ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 وقفات أمام حركة التقريب \ د. محمد علي آذرشـب

مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، وكلمة التقريب هي من هذه الشجرة الطيبة التي تمتد جذورها فيما قرره الله سبحانه وتعالى لهذه الأمة من اعتصام بحبل الله ومن النهي عن التنازع وعن التفرقة، وفي فطرة الإنسان التي تعشق الانسجام والوئام وتنفر إن كانت سليمة من التنازع والخصام.

ولقد بدأ العالم الإسلامي يتحسس بكل وجوده حاجاته إلى التفيؤ بظلال شجرة التقريب، بعد أن اتضحت لكل ذي بصيرة غواشي الفرقة، وما جرته على المسلمين من قتل وتشريد وإبادة، واستهانة بالكرامات وطعن بالمقدسات.

بدأنا - والحمد لله - نسمع نداء التقريب يرتفع من أوساط كنا نحسبها يوماً معادية للتقريب، وبدأت بلدان العالم الإسلامي تتنافس في هذا الخير العميم، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.

لم يعد «التقريب» مجمعاً ومؤسسة ومؤتمراً ومجلة فحسب، بل تحوّل إلى تيار عام تعقد له الندوات، وتلقى فيه المحاضرات، وتهتم به بعض الفضائيات، وتكتب فيه المقالات والمؤلفات.

لقد كان المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية رائداً بحق في هذا المضمار بعد دار التقريب في القاهرة، ثم نحن نجد اليوم منظمة المؤتمر الإسلامي بكل مؤسساتها وهكذا رابطة العالم الإسلامي بكبار مسؤوليها، وجامعات العالم الإسلامي في سورية والأردن وقطر والكويت واليمن والمغرب تهتم بأمر التقريب وتقيم له المحاضرات والندوات العلمية.

نحن في سنة حوار الحضارات، وهي دعوة انطلقت من نفس الروح التقريبية التي تريد أن تجمع المسملين، فخطت خطوة رحبة عالمية لتجعل العلاقة بين الشعوب علاقة «تعارف» وتفاهم وتعايش سلمي بعيد عن صراع المادة، وحرب الشهوات، واصطدام المصالح الآنية الضيقة.

ربما كانت ثورة الاتصالات هي التي منحت عالمنا الإسلامي فرصة الاطلاع الأوسع على ما يحيط به من أخطار وما ينتظره من مصير. ربما كانت الصحوة الإسلامية هي التي حرّكت الأفكار والنفوس لتستشرف مصيرها، وربما يعود هذا الوعي الإسلامي العام إلى ما واجهه العالم الإسلامي في السنوات الأخيرة - نتيجة تفرّد السيطرة الأمريكية - من بطش وغزو عسكري واقتصادي وثقافي رهيب.

مهما يكن السبب فالحالة الموجودة تبشر بالتعالي على الخلافات الصغيرة، وبالترفع عن الانزلاق في النزاعات الجانبية، وبالدعوة إلى أهداف كبيرة من شأنها أن تحقق عزة الإسلام والمسلمين.

ومن الطبيعي أن يصحب هذه الحالة الإيجابية جهود مكثفة لإثارة النزاعات الحدودية والقبلية والطائفية والقومية. ومن المحتمل أن هذه الجهود قد يصحبها بعض النجاح بسبب ضعف الإرادة السياسية. لكن الوعي الشعبي كفيل بإحباطها. الموقف السياسي لا بد أن يستجيب للموقف الشعبي. والشعوب اليوم عازمة على أن لا تعرّض عزّتها وكرامتها لتلاعب المتلاعبين. وعسى أن تحقق إرادتها قريباً بإذن الله تعالى.

* * *

شاع على الألسن - بعد ثورة الاتصالات - تسمية عالمنا بالقرية الصغيرة، وكأن شبكة الاتصالات ربطت العالم بقنوات أزالت الفواصل الجغرافية واللغوية والثقافية.

والتسمية هذه محببة في قاموس «التقريب» لأنها توحي بالتقارب بين البشرية بمختلف اتجاهاتها المذهبية والفكرية والحضارية، كما توحي بسرعة «تبادل» المعلومات بين أصحاب القرية وتعرّف بعضهم على البعض الآخر، كما توحي أيضاً بنوع من التعاون والتعاضد والتساوي بين أبناء القرية.

ولكن … لننظر إلى واقعنا على الساحة العالمية… هل المفردات التي يفرزها عادة مفهوم (القرية الصغيرة) قائمة؟

على صعيد العلاقات بين البشرية تطلع علينا نظرية «صراع الحضارات» لتقدم إلى قوى الهيمنة الدولية مشروعاً في مواجهة الحضارات الأخرى، وخاصة الحضارة الإسلامية. والمشروع لم يقتصر على الساحة النظرية، بل دخل عملياً حيز التنفيذ عن طريق محاولة سحق كل عملية تستهدف استعادة عزة المسلمين وكرامتهم وشخصيتهم، وتقوية كل ظاهرة من شأنها الإبقاء على تخلف العالم الإسلامي واختلافاته، وإضعاف شوكته وإذلاله.

وفي مجال «تبادل» المعلومات، لا نرى سوى ضخ المعلومات من جانب واحد. البلدان التي تمتلك الشبكات والفضائيات تدفع بالمعلومات إلى العالم المتلقي، وعلى رأسه عالمنا الإسلامي، ونحن لا نملك إلا أن نعطي القليل جداً من المعلومات. هذه الشبكات تتجه اليوم إلى أن تصنع الرأي العام العالمي، وتوجه الثقافة والأخلاق، وتؤثر على التكوين الاجتماعي والسياسي، وتركز على مسخ صورة الإنسان المسلم في أذهان الغربيين، وتجعل من الأقزام أبطالاً، ومن الأبطال أقزاماً.

ليس هناك «تبادل» بل هجوم… وغزو… من جانب واحد بسبب اختلال التوازن في تطور التقنيات العلمية … وبسبب العوامل النفسية التي خلقتها هزيمة العالم الإسلامي أمام المستعمرين… فأين هذا من «القرية الصغيرة»؟

ثم هل هناك «التعاون» و «التعاضد» و «التساوي» بين أجزاء عالمنا المعاصر … وهي من خصائص «البشر» الساكنين في «القرية الصغيرة»؟

معظم ما يجري في الساحة العالمية يدل على «الهيمنة» و «البطش» و «القمع» و «الاستغلال» … معظم العلاقات الدولية من إفراز أخلاقيات رعاة البقر الأمريكيين: القوة… القتل… التوسع… السيطرة… ومن إفراز الأخطبوط الصهيوني: تحقيق الأحلام التوراتية في تحميق الناس وجعلهم تحت هيمنة «شعب الله المختار» !.

أهذه قرية؟ نعم … إن شبكة الاتصالات ربطت بينهما … ولكنها مثل شبكة بيت العنكبوت… حصرت عالمنا في إطار هذه الشبكة وصيرت منه بيت العنكبوت، وصدق الله سبحانه إذ قال: وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت. لو كانوا يعملون.

«الوهن» في بيت العنكبوت، ليس بسبب ضعف في خيوطه كما يقول علماء الأحياء… فخيوطه أقوى من نظيرتها عدة مرات، فالوهن في الحالة «المعيشية» السائدة داخل هذا «البيت». الأنثى تقتل الذكر بعد أن يلقحها مباشرة… إلاّ إذا فرّ بجلده… والأبناء يأكل بعضهم بعضاً، وكل حشرة تقترب من هذه الخيوط تقع فريسة… عالم قتل ورعب وانعدام أمن… هذا هو بيت العنكبوت… لو كانوا يعلمون!!

وما أشبهه بعالم العولمة الأمريكية، وعالم «القرية الصغيرة» على نمط العالم المادي.

نريدها قرية… لكنها آمنة مطمئنة… تحقق أهداف البشرية في «التفاهم» و «التقارب» و «التعايش» ولا تتحقق إلا في ظل توجّه البشرية إلى ربّ العالمين.

* * *

ما من قضية شغلت العالم الإسلامي منذ الحرب العالمية الأولى كقضية القدس، بل إنها القضية التي جاهد من أجلها المسلمون على مرّ التاريخ، ولا تعود أهميتها إلى جانب عسكري أو اقتصادي، بل إن أهميتها تعود إلى ما تحمله من رمز ودلالة على وجود الأمة المسلمة وحياتها. فهي قد أصبحت الميزان والمعيار لما في جسد الأمة من حياة… وكل الذين يستهدفون الطعن في هذا الجسد يتجهون إلى هذا «الرمز» ليفهموا من خلاله مدى ما فينا من قلب يخفق وعرق ينبض.

حاولت الصهيونية أن تحيط القدس بكثير من الأساطير، وهي أعلم من غيرها بكذبها، لتعلن أنها الأرض التي لا يمكن التنازل عنها، وهي عبارة تعني في المفهوم العميق أن المسلمين أمة لا يمكن أن نتعايش معها.

كما حاولت الصهيونية أن تسخّر المحافل الدولية لاعلان تدويل القدس. ولتقسيمها كمقدمة لاغتصابها جميعاً. ومنذ اغتصاب فلسطين تبذل جهود ضخمة لتهويد القدس عن طريق بناء المستوطنات، وإجراء التنقيبات ومحاولات هدم المسجد الأقصى، وسنّ قوانين مصادرة الآراضي… وغيرها من الإجراءات التي يشكل كل منها طعناً في إسلامية القدس، بل في كل الجسد الإسلامي.

وإزاء هذه الطعنات نرى أجزاء من هذا العالم الإسلامي تكتفي بالادانة، وبعضها يستقبل سكين الطاعن بمزيد من تشجيعه ومعاضدته، وبعضها - وهذا من فضل الله على الأمة - يقف كالطود الأشم ليعلن أن القدس تعني كل وجود الأمة، وأن القدس تعني كل قضايا الأمة… وأن القدس تعني الإسلام وتعني الأمة الإسلامية… ومع هذا الإعلان يعبّىء الطاقات لمواجهة العدوّ الصهيوني في عقر داره، ليلقنه دروساً في التضحية والجهاد، وليرغمه على الانسحاب تارة، وعلى التخلي عن فكرة التوسع تارة أخرى… وليعلن له أن أمة محمد (ص) حيّة لن تموت.

إن القدس لا يتقرر مصيره في «مؤتمرات الاستسلام» ولا في قرارات الكنيست. بل بحجارة أطفال فلسطين، وفوهات بنادق المجاهدين. القدس يتقرر مصيره بيد الأمة الإسلامية التي بدأت تعلن أن فلسطين لابد أن تتحرر جميعها وأن تعود القدس عاصمة لها، وأن يمارس كل أصحاب الأديان السماوية فيها عباداتهم بحرية تامة، فالإسلام وحده هو الذي يعترف بكلا الديانتين اليهودية والنصرانية، ويقدس موسى وعيسى، ويحترم كل الشعائر والكتب الدينية لأهل الكتاب.

القدس هي المدينة التي فتحت أبوابها للمسلمين بيد بطارقتها ليدخلوها سلماً، وهي التي صانها المسلمون على مرّ العصور من عوادي الدهر، وهي التي وجد فيها أهل الكتاب حريتهم الكاملة، لمكانتهم عند المسلمين، وهي لابدّ أن تبقى إسلامية إن أريد للسلام أن يستقر في المنطقة والعالم.

التهديدات الأخيرة للقدس ولنقل السفارات إلى القدس إنما هو تهديد لكل الأمة الإسلامية، واستهانة بكل مشاعر المسلمين، وطعن بكرامتهم وعزتهم، وهي فرصة كبيرة للأمة كي تعبّئ طاقاتها، وتحشّد قواها المادية والمعنوية لاثبات وجودها بقوة على الساحة العالمية.

ما سجلته المقاومة الإسـلامية في جنوب لبنان أصبح حجة على كل المداهنين والمهادنين والمتراجعين، إنه أثبت قدرة الصمود والتصدي على دحر العدو وتراجعه، وأثبت أن وحدة الشعب اللبناني وحكومته وجيشه ومقاومته استطاعت أن تحقق أعظم نصر في تاريخ المواجهة، وهذه الوحدة يجب أن تتسع لتشمل كل العالم الإسلامي بمختلف فصائله ومذاهبه واتجاهاته، لاقتلاع هذه الغدة السرطانية التي تهدد أمن العالم وسلامه وتهدد وجود الأمة وكيانها وهويتها.

إنها فرصة للوحدة وللتغلب على كل عوامل الفرقة والنزاع والاختلاف.

وبمناسبة انعقاد ندوة فكرية بمدينة حلب بتاريخ ٢٥ و ٢٦ شوال ١٤٢٠ هـ الموافق لـ ١و٢ / ٢ / ٢٠٠٠م تحت عنوان «المشروع المستقبلي لوحدة الأمة الإسلامية».

نقدم للقارىء الكريم مجموعة من المقالات في حقل التقريب لباحثين إيرانيين وعرب مع تقرير موجز عن وقائع الندوة، عسى أن يكون في ذلك إسهام على طريق نشر فكر التقريب.

والله من وراء القصد.

د. محمد علي آذرشـب

المستشار الثقافي للجمهورية الإسلامية الإيرانية

في دمشق

الكتاب: بحوث و دراسات في التقريب بين المذاهب الإسلامية

عدد النسخ: ٢٠٠٠ نسخة

الطبعة الأولى: ١٤٢١هـ - ٢٠٠١م

الناشر: المستشارية الثقافية للجمهورية الإسلامية الإيرانية بدمشق

تصميم الغلاف: لبيب صندوق

عنوان المستشارية: دمشق - المرجة - ص. ب ٩٣٥١

هاتف: ٢٣١١١٥١ / ٢٣١١١٤٩ - فاكس: ٢٣١١١٤٧



[ Web design by Abadis ]