ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 مبادئ أسـاسـية فكريـة و عمليـة في التقريب بين المذاهب \ الأستاذ الدكتور الشيخ يوسف القرضاوي

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وخاتم النبيين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فهذه الورقة تتحدث عن مبادئ أساسية للتقريب بين أبناء هذه الأمة التي جعلها الله خير أمة أخرجت للناس، وبوأها مكانه الأستاذية للبشرية، حين قال: (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً [١].

وقد وحد الله هذه الأمة بحكم العقيدة الواحدة، والقبلة الواحدة، والوجهة الواحدة، فهي أمة ذات هدف واحد، ولهذا حذرها ربها أن تهجر صراط ربها، إلى مناهج البشر، فتتفرق بها السبل يميناً وشمالاً، ويضيع منها الطريق، بل قد يضيع منها الهدف ذاته. يقول تعالى: (وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله، ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون ( [٢].

ولقد رأينا أعداء الأمة قديماً وحديثاً، يكيدون لها كيداً، حتى يفرقوا شملها الملتئم، ويمزقوا وحدتها الجامعة، فتضعفها الفرقة، فيسهل عليهم الغلبة والهيمنة عليها، والتحكم في مصائرها.

ولقد لاحظنا هذه السياسة في عصرنا واضحة كالشمس في رابعة النهار، فقد كان شعار الاستعمار من قديم: "فرق تسد"، ولا يزال ورثة الاستعمار القديم، وكل القوى المعادية للإسلام في المشرق والمغرب، يجهدون جهدهم للتفريق بين أبناء القبلة الواحدة بشتى الطرق، ومنها: إحياء الخلافات القديمة، وخلق خلافات جديدة.

ومن ذلك: صب النار على الخلافات المذهبية، وقذف الوقود لها حتى تظل متأججة، ولاسيما بين السنة والشيعة، فإن لم يوجد في بلد هذا الخلاف، أُوجد خلاف آخر، أو استُغِلّ خلاف قائم، كالخلاف بين السلفية والصوفية، والخلاف بين المذهبيين واللامذهبيين، والخلاف بين المجددين والمقلدين…. الخ.

والواجب على الدعاة المخلصين والمفكرين الصادقين أن يتنبهوا إلى هذه المكايد، ويسدوا الطرق إليها، ويعملوا على لم شمل الأمة وجمع صفوفها، وتوجيه أسلحتها إلى أعدائها، لا إلى صدور بعضها البعض، ويشدوا أزر الأخوة الإسلامية، والدعوة إلى الوحدة الإسلامية، فحرام أي حرام أن يتكتل أهل الباطل، ويتفرق أهل الحق، وأن يوالي الذين كفروا بعضهم بعضاً، ويعادي الذي آمنوا بعضهم بعضاً، وهو ما حذر منه القرآن حين قال: (والذين كفروا بعضهم أولياء بعض، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير [٣].

لهذا رحبت بالمشاركة في "ندوة التقريب بين المذاهب" وقدمت هذه الورقة لإرساء مبادئ أساسية: فكرية وعملية للتقريب المنشود، وأرجو أن ينفع الله بها، وأن يجمع كلمة أمتنا على الهدى وقلوبها على التقى، وأنفسها على المحبة، وعزائمها على عمل الخير وخير العمل، إنه سميع مجيب.

مبادئ أساسية للتقريب بين المذاهب

ا - وحدة الأمة فريضة وضرورة

أول المبادئ التي يجب أن نقررها هنا: وحدة هذه الأمة، فهي أمة واحدة: ربها واحد، وكتابها واحد، ونبيها واحد، وقبلتها واحدة، وشعائرها واحدة، وشريعتها واحدة، وآدابها ومصيرها واحد، وعدوها واحد.

وقد أمر الله تعالى الأمة بالاتحاد والائتلاف، ونهاها عن التفرق والاختلاف، فقال تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا (، [٤] ونبههم على ما يوحد كلمتهم ويجمع صفهم، وهو الاشتغال بالدعوة والأمر والنهي: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون [٥] وحذرهم من الوقوع فيما أهلك الأمم من قبلهم، فقال: (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم [٦] كما قال تعالى: (إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم [٧]، (إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون ( [٨]،

(وإن هذه أمتكم أمه واحدة وأنا ربكم فاتقون ( [٩].

كما أمر الرسول الكريم (ص) الأمة بالاتحاد والترابط والتراحم والتعاضد فيما بين بعضهم البعض، كما في الحديث المتفق عليه: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا) وشبك أصابعه [١٠]. وقال: (ترى المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر [١١].

وقال: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه) [١٢]، (لاتباغضوا ولا تدابروا ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله إخواناً، كما أمركم. الله، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام) [١٣]، ويقول: (المسلمون تتكافأ دماؤهم، يسعى بذمتهم أدناهم. ويجير عليهم أقصاهم، وهم يد على من سواهم) [١٤]. (لا تختلفوا فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا) [١٥]. (لاترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض) [١٦].

وهناك الأحاديث التي حثت على الارتباط بالجماعة، وأن يد الله مع الجماعة، ومن شذشذ في النار، وأن الذئب إنما يأكل الغنم الشاردة.

وكل هذه النصوص تؤكد أن وحدة الأمة فريضة لازمة، كما أنها ضرورة حاسمة، فهي فريضة يوجبها الدين، وضرورة يحتمها الواقع، وخصوصاً في عصرنا هذا.

حديث افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة

قد يشوش على الوحدة المفروضة والمنشودة، حديث اشتهر في الكتب: كتب السنة، وكتب العقائد، وكتب الفرق، وتناقله الناس بعضهم عن بعض حتى اعتقدوا - لشيوعه وشهرته - أنه حديث ثابت لا مطعن فيه، مع أن الشهرة لا تلازم الثبوت والصحة. ذلكم هو حديث افتراق الأمة إلى فرق فوق السبعين، كلها في النار إلا واحدة، وهو حديث يوحي ظاهره بأن الفرقة أبدية في الأمة، وأنها قدر مكتوب عليها، لا فكاك منه. وينبغي أن نبحث بموضوعية وحياد في هذا الحديث، من ناحية ثبوته، ومن ناحية دلالته إن ثبت.

قيمة الحديث من ناحية سنده:

أ) فأول ما ينبغي أن يعلم هنا أن الحديث لم يرد في أي من الصحيحين، برغم أهمية موضوعه، دلالة على أنه لم يصح على شرط واحد منهما. وما يقال من أنهما لم يستوعبا الصحيح، فهذا مسلم، ولكنهما حرصا على ألا يدعا باباً مهماً من أبواب العلم إلا ورويا فيه شيئاً ولو حديثاً واحداً.

ب) إن بعض روايات الحديث لم تذكر أن الفرق كلها في النار إلا واحدة، وإنما ذكرت الافتراق وعدد الفرق فقط. وهذا هو حديث أبي هريرة الذي رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة وابن حبان والحاكم، وفيه يقول: (افترقت اليهود على إحدى - أو اثنتين - وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على إحدى - أو اثنتين - وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة) [١٧].

والحديث - وإن قال فيه الترمذي: حسن صحيح، وصححه ابن حبان والحاكم - مداره على محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، ومن قرأ ترجمته في "تهذيب الكمال"وفروعه [١٨] علم أن الرجل متكلم فيه من قبل حفظه، وأن أحداً لم يوثقه بإطلاق، وكل ما ذكروه أنهم رجحوه على من هو أضعف منه. ولهذا لم يزد الحافظ في التقريب على أن قال: "صدوق له أوهام. والصدق وحده في هذا المقام لا يكفي ما لم ينضم إليه الضبط، فكيف إذا كان معه أوهام؟ ".

ومعلوم أن الترمذي وابن حبان والحاكم من المتساهلين في التصحيح، وقد وصف الحاكم بأنه واسع الخطو في شرط التصحيح.

وهو هنا صحح الحديث على شرط مسلم، باعتبار أن محمد بن عمرو احتج به مسلم، ورده الذهبي بأنه لم يحتج به منفرداً، بل بانضمامه إلى غيره [١٩].

على أن هذا الحديث من رواية أبي هريرة ليس فيه زيادة: أن الفرق"كلها في النارإلاواحدة"وهي التي تدور حولها المعركة

وقد روي الحديث بهذه الزيادة من طرق عدد من الصحابة: عبد الله بن عمر، ومعاوية، وعوف بن مالك، وأنس، وكلها ضعيفة الإسناد، وإنما قووها بانضمام بعضها إلى بعض.

والذي أراه أن التقوية بكثرة الطرق ليست على إطلاقها، فكم من حديث له طرق عدة ضعفوه، وخصوصاً المتقدمين، كما يبدو ذلك في كتب التخريج، والعلل، وغيرها! وإنما قد يؤخذ بها فيما لا معارض له، ولا إشكال في معناه.

وهنا إشكال أي إشكال: في الحكم بأن التفرق قدر حتمي مكتوب على الأمة لا فكاك لها منه، وكذلك الحكم بافتراق الأمة أكثر مما افترق اليهود والنصارى من قبل، وبأن هذه الفرق كلها هالكة في النار إلا واحدة منها! وهو يفتح باباً لأن تدّعي كل فرقة أنها الناجية، وأن غيرها هو الهالك، وفي هذا ما فيه من تمزيق للأمة وطعن بعضها في بعض، مما يضعفها جميعاً ويقوي عدوها عليها ويغريه بها.

ولهذا طعن العلامة ابن الوزير في الحديث عامة، وفي هذه الزيادة خاصة، لما تؤدي إليه من تضليل الأمة بعضها لبعض، بل تكفيرها بعضها لبعض.

قال رحمه الله في العواصم وهو يتحدث عن فضل هذه الأمة، والحذر من التورط في تكفير أحد منها، قال: ( (وإياك والاغترار بـ "كلها هالكة إلا واحدة" فإنها زيادة فاسدة، غير صحيحة القاعدة، ولا يؤمن أن تكون من دسيس الملاحدة) ).

قال: ( (وعن ابن حزم: أنها موضوعة، غير موقوفة ولا مرفرعة. وكذلك جميع ما ورد في ذم القدرية والمرجئة والأشعرية، فإنها أحاديث ضعيفة غير قوية) ) [٢٠].

ج) - إن من العلماء قديماً وحديثاً من رد الحديث من ناحية سنده، ومنهم من رده من ناحية متنه ومعناه [٢١].

فهذا أبو محمد بن حزم، يرد على من يكفر الآخرين بسبب الخلاف في الاعتقاديات بأشياء يوردونها.

وذكر من هذه الأشياء التي يحتجون بها في التكفير حديثين يعزونهما إلى رسول الله (ص)، هما:

١ - "القدرية والمرجئة مجوس هذه الأمة".

٢ - "تفترق هذه الأمة على بضع وسبعين فرقة، كلها في النار حاشا واحدة، فهي في الجنة".

قال أبو محمد: هذان حديثان لا يصحان أصلاً من طريق الإسناد، وما كان هكذا فليس حجة عند من يقول بخبر الواحد، فكيف من لا يقول به؟ [٢٢].

وهذا الإمام اليمني المجتهد، ناصر السنة، الذي جمع بين المعقول والمنقول، محمد إبراهيم (ت ٤٠ هـ) يقول في كتابه "العواصم والقواصم" أثناء سرده للأحاديث التي رواها معاوية، فكان منها (الحديث الثامن): "حديث افتراق الأمة إلى نيف وسبعين فرقة، كلها في النار، إلا فرقة واحدة، قال: وفي سنده ناصبي [٢٣]، فلم يصح عنه، روى الترمذي مثله من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وقال: حديث غريب. ذكره في الإيمان من طريق الإفريقي واسمه عبد الرحمن بن زياد، عن عبد الله بن يزيد، عنه.

وروى ابن ماجة مثله، عن عوف بن مالك، وأنس.

قال: وليس فيها شيء على شرط الصحيح، ولذلك لم يخرج الشيخان شيئاً منها. وصحح الترمذي منها حديث أبي هريرة من طريق محمد بن عمرو بن علقمة، وليس فيه "كلها في النار إلا فرقة واحدة". وعن ابن حزم: أن هذه الزيادة موضوعة، ذكر ذلك صاحب الدر المنير [٢٤].

وقد قال الحافظ بن كثير في تفسير قوله تعالى في سورة الأنعام: (أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض ( [٢٥].

وقد ورد في الحديث المروي من طرق عنه (ص) أنه قال: "وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار، إلا واحدة" [٢٦].

ولم يزد على ذلك، فلم يصفه بصحة ولا حسن، رغم أنه أطال في تفسير الآية بذكر الأحاديث والآثار المناسبة لها.

وذكر الإمام الشوكاني قول ابن كثير في الحديث، ثم قال: قلت: أما زيادة "كلها في النار إلا واحدة" فقد ضعفها جماعة من المحدثين، يل قال ابن حزم: إنها موضوعة [٢٧].

الحديث من حيث دلالته (على فرض ثبوته)

على أن الحديث - وإن حسنه بعض العلماء كالحافظ ابن حجر، أو صححه بعضهم كشيخ الإسلام ابن تيمية بتعدد طرقه - لا يدل على أن هذا الافتراق بهذه الصورة وهذا العدد، أمر مؤبد ودائم إلى أن تقوم الساعة، ويكفي لصدق الحديث أن يوجد هذا في وقت من الأوقات.

قد توجد بعض هذه الفرق، ثم يغلب الحق باطلها، فتنقرض ولاتعود أبداً. وهذا ما حدث بالفعل لكثير من الفرق المنحرفة، فقد هلك بعضها، ولم يعد له وجود.

ثم إن الحديث يدل على أن هذه الفرق كلها جزء من أمته (ص) أعني أمة الإجابة المنسوبة إليه، بدليل قوله: » تفترق أمتي «ومعنى هذا أنها - برغم بدعتها - لم تخرج عن الملة، ولم تفصل من جسم الأمة المسلمة، وهذا ما ذكره الإمام الخطابي في "معالم السنن"، قال: فيه دلالة على أن هذه الفرق كلها غير خارجة من الدين، إذ قد جعلهم النبي (ص) كلهم من أمته. وفيه: أن المتأول لا يخرج من الملة، وإن أخطأ في تأوله [٢٨].

وكونها "في النار" لا يعني الخلود فيها كما يخلد الكفار، بل يدخلونها كما يدخلها عصاة الموحدين.

وقد يشفع لهم شفيع مطاع من الأنبياء أو الملائكة أو آحاد المؤمنين، وقد يكون لهم من الحسنات الماحية أو المحن والمصائب المكفرة، ما يدرأ عنهم العذاب.

وقد يعفو الله عنهم بفضله وكرمه، ولاسيما إذا كانوا قد بذلوا وسعهم في معرفة الحق، ولكنهم لم يوفقوا وأخطؤوا الطريق، وقد وضع الله عن هذه الأمة الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه.

٢ - شغل المسلم بهموم أمته الكبرى

من أكثر ما يوقع الناس في حفرة الاختلاف، وينأى بهم عن الاجتماع والائتلاف: فراغ نفوسهم من الهموم الكبيرة، والآمال العظيمة، والأحلام الواسعة. وإذا فرغت الأنفس من الهموم الكبيرة، اعتركت على المسائل الصغيرة، واقتتلت - أحياناً - فيما بينها على غير شيء.

ولا يجمع الناس شيء كما تجمعهم الهموم والمصائب المشتركة، والوقوف في وجه عدو مشترك، وما أصدق ما قاله أحمد شوقي: "إن المصائب يجمعن المصابينا". وإن من الخيانة لأمتنا اليوم أن نغرقها في بحر من الجدل حول مسائل في فروع الفقه أو على هامش العقيدة، اختلف فيها السابقون، وتنازع فيها اللاحقون، ولا أمل في أن يتفق عليها المعاصرون. في حين ننسى مشكلات الأمة ومآسيها ومصائبها التي ربما كنا سبباً أو جزءاً من السبب في وقوعها.

وهذا ما حدا بابن عمر، رضي الله عنهما، حينما سأله من سأله من أهل العراق عن دم البعوض في حالة الإحرام، فأنكر على السائل هذا التنطع والتعمق في السؤال عن هذه الدقائق، على حين أن قومه خذلوا الحسين (عليه السلام) حتى سفك دمه، ولقي ربه شهيداً مرضياً

وهكذا قال ابن عمر: هؤلاء يسألون عن دم البعوض، وقد قتلوا ابن بنت رسول الله (ص) وقد قال رسول الله (ص): "هما ريحانتاي من الدنيا" [٢٩]. قال الحافظ في الفتح: أورد ابن عمر هذا متعجباً من حرص أهل العراق على السؤال عن الشيء اليسير والتفريط في الشيء الجليل [٣٠].

من الخيانة أن يحمى الوطيس، وتنصب المجانيق، ويتقاذف الناس بكلمات أشد من الحجارة، وأنكى من السهام، من أجل مسائل تحتمل أكثر من وجه، وتقبل أكثر من تفسير، فهي من مسائل الاجتهاد، التي دلت على سعة هذا الدين ومرونته، المصيب فيها مأجور والمخطئ فيها معذور، وخطؤه فيها مغفور، بل هو - بنص الحديث - مأجور.

لهذا كان من الواجب على الدعاة والمفكرين الإسلاميين أن يشغلوا جماهير المسلمين بهموم أمتهم الكبرى، ويلفتوا أنظارهم وعقولهم وقلوبهم إلى ضرورة التركيز عليها والتنبيه لها، والسعي الجاد ليحمل كل فرد جزءاً منها، وبذلك يتوزع العبء الثقيل على العدد الكبير، فيسهل القيام به.

إن العالم يتقارب بعضه من بعض على كل صعيد، رغم الاختلاف الديني، والاختلاف الإيديولوجي، والاختلاف القومي، واللغوي، والوطني والسياسي.

لقد رأينا المذاهب المسيحية - وهي أشبه بأديان متباينة - يقترب بعضها من بعض، ويتعاون بعضها مع بعض.

بل رأينا اليهودية والنصرانية - على ما كان بينهما من عداء تاريخي - يتقاربان، ويتعاونان في مجالات شتى، حتى أصدر الفاتيكان منذ سنوات وثيقته الشهيرة بتبرئة اليهود من دم المسيح.

ورأينا على المستوى الإيديولوجي تقارب العملاقين: أمريكا والاتحاد السوفيتي - عندما كان قائماً - فيما سمي "سياسة الوفاق ". وكذلك رأينا تقارب أمريكا مع الصين.

أما أوروبا التي مزقتها الحروب والصراعات والنزاعات القومية والإقليمية والسياسية والإيديولوجية، فهي اليوم تتقارب، ثم تتقارب حتى توشك أن تكون دولة واحدة تذوب بين أقطارها الفواصل والحدود.

رأينا هذا كله بأعيننا، ورأينا في مقابله المسلمين يتباعدون، ويتنكر بعضهم لبعض، بل يقاتل بعضهم بعضاً.

إن أبناء المسلمين في أقطار شتى يموتون - مادياً - من الجوع والمرض، ويموتون - معنوياً - بالجهل والأمية، وانتشا ر الخرافات، ويتعرضون لأخطار التنصير والتكفير والتضليل، فكيف لا نهتم لأمرهم، ونسعى لإنقاذهم؟ ومن لم يهتم لأمر المسلمين فليس منهم.

إن الأمة المسلمة لا تزرع ما تأكل من القوت الضروري، ولا تصنع ما تستخدمه من السلاح اللازم للدفاع عن الحرمات، ولا من الآلات ما يجعل لها وزناً واعتباراً، فهي كلها ضمن العالم الثالث، ولو كان هناك عالم رابع لنسبت إليه! وكثيراً ما اتهم الإسلام ظلماً بأنه سبب تخلفها، مع أنها يوم تمسكت به كانت سيدة الأمم وأستاذة البشرية.

ولقد كتبت دراسة صدرت في كتاب عن "الصحوة الإسلامية وهموم الوطن العربي والإسلامي" وبينت فيه أن الصحوة ليست بمعزل عن هموم هذا الوطن الكبير، إنها مشغولة الفكر والقلب بهذه الهموم، معنية بالتعرف على أسبابها والطريق إلى علاجها من صيدلية الإسلام.

وعنيت - بخاصة - تيار "الوسطية الإسلامية" الذي يفهم الإسلام فهماً شمولياً إيجابياً جامعاً بين السلفية والتجديد، موازناً بين الثوابت والمتغيرات، بين النظرة إلى التراث والتخطيط للمستقبل.

لقد تحدثت هناك بشيء من التفصيل عن هموم سبعة أساسية هي:

١ - هم التخلف العلمي التكنولوجي والحضاري.

٢ - هم النظام الاجتماعي والاقتصادي.

٣ - هم الاستبداد والتسلط السياسي.

٤ - هم التغريب والغزو الفكري والثقافي.

٥ - هم العدوان والاغتصاب الصهيوني.

٦ - هم التجزئة والتمزق العربي والإسلامي.

٧ - هم التسيب والانحلال الخلقي.

وهي - بلا ريب - هموم كبيرة وثقيلة، وتحتاج لمعالجتها إلى تكاتف العقول لتفكر، والعزائم لتصمم، والأيدي لتنفذ، وتستغرق من الجهود والأوقات والأموال الكثير والكثير.

ولو شئنا لأضفنا إليها هموماً وهموماً، مثل الحروب الأهلية والصراعات الإقليمية والمجاعات المهلكة، والهجمات التنصيرية الشرسة، وغيرها….

أفيسع مسلماً غيوراً على دينه، مهتماً لأمر أمته - عنده مسكة من العقل - أن يعرض وينأى بجانبه عن هذه الهموم الضخمة، ثم تراه يقوم ويقعد، ويبرق ويرعد، من أجل جزئيات علمية أو سلوكية، لا تدخل في دائرة الضروريات، ولا الحاجيات، وإنما هي كلها في نطاق التحسينات والكماليات، وفي سبيل هذه الفرعيات لا يبالي أن يمزق الشمل الملتئم، ويوقظ الفتن النائمة، ويحرّك العصبيات الساكنة.

هذا على حين يجد العالم من حولنا يتناسى الخلافات الجذرية بين بعضه وبعض، وهو ما أثمر التقارب العالمي الذي نشهده اليوم على أصعدة شتى.

لهذا يجب أن لا نشغل الناس بالمسائل الفرعية، ونقيم الدنيا ونقعدها من أجل قضايا جزئية أو خلافية، ونلهيهم بذلك عن الأصول الكلية والقضايا المصيرية.

ويدخل في هذا الموضوع: الإعراض عما لا ثمرة له، ولا طائل تحته من البحث في الموضوعات التي شغلت العقل الإسلامي فترة أو فترات من التاريخ، ثم لم يعد لها اليوم مكان.

وذلك مثل موضوع "خلق القرآن الذي احتل مساحة واسعة من التفكير الإسلامي في بعض العصور، وحميت المعركة فيه بين المعتزلة وغيرهم، واستطاع مفكرو المعتزلة أن يورطوا الدولة العباسية وخلفاءها في هذا الصراع، وأن يدخلوا معركة مع جمهور المسلمين وعلمائهم، وأئمتهم - وعلى رأسهم الإمام الرباني الصابر المحتسب أحمد بن حنبل - وأن يستخدموا الحديد والنار والسجن والتعذيب لإجبار المخالفين على ترك ما يعتقدون، وموافقتهم فيما إليه يدعون.

لقد كانت فتنة مظلمة، ومحنة قاسية، يحمل وزرها الذين وسموا بأنهم دعاة الحرية الفكرية.

على كل حال لهذه الفتنة ظروفها ومبرراتها في وقتها، ولكن لا يوجد أي مبرر لإحيائها اليوم بوجه من الوجوه.

لهذا عجبت ممن يتحدث عن الإمامية أو الزيدية أو الإباضية أوغيرهم من الطوائف بأنهم يقولون بخلق القرآن، فما ينبغي لهذه المشكلة أن تثار عند أي من الفريقين….

إن مشكلتنا اليوم ليست مع من يقول بأن القرآن كلام الله مخلوق، بل مع الذين يقولون: القرآن ليس من عند الله، بل هو من عند محمد، أي الذين يقولون ببشرية القرآن.

ثم مشكلتنا كذلك مع الذين يؤمنون بالهية القرآن، ويرتضون بمرجعيته في العقيدة والعبادة. ولكنهم لا يرتضونه منهاجاً، ودستوراً للدولة والمجتمع، وهم جماعة "العلمانيين"، الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض!.

٣ - التعـاون في المتفـق عـليـه

بعض الفصائل التي تنتسب إلى الصحوة الإسلامية، أو العمل الإسلامي، مهتمة أكبر الاهتمام بالمسائل الخلافية، فهو شغلها بالنهار، وحملها بالليل.

حولها يتركز البحث، ولها تقام الدروس، وفيها يدور الجدل، ومن أجلها تحمى معارك الكلام والخصام.

وأنا لا أكره أن يبحث الناس في المسائل الخلافية، بحثاً علمياً مقارناً يرجح أحد الرأيين أو الآراء، إذا قام بذلك أهل الاختصاص، من العلماء القادرين المؤهلين لمثل هذا العمل العلمي الرصين، الجامع بين الفقه والورع والاعتدال.

ولكن الذي أكرهه: أن يصبح البحث في المسائل الخلافية أكبر همنا، ومبلغ علمنا، وأن نضخمها حتى تأكل أوقاتنا وجهودنا وطاقاتنا، التي يجب أن نوجهها لبناء ما تداعى أو تهدم من بنياننا الديني والثقافي والحضاري.

وأن يكون هذا الاهتمام والاشتغال على حساب القضايا التي لاخلاف عليها.

إنني أود لو أن رجال المسلمين جميعاً حرصوا على إطلاق لحاهم، فأحيوا هذه السنة من سنن الفطرة، وخرجوا من خلاف من أوجبها من الأئمة، وتميزوا عن غيرهم من الأمم، وفوتوا الفرصة على رجال المباحث الذين يعتبرون اللحية دليل اتهام.

ومع هذا لا أودّ أن نشغل الناس بهذا، وأن نفسق من لا يعفيها، فهذا أمر عمت به البلوى، ولهذا أسفت حقاً حين ذكر لي بعض الثقاة من الشباب أن أحد المولعين بالخلافيات ألقى تسع محاضرات في وجوب إعفاء اللحية، وتحريم أخذ شيء منها. كما أسفت لأن أحدهم ألف رسالة سماها "نهي الصحبة عن النزول على الركبة" وهو أمر يتعلق بهيئة الصلاة، وفيه أخذ ورد، وأن آخر كتب رسالة أيضاً بعنوان: "الواحة في جلسة الاستراحة" إلى غير ذلك من الرسائل، والمقالات والمحاضرات التي تدور حول هذه الأمور، التي اختلف فيها الأئمة، بين مثبت وناف، وسيظل الناس يختلفون فيها إلى ما شاء الله.

وسر أسفي هنا هو: التركيز على الأمور الخلافية والشدة على المخالفين، فيما يجوز التساهل فيه، على خلاف ما كان عليه سلف الأمة.

إن أي مراقب لأوضاع الأمة الإسلامية اليوم، يوقن تمام اليقين أن مشكلتها ليست في ترجيح أحد الرأيين، أو الآراء في القضايا المختلف فيها، بناء على اجتهاد أو تقليد. فالواقع أن الخطأ في هذه القضايا يدور بين الأجر والأجرين، لمن تحرى واجتهد، كما هو معلوم ومبسوط في مواضعه.

ولكن مشكلة الأمة حقاً في تضييع الأمور المتفق عليها من جميع مذاهبها ومدارسها.

مشكلة المسلمين ليست في الذي يؤوّل آيات الصفات وأحاديثها - وإن كان مذهب السلف أسلم وأرجح - بل في الذي ينكر الذات والصفات جميعاً، من عبيد الفكر المستورد من الغرب أو الشرق.

مشكلة المسلمين ليست فيمن يقول: استوى على العرش بمعنى استولى كناية عن عظمة سلطانه تعالى، بل فيمن يجحد العرش ورب العرش معاً.

مشكلة المسلمين ليست فيمن يجهر بالبسملة أو يخفضها أو لا يقرؤها في الصلاة، ولا فيمن يرسل يديه في الصلاة أو يقبضهما، ومن يرفع يديه عند الركوع أو الرفع منه أو لا يرفعهما، إلى آخر هذه المسائل الخلافية الكثيرة المعروفة. إنما مشكلة المسلمين فيمن لا ينحني يوماً لله راكعاً، ولايخفض جبهته لله ساجداً، ولايعرف المسجد ولا يعرفه.

مشكلة المسلمين ليست فيمن يأخذ بأحد المذاهب المعتبرة في إثبات هلال رمضان أو شوال، بل فيمن يمر عليه رمضان كما مر عليه شعبان، وكما يمر عليه شوال، لا يعرف صياماً ولا قياماً، بل يفطر عمداً جهاراً نهاراً، بلا خشية ولا حياء.

مشكلة المسلمين ليست في عدم تغطية الوجه بالنقاب، واليدين بالقفازين، كما هو رأي البعض، بل في تعرية الرؤوس والنحور، والظهور ولبس القصير الفاضح، والشفاف الوصاف… إلى آخر ما نعرف مما يندى له الجبين.

إن المشكلة حقاً هي وهن العقيدة، وتعطيل الشريعة، وانهيار الأخلاق، وإضاعة الصلوات، ومنع الزكوات، واتباع الشهوات، وشيوع الفاحشة، وانتشار الرشوة، وخراب الذمم، وسوء الإدارة وترك الفرائض الأصلية وارتكاب الحرمات القطعية، وموالاة أعداء الله ورسوله والمؤمنين.

مشكلة المسلمين، إنما تتمثل في إلغاء العقل، وتجميد الفكر وتخدير الإرادة وقتل الحرية، وإهانة الحقوق، ونسيان الواجبات وفشو الأنانية، وإهمال سنن الله في الكون والمجتمع، وإعلاء الحكام على الشعوب، والقوة على الحق، والمنفعة على الواجب.

مشكلة الأمة المسلمة الحقيقية نراها واضحة كالشمس في إضاعة أركان الإسلام ودعائم الإيمان وقواعد الإحسان، وهي الثلاثة التي سأل عنها جبريل رسول الله (ص) في الحديث الصحيح المشهور.

وفي آخر الحديث قال لهم النبي: هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم. وهو لم يكن منه إلا السؤال. لكن السؤال الحسن لون من التعليم، وهنا أسئلة ثلاثة شملت أسس الدين كله: عقيدة وعملاً، ظاهراً وباطناً.

ومن هنا كان الواجب على دعاة الإسلام الواعين أن ينبهوا على التركيز على مواطن الاتفاق قبل كل شيء، وأن يرفعوا شعار "التعاون فيما نتفق عليه" فإن هذا التعاون فريضة وضرورة، فريضة يوجبها الدين، وضرورة يحتمها الواقع.

وأعتقد أن ما نتفق عليه ليس بالشيء الهين ولا القليل، إنه يحتاج منا إلى جهود لا تتوقف، وعمل لايكل، وإرادة لاتعرف الوهن، يحتاج منا إلى عقول ذكية، وعزائم قوية، وأنفس أبية، وطاقات بناءة.

ألسنا متفقين على أن القرآن كلام الله، وأن محمداً رسول الله؟

ألسنا متفقين على الإيمان بالله الواحد الأحد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤاً أحد؟

ألسنا متفقين على أنه تعالى متصف بكل كمال، منزه عن كل نقص؟ ألسنا متفقين على كل ما وصف به القرآن الرب الأعلى جل جلاله من الأسماء الحسنى؟ .

فلنتعاون على غرس معاني الإيمان القرآني في أنفس الناشئة والشباب، بعيداً عما أدخله الجدل الفلسفي والكلامي في علم العقائد، وما أورثه الاختلاط بالملل والنحل الأخرى من خلافات فرقت الأمة شيعاً.

ألسنا متفقين على أن الإلحاد أعظم خطر يهدد البشرية، في أعز مقدساتها؟ فلنتعاون على تحصين الشباب من وباء الالحاد، ومقدماته من الشكوك والشبهات التي تزعزع العقيدة، وتلوث الفكر ولنضئ شموع الإيمان بأعظم حقائق الوجود وأجلاها، وهي: وجود الرب الأعلى، الذي خلق فسوى، والذي قدر فهدى… مستفيدين من بحوث العلم الحديث، الذي يكاد يجعلك ترى الله جهرة في إبداع خلقه.

ألسنا متفقين على أن الإيمان بالدار الاخرة، وعدالة الجزاء فيها، وقيام الجنة والنار، ركن في كل دين، وخصوصاً في الإسلام؟

فهو - مع الإيمان بالله تعالى - ينشئ في الإنسان الوازع الذاتي الداخلي الذي يحفز على كل خير، ويردع عن كل شر، ويقوي الإرادة في مواطن الضعف، ويمنح الأمل عند هجوم اليأس.

فلنتعاون - إذن - على تقويه الإيمان بالآخرة، واليقين بالجزاء، ولنطارد الشبهات التي تحاول أن تشك في هذه العقيدة العظيمة، أو الشهوات التي تشغل الناس عنها بمتاع قليل.

ألسنا متفقين على أركان الإسلام العملية الخمسة، فلماذا لا نتعاون على حسن تعليمها للمسلمين، واتخاذ أحسن الأساليب لدعوتهم إليها وترغيبهم فيها، وتذكيرهم بها، مستفيدين من الوسائل السمعية والبصرية المعاصرة؟

أولسنا متفقين على دعائم الإيمان الست: من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، فلماذا لا نتعاون على تجليتها وتثبيتها، وإيصالها إلى عقول المسلمين وقلوبهم بلغة سهلة، تلائم يسر الإسلام، ووضوح القرآن، وتقدم العصر في وسائل البيان والإيضاح، دون أن ندخل في معارك الجدل والخلاف التي أثارها القدماء، أو يثيرها المحدثون وحسبنا أن نثبت ما أثبته القرآن، وننفي ما نفاه القرآن.

ألسنا متفقين على مكارم الأخلاق التي بعث الرسول ليتممها، والتي كانت سيرته (ص) تجسيماً حياً لها، سواء أكانت أخلاقاً ربانية، كالتوكل على الله، وشكر نعمائه، والصبر على بلائه، والرضا بقضائه، والرجاء في رحمته، والخشية من عذابه، والإخلاص له، والشوق إليه، والمحبة له والأنس بذكره… الخ أم أخلاقاً إنسانية كالصدق والأمانة وإنجاز الوعد والوفاء بالعهد والشجاعة، والسخاء والحياء والتواضع والنظام والتعاون…. الخ.

فلنتعاون - إذن - على إشاعة هذه الفضائل، وترسيخ هذه القيم، حتى يشب عليها الصغير، ويهرم عليها الكبير، ولنطارد الرذائل المضادة لها، المدمرة للفرد، والمحطمة لكيان الجماعة، التي سماها الإمام الغزالي "المهلكات " وهو تعبير اقتبسه من الحديث النبوي؟ !

ألسنا متفقين على مجموعة طيبة من الأحكام الشرعية القطعية الثابتة بمحكم القرآن والسنة، والتي أجمعت عليه الأمة، فغدت تجسد وحدتها الفكرية والشعورية والسلوكية؟

فلنتعاون على رعايتها والعمل على حسن تطبيقها، وحمايتها من عبث الذين يريدون أن يحولوا القطعيات إلى ظنيات، والمحكمات إلى متشابهات، وأن يجعلوا الدين كله عجينة طرية في أيدي المتلاعبين، يشكلونها كما تشاء لهم أهواؤهم المتسلطة، أو عقولهم القاصرة، أو كما تملي عليهم نزوات السلاطين، أو نزغات الشياطين.

ألسنا متفقين على أن الصهيونية اليوم خطر داهم: خطر ديني وخطر عسكري وخطر اقتصادي وخطر سياسي، وخطر اجتماعي، وخطر أخلاقي وثقافي وحضاري، وأنها تريد هدم الأقصى، وبناء هيكلهم عليه، وأنها تطمع في المدينة وخيبر، وأنها تخطط وتعمل، وتصل في النهاية إلى ما تريد، وأنها حققت أحلاماً كان يعتبرها المغرق في الخيال مستحيلات…. فاغتصبت الأرض وشردت أهلها، ولا تزال مستمرة في عدوانها…. وأنها تحاربنا من منطلق ديني، تستثير به إيمان اليهود بتوراتهم وتلمودهم، ونبوءات أنبيائهم؟

فلماذا لا نتعاون على أن نحاربهم بمثل ما يحاربونا به: نحارب يهوديتهم المنسوخة بإسلامنا الخالد، ونحارب توراتهم المحرفة بقرآننا المحفوظ، ونحارب تلمودهم المحشو بالأباطيل بمواريثنا من السنة، الحافلة بالحقائق؟

لماذا لا نتعاون على أن نقف في وجه اليهودية الماكرة الزاحفة على إفريقيا وآسيا، ومنها بلاد إسلامية أو ذات أغلبية إسلامية - بألوان من الكيد - يجب أن نتنبه لها، ونجتهد في إبطال سحرها وأثرها؟

ألسنا متفقين على أن الغرب لم يتحرر حتى اليوم من روح الحروب الصليبية وأن هذه الروح لا تزال تحكم كثيراً من تصرفاته، كما يظهر ذلك بين الحين والحين، في وقائع شتى؟ لقد برز ذلك في موقف دول الغرب من قضية المرتد الماجن سلمان رشدي، ومن قضية حجاب الطالبات المسلمات في فرنسا، ومن التشكيك والتحريض ضد الصحوة الإسلامية، أو ما يسمونه "الأصولية الإسلامية" وهو ما صرحت به أجهزتهم الإعلامية، وامتلأت به تقاريرهم السريه؟

فلنتعاون - إذن - على التصدي لهذه الحرب الصليبية الجديدة، بأسلحتها الجديدة، وإمكاناتها الهائلة.

ألسنا متفقين على أن التنصير يغزو عالمنا الإسلامي بما يملك من وسائل متطورة، وطاقات جبارة، ويغزو كذلك الأقليات الإسلامية المتناثرة في العالم، ويستغل حالات الفقر والجهل والمرض والجوع المنتشرة - للأسف - بين أبناء أمتنا في إفريقيا وآسيا، ويرصد لذلك مئات الملايين، بل آلافها، لينزع عن الأمة لباسها، بل ليسلخها من جلدها، ويحولها عن عقيدتها. وهو ما نجح فيه في كثير من الأقطار. وإن كان يعلن غير ذلك، استدراراً للمزيد من المدد المادي والبشري، وتخديراً للفريسة، حتى لا تفكر في مقاومة جادة؟

فلنتعاون كلنا على الوقوف في وجه هذا الغزو الديني الموجه إلى دين هذه الأمة وصميم عقيدتها، ولنبذل لنصرة حقنا، كما يبذلون لنصرة باطلهم، بل يكفي أن نبذل بعض ما يبذلونه.

ألسنا متفقين على أن "الاستعمار الثقافي" ما يزال يعمل عمله في عقول أجيالنا الصاعدة، من أبنائنا وبناتنا، رغم رحيل الاستعمار "العسكري ". ولم تبرح آثاره قائمة في مؤسساتنا الثقافية والتربوية، ما يزال "الغزو الفكري" يخرب العقول بالمفاهيم المغلوطة، والتصورات الفاسدة، والمعلومات الناقصة والمشوشة، وخصوصاً في كل ما يتعلق بالإسلام وشريعته وحضارته وأمته وصحوته يستوي في ذلك الفكر الليبرالي الرأسمالي، والفكر الماركسي الاشتراكي.

فلنتعاون جميعاً على أن نقاوم هذا الاستعمار، وهذا الغزو المدمر، ولنعمل على حماية أجيالنا من هذا الداء الذي يمثل خطراً على كياننا ووجودنا الاعتقادي والأخلاقي والأدبي.

ألسنا متفقين على أن مئات الملايين من المسلمين في أنحاء العالم يجهلون أوليات الإسلام المتفق على فرضيتها وضروريتها، ولا يكادون يعرفون من الإسلام إلا اسمه، ولا من القرآن إلا رسمه، وهذا الجهل أو الفراغ هو الذي أطمع الغزو التنصيري، والغزو الفكري كليهما، أن ينشرا ظلاليهما بين هذه الشعوب المحسوبة على أمة الإسلام؟

فلنتعاون على تعليم هذه الشعوب ألف باء الإسلام، والأركان الأساسية لهذا الدين من العقاثد والعبادات والأخلاق والآداب، التي لا تختلف فيها المذاهب، ولا تتعدد الأقوال، وهذا يستغرق منا جهوداً لا حدود لها، تنسينا ما نتجادل فيه من مسائل هيهات أن ينتهي فيها الخلاف في يوم من الأيام.

ألسنا متفقين على أن المليارات الأربعة من سكان هذه الكرة لا يعرف أكثرهم عن الإسلام شيئاً يذكر، وإذا عرف بعضهم عنه، ، عن طريق القراءة أو السماع، فإنما يعرف صورة مبتورة أو مشوهة عن حقيقة هذا الدين، لا تحفز على النظر فيه، ولا تشوق إلى استكمال المعرفة به. فهؤلاء لم تبلغهم الدعوة بلوغاً حقيقياً.

ونحن مسؤولون عن إيصال صورة الدعوات الإسلامية إلى قارات الدنيا الست، وأن نخاطب كل قوم بلسانهم لنبين لهم، ونقيم الحجة عليهم، ونزيح التعللات والأعذار عنهم، بدفع الشبهات، ورد المفتريات، وبيان حقائق الإسلام، وكشف أباطيل خصومه.

فلماذا لانتعاون على هذا العمل الكبير، ونجند له من الرجال والأموال ما هو جدير به، وما يعادل أهميته؟ إذا كان اليهود يعملون متعاونين لدينهم حتى أقاموا له دولة في قلب ديارنا العربية والإسلامية، والنصارى يعملون متعاونين لتنصير العالم، بدءاً بالعالم الإسلامي ذاته، فلماذا لا نعمل متعاونين لنشر الإسلام وتعريف العالم به تعريفاً على مستوى الإسلام، ومستوى العصر، ومستوى ما يصنعه الآخرون.

ألسنا متفقين على أن القوى العلمانية تبذل جهوداً مستميتة - يتعـاون في ذلك يمينها و يسارها - لإيقاف تطبيق الشريعة الإسلامية، وتعويق الدعوة إليها، وتشويه صورتها في المجتمعات الإسلامية، التي تتعالى صيحاتها يوماً بعد يوم للمطالبة بها، وضرورة الاحتكام إليها كما فرض الله تعالى، وأصبح ذلك مطلباً شعبياً عاماً اجتمعت عليه الجماهير العريضة في عدد كبير من الأقطار المسلمة؟

فلماذا لا يتعاون الإسلاميون بمختلف مدارسهم وفصائلهم للوقوف صفاً واحداً أمام هذا التكتل العلماني المؤيد من كل القوى المعادية للإسلام غربية، وشرقية؟

و أخيراً:

لماذا لا يتناسى الإسلاميون خلافاتهم الجزئية في المسائل الاجتهادية والأمور الفرعية، لتتضامن جهودهم، وتلتئم صفوفهم، وتتوحد جبهتهم، في مواجهة القوى الضخمة المعادية لهم، والمتربصة بهم، والكائدة لهم والتي تختلف فيما بينها وتتفق عليهم؟

إن المتفق عليه ليس بهين ولا قليل، وهو يحتاج من الجبهة الإسلامية العريضة إلى جهود وجهود، تشغل كل تفكيرهم، وكل أوقاتهم وكل إمكاناتهم، ومع هذا لا تكفي لملء الفراغ، وتحقيق الآمال، وإصابة الهدف المنشود.

حرام على الجبهة الإسلامية أن تعترك فيما بينها على اللحية والثوب، والنقاب والحجاب، والسدل والقبض،

والتأويل والتفويض، وتحريك الإصبع في التشهد، وتدع تلك الثغرات الهائلة دون أن تسدها بكتائب المؤمنين الصادقين.

٤ - التسامح في المختلـف فيـه

وإذا كان التعاون في المتفق عليه واجباً، فأوجب منه هو التسامح في المختلف فيه.

وبهذا تكتمل القاعدة الذهبية بشقيها، وهي القاعدة التي صاغها العلامة المجدد السيد محمد رشيد رضا صاحب "مجلة المنار" و "تفسير المنار": نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه.

وكان الإمام الشهيد حسن البنا متمسكاً بهذه القاعدة وحريصاً على الالتزام بها فكراً، وعملاً، حتى حسب كثير من تلامذته وأتباعه أنه واضعها.

* - باحث وداعية إسلامي كبير، وأستاذ الدراسات الإسلامية في جامعة قطر.

[١] - البقرة / ١٤٣.

[٢] - الأنعام / ١٥٣.

[٣] - الأنفال / ٧٣…

[٤] - آل عمران / ١٠٣.

[٥] - آل عمران / ١٠٤.

[٦] - آل عمران / ١٠٥.

[٧] - الحجرات / ١٠.

[٨] - الأنبياء / ٩٢.

[٩] - المؤمنون / ٥٢.

[١٠] - متفق عليه عن أبي موسى، اللؤلؤ والمرجان (١٦٧٠).

[١١] - متفق عليه عن النعمان بن بشير، اللؤلؤ والمرجان (١٦٧١).

[١٢] - متفق عليه عن ابن عمر كما فى صحيح الجامع الصغير (٦٧٠٧).

[١٣] - متفق عليه عن أنس كما في صحيح الجامع الصغير (٧٢٠٠).

[١٤] - رواه أبو داود وابن ماجة عن عبد الله بن عمرو، وحسنه في صحيح الجامع الصغير (٦٧١٢).

[١٥] - رواه البخاري عن ابن مسعود. صحيح الجامع الصغير (٧٢٥٥).

[١٦] - متفق عليه عن جرير وعن ابن عمر: اللؤلؤ والمرجان (٤٤ - ٤٥).

[١٧] - أبو داود في السنة برقم (٥٩٦ ٤) والترمذي في الإيمان (٢٦٤٢) وقال: حسن صحيح، وابن ماجة في الفتن مختصراً (٣٩٩١) وابن حبان، كما في الإحسان (٦٧٣١ / ٦٢٤٧) والحاكم (٦ / ١) وصححه على شرط مسلم ورده الذهبي.

[١٨] - يحسن بنا أن نذكر هنا نبذة عنه مما نقله الحافظ المرّي في تهذيب الكمال عن أئمة الجرح والتعديل: سأل عنه علي بن المديني: يحيى بن سعيد بن القطان: محمد بن عمرو كيف هو: قال: تريد العفو أم تشدد؟ قال: لا بل أشدد. قال: ليس هو ممن تريد. كان يقو ل: حدثنا أشياخنا أبو سلمة، ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب. قال يحيى: وسألت مالكاً عن محمد بن عمرو فقال: فيه نحواً مما قلت لك.

- وقال إسحاق بن حكيم: قال يحيى القطان: وأما محمد بن عمرو فرجل صالح، ليس بأحفظ الناس للحديث.

- وقال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين: أنه سئل عن محمد بن عمرو، ومحمد بن إسحاق أيهما يقدم؟ فقال: محمد بن عمرو.

- وقال أبو بكر بن أبي خيتمة: سئل يحيى بن معين عن محمد بن عمرو، فـقال: مازال الناس يتقون حديثه، قيل له: وما علة ذلك؟ قال: كان يحدث مرة عن أبي سلمة بالشيء من رأيه ثم يحدث به مرة أخرى عن أبي سلمة عن أبي هريرة.

- وقال إبراهيم بن يعقوب السعدي الجوزجاني: ليس يقوي الحديث، وينتهي حديثه.

- وقال أبو حاتم: صالح الحديث، يكتب حديثه، وهو شيخ.

- وقال النسائي: ليس به بأس. وقال في موضع آخر: ثقة.

- وقال أبو أحمد بن عدي: له حديث صالح، وقد حدث عنه جماعة من الثقات كل واحد منهم ينفرد عنه بنسخة. ويغرب بعضهم على بعض، ويروي عنه مالك حديث في "الموطأ" وأرجو أنه لا بأس به. (

(وذكره ابن حيان في كتاب الثقات، وقال: كان يخطىء انظر تهذيب الكمال ٢٦ / ٢١٥ - ٢١٧. فمثل هذا الراوي - بعدما قرأنا ما قيل فيه - لا يؤخذ عنه حديث خطير يكون هو العمدة فيه، والمعول عليه. مثل حديثنا هذا.

[١٩] - المستدرك ٦ / ١ وفي موضع آخر ١٢٨ / ١ أقره الذهبي، وهذا يتكرر كثيراً في تلخيصه، فلعله غفل عما ذكره من قبل، أو اكتفى به. ومن المعلوم أن البخاري أيضاً روى لمحمد بن عمرو ولكن مقروناً بغيره معلقاً كما في مقدمة الفتح فكان يمكن للحاكم على طريقته أن يقول: على شرطهما.

[٢٠] - العواصم والقواصم ١٨٦١١.

[٢١] - وفي متن هذا الحديث إشكال من حيث أنه جعل هذه الأمة التي بوأها الله منصب الشهادة على الناس، ووصفها بأنها خير أمة أخرجت للناس، أسوأ من اليهود والنصارى في مجال التفرق والاختلاف، حتى إنها زادت في فرقها على كل من اليهود والنصارى. هذا مع أن القرآن قال في شأن اليهود: (وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة ( (المائدة / ٦٤). وقال في شأن النصارى: (ومن الذين قالوا: إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظاً مما ذكروا به، فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون، ( (المائدة / ١٤). ولم يجىء في القرآن عن أمة الإسلام شيء يشبه هذا، بل فيه التحذير أن يتفرقوا ويختلفوا كما اختلف الذين من قبلهم.

والحديث يعتبر الفرقة قدراً لازماً للأمة، لا فكاك لها منه، وأنه الأصل، ولاً مطمع لها إذن في أن تتوحد كلمتها. وهذا من أكبر الأخطار عليها: يأس الناس من التوحد والتجمع.

ثم إن الحديث حكم على فرق الأمة كلها - إلا واحدة - بأنها في النار، هذا مع ما جاء في فضل هذه الأمة، وأنها أمة مرحومة، وأنها تشمل أهل الجنة، أو نصف أهل الجنة.

غير أن الخبر عن اليهود والنصارى بأنهم افترقوا إلى هذه الفرق التي نيفت على السبعين غير معروفة في تاريخ الملتين، وخصوصاً عند اليهود. فلا يعرف أن فرقهم بلغت هذا المبلغ من العدد.

[٢٢] - الفصل في الملل والنحل لابن حزم، تحقيق د. إبراهيم نصر ود. عبد الرحمن عمير، ٣ / ٢٩٢، ط. دار عكاظ، جدة. وقد ذكر الشيخ الألباني في الصحيحة رقم ٢٠٤ أنه بحث عن كلام ابن حزم هذا في الفصل فلم يعثر عليه، وهو ذا واضح صريح.

[٢٣] - يشير إلى أزهر بن عبد الله - أو ابن سعيد - الحرازي، الذي عرف بأنه كان يسب علياً وينال منه. انظر ترجمته في تهذيب الكمال رقم ٣١٠، ومثل هذا جدير أن يضعفه، ولا يقبل منه حديث بهذه الخطورة.

[٢٤] - العواصعم والقواصم لابن الوزير بتحقيق الشيخ شعيب الأرناؤوط، ج ٣ / ١٧٠ - ١٧٢ والمذكور هنا يرد على الشيخ الألباني الذي ( (ذكره في (الصحيحة، ) المجلد الأول، ١٩ / ٣ - ٢٠ أن ابن الوزير رد الحديث من جهة متنه لامن جهة سنده، ولا أدري من أين له هذا؟

[٢٥] - الأنعام / ٦٥.

[٢٦] - تفسير ابن كثير، ٢ / ٧١٤٣، طبعة عيسى الحلبي.

[٢٧] - فتح القدير للشوكاني في تفسير الآيات ٦٥ - ٦٧ من سورة المائدة، ٢ / ٥٩، ط. دار الفكر.

[٢٨] - معالم السنن ٧ / ٧، حديث (٤٤٢٩).

[٢٩] - الحديث رواه أحمد في مسنده في عدة مواضع (٥٨٦٥ - ٥٦٧٥) ورواه البخاري في المناقب، الحديث (٣٧٥٣) ٠

[٣٠] - فتح الباري (٧٩١٧).

***

والمقصود بالتسامح هنا: ألا نتعصب لرأي ضد رأي آخر في المسائل الخلافية، ولا لمذهب ضد مذهب، ولا لإمام ضد إمام، بل نرفع شعار التسامح الذي عبر عنه صاحب المنار بقوله: "يعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه ".

وهذا التسامح المنشود يقوم على جملة مبادئ، نذكر منها:

أ) احترام الرأي الآخـر:

ومن الدعائم المهمة هنا لتقريب الشقة وتقليل حدة الخلاف، احترام الرأي المخالف، وتقدير وجهات نظر الآخرين، وإعطاء آرائهم الاجتهادية حقها من الاعتبار والاهتمام.

وذلك مبني على أصل مهم وهو: أن كل ما ليس قطعياً من الأحكام هو أمر قابل للاجتهاد، وإذا كان يقبل الاجتهاد فهو يقبل الاختلاف.

الذي لا يقبل الاجتهاد هو "القطعيات" التي قلنا في غير موضع إنها تجسم الوحدة الفكرية والشعورية والعملية للأمة. وهي التي لا ينبغي أن نسمح بتحويلها إلى ظنيات يجادل فيها المجادلون، ويشكك المشككون، ومن المعروف أن هذه القطعيات تمثل مساحة قليلة جداً من الأحكام العملية، وجل الأحكام تقع في منطقة "الظنيات" القابلة للاجتهاد.

ولا ريب أن هذه رحمة من الله تعالى بعباده، وتوسعة عليهم، ولو شاء سبحانه لأغلق علينا باب الاجتهاد كله بالنص على كل حكم نصاً قطعياً لا يتحمل إلا وجهاً واحداً ولكنه سبحانه، رحمنا ووسع علينا، فسكت عن أشياء كثيرة لم ينص على حكمها في كتاب ولا سنة، رحمة بنا غير نسيان، فما كان ربنا نسياً، وما نص عليه جعل معظمه قابلاً لتعدد الأفهام، واختلاف التفسيرات والاستنباطات، حتى يتسع للأصناف المتباينة من الناس، ما بين آخذ بظاهر النص وحرفيته، وآخذ بروحه وفحواه، وما بين مضيق متشدد وموسع مترخص.

وإذا كان من حقي أن أجتهد في فهم النصوص، أو فيما لا نص فيه، فلابد أن أعطي غيري الحق الذي لي، وإلا فما الذي يميزني عن غيري؟

وما دام من حق غيري أن يجتهد، فمن شأن الأمور الاجتهادية أن تختلف فيها، الآراء والأفهام، وإلا لم تكن اجتهادية.

سواء رأينا أن الصواب مع أحد الرأيين أو الآراء وإن لم يُعرف هو بعينه، فإن حكم الله واحداً في المسألة، وفق إليه بعضهم، وإن لم نتيقن من هو، وأخطأه غيره، وإن لم نتأكد من هو أيضاً، إلا أن الإثم مرفوع عن الجميع، بل المخطىء مأجور أيضاً على اجتهاده أجراً واحدا، كما صح في الحديث، فإن فاته أجر الإصابة فلم يفته أجر الاجتهاد.

وهنا أقصى ما يقوله المجتهد عن نفسه في الأحكام الجزئية، والفروع العملية ما روي عن الإمام الشافعي، أنه قال: رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب.

وهذا الاحتمال من الجانبين - احتمال الخطأ في رأي المجتهد، واحتمال الصواب في رأي غيره - هو الذي يقرب المسافة بين الطرفين.

وهذا من إنصاف الشافعي، وسعة علمه ورحابة أفقه.

أم أخذنا بالقول الذي يرى أنّ الآراء الاجتهادية - مادامت صادرة عن أهل الاجتهاد - كلها صواب، وأن حكم الله في المسألة يمكن أن يتعدد، فيكون الصواب فيها هو ما انتهى إليه اجتهاد كل مجتهد، وهو ما نتحدث عنه في الفقرة التالية.

ب) إمكان تعدد الصواب:

مما يعين على التسامح في الخلافيات واحترام الرأي الآخر، الاعتقاد بإمكان تعدد الصواب.

وهنا سؤال يطرح ويحتاج إلى إجابة، وهو: هل يمكن أن يتعدد الصواب في الأمر الواحد، أم أن الصواب لا يكون إلا وجهاً واحداً دائماً وأبداً، لا يحتمل التعدد بحال؟

والجواب: أن في الأصوليين من يرى أن الصواب يتعدد في أحكام الفروع، وأن الصواب في كل مسألة ما انتهى إليه حكم المجتهد فيها، وإن اختلفت الاجتهادات - ونتائجها اختلاف تضاد، لا مجرد اختلاف تنوع، بأن رأى أحدهم حل هذا الشيء والآخر حرمته، أو رأى أحدهم وجوبه، ورأى غيرهم عدمه.

وهؤلاء هم المعروفون في علم الأصول باسم "المصوبة" ولهم أدلتهم واعتباراتهم ولمخالفيهم أدلتهم وردودهم عليهم.

بل نقل عن بعض علماء السلف من طرد ذلك في المسائل الاعتقادية غير الأساسية التي اختلفت فيها طوائف الأمة، لعدم وجود نصوص قطعية الثبوت والأدلة فيها، مثل أفعال العباد، وإرادة المعاصي، ونحوها، فقد نقل عن عبيد الله بن الحسن العنبري أنه قال عن المختلفين في هذه الأمور: هؤلاء قوم عظموا الله، وهؤلاء قوم نزهوا الله.

وهذا مقبول في المسائل الدقيقة التي حار فيها البشر من قديم، والمجتهد فيها مأجور إن شاء الله، وإن أخطأ، كما قرره ابن تيمية وابن القيم وغيرهما.

وأما من لايرى تصويب كل المجتهدين بإطلاق، وهم جمهور علماء الأمة، وأن المجتهد قد يخطئ وقد يصيب، وهو ما تشهد له ظواهر النصوص من القرآن والسنة، وتؤيده الأدلة، فعندهم يمكن أن يتعدد الصواب أيضاً في حالات معينة. فهناك أشياء أراد الشارع نفسه أن تكون على أوجه مختلفة، وأقرها كلها ولم يقصر الصواب على وجه واحد منها.

ومن أوضح الأمثلة على ذلك تعدد أوجه القراءة للقرآن الكريم، الذي ثبت عن النبي (ص) من طرق بلغت حد التواتر القطعي، وغدونا نرى أثره في القراءات السبع أو العشر المعروفة، والتي يسمعها المسلمون في كل مكان ويرون اختلافها، ولا يجدون فيه أي حرج في دينهم، ومن آثارها طبع مصاحف تختلف باختلاف هذه القراءات، مثل مصاحف المشارقة المطبوعة على أساس رواية حفص عن عاصم، ومصاحف المغاربة المطبوعة على أساس رواية ورش عن نافع.

وأصل هذا ما أقرأه النبي (ص) لأصحابه، فأقرأهم على أكثر من وجه أو أكثر من حرف، حتى إن بعضهم في أول الأمر أنكر على بعض قراءاته المخالفة لما تلقاه، ثم عرفوا أنهم جميعاً مصيبون، وأن هذا أمر مقصود من النبي عليه الصلاة والسلام، ولهذا قال لابن مسعود ومن خالفه: (كلاكما محسن) كما تقدم.

وهناك قضايا يمكن أن يتعدد فيها الصواب بقيود معينة. كأن يكون الصواب مع هذا المجتهد في زمان، ومع مخالفه في زمان آخر. أو أن يكون صواب المجتهد في قضية إذا نظر إلى المكان والبيئة، وإن لم يكن صواباً بالنسبة لغيره، فدار الإسلام غير دار الكفر، ودار السنة غير دار البدعة، والبادية غير الحضر.

وكذلك يكون الصواب مع المجتهد في حال معينة، ويكون مع غير ه في حال أخرى. فحال الضعف غير حال القوة، وحال الاستضعاف غير حال التمكين، وحال السعة غير حال الضرورة، وحال حديث العهد بالإسلام، غير حال العريق في الإسلام الناشئ في أحضانه.

وهذا هو ما اعتمده المحققون في القول بتغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والحال والعرف، وغير ذلك من موجبات التغيير.

وهي قاعدة مشهورة، وقد وفقني الله لإقامة الأدلة عليها من القرآن والسنة المشرفة، وهدي الصحابة، وعمل الأئمة، وذلك في دراستي عن "عوامل السعة والمرونة في الشريعة الإسلامية"، . وفي تعدد الصواب بسبب تغير الزمان، رأينا الصحابة يقرون أحكاماً لم تكن في عهد النبي (ص) اقتضاها تغير الزمان. مثل رفض عمر تقسيم سواد العراق بين الفاتحين، خلافاً لما فعله النبي (ص) في خيبر. ومثل كتابة عثمان المصاحف وجمعه الناس عليها، وإحراقه ما عداها، خشية اختلاف الكلمة، ومثل تضمين عليٍّ الصناع إذا هلك ما تحت أيديهم من متاع، على خلاف ما كان من قبل، لما تغير الناس وخيف على أموالهم، ولما سئل في ذلك قال علي (ع): لا يصلح الناس إلا ذاك. ورأينا أصحاب الأئمة يخالفون شيوخهم لاختلاف زمانهم عن زمن من قبلهم، وهذا ما سجله تاريخ الفقه بوضوح، كما قيل في بعض الخلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه أبي يوسف ومحمد: إنه اختلاف عصر وزمان وليس اختلاف حجة وبرهان.

وهو الذي جعل إماماً مثل أبي زيد القيرواني صاحب الرسالة المشهورة في المذهب المالكي يقتني كلباً للحراسة مخالفاً ما أثر عن مالك من كراهية ذلك. فلما لامه على مخالفته لإمام المذهب قال: لو كان مالك في زماننا لاتخذ أسداً ضارياً.

وكذلك يتعدد الصواب باعتبار تغير المكان وتأثيره في تكوين الرأي وتحديد الحكم، وهو ما جعل الفقهاء يقررون أحكاماً لدار الإسلام، وأخرى لدار الحرب أو دار العهد، حتى أجاز أبو حنيفة التعامل بالعقود الفاسدة، ومنها الربا، خارج دار الإسلام، مادام ذلك بالتراضي، ودون غدر ولا خيانة.

وهو الذي جعل الفقهاء يقررون أن من أنكر الفرائض أو المحرمات المعلومة من الدين بالضرورة، يحكم عليه بالردة، إلا أن يكون ناشئاً ببادية بعيدة عن أمصار الإسلام ومواطن العلم، فيعذر لبداوته، ويعطى فرصة ليتعلم ويتفقه.

وفي تعدد الصواب، وتغير الحكم بتغير الأحوال، سواء أكانت أحوال الفرد أم أحوال الجماعة، نجد أمثلة كثيرة وأحكاماً شتى.

وهو ما جعل الرسول (ص) يعطي أجوبة مختلفة للسؤال الواحد مراعياً أحوال السائلين، كالطبيب يختلف وصفه للدواء باختلاف أحوال المرضى، وهو أيضاً ما جعله يقبل من بعض الناس ما لا يمكن أن يقبله من غيرهم، مثل موقفه من الأعرابي الذي بال في المسجد على مرأى من الناس، وهمّ الصحابة به، ورفق به رسول الله، وأمر الصحابة أن يقدروا ظروف بداوته، وأنه لم يتأدب بعد بأدب الإسلام، فقال لهم: (لا ترموه "أي لا تقطعوا عليه البول" وصبوا عليه ذنوباً من ماء، فإنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين).

ولهذا كانت فتوى النبي (ص) في الوقائع الشخصية لا يؤخذ منها - بالضرورة - حكم عام، لجواز أن تكون الخصوصية مراعاة فيها. ومن هنا قال الفقهاء والأصوليون: وقائع الأحوال والأعيان لا عموم لها.

كما وجدنا الصحابة ينظرون إلى هذا التغير في أحوال الناس، فيعالجونه بما يناسبه من الأحكام. وهذا سر تغير أحكامهم في قضية مثل قضية عقوبة شارب الخمر، فأبو بكر يجلد أربعين، وعمر يجلد ثمانين، حين رأى الناس تمادوا في الشرب فرأى الزيادة قي العقوبة ردعاً وزجراً.

وقال عمر بن عبد العزيز: يحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من فجور. ورفض مبدأ الهدية له ولولاته، ولما قيل له: إن رسول الله (ص)، قبل الهدية، قال: كانت له (ص) هدية، وهي لنا رشوة!.

ومن أوضح الأمثلة التي تذكر في هذا المقام ما حكاه الإمام ابن القيم عن شيخ الإسلام ابن تيمية حين مر بقوم من التتار في دمشق، سكارى من شرب الخمر فأنكر عليهم بعض أصحابه لاقترافهم هذا المنكر، ولكن الشيخ بنور بصيرته وسعة أفقه، وعمق فقهه القائم على الموازنة بين المصالح والمفاسد، قال لهم: في سكرهم وشربهم، فإنما حرم الله الخمر، لأنها تصد عن ذكر الله، وعن الصلاة، وهؤلاء تصدهم الخمر عن سفك الدماء ونهب الأموال.

وهذا هو الفقه الحقيقي الذي لا يجمد بالحكم على حالة واحدة، بل ينظر إلى العلل والمقاصد، ويدير عليها الأحكام.

وهذا كما يقال في القضايا الفقهية، يقال في القضايا السياسية والاجتماعية أيضاً، وقضايا الإصلاح والتغيير، وما يتخذ له من وسائل وأدوات.

فقد يحسن في بلد ما المشاركة في الانتخابات، والدخول إلى المجالس النيابية محاولة للتأثير في السلطة التي أصبح بيدها التشريع والتقنين في الدول الديمقراطية، أو على الأقل، لإسماع صوت الإسلام عالياً، وإقامة الحجة وقطع الأعذار.

على حين يكون ذلك في بلد آخر عبئاً لا طائل تحته، ولا جدوى منه، وربما كان مشاركة في تضليل الأمة عن الاستبداد الذي يحكمها ويتسلط عليها.

ج) حتمية الاختلاف في تكييف الواقع (تحقيق المناط):

ربما يعين على التسامح فيما يختلف فيه العاملون للإسلام اليوم: أن كثيراً من ألوان الخلاف الذي نشهده على الساحة الإسلامية، ليس خلافاً على الحكم الشرعي من حيث هو، ولكنه خلاف على تكييف الواقع الذي يترتب عليه الحكم الشرعي، وهو مـا يسميه الفقهاء "تحقيق المناط".

فالجميع متفقون على أن الحاكم الذي يدع الحكم بما أنزل الله، إنكاراً ورفضاً له، أو استخفافاً به، وتفضيلاً لحكم البشر عليه، هو كافر بلا نزاع، ولا يستحق أن يكون في زمرة المسلمين، وينطبق عليه ظاهر قوله تعالى: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون [١] دون أي حاجة إلى تأويل، بخلاف من يتركه ضعفاً، أو خضوعاً أمام القوى الأجنبية، أو حرصاً على الكرسي …. الخ.

ولكن يأتي الخلاف في أن حكام البلد الفلاني هؤلاء: هل هم من الصنف الأول أو من الصنف الآخر؟

هنا يقول البعض: إن هؤلاء رافضون جاحدون، مستخفون، فهم كفرة مرتدون مارقون.

ويقول آخرون: بل هم قوم ضفعاء مهازيل، عبيد للمناصب، ليس لديهم من قوة الدين، ولا قوة النفس، ما يجعلهم يقولون بملء أفواههم: لا.

وغيرهم يحاول أن يبرر موقفهم بأنه إملاء الضرورة، لأن الأجنبي مازال يتحكم في مقدراتهم، ونفوذه لم يبرح قائماً، وإن جلت جيوشه، ورحلت عساكره، فهو الذي يمد بالسلاح والقوت، ويعطي القروض ويمنح المعونات.

ومثل ذلك: الموقف من تغيير المنكر بالقوة، فلا خلاف أن من ملك القدرة والاستطاعة، ولم يخش أذى ولا ضرر أحد، يعجز عن احتماله هو ومن يحمل تبعته، ولم يخف من وقوع منكر أكبر من المنكر الذي يريد تغييره، فإن له بل عليه أن يغير المنكر بيده، وإلا انتقل من اليد إلى اللسان، ثم إلى القلب وذلك أضعف الإيمان.

ولكن الخلاف يظهر هنا في تحقيق هذا المناط، أعني هل بمقدور فلان، أو هذه الفئة من الناس، إزالة المنكر باليد بالشروط التي ذكرناها أم لا؟

هنا تختلف الأنظار، وتتفاوت الأفكار.

فمن الناس من يبالغون في تقدير قوتهم الذاتية بحيث يحسبون أنهم على تغيير المنكر قادرون، لمجرد أنهم يستطيعون أن يحرقوا حانة، أو يحطموا زجاجة خمر، أو يفضّوا حفلاً ماجناً بالعنف، غافلين عما قد يسببه ذلك من آثار وأضرار قد تكون أضعاف المنكر نفسه الذي أريد تغييره.

وفي مقابل هؤلاء قوم يغالون في تقليل حجمهم، وإظهار أنفسهم بمظهر الضعف، حتى إنهم لا ينكرون المنكر بمجرد القول واللسان.

وآخرون متوسطون بين هؤلاء وأولئك، ينظرون إلى الأمر من جميع جوانبه، ناظرين إلى ما يصيب إخوانهم وأهلهم، وما يصيب سمعة الإسلام ودعاته، موازنين بين المصالح والمفاسد، مقدمين درء المفسدة على جلب المصلحة، يفوتون أدنى المصلحتين، ويقبلون أهون الشرين.

شـبهات:

ويقول بعض المخلصين المتحمسين: كيف نتعاون أو نتجمع مع المبتدعين ونغض الطرف عن بدعتهم، وقد أمرنا أن نهجرهم ولا نسلم عليهم؟

ونقول: إن البدع مراتب وأنواع، فمنها ما يصل بصاحبه إلى درجة الكفر البواح، ومنها ما دون ذلك. ومنها ما هو متفق على بدعيته، ومنها ما هو مختلف فيه. وما يدخل في نطاق الاجتهاد، فيعذر فيه المخطئ المتأول، وقد يؤجر أجراً واحداً، إن كان من أهل الاجتهاد.

ومن المبتدعين من هو تابع، ومن هو متبوع داعية لبدعته، ومنهم السهل القريب، ومنهم الحاد والعنيف.

فلا ينبغي أن يعامل الجميع معاملة واحدة، وقد يكون الاقتراب من هؤلاء والتعامل معهم بالحسنى سبيلاً إلى إقناعهم بخطئهم، وتقريبهم من الصراط المستقيم.

وقد رأينا مثل الإمام البخاري يخرج في صحيحه لبعض أهل البدع، ومنهم من كان داعية لبدعته، وذلك لأنه رآهم من أهل الصدق والضبط، حتى إنه أخرج لعمران بن حطان أحد دعاة الخوارج وشعرائهم، على ما روي عنه من شعر مدح فيه ابن ملجم قاتل أمير المؤمنين علي (ع).

على أن من القواعد المقررة شرعاً ارتكاب أخف الضررين، وأهون الشرين. ولهذا يجوز التعاون مع مبتدع ضد مبتدع أغلظ منه إبداعاً.

بل يجوز التعاون أو التحالف مع كافر ضد من هو أكفر منه، أو التعاون مع كافر حسن الرأي والمودة للمسلمين، ضد كافر ظاهر العداوة والكيد للمسلمين.

وقد حالف النبي (ص) بعد صلح الحديبية قبيلة خزاعة، ضد قريش الذين ناصبوه العداء، وشنوا عليه الغارات.

وفي قصة الحرب بين الفرس والروم التي انتصر فيها الفرس المجوس على الروم النصارى في أول الأمر، وما وقع من جدال بين المسلمين والمشركين من قريش في مكة، حول نتيجة هذا الصراع وعاقبته، إلى حد أن راهن أبو بكر على أن الروم سينتصرون، دليل على أن الكفر بعضه أهون من بعض، وأن بعض الكفار أقرب إلى المسلمين من بعض.

وهذا ما أدركه كل من المسلمين والمشركين في مكة، فقد اعتبر المشركون انتصار الفرس على الروم أمراً يغيظ المسلمين، لأن الفرس يعبدون النار، ويقولون بإلهين اثنين: للخير والشر، بخلاف الروم فهم أهل الكتاب، وأصحاب دين سماوي….

ولا غرو أن نزل القرآن يبشر المسلمين أن الدائرة ستدور على الفرس وأن الدولة ستكون للروم.

يقول تعالى: (الم، غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون، في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم [٢].

٥ - الكف عمن قال: لا إله إلا الله.

ولا يخفى على دارس أن أخطر أدوات التدمير لبنيان الاتحاد أو التقارب بين العاملين للإسلام خاصة، والمسلمين عامة، بل أشدها خطراً على الإطلاق، هو التكفير: أن تخرج مسلماً من الملة، ومن دائرة أهل القبلة، وتحكم عليه بالكفر والردة. فهذا لا ريب يقطع ما بينك وبينه من حبال، فلا لقاء بين مسلم ومرتد فهما خطان متوازيان لا يلتقيان.

وقد ذكرت في رسالتي "ظاهرة الغلو في التكفير" أخطاء هذا الاتجاه وأخطاره، فهو خطيئة دينية، وخطيئة علمية، وخطيئة حركية وسياسية.

والسنة النبوية تحذر أبلغ التحذير من اتهام المسلم بالكفر، في أحاديث صحيحة مستفيضة.

ومن ذلك: حديث ابن عمر مرفوعاً (إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما، فإن كان كما قال، وإلا رجعت عليه) [٣].

وحديث أبي ذر: (من دعا رجلاً بالكفر، أو قال: يا عدو الله، وليس كذلك إلا حار عليه) [٤] أي رجع عليه.

وحديث أبي قلابة: (من رمى مؤمناً بكفر فهو كمن قتله) [٥].

ومن هنا كان الواجب على أبناء الصحوة الإسلامية، الكف عن كل من قال: (لا إله إلا الله) فقد صحت الأحاديث أن من قالها فقد عصم دمه وماله، وحسابه على الله.

ومعنى أن حسابه على الله، أننا لم نؤمر بأن نشق عن قلبه، بل نعامله وفق الظواهر، والله يتولى السرائر.

وقصة أسامة بن زيد مع الرجل الذي قتله في المعركة بعد ما قال "لا إله إلا الله" واضحة كل الوضوح، فقد أنكر عليه الرسول الكريم قتله بعد قوله، ولم يقبل منه دعواه أنه قالها تعوذاً من السيف، قائلاً: (هلا شققت عن قلبه)؟ !

ولهذا لا يجوز اقتحام هذا الحمى، وتكفير أهل الإسلام، لذنوب ارتكبوها أو بدع اقترفوها وإن أخطؤوا الصواب فيها.

يقول الإمام ابن الوزير في هذه النقطة:

من مرجحات ترك التكفير أمر رسول الله (ص): (ثلاث من أصل الإيمان: الكف عمن قال لا إله إلا الله، لا نكفره بذنب ولا نخرجه من الإسلام بعمل…. )، رواه أبو داود في كتاب "الجهاد من السنن". ورواه أبو يعلى من طريق أخرى، وليس فيها من ضعف إلا يزيد الرقادي العبد الصالح، ضعف من قبل حفظه، وقد أثنى عليه الحافظ ابن عدي ووثقه، وقال: عنده أحاديث صالحة عن أنس أرجو أنه لا بأس به، هذا مع الثناء النبوي على عموم التابعين، فأقل أحواله أن يقوّي طريق أبي داود ويشهد لها.

الحديث الثاني: عن أبي هريرة عن رسول الله (ص) نحو حديث أنس بمعناه. رواه أبو داود.

الحديث الثالث: عن ابن عمر عن رسول الله (ص): (كفروا عن أهل لا إله إلا الله لا تكفروهم بذنب، من كفر أهل لا إله إلا الله فهو إلى الكفر أقرب). رواه الطبراني في الكبير من حديث الضحاك بن حمرة عن علي بن يزيد، وحمرة بالحاء والراء المهملتين بينهما ميم.

قال الهيثمي: مختلف في الاحتجاج بهما. قلت: لكن حديثهما يصلح في الشواهد ويقوى بما تقدم….

وفي الباب عن علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه، وأبي الدرداء وأبي أمامة وواثلة وجابر بن عبد الله وأبي سعيد الخدري وعائشة رضي الله عنها وعنهم، سبعتهم عن النبي (ص)، بمثل ذلك، لكن في أسانيدها، مجاريح، لكن بمجموعها - مع ما تقدم - قوة، ولحديث علي (ع) شواهد عنه وهو ما تقدم من عدم تكفيره الخوارج من طرق، ومن رده لأموالهم من طرق، ويعضد ذلك عمل الصحابة، فعن جابر أنه قيل له: هل كنتم تدعون أحداً من أهل القبلة مشركاً؟ قال: معاذ الله ! ففزع لذلك، قال: هل كنتم تدعون أحداً منهم كافراً؟ قال: لا. رواه أبو يعلى والطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح، والحديث إذا اشتهر العمل به في الصحابة دل على قوته. وهذه الشواهد السبعة والحديث الذي قبلها كلها في مجمع الزوائد في أوائله.

ثم يذكر وجهاً آخر فيقول: قد تكاثرت الآيات والأحاديث في العفو عن الخطأ، والظاهر أن أهل التأويل أخطؤوا، ولالسبيل إلى العلم بعمدهم، لأنه من علم الباطن الذي لايعلمه إلا الله تعالى، قال الله تعالى في خطاب أهل الإسلام خاصة: (وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم ( [٦].

وقال تعالى: (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ( [٧] وصح في تفسيرها أن الله تعالى قال: قد فعلت، في حديثين صحيحين: أحدهما عن ابن عباس، والآخر عن أبي هريرة. وقال تعالى: (ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون [٨]، فقيل ذمهم بعلمهم، وقال في قتل المؤمن مع التغليظ العظيم فيه: (ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم، ( [٩]. فقيل الوعيد فيه بالتعمد، وقال في الصيد: (ومن قتله منكم متعمدا ( [١٠]. وجاءت الأحاديث الكثيرة بهذا المعنى، كحديث سعد وأبي ذر وأبي بكرة - متفق على صحتها - فيمن ادعى أباً غير أبيه، وهو يعلم أنه غير أبيه، فشرط العلم في الوعيد.

ومن أوضحها حجة: حديث الذي أوصى لإسرافه - أن يحرق ثم يذرى في يوم شديد الرياح، نصفه في البر، ونصفه في البحر، حتى لا يقدر الله عليه، ثم يعذبه! ثم أدركته الرحمة لخوفه، وهو حديث متفق على صحته عن جماعة من الصحابة، منهم حذيفة وأبو سعيد وأبو هريرة، بل رواته منهم قد بلغوا عدد التواتر، كما في جامع الأصول، ومجمع الزوائد، وفي حديث حذيفة: أنه كان نباشاً، وإنما أدركته الرحمة لجهله وإيمانه بالله والمعاد، ولذلك خاف العقاب، وأما جهله بقدرة الله تعالى على ما ظنه محالاً فلا يكون كفراً إلا لو علم أن الأنبياء جاؤوا بذلك، وأنه، ممكن مقدور، ثم كذبهم أو أحداً منهم، لقوله تعالى: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً [١١].

وهذا أرجى حديث لأهل الخطأ في التأويل.

ويعضد ما تقدم أحاديث: (أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء). وهي ثلاثة أحاديث صحاح.

ولهذا قال جماعة جلة من علماء الإسلام: إنه لا يكفر المسلم بما يبدر منه من ألفاظ الكفر إلا أن يعلم المتلفظ بها أنها كفر. قال صاحب المحيط: وهو قول أبي علي الجبائي ومحمد والشافعي.

ولعل هذا الحديث الصحيح بل المتواتر حجتهم على ذلك. أ. هـ [١٢].

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: ولا يجوز تكفير المسلم بذنب فعله ولا بخطأ أخطأ فيه، كالمسائل التي تنازع فيها أهل القبلة، فإن الله تعالى قال: (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير، لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت، ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا، ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين ( [١٣] وقد ثبت في الصحيح أن الله تعالى أجاب هذا الدعاء وغفر للمؤمنين خطأهم.

والخوارج المارقون الذين أمر النبي (ص) بقتالهم قاتلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أحد الخلفاء الراشدين، واتفق على قتالهم أئمة الدين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، ولم يكفرهم علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وغيرهما من الصحابة، بل جعلوهم مسلمين مع قتالهم، ولم يقاتلهم علي حتى سفكوا الدم الحرام، وأغاروا على أموال المسلمين، فقاتلهم ليدفع ظلمهم وبغيهم، لا لأنهم كفار. ولهذا لم يسلب حريمهم ولم يغنم أموالهم.

وإذا كان هؤلاء الذين في ضلالهم بالنص والإجماع لم يكفروا، مع أمر الله ورسوله (ص) بقتالهم، فكيف بالطوائف المختلفين الذين اشتبه عليهم الحق في مسائل غلط فيها من هو أعلم منهم؟ فلا يحل لإحدى هذه الطوائف أن تكفر الأخرى، ولا تستحل دمها ومالها، وإن كانت فيها بدعة محققة، فكيف إذا كانت المكفرة لها مبتدعة أيضاً؟ وقد تكون بدعة هؤلاء أغلظ، والغالب أنهم جميعاً جهال بحقائق ما يختلفون فيه.

والأصل أن دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم محرمة من بعضهم على بعض لا تحل إلا بإذن الله ورسوله، قال النبي (ص) لما خطبهم في حجة الوداع: (إن دماءكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا). وقال (ص): (كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه). وقال (ص): (من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فهو المسلم، له ذمة الله ورسوله). وقال: (إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار). قيل: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: (إنه أراد قتل صاحبه). وقال: (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض). وقال: (إذا قال المسلم لأخيه: يا كافر فقد باء بها أحدهما). وهذه الأحاديث كلها في الصحاح.

وإذا كان المسلم متأولاً في القتال أو التكفير بذلك، كما قال عمر بن الخطاب لحاطب بن أبي بلتعة: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبي (ص): (إنه قد شهد بدراً، وما يدريك أن الله قد اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم؟ ). وهذا في الصحيحين. وفيهما أيضاً من حديث الإفك: أن أسيد بن الحضير، قال لسعد بن عبادة: إنك منافق تجادل عن المنافقين، واختصم الفريقان، فأصلح النبي (ص) بينهم، فهؤلاء البدريون فيهم من قال للآخر منهم: إنك منافق، ولم يكفر النبي (ص) لا هذا ولا هذا، بل شهد للجميع بالجنة.

وكذلك ثبت في الصحيحين عن أسامة بن زيد أنه قتل رجلاً بعد ما قال لا إله إلا الله، وعظم على النبي (ص) ذلك لما أخبره وقال: (يا أسامة أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله؟ )، وكرر ذلك عليه حتى قال أسامة: ما تمنيت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذ ! ومع هذا لم يوجب عليه دية ولا كفارة، لأنه كان متأولاً، ظن جواز قتل ذلك القائل، لظنه أنه قالها تعوذاً.

وهكذا السلف قاتل بعضهم بعضاً من أهل الجمل وصفين ونحوهم، وكلهم مسلمون مؤمنون، كما قال تعالى: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين ( [١٤] فقد بين الله تعالى أنهم مع اقتتالهم، وبغي بعضهم على بعض إخوة مؤمنون، وأمر بالإصلاح بينهم بالعدل.

ولهذا كان السلف مع الاقتتال يوالي بعضهم بعضاً موالاة الدين، لا يعادون بعضهم كمعاداة الكفار، فيقبل بعضهم شهادة بعض، ويأخذ بعضهم العلم عن بعض ويتوارثون ويتناكحون ويتعاملون بمعاملة المسلمين بعضهم مع بعض، مع ما كان بينهم من القتال والتلاعن وغير ذلك.

هذا مع أن الله أمر بالجماعة والائتلاف، ونهى عن البدعة والاختلاف، وقال: (إن الذين فرقوا دينهم، وكانوا شيعاً لست منهم في شيء (وقال النبي (ص): (عليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة)، وقال: (الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد)، قال: (الشيطان ذئب الغنم والذئب إنما يأخذ القاصية والنائية من الغنم).

فالواجب على المسلم إذا صار في مدينة من مدائن المسلمين أن يصلي معهم الجمعة والجماعة ويوالي المؤمنين ولا يعاديهم، وإن رأى بعضهم ضالاً أو غاوياً وأمكن أن يهديه ويرشده فعل ذلك، وإلا فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها، وإذا كان قادراً على أن يولي في إمامة المسلمين الأفضل ولاه، وإن قدر أن يمنع من يظهر البدع والفجور منعه، وإن لم يقدر على ذلك فالصلاة خلف الأعلم بكتاب الله وسنة نبيه والأسبق إلى طاعة الله ورسوله أفضل، كما قال النبي (ص) في الحديث الصحيح: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سناً).

وإن كان في هجره لمظهر البدعة والفجور مصلحة راجحة هجره، كما هجر النبي (ص) الثلاثة الذين خلفوا حتى تاب الله عليهم، وأما إذا ولي غيره بغير إذنه وليس في ترك الصلاة خلفه مصلحة شرعية كان تفويت هذه الجمعة والجماعة جهلاً وضلالاً، وكان قد رد بدعة ببدعة.

حتى إن مُصلي الجمعة خلف الفاجر اختلف الناس في إعادة الصلاة، وكرهها أكثرهم، حتى قال أحمد بن حنبل في رواية عبدوس: من أعادها فهو مبتدع. وهذا أظهر القولين، لأن الصحابة لم يكونوا يعيدون الصلاة إذا صلوا خلف أهل الفجور والبدع، ولم يأمر الله تعالى قط أحداً إذا صلى كما أمر بحسب استطاعته أن يعيد الصلاة [١٥].

هذا ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية بوضوح، منكراً أشد الإنكار على من يكفرون الناس بذنب أو خطأ، داعياً إلى التزام الجماعة وعدم الشذوذ عنها، ومجوزاً الصلاة وراء المبتدع.

ومع هذا نجد فيمن ينسبون أنفسهم إلى ابن تيمية من يجهل هذه الحقائق كلها، ومن يشهر سيف التكفير في وجه كل من يخالفه في رأي يرى أنه الحق، حتى إن من هؤلاء من كفروا طوائف كبيرة تتبعها جماهير غفيرة من الأمة، كالأشاعرة ومنهم من تطاول على كبار العلماء والدعاة، وحكم بكفرهم، غير خائف أن يبوء هو بذلك، كما أنذر بذلك الحديث الشريف.

رد حديث الآحاد لشبهة لا يكفر به:

ومن الخطأ البالغ الذي يقع فيه بعض الناشئين في العلم، أو الحدثاء في الدعوة، أو المتعجلين في الفتوى: تكفير من ينكر بعض الأحاديث الصحاح من أحاديث الآحاد، التي ربما أخرجها الشيخان: البخاري ومسلم، أو أحدهما لشبهات لاحت لهم، قد تكون قوية معتبرة، وقد تكون وهمية لا اعتبار لها، ولكنها - في نظر أنفسهم - شبهات جعلوها عللاً قادحة في ثبوت متن الحديث.

فهم يردون الحديث، لأنهم يرونه مخالفاً لدلالة الحس أو العقل، أو غير ذلك - مما جعله علماء الحديث أنفسهم من دلائل الوضع في الحديث - وإن كان غيرهم لا علم لهم بذلك.

ولا وجه للحكم بالكفر في هذه المسألة، إذ العلماء لا يكفرون إلا من أنكر السنة مطلقاً، ولم يعتبرها مصدراً للأحكام الشرعية بعد القرآن، لأن من فعل ذلك يلزمه أن ينكر الأمور المعلومة من الدين بالضرورة التي لم تثبت إلا بالسنة، مثل كون الصلوات خمساً، وأن لكل منها وقتها المعلوم، وركعاتها المحددة، وهيئاتها المعينة المفتتحة بالتكبير، المختتمة بالتسليم، وهذا كله. مما ثبت بالسنة.

أما من أنكر حديثاً أو جملة من أحاديث الآحاد، فلا يذهب فقيه واحد ولا عالم معتبر إلى كفره.

وهؤلاء أئمة أهل السنة لم يكفروا الخوارج ولا المعتزلة، رغم إنكارهم لأحاديث كثيرة من أحاديث الصحاح، كأحاديث رؤية الله تعالى (في المنام) وحديث سحر النبي (ص) وغيرها، مما ذكره ابن قتيبة ورد عليه في كتابه الشهير "مختلف الحديث". وكم من إمام رد حديثاً يراه غيره صحيحاً، ولا يراه هو كذلك.

بل من المحدثين أنفسهم من يرد من الأحاديث ما يصححه غيره، ولهذا ترك البخاري أحاديث أخرجها غيره.

وهذا إمام الجرح والتعديل يحيى بن معين رد أحاديث "فرائض الصدقة" التي أخرجها الشيخان.

ولقد كان لأم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - آراء خاصة في شأن بعض الأحاديث التي تراها مخالفة لظاهر القرآن، فتردها، وتتهم الصحابة الذين رووها بأنهم أخطؤوا ولم يحسنوا السماع والتلقي من النبي (ص).

وهذا مثل موقفها من حديث "إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه". إذ تراه معارضاً لقوله تعالى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى (وقد رواه أكثر من صحابي.

وحديث: "دخلت امرأة النار في هرة حبستها" إذ ترى أن المؤمن أكرم على الله من أن يعذبه في هرة، وأن المرأة كانت كافرة [١٦] …

وحديث وقوفه (ص) على قليب بدر، ومناداته لصناديد قريش بأسمائهم بعد دفنهم: (هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقاً).

وقول عمر وبعض الصحابة: أتكلم قوماً قد جُـيِّفو؟ !

يقول العلامة ابن كثير بعد أن ذكر هذا الحديث في كتابه "البداية والنهاية": وهذا مما كانت عائشة رضي الله عنها تتأوله من الأحاديث (كما قد جمع ما كانت تتأوله في جزء) وتعتقد أنه معارض لبعض الآيات، وهذا المقام مما كانت تعارض فيه قوله تعالى: (وما أنت بمسمع من في القبور [١٧].

قال: وليس هو بمعارض له. والصواب قول الجمهور من الصحابة ومن بعدهم، للأحاديث الدالة نصاً على خلاف ما ذهبت إليه رضي الله عنها وأرضاها [١٨].

ولم يتهم أحد من الصحابة ولا من بعدهم أمّ المؤمنين، رضي الله عنها، برقة دينها، أو ضعف يقينها، أو تنكرها لسنة زوجها رسول الله (ص).

لقد خالفوها جميعاً، وبينوا الخطأ في وجهة نظرها، ولكن أحداً لم يسمها بكلمة بسبب آرائها هذه، بل جمعوا آراءها في كتب مفردة وتحدثوا عنها بكل إجلال وتوقير، لأنها صادرة عن اجتهاد، فهي معذورة فيه، بل مأجورة عليه.

[١] - المائدة / ٤٤.

[٢] - الروم / ١ - ٥.

[٣] - رواه مالك والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي.

[٤] - رواه البخاري هـ مسلم في حديث.

[٥] - رواه البخاري ومسلم في حديث.

[٦] - الأحزاب / ٥.

[٧] - البقرة / ٢٨٦.

[٨] - آل عمران / ١٣٥.

[٩] - النساء / ٩٣.

[١٠] - المائدة / ٩٥.

[١١] - الإسراء / ١٥.

[١٢] - إيثار الحق على الخلق / ٣٩٢ - ٣٩٤.

[١٣] - البقرة / ٢٨٥ - ٢٨٦.

[١٤] - الحجرات / ٩.

[١٥] - مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٣ / ٢٨٢ - ٢٨٧.

[١٦] - بينا خطأ أم المؤمنين في ذلك حيث أنكرت على أبي هريرة روايته لهذا الحديث، وذلك في كتابنا: كيف نتعامل مع السنة النبوية؟ .

[١٧] - فاطر / ٢٢.

[١٨] - البداية والنهاية، ٣ / ٢٩٢ - ٢٩٣، ط، بيروت.



[ Web design by Abadis ]