ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 كلمة الشيخ د. محمد الحبش *

جاء فيها:

إن الحديث عن وحدة الأمة الإسلامية أصبح لوناً من التأكيد على حقيقة لم يعد يختلف فيها أحد، فهذه الأمة تملك أسباب وحدتها ونهضتها وقوتها، وهي على الرغم من الظروف الدولية الطاحنة التي تكرس المرجعية المادية والمصالح السياسية فإن الأمة الإسلامية لايزال أملها في بناء وحدة شاملة تحاكي التاريخ المجيد ولا تزال تحن إليه.

وهكذا فإنني أجد نفسي في حل من التوكيد على أهمية الوحدة وحتميتها، لأتوجه بالحديث إلى إحياء عنصر جوهري من عناصرها وهو الوحدة في ظلال مقاصد الشريعة.

أكد الإمام الجليل الشاطبي في كتابه الموافقات أدلة جلية على أن الشريعة بصيرة، وأنها ليست نشاطاً لا غائياً يتحرك فيه الناس، وصنف مقاصد الشريعة في رعاية المصالح الخمس للناس وهي: حفظ الدين والنفس والعرض والعقل والمال. ثم قسمها إلى مراتب ثلاث وهي: المصالح الضرورية فالحاجية فالتحسينية.

وهذا لايدل على تأخر معرفة مقاصد الشريعة حتى القرن الرابع، بل إن وعي الأمة بمقاصد الشريعة كان حاصلاً منذ اليوم الأول للرسالة، وهو الذي كان يدعو الناس للإقبال على هذه الشريعة والتزام أحكامها وهديها ونورها، فهؤلاء النفر الذين أقبلوا على الإسلام لأنهم وجدوا فيه مجتمع آمال الشرفاء الأحرار، وكانوا يدركون ببصيرة أن مقاصد الإسلام الكبرى هي الغايات التي لايزال الإنسان يبحث عنها لتحقيق سعادته.

والأمر نفسه يمكن أن نتفهمه عبر رجال الفتح الذين تحركوا في الآفاق ينشرون في الأرض رسالة الله، ويؤسسون حياة الإسلام الرشيدة وذلك على هدي من مقاصد الشريعة التي بعثتها فيهم روح الإسلام وحياة النبي الكريم.

ولكن ما هو الضابط لمقاصد الشريعة؟ وأين هو النص الحاصر لهذه المقاصد بحيث لا يتخللها عبث أهوائي؟ وهل تملك المقاصد تحديد نفسها ومنح الأمة إمكانية التصريح عن هذه الأصول للوصول إلى أحكام اتفاقية؟

لقد وجد الفقهاء موائمة بين روح النص وبين مقاصد الشريعة، ورأوا أن انصراف الأمة إلى أمر قائم أذان بأنه يتفق مع روح الشريعة ومقاصدها، بينما يكون إدبارهم عنها دليلاً على منافاتها لهذه المقاصد. وهكذا فإن حالة تناوبية نشأت بين الإجماع والمقاصد.

وسواء أقلنا كالإمام الشاطبي إن المصالح تقسم إلى خمس كما ذكرنا سابقاً، أم تخيرنا صيغاً أخرى من روح الشريعة كما لو قلنا إن مقاصد الشريعة تختصر في عشرة مقاصد: العدل والخير والطهارة والعفاف والحب والجمال والشورى والبر والأمن والسلام وغير ذلك…، فإن المعنى الذي يتأكد هنا وهناك، أن ثمة غايات نبيلة أرشدت إليها الشريعة وهي تنال قدراً كافياً من الاتفاق وتصلح أن تكون خيطاً جامعاً لفقه سائر المسلمين.

إن إحياء دور العدل والخير والطهارة والمقاصد الأخرى معايير في التشريع ليس افتئاتاً على الشريعة بل هو إعمال لدلالات نصوصها، فلماذا نقعد عن استنباط المسائل الشرعية من هدي هذه النصوص، ونعجز عن اتخاذها محوراً تجتمع عليه مقاصدنا واجتهاداتنا وفقهنا، بحيث ننتظر بيان تفاصيل ذلك كله من آثار الأولين، دون أن نخول العلم والتجربة والعقل والواقع، حق التدخل لتقرير ما هو خير وما هو شر، ما هو عدل وما هو ظلم، ما هو طهارة وما هو دنس.

وحتى لا نمضي في الحديث إلى خيارات الاجتهاد المختلفة فإني أعطف مرة أخرى للحديث عن دور مقاصد الشريعة في تحقيق الوحدة الإسلامية.

والأمثلة كثيرة منها موقف الإمام الحسن بن علي عليهما السلام في مبايعة معاوية، فإنه لم يكن يجهل النصوص المتواترة التي تشير بوضوح إلى فضل العترة الطاهرة على أبناء الطلقاء، وهو ما لا ينازع فيه مسلم، لكنه رأى أن تحقيق مقاصد الشريعة من السلام والأمن والجماعة مطلب ينبغي أن تسعى إليه الأمة.

وكذلك فإن الأمة مضت في تدوين القرآن ونقطه وشكله تحقيقاً لمقاصد الشريعة في رعايته وعلى الرغم من عدم وجود أي توجيه نصي بذلك.

وهكذا فإذا ما وضعنا نصب أعيننا مقاصد الشريعة، تلتقي مقاصدنا جميعاً في تحقيق وحدة إسلامية حقيقية. واليوم ونحن في مطلع الألفية الثالثة، قد تساقطت الأيديولوجيات، والعالم يعيش عصر المصالح المادية، في هذا الظرف اليائس ينهض الإسلام شريعة حق وهدى وخير ونور، تتماسك مقاصده، ويدعى أبناؤه لتحقيق وحدتهم المنشودة لمواجهة الآتي من الأيام.

* - خطيب وإمام جامع الزهراء - دمشق.



[ Web design by Abadis ]