ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 كلمة الأستاذ السيد عبد الله نظام *

ومما جاء فيها:

إن عقد مؤتمر للتقريب بين المذاهب الإسلامية يعني اعترافاً أن هناك في الواقع تباعداً وافتراقاً وتنافراً بين المسلمين… وكنت أتساءل لماذا يكون لنا مجتمعان يحتملان خطابين مختلفين؟ لماذا لا ينتاب الحب والعواطف التي ألمسها لدى أبناء هذا البلد من العلماء والمفكرين، هذه اللقاءات الخاصة والتي كثيراً ما تعقد خلف أبواب موصدة وفي خلسة من الأيام والزمان؟ لماذا لا يطرق القلوب كلّها وليغمر الحياة الاجتماعية لعامّة الناس حيث يوجد المحل المناسب لغرس شجرة القرب والوحدة؟ .

تتردد عالياً نداءات بصوت جماعي إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون «الأنبياء / ٩٢»، فليس غريباً أن هذه الآية المباركة وأخواتها تتحدث عن فريضة إسلامية على حد الصلاة والصيام، وهي إقامة الأمة الواحدة، والأمة من الأم بمعنى الخط فهي مجموعة من الناس لها خط واحد وحركة واحدة.

ولعل مشكلتنا هي في المجاملة والخوف من فرض المشكلة بقوة وبشكل مباشر لأننا نخاف فيما إذا فتحت لنا الحقيقة أبوابها أن نرى منظراً غير مألوف، ونخاف أن نصرّح بما رأينا لأنه غير مألوف، ولا نريد أن نعيش في صراع مع أنفسنا ولا محيطنا، وإذاً سوف تبقى الأبواب موصدة طالما أننا اعتدنا أن نعيش مع أنفسنا دون أن نكلّفها عناء ودون خجل من جهلنا، من مجانبة الحقّ، وإذا ما تجرأنا وطرقنا باب الحقيقة فإننا ندقه بصوت غير مسموع خلف جدران كاتمة لا يصل صداه إلى أحد، وإذا فتح لنا الباب همسنا مع من خلفه همساً خافتاً لا ندري هل هو كلمات عثر بها اللسان وصدرت عنوة عن القلب، وقد نكتشف ذلك إذا ما شيعتها ابتسامات صفراء، أو أعربت النفس عن نقيضها عندما تشعر أنها انفلتت بعيداً عن سمع الرقيب.

فدعوني أنطلق بصراحة في تعريف الإسلام الذي ليس هو إلاّ الشهادتين، ولنحدد أركان الإسلام التي هي خمسة عند جميع المسلمين، (الصلاة، والصيام، والزكاة، وحج البيت، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، فليس هناك في الواقع ما يفرقنا لافي أصل العقيدة، ولافي فروعها.

فنحن بحاجة إلى أن يقرأ كل منا الآخر من مصادره الأصيلة، وأن يجعل نفسه مكان الآخر لينطلق من منطلقاته، وفي أجوائه فلعلّه إما أن يقبله فكراً أو يقبل له عذراً، وإنه لممّا يحزّ في النفس أننا إلى الآن لا يقرأ بعضنا بعضاً، وإلى الآن نلجأ إلى الكتب التي صنّفت عبر حقب من التاريخ والتي عاش كتّابها على تفريق المسلمين والذين أفرزتهم الظروف السياسية وطبيعة الدول التي حكمت في الأيام السالفة.

إن مشكلتنا هي هذا الجهل المطبق، في حين أن بإمكاننا في هذه الأيام أن نتعرف عن فكر الأحمر والأسود والأصفر ولكننا لانتعرف على فكر بعضنا البعض فليس في جامعاتنا شيء حقيقي اسمه الفقه المقارن أو الأصول المقارنة أو الحديث المقارن، بل حتى في مكتباتنا هناك حجر على الكثير من الكتب التي تؤيد وجهة نظر معينة، بل يمنع حتى في بعض المكتبات العامة استعارة بعضها.

إذاً نحن في واقع ينبغي أن نتجاوزه، وأن يقرأ كل منا الآخر من مصادره الأصلية بعيداً عن الملل والنحل للشهرستاني وابن حزم فهؤلاء لايمكن أن نعتمد عليهم في شرح المذاهب الإسلامية، ولابد أن ننطلق في حوار مفتوح وفي جو نظيف خلف الغاية العلمية وبالوسيلة العلمية وصولاً إلى الحقيقة.

ودعوني أعرض لكم بعض القضايا الإلهية ليقبل بعضنا بعضاً أو يعذر بعضنا بعضاً، فهناك مسألة (البداء) وهي من مسائل التوحيد التي يكفِّر على أساسها المسلمون بعضهم بعضاً لأنهم فهموا معناها اللغوي بينما في نظر مدرسة أهل البيت (ع) فإن البداء ليس هو بالمعنى اللغوي، إنما هو إعطاء المجال للقدرة الإلهية ليبقى كل شيء في هذه الدنيا تحت قدرته حتى القضاء الذي قضاه الله عز وجل، وليس النسخ بعيداً عن البداء في هذا المعنى، وكذلك الأحاديث التي تتحدث عن أن صلة الرحم تنسأ بالأجل والصدقة تدفع البلاء المبرم، مما تعالم عليه المسلمون.

ومسألة أخرى: (الجبر والاختيار) فليس هناك بين المسلمين من يقبل الجبر المطلق والتفويض المطلق، فالله هو الخالق وهو المريد، والإنسان هو الكائن المسؤول وإلا لماذا الرسالة والحساب والكتاب؟ فلا بد من الموازنة بين إرادة الله وخالقيته وبين حرية الإنسان ومسؤوليته.

من هنا قال المذهب الأشعري بنظرية الكسب وهو يريد أن يحفظ لله فاعليته فهناك خلق من قبل الله وهناك كسب من جهة العبد لأنه هو الذي أراد ذلك الشيء ومن وجهة نظر مدرسة أهل البيت يقول الإمام الصادق (ع) " «لاجبر ولا تفويض ولكن أمر بين بين»، وأنا لا أقول أن الرأيين يستويان ولكنني أريد أن أجد عذراً، فنحن نرى في (الكسب) إشكالات كثيرة أقلها إخضاع إرادة الله لإرادة العبد، أي أن قضية الجبر لم تحل، لكنني أقبل هذه المحاولة لأن الذي جادلها يريد أن يتخلص من الجبر المطلق.

أما التقية التي ضربت جداراً سميكاً بين المسلمين، ولعل في نظر البعض أن الكلام كلّه هو مجرد تقية أو مجاملة نظهر من خلالها شيئاً ونبطىء شيئاً، وسبب ذلك أن القضية لم تقرأ من خلال مدرسة أهل البيت (ع)، فهي ليس لها هذا الحجم الوسيع فالإمام الصادق (ع) يحددها فيقول: «التقية في كلّ ضرورة وصاحبها أعلم بها حيث تقع به» إذاً هي ليست سلوكاً مطلقاً بل سلوك اضطراري، لرفع سفك دم أو عدوان، وهذا الحل مشروع عند جميع المسلمين، فالإمام الشافعي يقول: «إن التقيّة جائزة بين المسلمين، إذا شاكلت الحالة بينهم وبين المشركين».

وفي مسألة الإمامة فإننا نعتقد أنها نص من الله عز وجل، وإن إمامة الأمة ترجع إلى قرار من الله ولا ترتبط بقضية الشورى، المذاهب الإسلامية الأولى تعتقد أنها من شأن الأمة ولكننا إذا أردنا أن نمضي في الفكرة الآن فماذا بقي من قضية الإمامة الزمنية؟ أشخاصها ذهبوا إلى ربهم وأحداثها مضت وانقضت والذي بقي الإمامة الشرعية.

ففي الحقيقة أن كل المسلمين يقبلون في مقام الترجيح بين الروايات أن يرجعوا إلى ما ثبت عن علي (ع) أو عن الإمام السجاد (ع) أو الأئمة من آل البيت لو صحّ النقل عنهم، فخلافنا ليس في آل البيت (ع) وإنما في الطريق الموصل إليهم.

وبالنسبة للوحدة الإسلامية، لابد أن نلتفت إلى أن التعددية ضمن الوحدة ليست أمراً سلبياً، وليس المطلوب في التقارب أن يصبح الجميع مذهباً واحداً، إنما أن يشكّل الجميع أسرة واحدة وأن يحترم كل واحد الطرف الآخر. وكمثل عملي أقترح أن تؤسس دار للتقريب أو مركز للدراسات الإسلامية بحسب المذاهب الإسلامية المختلفة. وأن يدرس في كليات الشريعة جميع المذاهب بشكل مقارن حتى يتعرف الجميع على أننا إخوة في الدين.

* - خطيب وإمام مسجد السيدة فاطمة الزهراء (ع) بدمشق.



[ Web design by Abadis ]