ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 الوحدة الإسلامية عناصرها و مواقعها \ الأستاذ الشيخ محمد واعظ زاده الخراساني

وحدة المسلمين كلمة تهفو إليها كل قلوب المؤمنين المخلصين لدينهم وربهم، وهدف سعى إلى تحقيقه جميع الدعاة والمصلحين على مرّ التاريخ. ولا يشك أحد في عظمة هذا الهدف وأهميته العقلية والتشريعية، فكل ما دعا إليه الإسلام من عزة ورفعة ومنعة وشوكة للمسلمين يتحقق في ظل الوحدة. ولا يشك أحد أيضاً أن المسلمين يعيشون منذ قرون حالة تجزئة وتمزق وتشتت أذهبت ريحهم وسلطت عليهم أعداءهم، حتى أضحت مسألة العودة إلى المجتمع الإسلامي الموحد هدفاً بعيد المنال في أنظار بعضٍ ومستحيلاً في أنظار آخرين.

واليوم وقد توفرت في الساحة الإسلامية ظروف جديدة هي مزيج من الوعي والتحدّي والتجارب، تبشر بغد إسلامي مشرق، فلابد أن نفتح باب الحوار الجاد الهادف لدراسة مفهوم الوحدة، وسبل تحققها، والعوائق التي تقف بوجهها، وفي هذا الحديث نتناول عناصر الوحدة، كي ننأى بهذا الهدف الكبير عن الجموح في عالم الخيال، ونقرّبه من واقعه العقلي والتشريعي والاجتماعي والعملي.

مـا هي الوحـدة؟

ما المقصود بالوحدة الإسلامية؟ قد يتصور أحد أنها اتفاق المسلمين في كل شؤونهم العقائدية والعبادية وفي كل العادات والتقاليد… أي أن ينضوي المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها تحت لواء حكومة واحدة، وقانون واحد، وسياسة واحدة، ونظام سياسي واقتصادي واحد. أو انصهار القوميات والعناصر والشعوب في مجموعة بشرية واحدة خالية من كل هذه الاختلافات. مثل هذه التصورات الخيالية تجعل مفهوم الوحدة مستحيلاً لأنه يتعارض مع سنن الله والفطرة والطبيعة البشرية.

لنعد إلى الإسلام وننظر إلى تحديده لمفهوم الوحدة ومراده منها، ولاستكشاف الأمر يمكن تحرّيه في ثلاثة مجالات.

الأول - الاسم الذي أطلقه الإسلام على المجموعة الإسلامية الموحدة.

الثاني - ما ذكره الإسلام من صفات وواجبات لهذه المجموعة.

الثالث - أهداف هذه المجموعة ومقاصدها.

وتتضح هذه الأمور الثلاثة فيما يلي:

يطلق القرآن الكريم على هذه المجموعة البشرية المقصودة اسم المؤمنين أو المسلمين لما يتحلى به أفراد هذه المجموعة من إيمان وإسلام، وهذه التسمية تقابل المجموعات البشرية الأخرى من اليهود والنصارى والمجوس والصابئين أو المشركين.

وثمّ لفظ آخر يطلقه القرآن هو "الأمة"، ويظهر أنه أكثر تبييناً لمفهوم الوحدة بين الجماعة الإسلامية:

(إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون (١.

(وكذلك جعلناكم أمة وسطا (٢.

(ولكل أمة رسول (٣.

(ولقد بعثنا في كل أمة رسولا (٤.

وهذه الآيات الكريمات وأمثالها تطلق على أتباع كل دين إلهي اسم "الأمة"، فما الذي تنطوي عليه هذه الكلمة من معان؟

الأمة من "أمم" وتتضمن معاني الاقتداء والاتباع، والقصد والهدف، والقيادة والزعامة، وفي القرآن بمعنى المجموعة البشرية المنضوية تحت لواء دين واحد، وعلى هذا المعنى فسرت الآية الكريمة: (إن هذه أمتكم أمة واحدة (٥، كما وردت بمعنى المقتدى والمحتذى وعليه فسرت الآية: (إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا (٦.

انطلاقاً من المعاني اللغوية لكلمة "أمة" واستعمالها في القرآن الكريم نفهم أن "الأمة" جماعة بشرية ذات مسلك واحد وطريقة واحدة وهدف واحد وقيادة واحدة. إنها تتضمن مفهوم الحركة تجاه قبلة واحدة وجهة واحدة.

مثل هذه المجموعة، بهذه الخصائص، لابد أن تتوفر فيها مشتركات أخلاقية وروحية وثقافية. وهنا نقف عند العناصر التي تشكل أساس وحدة الأمة… العناصر التي توحد دون أن تتعارض مع الأصول الطبيعية والاجتماعية ومع السنن الإلهية الحاكمة في المجتمعات البشرية.

عناصـر الـوحـدة

الأول - وحدة العـقيدة:

لابد للامة الواحدة أن تكون لها أصول اعتقادية واحدة، وهذه الأصول لدى الأمة الإسلامية - بإجماع كل علماء المذاهب - التوحيد والنبوة والمعاد. إنكار واحد من هذه الأصول أو عدم الإيمان به يخرج الفرد من دائرة الإسلام بإجماع العلماء وبنص القرآن والسنة. وإذا كانت ثمة أصول أخرى فهي أصول المذهب، لا أصول الدين، كالإمامة لدى الشيعة والعدل لدى الشيعة والمعتزلة. الاعتقاد بهذه الأصول الثلاثة إذن كاف لإيجاد وحدة عقائدية بين أبناء الأمة الإسلامية. وهنا نشير إلى ثلاث ملاحظات.

- الملاحظة الأولى:

من المؤكد أن المعرفة الإجمالية بأصول الدين هذه والإيمان بها على حدّ المفهوم المشترك العام هو المقدار المطلوب، وليست المفاهيم التفصيلية لهذه الأصول. العلماء تعمقوا فيها وفرعوها وأدخلوها في دراسات كلامية وفلسفيةولذلك حدثت مذاهب في الأصول. لكن هذه التفاصيل المذهبية لا ارتباط لها في إيمان المسلم بأصول دينه. هذه التفاصيل لا تتجاوز عادة جدران قاعات الدرس وبطون الكتب، ولا تخرج إلى عامة الأمة المسلمة التي تنتمي اسمياً إلى هذا المذهب أو ذاك.

وهل إن الدخول في هذه البحوث أمر لازم، أو جائز؟ هل هذه الدراسات تستطيع أن تصل إلى نتائج قطعية؟ هل معرفة هذه التفاصيل له دخل في الفوز الأخروي؟ لا نريد هنا أن نجيب على هذه الأسئلة. بل الذي نريد أن نقرره هنا هو أن الملاك في دخول الفرد دائرة الإسلام وشرط تحقق الوحدة الإسلامية الإيمان بهذه الأصول على المستوى البسيط المفهوم لدى عامة الناس، لا بالفروع المعقدة الكلامية والفلسفية التي نشأت في قرون متأخرة بين الفلاسفة وعلماء الكلام. وبدون ذلك لا تتحقق وحدة العقيدة، لأن الجدل الكلامي خلال القرون المتوالية أدى إلى مزيد من الاختلاف العلمي ولم يحقق أي اتفاق. التفاصيل الكلامية ليست إذن ملاك اتفاق المسلمين، والاختلاف فيها لا يُضرّ بوحدة العقيدة بين المسلمين.

- الملاحظة الثانية:

لا شك أن أي مذهب إسلامي ملتزم بالإيمان بهذه الأصول، وإنكار أي واحد منها يخرج المذهب من دائرة الإسلام، ولا نعتقد أن بين المذاهب الإسلامية اليوم مذهباً ينكر صراحة أحد هذه الأصول. نعم، في بعض المذاهب النادرة غير المعروفة عقائد يلزمها إنكار واحد من هذه الأصول. لكن أتباع هذه المذاهب غير ملتـزمين بهذه الملازمة. ولا يعتقدون أن عقائد مذهبهم الخاصة تستلزم إنكار أحد هذه الأصول.

ملاك الكفر والخروج من الإسلام هو الإنكار الصريح، لا الإنكار بالملازمة. والخلط بين العقيدة الصريحة والعقيدة الملازمة للعقيدة الصريحة من آفات المذاهب ومن عوامل تراشق التهم بينها.

- الملاحظة الثالثة:

المذاهب المستحدثة التي تنكر خاتمية محمد (ص)، وتدعي وحياً جديداً وكتاباً جديداً، وإن ادعت الإيمان بالإسلام وبأنها من الفرق الإسلامية، هي خارجة عن الإسلام قطعاً، لأنها لا تلتزم بنهج الإسلام، بل لها نهج آخر ونبي آخر وكتاب آخر، وكل ذلك يجعلها في جهة متعارضة مع الأصول الإسلامية.

الثاني - وحدة العمل والاتّباع:

قلنا أن كلمة "الأمة" تنطوي على معنى الاتباع، والاتباع يكون في الأصول والفروع. ولقد بيّنا المقدار الضروري من الإيمان بالأصول مما يستلزمه الإسلام والوحدة الإسلامية. وهنا نذكر أيضاً لزوم اتباع المنهج الإسلامي في الفروع بمقدار ما اتفقت عليه جميع المذاهب الإسلامية فرضه الكتاب وأوجبته السنة بوضوح ودون أي إبهام.

ولا يوجد مذهب من المذاهب الإسلامية المعروفة ينكر الصلاة والصوم والزكاة والحج والجهاد. ونقل صاحب "دعائم الإسلام" بطرق مختلفة ما يقرر أن هذه الأعمال من أسس الإسلام. ولو أنكر فرد وجوب واحد من هذه الأعمال صراحة (لا بالملازمة) فانه يخرج من ربقة الإسلام.

وكما ذكرنا في حديثنا عن العقيدة، نصرّح هنا أيضاً أن الحد اللازم لدخول الفرد في دائرة المسلمين ولتحقق وحدة الأمة المسلمة هو الالتزام بالحد المتفق عليه في هذه الفروع. كأن يؤدي الصلوات الخمس بعدد ركعاتها المنصوصة، ويحج بأداء المتفق عليه من المناسك، أما شروط وآداب هذه الأعمال المختلف عليها بين المذاهب فلا دخل لها في الحد اللازم المذكور، لأنها ناشئة من اختلاف اجتهاد المجتهدين. والاختلاف فيها لا يضرّ بإسلام الفرد ولا بوحدة المسلمين.

العنصر الثالث - وحدة القيادة:

ذكرنا أن كلمة "أمة" تتضمن معنى القيادة. والاتباع الذي تحدثنا عنه يستلزم القيادة وللقيادة في الإسلام مصداقان: أحدهما صامت وخالد، والآخر حي ومتغير.

القيادة الصامتة هي بإجماع المسلمين كتاب الله وسنة رسوله، ولا يوجد بين المذاهب الإسلامية من ينكر قيادتهما. وهما دعامتان هامتان لوحدة المسلمين. والقرآن يطلق على كتاب الله المنزّل اسم الإمام يقول:

(وكل شيء أحصيناه في إمام مبين (٧.

(ومن قبله كتاب موسى إماماً ورحمة (٨.

والرسول (ص) إمام الأئمة، وإطاعته لا تنفك عن إطاعة الله سبحانه.

وقيادة القرآن والسنة بمعنى الهداية والإرشاد والتعليم والتربية.

ودين الفطرة إذ يؤكد على ضرورة إجماع المسلمين على القرآن والسنة يجيز الاختلاف فيهما في حدود خاصة، والاختلاف فيهما له مجالان:

الأول - اختلاف المجتهدين في مفهوم ومنطوق الكتاب والسنة وفي حدود وشروط حجيتهما، وأمثال ذلك من البحوث المطروحة في المذاهب الكلامية والفقهية. وهذا الاختلاف لا يتعارض مع أصل اتفاق المسلمين على حجية الكتاب والسنة.

الثاني - الاختلاف في الصدور ويرتبط بالسنّة فقط، لأن صدور جميع الأحاديث المروية غير قطعي ورب رواية صحت في نظر عالم ولا تصح في رأي عالم آخر.

ولا يصدق ذلك على الكتاب لتواتر جميع ألفاظه وآياته. نعم، في القرآن اختلاف طفيف يرتبط بالناسخ والمنسوخ ودلالة الألفاظ، ويشمل هذا الاختلاف السنة أيضاً. والاختلاف بين السنة والشيعة في سنة رسول الله إنما هو اختلاف في المقدمة الصغرى لا الكبرى - على حد تعبير المنطقيين - فالفريقان متفقان على حجية السنّة وأنها واجبة الاتباع كالقرآن. والاختلاف في أن هذا القول من السنّة أم لا.

أما القيادة الحية المتحركة فتتمثل أول ما تتمثل في شخص القائد الأول رسول الله (ص). فهو إضافة إلى إمامته الدينية قائد المجتمع الإسلامي وزعيمه السياسي. وكل المسلمين يؤمنون بذلك. وظهر الاختلاف بعد وفاة رسول الله (ص). قال قوم من أهل السنة أن الإمامة بعد الرسول أمر سياسي لا ديني. وقال أكثرهم أنها منصب ديني، لكنهم لم يجعلوها ضمن أصول الإسلام. والشيعة على العكس من ذلك آمنوا أن القيادة بعد رسول الله (ص) يجب أن يتواصل فيها ما كان موجوداً في شخص القائد الأول من الجمع بين السمة الدينية والسياسية. واعتبروا الإيمان بها أصلاً من أصول المذهب. فهي في رأيهم تتواصل عبر الأئمة الإثني عشر ثم الفقهاء الذين تتوفر فيهم شروط التقوى.

يظهر أن الانفصال بين القيادة السياسية والدينية في الفكر السنّي ظهر بعد تسلط الخلفاء الظلمة على مقدرات المسلمين، فاضطر بعض الفقهاء أن يفتي بوجوب طاعتهم، رغم أن المبدأ الإسلامي يصرّح بأنه» لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق «. وهذا الانفصال جرّ على العالم الإسلامي مآسي فظيعة وظهرت مجابهات حادّة على مرّ التاريخ بين القيادة الدينية في المجتمع والقيادة السياسية المتحكمة في مقدرات الأمة المسلمة.

وهنا لا نريد أن نتخذ موقفاً مذهبياً من هذه المسألة، بل الذي، لا يستطيع أن يشك فيه مسلم أنّ أولي الأمر في الآية الكريمة: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم (٩ هم الذين يقعون في امتداد طاعة الله والرسول. فلابد أن تكون مسألة ولاية الأمر بين المسلمين دينية أيضاً لا سياسية فحسب. يجب أن يكون ولي الأمر - على الأقل - ذا شبه برسول الله (ص) في علمه وعمله. وهذا الأمر الواضح جعل بعض علماء السنّة يصرّحون بضرورة أن تتوفر في ولي الأمر صفات تقترب كثيراً من الصفات التي يقررها الشيعة لولي الأمر.

على العموم، القيادة في المفهوم الإسلامي تجمع بين السياسة والدين، ومن أركان الدين، ولها الدور الهام في استمرار الدعوة الإسلامية واستتباب حاكمية الدين وفي وحدة الأمة الإسلامية، خاصة لو عرفنا أن "الأمة" و "الإمامة" من جذر لغوي واحد. المرحوم الدكتور شريعتي في كتابه» الأمة والإمامة « - وهو اسم مقتبس من كتاب» الأمة والإمامة «، للمرحوم السيد هبة الدين الشهرستاني - يقدم شرحاً رائعاً للتلازم بين» الإمامة «وتكوين» الأمة «في الإسلام.

العنصر الرابع - وحدة الهـدف

ذكرنا أن مفهوم الأمة يتضمن الحركة نحو هدف واحد. ووحدة الهدف مثل وحدة العقيدة ووحدة العمل ووحدة القيادة تشكل أصلاً إسلامياً هاماً، غير أنها وردت في النصوص الإسلامية بلغة التوجيهات الأخلاقية، ولغة الحث على اكتساب المكارم والفضائل، لكنها لغة فيها تأكيد على أهمية الهدف وعلى عدم افتراق الهدف عن المسؤولية المشتركة. يقول سبحانه: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله (١٠ فامتياز هذه الأمة وأهم خصائصها مسؤولية الدعوة والإيمان بالله، ولأهمية هذه المسؤولية قدّمها على الإيمان بالله سبحانه.

يمكن تلخيص أهداف الإسلام والمسؤوليات المشتركة التي يحملها المسلمون لبلوغ هذه الأهداف فيما يلي:

١ - الفلاح والفوز في الدارين وكسب رضا الله سبحانه. وعبارة (لعلكم تفلحون (تتكرر في القرآن بعد كثير من الأوامر والتعاليم.

٢ - استتباب حاكمية الدين في الأرض: (ويكون الدين لله (١١، (ليظهره على الدين كله (١٢.

٣ - استتباب حاكمية عباد الله الصالحين في الأرض: (… أن الأرض يرثها عبادي الصالحون (١٣، (ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين (١٤.

٤ - السعي لإشاعة الخير والمعروف وإزالة المنكر والشر والفساد. وآيات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تنحو هذا الاتجاه.

٥ - إنقاذ المستضعفين والمحرومين: (ومالكم لا تقاتلون في سيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان (١٥ …

٦ - فتح مغاليق أسرار الخليقة، للتعمق في فهم عظمة الخالق. وهذا الهدف يذكره القرآن لدى حديثه عن عظمة الكون وعجائب الطبيعة.

٧ - إزالة الفتنة من الأرض: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله (١٦.

٨ - تنمية الإحساس بالمسؤولية المشتركة الإسلامية، والاهتمام بأمر المسلمين، والمواساة بينهم، واتحادهم مقابل الأعداء. (من أصبح ولم يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم)، (المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه)، (…وهم يد واحدة على من سواهم) … وأمثالها من الروايات المشهورة تخلق هذه المشاعر الإنسانية.

٩ - إحلال روح الأخوة الإسلامية بين المسلمين، حتى أن الفرد المسلم يتمنى لغيره ما يتمناه لنفسه، وأن المؤمنين بمثابة نفس واحدة: (إنما المؤمنون إخوة (.

الخامس - عنصر الوحدة في الخصال ومكارم الأخلاق

من الطبيعي أن المجموعة البشرية المشتركة في عقائدها وأعمالها وأهدافها وقيادتها تشترك أيضاً في الخصال والملكات النفسية. وكثير من النصوص تبين هذه الوحدة الأخلاقية والاشتراك الروحي بين المسلمين حين تتحدث هذه النصوص عن صفات المؤمنين مثل الصدق والأمانة والوفاء بالعهد وعفة البطن والفرج وأمثالها. لا يمكن أن نتوقع بلوغ المسلمين جميعاً مستوى واحداً في هذه الخصال، كما أنهم لا يرتفعون إلى مستوى واحد من العقيدة، ولكن ثمة طابعاً مشتركاً يسود كل أفراد المسلمين في هذا الإطار.

السادس - عنصر الوحدة الثقافية

الاشتراك في العناصر السابقة المذكورة يستتبعه اشتراك في ثقافة توحّد بين أبناء العالم الإسلامي. لو نظرنا إلى البلدان الإسلامية لرأينا - رغم اختلاف تقاليدها ولغاتها وعاداتها، ورغم الهجوم الثقافي الغربي على ربوعها - سيادة ثقافة مشتركة بين أبنائها.

وهذه الثقافة المشتركة تشكل أكبر رصيد للتفاهم والتلاحم والتعاضد والإحساس بالأخوّة والانتماء الواحد. من هنا يسعى أعداء الأمة إلى إزالة هذا المشترك الهام بين المسلمين عن طريق المسخ والغزو. وفي الروايات الإسلامية حث على عدم تقليد الكفار في الزّي ومظاهر المعيشة: (من تشبه بقوم فهو منهم)، من أجل بقاء طابع الثقافة الإسلامية سائداً بين المسلمين.

وقفـة مع آراء العلمـاء

يعتقد العلامة الشيخ محمد أبو زهرة رحمه الله تعالى، وكان من رواد التقريب المصريين، أن الوحدة الإسلامية تتكون من عناصر ثلاثة لابد من تحققها لتتحقق في أقل صورها. وتلك العناصر - في رأي الشيخ - التوحيد الفكري والنفسي، ومنع التنازع بين الأقاليم الإسلامية اقتصادياً أو سياسياً بل حربياً، والعنصر الثالث إيجاد أسباب التعارف المستمر بين المسلمين آحاداً بعد التعارف الجماعي.

ويعتقد رحمه الله أن التوحيد الفكري والثقافي والنفسي لا يحتاج إلى إنشاء، ولكنه يحتاج إلى توجيه وجمع، فإن الأصل قائم ثابت، وحيثما اتجهت إلى بلد إسلامي، فانك تحس بأنس الاتفاق النفسي والفكري، وتجد الفكرة الجامعة قائمة، والأمر الجامع لأساليب الفكر الإسلامي ثابتاً، ولا يوجد بين أهل دين، أو أهل مذهب اقتصادي أو اجتماعي، من تتلاقى أفكارهم حول اتجاه معين لا يحول ولا يزول، كما تجده بين المسلمين.

ويتحدث المرحوم أبو زهرة عن ذكرياته في هذا المجال وما رآه في ندوة إسلامية من اجتماع المسلمين سنة وشيعة، وانعزال بعض الشواذ عن إجماع كل فرق المسلمين، ويقول:

(لقد قُدّر لي في الندوة الإسلامية الكبرى التي عقدت / بلاهور / أن التقي بالوفود التي نزحت من البلاد الإسلامية على اختلاف الطوائف فيها، فما وجدت نفرة فكرية بيني وبينهم، لا فرق في ذلك بين سني وشيعي، ولا بين صيني وروسي وتركي، وإن كانت نفرة بيننا وبين أحد، فما كانت إلا بيننا وبين زنادقة هذا العصر الذين يتسمون بأسماء إسلامية كهذا الذي ينكر أحكام آيات المواريث، ويدعي أنها وقتية، أو كهذا الذي ينكر النبوة، وغيرهما ممن نبذ المسلمون في المؤتمر كلامهم١٧.

ويدعو رحمه الله إلى كومنولث إسلامي، ويجب قبل كل شيء على "كل أقليم من أقاليم الإسلام أن يتضافر مع غيره لإخراج الظالمين من أي أرض من أراضي الإسلام، إذ أنهم يسومون أهلها الخسف والذل والهوان، ويفرضون عليهم الطغيان، وإنا إن لم نفعل ذلك لا نكون آخذين بمبادئ الإسلام، ولا نكون أمة واحدة، ولا مطيعين للقرآن ".

رحم الله الشيخ محمد أبو زهرة، لقد كان يحمل هموم وحدة المسلمين مثل كل جماعة التقريب في القاهرة ومثل كل دعاة التقريب في العالم الإسلامي، ويفكر بشكل جاد في عناصر هذه الوحدة وسبل تحققها.

عوامـل تفرقـة المسـلمين

ذكرنا في القسم الأول من هذا الحديث عناصر وحدة المسلمين، ولا يكتمل الحديث عن العناصر دون ذكر الموانع التي تقف بوجه تحقق وحدة لها كل مستلزمات الوجود وكل مقومات الحياة.

عوامل تفرقة المسلمين منها ما هو أصلي، أي أن وجودها بالذات يتنافى مع الوحدة، ومنها ما هو فرعي، أي إنه وحده لا يشكل عامل تفرقة إلا إذا انضم إلى العوامل الأصلية. وهذه العوامل الثانوية أكثر ظهوراً وبروزاً، بل إن العوامل الأصلية لا يمكن أن يظهر مفعولها إلا من خلال هذه الفرعيات، ثم إن هذه العوامل الثانوية ترتبط غالباً بطبيعة البشر ولا يمكن إزالتها، بل الذي يجب اقتلاع جذوره هو العوامل الأصلية للتفرقة، ونبدأ بالحديث عن العوامل الفرعية.

العوامـل الثانويـة للتفرقـة

١ـ اختـلاف المذاهـب

حين يدور الحديث عن وحدة المسلمين تطرح قضية الاختلاف المذهبي بين المسلمين نفسها باعتبارها أهم موانع الوحدة. والمسلمون في الواقع اختلفوا منذ القرن الأول الهجري في الأصول والفروع. وعلى مرّ التاريخ ظهرت مدارس فقهية وعقائدية وسلوكية عديدة.

والمسلمون اليوم ينقسمون إلى سنّة وشيعة، والسنة على أربعة مذاهب مشهورة في الفروع، وعلى مذهبين مشهورين في الأصول هما مذهب الأشاعرة ومذهب المعتزلة. ويوجد أيضا "الاباضية" ولهم مذهبهم الخاص في الفقه والكلام. أما الشيعة فأشهرهم الإمامية الإثنا عشرية ويوجد أيضاً الزيدية، والإسماعيلية. منهم من هو على هدى القرآن والسنة، ومنهم من تسربت إليه عقائد باطلة.

ثم هناك بين أهل السنّة والشيعة فرق صوفية لكل منها طريقتها الخاصة في تهذيب النفس والسلوك، وتلتزم هذه الفرق غالباً بما تلتزم به المذاهب الإسلامية في الفقه والعقيدة وإن تسرب إلى بعضها شيء من الانحراف.

الهاجس الذي يقلق دعاة الوحدة من التعددية المذهبية هو التاريخ الطويل للنزاعات المذهبية الدامية بين أتباع الفرق الإسلامية. وهذه حقيقة لا يمكن إنكارها، لكن الذي يجب أن نتعمق فيه هو سبب هذه النزاعات الدامية. هل هو مجرد الاختلاف الفكري أو الفقهي؟ إننا نجد في مقاطع تاريخية كثيرة بل وفي عصرنا الراهن أجمل ألوان التعايش والتعاون والتعاضد بين الجماعات ذات التوجهات الفكرية والاجتهادية المتباينة… وهذا يعني أن الاختلاف ذاته ليس سبب الخلاف والنزاع. وبنظرة أدق نفهم أن السبب يعود إلى "الجهل " أو إلى "الأغراض الدنيوية".

فالجهل هو الذي دفع الخوارج لأن يشهروا السيف بوجه المسلمين، ودفع بخوارج عصرنا لأن يكفروا المسلمين ويستحلّوا دماءهم، وهذا اللون من التعامل مرفوض كل الرفض في نظر الإسلام. والأغراض الدنيوية هي التي أججت نار الحروب الطائفية في مقاطع كثيرة من التاريخ، ولا تزال مصالح الحكم والسلطة تلعب دورها في إثارة النزاعات الدينية، والدين منها براء. ولا تزال يد القوى المتجبّرة واضحة كل الوضوح في النزاع بين أهل السنة والشيعة، بل وفي إثارة النزاعات بين أبناء المذهب الواحد.

متى ما كانت الحالة بعيدة عن الجهل وعن الأغراض الدنيوية فلا تجد ثمة سوى التفاهم والحوار والبحث العلمي على أساس الدليل والبرهان والاحترام المتبادل. ولنستدل فيما نقول بأقوال العلماء.

يقول المرحوم الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء في مقال تحت عنوان "بيان للمسلمين" ١٨.

المسلمون بعد اتفاقهم كلمة واحدة على أن القرآن الكريم وحي من الله جل شأنه وأن العمل به واجب، ومنكر كونه وحياً كافر، والقرآن صريح في لزوم الاتفاق والإخاء والنهي عن التفرق والعداء، وقد جعل المسلمين إخوة فقال عز شأنه: (إنما المؤمنون إخوة (. (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا (. (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء (١٩ إلى كثير من أمثالها، فبعد اتفاقهم على وجوب الأخذ بنصوص الكتاب الكريم لهم مهما بلغ الخلاف بينهم في غيره، فان رابطة القرآن تجمعهم في كثير من الأصول والفروع، تجمعهم في أشد الروابط من التوحيد والنبوة والقبلة وأمثالها من الأركان والدعائم. واختلاف الرأي فيما يستنبط أو يفهم من القرآن في بعض النواحي، اختلاف اجتهادي لا يوجب التباغض والتعادي.

نعم أعظم فرق جوهري، بل لعله الفارق الوحيد بين الطائفتين: السنة، والشيعة، هو قضية الإمامة حيث وقعت الفرقتان على طرفي الخط، فالشيعة ترى أن الإمامة أصل من أصول الدين، وهي رديفة التوحيد والنبوة، وأنها منوطة بالنص من الله ورسوله، وليس للأمة فيها من الرأي والاختيار شيء، كما لا اختيار لهم في النبوة. بخلاف إخواننا من أهل السنة، فهم متفقون على عدم كونها من أصول الدين، ومختلفون بين قائل بوجوب نصب الإمام على الرعية بالإجماع ونحوه، وبين قائل بأنها قضية سياسية ليست من الدين في شيء لا من أصوله ولا من فروعه،

ولكن مع هذا التباعد الشاسع بين الفريقين في هذه القضية، هل تجد الشيعة تقول إن من لا يقول بالإمامة غير مسلم (كلا ومعاذ الله) أو تجد السنة تقول إن القائل بالإمامة خارج عن الإسلام - لا وكلا - إذن فالقول بالإمامة وعدمه لا علاقة له بالجامعة الإسلامية وأحكامها من حرمة دم المسلم وعرضه وماله، ووجوب أخوته، وحفظ حرمته، وعدم جواز غيبته، إلى كثير من أمثال ذلك من حقوق المسلم على أخيه".

ويقول العلامة محمد جواد مغنية في مقال تحت عنوان: "ضرورات الدين والمذهب" ٢٠

"المسلم من صدّق مقتنعاً بكل ما اعتبره الإسلام من الأصول والفروع، والأصول ثلاثة: التوحيد، والنبوة، والمعاد، فمن شك في أصل منها، أو ذهل عنه قاصراً أو مقصراً فليس بمسلم، ومن آمن بها جميعاً جازماً فهو مسلم، سواء أكان إيمانه عن نظر واجتهاد، أم عن التقليد والعدوى، على شريطة أن يكون وفق الحق والوا قع.

أما ما ذكره العلامة الحلي، والشهيد الثاني، وغيرهما، من وجوب الاستدلال والنظر في الأمور والعقائد، وعدم كفاية التقليد فيهما، فإن المقصود منه التقليد الذي لا يوصل إلى الواقع، أما إذا كان سبيلاً للتصديق بالحق، فلا ريب في إجزائه وكفايته، وإلا لم يبق من المسلمين سوى واحد من كل مائة، ولذا قال العلامة الأنصاري في كتاب الفرائد: (والأقوى كفاية الجزم الحاصل من التقليد).

ويكفي من التوحيد الإيمان بوحدة الله تعالى، وقدرته وعلمه وحكمته، ولا تجب معرفة صفاته الثبوتية والسلبية بالتفصيل، ولا أنها عين ذاته أو غيرها، ويكفي من النبوة الإيمان بأن محمداً (ص) رسول من الله صادق فيما أخبر به معصوم في تبليغ الأحكام، فإن الرسول قد يخبر عن الشيء بصفته الدينية المحضة أي كونه رسولاً مبلغاً عن الله تعالى، وقد يخبر عنه بصفته الشخصية، أي كونه إنساناً من البشر، فما كان من النوع الأول، يجب التعبد به، وما كان من النوع الثاني فلا يجب. أما التصديق والإيمان بأن النبي كان يسمع ويرى وهو نائم، كما يسمع ويرى وهو مستيقظ، وأنه يرى من خلفه كما يرى من أمامه، وأنه عالم بجميع اللغات، وأنه أول من تنشق عنه الأرض، فليس من ضرورات الدين ولا المذهب.

ويكفي من المعاد الاعتقاد بأن كل مكلف يحاسب بعد الموت على ما اكتسبه في حياته، وأنه ملاق جزاء عمله، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، أما أنه كيف يحاسب العبد؟ وعلى أية صورة بالتحديد يكون ثواب المحسن، وبأي لون يعاقب المسيء؟ فلا يجب التدين بشيء من ذلك، فالتوحيد، والنبوة، والمعاد دعائم ضرورية لدين الإسلام، فمن أنكر واحداً منها أو جهله فلا يعد مسلماً شيعياً، ولا سنياً.

أما الفروع التي هي من ضرورات الدين، فهي كل حكم اتفقت عليه المذاهب الإسلامية كافة من غير فرق بين مذهب ومذهب، كوجوب الصلاة، والصوم، والحج، والزكاة، وحرمة زواج الأم والأخت، وما إلى ذلك مما لا يختلف فيه رجلان من المسلمين، فضلاً عن طائفتين منهم، فإنكار حكم من هذه الأحكام إنكار للنبوة، وتكذيب لما ثبت في دين الإسلام بالضرورة.

والفرق بين الأصول والفروع الضرورية، أن الذي لا يدين بأحد الأصول يكون خارجاً عن الإسلام، جاهلاً كان أم غير جاهل، أما الذي لا يدين بفرع ضروري، كالصلاة والزكاة، فإن كان ذلك مع العلم بصدوره عن الرسول (ص) فهر غير مسلم، لأنه إنكار للنبوة نفسها، وإن كان جاهلاً بصدوره عن الرسالة، كما لو نشأ في بيئة بعيدة عن الإسلام والمسلمين، فلا يضر ذلك بإسلاميته إذا كان ملتزماً بكل ما جاء به الرسول، ولو على سبيل الإجمال، فالتدين بالأصول أمر لابد منه للمسلم، ولا يعذر فيها الجاهل، أما إنكار الأحكام الفرعية الضرورية فضلاً عن الجهل بها، فلا يضر بإسلامية المسلم إلا مع العلم بأنها من الدين، فالإمامة ليست أصلاً من أصول دين الإسلام، وإنما هي أصل لمذهب التشيع، فمنكرها مسلم إذا اعتقد بالتوحيد، والنبوة، والمعاد، ولكنه ليس شيعياً".

والمرحوم العلامة السيد شرف الدين العاملي يعقد في كتابه: (الفصول المهمة في تأليف الأمة) فصولاً يتحدث فيها بالتفصيل عن العلاقة الطبيعية التي تربط أهل السنة والشيعة باعتبارهم جميعاً مسلمين، يعترف كل منهما بما له وعليه من حقوق وواجبات تجاه المسلم الآخر.

والعلامة الفقيد الشيخ عبد المجيد سليم شيخ الأزهر السابق يقول في مقال تحت عنوان "بيان للمسلمين ": ٢١

إن الدين الإسلامي قائم على نوعين من الأحكام:

أحدهما: أحكام ثابتة، يجب الإيمان بها، ولا يسوغ الاختلاف فيها وليس من شأنها أن تتغير بتغير الزمان والمكان، ولا أن تخضع لبحث الباحثين، واجتهاد المجتهدين. ذلك بأنها ثابتة عن الله تعالى بطريق يقيني لا يحتمل الشك، واضحة في معانيها، ليس فيها شيء. من الإبهام أو الغموض.

والثاني: أحكام اجتهادية نظرية مرتبطة بالمصالح التي تختلف باختلاف ظروفها وأحوالها، أو راجعة إلى الفهم والاستنباط اللذين يختلفان باختلاف العقول والأفهام، أو واردة بطريق لا يرقى إلى درجة العلم واليقين، ولا يتجاوز مرتبة الظن والرجحان.

والنوع الأول من الأحكام - وهو القطعي في روايته ودلالته - هو الأساس الذي أوجب الله على المسلمين أن يبنوا عليه صرح وحدتهم غير متنازعين، وربط به عزهم وقوتهم وهيبتهم في أعين خصومهم والمتربصين بهم. والمسلمون كلهم مؤمنون به إيماناً ثابتاً لا يتزعزع، لا فرق في ذلك بين طائفة منهم وطائفة.

وإن جميع الآيات التي جاءت في النهي عن التفرق، وذم الاختلاف، والتحذير منه، وضرب الأمثال بما كان من الأمم السابقة حين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات، إنما تعني الاختلاف والتفرق في هذا النوع من الأحكام، ومن ذلك قوله تعالى: (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست مهم في شيء (٢٢، أو (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات (٢٣. (فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها. لا تبديل لخلق الله. ذلك الدين القيم. ولكن أكثر الناس لا يعلمون. منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين. من الذين فرقوا دنيهم وكانوا شيعاً كل حزب بما لديهم فرحون (٢٤.

فهذا هو الاختلاف المذموم المنهي عنه في كتاب الله تعالى.

أما النوع الثاني من الأحكام، فإن الاختلاف فيه أمر طبيعي، لأن العقول تتفاوت، والمصالح تختلف، والروايات تتعارض، ولا يعقل، في مثل هذا النوع أن يخلو مجتمع من الاختلاف، ويكون جميع أفراده على رأي واحد في جميع شؤونه، وهذا النوع من الاختلاف غير مذموم في الإسلام، مادام المختلفون مخلصين في بحثهم، باذلين وسعهم في تعرف الحق واستبانته، بل إنه ليترتب عليه كثير من المصالح، وتتسع به دائرة الفكر، ويندفع به كثير من الحرج والعسر، وليس من شأنه أن يفضي، ولا ينبغي أن يفضي، بالمسلمين إلى التنازع والتفرق، ويدفع بهم إلى التقاطع والتنابز.

ولقد كان أصحاب رسول الله (ص)، والتابعين لهم بإحسان، والأئمة عليهم الرضوان، يختلفون، ويدفع بعضهم حجة بعض، ويجادلون عن آرائهم بالتي هي أحسن، ويدعون إلى سبيل ربهم بالحكمة والموعظة الحسنة، ولم نسمع أن أحداً منهم رمى غيره بسوء، أو قذفه ببهتان، ولا أن هذا الاختلاف بينهم كان ذريعة للعداوة والبغضاء، ولا أن آراءهم فيما اختلفوا فيه. قد اتخذت من قواعد الإيمان وأصول الشريعة التي يعد مخالفها كافراً أو عاصياً لله تعالى، وقد كانوا يتحامون الخوض في النظريات، وفتح باب الآراء في العقائد وأصول الدين، ويحتمون فيها بالمأثور، سداً لذريعة الفتنة، وحرصاً على وحدة الأمة، وتفرغاً لما فيه عزهم وسعادتهم وارتفاع شأنهم، ولذلك كانوا أقوياء ذوي عزة ومهابة: (أشداء على الكفار رحماء بينهم (٢٥.

مما تقدم نفهم أن الاختلاف المذهبي نفسه ليس مدعاة للنزاع، اللهم إلا إذا اقترن بحالة الجهل أو استغلته الأطماع الدنيوية، حينئذ تثور النزاعات وتسفك الدماء، باسم الدين، وليس للدين في الواقع دور فيها، بل إنها تتعارض مع روح الدين وشريعته السمحاء.

٢ـ تعـدد الحكـومـات

حالة التجزئة القائمة في عالمنا الإسلامي جرّت إلى حروب ونزاعات حدودية وغير حدودية كثيرة… لا نريد أن نتحدث عن الصورة المثالية المطلوبة لعالمنا الإسلامي حيث تتوحد الأمة تحت قيادة واحدة، بل حديثنا عن هذه الحالة الموجودة التي تتعدد فيها الحكومات. هل هذا التعدد بطبيعته يؤدي إلى الاختلاف والنزاع؟ !

لو نظرنا إلى الساحة العالمية لوجدنا أن البلدان التي تملك زمام أمورها تتعاون مع بعضها تعاوناً يكاد يلغي الحدود بينها. هذه الأسواق المشتركة والأحلاف المشتركة والاتفاقيات المشتركة بين بعض بلدان العالم تثبت إمكان توحد جهود بلدان العالم رغم تعدد حكوماتها. التعددية إذن في الأجهزة الحاكمة لا يؤدي بذاته إلى نزاع، بل إن النزاعات تنشب بسبب طغيان حاكم من الحكام واستفحال روح التسلط والعدوان فيه. أو بسبب تدخل القوى الكبرى ودفعها لعملائها كي يحققوا عن طريق العدوان أطماعها.

الإسلام يرفض العدوان والطغيان، ويرفض الخضوع لإرادة المستكبرين، ويضع كل الضمانات للحيلولة دون هذه الحالة، وليس وراء النزاعات بين بلدان العالم الإسلامي سوى غياب الروح الدينية والالتزام الديني.

بين بلدان المسلمين كل الدواعي للتعاون السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي والأمني والعسكري، لكن ضعف الدوافع الدينية، وفقدان الإرادة المستقلة عند بعض حكام هذه البلدان يحول دون الوحدة المنشودة، بل إن الطغيان أحياناً أو العمالة أحياناً أخرى يؤدي إلى هذه النزاعات المشهودة في عالمنا الإسلامي.

٣ - الاختلافات القـوميـة

الاختلافات القومية حقيقة قررها القرآن الكريم وعبّر عنها بالشعوب والقبائل حيث قال سبحانه: (يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم (٢٦.

والآية الكريمة تبين الحقائق التالية:

١ - كما أن البشر مخلوقون بطبيعتهم من ذكر وأنثى، كذلك مخلوقون بطبيعتهم من شعوب وقبائل، وهذه حقيقة ثابتة في خلقة البشرية.

٢ - إن الهدف من هذا الاختلاف هو "التعارف". وكما أن تعارف الذكر والأنثى يخلق النماء والخصب البشري واستمرار الحياة الإنسانية، كذلك تعارف الشعوب والقبائل المختلفة يؤدي إلى تلاقح الثقافات والكفاءات لينتج الخصب الحضاري في حياة البشرية.

٣ - إن معيار التفاضل بين الأفراد والجماعات هو الرقي في سلم التكامل الإنساني الذي عبّر عنه القرآن بالتقوى.

واستطاع الإسلام أن يسجل أفضل صور التفاعل بين الشعوب المسلمة، وأجمل ألوان التعايش بين القوميات المختلفة، ولعل اجتماع سلمان الفارسي وصهيب الرومي وبلال الحبشي بين صحابة رسول الله (ص) كان مقدراً له أن يكون رمزاً للامتزاج الحضاري بين آسيا وأوربا وأفريقيا في بوتقة الإسلام.

غير أن النعرات الجاهلية القائمة على أساس غياب الروح الدينية واستفحال الذاتيات الضيقة لعبت دورها على مرّ التاريخ في إثارة النزاعات القومية بين المسلمين. وكان لحكام بني أمية وولاتهم دور مخجل في إثارة التمييز العنصري، وفي عصرنا الحديث بلغت السياسة الاستعمارية دوراً بغيضاً في إثارة العنصريات القومية بين شعوب بلدان العالم الإسلامي، بل بين قوميات البلد الواحد، ونشأت في العالم الإسلامي أحزاب تتبنّى التعصب القومي تقليداً للغرب أو عمالة له، جاهلة أو متجاهلة أن التعصّب القومي أحرق الغرب وأدخله في حربين عالميتين إضافة إلى حروب طاحنة محلية، حتى صحا على نفسه، وألغى التعصّب القومي وأبدله بالتعاون والتفاهم.

* الأمين العام لمجمع التقريب بين المذاهب.

١ - الأنبياء / ٩٢.

٢ - البقرة / ١٤٣.

٣ - يونس / ٤٧.

٤ - النحل / ٣٦.

٥ - الأنبياء / ٩٢.

٦ - النحل / ١٢٠.

٧ - يس / ١٢.

٨ - هود / ١٧.

٩ - النساء / ٥٩.

١٠ - آل عمران / ١١٠

١١ - البقرة / ١٩٣.

١٢ - الفتح / ٢٨.

١٣ - الأنبياء / ١٠٥.

١٤ - القصص / ٥.

١٥ - النساء / ٧٥.

١٦ - البقرة / ١٩٣.

١٧ - انظر مقال: الوحدة الإسلامية، للشيخ محمد أبو زهرة، مجلة رسالة الإسلام، السنة العاشرة الأعداد ٣٧ - ٤٠.

١٨ - مجلة رسالة الإسلام - السنة الثانية - العدد الثالث…

١٩ - الأنعام / ١٥٩.

٢٠ - مجلة رسالة الإسلام السنة الثانية العدد الرابع.

٢١ - مجلة رسالة الإسلام - السنة الأولى - العدد الأول.

٢٢ - الأنعام / . ١٥٩.

٢٣ - آل عمران / ١٠٥.

٢٤ - الروم / ٣٠ - ٣٢.

٢٥ - الفتح / ٢٩.

٢٦ - الحجرات / ١٣.



[ Web design by Abadis ]