ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 إشكاليات وحدة المسلمين \ الأستاذ الدكتور وهبة الزحيلي *

إشكاليات وحدة المسلمين

مقاربة لدراسة عالمية الإسلام وخلوده

وفقه المشتركات

مقدمـة:

تميز الإسلام بخصائص ثلاث: هي العالمية، والخاتمية، والخلود، جعلته فريداً في نوعه، ومهيمناً على كل الأديان والشرائع الأخرى، الإلهية منها والوضعية البشرية، ليظل أنموذجاً مستقلاً، ومنبراً عالياً يحقق مفهوم الوحي الإلهي المنظم لشؤون الحياة، والمعبر عن حقيقة الاعتقاد الخالص النقي من جميع الشوائب والأخلاط، والمبين لمنهاج العبادة الصحيحة التي يرتضيها الإله المشرع، رب الكون والناس أجمعين ….

خطـة البحـث:

أتناول هذه الخصائص في ضوء الخطة التالية:

أ - مظاهرها: وحدة الدولة. وحدة القانون. وحدة العبادات. نفي أنماط التفرقة (اللغوية، والجغرافية) واللونية، و القومية، والمنهجية، والجنسية … الخ. استيعاب الثقافات والتقاليد.

ب - نفي الشبهات والأخطاء: إقليمية الإسلام. تعدد الولايات والدول. الاتجاهات القومية الإسلامية. الجمود الثقافي.

أ - مظاهر العالمية والخاتميـة والخلـود:

لقد هيأ الإسلام لهذه الخواص المناخ المناسب على مستوى الدولة، والفكر، والنظام التشريعي، وكانت نظرته إلى المستقبل وطموحاته للأبد نظرة راسخة حصيفة، لأن عالميته في أنحاء العالم، وكونه خاتم الرسالات والنبوات الإلهية، وخلود شريعته ونظامه، تتطلب منبتاً خصباً، وبيئة طيبة. ولا تتحقق هذه التطلعات إلا بوحدة الدولة، ووحدة القانون أو التشريع، ووحدة العبادة، واستئصال كل أنماط الفرقة في الجنس والعنصر واللون والقومية والمكان الضيق أو الموقع الجغرافي المحدود، واستيعاب مختلف ألوان الثقافة وروافد المعرفة، والتقاليد الموروثة، كما يتبين فيما يلي:

وحـدة الدولـة:

من المبادئ الأساسية المعروفة في الإسلام أن المسلمين أمة واحدة، وشعب واحد هو قاعدة وجودهم الدولي، تنفيذاً لقول الله تعالى: (إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون (٢، (وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون (٣، (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم (٤، وجاء حديث الرسول (ص) في حجة الوداع: "كلكم لآدم، وآدم من تراب، لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى"٥.

وقاعدة هذه الأمة الواحدة ونسيج رابطتها: الأخوة الإيمانية، تحقيقاً لقوله تعالى: (إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون (٦.

وتم تحقيق نواة الدولة الأولى النموذجية في العهد النبوي وما بعده، وأوجب العلماء كون الدولة واحدة، غير متعددة، قال الماوردي وأبو يعلى: لا يجوز عقد الإمامة لإمامين في بلدين في حالة واحدة، فإن عقد لاثنين، لم تنعقد إمامتهما، لأنه لا يجوز أن يكون للأمة إمامان في وقت واحد. وشذ قوم فجوزوه، والصحيح الذي عليه الفقهاء المحققون أن الإمامة لأسبقهما بيعة وعقداً، قياساً على الوليين في تزويج المرأة إذا زوجاها باثنين، كان الزواج لأسبقهما عقداً ٧.

وكذلك الشيعة يوجبون وحدة الإمامة أو الدولة من باب أولى ٨.

وفي التاريخ الإسلامي بدأ انقسام الدولة في العهد الأموي حيث وجدت الخلافة الأموية في الأندلس، ثم آل الأمر في العهد العباسي إلى وجود ثلاث خلافات: الخلافة العباسية في المشرق (بغداد) والخلافة الفاطمية في مصر، والخلافة الأموية في الأندلس.

وفي عصرنا بعد زوال الخلافة الإسلامية على يد أتاتورك مصطفى كمال عام ١٩٢٤، وبعد التخلص من الاستعمار، ظهر على المسرح الدولي الحاضر ٥٥ دولة إسلامية إقليمية، تأثراً بظهور الدول الإقليمية، ومساعي الدول الغربية الاستعمارية، اتباعاً لقاعد ة "فرق تسد".

أوروبا وأمريكا أدركت أن قوتها بالاتحاد، فأمريكا تشمل أكثر من خمسين ولاية، والدول الأوروبية تتجه للوحدة، بدءاً من نظام السوق الأوروبية المشتركة إلى نطاق وحدة العملة الأوروبية "اليورو" في عام ١٩٩٩، حيث قبلته الآن إحدى عشر دولة، وينتظر انضمام حوالي أكثر من سبع دول أخرى إليه.

وأما المسلمون فيتجهون مع الأسف إلى تجسيد التفرقة، وسياسة التباعد، وتعميق الخلافات، وبدا بصيص أمل مشرق ومريح في مؤتمر القمة الإسلامي الذي انعقد في طهران في نوفمر (تشرين الثاني) عام ١٩٩٧، حيث تحقق الحد الأدنى من التضامن الإسلامي، في بداية طريق أو منهج الإسلام الوحدوي، المأمور به في قول الله تعالى:

(واعتصموا بحبل الله جميعاً، ولا تفرقوا … (٩.

وآل أمر الانقسام إلى ضعف المسلمين وتخلفهم، وتباينهم في المواقف، وتصادمهم في حل المشكلات المصيرية التي تهددهم جميعاً، كقضية فلسطين وغيرها، ووجود ظاهرة الحقد والكراهية، وضعف الثقة أو انعدامها، وخدمة مصالح المستعمرين، ولاسيما الدول الكبرى.

وليس هناك أمة مثل الأمة الإسلامية لديها من الروابط الوثيقة، كوحدة الدين والعقيدة، ووحدة المبادئ الخلقية، والعبادات. ففي كل يوم يشعر المؤمن بالوحدة الإسلامية إن أدى العبادات اليومية على وجهها، فالرب واحد، والقبلة واحدة، والشعائر واحدة١٠، بل إنه بعد سقوط الشيوعية عام ١٩٨٩، وتتابع تصريحات كبار المسؤولين الغربيين بأنه لم يبق أمامهم إلا الإسلام، يصبح من الضروري جعل مصير المسلمين واحداً، أمام الخطر الواحد، والعاقبة الواحدة، ولكنهم لا يشعرون بهذا، ولا يلتفتون لمخاطر المخططات التي تدبر لهم في الخفاء.

كل هذا يدعو المسلمين أكثر من غيرهم، وبإلحاح شديد، إلى ضرورة توحيد الصف والتجمع الواحد، أو الجماعة الإسلامية الواحدة، إن لم يعد ممكناً وجود حكم واحد أو دولة واحدة أو إمامة واحدة، عملاً بالتوجيه القرآني الكريم: (وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان (١١.

ولا يهم شكل التجمع الموحد، سواء أكان على النمط الأول في صدر الإسلام، أم على نمط جديد من اتحاد فيدرالي أو كونفدرالي أو غيره، لأن المهم تحقيق الجوهر والمضمون، لا الشكل والمظهر.

وإن المطالبة بتوحيد المسلمين وتحقيق جامعة إسلامية لايراد منه المساس بكراسي ومناصب الحكام القائمين، ولا بأشكال الحكم في البلاد الإسلامية أو العربية، فلكل بلد نظام حكمه، وإنما المراد تحقيق منهج التجمع الموحد أو الاتحاد المجمع في مظلة واحدة: هي أحكام الإسلام وشعائره، وعبادته وعقائده، ومقاصده وأهدافه، لإيجاد وجود إسلامي قوي ومتميز، له قراره المستقل وشخصيته المستقلة، النابعة من الحفاظ على المصالح الإسلامية الكبرى.

إن هذا التجمع الوحدوي بأي شكل من أشكاله القديمة أو الحديثة يتطلب أموراً ثلاثة ١٢:

أولها: إحياء مفهوم الأخوة الإسلامية المتعالية عن الجنسية والعنصرية، وأن تتحد مشاعرنا في الإحساس بقوة ومتانة وأبعاد هذه الأخوة.

ثانيها: تحقيق الوحدة الثقافية واللغوية والاجتماعية التي تجمع المشاعر والأحاسيس، التي تلتقي وتصب في معين واحد، هو العمل بمبادئ القرآن أو الإسلام الصحيح، الذي يحقق إعزاز المسلمين وقهر الأعداء.

ثالثها: وحدة السلم والحرب والاقتصاد والدفاع، فالمسلمون مسالمون فيما بينهم، لا تقوم بينهم حرب مطلقاً، واقتصادهم واحد، سواء أفي الإنتاج والتوزيع، أم التصدير والاستيراد، وسوقهم الاقتصادية مشتركة، وعملتهم واحدة، ويعتمدون على مبدأ الاستقلال الاقتصادي، والاكتفاء الذاتي إلا في حدود الضرورات، من أجل علاج شيء مؤقت، والانتقال إلى ما هو أفضل. فإذا حدث نزاع، عولج بالصلح، وإذا نكب إقليم عاونه الآخرون، لأن المسلم يكون في حاجة أخيه المسلم، لا يظلمه ولا يخذله ولا يسلمه ولا يكذبه، ويتعاون معه، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.

وأمامنا أمثلة كثيرة من اتحاد الولايات الواقع فعلاً، سواء أفي أمريكا، أم أوروبا، أم الاتحاد السوفياتي سابقاً.

وليكن مطمح كل مسلم وكل دولة إسلامية معاصرة هو: التوصل إلى وحدة الدولة الإسلامية، مهما تناءت الديار أو الولايات المحلية، أو إلى اتحاد يجمع المسلمين، وينأى بهم عن التفرق والتباعد، وإلى محو كل أشكال أو أسباب الفرقة الإقليمية أو الجغرافية، أو العنصرية أو المذهبية أو العرقية، فإن هذه الأمراض هي التي فرّقتنا في الماضي، والتي يجب تجاوزها وعلاجها في عصرنا، من أجل تحقيق الخير للجميع، وإبعاد الشر وشبح الخطر عن الجميع، فنحن في حالة من التردي، والتشتت، والضياع، والمذلة والهوان، مالا نغبط عليه، بل هو أدعى للسخرية والتهكم.

وإذا ظل المسلمون في القرن الحادي والعشرين القادم على هذا النحو من التباعد والتفرق، فإنهم سيتعرضون لمحن وويلات أشد، وستكون الخسارة والدمار أكثر مما نتصور، ولات ساعة مندم.

ومن الغريب حقاً أن أمة تنتمي إلى القرآن الكريم عقيدة ودستوراً وعبادة ونظاماً، تكون على هذا النحو من التشرذم والتفرق.

ولا ينتظر المسلمون من أعدائهم أنهم يقدمون لهم الخير على أطباق من ذهب، إن لم يتحركوا هم بأنفسهم نحو بناء عالم وحدوي جديد، له مفاهيم محددة، واستراتيجية موحدة، ومطالب محددة، رضي الآخرون والأعداء بها آنياً أم غضبوا، فإنهم بعد بناء الوحدة الدولية الإسلامية القوية، سيخضع لهم الجميع، فالعيب إذن في تفرقنا، وبعدنا عن وحدة الدولة أو اتحاد الدولة. وإذا تنكرت بعض البلاد الإسلامية في مبدأ الأمر لمبدأ الوحدة أو الاتحاد بسبب العلمانية ونحوها، فإنها في النهاية ستخضع للمنهج الوحدوي الصائب، وستقلع عن مبادئها وأنظمتها المتباعدة عن مظلة وحدة حاكمية القرآن، إذا أحسن تسويسها وكسبها بالمفاوضات والتفاهم والأساليب الدبلوماسية، من وساطة حميدة، أو تطويق سياسي.

إن دعوتنا إلى وحدة الدولة أو اتحاد الدول الإسلامية ليست ناشئة من فراغ، فتاريخنا استمرت فيه هذه الوحدة إلى عام ١٩٢٤، وكانت الدول الإسلامية المتعاقبة، على الرغم مما أصابها من أخطاء ومظالم وهنات (خصلات شر) وعورات ونكسات، تحقق الهدف الإسلامي الأساسي من وجود الدولة القوية المرهوبة الجانب، ويحترمها الأعداء على الدوام.

ونحن اليوم على الرغم من إدراكنا لهذه الحقيقة وغيرها من حقائق ومنافع الوحدة أو الاتحاد، ما زلنا في أسوأ حال، لا نحقق الحد الأدنى ولا الأوسط ولا الأقصى من الوجود الإسلامي السليم.

وإذا حكمنا على تاريخنا بالجنوح أحياناً أو الرفض النسبي، فبماذا يحكم من يأتي بعدنا على وجودنا وأوضاعنا السياسية والثقافية والاقتصادية؟ إنه لاشك حكم بالرفض المطلق، وربما بالتبرؤ والتمرد على كل شيء نعايشه الآن.

وحـدة القانـون:

إن أهم ما يحقق ويتفاعل مع عالمية الإسلام وخاتميته وخلوده هو: وحدة النظام أو القانون، أي وحدة أحكام الشريعة الإسلامية المنزلة من عند الله تعالى رب الكون كله، وهذا كفيل ببقاء مقومات العالمية أو الخاتمية والخلود، لأنه إذا تعددت الأنظمة أو القوانين الوضعية المتأثرة باليسار أو اليمين، أو الاشتراكية والرأسمالية، أو الملكية والديمقراطية أو الإقطاعية والجماهيرية، فإنه يصعب في العادة توحيد المحكومين بهذه الأنظـمة، لتأثرها بالأهواء والشهوات، والمصالح الذاتية، والعقول المتفاوتة.

أما شريعة الله تعالى فهي موضوعية محددة، تلتزم معايير الحق والعدل المطلق، ورعاية المصالح العامة للناس جميعاً على اختلاف أحوالهم وفئاتهم وأعراقهم وتوجهاتهم، وتأخذ بهم إلى غد مشرق، ومستقبل زاه، ووضع أفضل، لأنها من لدن رب العالمين، الذي يعلم من خلق، ويعلم مصالحهم، وهو الحكم العدل، وهو العليم الخبير، فلا يقصر حكمه لصالح فرد أوفئة معينة دون أخرى، ولاينحاز لجانب علىحساب آخر

لذا وجب تطبيق أحكام هذه الشريعة، ولاسيما ثوابتها، في كل زمان ومكان، أما تطبيق غير شرع الله فهو عودة لحكم الطاغوت والشيطان، والجاهلية الوثنية، قال الله تعالى:

(أفحكم الجاهلية يبغون، ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون (١٣، وإذا كان الناس يحرصون على تقدمهم وسعادتهم، فعليهم رفض أي بديل عن شرع الله، قال الله سبحانه:

(أفغير دين الله يبغون، وله أسلم من في السموات والأرض، طوعاً وكرهاً وإليه يرجعون (١٤.

هذا الإيجاب الدائم الثابت في تطبيق الشريعة يؤدي لوحدة التشريع المطبق في الأمة، من غير أي عناء أو تعثر، أو تجاف مع الواقع، أو تباين مع التعددية العرقية، أو تباعد الديار، واختلاف الطبائع.

ومن المعلوم أن وحدة التشريع: هو ما تسعى إليه الدول الحديثة، ولو مع اختلاف القوميات والأجناس والأعراف المتباينة.

وإذا انقسم المسلمون إلى دول إقليمية وحكومات متعددة، بسبب بعد المسافة بين البلاد، أو لصعوبة حكم تلك البلاد بسلطة واحدة، أو لنفور بعض الحكام من حكام آخرين، فإن هذا كله لا يسوغ العدول عن تطبيق أحكام الشريعة الإلهية، أو الأخذ ببعض أحكامها دون بعض، أو هجرها برمتها لأيديولوجيات وفلسفات أخرى، لأن شريعة الله واجبة التطبيق في كل حال ومكان وزمان، لقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول (١٥.

ووحدة الحكم الإلهي تستتبع وحدة الدولة، ووحدة الأمة، ووحدة النظام، وقد حذر القرآن الكريم من تنازع الأمة في القضايا الأساسية العامة، حتى لا تضعف أو تتخاذل أو تذل وتهان أمام أعدائها، فقال الله تعالى: (وأطيعوا الله ورسوله، ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم ١٦، واصبروا إن الله مع الصابرين (١٧.

وقال سبحانه: (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيماً (١٨.

وأسباب الدعوة إلى وحدة النظام التشريعي أو القانوني بين المسلمين كثيرة، أهمها ما يلي:

١ - المسلمون أمة واحدة: لقد حقق المسلمون عزة لا تطال، وهيمنة وتفوقاً عظيماً بالغ الشأن، حينما أدركوا أنهم أمة واحدة، وإخوة في العقيدة الواحدة، وصف واحد متضامن أمام الأعداء، متكافلون فيما بينهم في السراء والضراء، متعاونون على البر والتقوى.

إن وحدتهم في الداخل والخارج جعلتهم خير الأمم، وبوأتهم ليكونوا كذلك، عملاً بقول الله تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت، للناس، تأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله (١٩. وذلك لأنهم أيضاً الأمة الوسط الخيار العدول بين الأمم، كما وجههم القرآن الكريم في قوله سبحانه: (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس، ويكون الرسول عليكم شهيداً (٢٠.

ومنشأ هذه الوحدة: هي أخوة الإيمان والعقيدة التي هي أقوى وأخلد وأدوم من أخوة النسب، ثم تآزر الأخوة وتعاونهم، كما قال النبي (ص): "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً"٢١.

وقال أيضاً: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"٢٢.

٢ـ وحـدة العقـيدة: المسلمون أمة ذات عقيدة واحدة، وإيمانهم واحد معروف، فهم يؤمنون بالله ورسله وكتبه واليوم الآخر وبالقضاء والقدر خيره وشره. والإيمان بالكتب كلها وبخاتمتها القرآن الكريم، يستدعي الالتزام بمضمون القرآن، ويوجب تطبيق شرعه وأحكامه وحرامه وأخلاقه وآدابه وكل ما جاء فيه. ووحدة هذا الكتاب الإلهي من أقوى الأسباب المؤدية إلى وحدة المسلمين، وكونهم صفاً واحداً فيما بينهم وفي مواجهة أعدائهم.

٣ـ وحـدة العبـادة: العبادة تصدر عن حب وإيمان، ووحدة العبادة الإسلامية من أهم عوامل الوحدة في الأنظمة والمعاملات، فإذا ما اتحد المسلمون في المسجد أو في الصوم أو في الحج أو في الزكاة، اتحدوا في المجتمع والسوق والإدارة والشركة وكل أنماط السلوك والحياة الاجتماعية، لأن المسلم الداعي والمخلص هو: الذي لا يصدر عنه ما يناقض عقيدته أو عبادته، وتكون ممارساته لشؤون المعاملات والتصرفات منسجمة مع مقتضيات العقيدة والعبادة، وإلا لم يكن مسلماً في ميزان أحد صادق الاعتقاد والتعبد والاتجاه نحو رب واحد.

٤ - وحدة اللغة: إن عبادة المسلم لا تصح إلا بلغة القرآن العربية، فكل مسلم يعرف اللغة العربية، ويأنس بمدلولاتها، ويتذوق أساليبها، واللغة عامل قوي في توحيد الشعوب والأمم، ويتقوى هذا العامل ويتنامى مفعوله إذا ارتبط بالدين والاعتقاد والتشريع، فالعقيدة أساس، واللغة العربية تعبير عن مكنون العقيدة، فتتوحد الطباع، ويتحد الكلام، وتتفق العواطف والمشاعر، وتكون اللغة العربية هي لغة الخطاب والكتابة، ويسهل حينئذ توحيد العمل، وتدوين الأسرار، وبعث المراسلات، وعقد المعاهدات بين المسلمين وغيرهم، ويتجه المسلمون حينئذ إلى توحيد جهودهم وطاقاتهم، وتحقيق وحدتهم السياسية والاجتماعية، والاجتهاد في ضوء مفاهيم لغة العرب، واستنباط الأحكام المناسبة، كما نبه إليه القرآن الكريم في قوله سبحانه وتعالى:

(إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون (٢٣. (كتاب فصلت آياته قرآناً عربياً لقوم يعلمون (٢٤.

٥ـ وحـدة الثقافـة: الثقافة: هي المقومات المتصلة بالسلوك الإنساني، وهي تشمل من الناحية النظرية: العقيدة والنفس والاجتماع، والأخلاق، والتربية، والآداب والفن، والتاريخ، وفلسفة الاقتصاد والمال. وهي من الوجهة العملية: ممارسة وسلوك، وهي غاية، والعلم وسيلة.

وبما أن الثقافة الإسلامية هي التي يمكن وصفها بأنها إنسانية، لشمولها وتوازنها، ومجيئها موافقة للفطرة أو الطبيعة الذاتية، وتجاوزها كل عيوب العنصرية القومية الضيقة والتعصب الديني، فهي من أقوى دواعي توحيد الفكر والسلوك، وصهر الأمة في ممارسة واحدة، والسعي لغايات واحدة، والعيش في ظل تشريع واحد.

إن وحدة الثقافة تدفع المثقفين بها إلى الانضمام تحت لواء راية واحدة، هي راية التشريع الذي يحدد معالم الثقافة الإسلامية الفردية في منزعها وغايتها، وغير المسلمين الذين يتعايشون مع المسلمين في ظل دولة واحدة، يلتقون مع المسلمين في أصول الإيمان بالله واليوم الآخر والكتاب الإلهي، وينضمون إليهم في دائرة الانتماء التاريخي والثقافي، فتتوحد الأمة سياسياً واجتماعياً واقتصاد ياً وتشريعياً.

٦ـ وحدة المصالح والتاريخ والمصير: إن المسلمين مع من يعيش في بلادهم لهم مصالح متحدة وآمال وآلام واحدة ومصير مشترك، وتاريخ واحد، وهذا يوجب تكوينهم وحدة دولية وقانونية، وما الدولة والقانون إلا للأكثرية، ولكن في إطار الحق والعدل والمساواة التي نظمها وفرضها القرآن الكريم، وإذا اتحدت الأمة عز جانبها، وهابها أعداؤها، وتقدمت في مختلف وسائل الحياة، ولا سيما إيجاد نهضة صناعية قوية.

٧ - وحدة المصدر التشريعي: تتعدد القوانين الوضعية وتتغاير أحكامها، بتعدد وتغاير عقول واضعيها، وبمقدار تأثرهم بفلسفة معينة، ونظرية محددة. أما التشريع الإسلامي فمصدره واحد، وهو الله تعالى، بما أنزل من أوامر ونواه، والاجتهاد كاشف مظهر لحكم الله تعالى، لا منشىء ولا مبدع للأحكام الشرعية.

ووحدة المصدر التشريعي الإسلامي تجعل التشريع واحداً بالنسبة لجميع المسلمين في العالم. وغير المسلمين المقيمين في دار الإسلام ملزمون بأحكام هذا التشريع، بحكم سيادة الشريعة في دار الإسلام، وبمقتضى المعاهدة التي تمت بين المسلمين وغيرهم للإقامة في دار الإسلام على الدوام، ومن بنود هذه المعاهدة الالتزام بأحكام الشريعة.

وإذا تعددت الاجتهادات الفرعية التي مجالها في الفروع لا في الأصول، فإن القانون الموحد الذي يختار بعض الاجتهادات، يؤدي إلى وحدة تشريعية أيضاً، لأن الاختيار لرأي ما نابع من مراعاة المصلحة العامة، والتجاوب مع مقتضيات العصر والزمان.

والمطلوب من رعايا الدولة الإسلامية الواحدة، مهما تناءت بهم الديار أن يكون ديدنهم الإخلاص لرب العالمين، ولإمام المسلمين الذي لا يأمر إلا بالحق والخير والمعروف، فيسهل تقبّلهم نظام الوحدة أو الاتحاد، من أجل الحفاظ على وجودهم واستقلالهم، والتخلص من أي تبعية لدولة أخرى شرقية أو غربية، لا تبغي من تدخلها في شؤون المسلمين إلا استنزاف خيراتهم، وإبعادهم عن شريعة ربهم، وإبقاءهم أذلة تابعين مهانين، يسيرون في فلك مصالح المستعمرين ومخططاتهم الرهيبة، وينطبق عليهم حنيئذ المثل العربي: (إنك لا تجني من الشوك العنب).

والخلاصـة: إن الإسلام يصرّ على أتباعه بوجود النظام أو القانون الموحد، واختصر عليهم الخوض في تجارب متعددة، ونلاحظ الآن أن العالم يتجه عبر النظام القانوني الوضعي إلى تحقيق مطمح وحدة القانون التي تؤدي إلى وحدة الشعوب وتقاربها وتفاعلها، وممارسة معاملاتها على منهج واحد، وقاعدة واحدة، ويكون الخير بذلك الاتحاد للجميع.

وحـدة العبادات:

لا تقتصر العبادات على الفروض الأربعة المفروضة وهي الصلاة والصيام والحج والعمرة والزكاة، وإنما تشمل مقدماتها وهي الطهارة من النجاسات والقاذورات، فإنها واجبة حفاظاً على صحة الإنسان، وإبعاده عن كل ما يلوث البدن والثياب والمكان، وذلك بالماء المطهر ووسائل التنظيف الأخرى. وتشمل العبادة أيضا كل ما فيه تعظيم الله تعالى من أمور الحظر والإباحة والإيمان والنذور والكفارات، والأضاحي والعقيقة والذبائح والصيد ونحوها.

وبما أن هذه العبادات والشعائر كصلاة الجمعة والجماعة والأذان مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالله عز وجل، ويقصد بها الإخلاص لوجه الله تعالى، وذكر الله وطاعته وإرضاؤه، فإنها واحدة في حقيقتها ومظهرها، ومبناها ومقاصدها، وجعلها وسيلة لتهذيب النفس الإنسانية، ونقاء المجتمع، والتعويد على فعل الخير وترك الشر والفواحش والمنكرات، وإطلاق حرية العبادة لا لأتباع الإسلام وحدهم، وإنما لأصحاب الديانات المختلفة، لتظهر مزية الإسلام، وقد أذن الإسلام لأتباعه أن يدافعوا عن هذا الحق للجميع، ومن أجل ضمان حرية العبادة لجميع المتدينين، فيتحقق بهذا نظام عالمي حر، يستطيع الكل أن يعيشوا في ظله آمنين، متمتعين بحريتهم الدينية على قدم المساواة مع المسلمين٢٥.

ويدرك كل إنسان هذه الوحدة الإسلامية الكبرى، أنى اتجه في المشارق والمغارب، فالمسلم يعرف المسلم بمناسك العبادة، وبمظهر العبادة ووسائلها أو مقدماتها من طهارة وأذان وإقامة، وكيفية الأداء، والذكر والاستغفار والدعاء باللغة العربية في كل مكان.

إن الصلاة سواء أأديت منفردة أم بجماعة تعبير حي واقعي ناطق عن وحدة المسلمين، أيّاً كان مذهب المصلي من مذاهب أهل السنة أو الشيعة والإباضية أو غيرهم. وتنظيم صفوف الصلاة كالملائكة دليل على مساواة المصلين.

والصوم في غضون شهر كامل مظهر ميداني رائع لوحدة المسلمين في كل مكان، سواء أفي النهار أم الليل، تعلوهم البهجة ويغمرهم الفرح، ويشعرهم بالأخوة الإيمانية تملأ قلوبهم، وتفيض مشاعرهم حمداً لله وشكراً على نعمة الإسلام.

والحج سبيل التعارف الإسلامي، وذلك المؤتمر الأكبر الذي يلتقي فيه المسلمون على صعيد واحد، ويطوفون حول بيت الله الحرام، ويصلون لرب البيت، وتكون الكعبة المشرفة رمز وحدتهم في صلاتهم وحجهم وأذكارهم، لا أنهم يعظمون الحجارة أو الجدران، وإنما يقاومون مختلف أشكال الوثنية، فهل بعد هذا يأتي تفكير سطحي لبعض الأعداء، يتهمون فيه الإسلام بالوثنية؟ حيث ينظرون إلى الظاهر، ويتعامون عن الحقيقة والإيمان العميق في نفس كل مسلم، ولو كان أمياً عامياً بأنه يتجه بطوافه وصلاته نحو رب البيت، وإنما البيت الحرام رمز لوحدة الصف، وجمع المسلمين، كما يجتمع المتحدثون حول مركز معين أو نقطة معينة، أو طاولة مستديرة أو مستطيلة أو مربعة مثلأ، فهل هؤلاء الجالسون المتفاوضون يقدسون تلك الطاولة أو يعبدونها؟ ؟

والزكاة سبيل التكافل الاجتماعي، وإن تعلقت بعباد الله لإغنائهم، ولتطهير مالهم من شوائب الشبهات والحرام، بل ولتحقيق التقريب بين الأغنياء والفقراء أو توحيدهم في سبل المعاش.

والخلاصة: إن وحدة الدين والعقيدة والعبادة من أهم الروابط القائمة بين أفراد الأمة الإسلامية، لتحقيق الوحدة الاندماجية، فإن تعثرت لفترة زمنية ما، فلابد على الأقل من توحيد الاتجاهات والقرارات العامة، والوقوف صفاً واحداً ضد كل الأعداء، فلا يعتدي عليهم مستكبر متعال، ولا يطمع فيهم أو في ثرواتهم طامع جشع، ولا يخترق جبهتهم أو صفهم ماكر خبيث أو مارد مستميت في تقويض صرح الإسلام.

نفي أنماط التفـرقـة:

لقد كان الإسلام حكيماً، لأنه من وحي الله وشرعه، وقوياً حازماً؛ لأنه يخطط لأبعاد المستقبل، حين قضى على أشكال الفرقة، وتخلص من القبلية والعصبية الجاهلية، وحول المسلمين ليكونوا أمة واحدة من مجتمع التنازع والتخاصم القبلي الضيق، إلى المجتمع العالمي الذي يتجاوز الأعراق والعنصريات واللغات والألوان والقوميات الضيقة والمنهجيات أو الأيديولوجيات، والجنسيات المنتمية لقوم معينين أو دولة إقليمية معينة.

ثم صهر الإسلام العداوات والأحقاد السابقة، كعداوة الأوس والخزرج في يثرب، والقحطانية والعدنانية في الجزيرة العربية، وجعلهم جبهة واحدة ضد العدو الخارجي من الفرس والرومان، وآخى الإسلام بعد الهجرة إخاء عقدياً لفترة زمنية محددة بين المهاجرين والأنصار، فصاروا إخوانا في الدين والوطن، ويدا واحدة للجهاد في سبيل الله وإعلاء كلمة الله، فكان المهاجري يرث الأنصاري وعلى العكس، ثم زالت المؤاخاة في الميزان لزوال مقتضياتها، وأصبح الإرث برابطة الرحم أو القرابة النسبية، وصارت الأخوة الإيمانية هي الرابطة بين المسلمين، وزالت رابطة القبيلة والعشيرة والعصبية الجاهلية بالنص التشريعي وفي الواقع العملي، فقال النبي (ص): "ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من مات على عصبية"٢٦.

وأضحت من الناحية الواقعية العناصر المشتركة بين المسلمين في كل أنحاء الأرض قائمة على وحدة الدين، واللغة، والمشاعر، والأماني والآمال والآلام، ووحدة التاريخ بما فيه من محن ومشكلات أو أزمات، ووحدة المستقبل والمصير، وما يبشر به من خير وقوة. وهذه المعاني لم تكن معروفة في العصر الجاهلي بين سكان الجزيرة العربية، لأن النزعة القبلية كانت هي الغالبة عليهم، فكانت معجزة الإسلام في القضاء على تلك النزعة الضيقة، وإحلال النزعة الإنسانية والعالمية محلها، ليمتد الإسلام وينتشر في كل مكان، وقد تحقق ذلك في الماضي، وامتد إلى الحاضر، وسيبقى علماً شامخاً بمشيئة الله في المستقبل لإحقاق الحق، وإبطال الباطل.

وتتابعت أحداث التاريخ وامتدت الرقعة الإسلامية من أقصى المغرب إلى أقصى المشرق، ووجدت دول غير عربية حمت الإسلام ضد التحديات والتيارات المعادية، فالمماليك مثلاً - وهم ليسوا من العرب - حموا بلاد الشام والعراق ومصر من هجمات المغول والتتار على يد الظاهر بيبرس، والمظفر سيف الدين قطر، والملك الناصر، والقائد صلاح الدين - وهو من الأكراد لا العرب - حمى فلسطين والعروبة واللغة العربية والمذاهب الإسلامية من الاندثار والضياع بانتصاره على جيوش الفرنجة وصده غارات الصليبيين، والبربر هم الذين ساعدوا مساعدة كبرى طارق بن زياد في فتح الأندلس، وهم مع العرب كافحوا في الجزائر مئة وخمسين عامأ، حتى انتزعوا النصر والاستقلال، وقدموا مليون شهيد، وكان انتصارهم بالإسلام، كما انتصر الإسلام في بقية بلدان شمال المغرب في تونس و مراكش، و في ليبيا، وفي السودان، وفي كل مكان دنسه المستعمرون، فكانت انتفاضة الإسلام قوية عارمة حطمت كل محاولات هيمنة الاستعمار ووسائله الخبيثة ومكائده الشيطانية ٢٧.

وكان للإسلام فضل بقاء مبادئه وشعائره وعقائده في إيران وأفغانستان والهند وماليزيا وأندونيسيا والباكستان وغيرها من بلاد العالم، لتتأكد عالمية الإسلام وواقعيته وخلوده.

إن إبعاد المجتمع الإسلامي عن كل أسباب التفرقة: اللغوية، والجغرافية، واللونية، والقومية، والمنهجية، والجنسية أو الانتماء لسلطة معينة، يقصد به إزالة كل أسباب التباعد بين الناس، واستئصال بواعث الحقد، والتعصب، والكراهية، والانغلاق، وتحقيق الانفتاح والتسامح والتقارب بين الأمم والشعوب، من أجل إشاعة المحبة، وغرس جذور الأخوة، وتحقيق الإقبال على التعاون والتضامن، وذلك خير عظيم. وكل تلك الأسباب المفرقة هي شر ووبال.

والتزام هذا المنهج يحقق الوحدة الإنسانية، ويوفر مقومات العالمية المنصوص عليها صراحة في مبادئ الاسلام، مثل قوله تعالى: (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء (٢٨، وقوله سبحانه: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليم خبير (٢٩،

ذكر المفسرون أن هذه الآية في سورة الحجرات مسوقة لنفي التفاخر بالأنساب، وعليه فالمراد بقوله: (من ذ كر وأنثى (آدم وحواء. والمعنى: إنا خلقناكم من أب وأم تشتركون جميعاً فيهما، من غير فرق بين الأبيض والأسود، والعربي والعجمي، وجعلناكم شعوباً وقبائل مختلفة، لا كرامة لبعضكم على بعض، بل لأن تتعارفوا فيعرف بعضكم بعضاً، ويتم بذلك أمر اجتماعكم، فتستقيم مواصلاتكم ومعاملاتكم، فلو فرض ارتفاع التعارف من بين أفراد المجتمع، انفصم عقد الاجتماع، وبادت الإنسانية، فهذا هو الغرض من جعل الشعوب والقبائل، لا أن تتفاخروا بالأنساب، وتتباهوا بالآباء والأمهات.

وقيل: المراد بالذكر والأنثى: مطلق الرجل والمرأة، والآية مسوقة لإلغاء مطلق التفاضل بالطبقات كالأبيض والأسود، والعرب والعجم، والغني والفقير، والمولى والعبد، والرجل والمرأة.

والحق أن قوله: (وجعلناكم شعوباً وقبائل (إن كان ظاهراً في ذم التفاخر بالأنساب، فأول الوجهين أوجه، وإلا فالثاني لكونه أعم وأشمل٣٠.

وأيّد الآلوسي الوجه الأول: وهو أن المراد من الذكر والأنثى: آدم وحواء - عليهما السلام -، فكل الناس سواء في ذلك، فلا وجه للتفاخر بالأنساب. ثم قال الآلوسي: وجوّز أن يكون المراد هنا: إنا خلقنا كل واحد منكم من أب وأم، ويبعده عدم ظهور ترتب ذم التفاخر بالنسب عليه، والكلام مساق له، كما ينبئ عنه ما بعده ٣١.

وكذلك الرازي ذكر الوجهين، واتجه في بيانه إلى الوجه الأول٣٢، وهو الذي رجحته في التفسير المنير٣٣، ويكون المعنى كما ذكرت: أيها البشر، إنا خلقناكم جميعاً من أصل واحد، من نفس واحدة، من آدم وحواء، فأنتم متساوون، لأن نسبكم واحد، ويجمعكم أب واحد وأم واحدة، فلا موضع للتفاخر بالأنساب، فالكل سواء. وإذا كان القصد نفي التفاخر بالأنساب، لأنه أصل المشكلة، فيكون التفاضل أو التفرقة في المعاني الأخرى كاللون والقوم والمنهج والعرق أو العنصر منفياً من باب أولى.

وإنه بالموازنة بين تكوين الأمم بالعنصرية ونحوها، وتكوينها بالدين، يتبين أن السير بالإنسانية في مدارج الرقي، وقيام العلاقات البشرية على أسس من المودة والفضيلة، إنما يكون تحت ظل الدين، لا ظل العنصرية، لأن العنصرية تفرض دائماً تفضيل عنصر على عنصر، وهذا أمر بغيض يؤدي الى التناحر، ولا يتفق مع الواقع، ولا مع الإنسانية، ولا مع المصالح العامة. والأمم أو الدول التي تعامل الشعوب على أساس ألوانها، وتفرق بين الأسود والأبيض، ما هي إلا صورة من صور تحكم العنصرية ٣٤. والإسلام الذي يدعو إلى النظرة العالمية يأبى قبول أي شكل من أشكال العنصرية أو المفاضلة بين البشر، فهم سواء كأسنان المشط.

أ - استيعاب الثقافات والتقاليد:

من مزايا الإسلام الحساسة والكريمة: أنه بانفتاحه على العالم، وموضوعيته وتجرده، وعالميته وواقعيته، استوعب في محتواه أنواع الثقافات المختلفة وأنماط التقاليد الموروثة السائدة، كما فعل في المجتمع الجاهلي، حيث أقر ما يتفق مع نظام الإسلام العقدي والأخلاقي والاجتماعي والإنساني، كالحنيفية التوحيدية ملة إبراهيم الخليل (ع)، والأخلاق الكريمة كالغيرة على العرض، والشجاعة من غير تهور ولا إسراف أو طيش، لقوله (ص): "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"٣٥. وأبطل كل أنواع الزواج التي تشبه السفاح أو الزنا أو هي زنا بالفعل، وأبقى الزواج الشرعي بالعقد المعروف شرعاً في حديث: "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل" ٣٦. وأبطل عادة الأخذ بالثأر التي هي بمثابة شرارة تدمر مجموعة من الناس بسبب قتيل، وشرع القصاص بأن يقتل القاتل عمداً نفسه دون أحد سواه من أقاربه أو عشيرته، وأبقى الإسلام نظام العاقلة (العصبية) في تحمل دية القتل الخطأ، أخذاً بمبدأ التعاون الإنساني، وإن كان الأصل في الإسلام هو المسؤولية الشخصية، المقرر في آية: (ولا تزر وازرة وزر أخرى (٣٧.

وأقر التقاليد والعادات الكريمة أو الحميدة، مثل أهازيج العرس والضرب بالدفوف في الشارع ونحوه، ومنع ما يؤدي إلى الفساد والضياع كالاختلاط المشبوه الذي لا ضرورة ولا حاجة إليه، وأباح الاختلاط الذي لا ينم عن خبث أو سوء قصد، كالتعامل والشهادة والقضاء والتعليم والعلاج، بمقدار الحاجة. ومنها الضيافة العابرة، وخدمات الجهاد ونحوها، لأنه يحقق مصلحة، وتغيب عند حسن النية والمشاغل الجادة نظرات السوء غالباً. وشعار المرأة في هذا الاختلاط العفّ البريء: الحزم والتماسك، والبعد عن مفاتن الأنوثة الخاص، تصديقاً لقول الله تعالى: (يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتُنّ فلا تخضعن بالقول، فيطمع الذي في قلبه مرض، وقلن قولاً معروفاً (٣٨.

والخلاصة: إن ما قرره الإسلام من أحكام يظل واجب التطبيق، ولا يصح وصفه - كما يحلو لبعض الكتاب المعاصرين أو الجهلة - بالتقاليد الإسلامية، لأن التقاليد ناشئة عن أعراف وعادات متوارثة أو شائعة، وهذه الأعراف قد تكون صحيحة، أي تتفق مع الشريعة، فهي مقبولة، وقد تكون فاسدة، أي قبيحة تصادم أحكام الشرع، فتكون مرفوضة أي محرمة. وعلى هذا، تكون هذه التقاليد خاضعة للحكم الشرعي، فيترك منها الحسن، ويلغى القبيح، بإجراء عملية اصطفاء واختيار، ويكون دور الإسلام دور استيعاب للتقاليد والثقافات، أي أنماط السلوك والمعارف، لأن الدور الإسلامي دور تصحيح وتنقيح، وإبقاء ما هو خير، وإنهاء ما هو شر، وهذا معيار عالمي موضوعي، لأن الحكمة أو الفلسفة تلتقي في النهاية مع شرع الله، ولا تتعارض مع ما ينسجم مع معطيات العقول السليمة.

والتاريخ الإسلامي يؤكد هذه الحقيقة، فقد انتشر الإسلام بين أقوام وشعوب مختلفة، لهم عاداتهم وتقاليدهم وثقافاتهم القديمة، سواء أبين العرب، أم غير العرب في القارات الثلاث: الآسيوية والإفريقية والأوروبية، وتخلى عن التقاليد الموروثة هؤلاء الأقوام كالأكراد والشراكس والأتراك والإيرانيين، والشيشان، والأفغان، والبخاريين وما جاورهم، والماليزيين والأندونيسيين، والهنود والباكستانيين والقبائل الإفريقية، والأوروبيين والأمريكان، ولقد شاهدت بنفسي نماذج من هؤلاء جميعاً، فوجدتهم قد انصهروا في بوتقة الإسلام، وبخاصة إذا دخلوا في الإسلام عن طريق التصوف المعتدل الملتزم بشرع الله ودينه.

ب - نفي الشبهات والأخطاء:

إن عالمية الإسلام وخلوده وخاتميته تتجاوز في اتساعها وامتدادها الزمان والمكان، ومن البديهي قد تثور شبهات تتصادم معها، أو قد تقع أخطاء تعكر مسيرتها، فهل تتوقف هذه الخواص، أو تتعثر أو يطرأ عليها التغيير؟ الواقع أن كل نظام قد تعترضه مشكلات، فإذا كان هذا النظام متيناً قوياً، فلا يتعكر أو يتعثر أمام المدّ الذي يتصف بالموضوعية، والعقلية، والانسجام مع دواعي الفطرة، وهكذا الإسلام يقف كالجبل الأشم أمام كل التحديات أو النكسات. وسأتعرض لبعض الشبهات:

إقليمية الإسـلام:

عالج الأستاذ عبد القادر عودة هذه الشبهة، فقال ٣٩:

الأصل في الشريعة الإسلامية - كما تقدم - أنها شريعة عالمية أو ذات نزعة عالمية، لامكانية، جاءت للعالم كله، لا لجزء منه، وللناس جميعاً، لا لبعضهم، كما قال الله تعالى:

(تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً (٤٠. وقال سبحانه آمراً رسوله (ص) بإعلان مبدأ العالمية: (قل يا أيها الناس، إني رسول الله إليكم جميعاً … (٤١.

فهي شريعة للناس كافة، لا يختص بها قوم دون قوم، ولا جنس دون جنس، ولا قارة دون قارة، وهي شريعة العالم كله، يخاطب بها المسلم وغير المسلم، وساكن ديار الإسلام وغيره.

لكن لمّا تعذر إيمان الناس جميعاً بالإسلام، لظروف معينة، من التأثر بالموروثات السائدة والعادات الشائعة، والفلسفات أو الأديان القائمة، ولا يمكن إكراه الناس على الإسلام، أو فرضه عليهم فرضاً، فقد قضت ظروف الإمكان أو الواقع العملي القائم ألا تطبق الشريعة إلا على البلاد التي تخضع لسلطان المسلمين، دون غيرها من البلاد، فأضحى تطبيق الشريعة الإسلامية مرتبطاً بدولة الإسلام وقوة المسلمين، فكلما اتسعت الأقاليم التي تكون تحت ولاية المسلمين وسلطانهم، اتسع نطاق تطبيق الشريعة، وكلما انكمش سلطانهم، انكمشت الحدود التي تطبق فيها الشريعة، أي يطبق الإسلام مع رقعة انتشاره قبضاً أو بسطاً.

فالظروف والضرورة هي التي جعلت من الشريعة الإسلامية شريعة إقليمية، أي تطبق على مسلمي دار الإسلام ومن يعايشهم من المعاهدين، وإن كانت الشريعة في أساسها شريعة عالمية.

ويمكن القول: إن الشريعة الإسلامية في أساسها شريعة عالمية، إذا نظرنا إليها من الوجهة العلمية، ولكنها في تطبيقها شريعة إقليمية.

والمعوّل في الأحكام التشريعية على الأصول العلمية أو المبدأ، أما الواقع فقد يتفق مع هذه الأصول أو الأسس، وقد يقصر عنها لظروف وأوضاع معينة، مؤقتة أو دائمة.

وحينئذ لا تكون شبهة الإقليمية الواقعية حائلاً دون تقرير العالمية وما يتبعها من الخضوع لأحكام الشريعة وهيمنتها.

تعـدد الولايات والـدول:

الواقع الإسلامي المجزأ في عصرنا نكبة من نكبات أو محن الاستعمار وآثامه ورزاياه، وتمر السنون وحال المسلمين يزداد تفرقاً وتباعداً، ساعد عليه تعدد الأقاليم واستقلال الدول الإسلامية، بعضها عن بعض، حتى صار عددها الآن في منظمة الأمم المتحدة ٥٥ دولة.

ومما زاد من التباعد بين الدول الإسلامية: تباينها في الولاء لبعض الدول الكبرى كأمريكا وأوربا الآن، والاتحاد السوفياتي في الماضي القريب. وكذلك تفاوتها في الغنى والفقر، وتعرض بعضها لمشكلات اقتصادية، تجعل الآخرين يتخوفون من التقارب معها، وتضعف الثقة أو تنعدم بين كل دولة وأخرى، فتخشى الدولة الغنية أطماع الدول الفقيرة.

وتتأزم أحياناً العلاقات بين الدول الإسلامية، والعربية، بسبب اختلاف وجهات النظر السياسية، فيتشدد جانب، ويلين آخر، ويبادر بعضهم أو يهرول للارتماء في أحضان العدو الغاصب أو المحتل الدخيل.

وتبلغ حدة التباعد والكراهية أقصاها حين، تتدخل دولة مسلمة أو عربية في شؤون دولة أخرى، أو تعتدي على حدودها أو تحتل بعض أراضيها، بذرائع وأطماع متنوعة.

ومما يزيد الفرقة: تباعد الدول أو الأقاليم الإسلامية في المكان، فيكون بعضها في أقصى المشرق كأندونيسيا وماليزيا، وبعضها في أقصى المغرب كدولة المغرب العربية على حدود المحيط الأطلسي.

وعلى الرغم من كل هذه الظواهر، فإنه يمكن تحقيق تقارب أو اتحاد بين الدول الإسلامية، أو وحدتها في المسائل الأساسية، والقرارات الدولية، إذا توحدت في السياسة والاقتصاد والاجتماع والقانون أو النظام: بتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، وفي مجال الفكر والثقافة بتوحيد مناهج التعليم الأصيلة في المدارس والمعاهد والجامعات، على أساس من الوحي الإلهي في القرآن والسنة النبوية وإجماع الأمة الإسلامية، وليس هذا بالأمر الصعب، وإنما هو سهل، لأن الدين واحد، والمسلمون أخوة. أما اختلاف المذاهب السنية أو الشيعية فلا يعد عائقاً، لأن الخلاف في الفروع والجزئيات لا في المعتقدات والأصول، ولأنه إذا توافرت النوايا والبواعث الحسنة، وصدق كل جانب في معتقده وإيمانه، سهل اللقاء، وضاقت شقة الخلاف، وهذا ليس عسيراً ولا ممتنعاً.

مناهج تحقيق العالمية في الفكر والثقافة والواقع:

تتحقق العالمية الإسلامية أولاً بين دول الإسلام وشعوبه وأنظمته وحكامه، ثم مع الدول الأخرى في الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وبالعقل والفكر النير إلى حقيقة الإسلام ومبادئه على صعيد من السلم ونشر المحبة، وتحسين العلاقات، والمباراة في بيان أهداف الإسلام ومقاصد الشريعة بلغة العصر وأساليبه، وتجنب التطرف ونبذ الإرهاب، والتعصب، وإبداء منهج التسامح الإسلامي بين المسلمين وغيرهم، وإعلان مبادئ الحق والعدل والحرية وتقرير المصير، دون إكراه ولا إجبار.

وبنود تحقيق العالمية في الوسط الإسلامي تتجلى أولاً في الفكر والثقافة والواقع في المجالات الثلاثة الآتية ٤٢:

أولاً: وصل ماضي الأمة بحاضرها، والتخلي عن أحقاد التاريخ السابق، وترك استمرار عقدة الخلاف في صفوف الجماعة، وإطفاء نيران الخلاف، والبعد عن إشاعتها أو تلقينها للناشئة، ولأن كل خطوة نحو الوحدة والتقارب، والتقدم، والوقوف صفاً واحداً أمام تحديات الأعداء والمخاطر المشتركة، إنما تبدأ من واقع الحاضر، لا من أخطاء وموروثات الماضي، فكل إنسان أو فئة يسأل أو يحاكم على ما قدّم من خير أو شر، بل لنكن واقعيين، فإنه لا فائدة على الإطلاق من إحياء خلافات الماضي.

ثانياً: ألا ينحاز العالم الإسلامي بجميع شعوبه وحكامه في جانب من جوانب السياسة والاقتصاد والاجتماع ونحو ذلك نحو اتجاه معين يغاير اتجاه الإسلام وشرعه ومنطلقاته، ويتنافى مع المصلحة الإسلامية العليا، ويعد خرق هذا الاتجاه إما خيانة لله والرسول، ولمصالح الأمة جمعاء، وإما عصبية مذهبية أو طائفية بغيضة تلتقي مع العصبية الجاهلية في نتائجها وثمراتها، وإن خالفتها في دوافعها وأسبابها.

ثالثاً: أن تتقارب الطوائف الإسلامية، بحيث تدرس بتجرد وموضوعية وإنصاف ما لدى الطائفة الأخرى، لأن الإسلام كل لا يتجزأ، ولأن إزالة النعرة غير الطبيعية التي خلفتها أحداث التاريخ ضرورة حتمية. وإذا تعذر الوفاق على بعض الجزئيات، فتترك لكل جانب أو طائفة، على ألا تعكر صفو العلاقات الأخوية الإسلامية الصافية، غير المتأثرة بحزازات الماضي وآلامه ومآسيه، أي أن الخطأ يجب ألا يستمر، وألا يعوق تحقيق اللقاء المشترك أو الاتحاد أو الوحدة، ولأن محو الفروق الطائفية يجب أن يكون غاية مقصودة في ذاتها، لأن أسباب الخلاف قد زالت، ومن الخطأ التمسك بالاختلاف الطائفي مع زوال أسبابه وعدم الجدوى في إثارته.

الاتجاهـات القومية الإسـلامية:

إن الأمة الإسلامية قد جربت بعد استقلالها وزوال كابوس الاستعمار عن كيانها كل المبادئ الغربية أو الشرقية، من اشتراكية، ورأسمالية، وعلمانية، ووطنية، وقومية، إما عربية أو كردية، أو بربرية، أو تركية ونحوها، فلم تحقق منها جدوى أو غاية نفعية أو صحيحة، وظلت تترنح وتهتز في متاهات التخلف والضعف والتفرق، حتى هانت على الأعداء والدول الكبرى، ولم يعد لها حسبان في موازين السياسة العالمية.

وقد آن الأوان في ظل الصحوة الإسلامية المعتدلة والرشيدة الحالية أن تعود هذه الأمة لرشدها والحفاظ على عزتها ووجودها وكيانها، وتتجاوز محن الماضي ومآسيه على مدى نصف قرن من اغتصاب فلسطين، والاعتداء على حقوقها في كشمير وغيرها من البلاد الإسلامية.

إن القومية من مخلفات الغرب في القرن التاسع عشر، وقد تركتها الدول الغربية، واتجهت نحو الوحدة أو الاتحاد.

وإذا اقتضت الظروف السياسية الاحتفاظ بشعار القومية العربية اليوم في مواجهة العدو الصهيوني، لتجميع وتضامن المسلمين والعرب، فإنه ثبت لدى دعاة هذه القومية أنها تلتقي في المصير مع الاتجاه الإسلامي بكل مراميه وأبعاده وطموحاته.

وكذلك الشأن في كل قضية تهم المسلمين قاطبة ينبغي تجاوز الأفق القومي الضيق، والانصهار في بوتقة العالمية الإسلامية الخيرة، والتي تحقق على المدى القريب والبعيد مصالح جميع المسلمين، لأن العدو الغربي تكرر منه الإعلان عن مواجهة العالم الإسلامي بعد سقوط الشيوعية بدون ثمن عام ١٩٨٩ م، ولا تفرقة في أذهان هؤلاء الأعداء بين أي واحد من الأقطار الإسلامية، من أهل السنة، أو الشيعة.

إن العقلاء يقررون أن الاتحاد في مواجهة الخطر المشترك ضرورة حتمية، لا محيص عنها ولا مهرب، وأن وجود هذا الاتحاد آت لابد منه بمشيئة الله تعالى، إذا صدقت النوايا، وشحذت العزائم، وخفتت أصوات الأطماع المادية الطاغية، والإغراق في النعم لدى البعض، وحرمان البعض الآخرين من أبسط وأدنى الحياة المعيشية أو الاقتصادية.

الجمـود الثقـافـي:

الثقافة - كما جاء في معجم العلوم الاجتماعية وقاموس علم الاجتماع: هي استجابة الإنسان لإشباع حاجاته المادية والروحية. أو أنها تشمل نماذج الحياة الاجتماعية بأسرها: العائلية والاقتصادية والدينية والأخلاقية والتربوية والجمالية والسياسية واللغوية والعلمية.

ومعيار الثقافة: هو الدين، ويرفض القول بأن (الفن للفن) لأنه لا بد من أن يكون الفن أخلاقياً، والدين أصل الأخلاق، ويجب احترام القيم الدينية في مجال الفن وغيره. وبإيجاز: الثقافة تشمل المعرفة والسلوك…

ويلاحظ أن مجتمعنا المعاصر محدود الثقافة أو جامد الثقافة، فالناس إلى الآن حريصون على المادة وتوفير سبل المعيشة، والكثيرون أو القليلون يمارسون العبادات في الظاهر، من غير معرفة صحيحة بها وبأهدافها، لذلك تبتعد في الغالب ثقافاتهم عن مقاصد العبادة، وأخلاق الدين، وتراهم يعنون بالقشور والمظاهر، وربما تعرض لهم أجهزة الإعلام المكتوبة من صحافة وقصص شعبية مثلاً، والمسموعة والمرئية، من أخبار سياسية، ومسلسلات تعالج بعض عيوب المجتمع والأفراد، دون أن تعنى بالتوجيه والتثقيف فيما هو حساس وضروري، لحياة الأسرة والأفراد والتجار والصناع والزراع، و دون أن تحقق النفع لهم، وتدرأ الشر عنهم، سواء أفي حاضرهم أم في مستقبلهم القريب أو البعيد، هذا فضلاً عن عدم وضوح الرؤية المستقبلية والآفاق العالمية، وغياب الاستراتيجية والخطط التنموية والتربوية والاقتصادية وغيرها من ضروريات الحياة

الاجتماعية. وهذا يؤدي إلى الفقر وضعف الحس العام أو بالسلوك الرشيد.

وإذا ظلت الحال على هذا النحو من الجمود الثقافي المعرفي والسلوكي، ظل الناس في حيرة ومتاهة، وتخلف وغيبوبة عن تحقيق أو إدراك مفهوم الذات.

فقـه الوفـاق

ليس هناك أمة، على وجه الأرض، لها من مقدمات الوحدة والوفاق، والبناء المشترك والعمل الموحد مثل الأمة الإسلامية، لأن دينها واحد، وعقيدتها واحدة، أخلاقها وتطلعاتها واحدة، وانتماءها إلى جذع واحد أو أرومة واحدة، ووجودها يفرض عليها وحدة المسيرة والاتجاه، وتاريخها واحد، ورقعتها الجغرافية واحدة أو متقاربة الحدود والامتداد من الشرق إلى الغرب، ومن الشمال إلى الجنوب، ومصادر ئقافتها ومعارفها واحدة لا تعدد فيها ولا ازدواجية، ونصوص شريعتها واضحة في الأصول والجوهر والغاية، ومصيرها واحد، وهو لقاء رب العالمين، وإيمانها بمبعث الخلق أجمعين.

* - رئيس قسم الفقه الإسلامي ومذاهبه بجامعة دمشق - كلية الشريعة.

٢ - الأنبياء / ٩٢.

٣ - المؤمنون / ٥٢.

٤ - الحجرات / ١٣.

٥ - رواه مسلم والترمذي والبزار وغيرهم.

٦ - الحجرات / ١٠.

٧ - الأحكام السلطانية للماوردي: ص ٧، ولأبي يعلى، ص ٩.

٨ - المختصر النافع في فقه الإمامية: صفحة ف من تقديم العلامة محمد تقي القمي.

٩ - آل عمران / ١٠٣.

١٠ - الوحدة الإسلامية لأستاذنا المرحوم محمد أبو زهرة: ص ٢٥.

١١ - المائدة / ٢.

١٢ - المرجع السابق: ص ٢٩ - ٣٠.

١٣ - المائدة / ٥٠.

١٤ - آل عمران / ٨٣.

١٥ - النساء / ٥٩.

١٦ ـ. أي: قوتكم ومجدكم.

١٧ - الأنفال / ٤٦.

١٨ - النساء / ١٠٥.

١٩ - آل عمران / ١١٠.

٢٠ - البقرة / ١٤٣.

٢١ - رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي موسى الأشعري.

٢٢ - رواه الإمام أحمد ومسلم عن النعمان بن بشير.

٢٣ - يوسف / ٢.

٢٤ - فصلت / ٣.

٢٥ - نحو مجتمع إسلامي للأستاذ الكبير المرحوم سيد قطب: ص / ١٠٦.

٢٦ - حديث حسن أخرجه أبو داود عن جبير بن معطم.

٢٧ - المستقبل لهذا الدين للأستاذ سيد قطب: ص ١١٠ـ ١١٣ بتصرف.

٢٨ - النساء / ١.

٢٩ - الحجرات / ١٣.

٣٠ - الميزان في تفيرالقرآن للعلأمة السيد محد حسين الطباطبائي ٣٢٦ / ١٨.

٣١ - تفسير الألوسي ٢٦ / ١٦١ - ١٦٢.

٣٢ - تفسير الرا زي ٢٨ / ١٣٧.

٣٣ - انظر ٢٥٩ / ٢٦.

٣٤ - الوحدة الإسلامية للعلامة الشيخ محمد أبو زهرة / ٢٦.

٣٥ - أخرجه البخاري في الأدب والحاكم والبيهقي عن أبي هريرة …

٣٦ - أخرجه الطبراني عن أبي موسى، وهو حسن.

٣٧ - الأنعام / ١٦٤.

٣٨ - الأحزاب / ٣٢.

٣٩ - التشريع الجنائي الإسلامي ١ / ٢٧٤ - ٢٧٥ بتصرف.

٤٠ - الفرقان / \.

٤١ - الأعراف / ١٥٨.

٤٢ - الوحدة الإسلامية للأستاذ الشبخ محمد أبو زهرة: ص ٤٥ بتصرف.

***

وتطلعاتها واحدة، وانتماءها إلى جذع واحد أو أرومة واحدة، ووجودها يفرض عليها وحدة المسيرة والاتجاه، وتاريخها واحد، ورقعتها الجغرافية واحدة أو متقاربة الحدود والامتداد من الشرق إلى الغرب، ومن الشمال إلى الجنوب، ومصادر ئقافتها ومعارفها واحدة لا تعدد فيها ولا ازدواجية، ونصوص شريعتها واضحة في الأصول والجوهر والغاية، ومصيرها واحد، وهو لقاء رب العالمين، وإيمانها بمبعث الخلق أجمعين.

ومصادر الاجتهاد فيها واحدة أيضاً، وإن شابها شيء من الاختلاف في التطبيق، أو الخلاف في الفروع، ما عكّر صفاء الفكر ووحدة العمل، فعني الكثير من الأمة بمظاهـر الاختلاف الواهية أو المحدودة، وتركوا الجذور والأصول والمنطلقات، وصعب، في مسيرة التاريخ، التخلص من هذه الشوائب، وبعد الناس عن المنبع، واشتغلوا بالسواقي والجداول.

ولم يتخلّص العلماء بالذات، فضلاً عن العوام، من العناية بالخلافات، وضخّموا مسائل الاختلاف، وهوّلوا وقائع النزاع، وتركوا نقاط الاتفاق والتلاقي، وصنفوا العديد من المصنفات في بيان أسباب الاختلاف بين الفقهاء، إما بحسن نية ليعذر الناس العلماء في ما اختلفوا فيه، أو بسبب الولع بتتبع الخلافات، الأمر الذي أنسى الأمة، في خزانة الفكر الإسلامي أو الإنساني، ظاهرة الوفاق والتوحد، ورصدوا الكثير من مسوغات الخلاف، ما جعل المسلم يعنى بالاختلاف، وينسى الاتحاد أو الوحدة.

لذا لم أجد مصنفاً واحداً، في القديم والحديث، عني بالأمر البدهي أو الأصيل الإسلامي وهو وحدة الفكر والمصدر والاستنباط، لحمل الناس عليه، علماً بأن نقاط الاتفاق والاتحاد أكثر بكثير من نقاط الخلاف والخصام والتعصب المذهبي.

وإذا كنا، اليوم، نعاني الكثير ممّا خلفه التاريخ العلمي والواقع المجزأ المبني عليه، فقد آن لنا في رصيد الصحوة الإسلامية الحاضرة أن نعود للأصول الواحدة، والمشاعر والأفكار الواحدة، لنبني تاريخاً جديداً قام صرح الإسلام العظيم في الماضي على أصوله الواحدة، وثوابته القائمة التي لا تتغير ولا تتبدل.

ونحن، اليوم، أكثر من أي وقت مضى بأشد الحاجة للوقوف صفاً واحداً، أمام التحديات الكثيرة والمدروسة التي تهدف إلى القضاء على وجودنا، وزعزعة استقرارنا، ونهب ثرواتنا، وإضعاف بنيتنا، والتشكيك في مقدراتنا، بل وفي عقائدنا ومقدساتنا، وعلومنا وشرعنا، وتاريخنا وسيرة سلفنا.

وإذا وجد، في هذا التاريخ المضيء، بعض المآسي والجروح، فإن ذلك أقل بكثير مما نجده في تاريخ الأمم الأخرى ولا سيما أهل الغرب. ولكن إلى متى تظل مآسي التاريخ الجانبية تفرق بين الأخوة، وأبناء الدم الواحد، والاعتقاد الواحد، والمصدر الواحد؟ وإلى أي مدى يسمح علماؤنا، من أي مذهب كان، بأن نظل أسارى تلك النقاط المظلمة في تاريخنا والمعكرة لصفونا، والتي تباعد بين الإخوة، وتبقي الفرفة، كأنها الأصل، وتنسى وهي الجذر؟ !

إننا، نحن العلماء، آثمون أشد الإثم من حيث ندري أو لا ندري إذا لم نُعد حساباتنا، ونفكر في مصائرنا، ونعمل من جديد على إعادة وحدة الأمة في السياسة، والاقتصاد، والاجتماع، والاعتقاد، والاجتهاد والاستنباط، والتربية والتعليم، والتوجيه والتثقيف، وبناء حياة مزدانة بكل عناصر القوة، والمجد، والجدية، والنهوض من الكبوات، ونسيان الخلافات الماضية التي ليس لإثارتها أو إحيائها أو التحدث فيها أي معنى، بل إنّها سُمٌّ زعاف، وضرر محض يؤدي لإحياء الحديث في تلك الخلافات، التي تفرّق ولا تجمع، وتهدم ولا تبني، وتمزق ولا ترفأ، وتضعف ولا تقوي أو تعالج، وتثير النزاع ولا تؤاخي أو تضمد الجراح.

إنني أشك في أمانة العالم أو المؤرخ الذي يكثر من الحديث، أو التحقيق، أو الإعلان أو المقال الآن عن جراح الماضي، وما أدت إليه من الفرقة المذهبية، والتشتت الوجداني، والضياع القاتم، وما على العالم أو الفقيه إلا أن ينبه إلى العمل بأوجه اللقاء والتفاهم، والترفع عن الأحقاد والخصومات، وتناسي الثارات، والعمل على صعيد مشترك يحقق الوحدة الإسلامية.

إنني أعيد الحساب بنفسي، لعل غيري يقلدني، ويبدأ الجميع في نسج فكر واحد، وبناء مجد واحد، والتصدي لعدو شرس خطير واحد، فهل من متذكر أو مستجيب؟ !

إن الصلح في الفكر والتراث وكل النزاعات، ولا سيما أمام المخاطر، هو جوهر صفاء الدعوة إلى الله وإلى الإسلام الحق، وإلى الوجود الدولي الإسلامي الواحد.

نقاط الاتفاق والالتقاء بين المذاهب الإسلامية

ا - وحـدة الـدين

إن الدين عند الله الإسلام، والإسلام واحد وهو جوهر جميع الرسالات الإلهية، وهو دعوة جميع الأنبياء والمرسلين، إنهم دعوا إلى إله واحد، ورب واحد. فالله هو الإله الواحد، والخالق الواحد، والرب الواحد، وأركان الإيمان في الإسلام واحدة، إنها إيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وأركان الإسلام بالمعنى الخاص الذي عليه المسلمون الآن بجميع فرقهم ومذاهبهم واحدة، إنها شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلاً من المسلمين.

والمسلمون، بمختلف مذاهبهم، في الماضي والحاضر، متفقون في أركان الإيمان والإسلام، وعناصر الاعتقاد، وإن اختلفوا في تفاصيل الفكر الإيماني والفلسفي، فإن الخلاف بين من يُسمّون بالسلفية، والأشاعرة، والماتريدية، والمعتزلة قريب الجوانب، وإذا كان الشيعة الإمامية، والزيدية، والاباضية، اليوم، على مذهب المعتزلة، فليس ذلك بموجب للتباعد بيننا، فهو مذهب قوي الحجة، يمكن قبوله بسهولة، إذا فهم، كما يمكن أن يكون ملتقياً مع مذاهب أهل السنة في الهدف والجوهر.

وفد تفضل الله على المسلمين بإتمام النعمة وإكمال الدين، وهو الأساس، فلا داعي للابتعاد عنه بسبب الخلاف في الفروع، قال الله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام ديناً (١.

وجاءت النصوص القرآنية تؤكد ضرورة الالتقاء على أصول الدين، فقال الله تعالى:

(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا… (٢. وقال الإمام الرازي: "أمر الله، في هذه الآيات، المؤمنين بمجامع الطاعات، ومعاقد الخيرات، فأمرهم أولاً بتقوى الله، وهو قوله: (اتقوا الله)، وثانياً بالاعتصام بحبل الله، وهو قوله: (واعتصموا بحبل الله (وثالثاً بذكر نعم الله، وهو قوله: (واذكروا نعمة الله عليكم (. ولما أمرهم الله تعالى بالاتقاء عن المحظورات، أمرهم بالتمسك بالاعتصام بما هو كالأصل لجميع الخيرات والطاعات، وهو الاعتصام بحبل الله. وحبل الله: يشمل كتاب الله وعهده ودينه وطاعته وموافقته لجماعة المؤمنين " ٣.

وفسّر العلامة الطباطبائي "حبل الله" بأنه التمسك بآيات الله ورسوله (الكتاب والسنة). "وحبل الله: هو الكتاب المنزل من عند الله، وهو الذي يصل ما بين العبد والرب، ويربط السماء بالأرض. والتمسك بذيل الرسول: تمسك بذيل الكتاب، فإن الكتاب هو الذي يأمر بذلك في مثل قوله تعالى: (وما آتاكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا (٤.

وفي سورتين متجاورتين، أو متقاربتين في الترتيب التوفيقي، أعلن الحق، سبحانه، أن ملة التوحيد والإسلام واحدة، فلا يصح أن تكون مدعاة للتفرق والتشتت، فقال الله تعالى: (إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون. وتقطعوا أمرهم بينهم كل إلينا راجعون (٥. قال الرازي٦: (إن هذه أمتكم (خطاب للناس قاطبة، والإشارة إلى ملة التوحيد والإسلام. والأشهر، في تفسير الأمة، أنها الناس المجتمعون على أمر أو في زمان، وإطلاقها على الدين نفسه مجاز. وظاهر كلام الراغب الأصفهاني أنه حقيقة أيضاً، وهو المراد هنا. وأريد بالجملة الخبرية: الأمر بالمحافظة على تلك الملة ومراعاة حقوقها. لمعنى أن ملة الإسلام ملتكم التي يجب أن تحافظوا على حدودها، وتراعوا حقوقها، فافعلوا ذلك.

وفي سورة (المؤمنون): (وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون. فتقطعوا أمرهم بينهم زبراً، كل حزب بما لديهم فرحون. فذرهم في غمرتهم حتى حين (٧ قال الطباطبائي: "والمعنى أن هذا النوع الإنساني أمتكم معشر البشر، وهي أمة واحدة، "وأنا الله الواحد عز اسمه" ربكم، إذ ملكتكم، ودبّرت أمركم، فاعبدوني لا غير، واتقوني، لكنهم لم يأتمروا بأمره، وقطعوا أمرهم بينهم قطعاً، وجعلوه كتباً اختص بكل كتاب حزب، وكل حزب بما لديهم فرحون. والزبر: الكتب، أو الفرق، أي وتفرقوا في أمرهم جماعات أحزاباً" ٨.

تضمنت الآيات أمرين مهمين جداً، الأول: أن الملة واحدة والدين واحد، والثاني: الحملة الشديدة بالتأنيب والتوبيخ واللوم على الناس الذين تجاوزوا وحدة الملة والدين، وتفرقوا جماعات وأحزاباً. قال القرطبي: "والمراد جميع الخلق، أي جعلوا أمرهم في أديانهم قطعاً، وتقسموه بينهم، فمن موحد، ومن يهودي، ومن نصراني، ومن عابد ملك وصنم. والكل إلى حكم الله راجعون فيجازيهم " ٩.

وإذا كان هذا في الأمم جميعاً، فالأولى بأمة الإسلام أن تتحد، وتمتنع عن الفرقة والتمزق، وتسعى لرأب الصدع، وتجاوز الخلافات، وإنهاء المنازعات.

وعبّرت السنة النبوية عن وحدة المسلمين بأنهم كالجسد الواحد المتماسك، فقال النبي (ص)، واضعاً أولاً أساس الوحدة وهو الأخوة: (المسلم أخو المسلم) ١٠، وهذا يلتقي مع قول الله تعالى: (إنما المؤمنون إخوة، (١١ ثم عقد النبي بين الإخوة عقدة لا تنفصل فقال: (المسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضا) ١٢ وهذا الوصف تعبير بالإسلام، وفي حديث آخر تعبير بالإيمان: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) ١٣.

وبرأ القرآن الكريم رسوله من الصلة بالمشركين وأهل الملل الأخرى، والمتنازعين المتخالفين، فقال الله تعالى: (إن الذين فرقوا دينهم وكانو شيعاً، لست منهم في شيء، إنما أمرهم إلى الله، ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون (١٤. قال المراغي: (أي أن الذين فرقوا دينهم، فأقروا ببعض، وكفروا ببعض، كما فعلت اليهود والنصارى، إذ تفرقوا فرقاً، وكفّر بعضهم بعضاً، وأخذوا بعضاً، وتركوا بعضاً، كما أخبر بذلك الكتاب الكريم بقوله: (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض (١٥.

٢ - وحـدة الانتمـاء

المسلمون، في أنحاء العالم، إما عرب لحماً ودماً وموقعاً جغرافياً وتاريخاً حضارياً، وإما مسلمون من جنسيات مختلفة، ولغات مختلفة، ويلدان متباعدة أو متقاربة، ولكن الإسلام صهر الجميع في بوتقة واحدة هي الانتماء للأمة الإسلامية، ذات المبدأ الواحد، والنظام الواحد، والخلق الواحد، والتاريخ الواحد، والآلام والآمال الواحدة، يلتقون جميعاً على مائدة الإسلام العظيم الذي ضم بجناحيه جميع المسلمين في المشارق والمغارب، وحمّلهم جميعاً أمانة تبليغ الدعوة إلى الله في جميع الأزمان والأمكنة. وآخى بينهم برابطة الأخوة الإيمانية، كما في قول الله تعالى: (إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم، واتقوا الله لعلكم ترحمون (١٦.

وكان المسلم، في صدر الإسلام، لا يعتز بغير انتمائه للإسلام، فيقول قائلهم:

أبي الإسلام لا أب لي سواه إذا افتخروا بقيس أو معدّ

وجعل الله، تعالى، لهذه الأمة ما دامت متمسكة بدينها، ملتزمة بشريعة ريها عزة خالدة، ونصراً مبيناً، فقال الله تعالى: (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين، ولكن المنافقين لايعلمون (١٧.

ووحدة الانتماء التي تظللها عزة الإسلام، وتؤطرها وثيقة الارتباط بدين واحد ورب واحد، مدعاة لعقد أواصر الود والتفاهم والتضامن، والعمل الواحد في ميدان واحد، ميدان الجهاد لإثبات الذات، والوقوف صفاً واحداً في مواجهة قوى الشر والعدوان، وتحطيم نزعة الاستكبار العالمي، والطغيان المعادي للدين الحق، والقيم الإنسانية العليا. ووحدة الانتماء للدين الإسلامي الواحد تحقق هوية الأمة الإسلامية وتثبت ذاتيتها.

٣ - وحدة النصوص التشريعية

الوحدة التشريعية من أهم ركائز الوحدة بين المجتمعات أو الجماعات والأمم والشعوب، وقد توافرت للأمة الإسلامية وحدة التشريع، بما حفظه الله لها في مصدريها الأصليين، وهما القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، لذا أمر الله تعالى باتباعهما، تحقيقاً لخير الأمة، في آيات كثيرة، مئل قول الله سبحانه: (يا أيها الدين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ( (أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون (١٨. وذلك لأن النص هو المرجع الأول للمجتهدين جميعاً، وعليه مدار استنباط الأحكام الشرعية، فإذا صح ثبوته وصرحت دلالته، وسلم من المعارض، كان عليه الاعتماد في الحكم بالاتفاق.

وإن من أهم ما يبرز الشخصية الإسلامية في العالم الإسلامي، أن قاعدة التعامل بين أفراد الأمة واحدة ثابتة واضحة، تتمثل في نظام العقود المدنية والشخصية والاقتصادية والاجتماعية، وفي نظام العقوبات، فأنى اتجه المسلم في أرض الإسلام، يجد احترام عقود المعاملات على أساس من التراضي، والبعد عن التدليس والغش، والاحتكار في أصل النظام، والامتناع عن الربا والغرر (بيوع الأشياء الاحتمالية) وإخلاء العقد من الجهالة و العجز عن التسليم، وانعدام المعدوم، في ما عدا المستثنيات كعقود السلم والاستصناع، وعقود الاستثمار المشروع من مضاربة وشركات، وعقود استغلال الأراضي بطريقة المزارعة والمساقاة والمغارسة، وحماية مصالح الدائنين بالتوثيقات الثلاثة: وهي الشهادة، والكفالة، والرهن، ومنع التعسف في استعمال الحق، وتجنب الضرر والضرار، والأذى في علاقات الجوار.

وتطبيق قواعد الإسلام الكبرى، في نظام الحكم، من مراعاة العدالة في القضاء والحقوق والواجبات، وتحقيق المساواة أمام الشريعة، والتزام قاعدة الشورى في الحكم ومختلف الأنشطة.

والحرص على تنمية الاقتصاد وقوة المال من طريق البحث عن الموارد، وإقامة المصانع والمشاريع، وإنهاء البطالة، والتغلب على مشكلات الفقر والمرض والجهل، بطريق استخدام وسائل التنمية الاختيارية من زكوات وأوقاف وهبات وصدقات ونذور ونحوها.

هذه الظاهرة تجدها واضحة في المجتمع الإسلامي إما نظرياً وعملياً، وبخاصة نظام البنوك اللاربوية والتأمين التعاوني الإسلامي، أو نظرياً حيث يتطلع كل مجتمع بحنين بالغ إلى الوقت الذي يجد فيه الناس شرع الله مطبقاً في جميع جوانبه.

ولقد خطت بعض البلاد الإسلامية خطوات سديدة ومشرفة في هذا المجال، ولايزال الكثيرون ينتظرون إقرار الأنظمة المستمدة من شريعة الله ودينه، ويومئذ يفرح المؤمنون.

٤ - وحدة العمل ضد عدو مشترك واحد

وهذا من أولى الواجبات في خط المسيرة الإسلامية الظافرة. والمعلوم أن أعداء العالم الإسلامي صنفوه في مواجهة العالم الغربي، أو الصليبي - الصهيوني. وإذا كنا، في هذا التصنيف، لا خيار لنا، وإنما زج بنا في حمأة الكراهية والتعصب، وفي دوامة الحقد الصليبي - الصهيوني، فعلينا، في قاموس أبسط الأشياء والبدهيات، أن نستعد لهذه المواجهة بمختلف الوسائل ويذل كل الطاقات والإمكانات لصد الخطر، والانتصار على البغي والظلم والعدوان.

والسبيل المتعين، أمام الأمة الإسلامية، هو شيء واحد نفتقده جميعاً ألا وهو وحدة العمل، ووحدة التخطيط، وصلابة القوة والإرادة، وعزيمة الأشداء، وجهاد الأقوياء الشرفاء، من غير خيانة أو طعن من الخلف، أو هرولة لإرضاء العدو، أو مبادرة فردية للتنصل من مقتضيات العمل الواحد.

وليكن التزامنا أول ما نتصور بالبعد عن الخيانة، قال الله تعالى: (يا أيها الدين آمنوا لا تخونوا الله والرسول، وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون (١٩.

وإن من الواجب أن يبدأ المسلمون، في عالمهم، بالعمل على وحدة اقتصادية أو سوق مشتركة، والتعاون، في جميع الأصعدة السياسية والدفاعية، والداخلية، والخارجية، على إقامة وحدة أو اتحاد إسلامي، قد يسمى بهذا الاسم أو بغيره من الأسماء، مع تقدير الظروف الدولية، والبدء بالأولويات الضرورية، ثم» الحاجية «، ثم التحسينية، وهذا هو نظام مقاصد الشريعة المطهرة. وكل ذلك في مظلة جيش قوي سريع التحرك، مزوّد بمختلف الأسلحة الملائمة. ومما لا شك فيه أن الاعتماد على الذات، والتصنيع الداخلي، ضرورة حتمية لأي توجه صحيح.

وينبغي أن ندرك إدراكاً جازماً أن العدو الذي أعلن العداوة للعالم الإسلامي في حلف الناتو (الحلف الأطلسي) مهما جاملنا، فإنه يمكر بنا ويتآمر على مصالحنا. فلا بد من فهم مداخل الأعداء ودراسة مخططاتهم، ومحاولة إحباط أهدافهم في المدى القريب والبعيد.

وليس هناك للأعداء هدف أكثر من إثارة الاختلافات، وتمزيق الصفوف، والنفاذ إلى وحدة الأمة بأساليب مختلفة، ونحن الآن واقعون في شراكها، ولا ندري أمن إدراك لهذا أم نحن في غباء وبلادة وسذاجة؟ !.

وأستبعد الغباء، ولكني أؤكد الحرص على دعم النظام القائم، مهما كانت الوسيلة شريفة أم دنيئة، أمينة أم خائنة، متآمرة أم مستضعفة، ونستعين بالله تعالى من حب الدنيا، وكراهية الموت، وحب السلطة، والبعد عن شرع الله، إلا من رحم ربك من قلة فذة ذكية وواعية، وذات أفق بعيد، وحرص على المصالح الأساسية للأمة.

٥ - وحدة المصادر الاجتهادية

إن مصادر الاجتهاد، واستنباط الأحكام التي يجب على كل مسلم احترامها وتنفيذها، إما نصية أو اجتهادية في ما لانص فيه.

أما النصوص الشرعية فواضحة كل الوضوح في بيان ما يجب وما يمتنع، وما يجوز وما لا يجوز، لأن الحلال بيّن والحرام بيّن، ولسنا نعجز مهما كنا بعيدين عن أصالتنا وتشريعنا عن معرفة ما هو متفق مع شرع الله ودينه، وما يخالفه ويعارضه، أو يتصادم معه. وعلى كل حال، فإن نقاط الالتقاء والتفاهم بين المذاهب الإسلامية كثيرة، ونقاط الخلاف والتباعد قليلة محدودة، كما سبق إيضاحه، كما يتبين مما يأتي:

اتفق المسلمون جميعاً، من مختلف المذاهب والفرق، على حجية القرآن والسنة، فهما مصدرا التشريع الأساسيان، ولا يستطيع مسلم إنكار حكم صريح ثابت فيهما، وإن اختلف المسلمون في بعض المقصود من البيان الشرعي، أو طريق وصول السنة النبوية إلينا، أو تحديد المراد بالسنة، والعبرة بالنتائج فلا نجد خلافاً كبيراً في الأحكام الشرعية المستمدة من هذين المصدرين، فإن وجد اختلاف، فهو في بعض الفروع والجزئيات، لا في الجوهر أو المضمون، ولا في الغاية والمقصود، ولا في حكمة التشريع.

أما القرآن الكريم فلا خلاف إطلاقاً بين أهل السنة والشيعة على المسائل القطعية فيه، المعلومة من الدين بالضرورة، أي البداهة، مثل الشهادتين، والشرك بالله، وفرض الصلوات الخمس، والزكاة، والحج، وصوم رمضان، وتحريم الزنا، والقتل، والسرقة، وشرب الخمر، وتحريم الربا والغيبة والنميمة، وإساءة الظن، والغش، وأكل أموال الناس بالباطل، وشهادة الزور، والضرر، وتطفيف الكيل والميزان، واحترام الوصايا العشر المذكورة في آيات سورة الأنعام الثلاث وهي: (قل: تعالوا أتل ما حرّم ربكم علبكم ألا تشركوا به شيئاً، وبالوالدين إحساناً، ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم، ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ذلك وصاكم به لعلكم تعقلون. ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده، وأوفوا الكيل والميزان بالقسط، لا نكلف نفساً إلا وسعها، وإذا قلتم فاعدلوا، ولو كان ذا قربى، وبعهد الله أوفوا، ذلكم وصّاكم به لعلكم تذكّرون. وأن هذا صرا طي مستقيماً فاتبعوه، ولا تتبعوا السبل، فتفرق بكم عن سبيله، ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون (٢٠.

وإيجاب الكفارات مثل كفارة القتل، وكفارة الظهار، وكفارة اليمين، وفرض عقوبات الحدود، مثل حد الزنا والسرقة والحرابة، والقذف، وتشريع الزواج وإباحة الطلاق وتعدد الزوجات، ورجعة المرأة المطلقة طلاقاً رجعياً، ونفقة الزوجة، والميراث، وتحريم الميتة والدم ولحم الخنزير وغيرها في قول الله تعالى: (حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، والمنخنقة والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع إلا ما ذكيتم، وما ذبح على النصب، وأن تستقسموا بالأزلام، ذلكم فسق، اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون (٢١.

وإحلال الطيبات والصيد، وتحريم الخبائث، وحل الزواج بالكتابية، ووجوب أداء الشهادة وتحريم كتمانها، وإشهاد ذوي عدل، وإباحة البيع والشركة والإجارة والصلح ونحوها من عقد المعاملات، وإيجاب فرائض الوضوء، والغسل من الجنابة والحيض، والترخيص للمسافر والمريض بالإفطار في نهار رمضان وإيجاب القضاء في أيام أخر، والتيسير على الشيخ الكبير بأداء الفدية، وإباحة التيمم لفاقد الماء والعاجز عن استعماله والمريض، ونحو ذلك كأنواع العدد: (عدة الطلاق وعدة الوفاة وعدة الحامل).

كل هذا مما ورد به النص صراحة، فلا خلاف فيه بين المذاهب الإسلامية. أما ماورد به النص الظني الدلالة في القرآن فهو كل اجتهاد، مثل تفسير القرء بحيض أو طهر في العدة، ومقدار النفقة الزوجية، ومقدار الكفارة بالطعام، وإيجاب الإيمان في عتق الرقبة في كفارة الظهار واليمين ونحو ذلك، فالخلاف فيه هيّن يسير، ولا مانع في مجال الاجتهاد في الظنيات من وقوع الخلاف، وهو مسموح به شرعاً، ومرفوع فيه الحرج، بل يثاب كل مجتهد، سواء أأخطأ أم أصاب في اتجاه أكثر العلماء، ولا إثم على مقلد أي مجتهد، لأن الحق أو اليقين لا يعرف بعد انقطاع الوحي وانتهاء النبوات. ولا يصح أن يكون مجال الاجتهاد المعفو عنه سبباً للتفرقة وإساءة الظن، والمبادرة بالتكفير أو التفسيق لمن أخطأ، فذلك إثم وبهتان وزور.

والنص الظني الدلالة: هو اللفظ الوارد في القرآن الكريم الذي يحتمل أكثر من معنى واحد في مجال التأويل، مثل لفظ "المشترك" كالقروء في قوله تعالى: (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء (فلفظ القرء في اللغة العربية مشترك بين معنيين: الطهر والحيض، فتكون دلالة اللفظ على أحد المعنيين ظنية لا قطعية. ومثل لفظ الميتة في قوله تعالى: (حرمت عليكم الميتة، (يحتمل تحريم كل ميتة، ويحتمل تحريم ما عدا ميتة البحر، لأن اللفظ عام. وكذا لفظ الدم يحتمل إرادة الدماء كلها الجامدة والسائلة، أو المسفوحة فقط، فيكون اللفظ المشترك أو العام أو المطلق ظني الدلالة، لدلالته على معنى، واحتمال دلالته على معنى آخر، فيكون محل اجتهاد واختلاف، ولا حرج ولا إثم ولا عيب فيه.

وأما النص القطعي الدلالة: فهو اللفظ الوارد في القرآن الذي يتعين فهمه على النحو الوارد، ولا يحتمل إلا معنى واحداً، كآيات المواريث والحدود والكفارات، قال الله تعالى: (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين ( (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما، ( (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة، ( (والذين يرمون المحصنات، ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة، ( (والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا (٢٢. فهذه نصوص قطعية الدلالة على أنصباء الميراث، وقطع اليد في السرقة، والجلد مئة في الزنا، وثمانين في القذف، وعتق الرقبة في كفارة الظهار أو الصيام أو الإطعام.

واتفق الفقهاء على قواعد معينة في الاستنباط من النص الشرعي، وهي:

أولاً: كل فعل عظمه الله أو مدحه أو أحبه أو وعد به خيراً أو وصفه بالاستقامة أو أقسم به، فهو مشروع، مشترك بين الوجوب والندب.

ثانياً: كل فعل طلب الشارع تركه أو ذمه أو لعنه أو شبّه فاعله بالبهائم أو بالشياطين، أو أوعد به، أو هو رجس أو فسق، فهو غير مشروع مشترك بين التحريم والكراهة.

ثالثاً: كل ما أحله الله، أو أذن به، أو رفع الحرج أو الجناح أو الإصر أو الإثم عنه، فهو مباح مأذون فيه شرعاً.

وأما السنة النبوية: فهي واجبة الاتباع بالإجماع كالقرآن الكريم في استنباط الأحكام الشرعية، لكن دلالتها على الأحكام منها القطعي وهو ما دلت عليه الأحاديث المتواترة: وهي ما رواها عن النبي (ص)، في العصور الثلاثة الأولى، جمع يمتنع في العادة تواطؤهم على الكذب، مثل السنة العملية المروية عنه (ص) في الوضوء والصلاة والصوم والحج والزكاة والأذان والإقامة ونحوها من شعائر الدين، ومثل الأحاديث المتواترة، كحديث: (من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار). وحديث (ويل للأعقاب من النار) وعدد هذه الأحاديث (٣٠٩ أحاديث).

ويعض الأحاديث دلالتها ظنية وإن كانت متواترة، كما أن الحكم في الأحاديث المروية بطريقة الآحاد مظنون، وسنة الآحاد: هي ما رواها عن الرسول (ص) أحاد، كواحد أو اثنين أو جمع لم يبلغ حد التواتر. وأكثر الأحاديث آحاد، وتسمى خبر الواحد. ويرى الشيعة أن كل ما رواه آل البيت حجة في التشريع، وسنة. وقد يقع الخلاف في الأحكام المستفادة من السنة، وليس في ذلك ضرر، ويعذر العلماء في ما اختلفوا فيه، وأغلب تلك الأحكام متفق عليه بين المذاهب، مثل السنة العملية والقولية لبيان كيفية العبادات وضوابط المعاملات، وتخصيص عام القرآن بها كتخصيص آية: (وأحل لكم ما وراء ذلكم (٢٣ وحديث (لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها، ولا على ابنة أخيها، ولا على ابنة أختها). ومثل تقييد مطلق موضع قطع يد السارق من الرسغ عند أهل السنة، والأصابع فقط عند الإمامية. وقد تنسخ السنة آية، كحديث "لا وصية لوارث " فإنه نسخ آية الوصية للوارث، وهي: (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين (٢٤. ولم ير الإمام الشافعي هذا النسخ، وإنما الناسخ آيات المواريث.

وأجاز الإمامية الوصية للوارث ولو بغير إجازة الورثة. وقـد تستقل السنة ببيان حكم جديد سـكت عنه القرآن، مثل أخبار رجم الزاني المحصن، والحكم بشاهد ويمين، تحريم لبس الذهب والحرير على الرجال، وصدقة الفطر، وإيجاب الدية على العاقلة (عصبة العاقل). وتحريم لحوم الحمر الأهلية، وفكاك الأسير ونحو ذلك.

كل هذه نقاط اتفاق مضيئة بين العلماء، وأما الخلاف فيقع في جزئيات أخرى من الأحكام الشرعية بين المذاهب، ولا عيب في ذلك، وإن كان مع الأسف يعتني طلاب العلم بالفروع ويتركون نقاط الاتفاق، فيتصورون الخلاف قبل الوفاق، وتبتعد عن أذهانهم مناحي الالتقاء بين المذاهب،

وتحشى الأفكار والعقول والذاكرة بالخلافات، وتنسى مواطن الاتفاق.

وأما مصادر الاجتهاد في ما لا نص فيه: فتنحصر عند الإمامية بالعقل أي بدلالته القطعية، وتتفرع عند أهل السنة إلى مصادر كئيرة بأسماء متعددة، وهي الإجماع والقياس والاستحسان والمصالح المرسلة، والعرف، والاستصحاب، وشرع من قبلنا، وسد الذرائع، ، ومذهب الصحابي، ونحو ذلك كالعمل بالأقل، وإجماع أهل المدينة، وإجماع آل البيت.

وهذه المصادر في الواقع ليست أدلة مستقلة، كما حقق علماء السنة، وإنما هي قواعد كلية، وهذا متفق عليه. وحكم العقل المقابل للكتاب والسنة بوصفه دليلاً مستقلاً عنهما على أنه مدرك لا حاكم، مقبول عند الشيعة الإمامية والزيدية.

واتفقت المذاهب الإسلامية على الأخذ بحكم العقل إذا كان بناء على ما جاء به الشرع من عموميات، ولم يرد نص بالتحليل أو بالتحريم، فإذا كان في شيء مصلحة، ولم يرد نهي عنه، وكان خالياً من الفساد، فهو بحكم العقل مباح، وعكس ذلك إذا كان في شيء مضرة كتعاطي المخدرات، ولم يرد نص بتحريمه، كان بحكم العقل حراماً، لأن الله لا يرضى لعباده الضرر، ولا يريد الفساد.

ويمكن قسمة الاجتهاد بالاتفاق إلى قسمين: عقلي وشرعي.

أما الاجتهاد العقلي: فهو ما كانت الحجية الثابتة لمصادره عقلية محضة، غير قابلة للجعل الشرعي، كالمستقلات العقلية، وقواعد لزوم دفع الضرر المحتمل، وقبح العقاب بلا بيان، وإباحة الأشياء النافعة، وتحريم الأشياء الضارة أو الخبيثة.

وأما الاجتهاد الشرعي: فهو ما احتاج إلى جعل حجيته من الحجج الشرعية، ويدخل ضمن هذا القسم: الإجماع والقياس والاستحسان والاستصلاح، والعرف، والاستصحاب، وشرع من قبلنا، والذرائع وقول الصحابي، ومنه اجتهاد أل البيت.

ومن المتفق عليه، في هذا المجال، بين المذاهب أن الأخذ بالقواعد الشرعية الكلية، مثل المشقة تجلب التيسير، والعادة محكمة، والضرر يزال، واليقين لا يزول بالشك، والأمور بمقاصدها، كل ذلك وغيره من القواعد، يحتاج إلى ضابط كل قاعدة بما يتفق مع أصالة الأحكام أو النصوص الشرعية الثابتة.

رفع الإثم عن الخطأ في الاجتهاد: يرى جماهير أهل العلم، من أجل الحرص على مبدأ الوفاق ونبذ روح الخلاف بين المجتهدين، وتشجيعاً على الاجتهاد والإقدام عليه، من غير تهيب ولا توجس خيفة أو شعور بالقلق: أن كل مجتهد مثاب على اجتهاده، حتى ولو في حال الخطأ غير المقصود، لأنه بذل جهده وأقصى ما في وسعه للوصول إلى الصواب، لكنه لم يصادف الحق، بدليل ما ثبت في السنة من أحاديث كثيرة، منها ما رواه البخاري ومسلم أن النبي (ص) قال: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد). وفي رواية قال لعقبة بن عامر ورجل آخر من الصحابة في فصل الحكم في مسألة بين خصمين: » فإن أصبتما، فلكما عشر حسنات، وإن أخطأتما فلكما حسنة واحدة «.

وقال الآمدي: (اتفق أهل الحق من المسلمين على أن الإثم محطوط عن المجتهدين في الأحكام الشرعية. وذهب بشر المريسي، وابن عُلية، وأبو بكر الأصم، ونفاة القياس كالظاهرية والإمامية: إلى أنه ما من مسألة إلا والحق فيها متعين، وعليه دليل فاطع، فمن أخطأه فهو آثم غير كافر ولا فاسق. ولا يضر هذا الخلاف لأن التأثيم مرجعه إلى الله، فإن شاء لام المخطىء وإن شاء لم يفعل) ٢٥.

مجال التخطئة والإنكار: إن مراعاة الخلاف أمر متفق عليه بين العلماء، والحرص والوفاق يقتضي عدم التسرع أو المبادرة إلى التخطئة والإنكار في الخلافات الفقهية الناجمة عن النصوص الظنية، ولا قطع فيه، ما لم يكن هناك مخالفة لنص صريح من كتاب وسنة صحيحة صريحة، وإجماع قديم: فإن للاجتهاد آفاقاً واسعة، يعذر فيها المقلدون إن اختلفوا، فال العلامة ابن رجب الحنبلي، في كتابه النفيس "جامع العلوم والحكم" والمنكر الذي يجب إنكاره: ما كان مجمعاً عليه، فأما المختلف فيه، فمن أصحابنا من قال: لا يجب إنكاره على من فعله مجتهداً أو مقلداً لمجتهد تقليداً سائغاً، واستثنى القاضي أبو يعلى في الأحكام السلطانية: وما ضعف فيه الخلاف).

وقال ابن قدامة رحمه الله: » لا ينبغي لأحد أن ينكر على غيره العمل بمذهبه، فإنه لا إنكار في المجتهدات٢٦ «.

التوسط في الحكم على المجتهدات: قد يغالي بعض الناس أو يتخذ موقفاً شاذاً في التعصب لمذهبه، وتخطئة الآخرين، فيرى أن مذهبه هو الحق وغيره باطل، أو هو الصواب وغيره خطأ صريح، وهذا ناجم عن الغلو في العصبية المذهبية، والمطلوب شرعاً وواقعاً البعد عنها، لأنه لا يستطيع مجتهد أن يجزم بأن اجتهاده هو الحق وغيره هو الخطأ المتيقن لأن ذلك لا يعلم به إلا الله تعالى أو رسوله، ولا سبيل لذلك العلم بعد انقطاع الوحي، ويتطلب الأمر التوسط والاعتدال وعدم التورط في الإفراط والتفريط، حفاظاً على وحدة العلماء، وإبعاداً لهم عن قالة السوء والسفهاء.

فمن الإفراط: أن يقول أتباع المذهب: مذهبنا صواب يحتمل الخطأ، ومذهب غيرنا خطأ يحتمل الصواب. والواجب القول: إن كل المذاهب تحتمل الخطأ، والحق فيها أو الصواب غير متعين، وتلك العبارة المتداولة منشؤها التعصب المذهبي، والتعصب داء يؤدي إلى النزاع والشقاق والفرقة، وعلى المسلم أن يحرص على لم الشمل ورأب الصدع، والتسامي فوق الخلافات.

ومن التفريط: ما يشيع بين الجهلة والعوام من ضرورة توحيد المذاهب، والتخلص منها، واعتبار الخلاف العلمي من الخلاف في الدين والتفرق إلى شيع ومذاهب، الذي ذمه الله تعالى.

وهذا ينافي المنطق، فإن رجال القانون وأهل الحكمة والفلسفة كثيراً ما يختلفون، وتتعدد آراؤهم ونظرياتهم، ولم يعب أحد ذلك عليهم، فإن الاختلاف في مجال الفكر دليل الحرية والنضج والخصوبة، وليس أمراً معيباً أو مذموماً، وقد اختلف الصحابة الكرام والتابعون لهم بإحسان في كثير من أحكام الفروع، وإنما العيب في الاختلاف في الأصول وفي قضايا الأمة الكبرى، ورسم سياستها، وتحديد موقفها من أعدائها، أما الخلاف الداخلي فلا يضر، لأن الشأن في العلماء الإخلاص والتقوى.

الخلاصـة

إن نقاط الاتفاق بين المذاهب كثيرة، وهي الأصل العام في الشريعة الإسلامية، ونقاط الاختلاف محدودة، وهي تبع للأصل.

ليس الخلاف عيباً في مجال الفكر والاجتهاد، وإنما هو ظاهرة صحية طيبة تدل على إعطاء العقل أفقاً رحباً، وحرية كاملة.

الخلافات المذهبية، بين المذاهب الإسلامية، ليست خلافات في الجوهر والأصول: وإنما هي خلافات في الجزئيات والفروع.

فليس الخلاف بين أهل السنة والشيعة والإباضية، وفي نطاق كل مذهب من المذاهب الأربعة، أو بين الجعفرية والزيدية، ليس هذا كالخلاف بين طوائف المسيحية مثلاً، من كاثوليك وأرثوذكس وبروتستانت، فهذه الطوائف مختلفة في أصل الاعتقاد كالاختلاف في طبيعة السيد المسيح، عليه السلام، أهي بشرية أو ناسوتية أو إلهية؟

إن دائرة الخلاف تضيق بحق إذا حسنت النية، وتحقق التفاهم، وزال الحقد والكراهية، وانطفأت جذوة التعصب المذهبي المكروه شرعاً وعقلاً وفطرة. وإذا كان الخلاف الاجتهادي بين أهل الاجتهاد من سنة وشيعة محدوداً، فإن التعصب والتباعد وزرع الشكوك وهز الئقة، والتورط في التكفير أو التفسيق مذموم وممنوع. والله سبحانه يحاسب كل امرئ على ما قدم. والمهم أن يبقى الإسلام والقرآن والشرع الإلهي وسنة النبي المصطفى، صلى الله عليه وآله وسلم، هو دستور الأمة الإسلامية، ومنهج أهل الحق، ودعاة الهدى والتوحيد.

١ - سور ة المائدة، الآية: ٣.

٢ - سور ة آل عمران، الآية: ١٠٢، ١٠٣.

٣ - الإمام الرازي، التفسير الكبير، ٨ / ١٦٠ - ١٦٣.

٤ - العلامة الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن. ٣ / ٣٦٨ وما بعدها. والآية الواردة في الاقتباس هي الآية ٧ من سورة الحشر.

٥ - سور ة الأنبياء، الآيتان: ٩٢ و ٩٣.

٦ - الرازي، مصدر سابق، ١٧ / ٨٩.

٧ - سور ة المؤمنون، الآيات: ٥٢ - ٥٤.

٨ - الطباطبائي، مصدر سابق، ٤ ١ / ٣٢٢ و ١٥ / ٣٥.

٩ - القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ١١ / ٣٣٩.

١٠ - رواه أبو داود.

١١ - سورة الحجرات، الآية: ١٠.

١٢ - رواه الشجري في أماليه.

١٣ - رواه مسلم وأحمد.

١٤ - سورة الأنعام، الآية: ١٥٩.

١٥ - المراغي، تفسير المراغي، ٨ / ٨٥ والآية الواردة في الاقتباس هي الآية ٨٥ من سورة البقرة.

١٦ - سورة الحجرات، الآية: ١٠.

١٧ - سور ة المنافقون، الآية: ٨.

١٨ - سور ة النساء، الآية: ٥٩ وسورة الأنفال، الآية: ٢٠.

١٩ - سورة الأنفال الآية: ٢٧

٢٠ - سورة الأنعام الآيات: ١٥١ - ١٥٣.

٢١ - سورة المائدة الآية: ٣.

٢٢ - سورة النساء، الآية: ١١ والمائدة، الآية: ٣٨، النور، الآيتان: ٢ و ٤، المجادلة، الآية: ٣.

٢٣ - سورة النساء، الآية: ٢٤.

٢٤ - سورة البقرة، الآية: ١٨٠.

٢٥ - الآمدي، الأحكام في أصول الأحكام، ٣ / ١٤٦.

٢٦ - ابن مفلح، الآداب الشرعية، ١ / ١٨٦ وما بعدها.



[ Web design by Abadis ]