ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 القيم و المصالح أساس العلاقات بين المسلمين والمسيحيين \ محمد علي التسخيري *

ملخص

العلاقة بين الاسلام والغرب الثقافي (لا السياسي) بصورة عامة، وبين الاسلام والمسيحية بشكل خاص يمكن أن تلتقي في ساحات عدة منها: عبادة الله ومحاربة الظلم والطغيان، والإيمان بالفطرة الإنسانية المبدعة، وبمنظومة أخلاقية تكاد تكون واحدة، وبحقوق الإنسان وبالقيم العائلية، والتكافل الاجتماعي، وخدمة الحضارة الانسانية، ومنظومة العبادات والصلوات المزكية للنفس، وكل هذه المساحات المشتركة قيم دينية تقتضي التعايش، وتدعو الطرفين للتعاون.

لا شك أن هناك في العالم الإسلامي صحوة إسلامية شاملة وقد تجلت بشكل ـ

* - الامين العام للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاسلامية.

أكثر وضوحاً في منتصف القرن الماضي، وقد رأينا بعض مظاهرها والتي قد تكون أيضاً عناصر مساعدة على اتساعها وتعميق جذورها، متمثلة في قيام المؤسسات الشمولية في اواخر الستينات كرابطة العالم الإسلامي ومنظمة المؤتمر الاسلامي، ونجاح الثورة الاسلامية في ايران، وهزيمة الاتحاد السوفيتي في أفغانستان، وانتشار المطالبة بتطبيق الإسلام في شتى أنحاء العالم الاسلامي، وتنامي الشكوك تجاه نوايا الغرب تجاه العالم الاسلامي، وانتشار العادات والظواهر الاسلامية خصوصاً بين الشباب وأمثال ذلك.

وقد دفع هذا التحول الكبير بعض الدول العظمى كأميركا لتغيير استراتيجياتها، وبعض المفكرين ليعيدوا النظر في تحليلاتهم الحضارية وأسلوب التعامل بين الحضارات، كما دفع بعض ذوي النظريات المتطرفة إلى العودة إلى نظريات تقسيم العالم إلى متحضر ومتوحش، وبالتالي تطبيق مبدأ قانون الغابة مع سكانها، وأنه لا معنى للتعامل معهم وفق المبادئ الإنسانية.

وقد انجزت أعمال تحقيقية لها قيمتها الدراسية في هذا المجال. [١]

وقد كانت المحاولات تنصب على عناصر ثلاثة في مجال تبيين سبب الظاهرة، وهي:

١ـ مسألة انقسام المجتمعات الاسلامية إلى خطوط ثقافية ثورية أو رجعية وصراع هذه الخطوط.

٢ـ مسألة سعي الغرب أو الحكومات الموالية له إلى تهميش العنصر الإسلامي والمظاهر الإسلامية.

٣ـ عمل المفكرين الإسلاميين على الاستفادة الجيدة من ظروف الانفتاح الإنساني وحقوق الإنسان لغرض إثارة الحماس في العالم الإسلامي.

وهم بذلك ينقسمون في مجال التعامل الإسلامي الغربي إلى فريقين:

الأول: من يرون أن مجال التصالح بين الغرب والاسلام مغلق ونفقه مظلم، لأن السر يكمن في أن الإسلام نفسه يرفض الغرب قيمياً ولا يسمح مطلقاً بالتعايش أو ما يسمونه بالانسجام مع الحداثة أو التغريب. وتسميهم الكاتبة شيرين هانتر بالمستشرقين الجدد [٢]، أما نحن فيمكن أن نسميهم بفلاسفة «اليأس الحضاري».

ومن هؤلاء مثلاً مارتن كرامر الذي ينعى على مخالفيه تساهلهم في الأمر ويسميهم «الاعتذاريين» ويرى أن عملية الإحياء الإسلامي ستقضي على نفسها في نهاية القرن كما يرى أموس برلموتر في مجال العلاقة بين الإسلام والديمقراطية «أن المسألة ليست الديمقراطية بل الطبيعة الأصلية للإسلام [٣] ».

ولا نعدم في عالمنا الإسلامي من يصور العلاقة في ثنائية متنافرة تنافر الإسلام والجاهلية.

الثاني: يرى إمكان التعايش نتيجة حيوية الإسلام وقدرة التجربة الإسلامية على التغير والتكيف، كما يرى أن الانبعاث الإسلامي ناتج لا من قدرات الإسلام الذاتية بل من الحرمان الاقتصادي والاستلاب الاجتماعي والحرمان السياسي ايضاً وهذا ما يؤكد عليه فرانسوا بورغات كما يرى أيضاً بعداً ثقافياً لهذه الحركة كجهد للاستقلال الثقافي ويقول:

«نحن نشهد الوجه الثالث لعملية إزالة الاستعمار. فالوجه الأول كان سياسياً - حركات الاستقلال والثاني اقتصادياً - تأميم قناة السويس في مصر والنفط في الجزائر أما الوجه الأخير فهو ثقافي [٤] ». ويدعو هؤلاء إلى سياسة التعامل بايجابية وتسميهم الكاتبة شيرين هانتر بالعالم ثالثيين [٥]، واسميهم بـ (مفكري التوافق)، وهناك كثيرون من المفكرين الاسلاميين ينحون هذا المنحى.

وإذا كنت أنعى على الأولين بعدهم عن فهم طبيعة الإسلام المرنة، وفهم حقيقة الصراع الطويل بين العالم الإسلامي والعالم الغربي بكل ما فيه من مد وجزر، فإني أنكر على أتباع الاتجاه التوافقي الغربي اعتبارهم قيم الحضارة الغربية هي الأصل، ومدى قدرة الإسلام على الانسجام معها هو المعيار في حيوية الاسلام.

فهذا برايان في سلسلة مقالاته عن الموضوع في (الايكونوميست) اللندنية عام ١٩٩٤ يبدو توافقياً داعياً الغرب الى شيء من الانحياز إلى المعنويات وداعياً العالم الإسلامي إلى الإيمان بكل القيم الغربية معتبراً ان العالم الإسلامي يمر اليوم في قرنه الخامس عشر الهجري بنفس الحالة التي كان الغرب يمر بها في قرنه الخامس عشر الميلادي، وكما كان الإسلام العامل الخارجي المؤثر آنذاك لحدوث النهضة فيجب أن يكون الغرب هو العامل الخارجي المؤثر في نهضة العالم الإسلامي اليوم.

وكذا نجد شيرين هانتر تدعو الغرب إلى شيء من التدين وتدعو العالم الإسلامي إلى العلمانية ليتم حل المشكلة [٦]. وكأن الأمر يدور بين حالتين فإما أن يتنازل الإسلام عن قيمه ليرضى الطرفان: اليائسون والتوافقيون، أو يوصف بأنه العدو الحضاري على طول المدى للغرب.

ولنصور هذه الثنائية الحدية بشكل آخر، فإما أن يكون معيار الصراع هو «القيم» فليس ثمة تلاق أبدا. أو تكون «المصلحة» فهناك آفاق للتعاون والتعايش.

ولكي انتقل بالبحث من التعامل الإسلامي الغربي إلى التعامل الإسلامي المسيحي في حركة الواقع اليوم - وهناك من سحب الواقع الغربي على كل الساحة المسيحية - أبدي الملاحظتين التاليتين:

الملاحظة الأولى

إن هناك خلطاً واضحاً أحياناً بين الإسلام كمنظومة قيم والمسلمين كأمة تعتنق الإسلام، فالواقع التطبيقي للإسلام ولمسيرة الأمة لا يعكس في ظروف ليست قليلة حقيقة القيم الإسلامية في حركتها العملية، فلا يمكن مثلاً اعتبار تصرف حاكم معين منطلقاً من الثقافة الإسلامية حتماً، خصوصاً وأن الحكم الإسلامي ابتلي بفترات استبداد وبُعد عن القيم يتبرأ منها المسلمون أنفسهم، كما أن القيم الغربية والسلوك الغربي لا يعني بالضرورة رضاً مسيحياً عنه بل إن محاولات التخلص حتى من النَفَس المسيحي معروفة.

إلاّ أننا لا نجانب الحقيقة إذا قلنا إن روح القيم الإسلامية هي التي تحرك التيار العام في العالم الإسلامي حتى لو افترضناه علمانياً، كما أن الروح المسيحية تفعل فعلها وتترك تأثيرها الجذري على مجمل الحياة الغربية. ولكنهما (الإسلام والمسيحية) يبقيان مصونين عن أي انحراف في العالم (الإسلامي والغربي) لا يمت إلى قيمهما بصلة.

ومن هنا نجد الفرق واضحاً في مجال النظرة أو في مجال التعايش في الغرب عنهما في العالم الإسلامي، حتى أن المرء لا يحس بكثير من الفوارق بين المسلم والأرمني الإيرانيين أو القبطي والمسلم المصريين.

ومن هنا نقول إن الحوار الإسلامي المسيحي له تأثيره القوي على العلاقة بين الحضارتين الإسلامية والغربية.

الملاحظة الثانية

إننا لا نجد أنفسنا محصورين في الزاوية الضيقة فإما أن نترك الساحة للقيم المتناقضة فالصدام والصراع أو نلجأ إلى المصلحة فتـُسحق القيم ويتم التعايش - والمفروض أن التنازل عن القيم يعني الاغتراب عن الذات - . إن هذه المعادلة باطلة على صعيد العلاقة الإسلامية الغربية وأكثر بطلاناً على صعيد العلاقة الإسلامية المسيحية.

فهناك الكثير الكثير من نقاط الاشتراك بين الاسلام والغرب يمكنهما أن يتفاهما عليها دون التنازل عن القيم. من أمثال «حقوق الإنسان، والديمقراطية، والسلام، والحرب ضد الإرهاب، ومقاومة العنصرية والنازية والفاشية وغير ذلك».

وهناك المصالح المشتركة التي تزيد العلاقة قوة.

أما المساحات المشتركة بين الإسلام والمسيحية ففيها اتساع ملحوظ.

فهناك تراث قيمي مشترك لا يقدر بثمن فإن الملاحظ للنصوص الإسلامية يجد كماً كبيراً من النقل عن عيسى (ع) وأمه الطاهرة نقلاً يوجه الحياة وينقيها. وكمثال على ذلك نجد الشيخ الكليني وقد توفي في أوائل القرن العاشر الميلادي في كتابه المعروف «الكافي» [٧] ينقل نص مناجاة الله «عز وجل» لعيسى كأروع ما يكون حيث يبدو كما يعبر محمود ايوب «عبداً متواضعاً لله، لكنه في الوقت عينه ولي مقرب عند الله» ثم يعقب فيقول:

«من خلال مفهوم التجلي الإلهي هذا تلتقي صورتا المسيح الإسلامية والمسيحية حول نقاط عدة: فالإسلام يؤكد أن في مقدور الإنسان، بل من واجبه أن يتقرب إلى الله والتقرب إلى الله يتضح جلياً في معراج النبي محمد (ص) حيث وقف أمام الله مباشرة وصعود المسيح ليجلس عن يمين الله» ورغم وجود بعض النقاش في هذا النص إلا أنه يكشف عن تلاحم بين التراثين.

على أن هناك تلاقياً في مجالات كثيرة منها:

- التركيز على عبادة الله ومحاربة الظلم والطغيان.

- الإيمان بالفطرة الإنسانية المبدعة.

- الإيمان بمنظومة أخلاقية تكاد تكون واحدة.

- الإيمان بحقوق الانسان.

- الإيمان بقيمة التشكيل العائلي.

- الإيمان بضرورة التكافل الاجتماعي.

- الإيمان بضرورة إحياء الذكريات المصيرية.

- الإيمان بقيمة الحياء والعفة الاجتماعية.

- الإيمان بالحياة الإلهية المسجدية أو الكنسية.

- الإيمان بضرورة خدمة الحضارة الانسانية.

- الإيمان بمنظومة من العبادات والصلوات المزكية للنفس.

وغيرها كثير كثير.

وهناك مساهمات حضارية مشتركة. على أن المصلحة وهي في نفسها قيمة دينية تقتضي هذا التعايش.

إن التعاون في الحرب ضد الفقر والمرض والجهل، والعمل لنفي التعصب، والانهيار الأخلاقي، وإشباع الحاجات المعنوية ومقاومة المخططات الشيطانية لتقويض الكيان العائلي والتشكيك في القيم الدينية، ومقاومة الإرهاب بشتى أنواعه ومنه الإرهاب الرسمي، ورفض أدعياء الدين الذين يخلقون الحروب لمصالحهم الشخصية والفئوية والحزبية ويتسترون بالدين، وغيرها كلها مصالح تدعو الطرفين للتعاون البناء.

الهوامش:

[١] من قبيل ما كتبه الكثير من الكتاب الإسلاميين كمحمد محمد حسين والعقاد، ومحمد حسنين هيكل، والمطهري، والسيد الصدر، والندوي، وكتاب غربيون مثل جون اسبيزيتو وب. بيسكاتوري، وفرانسوا بورجا، وجيل كيبيل ور. ديكميجيان، وشيرين هنتر، وابراهام برايان وغيرهم.

[٢] مستقبل الاسلام والغرب صدام حضارات ام تعايش سلمي: ص ٩٦.

[٣] الواشنطن بوست، ١٩ يناير ١٩٩٢.

[٤] Paris: Editions La Decouverte ١٩٩٥) , ١٠٧.

[٥] مصدر سابق ص ٩٨، من الترجمة العربية.

[٦] مصدر سابق.

[٧] روضة الكافي، الجزء الثامن، ونقله عنه ابن شعبه الحراني في آخر كتاب «تحف العقول» وتحدث عنه بالتفصيل البروفيسور محمود أيوب في كتابه «دراسات في العلاقات المسيحية الاسلامية» ج١، ص٦٤.



[ Web design by Abadis ]