـ

* - الهدف الأول للشهرستاني من كتاب (المصارعة) هو كسر الجمود الذي خيّم على جوّ الدراسات الفلسفية بعد ابن سينا، كما يذكر هو في مقدمة الكتاب، أما إنه استطاع أن يدرك مافي أقوال ابن سينا من تناقض فهو كلام فيه تأمّل وتعوزه الدقة (التحرير).

والعد. ويكون من انفرد بمسألة في أحكام الجواهر مثلاً، معدوداً في عداد أصحاب المقالات» (*).

ويرى أنه لابدّ من ضابط في مسائل هي أصول وقواعد، يكون الاختلاف فيها اختلافاً يعتبر مقالة، بحيث يعدّ صاحبه صاحب مقالة، ومن ثم يعيب على المصنفين للمقالات قبله أنهم لم يعتنوا بتقرير هذا الضابط، وإنما استرسلوا في إيراد مذاهب الأمة كيف اتفق، وعلى الوجه الذي وجد، لا على قانون مستقر وأصل مستمر [٣٢].

وقد ألزمه هذا بأن يضع لمن شاء التصنيف والتأليف قواعد وشروطاً أشار إلى بعضها حيث قال - فيما يذكره له البيهقي - «من شرط المصنف أن يحترز عن الزيادة على مايجب، والنقصان مما يجب، وتقديم ما يجب تأخيره، وتأخير مايجب تقديمه» [٣٣].

ولعل هذا الحس النقدي، هو الذي مكّن له أن يدرك ما للحوار والمناظرة من قيمة علمية حيث تكشف عما في العقول من قدرات خاصة، ماكان لها أن تتكشّف بدون هذه المطارحات، يقول الشهرستاني: «إنما يسبر غور العقل، وتبين قيمة الرجل، عند مناجرة الأقران، ومبارزة الشجعان والاختبار يظهر خبيئة الأسرار، وبالامتحان يكرم المرء أو يهان» [٣٤]. والحق أن الشهرستاني كان يتمتع بقدرة فائقة على الحوار والمناظرة، متمكناً من الأساليب اللازمة للحجاج، وإن كان قد أفاد كثيراً من «منهج أشعري سابق عليه هو أبو بكر الباقلاني» [٣٥].

وقد عبر (كارادي فو) عن خاصية الحس النقدي عند الشهرستاني بقوله: «إن الشهرستاني بالنسبة لتحليل المذاهب كان دقيقاً جداً، وموضوعياً للغاية بصفة عامة» [٣٦].

ـ

* - الشهرستاني في ذكره اصحاب المقالات بكتابه (الملل والنحل) لم يلتزم بهذا تماما، فقد أشار الى كثير من أصحاب النحل ممن لا داعي لذكر اسمه باعتباره صاحب نحله، إذ كان فقط له رأي خاص في مسألة خاصة، والامثلة على ذلك كثيرة (التحرير)

٥ - تلك كانت أهم الخصائص التي تمتع بها فكر الشهرستاني عامة، والنزعة النقدية فيه بوجه خاص. غير أن هذه الخصائص ما كان لها أن تؤتي أكلها، مالم تتوفر شخصية صاحبها على ثقافة عريضة وعلم وافر بالمقالات والمذاهب المختلفة التي يتعرض لها بالتفنيد والنقد. وسعة ثقافة الشهرستاني أمر لا شك فيه، وماكان يسوغ لنفسه أن يصوب سهام نقده إلى أي من المذاهب والفرق التي استهدفها بهذا النقد مالم يكن على بصيرة بمضامينها وتأدياتها، خاصة وأنه انتقد معظم فرق المتكلمين وعلى رأسهم المعتزلة، وجمهور فلاسفة الاسلام المشائين وعلى رأسهم ابن سينا، فضلاً عن نقده لبعض مذاهب ومقالات غير الاسلاميين كالثنوية والصابئة والدهرية وغيرهم.

أما ثقافته الشمولية التي جمع فيها معرفته بالعلوم والأديان والفلسفات والمذاهب على اختلافها، فأصدق دليل عليها كتابه «الملل والنحل» ومن ثم حق لابن تيمية أن يقول عنه «إنه أجمع من أكثر الكتب المصنفة في المقالات، وأجود نقلاً» [٣٧].

وربما كان أدق ما حواه هذا الكتاب من علم ومعرفة هو ما اختص بمذاهب الاسلاميين متكلمين وفلاسفة ومن ثم اعتبر «أهم كتاب وضع في علم الفرق الإسلامية» [٣٨].

وليس ما يمنع من القول بأن الشهرستاني قد استهدف بتأليفه هذا الكتاب – فيما استهدف – أن يثبت عمق فهمه وتمثله الواعي لمذهب المتكلمين والفلاسفة وغيرهم، توطئة لنقده مايخالف منها مذهبه، وكأنه بهذا المسلك قد شاء أن يكون بمنأى عن النقد الذي كان الغزالي قد وجهه إلى المتكلمين الذين ردوا على الفلاسفة من قبل، حيث قال: «لا يقف على فساد نوع من العلوم من لا يقف على منتهى ذلك العلم، وإذ ذاك يمكن أن يكون مايدعيه من فساده حقاً. وإن الذين اشتغلوا بالرد على الفلاسفة من المتكلمين لم يصرفوا عنايتهم للوقوف على منتهى علوم الفلاسفة، ولم يكن ماجاء في كتب المتكلمين إلا كلمات معقدة مبددة، ظاهرة التناقض والفساد، لا يظن الاغترار بها بعاقل عامي، فضلاً عمن يدعي دقائق العلم. ذلك أن رد المذهب قبل فهمه والاطلاع على كنهه، رمى في عماية» [٣٩].

ولم يكن كتابه «نهاية الاقدام» أقل دلالة على هذه الثقافة العريضة والالمام بأصول المذاهب وتقريرها قبل نقدها. وكمثال على ذلك، ماقدم به لنقد المخالفين لمذهبه في أن الكائنات والموجودات جميعاً حادثة بإحداث الله تعالى وقدرته، خلافاً للمجوس القائلين بإلهين، والمعتزلة القائلين بخلق الانسان لأفعاله، والفلاسفة القائلين بقدم العالم اتساقاً مع نظرتهم في الفيض أو الصدور. يقول الشهرستاني: «ولنا في تقرير هذا المعنى كلام مع الفلاسفة على مقتضى قواعدهم، ومع المجوس على موجب أصلهم، ومع المعتزلة على موجب عقائدهم» [٤٠]. ثم يشرع في نقد مذاهب هؤلاء جميعاً.

وأما ثقافة الشهرستاني الدينية فتتبدى لنا خلال مؤلفه «مفاتيح الأسرار» الذي خصصه لتفسير سورتي الفاتحة والبقرة، وكذلك كتابه «قصة يوسف عليه السلام» … وهو يشير في الأول إلى مدى التزامه في هذا التفسير بالكتاب والسنة، حيث يقول: «إنني لما خصصت بالدعاء المأثور: اللهم انفعنا بما علمتنا، وعلمنا ما تنفعنا به بحق المصطفين من عبادك وجدت من نفسي قوة الهداية إلى كلام النبوة، وعرفت لسان الرسالة. فاهتديت إلى أسرار كلمات في القرآن المجيد، دون أن أفسر القرآن برأيي، واستعذت بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، حتى لا يقع في خاطري ولا يجري على قلمي ما أتبوأ به مقعدي من النار» [٤١].

وهذه الثقافة الدينية هي التي هيأت له اعتلاء منصب التدريس بنظامية بغداد، وعقد المجالس العلمية للوعظ، والمناظرات التي كانت كثيراً ما يفحم فيها خصومه [٤٢]. وأما ثقافته الفلسفية، فقد كانت على درجة من الشمول والعمق، مكّنت له نقد آراء فلاسفة الاسلام ممثلة في مذهب «ابن سينا» مما ضمنه كتاب «مصارعة الفلاسفة» إلى جانب «الملل والنحل» و «نهاية الاقدام» أيضاً. وهو ما يحق معه القول بأن «ثقافة الشهرستاني الفلسفية كانت عميقة ومكتملة. ويظهر أنه يتأثر فيها بابن سينا تأثراً كبيراً…» [٤٣] …

ولقد أخذ عليه بعض معاصريه ومن جاء بعده من مفكري الاسلام، تأثره بآراء الفلاسفة، بل إنهم اتهموه في هذا التأثر والميل. فها هو معاصره البيهقي (ت٥٦٥هـ) يعيب عليه ميله أحياناً عن مذهبه فيقول عنه: «رأيت له مجلساً مكتوباً عقده بخوارزم، فيه إشارة إلى أصول الحكمة فتعجبت منها» [٤٤]. ويقول عنه ياقوت والسبكي نقلاً عن المؤرخ عباس بن أرسلان الخوارزمي (ت٥١٨هـ): «كثيراً ما كنا نتعجب من فضله وكمال عقله وكيف مال إلى شيء لا أصل له واختار أمراً لا دليل عليه. لا معقولاً ولا منقولاً. وليس ذلك إلا لإعراضه عن نور الشريعة. واشتغاله بكلمات الفلسفة، وكان يبالغ في نصرة مذاهب الفلاسفة والذب عنهم» [٤٥].

وقد ذكر ابن حجر أيضاً أن الخوارزمي قال عن الشهرستاني «لولا تخبطه في الاعتقاد، وميله إلى أهل الزيغ والإلحاد لكان هو الإمام في الإسلام» [٤٦].

ولعل في هذه الاتهامات، مايدل بوضوح على مدى ما أحدثته حملة الغزالي على الفلسفة وأهلها من آثار سيئة في نفوس العلماء والمفكرين في عصر الحملة وما بعدها، أكثر مما تدل على زعزعة الثقة في إيمان الشهرستاني ومكانة عقيدته الدينية (*).

خلاصة القول، أن هذه الثقافة العريضة ذات الأبعاد المتعددة التي توفر عليها الشهرستاني هي التي حدت بالزركلي إلى القول بأنه «كان إماماً في علم الكلام وأديان الأمم ومذاهب الفلاسفة» [٤٧].

ـ

*ـ رميه بالالحاد والميل الى أهل القلاع، لا يرتبط باشتغاله بالفلسفة فقط، وإنما يعود بالدرجة الأولى الى إيمانه بمكانة أهل بيت رسول الله (ص) في العلم وفي أصول الدين وفروعه وتفسير القرآن. (انظر: مفاتيح الاسرار ومصابيح الابرار / ج ١، ط طهران) (التحرير)

ولعل في هذا القدر ما يكفي بياناً لأهم الخصائص التي إتسم بها فكر الشهرستاني والاتجاه النقدي عنده، وربما كان من الضروري أن أشير إلى أهم الدوافع التي دعمت هذا الاتجاه ومكنت له بحيث لم يجد إلى التخلي عنه سبيلا.

ثانيا – دوافعه إلى هذا الاتجاه:

وتتمثل هذه الدوافع في ثلاثة: أولها دافع ذاتي، وثانيها دافع منهجي، وأما الثالث فهو دافع مذهبي. أما الدافع الذاتي، فيتبدى لنا فيما صارت اليه عقلية الشهرستاني من حيث طبيعة تكوينها وما توفرت عليه من قدرات خاصة من ذكاء، وحدة ذهن وقوة حدس، وسرعة فهم… ومن حيث العوامل والظروف التي تهيأت له، وكان لها أثرها البالغ في تشكيل هذه العقلية على صورة تسمح لها بأن تتجاوز حد استيعاب ما يعرض لها وما تسعى هي إليه من علوم ومعارف مختلفة، إلى حيث تحلل وتقارن فتقبل وترفض، وتفند وتنقد. ولقد تكاملت هذه العوامل وتلك القدرات الخاصة وتفاعلت في شخصية الشهرستاني بحيث صارت فيما بعد شخصية علمية فذّة، ترى «أن العلم في ذاته هو أجل الأشياء التي يمكن أن يتزين بها الإنسان جميعاً» [٤٨].

إن المفكر الحق هو ذلك الذي لا يسلم تسليماً أعمى بما توصل إليه السابقون عليه من آراء وأفكار في المسائل التي يتناولها بالبحث والدراسة. وإنما يستشعر من ذاته أنه ينبغي أن يضرب صفحاً عن مثل هذا التسليم، ويتخطاه إلى حيث يحلل هذه الأفكار والآراء ليرى إلى أي حد أصاب أصحابها فيما ذهبوا إليه، وإلى أي حد أخطأوا، وهذا يمثل عاملاً فارقاً بين المفكر الحق، ذي الفكر الرأسي الذي يسهم في تطور الفكر وتجديده، وبين المفكر التابع ذي الفكر الأفقي الذي يقتصر على رواية المقالات والمذاهب وترديدها وينسب ظلماً في عداد المفكرين [٤٩].

ولست أعتقد إلا أن الشهرستاني بهذا المنطلق، كان مفكراً حقاً ذا فكر رأسي، ومن ثم، فليس لأحد أن يبخسه حقه فيما أسهم به في تطور الفكر الكلامي الأشعري بوجه خاص.

ومن جهة أخرى فإن شخصية علمية كشخصية الشهرستاني كان لها من الخصائص ما ذكرناه قبلاً، وخصوصاً مايتصل من هذه الخصائص، بالحس النقدي والموضوعية ونبذ التقليد؛ ماكان لها أن تخالف ماهو أشبه بأن يكون طبيعتها الذاتية لا مجرد أمر عارض تظهر تبدياته حيناً وتختفي حيناً آخر.

وأما الدافع المنهجي: فهو مرتبط بسابقه. ذلك أن الشهرستاني لم يرض لنفسه أن يكون مجرد مؤرخ للفرق والمذاهب، ولا أن يكون مجرد تابع في فكره ومذهبه لمن سبقوه أو عاصروه، وإنما أراد أن يسلك منهجاً إن اعتمد في معظمه على العقل والمنطق وتأدياتهما، فإن لا يغفل في الوقت نفسه أن يحتفظ للشرع بقدسيته ومكانته اللائقة به. ومن الحق القول بأنه الطابع الغالب على فكر الشهرستاني ومنهجه النقدي هو الطابع العقلي الذي يعلي من شأن العقل وينتصر له دون مساس بجوهر العقيدة الدينية وأصولها. ومنهج هذا شأنه لابد أن يدفع صاحبه إلى النظر العقلي الدقيق والعميق في الآراء والأفكار المطروحة من جانب غيره من السابقين عليه أو المعاصرين له، بخصوص كل مسألة من المسائل التي يعرض لها على أساس هذا المنهج.

وأما الدافع المذهبي: فإنه يعد أظهر الدوافع جميعا وإن لم يكن أولها. ذلك أن المذهب الأشعري، الذي اعتنقه الشهرستاني، بما هو مذهب وسط بين المعتزلة من جهة وأهل السلف من جهة أخرى، أو بين أهل العقل وأهل النقل، كان يقتضي من أنصاره ومعتنقيه الدفاع عنه ضد هذين الطرفين المتقابلين، بدرجة ربما تصل إلى حد الإلزام (*). ومن ثم وجدنا أبا الحسن الأشعري مؤسس المذهب، ومعظم من جاء بعده من الأشاعرة قد حملوا على عاتقهم مهمة هذا الدفاع عن رضى وقناعة.

ـ

* - الدافع المذهبي للشهرستاني في مواقفه نستطيع أن نفهمه من مقدمة تفسيره (مفاتيح الاسرار…) فهو يذكر أستاذه أبا القاسم الانصاري باعتباره الموجّه الأول له في اتجاهه الفكري، ثم يذكر أنّ ماعنده من معرفة إنما أخذها من علوم أهل بيت رسول الله (ص) (التحرير)

وليس يقتصر أمر الدفاع عن مذهب ما مجرد دعم أصوله ومضامينه بالحجج والبراهين، عقلية كانت أم شرعية، وإنما يتجاوز الدفاع هذا الحد إلى حيث نقد المذاهب الأخرى المخالفة وبيان مافيها – من وجهة نظر المدافع ومذهبه – من ضعف وقصور. بل أن هذا المنحى يعدأعظم قيمة وأبعد أثراً، خاصة إذا كان هذا النقد قائماً على أساس من الموضوعية والأمانة العلمية والبرهان القاطع.

ومن هنا، فقد كان لزاماً على الشهرستاني، بما هو أشعري، أن يعتنق الاتجاه النقدي ويقطع فيه شوطاً بعيداً، يمكن له من دعم مذهبه والكشف عما في مذاهب الآخرين من تناقضات تفضي إلى تهافتها فلا تقوى على الصمود، ولا تتمتع بالانتشار الذي يتمتع به مذهبه. وبمنظور آخر قيمي، فإنه ما من مذهب إسلامي إلا وقد تبنى صفة القيمة: أنه حق وما عداه باطل. وأن أصحابه هم الفرقة الناجية وما عداهم هم الفرق الهلكى، ومن ثم ادعت كل فرقة أنها تمثل قيمة إيجابية بالنسبة للاسلام، بينما الفرق الأخرى تمثل اتجاهات معارضة لهذه القيمة [٥٠]. وكان المذهب الأشعري من بين هذه المذاهب، ومن ثم كان على أصحابه أن يواجهوا خصومهم، وينتقدوا مذاهبهم من حيث أنها – في نظر الأشاعرة – مذاهب معارضة، باطلها أكثر من حقها، وخطؤها أعظم من صوابها.

ولعل هذا الدافع المذهبي، هو الذي أدى بالشهرستاني إلى أن تغطي مواقفه النقدية على بقعة شاسعة من مساحات هذه المذاهب، فتشمل معظم المذاهب الكلامية والفلسفية وما تضمنته من آراء. وهو إن كان مسبوقاً في هذا بأبي الحسن الأشعري والباقلاني والجويني والغزالي، فإن موقفه النقدي من آراء الفلاسفة ممثلة في ابن سينا، يمثل عاملاً فارقاً بينه وبين هؤلاء الأشاعرة السابقين عليه، فيما عدا الغزالي، الذي ضمن بكتابه «تهافت الفلاسفة» السبق في هذا المجال.

ومن الحق القول بأنه إذا كان المعتزلة قد استندوا في النصرة لمذهبهم – ضمن ما استندوا – إلى استعداء الدولة بسلطتها السياسية على خصومهم المخالفين لهم في المذهب، فإن الأشاعرة قد تنكبوا هذا الطريق، وعولوا على كبار علمائهم ومفكريهم في الانتصار لمذهبهم بدرجة جعلته أوسع المذاهب انتشاراً وأكثرها قبولاً من جانب المسلمين منذ القرن الرابع الهجري. وكان على رأس هؤلاء المفكرين الأفذاذ، الغزالي ثم الشهرستاني ثم الفخر الرازي وغيرهم ممن ظهر فيما بعد. ولم يكن نبوغ هؤلاء وعلو مكانتهم مستمداً من معرفتهم بعلوم الدين وحدها، وإنما استمدوا قوة الحجة وعمق الاستدلال، والقدرة على الجدل والحوار والتفنيد والنقد، من معرفتهم بالمنطق والفلسفة (٥١). وقد أشرت قبلاً إلى ماتمتع به الشهرستاني من ثقافة فلسفية عريضة وعميقة وظفها في نقده واعتراضاته ضد الفرق والمذاهب التي صوب اليها.

والمهم، هو أن اعتناق الشهرستاني للمذهب الأشعري، كان في حد ذاته من بين الدوافع التي عززت الاتجاه النقدي عنده ودعمته بحيث مكنته من أن يخلف لنا تراثاً نقدياً بلغت درجة ثرائه حداً لم يجاوزه إلا الفخر الرازي من بعده.

البعد الثاني – مصادر الفكر النقدي عنده

ثمة حقيقة لا يختلف عليها المفكرون على اختلاف مذاهبهم واتجاهاتهم العلمية، وهي أن المفكر لايبدأ من فراغ، وأن فكر اللاحق لا يمكن أن يكون مقطوع الصلة تماماً عن فكر السابقين عليه في مجاله، وإنما لابد أن يكون متأثراً به بوجه ما، أياً ما كانت درجة الثأثر. ويؤكد هذه الحقيقة، حقيقة أخرى هي أنه من المستبعد أن يستأثر مفكر بذاته بكل ماهو حق وصواب، بحيث لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وإنما يستأثر بذلك الأنبياء والرسل فيما يأتون به من شرائع سماوية، هذا بغض النظر عن غطرسات منكري النبوات ودعاواهم السفسطائية.

وإذا كان هذا هكذا، فإن من الممكن القول بأن الشهرستاني لم يصدر في اتجاهه أو فكره النقدي عن فراغ، وإنما كان بين يديه تراث إسلامي خصيب، ومثله أجنبي أيضاً. ولست بحاجة إلى القول بأن هذا التراث بخصبه وثرائه في محتواه ومضمونه الايجابي كان معيناً لا ينضب لكل من شاء أن يغترف منه، تأصيلاً لمذهبه وإثراء لفكره. ولقد تمثل الشهرستاني هذا التراث بوعي تام سواء في جانبه الديني أو الكلامي أو الفلسفي أو الصوفي، ولا أدل على ذلك من مؤلفاته التي حوت آراءه وأفكاره ممثلة لهذه الجوانب كلها فمنها ماكان في تفسير القرآن، ومنها ماكان في علم الكلام ومنها ماكان فلسفياً خالصاً، ومنها أيضاً ما غلب عليه الطابع الصوفي…

كان هناك إذن مصادر عديدة للفكر النقدي عند الشهرستاني، ويمكن أن نوجزها في ثلاثة مصادر رئيسية هي: المصدر الديني، والمصدر الكلامي، ثم المصدر الفلسفي.

أولاً – المصدر الديني:

ويتمثل في أن دعوة القرآن إلى النظر العقلي والتأمل في الكون وموجوداته صعوداً منها إلى معرفة الخالق الموجد، أمر لا شك فيه. وكثيرة هي الآيات التي تمثل هذه الدعوة بتعبير جمالي بليغ، وذلك في مثل قوله تعالى: (إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون)، وقوله: «إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) وغير هذه الآيات كثير. بل إن ابن رشد يصرح بقوله: (إن القرآن كله إنما هو دعاء إلى النظر، وتنبيه على طرق النظر» (٥٢).

صحيح أنه لم يرد في القرآن اصطلاح «العقل» بهذه التسمية اللفظية، لكنه استعاض عنه بمشتقات العقل الدالة على الحركة الفكرية والداعية إلى الاستدلال والنظر في جانب، وبمرادفات أخرى أوقع في الأسماع من لفظ «العقل» و «العقول» في جانب آخر، أما المشتقات، فهي مثل ما ذكرت من آيات. وأما المرادفات فمثل «القلب» الذي يرادف «العقل» عند العرب ويظهر في قوله تعالى: (إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقَى السمع وهو شهيد) (٥٣). وكذلك لفظي «الألباب» و «النهى» ولعل في ذلك مايبين أن موقف القرآن من التفكير العقلي والنظر الاستدلالي مختلف تماماً من موقف الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد، حيث لم يرد في متون أي من العهدين لفظة «العقل» لا بذاتها ولا بمشتقاتها ومرادفاتها وما كان منطقياً أن ترد في دين يقوم أساساً على الغيبيات والأمور الفائقة للطبيعة (٥٤).

وإذا كان القرآن قد حث العقول على تدبر ما في الكون من آيات، ودعا إلى استخدام العقل صراحة من أجل الوصول إلى الايمان (٥٥). فإنه في الوقت نفسه لم يحرم الحوار والمناظرة مع المخالفين له سواء كانوا من أهل الكتاب أو من الكافرين والمشركين بإطلاق. بل إن القرآن قد دعا المسلمين إلى مثل هذا الحوار وشجع عليه ووضع له أصولاً ومبادئ تتبدى لنا في آيات كثيرة من مثل قوله تعالى: (أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) (٥٦)، وكذلك قوله تعالى في مناظرة أهل الكتاب: (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن، إلا الذين ظلموا منهم، وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل اليكم. وإلهنا وإلهكم واحد، ونحن له مسلمون) (٥٧).

وليس معنى هذا: أن القرآن كتاب جدلي أو أن دعوته إلى الايمان قائمة على أساس جدلي، وإنما هو يشير إلى مايمكن أن يتبع سبيلاً في الحوار إذا دعت الضرورة الى ذلك (٥٨). ومن ثم نجده وقد اشتمل من صور الأدلة والبراهين، مايمكن به الرد على مخالفيه من الطاعنين بالإسلام وعقائده لبيان أحقية الإسلام، وضلال معتقداتهم. صحيح أن القرآن لا يؤلف برهانه تأليف المنطقي من مقدمة صغرى ومقدمة كبرى ونتيجة، ولا يتعرض لألفاظ المنطق والفلسفة التي تستخدم في أنساق البراهين المنطقية، ولا يثير المشاكل العقلية ويفصلها ويبني عليها (٥٩). ولكنه احتوى الحجج التي تدحض عقائد مخالفيه فكان ذلك من العوامل الهامة التي أنهضت عقول المسلمين إلى البحث في العقائد وكيفية الدفاع عنها ضد العقائد المخالفة لها (٦٠).

وإذا كان الشهرستاني حافظاً للقرآن بتدبر، وعالماً بتفسيره ومعاني آياته، فقد وجد فيه مايحفزه إلى سلوك سبيل الحوار والمناظرة والنقد، إن في مواجهة خصوم الاسلام وأعدائه أو في مجابهة مخالفي مذهب أهل السنة والجماعة في صياغته الأشعرية، ولم يعوزه أن يجد في القرآن أصول أدلة وبراهين تثبت بها أصول الدين وعقائده الأساسية.

فلقد أشار القرآن إلى ما اصطلح عليه من دليل التمانع، رداً على الثنوية والقائلين بتعدد الآلهة ودحضاً لمذهبهم، وتثبيتاً لعقيدة التوحيد، وذلك في قوله تعالى: (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) وقوله سبحانه (قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذاً لابتغوا إلى ذي العرش سبيلاً) (٦١) وكذلك قوله عزّوجلّ (ما اتخذ الله من ولد، وما كان معه من إله، إذن لذهب كل إله بما خلق، ولعلا بعضهم على بعض) (٦٢).

وكذلك أشار القرآن إلى نوعين من القياس وهو بصدد الرد على منكري البعث واليوم الآخر. أما الأول فهو قياس الأولى الذي يتضمنه قوله تعالى: (قال من يُحيي العظام وهي رميم، قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم) (٦٣). وقوله سبحانه (يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده وعداً علينا إنا كنا فاعلين) (٦٤). وكذلك أشار القرآن في الرد على منكري العلم الإلهي إلى قياس من الشكل الأول ما تضمنه قوله تعالى: (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير)، ويمكن صياغته على النحو التالي: كل من خلق شيئاً أو صنعه فهو لاشك عالم به، والله تعالى خالق كل شيء وصانعه، فهو إذن بكل شيء عليم.

ولم يقتصر الأمر على ذلك، وإنما تعداه إلى حيث الرد على دعاوى منكري النبوة والرسالة وبعض شبههم التي أثاروها وذلك في مثل قوله تعالى: (وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعثَ الله بشراً رسولا. قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكاً رسولاً) (٦٥). وكذلك ما حواه من دلائل على العناية الإلهية والجزاء الأخروي ثواباً وعقاباً مما لا يماري فيه ذو الفطرة السليمة والعقل السليم.

ولاشك في أن آيات القرآن قد أخذت عند المتكلمين على أنها المرجع الأوثق والأعلى حججاً وأدلة وأنها تقوم من هذه الناحية بأدوار ثلاثة: فإما أن تؤخذ منطلقاً لسياق البحث، وإما أن يُعول عليها كأدلة سواء أكانت تؤيد نظراً جدلياً أم تثبت برهاناً قاطعاً تضفي عليه التجلة والتعظيم، وإما أن تحل أخيراً، أدلة محل كل مورد عقلي فيما يتعلق بالسمعيات، كما هـو الأمر في الأخرويات أو الأحكام الشرعية أو الصفات الآلهية» (٦٦).

وسوف نرى كيف أن الشهرستاني في نقده لآراء الفلاسفة والمتكلمين ممن يخالفون مذهبه، قد عوّل على القرآن في بعض حججه وأدلته التي ساقها ليبطل بها مذاهبهم ويكشف عما بها من خلل وتهافت، سواء فيما يتصل بالتوحيد أو الصفات أو البعث أو النبوات.

وإلى جانب القرآن، فقد كان هناك الجدل والمناظرات التي قامت بين أئمة الفقه وأصوله حين احتاج الفقهاء والمجتهدون، بعد الصدر الأول للاسلام، إلى تحصيل القوانين والقواعد التي يعول عليها لاستفادة الأحكام من الأدلة. وكان أول من كتبه فيه – على مايقول ابن خلدون – الإمام الشافعي (رضي الله عنه) ثم فقهاء الحنفية. وكان للمتكلمين أيضاً جهد لاينكر. وكان من أحسن ماكتب فيه المتكلمون، كتاب «البرهان» لامام الحرمين و «المستصفى» للغزالي. وهما من الأشاعرة. وكتاب «العهد» لعبد الجبار المعتزلي. ويذكر ابن خلدون أيضاً أن الجدل والمناظرات كانت تجري بين أهل المذاهب الفقهية على أصول صحيحة وطرائق قويمة يحتج بها كل على مذهبه (٦٧).

ولقد كان هذا التراث الديني بين يدي الشهرستاني، وقد تمثله بوعي أقدره على أن يحاور ويناظر، إن في الفقه أو في أصول الدين أو في الكلام. فلئن قلنا بأن المصدر الديني كان من بين مصادر الفكر النقدي عند الشهرستاني، لما كان في هذا القول بعد عن الصواب. خاصة وان كتب التراث الديني في مجالات الفقه والحديث والتفسير قد حوت من اختلاف وجهات النظر مايجذب الذهن الى التعمق في بحث هذه الآراء وإحقاق الحق منها في نظره والميل عما سواه، فضلاً عن تنقية ماقد يكون علق بها من إسرائيليات نتجت عنها عقائد التجسيم والتشبيه والحشو في الاعتقاد (٦٨).

ومما يتصل بهذا المصدر الديني أيضاً، ذلك التراث الصوفي الذي آل إلى الشهرستاني في عصره. ولست أقصد الجانب الإيجابي في هذا التراث، وإنما أقصد في المقام الأول الجانب النقدي في هذا التراث. ذلك أن القرنين الثالث والرابع للهجرة إذا كانا قد مثـّلا العصر الذهبي للتصوف الإسلامي في أرقى وأصفى مراتبه، وكان الربط بين التصوف وبين الكتاب والسنة بصورة واضحة، أحد اتجاهين واضحين للتصوف إبان هذين القرنين (٦٩)؛ فإن القرن الخامس قد شهد اثنين من أبرز رجال التصوف هما القشيري والهروي اللذين نحيا بالتصوف نحواً سنياً هو الذي نماه من بعدهما الإمام الغزالي. وكان القشيري من أكبر المدافعين عن عقيدة أهل السنة… حتى إذا جاء الغزالي وجدناه يصوب انتقاداته إلى معظم فرق المتكلمين والفلاسفة انتصاراً للتصوف السني الذي سكنت نفسه إليه فارتمى بكليته في أحضانه حتى أودع مثواه الأخير (٧٠).

كان هذا التراث الصوفي بجانبيه الإيجابي والنقدي أحد روافد المصدر الديني الذي استقى منه الشهرستاني بعضاً من فكره النقدي خصوصاً وأن هؤلاء المتصوفة قد شددوا النكير على الفرق المخالفة وأوسعوها تفنيداً ونقداً، بدرجة جعلت الهروي ينتقد مذهب الأشاعرة ذاته برغم ما نعلمه من صلة وثيقة بين هذا المذهب وبين أهل السنة والجماعة.

ثانياً: المصدر الكلامي:

وإذا كان الشهرستاني قد وجد في التراث الديني مايدعم اتجاهه النقدي ويثريه عنده، فإنه قد وجد في تراث المتكلمين على اختلاف مذاهبهم، ماهو أكثر غنى وثراء فيما يتصل بالفكر النقدي بوجه خاص. ذلك أن المتكلمين قد وقفوا أكثر ما وقفوا للدفاع عن عقيدتهم، ودحض حجج خصومهم، سواء كان هؤلاء الخصوم إسلاميين أم غير إسلاميين، باعتبار أن علم الكلام في حقيقته إنما هو – فيما يقول ابن خلدون – علم يتضمن الحجاج عن العقائد الايمانية المتلقاة من الشريعة بالأدلة العقلية، والرد على المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات عن مذاهب أهل السنة، ودحض شبههم ودعاواهم التي زعموا أن مداركهم فيها عقلية (٧١). ومن ثم فإن وظيفة علم الكلام لم تكن لتتحقق إلا بمسلكين: أحدهما: الرد على خصوم الإسلام وأعدائه أولا، من غير أن يحول ذلك دون اختلافات في وجهات نظر المتكلمين فيما بينهم في بعض المسائل دون العقائد وأصولها، والثاني الحجاج عن العقائد ودعمها بالأدلة العقلية (٧٢).

ومن الحق القول بأن كثيراً من الأشاعرة فيما قبل عصر الشهرستاني كانوا ذوي نزعات نقدية واضحة، وظـّفوها لدعم مذهبهم بالأدلة العقلية والنقلية من جهة، والردّ على مذاهب خصومهم ونقدها من جهة أخرى (٧٣). يشهد على ذلك ما خلـّفوه للشهرستاني ولنا من مؤلفات حوت من الأبعاد النقدية مامثـّل تراثاً نقدياً أشعرياً أغترف منه الشهرستاني ومن جاء بعده كالفخر الرازي وسيف الدين الآمدي وعضد الدين الإيجي وغيرهم. ولعل أبرز هؤلاء الأشاعرة السابقين، في مجال الفكر النقدي، أبو الحسن الأشعري مؤسس المذهب فيما وصلنا من مؤلفاته النقدية «الإبانة» و «اللمع»، ثم أبو بكر بن فورك في كتابه «تأويل الأخبار المتشابهة» وأبو منصور البغدادي في «الفرق» وإمام الحرمين في «الشامل» و «الإرشاد» وغيرهما ثم الغزالي، في «فضائح الباطنية» و «الاقتصاد» و «إلجام العوام» و «فيصل التفرقة» و «المستصفى» ثم «تهافت الفلاسفة» عمدة مؤلفاته النقدية في الرد على الفلاسفة بوجه خاص.

كل هذا التراث النقدي الأشعري أومعظمه على الأقل، كان متاحاً للشهرستاني ومفكري عصره، وسوف نرى خلال مواقفه النقدية كيف أفاد من جلّ هؤلاء فيما كان يواجه به خصومه من آراء وأفكار وأدلـّة.

ومما تجدر الاشارة إليه أن النزعة النقدية لم تكن وقفاً على الأشارة فحسب، وإنما كانت أيضاً روحاً سائدة لدى رجال المعتزلة جميعاً خصوصاً وأنهم كانوا أكثر انتصاراً للعقل من الأشاعرة وقد اعتمدوا أصلاً إلى جانب الإيمان، وإن كان يتقدمه حين يعارض ظاهر النص، العقل. ولعل النظـّام كان أكثر المعتزلة تمتعاً بالروح النقدية التي تجسدت في اعتداده بالعقل وفي حدّة ذهنه في الجدل والمناظرة (٧٤).

ومن الطريف حقاً، أن المعتزلة لم يثروا الفكر النقدي الكلامي من خلال دفاعهم عن مذهبهم ضد خصومهم فحسب، وإنما من خلال جدلهم وخصوماتهم فيما بين أنفسهم حيث كان زعماؤهم يكفرون بعضهم، ويؤلفون كتباً خاصة للرد على بعض رجالهم. فهاهو العلاف – شيخ المعتزلة – يؤلف كتاباً خصصه للرد على العلاف: «توبيخ العلاف»، كذلك نجد الكعبي وهو أحد زعماء المعتزلة يضع كتاباً يهاجم فيه أستاذه الخياط، وإن كان ذلك كله قد عد عاملاً أساسياً لانهيار مذهب المعتزلة من الداخل قبل أن ينهار تحت عوامل خارجية.

ولقد أثـّرت بعض الأفكار والآراء الإيجابية والنقدية للمعتزلة في بعض الأشاعرة تأثيراً بلغت درجته حد اعتناق نظرية الجوهر الفرد كما اعتنقها الأشعري من قبله، ودعمها وعمقها، وقال بفكرة الأحوال وحاول أن يسوى بين الحال والصفة. ومعلوم أن المعتزلة كانوا أسبق المتكلمين اعتناقاً لنظرية الجوهر الفرد كما صاغها العلاف، وأسبقهم إلى القول بالأحوال كما تصورها أبو هاشم الجبائي (٧٥). ولم يكن الشهرستاني بمنأى عن هذا التأثر بهاتين المسألتين حيث نجده يعتنق القول بالجزء الذي لا يتجزأ، ويقول بالأحوال على طريقته الخاصة بعد أن ينتقد مثبتي الحال ونفاته جميعاً.

ومن الحق القول بأن الشهرستاني قد تأثر بالنزعة العقلية للمعتزلة بوجه عام رغم ما بين مذهبيهما من فوارق (*). وكأنه لم يجد غضاضة في أن يستعين ببعض آرائهم واستدلالاتهم العقلية عندما يواجه خصماً مشتركاً بينهما في مسألة من

ـ

*ـ الباحث يرى التأثير الاشعري والمعتزلي على الشهرستاني ولا يرى تأثير التيارات الأخرى عليه، والواقع أنه تاثـّر بمدرسة أهل البيت كثيراً حتى عدّه معاصروه من الاسماعيلية (أهل القلاع)، ومن المعاصرين أيضا من يعتبره اسماعيلياً في فكره. ومذهب الشهرستاني يحتاج الى دراسة مستوعبة (التحرير).

المسائل التي تتفق آراؤه فيها مع آرائهم. ولعل أشد الخصوم له وللمعتزلة، الدهرية والثنوية وغلاة الشيعة والجبريّة والكرامية وغيرهم من القائلين بالتشبيه والتجسيم. وعندما يكون الخصم مشتركاً بينه وبين المعتزلة فليس ما يمنع من تظافر الجهود للمواجهة ويكون التغاضي عن الخلافات أمراً مشروعاً إن لم يكن لازماً بالضرورة.

وكان لمفكري المتكلمين من ذوي المذاهب الأخرى أثر كبير أيضاً في إثراء التيار النقدي ودفعه في محيط الفكر الإسلامي الديني والكلامي منه خاصة، ولئن كانت كل المذاهب المخالفة للمذهب الأشعري تعد خصماً له، فليس معنى ذلك أن رجاله قد قصروا إفادتهم على مؤلفات أصحابهم فقط، وإنما أفادوا كثيراً مما كان بين خصومهم من هذه المذاهب، من مناظرات وانتقادات متبادلة كلما وجدوا أن في هذه الانتقادات مايفيد في الرد على خصومهم.

ومما يذكر في هذا المجال ماكان للكرامية والشيعة بوجه خاص من صولات وجولات ضد كل مخالفيهم. وبغض النظر عن مسلك العنف القائم على الفتن والدسائس والاغتيالات والذي انتهجه الاسماعيلية في مجابهة خصومهم من الفرق الإسلامية الأخرى؛ فإنهم كانوا إلى جانب هذا حريصين على نشر مذهبهم من خلال طرح مؤلفاتهم في الساحة الدينية والعلمية بما تتضمنه هذه المؤلفات من أفكار وآراء مناهضة للفرق والمذاهب الدينية والكلامية المخالفة لهم، دون إغفال من جانبهم لعقد المناظرات والمساجلات العلمية مع أصحاب هذه المذاهب كلما وجدوا إلى ذلك سبيلا، مستندين في هذا إلى ما لعلمائهم ودعاتهم من باع طويل وتبحر في العلم، وما كانت تضمه قلاعهم من كتب ومؤلفات في شتى فروع العلم والمعرفة ينهل منها هؤلاء العلماء والدعاة، فضلاً عن تأييد الدولة الفاطمية في مصر لمذهبهم ودعمهم علمياً ومادياً وسياسياً أيضاً (٧٦).

وقد عقد الشهرستاني لمذهبهم وفرقهم فصلاً مطولاً في «الملل والنحل» ضمنه كثيراً من آرائه النقدية (٧٧). وليس ما يمنع من القول بأن تأثيرهم في الشهرستاني كان بدرجة أقل ماتوصف به أنها ألزمته بأن يعمل عقله في آرائهم وأفكارهم تحليلاً لها ثم تفنيداً ونقداً، باعتبار أنها مخالفة إلى حد كبير جداً لمذهبه الأشعري.

ثالثاً – المصدر الفلسفي:

ولم يكن الشهرستاني في فكره النقدي بل وفي بعض آرائه الإيجابية أيضاً بمنأى عن تأثير التراث الفلسفي خصوصاً ذلك الذي ينتسب إلى ابن سينا وإخوان الصفا والغزالي، أو الذي ينتمي إلى أفلاطون والأفلاطونية المحدثة، وقد ألمحت في مواضع سابقة إلى عقلية الشهرستاني وثقافته الفلسفية، وكيف أنه ألم إلماماً دقيقاً واعياً بكثير من مؤلفات ابن سينا وهو الذي مكّن له أن ينتقد معظم آراء الشيخ الرئيس في أكثر من مسألة من المسائل التي عرض لها بالبحث والدراسة.

وليس لأحد أن ينكر ما تضمنته فلسفة ابن سينا الطبيعية من أفكار وآراء نقدية ردّ بها على قدماء اليونان المخالفين لأرسطو من جهة، وعلى مفكري الإسلام المخالفين لمذهبه من جهة أخرى.

ومن بين مسائل الفلسفة الطبيعية ما يتصل بالميتافزيقا والإلهيات. ومن ثم فإن الآراء النقدية في هذا المجال لا تخلو من قيمة. فمسألة الحركة والزمان والمكان والخلاء، والسماء والعالم، والتناهي واللاتناهي في هذه الأمور كلها (٧٨)، لاشك تتصل بمسألة قدم العالم أو حدوثه، وبمسألة تفسير وجود العالم، وما إذا كان خلق اختراعاً وإنشاءاً أم وجد فيضاً وصدوراً عن واجب الوجود. وآراء ابن سينا في هذه المسائل مما يستعان ببعضها أحياناً في الإلهيات وإن كان يُضرب ببعضها صفحاً من جانب المتكلمين أحياناً أخرى.

وكذلك كان لآراء ابن سينا وانتقاداته في مسائل الإلهيات أيضاً أثر لا ينكر على مفكري المتكلمين معتزلة وأشاعرة، وإن كانوا قد عارضوه وانتقدوا آراءه في كثير من هذه المسائل، إلا أن المعتزلة مثلاً، ماكانوا ليرفضوا جوهر أفكاره في التوحيد ونفي الصفات والرؤية والعناية الإلهية، وآراءه النقدية ضد القائلين بتعدد الآلهة وبالتشبيه والتجسيم. وما يعنينا هنا بالذات هو القول بأن الشهرستاني رغم معارضته لمذهب ابن سينا بوجه عام ولكثير من آرائه في الإلهيات؛ فإنه تأثر ببعض آرائه الإيجابية والنقدية أيضاً. دليل ذلك أنا نجد متكلمنا الأشعري يعتنق كثيراً من آراء ابن سينا المقررة في النفس وقواها وصلتها بالبدن وخلودها بعد موت البدن وفساده، مما لم يأخذ به كثير من المتكلمين (٧٩). ويصادق معه على القول بضرورة النبوة والرسالة، كما يتفق معه في رفض التشبيه والتجسيم وإن كان يعتبر أنّ ابن سينا قد غلا في هذا الرفض حتى وقع في التعطيل.

بيد أن هذا، لم يمنع الشهرستاني من أن يخالف ابن سينا في مسائل كثيرة اعتبر آراءه فيها مخالفة لأصول الدين (٨٠). مثل قوله بقدم العالم وصدوره عن الله تعالى وجوباً ونفي علم الله تعالى بالجزئيات (٨١). ونفيه المعاد الجسماني وما يتصل به من ثواب وعقاب جسمانيين. ولابن سينا في مسألة المعاد آراء نقدية يصوب بها نحو القائلين بالمعاد البدني فقط ونحو القائلين بأن المعاد للبلدن والنفس معاً، وذلك لاعتقاده بالمعاد الروحاني دون الجسماني (٨٢)، وكذلك خالف الشهرستاني ابن سينا في نفيه القول بالجوهر الفرد، والقول باتحاد النفوس الانسانية بالماهية والنوع، وانتقد آراءه في هذه المسائل كلها …

وليس من المعقول، إغفال ماكان من أثر للمنطق الذي يعد مبحثاً قائماً بذاته، عند الفلاسفة المشائين من أتباع أرسطو وبالصورة التي آل إليها عند ابن سينا مِن أثر في فكر المتكلمين وخصوصاً الأشاعرة من أمثال الجويني والغزالي ثم الشهرستاني. وكثير من البراهين والأقيسة والاستدلالات المنطقية التي أخذها الغزالي عن ابن سينا، واستخدمها في تقرير مذهبه وفي نقد مذاهب المخالفين له، هي مما نجد نظائر لها عند الشهرستاني.

وإلى جانب تأثر الشهرستاني ببعض آراء اين سينا فقد تأثر أيضاً بأفلاطون، وبإخوان الصفا في الجانب الذي تأثروا فيه بهذا الفيلسوف. ومن ثم سنراه يقول معهم بالنفس كلية، ويأخذ بفكرة قدم النفوس عندهم ولكن بعد أن يعدل فيها بحيث يكون قدم النفوس قدماً نسبياً لا يتعارض مع القول بحدوثها، وإن كان هذا الحدوث سابقاً على زمن اتصالها بالأبدان في العالم الجسماني.

وربما تجدر الاشارة إلى أن إخوان الصفا قد هاجموا الأشاعرة في مواضع كثيرة من رسائلهم، فرموهم بالجهل، وبقصور العقل حيناً، وبالكفر حيناً آخر حيث قالوا إنهم الطائفة المجادلة المخاصمة، الكفرة الفجرة، الذين يخوضون في المعقولات وهم لا يعلمون المحسوسات ويتعاطون البراهين والقياسات وهم لا يحسنون الرياضيات، ويتكلمون في الالهيات وهم يجهلون الطبيعيات. إلى آخر ما قالوا في حق الأشاعرة (٨٣). ومن ثم فإن تأثر الشهرستاني بإخوان الصفا في بعض آرائهم، لم يمنع من أن يعرّض بهم وينتقد آراءهم في شخص الباطنية الذين اعتنقوا مذهبهم إن لم يكونوا هم الباطنية على رأي بعض الباحثين المعاصرين.

تلك لمحمة سريعة عن أهم المصادر التي يمكن القول بأن الشهرستاني قد أفاد منها في فكره النقدي وتوجهات هذا الفكر نحو الغايات التي قصد إلى تحقيقها. فلئن شئنا بعد هذا أن نتبين في عجالة أهم معالم الجهاز النقدي عند الشهرستاني، فإنه يمكن القول بأن متكلمنا قد اعتمد على العقل وأدلته في المقام الأول خلال مواقفه النقدية التي واجه بها خصومه، خاصة وأن اعتداده بالعقل واضح في معظم كتبه، وذلك من حيث يرى أن العقل هو مصدر للعلم الحقيقي الذي يختلف عن المعرفة الحسية، من حيث درجتي الثبات واليقين (٨٤). وهو يصرح بأن العقل مصدر كل خير باعتباره قادراً على التفرقة بين الحق والباطل في الاعتقادات وبين الصواب والخطأ في الآراء والأحكام (٨٥)، وأنه الباب الوحيد الذي تؤتى منه المعقولات (٨٦).

وإذا علمنا أن معظم خصوم الأشاعرة كانوا من المعتزلة والفلاسفة والباطنية، وهؤلاء جميعاً أقوياء حجة وبياناً، وأثرياء علماً وثقافة، وأنهم عولوا في آرائهم ومذاهبم على العقل والأقيسة المنطقية، خصوصاً الفلاسفة الذين لم يكونوا ليرضوا بالأدلة البرهانية بديلا؛ فقد كان لزاماً على الشهرستاني وهو يواجه هؤلاء أن يتسلح بسلاحهم وهو العقل، دفاعاً عن مذهبه وإفحاماً لهم، ودحضاً لأدلتهم وحججهم، وكشفاً عما في مذاهبهم من ضعف وتهافت في نظره. ولذا نجده في معظم انتقاداته يستخدم طرقاً شتى وأنواعاً متعددة من الأدلة مثل برهان الخلف أو إثبات خطأ النقيض، والقياس الأرسطي الحملي، وطريقة السبر والتقسيم، والإلزامات التي يعتبرها من أبلغ الحجج وأوضح المناهج التي تفضي إلى إفحام الخصم في الحوار والمناظرة (٨٧). فها هو مثلاً بعد نقده لمذهب ابن سينا في العلم الإلهي يقول: «تلك هي الإلزامات التي أوردتها عليه والمطالبات التي خنقته بها فيعلم أن جميع ما عول عليه إنما هي مسلمات مشهورة لا يقينيات، والقضايا المشهورة لا تنتج اليقين» (٨٨).

وهو يعبر عن قيمة المنطق وأهمية قواعده في ضبط الأفكار واتساقها وضمان صوابها بقوله «إن نسبة المنطق إلى المعاني التي في الذهن، كنسبة النحو إلى الكلام والعروض إلى الشعر» (٨٩). وربما استوحى في هذا، مقالة الغزالي من أن المنطقيات لا يتعلق شيء منها بالدين نفياً وإثباتاً، لأنها نظر في طرق الأدلة والمقاييس وشروط مقدمات البرهان وكيفية تركيبها… إلى آخر ما تحويه، مما لا ينبغي أن ينكر (٩٠).

وهو يلزم على ابن سينا في مواضع كثيرة من «مصارعة الفلاسفة» أنه تخلى عن منطق والبرهان في هذه المسألة أو تلك، وأنه لم يلتزم بالضوابط المنطقية في القسمة العقلية وفي استخدامه الألفاظ المشتركة التي لايجوز استخدامها في الأدلة والبرااهين العقلية (٩١). ويلزم المعتزلة وغيرهم بإلزامات كثيرة في «نهاية الأقدام».

للعقل في فكر الشهرستاني النقدي إذن مقام معلوم. حيث يعول على قضايا العقل وبراهينه في مواجهة خصومه أكثر مما يستند إلى النقل والأدلة الشرعية. لكنه في الوقت نفسه لا يترك العنان لهذا العقل، مثلما نجد عند الفلاسفة والمعتزلة، بحيث يؤدي به إلى نتائج تتعارض مع أصول الدين أو أصول مذهبه الأشعري. وإنما يوظف العقل وبراهينه دونما خروج على هذه الأصول أو تلك. ولقد قدر له أن يفسح مجالاً، في قليل من الأحيان للأدلة النقلية خصوصاً عندما يكون النقد متوجهاً إلى رأي أو مذهب يستند إلى نصوص القرآن والسنة، مما نجده – في بعض المسائل – لدى الجبرية تارة، ولدى المشبهة والمجسمة والكرامية منهم خاصة، تارة أخرى، ولدى المعتزلة أحياناً، طوراً ثالثاً.

وتبرز قيمة العقل وبراهينه عند الشهرستاني عندما نجده يقرر بأن ما لا دليل عليه عقلاً، فإن تجويز وجوده إنما هو تقدير عقلي لا أكثر، والمجوز عقلاً، المقدر ذهناً ليس مما يتحتم وجوده أو وقوعه (٩٢).

الهوامش:

ـ

١ - الشهرستاني: مصارعة الفلاسفة: ص ١٦ – ١٧، نشر د. سهير مختار، ط القاهرة ١٩٧٦م…

٢ - د. أحمد صبحي: في علم الكلام، ص ٧١٥.

٣ - الشهرستاني: الملل والنحل، ج ٢، ص ٧، ٩، ١٢.

٤ - أنظر الشهرستاني، الملل والنحل، ج ١، ص ٤٢، ٥٠، ٥٣، وقارن بالخياط في «الانتصار» … ص ٢٢، ١٥٢، وانظر أيضاً: نيبرج: من مقدمته لكتاب «الانتصار» ص ٤٤، ٤٥، القاهرة ١٩٢٥م…

٥ - نيبرج: من مقدمته لكتاب «الانتصار» للخياط، ص ٤٥ – ٤٦، وانظر أيضاً، د. ألبير نصري: فلسفة المعتزلة، ج ١، ص ٣٢، الاسكندرية، ١٩٥٠م…

٦ - زهدي جار الله: المعتزلة، ص ١٩٤.

٧ - زهدي جار الله: المصدر السابق ص ٢٤٣.

٨ - د. أحمد صبحي: في علم الكلام، ج ١، ص ٧١٤ – ٧١٥.

٩ - الشهرستاني: الملل والنحل، ج ١، ص ١٤، طبعة الحلبي، القاهرة ١٩٦٨م.

١٠ - الشهرستاني: نهاية الاقدام، ص ٣٢٨.

١١ - د. سامي نصر: نماذج من الحكمة الدينية للمسلمين ص ٢٦٧ – ٢٦٩، ط ٢، القاهرة ١٩٨١م.

١٢ - ابن الجوزي: تلبيس ابليس، ص ١٢٠.

١٣ - الشهرستاني: الملل والنحل، ج ١، ص ١٩٨…

١٤ - د. عطف العراقي: ثورة العقل في الفلسفة العربية، ص ١٦، ط ٤، القاهرة ١٩٧٨م.

١٥ - الشهرستاني: الملل والنحل، ج ١، ص ٣٦.

١٦ - الشهرستاني: الملل والنحل، ج ٢، ص ٤.

١٧ - د. عاطف العراقي: المنهج النقدي في فلسفة ابن رشد، ص ٢٢، ط ١، القاهرة ١٩٨٠م.

١٨ - الشهرستاني: الملل والنحل، ج ٢، ص ١١.

١٩ - الشهرستاني: الملل والنحل، ج ٢، ص ١١.

٢٠ - د. أبو الوفا التفتازاني: علم الكلام وبعض مشكلاته، ص ١٥٨، القاهرة ١٩٧٩م.

٢١ - د. أحمد صبحي: علم الكلام، ج ١، ص ٤٣٨ – ٤٣٩.

٢٢ - د. عاطف العراقي: ثورة العقل في الفلسفة العربية، ص ١٥.

٢٣ - د. ابراهيم مدكور: منهج وتطبيقه، ج ٢، ص ٥٣.

٢٤ - الشهرستاني: الملل والنحل، ج ٣، ص ١١٠.

٢٥ - الشهرستاني: مصارعة الفلاسفة، ص ١٤، نشر د. سهير مختار، ط ١، القاهرة ١٩٧٩م.

٢٦ - الشهرستاني: نهاية الاقدام، ص ١٦٣.

٢٧ - الشهرستاني: الملل والنحل، ج ٣، ص ٣.

٢٨ - أنظر على سبيل المثال، مصارعة الفلاسفة، ص ٢١، ٣٨، ٤٥، ٥٨، ٧٢، ١٠٢.

٢٩ - الشهرستاني: الملل والنحل، ج ١، ٤٣.

٣٠ - الشهرستاني: الملل والنحل، ج ١، ص ٥١.

٣١ - الشهرستاني: مصارعة الفلاسفة، ص ٣٢.

٣٢ - الشهرستاني: الملل والنحل، ج ١، ص ١٢.

٣٣ - البيهقي: تاريخ حكماء الاسلام، ص ١٤٤.

٣٤ - الشهرستاني: مصارعة الفلاسفة، ص ١٥.

٣٥ - د. أحمد صبحي: في علم الكلام، ص ٤٩٨ – ٥٠٢.

٣٦ - كارادي فو: في مقال له عن «الاديان والمذاهب» بدائرة المعارف الاسلامية، ج٤، ص ٢٦٣.

٣٧ - ابن تيمية: منهاج السنة النبوية، ج ٣، ص ٢٠٨ – ٢٠٩، ط ١، ١٣٢٢هـ.

٣٨ - لويس جارديه – والأب قنواتي: فلسفة الفكر الديني بين الاسلام والمسيحية، ج ١، ص ٢٧٥، من الترجمة العربية، وانظر أيضاً، ابن تيمية: منهاج السنة، ج ٣، ص ٢٠٩.

٣٩ - الغزالي: المنقذ من الضلال، ص ٩٤، ط ٢، القاهرة ١٩٥٥.

٤٠ - الشهرستاني: نهاية الاقدام، ص ٥٦.

٤١ - الشهرستاني: مفاتيح الأسرار، لوحة ٣٤ ب، مخطوط بمعهد المخطوطات العربية بالقاهرة تحت رقم ٢٥٦ تفسير.

٤٢ - د. سهير مختار: الشهرستاني وآراؤه، ص ٣٧٣، رسالة دكتوراه خطية بمكتبة كلية الآداب جامعة عين شمس، ١٩٧٦م.

٤٣ - د. مدكور: منهج وتطبيقه، ج ٢، ص ٥٣.

٤٤ - البيهقي: تاريخ حكماء الاسلام، ص ١٤٢.

٤٥ - أنظر ياقوت الحموي: معجم البلدان، ج ٥، ص ٣١٥، السبكي: طبقات الشافعية، ج ٤، ص ٦٨، ط ١.

٤٦ - ابن حجر: لسان الميزان، ج ٥، ص ٢٦٣.

٤٧ - الزركلي: الأعلام، ج ٧، ص ٨٣، ط ٢.

٤٨ - الشهرستاني: قصة يوسف، ل ٣٤ ا، مخطوط بمكتبة الجامع الأزهر تحت رقم ٢٤٨٥ صعايدة.

٤٩ - د. عاطف العراقي: تجديد في المذاهب الفلسفية والكلامية، ص ١٦ – ١٧، ط ٤، القاهرة ١٩٧٩م.

٥٠ - د. أحمد صبحي: في علم الكلام، ص ٤٣٠.

٥١ - د. أحمد صبحي: في علم الكلام، ص ٤٣٤، ٤٣٨.

٥٢ - د. أحمد صبحي: في علم الكلام، ص ٤٣٤، ص ٤٣٨.

٥٣ - سورة ق: ٣٧.

٥٤ - أنظر لويس غرديه وجورج قنواتي: فلسفة الفكر الديني، ج ٣، ص ٩٧، وتعليق د. صبحي الصالح، ص ٣٤٩ – ٣٥٠، ط ١، بيروت، ١٩٦٩م.

٥٥ - د. أبو الوفا التفتازاني: علم الكلام، ص ١٥٣.

٥٦ - سورة النحل: ١٢٥.

٥٧ - صورة العنكبوت: ٤٦.

٥٨ - مصطفى عبد الرازق، تمهيد لتاريخ الفلسفة الاسلامية، ص ٢٧٢.

٥٩ - أحمد أمين: ضحى الاسلام، ج ٣، ص ١١، ١٣، ط ٦، القاهرة ١٩٦٢م.

٦٠ - د. أبو الوفا التفتازاني: علم الكلام، ص ٧.

٦١ - الإسراء: ٤٢.

٦٢ - المؤمنون: ٩١.

٦٣ - يس: ٧٩.

٦٤ - الأنبياء: ١٠٤.

٦٥ - الإسراء: ٩٤ – ٩٥.

٦٦ - لويس غرديه وجورج قنواتي: فلسفة الفكر الديني، ج ٣، ص ١٨٣ - ١٨٤.

٦٧ - ابن خلدون: المقدمة، ص ٣١٩ - ٣٢١.

٦٨ - د. أحمد صبحي: في علم الكلام، ص ٣٤ - ٣٦.

٦٩ - د. أبو العلا عفيفي: التصوف الثورة الروحية في الاسلام، ص ٩٢، القاهرة ١٠٦٢م.

٧٠ - د. أبو الوفا التفتازاني: مدخل إلى التصوف الاسلامي، ص ١٤٥ – ١٤٦، ط ٣، القاهرة ١٩٨٣م.

٧١ - ابن خلدون: المقدمة، ص ٣٢٧، ٣٤٧.

٧٢ - غرديه وقنواتي: فلسفة الفكر الديني، ج ٣، ص ٢٥.

٧٣ - Macdonald: Development of Muslim theology,p. p. ١٨٧ - ١٨٨,New York,١٩٢٦.

٧٤ - د. أحمد صبحي: في علم الكلام – ص ٢٣٨ - ٢٣٩.

٧٥ - د. ابراهيم مدكور: منهج وتطبيقه، ج ٢، ص ٥١.

٧٦ - ويكنز: في مقال له بعنوان «الدين» ضمن كتاب «تراث فارس»، ص ٢٠٩ من الترجمة العربية، وانظر أيضاً المقريزي: الخطط، ج ١، ص ٤٠٨، وأيضاً د. حسن ابراهيم: تاريخ الدولة الفاطمية، ص ٤٣١، وما بعدها، ط ٢، القاهرة ١٩٧١م.

٧٧ - الشهرستاني: الملل والنحل، ج ١، ص ١٤٦ – ١٩٨م.

٧٨ - عرض أستاذنا الدكتور عاطف العراقي لفلسفة ابن سينا الطبيعية في بحث عُدّ فريداً في بابه ضمنه كتابه «الفلسفة الطبيعية عند ابن سينا» وقد عرض فيه أستاذنا لآراء ابن سينا النقدية في المسائل الطبيعية التي أشرت اليها وانتقد بعضها، بما لا مزيد عليه، انظر على سبيل المثال، ص ١٥١، ١٦٩، ١٧١، ١٨٣، ٢٣٢، ٢٥٤، ٢٥٨، ٢٨٦، ٣٧٧.

٧٩ - عن خلاصة مذهب ابن سينا في النفس، أنظر د. عاطف العراقي: مذاهب فلاسفة المشرق، ص ١٨٧ – ٢٣٠، ط ٧، ١٩٨٣م.

٨٠ - د. ابراهيم مدكور: في مقدمته لإلهيات الشفاء لابن سينا، ج ١، ص ٢٦.

٨١ - أنظر: عاطف العراقي: مذاهب فلاسفة المشرق، ص ٢٥٦ - ٢٦٥.

٨٢ - أنظر: د. عاطف العراقي: مذاهب فلاسفة المشرق، ص ٢٩٠ - ٢٩٥.

٨٣ - أنظر رسائل إخوان الصفا، ج ٤، ص ٦٩، ١١٣، ١٥٧، وانظر أيضاً د. عمر فروخ: إخوان الصفا ص ٣٤ – ٣٥، ١٢٧ – ١٢٨ – ط ٣، بيروت ١٩٨١.

٨٤ - الشهرستاني: قصة يوسف ل ٣٨ أ…

٨٥ - الشهرستاني: مفاتيح الأسرار: ل ١٢٠ ب.

٨٦ - الشهرستاني: مفاتيح الأسرار: ل ١٦٧ أ، ٢٧٣ أ.

٨٧ - الشهرستاني: الملل والنحل، ج ٢، ص ١١١.

٨٨ - الشهرستاني: مصارعة الفلاسفة، ص ٨٢.

٨٩ - الشهرستاني: الملل والنحل، ج ٢، ص ١٧٨.

٩٠ - الغزالي: المنقذ من الضلال، ص ١٠٣ – ١٠٤، ط ٢، القاهرة – ١٩٥٥م.

٩١ - أنظر على سبيل المثال الشهرستاني: مصارعة الفلاسفة، ص ٣٢، ٣٤، ٦٦، ٨٢، ٨٣.

٩٢ - الشهرستاني: نهاية الاقدام، ٩٧.



[ Web design by Abadis ]