ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 الفصل الثالث: صورة الآخر لدى أبي حيان التوحيدي

المقدمة

ولد أبو حيان التوحيدي (٣١٠هـه تقريباً) في عصر اضطربت فيه الخلافة الإسلامية في جميع جوانبها: السياسية والاجتماعية والاقتصادية، فتمزقت الدولة العباسية إلى دويلات، ولم يعد الخليفة يملك سوى اسمه في معظم الأحيان، وقد حكم بنو بويه العراق وجنوبي فارس حيث عاش أبو حيان التوحيدي.

إن هذا الاضطراب السياسي لا يعني تردياً ثقافياً، فقد بلغت الحضارة الإسلامية أوج ازدهارها الثقافي في القرن الرابع الهجري، وعلى الرغم من أن بني بويه من الفرس، فإن أعجميتهم لم تَحُلْ دون تشجيع الثقافة العربية، فقد كانوا يختارون وزراءهم لمقدرتهم الإدارية والبلاغية معا [٢] كابن العميد والصاحب بن عباد… الخ، فإذا لم يكن أديباً فقد كان من مشجعي الأدب والفكر، ولو تأملنا مجلس الوزير (أبي عبد الله العارض ابن سعدان) الذي صحبه أبو حيان في ليالي كتابه (الإمتاع والمؤانسة) لوجدناه يشمل تنوعاً عرقياً ودينياً وفكرياً مدهشاً (ابن شاهويه القرمطي وبهرام المجوسي وابن مكيخيا النصراني… الخ).

وبما أن هذه الدراسة معنية بصورة الآخر لدى أبي حيان التوحيدي، أي المختلف عرقياً ودينياً وفكرياً… يحسن بنا أن نتوقف عند نسبه لنتعرف بعض معالم هذه الشخصية وموقعها من الآخر، يقول د. إبراهيم الكيلاني وهو أكثر المحققين المهتمين بتراث التوحيدي» لم يصلنا من أخباره إلا النـزر اليسير حتى إن ياقوت الحموي المعروف بسعة الاطلاع والبحث والتنقيب عجب من أن أحداً لم يذكر التوحيدي في كتاب ولا دمجه ضمن خطاب، فلم نعرف شيئاً عن أصله ونشأته ومكان ولادته، غير أن آراء المؤرخين… في هذا السبيل بدت جدّ متضاربة، فمن قائل إنه بغدادي، ومن قائل إنه شيرازي أو نيسابوري أو واسطي « [٣].

أما عبد الرحمن بدوي محقق كتاب (الإشارات الإلهية) فيرجح في مقدمته أنه من الموالي الذين اختلطت دماؤهم، وغلب عليها العرق الفارسي.

لكننا لمحنا في الليلة الأولى (في كتابه "الإمتاع والمؤانسة") قول الوزير ابن سعدان لأبي حيان ما يرجح نسبته لبغداد» تاقت نفسي إلى حضورك للمحادثة والتأنس، لأعرف منك أشياء كثيرة مختلفة تردّد في نفسي على مرّ الزمن… فأجبني عن ذلك كله باسترسال وسكون بال، بملء فيك، وجمّ خاطرك، وحاضر علمك، ودع عنك تفنّن البغداديين… « [٤].

قد تكون النسبة إلى بغداد هنا تعني انتساباً لمدينة بغداد دون أن يعني ذلك بالضرورة أن أصله عربي، وقد يكون انتساباً إلى الطريقة الفنية في الحديث والكتابة (التنميق والمجاملة والاستطراد…) لكن من المرجح أنه عاش معظم أيامه في بغداد، فقد ذكر في كتابه (مثالب الوزيرين) أنه رحل من العراق إلى بلاد الري أملا في أن يجد الحظوة عند ابن العميد (المتوفى ٣٦٠ هـ) ثم لدى الصاحب بن عباد (المتوفى سنة ٣٨٥ هـ).

لقد ضاع نسبه، وأهمل التوحيدي الحديث عنه، وهذا دليل أنه لم يكن مجال فخر، لكننا نستطيع أن نؤكد انتسابه إلى الهوية الإسلامية التي كانت اللغة العربية أحد أهم تجلياتها، وقد كان التوحيدي ابناً باراً بها.

ثقافته:

عاش أبو حيان في العراق فترة طويلة من عمره، ولاسيما في مرحلة التعلم، حيث تلقى علومه على يد علمائه الذين ينتمون إلى مذاهب دينية وفكرية مختلفة، فاستقى علوماً متعددة (أبو سعيد السيرافي الذي علمه النحو، علي بن عيسى الرماني الذي تلقى على يديه علم الكلام والمنطق، وهو أحد أئمة اللغة الأدب والمتكلمين على طريقة المعتزلة، كما درس الفقه الشافعي على أساتذة ثلاثة: القاضي أبي حامد المروروذي وأبي بكر محمد بن علي القفال بن إسماعيل الشاشي، والقاضي أبي الفرج المعافى بن زكريا النهرواني).

وقد درس التوحيدي الفلسفة والمنطق على أبي زكريا يحيى بن عدي النصراني، كما درس الحكمة والمنطق على أبي سليمان محمد بن نهرام السجستاني، وهما من تلامذة الفارابي الذي جعل الأخلاق أساساً للسلوك ونادى بنقاء النفس متأثراً بالتصوف والزهد من جهة وبفلسفة الحكيمين أفلاطون وأرسطو من جهة أخرى [٥].

إن هذا الانفتاح على الثقافات المتنوعة (دينية، فلسفية، علمية، تصوفية) بكلّ تلوناتها (العربية واليونانية والفارسية…) جعله مثقفاً موسوعياً منفتحاً على الآخر، وهو ابن ثقافة دينية تجعل المرتبة الأولى عندالله تعالى للإيمان (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ [٦] وابن ثقافة علمية تجعل العقل رائداً أساسياً للإنسان، دون نفي لقيمة الحدس والطبع.

كل ذلك أهّله لتقديم أفكار جديدة وجريئة أدت إلى اتهامه بسوء العقيدة، لكننا حين نقرأ كتابه (الإشارات الإلهية) لا نستطيع أن نقبل هذا الاتهام، إذ نلمس فيه نبرة الإيمان وحرارة التهجد.

معاناتـه

رغم هذه الثقافة الموسوعية والمقدرة الأدبية والفكرية التي تمتع بها التوحيدي، فقد عاش فقيراً لم يجد مصدر رزق له سوى الوراقة التي دعاها "حرفة الشؤم" ليس لمردودها القليل فقط، وإنما لكونها تأتي على البصر والعمر، على حد قوله، لهذا لاحقه إحساس الغبن والاضطهاد، فهو لم ينل ما يستحق من مكانة رفيعة، إذ عاش منبوذاً من كبار عصره، يغمره شعور الاغتراب!

يبدو لنا هذا الشعور كان طاغياً على تفاصيل حياته، حتى إنه يفتتح إحدى رسائله بالدعاء للغريب بالسلامة فيقول: » أطال الله بقاءكم، وأدام كرامتكم، وحرس نعمه عليكم، وحفظ مواهبه لديكم، ولا أخلاكم من عوائده الجسيمة، وفوائده الكريمة، وجعل حظ الغريب السلامة بينكم، إذا فاتته الغنيمة منكم « [٧].

اجتمعت مصائب الدنيا على التوحيدي، نغص الفقر حياته، واضطرم في أعماقه إحساس بالقلق وعدم الأمان، فامتلأت حياته غربة وخوفاً، لهذا يبدأ رسالته بدعاء، لا يمكن أن يخطر على بال إنسان آمن، إنه الدعاء لكل غريب بالسلامة قبل الغنيمة!! ومثل هذا الشعور يزيد الإنسان تعاطفاً مع الآخر وإحساساً بمعاناته وانفتاحاً عليه! ولاشك أن إحساس الغربة يتضخم بالفقر والعزلة، ولاسيما إذا كان الإنسان مثقفاً يمتلك عقلاً لا يرضيه سوى التساؤل والبحث عن الحقيقة والعدل، وبذلك عانى التوحيدي أعظم بلاء في الدنيا!

ومما زاد إحساسه بالغربة أنه عاش عمراً مديداً، فَقَدَ خلاله الكثير من الأصدقاء الذين ينتمون إلى بلدان شتى، وصفهم بـ» الغرباء والأحباء «ونجده يحدد لنا أماكنهم» فقدتهم بالعراق والحجاز والجبل والري وما إلى هذه المواضع «.

لعل طغيان الغربة عليه دفعه إلى تأليف أول كتاب في (الصداقة والصديق) في اللغة العربية، بعد أن افتقد الصديق، فرأى أن يبيّن أهمية الصديق في الحياة، لعله يجد تعويضاً نفسياً، عبر الكتابة، عن فقده في واقع الحياة، لذلك كان معنياً بتقديم المثل الأعلى، فحدّد صفاته التي تؤهله لمكانته الرفيعة في الحياة، ليحرض الناس على تجسيده في علاقاتهم الإنسانية، من أجل الارتقاء بحياتهم اليومية.

كتبه صورة لانفتاحه على الآخر

يبدو لنا أن عالم التوحيدي لا يعرف الحدود المصطنعة التي نعرفها اليوم، كما يبدو أن الثقافة الإسلامية ممثلة باللغة العربية قد ألغت الحواجز النفسية والعرقية والدينية لدى مثقف ذلك العصر، الذي بدا لنا منفتحاً على الثقافات الأخرى، ها هو ذا التوحيدي يصف لنا كتابه (البصائر والذخائر): » حوى من الذهن لواقحه، ومن العقل قرائحه، ومن العلم غنائمه… ومن التجربة أعيانها، ومن الأمم ودائعها، ومن الحكمة فرائدها، ومن الأخلاق محاسنها، ومن العرب بيانها، ومن الفرس سياستها، ومن اليونان دقائقها « [٨].

لم يكتف التوحيدي بالسماع عن شيوخه، بل لجأ إلى المطالعة والانتقاء من بطون الكتب، فبذل جهداً مخلصاً» في تنقيتها وتوخي الحق منها «وهو قبل أن يثبت الأقوال والأفكار كان يعرضها» على من يوثق بصناعته، ويرجع إلى نقده واختياره «وبذلك كان حضور الآخر في ثقافته وفي رأيه ونقده حضوراً مؤثراً، حتى ليمكننا القول إنّ اختيار التوحيدي في كتبه كان اختياراً عاما، يشاركه فيه» أهل الفضل والحكمة، وأصحاب الديانة والمروءة، ليكون ذلك كله رسالة تامة يمكن أن يستفاد منها في المعاش والمعاد «.

لعل ميزة التوحيدي هذا الاهتمام بالثقافة الفاعلة بالحياة، لهذا كان أحد أسباب تأليفه لكتبه أن يستفيد منها الناس في علاقاتهم في الدنيا ومصيرهم في الآخرة (الصداقة والصديق)، (الإمتاع والمؤانسة)، (البصائر والذخائر)، (الإشارات الإلهية).

وقد بدت لنا كتبه منفتحة في كثير من جوانبها على الحياة العامة نتيجة مخالطته لجميع أنواع الناس، فبدا كأنه واحد منهم، حتى إننا وجدنا الوزير يطلب منه في إحدى ليالي الإمتاع والمؤانسة أن يخبره بحديث العامة أثناء الأزمة الاقتصادية التي حدثت في بغداد في عهده، كما لحظنا في كتبه لغتهم بكل ما فيها من جد وهزل وإسفاف.

وهكذا قدمت لنا كتبه، كما يقول خوان أنطونيو باتشيكو بانياجوا: (سيرة ثقافية ذاتية في مستوى أنشطته المعينة، وهي عالمية تماماً على مستوى تطلعاتها ونتائجها، لذلك نجد عبر مؤلفاته التي تنضوي تحت كلمة "أدب" تاريخ الأدب، والجدل، والتصوف، ما يمكن أن ننعته بـ» الفرد العالمي «) [٩].

إن ذاتية التوحيدي لا تبدو لنا منغلقة على (الأنا) فحساسيته المرهفة وعقله المتأمل، دفعاه إلى أن يجسد معاناته وكأنها معاناة عامة، وبذلك انفتحت الكلمة لديه على آفاق إنسانية رحبة، كما انفتحت على الفلسفة والأدب، فكان فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة، كما وصفه ياقوت الحموي.

ملامح من فلسفته:

شغلت التوحيدي أسئلة الوجود، فكان دائب التساؤل والحوار مع الآخر (المعلم، الصديق، الوزير…) بحثاً عن الحقيقة، لذلك كانت معظم كتبه تقوم على الحوار والتساؤل بل نجد كتابه (الشوامل والهوامل) يقوم على تساؤلاته وأجوبة مسكويه عليها، اهتم التوحيدي بالتساؤل حول الإلهيات والطبيعيات والإنسانيات، ليعرف علة الشيء أو حكمته، لذلك يبدو تساؤله نوعاً من البحث والتحليل ومحاولة الاكتشاف، إنه تساؤل يرقى إلى مستوى الإجابة في كثير من الأحيان» وهو بذلك كله يمهد البيئة المناسبة للبحث العلمي الذي يسترشد بعلامات الاستفهام الفلسفية… [إنه بذلك يتمكن] من تحريك السكون وغربلة المتوارث، وفتح آفاق جديدة للمعرفة « [١٠].

سنحاول أن نتلمس بعض معالم فلسفته الإنسانية، لكونها على صلة وثيقة ببحثنا عن صورة الآخر، الذي هو إنسان، قد يختلف عن التوحيدي وعن ثقافته لكنه يلتقي معه في جملة مفهومات عامة، سنحاول أن نلقي عليها الضوء انطلاقاً من السؤال الفلسفي المهمّ الذي سأله التوحيدي لمسكويه عن ماهية النفس فإن الإنسان قد أشكل عليه الإنسان! فيحدّد له أهم معالمه وما يشكل هويته: العقل، فالنفس إذا عقلت العقل صارت هي هو، إذ من شأن المعقول والعاقل أن يكونا شيئاً واحداً لا فرق بينهما.

يبدو لنا أن إنشاء علاقات إنسانية متوازنة أحد أهم شواغله الفلسفية، لهذا ألف كتاباً في (الصداقة والصديق) كما سأل في كتابه (الهوامل والشوامل) - مسكويه: ما السبب في تصافي شخصين لا تشابه بينهما في الصورة (العرق) ولا تجاور بينهما في الدار (الوطن) كواحد من فرغانة وآخر من تاهرت؟

فيجيبه مسكويه: هناك سبب جوهري يتعلق بما هو أصيل وطبيعي كاتفاق النفسين بالمزاج، وهناك سبب عرضي (المودة، المنفعة، اللذة، الأمل، الصناعات، الأغراض، المذاهب والآراء، العصبيات).

يلفت النظر هذا التفريق بين السبب الجوهري لتقارب الناس الذي يعتمد الجانب النفسي (اتفاق المزاج) هو الجانب الأصيل في العلاقات الاجتماعية، في حين يعدّ الأسباب الأخرى أسباباً عرضية!! لهذا يمكن أن تنشأ صداقة بين أشخاص يختلفون في الآراء والعصبيات، فالمهم هو اتفاق المزاج، وحسن الخلق، لذلك بدا مشغولاً بما يعتري الناس من قبيح الأخلاق، فلاحظنا أنه يثير أسئلة تعين على التواصل الإنساني، وتضع يدها على معوقات هذا التواصل، فيطرح التساؤل التالي: لِمَ ذم الإنسان ما لم ينله؟ … وعلى ذلك عادى الناس ما جهلوا! لِمَ لم يحبوه ويطلبوه ويفقهوه، حتى تزول العداوة، ويحصل الشرف، ويكمل الجمال، ويحق القول بالثناء، ويصدق الخير على الحق؟ .

نجد ضمن هذا التساؤل إجابة التوحيدي التي تؤكد أن العلم هو المخلص الأساسي من القبح النفسي الذي يعتري البشر، ويسيء إلى علاقاتهم، ناشراً الشر والعداء بينهم، وهو يبيّن لنا هذه الحقيقة أيضاً على لسان مسكويه إذا أحب الإنسان نفسه أحب صورتها، والعلم صورة النفس، ويعرض من محبة صورة نفسه أن يبغض ما ليس له بصورة، فمتى حصل له علم أحبه، وإذا لم يحصل له أبغضه….

هذا ما يتعلق بأعماق الذات الإنسانية وكيفية إصلاحها بالعلم الذي هو منبع الأخلاق، لكن التوحيدي ينتبه إلى العلاقة بين البشر، فيرى ضرورة المعاونة التي هي أساس المدنية في رأيه، ومثل هذه المدنية لن تتم إلا بمعايشة الناس ومخالطتهم، وهذا يؤدي إلى لذة العمر وطيب الحياة، لذلك يدعو الإنسان إلى التسامح مع أخيه الإنسان، مستخدماً اللغة المنطقية المقنعة، لهذا يخاطب الإنسان» وأنت لم تجد من نفسك وهي أخص الأشياء بك - مساعدة لك على رضاك، ولا من أخلاط بدنك وهي أقرب الأمور إليك - موافقة لهواك، فكيف تلتمسها من غيرك « [١١].

يلفت نظرنا هذا الحوار المباشر للمتلقي، إنه يحاول أن يقنعه بضرورة تحمله لأخيه الإنسان، ويضرب له مثلاً من نفسه وبدنه كيف لا يطيعانه، لذلك يحدث صراعاً بين عقله وهواه، بل كثيراً ما يعجز الجسد عن القيام بما يناط به من أعباء! فكيف تريد من الصديق أن يكون وفق هواك دائماً؟ !!

الآخر الفارسي:

انطلق التوحيدي في تقديم صورة الفرس من ثقافته الإسلامية المنفتحة على الآخر، أي ينطلق من ثقافته المتوارثة، من أجل خدمة الإنسان، وهو بذلك يتمثل قول الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه» الحكمة ضالة المؤمن فخذ ضالتك ولو من أهل الشرك «لذلك لمسنا الكثير من الحكم الفارسية واليونانية والمسيحية والمجوسية في كتبه، فهو يبحث في حكمة الفرس عما يجعل حياة الأمة أفضل» الفرس تقول: لم يجتمع ضعفاء إلا قووا، ولم يتفرق أقوياء إلا ضعفوا حتى يخضعوا «.

كما تجعل هذه الحكم حياة الإنسان أفضل لذلك تتنوع صيغة الخطاب فيها بين الصيغة العامة التي تستخدم ضمير الجماعة، كما رأينا سابقاً، وبين الصيغة الفردية التي تخص بالخطاب الإنسان نفسه» كانت الفرس تقول: من قدر على أن يتحرّز من أربع خصال، لم يكن في تدبيره خلل: الحرص والعُجب، واتباع الهوى، والتواني «.

فنسمع صوت التوحيدي معقباً على هذه الحكمة» لقد صدقت الفرس في هذا، والأمم كلها شركاء في العقول، وإن اختلفوا في اللغات، ولا أحد قد يطمح إلى الكمال، ويطاول إلى الفضل، إلا وهو يعلم أن الحرص يسلب الحياء، والعُجب يجلب المقت، واتباع الهوى يورث الفضيحة، والتواني يكسب الندامة «.

يلفت نظرنا نسبة هذا القول الحكيم للفرس عامة، ليؤكد أن الاختلاف اللغوي لا يعني تباينا في العقول، فالشعوب جميعاً تملك الحكمة لأنها تملك العقل.

مقابل هذه الصورة العامة المستمدة من حكماء الفرس، ظفرنا بصور خاصة لرجال السلطة والعلماء الذين ينتمون في أصولهم إلى الفرس، وإن كانوا ينتمون في ثقافتهم إلى الحضارة الإسلامية، كما ظفرنا بمعايشة مظاهر الصراع والتمازج الحضاري بين العرب والفرس، كل ذلك بفضل علاقات التوحيدي الغنية والمتشعبة مع أبناء عصره، فقد كان منفتحاً على الآخر دون أن يمنعه عن ذلك الاختلاف العرقي أو الديني.

١ - رجال السلطة:

تبدو لنا السلطة آخرُ يواجه بالعداء أبا حيان التوحيدي، فقد عرفنا ثلاثة وزراء معاصرين له: المهلبيَّ الذي نفاه من العراق لسوء عقيدته، وابنَ العميد والصّاحبَ بن عباد احتقراه وعاملاه معاملة الخادم حتى إن الصاحب بن عباد يقول له حين مرّ على ديوان الوراقة الذي يعمل فيه التوحيدي، فأراد أن يقوم لتحيته، ردّه قائلا: ليس مثلك من يقوم لمثلنا!! متجاهلاً علمه وأدبه، وبذلك ناله أسوأ ما يمكن أن يناله مثقف على يد السلطة من اضطهاد معنوي ومادي، رغم أن هذه السلطة كانت، في معظمها، من فئة الأدباء، ومن المفروض أن تحتفل بالأديب وتنظر إليه على أنه قرين لها، لكنها تخالف المتوقع فتضطهد التوحيدي، ربما لأنها لا تريد لأحد أن يصل إلى مرتبتها، كما لا تريد لأحد أن يخطّئها، كما فعل التوحيدي نفسه مع ابن عباد، لذلك بالغت السلطة السياسية في إذلاله، لكن التوحيدي سيردّ الإهانة بإهانة تبقى على مرّ الأيام، فيؤلف كتاباً يدعوه (مثالب الوزيرين) لا يترك سيئة تسلب المرء الشرف إلا ويلحقها بالصاحب بن عباد وابن العميد، فهاهو ذا يخاطب الأخير قائلاً: هل عندك أيها الرجل المدعي للعقل، المفتخر بالمال والمتعاطي للحكمة إلا الحسد والنذالة؟ تزعم أنك من شيعة أفلاطون

وسقراط وأرسطوطاليس، أو كان هؤلاء يضعون الدرهم على الدرهم؟ . أو أشاروا في كتبهم بالجمع والمنع ومطالبة الضعيف والأرملة بالعسف والظلم؟ فيا مسكين استحِ فإنك لا مع الشريعة ولا مع الفلسفة وقد خسرت الدنيا والآخرة [١٢].

إنه يسلخ ابن العميد عن جميع المكارم، ولم يبقِ له إلا الحسد والنذالة، حتى النواحي العلمية والأدبية التي عرف بها لم يبق له منها إلا الجهالة والضلالة، وبذلك لا يكتفي بأن يجعله يخسر دنياه بسبب صفاته هذه، بل يتعدى ذلك إلى آخرته، لأن صفات النذالة والظلم ستجعله يخسر الدارين، كما تبطل ادعاءه بأنه فيلسوف، يسير على خطا الفلاسفة اليونانيين! الذين قرنوا حكمتهم بسلوكهم الحميد.

وقد نال الوزير ابن عباد من سهام التوحيدي أكثر من ذلك، ربما لما ناله من إهانة على يديه، فجسد لنا غروره وقد استحال إلى غباء، فيخدعه» الصبي ويخلبه الغبي، لأن المدخل عليه واسع، والمأتي سهل، وذلك بأن يقال: مولانا يتقدّم بأن أُعار شيئاً من كلامه، ورسائل منظومه ومنثوره، فما جبت الأرض إليه من فرغانة ومصر وتفليس إلا لأستفيد من كلامه وأفصح به… فسبحان من جمع العالم في واحد… فتراه عند هذا الهذر وأشباهه يتلوى ويتبسّم، ويطير فرحاً ويتقسّم… وهو في كل ذلك يتشاكل ويتحايل ويلوي شدقه، ويبتلع ريقه، ويردّ كالآخذ، ويأخذ كالممتنع، ويتمالك ويتقابل ويتمايل، ويحاكي المومسات… « [١٣]. وقد وصفه في مكان آخر بـ (المخنث الأشمط).

يبدو لنا التوحيدي مدركاً لنقاط ضعف ابن عباد، والمفاتيح التي يؤتى منها، لكنه مثقف يحترم نفسه بقدر ما يحترم كلمته، لهذا لم يمدحه متملقا، بل حاول أن يبرز سعة علمه أمامه، فكان جزاؤه الإهانة والإهمال!! وهو هنا لا يكتفي بأن يصفه بخفة العقل كالصبي، بل نجده ينـزع عنه أية صفة محتملة للرجولة، فيصف له صورة هزلية (كاريكاتورية) تضعه في خانة المرأة المومس!! وهذه أفظع إهانة يمكن أن تلحق برجل باعتقادنا!

إن ما يلفت النظر إحساس التوحيدي أنه قد جانب الموضوعية في حديثه عن مثالب الوزيرين، وهو يتحدث بصراحة عن هذا الأمر، لذلك يبيّن لنا سبب تجنيه» إني رجل مظلوم من جهة، وعاتب على معاملتي، وشديد الغيظ لحرماني… فلو كنت معتدل الحال بين الرضا والغضب، أو عارياً جملة، كان الوصف أصدق والصدق به أخلق… «.

وقد كان مدركاً لسطوة السلطة الحاكمة، لذلك لم يحرر الكتاب وينشره على الملأ إلا بعد وفاة ابن عباد» فإن جانبه مهيب، ومكره دبيب… «.

رغم ذلك لم يتخلَّ التوحيدي عن موضوعية رجل العلم بشكل كامل، لذلك نجده يتحدث عن بعض الإيجابيات التي لمسها لدى ابن عباد، فنجده يقول مثلاً: » إن الرجل كثير المحفوظ حاضر الجواب فصيح اللسان، قد نتف من كل أدب خفيف أشياء، وأخذ من كل فن أطرافاً… وهو حسن القيام بالعروض والقوافي… «.

وقد وجدنا التوحيدي محقاً في بعض نقده، خاصة حين نقد تكلف ابن عباد اللغوي، الذي يبعد أسلوبه عن القلب، ويغرقه بالسماجة! وقد أورد التوحيدي نقده الأسلوبي على لسان (فيروزان المجوسي) بعد أن سمع ابن عباد يقول له: » إنما أنت مخش مجش محش، لا تهش ولا تبش ولا تمتش، فقال له فيروزان… كلّمنا بما نعقل على العادة التي يمليها العمل، والله ما هذا من لغة آبائك الفرس، ولا لغة أهل دينك من هذا السواد، فقد خالطنا الناس فما سمعنا منهم هذا النمط، وإني أظن لو دعوت الله بهذا الكلام لما أجابك! « [١٤].

إنّ الاستهجان اللغوي لا يأتي على لسان عالم لغوي كأبي حيان، وإنما على لسان إنسان مجوسي، لا باع له في اللغة والفصاحة، ومع ذلك يستغرب هذا النمط من الكلام، فيسخر من قائله، لأنه يتكلم لغة لا هوية لها، وتصل السخرية ذروتها حين يبيّن أن ابن عباد لو دعا ربه بمثل هذه اللغة الهجينة لما استجاب له!!.

إذا استخدم الوزير لغة لا تنتمي إلى اللغة المتوارثة عن الأجداد، كما لاتنتمي إلى لغة الدين الإسلامي، اللافت للنظر هنا، استخدامه لغة» أهل دينك «، إذ يبدو الدين وقد أصبح نسباً يربط بين الناس جميعاً، وقد تجلى هذا النسب باللغة العربية البعيدة عن التكلف.

ومع أن الوزيرين المهجوين من فارس، لكننا لم نلاحظ أن التوحيدي عاب عليهما هذه النسبة، فلم يرد هذا الأمر، إلا في معرض الهجوم على الأسلوب الذي لم يكن أسلوباً فارسياً ولا عربياً! وبالتالي فإن ذكر الأسلوب الفارسي هنا لم يحمل أية دلالة سلبية.

كذلك لم يبدُ لنا التوحيدي منتصراً للعروبة ضد فارسية الوزيرين، فقد كان من مؤيدي الأسلوب البعيد عن التكلف، والقريب من القلب، وإن كنا قد لمحنا في (مثالب الوزيرين) أنه حين كان يتحدث عن أخلاق ابن العميد، كان يصفه بأنه يخفي في قلبه "بغض العرب والأكلة" لأنه كان بخيلاً!

من هنا نستطيع أن نلمح أن بغض العرب، في زمن التوحيدي، كان من مثالب الأخلاق كالبخل تماماً، وقد لاحظنا التزام التوحيدي الحياد بعد أن ذكر هذه المثلبة، فلم نجده يعلق على ذلك، لا ندري ربما لأن الحكام في تلك الفترة كانوا من غير العرب، لكنهم مازالوا يقيمون للعرب بعض الوزن، والدليل أنهم حافظوا على الخلافة العباسية رغم ضعفها؟ .

إذاً من المستبعد أن يكون التوحيدي قد هاجمهما لكونهما فارسيين، ومما يؤكد ذلك أنه مدح الوزير البويهي الآخر (ابن سعدان) الذي أكرمه، ومنحه المكانة التي يستحقها، بل جعله نداً له، لذلك لا يجد حرجا من أن يشترط على هذا الوزير كي يبدأ مؤانسته بحديثه أن يؤذن له في كاف الخطاب، وتاء المواجهة، حتى يتخلص من مزاحمة الكناية ومضايقة التعريض، ويركب جدد القول من غير تقية ولا تحاش ولا محاوبة (مواربة) ولا انحياش (انقباض) فالكلفة في الخطاب وتفخيم المخاطب ترهق نفس المتكلم وتذكر العالم التوحيدي بأنه دون محدثه الوزير.

وقد سمح له الوزير قائلاً: » إن الله تعالى على علو شأنه، وبسطه ملكه، وقدرته على جميع خلقه - يواجه بالتاء والكاف… وكذلك رسوله (ص)، والأنبياء قبله (ع)، وأصحابه (رض)، والتابعون لهم رحمة الله عليهم، وهكذا الخلفاء، فقد كان يقال للخليفة: يا أمير المؤمنين أعزك الله، ويا أمير المؤمنين أصلحك الله…. وما عاب هذا أحد، وما أنف منه حسيب ولا نسيب…. وإني أعجب من قوم يرغبون عن هذا وشبهه، ويحتسبون أن في ذلك ضعة أو نقيصة…. وأظن ذلك لعجزهم وفسولتهم « [١٥].

لاحظنا لدى التوحيدي كبرياء المثقف، الذي يطمح لجعل نفسه مساوياً لأصحاب السلطة، على الرغم من مخالطته للعامة وحبه للغرباء، وما رأيناه من استجداء لقوت يومه!!

كما يتراءى لنا سبب إعجابه بالوزير (ابن سعدان) أنه يجمع إلى تواضعه تمسكه بروح الدين الإسلامي، فيتخذ من إيمانه بالله ورسوله هادياً له في الحياة، كما يتخذ من الخلفاء الراشدين قدوة له في تعاملهم مع الناس، فتلغي الروح الإسلامية السمحة الفارق بين الحاكم والمحكوم.

هذه الصورة المشرقة التي رسمها التوحيدي لمعاصره من الوزراء (ابن سعدان) سنجده يرسمها أيضاً لوزراء عاشوا في عصور عباسية سابقة، كالوزير (خالد بن برمك) الذي يصفه بأروع الصفات» ما رأيت مثل خالد بن برمك، بلاغته أعرابية، وطاعته أعجمية، وآدابه عراقية، وفصاحته شامية… « [١٦].

أما ابنه يحيى بن برمك الذي تسلم مقاليد الأمور زمن هارون الرشيد فقد وصفه التوحيدي (في الصداقة والصديق) على لسان (ثعلب) أيضاً بصفات نادرة حتى كان في عداوته أنفع لعدوه من صداقة غيره لصديقه.

يبدو لنا إعجاب التوحيدي بآل برمك كان كبيراً، لكنه لم يصرح به مباشرة، فقد كان يأتي بأخبارهم عبر إسناد لا ندري إن كان وهمياً أم أنه يستند إلى ذوي العلم والأدب، يقول مثلاً: » حدثني كرامة قال: قدم علينا رجل من ولد معدان بن عبد المغني، وكان شاعراً قد نال من البرامكة، فقلنا له: كيف تركت آل برمك؟ قال تركتهم وقد أنست بهم النعمة حتى كأنها منهم أو بعضهم «.

ولو عدنا أكثر إلى الوراء، إلى زمن العداء بين الإسلام والفرس في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، لوجدنا التوحيدي يحدثنا عن ذكاء القائد الفارسي (الهرمزان) الذي هزم في معركة القادسية، وحين أراد الخليفة قتله استسقى ماء، فأتي به، فأمسك القدح في يده واضطرب، فقال له عمر: لا بأس عليك، إني غير قاتلك حتى تشربه، فألقى القدح من يده، وأمر عمر بقتله، قال: أو لم تؤمني؟ قال: كيف أمنتك؟ قالت: قلت لابأس عليك حتىتشربه، فقولك: لابأس أمان، ولم أشربه، فقال الزبير وأنس وأبو سعيد الخدري: صدق يا أمير المؤمنين، فقال عمر: قاتلك الله، أخذت أماناً ولم أشعر! [١٧].

ينتهز القائد الفارسي الرغبة الأخيرة المتاحة له قبل الموت (طلب قدح الماء) ليجعلها سبباً في حياته، يوحي للآخرين بخوفه، وهو يمسك القدح، فيهدئ الخليفة من روعه، ويعطيه الأمان حتى يشرب الماء، فيرمي القدح، ليكسب الأمان الذي أعطي له!! وبذلك يسعفه ذكاؤه بإنقاذ حياته، كما تسعفه نزاهة المسلمين الذين يقفون إلى جانبه في تفسير قول الخليفة وجعله أمانا له، والأهم من ذلك سعة صدر الخليفة المسلم الذي يحترم كلمته حتى مع عدوه الذي قاتل المسلمين!!

في مقابل الخليفة المتسامح أظهر التوحيدي ملك الفرس (أنو شروان) حكيماً متسامحاً، فقد رفع له أن النصارى الذين يحضرون ببابه، يعيبونه ويتهمونه بالتجسس، فقال: » من لم يظهر ذنبه لم تظهر منا عقوبة له «.

إن الملك لا يأخذ الناس بالشبهات، ولا يسمع للنمّامين، إنه يعامل الناس معاملة واحدة ولو كانوا مخالفين له في الدين، يضمرون العداء، يعاملهم على ما يظهرون لا على ما يبطنون.

تتضح هذه المعاملة الراقية التي تقترب من روح الإسلام المتسامحة، التي تجعل قيمة الإنسان في عمله لا في نسبه، فقد أنّبت العامة الملك الفارسي لتقديمه أحد الناس، رغم أنه لا شرف له أصيل ولا نسب، فيقول لهم: » اصطناعنا له لا لنسبه « [١٨].

تبلغ هذه المعاملة أقصى مدى من التسامح، حين نجد الملك (أنوشروان) يتستّر على رجل سرق جام ذهب في مجلسه، وحين تفقّده صاحب الشراب، ولم يجده قال: لا يخرجن أحد حتى يفتش، فقال أنو شروان: لا تعرضوا لأحد، فقد أخذه من لا يرده، ورآه من لا ينمّ عليه.

يبدو لنا أن حكمة هذا الملك وأقواله شكلت جزءا من الثقافة الإسلامية، إلى درجة باتت تظهر في رسائل الأدباء، وقد وجدنا التوحيدي يورد في (الصداقة والصديق) رسالة للحسن بن مسلم إلى صديقه الذي عاتبه لابتعاده عنه، فنجده يقول» غير أني أحيا بالتذكر والرجاء مدى النأي إلى اللقاء، وأجد عقلي بما أفدت منك متقوّتا زمناً طويلاً، كقول أنو شروان: قوت العقول الحكم، وقوت الأجساد المطعم « [١٩].

كذلك ترددت أقوال الوزير الحكيم (بزرجمهر) في كتابات التوحيدي، وسنلاحظ أنه لجأ إلى ذكر الكثير من الحكم التي تتعلق بالعلاقات بين الناس، ولاسيما أنه عانى من توتر العلاقة بينه وبين الآخرين، فنجده يركز على ما يداوي جراحه، فيبين لأصحاب السلطة، على لسان الوزير الحكيم، كيف يتعاملون مع الناس حسب مستواهم الثقافي ووعيهم» عاملوا أحرار الناس بمحض المودة، والعامة بالرغبة والرهبة، وسوسوا السفلة بالمحاور (الخشبة) صراحاً «.

افتقد التوحيدي معاملة الأحرار، وعومل معاملة الخدم والعبيد، لذلك وجدناه ينتقي من الحكم ما ينتصف له، أو ما يعزيه، لنتأمل هذا القول لبزرجمهر» مما يدل على أن القدر حقّ تأتي الأمور لأهل الجهل، وتحرّفها عن العلماء مع علمهم « [٢٠].

ونظراً لأهمية أقواله وحكمه أحاط بها المعجبون الذين استكثر بعضهم أن تنسب لبزرجمهر، فأخذوا ينسبونها لمن يستحقها، يقول التوحيدي» حدثني ثقة أنه رأى رجلاً من أصحاب الإمامية، يضع على حكم بزرجمهر أسانيد أهل البيت رضوان الله عليهم، فقيل له: ما هذا؟ فقال: ألحق الحكمة بأهلها! « [٢١].

إن هذا الانتحال ينتج عن التعصب لآل البيت الذين يجب أن يقولوا أو يقوّلوا أشرف الكلام بما أنهم أشرف الناس!! كما أن هذا السطو مصدره الإعجاب بأقوال بزرجمهر التي تبلغ المثل الأعلى في الحكمة، فرأى أولئك المتعصبون لآل البيت أن يلحقوها بمن يعدونهم المثل الأعلى لهم! فهم يضنون على الآخرين أن يقولوا الحكمة، إذ يجب أن تكون خالصة لآل البيت! مثل هذا الانحراف لم يقبله التوحيدي، ففضح من يقوم به.

٢ - علماء من فارس:

قدم لنا التوحيدي في كتبه النشاط العلمي الذي كان منتعشا في القرن الرابع الهجري، ولا أدري إن كان يصح لنا استخدام مصطلح (علماء فارسيون) في الحضارة الإسلامية التي اتخذت العربية لغة الإبداع، ولو تأملنا العلماء الذين أبدعوا في علوم اللغة العربية لوجدنا معظمهم ينتسب إليها بالثقافة لا بالدم، لذلك من الأفضل أن نطلق عليهم لقب علماء مسلمين.

يبدو لنا أن هؤلاء العلماء كانوا معتزين بأنسابهم، وقد أورد التوحيدي، في مقدمة الجزء الثاني من المجلد الثاني، قول أحمد بن الطيب السرخسي، الذي ينتمي إلى نواحي خراسان، وكان تلميذاً للكندي، ومولى للخليقة المعتضد لا يحب أن يخطئ أحد اسمه واسم أبيه (أحمد بن الطيب)، وولاءه، والبلد الذي فيه مولده ومولد أبيه، ثم بعد ذلك قيمته ومقداره من العلم…» وفي الوقت نفسه نجد هؤلاء العلماء يحبون اللغة العربية حتى إن البيروني نجده يقول» أن أُهْجَى بالعربية أحب إلي من أن أُمْدَحَ بالفارسية «.

وقد كان معظم العلماء الذين تلقى التوحيدي علومه على أيديهم من أمثال هؤلاء، ولعل أهم شيوخه هو (أبو سليمان السجستاني) الذي يصفه في كتبه بأروع الصفات، وهو حين يقارنه بعلماء زمانه نجده يقول: » أدقهم نظراً وأقعرهم غوصاً، وأصفاهم فكراً، وأظفرهم بالدرر، وأوقفهم على الغرر، مع تقطع في العبارة، ولكنة ناشئة عن العجمة، وقلة نظر في الكتب، وفرط استبداد في الخاطر، وحسن استنباط للعويص، وجرأة على تفسير الرمز… « [٢٢].

تبدو لنا الحاسة النقدية، لدى التوحيدي، دائمة الحضور، وهو رغم إعجابه بشيخه إلا أنه لا يغفل نقده، فيبين محاسنه ومساوئه، لكن اللافت للنظر، هنا، نقد لهجة أستاذه ولكنته وأسلوبه، صحيح أنه من أفضل العلماء وأعمقهم، غير أنه لا ينطلق بالحديث بسبب لكنته الأعجمية، التي يرى أن أسبابها ليس الأصل الأعجمي فقط وإنما قلة قراءة الكتب!!

يبدو لنا التوحيدي يقدر أخذ العلم بالسماع كما يقدر أخذه بالنظر (المطالعة) لأن ذلك يتيح للمتعلم أن يتلقى علومه من المعاصرين عن طريق السماع، ومن السابقين له عن طريق النظر (القراءة) لذلك نسمعه يمتدح كتاب (أبي زيد البلخي) فيقول» لم أر في القرآن كتاباً أبعد مرمى، ولا أشرف معان من كتاب لأبي زيد البلخي، وكان فاضلاً يذهب رأي الفلاسفة، ولكنه تكلم في القرآن بكلام دقيق لطيف، وأخرج سرائر ودقائق وسماه (نظم القرآن) … ويقال له "جاحظ خراسان" «.

لنلاحظ التمازج الثقافي بين البلاد الإسلامية، فعندما ينبغ عالم في خراسان يقرن اسمه بعالم نبغ في بغداد في زمن مضى هو الجاحظ! حتى عناوين الكتب نجدها متشابهة، يقال إن للجاحظ كتاباً في نظم القرآن مازال مفقودا!

سنجد أن علاقة التوحيدي بأبي سعيد السيرافي علاقة نادرة تجتمع فيها الصداقة بالعلم، منحه أروع الصفات العلمية والإنسانية» عالم العالم، وشيخ الدنيا، ومقنع أهل الأرض «، لذلك يصف علاقته به قائلاً: » وأما سيدي أبو سعيد (السيرافي) فوالله إني لأجد به وجداً أتهم به نفسي، …. وإني أرى حديثه آنق من المنى إذا أدركت، ومن الدنيا إذا ملكت، وإن تمازجنا بالعقل، والروح، والرأي، والتدبير، والنظر، والإرادة، ، والاختيار، ، والعادة ليزيد على حال توأمين تراكضا في رحم، وتراضعا من ثدي، ونوغيا في مهد، وما أخوفني أن يؤتى من جهتي، أو أوتى من جهته، وإن عاقبته موصولة بعاقبتي، لأني مأمنه هومأمني، وماأكثر مايؤتى الإنسان من مأمنه «.

إننا أمام تلميذ يجل أستاذه ويحبه أعظم الحب، يرى حديثه أجمل ما في الدنيا، كما أننا أمام صديق يمتزج روحياً وعقلياً مع صديقه، يبلغ هذا التمازج أقصاه حين يشبه علاقته به بعلاقة التوأم بأخيه، فيجعلها أقوى من رابطة الدم في أنصع تجلياتها (التوأمة).

ولعل أروع مظهر لهذه الصداقة هو تلك اللغة المبدعة التي توحي لنا باستثنائية العلاقة بينهما، خاصة حين يدعو صديقه بـالمأمن، نلمح في هذا المقطع قلق التوحيدي على هذه العلاقة، وخوفه من تدميرها على يد الآخرين.

وقد كان معظم علماء عصره أصدقاء له، حتى إننا وجدنا لديه ظاهرة التأليف المشترك التي مازلنا نفتقدها إلى اليوم، فقد كان كتابه (الهوامل والشوامل) نتيجة جهد مشترك بينه وبين مسكويه، وقد بناه على شكل أسئلة يطرحها التوحيدي عليه، لكن هذه الأسئلة لم تكن تصدر من تلميذ إلى أستاذه، إذ بدت لنا أشبه بحوار الند للند، وهو رغم إعجابه بمسكويه لم يغفل عما يعيب العالم فيه، فيقول: » أكره له المشاغبة في كل ما يجري، لا يجد في نفسه من المكانة والقرار ما يعلم معه أن مضاءه في فن آخر هو فيه قصير الباع، بليد الطباع، وصاحب هذا المذهب ممكور به، مصاب بجيد رأيه، وقد أفسده قال المهلب… قال ابن العميد… وما ذكره لهذين إلا استطالة على الحاضرين، والتشيع بذكر الرجال واضع من قدر الرجال « [٢٣].

ينتقد مسكويه لمحاولته ادعاء العلم في كل شيء، لأن ذلك يفضي به إلى عدم الدقة في القول، ومما يفسد آراءه أيضاً محاولته الاستناد على أقوال ذوي السلطة (المهلب، ابن العميد…) يريد بذلك أن يمنح آراءه قوة خارجة عن سياقها، فيمارس نوعاً من الإرهاب الفكري على السامع، وهذا مما يسيء إلى شخصية العالم ويزري بها! لأن المرجع الأساسي للعالم المعرفة والتعلم لا أقوال ذوي السلطة ولو كانوا من الأدباء!

يبدو لنا التوحيدي مهتماً بالجانب الخلقي للعلماء، فها هو ذا يصف ابن شاهويه» ليس هناك كفاية ولا صيانة ولا ديانة ولا مروءة، فهو مشؤوم نكد، ثقيل الروح، شديد البهت «أي الكذب.

نلاحظ أنه يشترط أن يكون العالم، إلى جانب كونه أخلاقيا، خفيف الروح، حتى إننا نجده يصف أبا بكر القومسي الفيلسوف» وهو بجهله مع خفة روحه، وقبح وجهه أدخل في العين، وألصق بالقلب من غيره مع علمه، وثقل روحه، وحسن ظاهره «فهو ينتبه إلى قضية الحضور الجذاب للعالم، لأنه بمثل هذا الحضور يستطيع أن يؤثر في المتلقي بشكل أقوى، فقد كان العالم المدرس هو وسيلة العلم الأساسية في ذلك العصر.

ثمة بعض التناقض في وصفه لبعض رجالات عصره، فإذا كان قد وصف القومسي في (الصداقة والصديق) بالجهل فإنه يصفه في (الإمتاع والمؤانسة) بـ» حسن البلاغة، حلو الكناية، كثير الفقر العجيبة، جمّاعة للكتب الغربية، محمود العناية في التصحيح والإصلاح والقراءة، كثير التردد في الدراسة، إلا أنه غير نصيح في الحكمة، لأن قريحته ترابية « [٢٤].

لعل المقصود بصفة الجهل التي أطلقها التوحيدي على القومسي أنها مرادفة لعدم الابتكار، ومحدودية أفقه، إذ يهمه الجمع والتصحيح وتكرار أقوال الآخرين، وبذلك تنتفي صفة التناقض لدى التوحيدي.

لم تقتصر هذه الصورة الحية والراقية لعلماء ذلك العصر الذين ينتمون للفرس، بل نجد هذه الصورة تشمل البسطاء من الناس أيضاً، فقد حدثنا (في الليلة الثالثة من "الإمتاع والمؤانسة") عن شيخ خراساني يسوق الجمال عائداً من الحج، وشاهد الوزير ابن بقية مصلوباً على جذع، وقد صلبه الملك عضد الدولة، فقال: لاإله إلا الله، ما أعجب أمور الدنيا وما أقل المفكّر في عِبرها وغِيرها، عضد الدولة تحت الأرض وعدوّه فوق الأرض! وبفضل كلمات هذا الشيخ الحكيم تمّ دفنه!

٣ – التعالي العنصري لدى العرب والفرس:

كانت الدعوة الإسلامية إلى المساواة هي الحالة العامة السائدة نظرياً وعملياً بين العرب والإيرانيين، لكن الساحة لم تخل من مظاهر صراع كانت وراءه مصالح سياسية، وضعف في العقيدة الدينية.

وقد لمسنا توتر العلاقة العربية الفارسية أحياناً منذ العصر الأموي، واستمر في العصر العباسي، وقد لاحظنا تجلياته لدى الجاحظ في مواجهته الحركة الشعوبية في كتابه (البيان والتبيين) لكننا لاحظنا مدى انفتاح الجاحظ وتمثله الفكر الإسلامي، حين قام بتصوير الفرس بطريقة موضوعية في كتابه (البخلاء) سيتابع تلميذه التوحيدي خطا أستاذه الذي يكنّ له كل إعجاب، فيتتبع تمثله للروح الإسلامية بكل انفتاحها على الآخر، كما سنجد لديه نوادر البخلاء، وإن كانت بنسبة أقل، وسيركز الضوء على أهل "مرو" كما فعل الجاحظ» حكى لنا ابن أسادة قال: كان عندنا رجل أعمى يطوف ويسأل، فأعطاه مرة إنسان رغيفاً، فدعا له، وقال: أحسن الله إليك، وبارك عليك… وردّ غربتك، فقال له الرجل: لِمَ ذكرت الغربة في دعائك، وما علمك بالغربة؟ فقال: الآن لي ههنا عشرون سنة ما ناولني أحد رغيفاً صحيحاً «.

فهو يمدح كرم الرجل الغريب، ويذم بخل أهل المدينة الذين لا يتصدقون على الفقير برغيف كامل، يؤكد التوحيدي هذه الصفة على لسان أستاذه أبي سليمان السجستاني» كنا نحفظ ونحن صغار: احذروا حقد أهل سجستان، وحسد أهل هراة، وبخل أهل مرو «

يدهشنا هنا تلك المقدرة في الانفتاح على الذات، والجرأة على إعلان عيوبها، فالعالِم الذي ينتمي إلى (سجستان) لا يخجل من أن يحذرنا من حقد أهل مدينته، أو مساوئ المدن الأعجمية الأخرى.

نقل لنا في كتابه (الإمتاع والمؤانسة) أشد لحظات الصراع الفارسي العربي أثناء الفتوحات، فنسمع الحوار الذي دار (عن طريق الرسائل) بين سعد بن أبي وقاص ورستم صاحب الأعاجم الذي يهاجم به العرب المسلمين، ويرد على قول ابن وقاص» إسلامكم أحب إلينا من غنائمكم، وقتالكم أحب إلينا من صلحكم «، قائلاً: » أنتم كالذباب إذ نظر إلى العسل، فقال من يوصلني إليه بدرهمين، فإذا نشب فيه، قال من يخرجني منه بأربعة، وأنت طامع والطمع سيردّك… «.

هنا ينقل لنا وجهة نظر الفرس الذين قاتلوا المسلمين التي ترى أن الجانب المادي لا الروحي كانت من أسباب الفتوحات الإسلامية، وبذلك تم تقديم وجهة النظر المناقضة التي تسيء للمسلمين دون أي حرج، بل ينقل لنا عنجهية رستم واحتقاره للعرب وتشبيهه العرب بالذباب.

استطاع أبو حيان، في الإمتاع والمؤانسة، أن يسجل لنا نبض الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في عصره أي في القرن الرابع الهجري، فتعرّفنا على مظاهر الوفاق بين العرب والفرس، ومظاهر الصراع بينهما، وكيف اتسم بالتوتر والبغضاء أحياناً، فبدأنا نلاحظ وجود كتب في ذم العرب وسبّهم (كتاب الجيهاني) كما يروي التوحيدي في كتابه (الإمتاع والمؤانسة) كذلك نجد أن هذا الموضوع بات من الموضوعات الحيوية التي تستحق النقاش في مجلس الوزير، ففي الليلة السادسة يسأله ابن سعدان التوحيدي» أتفضل العرب على العجم أم العجم على العرب؟ «فيأتي جوابه، بشكل دبلوماسي، على لسان الأديب (ابن المقفع) في تفضيل العرب، لأنهم» أعقل الأمم لصحة الفطرة واعتدال البنية وصواب الفكر وذكاء الفهم «في حين وجدناه يصف الفرس على لسانه» قوم عُلموا فتعلموا، ومثّل لهم فامتثلوا… ليس لهم استنباط ولا استخراج «.

يتظاهر أبو حيان بالموضوعية لذلك يرفض في البداية أن يجيب صراحة عن سؤال الوزير (الفارسي) فيتوارى عبر خطاب ماكر، خلف ابن المقفع الذي يصفه قائلاً: هو أصيل في الفرس عريق في العجم، مفضّل بين أهل الفضل، وبذلك يوهم المتلقي بحياديته في البداية، لكنه بعد ذلك يتعجب من صنيع (الجيهاني) وهو وزير للسامانيين، يظهر الإسلام ويبطن الكفر، الذي ألف كتاباً يسب فيه العرب ويفضح مساوئهم، فهم» يأكلون اليرابيع والضباب والجرذان، ويتعاورون ويتساورون، ويتهاجون، ويتفاحشون، كأنهم قد سلخوا من فضائل البشر، ولبسوا أهب الخنازير… لهذا كان كسرى يسمي ملك العرب "سكان شاه" أي ملك الكلاب «، فيرد عليه أبو حيان مدافعاً: » أتراه لا يعلم لو نزل ذلك القفر وتلك الجزيرة كل كسرى كان في الفرس، وكل قيصر كان في الروم… ما كانوا يعدون هذه الأحوال لأن من جاع أكل ما وجد… حباً بالحياة… «، فالطبيعة القاسية أجبرت العرب على مثل هذا الطعام ومثل هذه التصرفات التي تقوم على الصراع فيما بينهم، كل ذلك من أجل الحفاظ على الحياة، وهذه حالة إنسانية عامة لا تخص العرب وحدهم، بل من الممكن أن يعيشها أرقى الناس، لو عاشوا مثل هذه الظروف القاسية.

لكن التوحيدي يبيّن لنا أن العرب حين تجود الطبيعة عليهم» تنافسوا في أفعال المعروف «وهم حين ظهرت النبوة بينهم» تحولت محاسن الأمم إليهم، وكيف وقعت فضائل الأجيال عليهم «.

لا يكتفي التوحيدي برده هذا، وإنما نجده يتابع الجيهاني في أفكاره ليبيّن انحرافها عن الصواب، فيعلق على قوله: » مما يدل على شرفنا وتقدمنا وعزنا وعلو مكانتنا، أن الله أفاض علينا النعم وبوّأنا الجنان والأرياف… ولم يفعل ذلك بالعرب، بل أشقاهم وعذبهم في جزيرة حرجة… «، فيجيبه التوحيدي راداً الأمور إلى حقائق كونية مبيناً أن قيمة الإنسان لا تكون بالمكان الذي يسكنه: » ألا يعلم أن المدار على العقل الذي من حرمه فهو أنقص من كل فقير، وعلى الدين الذي من عري منه فهو أسوأ حالاً من كل موسر، ونعمة الله على ضربين: أحد الضربين عمّ به عباده، وغمر بفضله خليقته، بدءاً بلا استحقاق، وذلك أنه خلق ورزق… وهذا هو العدل المخلوط بالإحسان… والضرب الثاني: هو الذي يستحق بالعمل والاجتهاد والسعي والارتياد، ليكون جزاء وثواباً، ولهذا حرم العاصي المخالف وأنال الطائع الموافق، فقد بان الآن أن المدار ليس بالجنان والترفّه، ولا بالذهب ولا بالوبر والمدر… «.

يبين خلل المنطق الذي اعتمده الجيهاني الذي يشبه منطق (البصير أشرف من الأعمى والغني أفضل من الفقير) ثم يبرز له حقيقة قد غابت عن ذهنه، خاصة أنه متهم في دينه، إنها حقيقة الدين الإسلامي الذي يقوم على العدل، لذلك لن يكون فيها مقياس تفوق إنسان على إنسان أو قيمته بما هو خارج إرادته كامن في الطبيعة، بل ما يستطيع أن يقدمه للآخرين منطلقاً من الإيمان والعمل الصالح اللذين هما أساس العقيدة الإسلامية، هنا يلاحظ أن الهجوم على العرب كان يتم من قبل أولئك الذين يطعن في دينهم، غير متعمقين في الإسلام.

وقد وجدناه يرد على الجيهاني الذي يتهم العرب بالأمية والجهل، فهم لا يملكون (كتاب إقليدس ولا المجسطي ولا الموسيقى ولا كتاب الفلاحة، ولا الطب…)، فنجد التوحيدي يتساءل: أليست هذه الكتب لليونان لا يمكن أن يدّعيها للفرس، ولو فعل ذلك لجوبه بالمكروه وقوبل بالقذع.

وبذلك قارع التوحيدي حجج الجيهاني صراحة، دون الاختباء وراء أصوات الآخرين، في دفاعه عن العرب، معتمداً المنطق الذي يقويه اعتماد الشريعة الإسلامية المرجع الأساسي والحكم الفصل بينه وبين محاوره، إننا أمام حوار مع الآخر المخالف في الرأي يتسم بالموضوعية وباحترام عقل الآخر، لكن التوحيدي قد ينحرف عن هذا الأسلوب الراقي في الحوار، عندئذ يبدو لنا حذراً، يخفي صوته الخاص، إذ ينسب أقواله للآخرين، ولاسيما حين يمدح العرب أو حين يذم الفرس بكلام يتجاوز فيه حدود الموضوعية، كقوله مختتماً ليلته وحواره» قال أبو حامد: ما ظنك بقوم يجهلون آثار الطبيعة، وأسرار الشريعة؟ ما أذلهم الله باطلاً، ولا سلبهم ملكهم ظالماً، ولا ضربهم بالخزي والمهانة إلا جزاء على سيرتهم القبيحة، وكذبهم على الله بالجرأة والمكابرة، وما الله بظلام للعبيد «.

في الحقيقة قلما نجد لدى التوحيدي مثل هذه اللغة المتجنية التي تنأى عن الموضوعية، وتسلخ الآخر من جميع الفضائل، حتى إنها تمنع عنه رحمة الله في الدنيا وفي الآخرة! لعل مردّ هذه اللغة استفزاز الآخر (الجيهاني) للتوحيدي، ولاشك أن التعصب يولد تعصباً، لذلك نسمع التوحيدي يخاطبه» فليستحِ الجيهاني… من القذع والسّفه اللذين حشا بهما كتابه، وليرفع نفسه عما يشين العقل، ولا تقبله حكام العدل، وصاحب العلم الرصين، ولا يسلط خصمه على عرضه بلسانه، ولا يستدعي مرّ الجواب بتعرضه… فإن العصبية في الحق ربما خذلت صاحبها وأسلمته وربما أبدت عورته، واجتلبت مساءته، فكيف إذا كانت في الباطل، ونعوذ بالله أن تكون لفضل أمة من الأمم جاحدين، كما نعوذ به أن نكون بنقص أمة من الأمم جاهلين، فإن جاحد الحق يدل على مهانة، وجاهل النقص يدل من نفسه على قصور «.

نعايش هنا روح الثقافة الإسلامية التي ترى في السفه والقذع أثناء الحوار مع الآخر المخالف إساءة إلى العقل، ونفياً للعدل وإزراء بالعالم، لأنه يحرّض الآخر على الردّ بالطريقة المقذعة نفسها، وبذلك يحدّد لنا التوحيدي مظاهر العصبية الفكرية التي تقضي على الحوار، فتهبط به من علياء الفكر، لتحوله إلى مهاترات، لذلك يبيّن لنا أن العصبية في الحق ممجوجة، تسيء لصاحبها، فكيف إذا كانت عصبية تقوم على الباطل، وهنا يلمح إلى أن عصبية الجيهاني للفرس باطلة، وينـزّه نفسه من أن يكون متعصباً مثل خصمه، إنه يحاول أن يرى الحق فيمدحه، ويرى النقص فيشير إليه، وبذلك يجسد لنا صورة العالم الحقيقي الذي يعزّ نفسه بالحق، ويبعد عنه الجهل والتقصير بالإشارة إليه.

لذلك بدا لنا أنّه قد اجتمعت لديه صفات عالم النفس وعالم الاجتماع معاً، فقد استطاع أن يوضح لنا في الليلة نفسها أن الناس في تفضيل أمة على أمة لم يصلوا إلى اتفاق لأن» الفارسي ليس في فطرته ولا عادته ولا منشئه أن يعترف بفضل العربي، ولا في حيلة العربي وديدنه أن يقرّ بفضل الفارسي… «، لكنه يقرّ حقيقة إنسانية خالدة» لكل أمة فضائل ورذائل «ولا يكتفي بهذا الكلام النظري العام، بل نجده يلجأ إلى التخصيص، فيبين فضائل كل أمة» فللفرس السياسة والآداب والحدود والرسوم، وللروم العلم والحكمة، وللهند الفكر والروية والخفة والسحر والأناة، وللترك الشجاعة والإقدام، وللزنج الصبر والكدح والفرح، وللعرب النجدة والقرى والوفاء والبلاء والجود والذمام والخطابة والبيان «.

ألا يلاحظ المرء، هنا، ميله نحو العرب، رغم السياق الموضوعي الذي يتحدث فيه عن فضائل جميع الأمم، فنجده يمنح العرب من الصفات (الإيجابية) أكثر من غيرها!.

لكنه رغم ذلك يذكرنا أن حال الأمم في تبدل حسب الفترة التاريخية التي تعيشها الأمة فـكل أمة لها زمان على ضدها… ولهذا قال مسلم صاحب الدولة، حين قيل له: أي الناس وجدتهم أشجع؟ فقال: كل قوم في إقبال دولتهم شجعان!… وهذا الاعتبار ينساق من شيء عام لجميع الأمم… كأن التوحيدي، هنا، يشير إلى ما يسمى بالحس العام واللاشعور الجمعي، الذي ينتشر بين الناس ويكوّن وجدانهم ويحفزّهم على العمل المشترك، ويمنحهم صفات متقاربة! تختلف حسب قوة الأمة وضعفها.

ثم يبين لنا حقيقة إنسانية هي أن هذه الفضائل التي تتمتع بها أمة ما» ليست لكل واحد من أفرادها، بل هي الشائعة بينها، ثم في جملتها من هو عار منها جميعها «فهو يوضح لنا أن التباين لا يكون بين الأمم فقط، بل ينسحب على الأفراد في كل أمة، وبذلك يرفض تعميم المكارم أو الرذائل على جميع الناس، ويشير إلى وجود قرابة خفية بين الأفراد من جميع الأمم الذين ينتهجون مكارم الأخلاق، كما تنشأ قرابة بين أولئك الذين يتبعون الرذائل!.

هناك ملاحظة دقيقة، يمكن أن تندرج أيضاً في علم النفس وعلم الاجتماع معاً، تشمل علاقات الإنسان الفرد بغيره من الأفراد، كما تشمل العلاقات بين الدول، إذ ينتبه إلى أن إصلاح الأمم يكون بوجود عدو رقيب، يحصي العيوب ويشيعها، فتحاول الأمة حماية نفسها وتوقي المساوئ، لذلك شاعت مآثر العرب لكونهم يعيشون في مناخ عدائي، فيلجؤون إلى» توقيهم المعاير والمعايب… ولم يخل أحد قط من ولي مؤدب، أو عدو مؤنب، أو تقريع بخطأ أو تهجين بنقص إلا من أهمل نفسه، ومن عادة الإهمال الهلاك، وقلّ من تحفظ فسلم من إضاعة، فكيف به إذا أضاع التحفظ من نفسه وأمنه من غيره «على حد قوله في (الصداقة والصديق).

فالإنسان كالأمة بحاجة إلى الإحساس بأن هناك من يترصد عيوبه (سواء أكان عدواً أم منافساً) فيحاول تجنب ما يسيء إليه، ويدفع العيب عنه، ولاشك أن العلاقة المتوترة مع الأمم الأخرى تدفع الأمة إلى إصلاح ذاتها، كي تقوى على مواجهة الآخرين، كذلك نجد أن الإنسان يحتاج إلى الإحساس بأن هناك من يراقبه (مؤدب، عدو) فيحاول أن ينأى بنفسه عن العيب.

استطاع التوحيدي أن ينقل لنا مشاهد حوارية تنقل لنا لقطات من الحياة الاجتماعية والثقافية في عصره، فنعايش فيها بعض مظاهر الصراع بين العرب والفرس، ولاسيما أولئك الذين لم يؤمنوا بالدين الإسلامي، ويدعوهم بـالثنوية ففي (الإمتاع والمؤانسة الجزء الثالث) نجد عربياً يُعيّر رجلاً من أبناء الأعاجم قائلاً: » ما يقول الشعر منكم إلا من كانت أمه زنى بها رجل منا، فنـزع إلينا، فقال له الثنوي: وكذلك كل من لم يقل الشعر منكم، فإنما زنى بأمه رجل منا، فحملت به، فنـزع إلينا ومن ثمّ لم يقل الشعر «.

ينقل لنا هذا المشهد مظاهر صراع ثقافي اجتماعي خفي بين العرب والفرس، إذ يبدو أن العربي يفخر على الفارسي بقول الشعر، وأن من يقول الشعر من الفرس فبسبب اختلاط نسبه بالعرب عن طريق الزنى، فيأتي جواب الفارسي من جنس الاتهام متميزاً بسرعة البديهة، إذ يرد على العربي انتقاصه ويطعن بشرف كل عربي لم يقل الشعر.

يلفت نظرنا أن الثنوي رغم عدم إيمانه بالإسلام إلا أن ثقافته الإسلامية، وتعمقه بالقرآن الكريم يسعفانه في الرد على العربي الذي يقول له: رأيت في النوم أني دخلت الجنة فلم أر ثنوياً، فقال له الثنوي: أصعدت الغرف؟ قال: لا، قال: » فمن ثمّ لم ترهم، هم في الغرف «وبذلك يرد على المسلم الذي يحاربه ويتباهى عليه من منطلق إسلامي، بالمفهومات الإسلامية نفسها!

رغم ما لحظناه في الليلة السادسة من دفاع التوحيدي عن العرب، فإننا نجده في كتابه (البصائر والذخائر: المجلد الثالث، الجزء الأول) قد أورد قولاً في ذم العرب، على لسان غيره، كما فعل في ذم الفرس، ففي أول كتاب إبراهيم الإمام» احذروا العرب، فإنها لم تزل مَعْنتا مذ بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم فينا «وفي كتابه (الإمتاع والمؤانسة) يتعجب من أمر العرب» تأمر بالحلم مرة، والصبر والكظم مرة، وتحثّ بعد ذلك على الانتصاف وأخذ الثأر… «لكنه سرعان ما يبين أنه ليس في جميع الأخلاق شيء واحد يحسن في كل زمان ومكان، ومع كل إنسان، بل لكل ذلك ظرف وحال.

وهكذا فإن الباحث الموضوعي يسمح بذكر الأفكار التي ربما كانت تناقض رؤيته، انتصاراً للحقيقة، وبذلك تتسع أفقه لسماع ما يناقض قناعاته دون أي حرج، والدليل إثباته في كتابه، كما يحاول جاهداً الوقوف عند المحاسن والمساوئ للأمة التي ينتمي إليها، فإذا وجدنا من يشك في هذا الانتماء، فإننا لن نجد من يشك بانتمائه الثقافي لهذه الأمة، فقد تحدث عن العرب في (المقابسات) قائلاً: » ألا ترى أن الشبع غريب عندهم، والرعب مذموم منهم؟ وهذه هي الحال التي فرقت بين الحاضرة والبادية، وقد زادتهم جزيرتهم شراً، لكنهم عوضوا الفطنة العجيبة والبيان الرائع… «.

وفي موقع آخر، من هذا الكتاب، ينتفي التمييز بين العرب والفرس، ويجعلهما أمة ذات صفات واحدة، فقد وجدناه يسأل ابن خليل» ما الأفخران؟ قال: العرب والعجم «. وبذلك يقيم تصالحاً بين القوى المتصارعة، حتى إنه في (الهوامل والشوامل) يجعل العرب والعجم في خانة واحدة ويصفهما بالصفات نفسها، فيتساءل: لِمَ اغترت العرب والعجم في مواقف الحروب وأيام الهياج؟ والاغتراء هو الانتساب إلى الآباء والأجداد وإلى أيام مشهورة، وأفعال مذكورة؟ … وقد كانت إجابة مسكويه تتسم بصيغة عامة، تشمل أي إنسان» الغضب يكون في الإنسان بالقوة إلى أن يخرجه إلى الفعل… « [٢٥].

إن هذه النظرة المنفتحة على المعرفة والإنسان تؤكد لنا أن الصراع بين العرب والفرس لم يكن صراعاً حاداً، كما قد يظنه المتعصبون من دعاة القومية، فقد كان لهؤلاء جميعاً هوية إسلامية تجمع بينهم، كما كان هناك عدو مشترك (الروم) يؤلف بين القلوب، خاصة في لحظة الخطر، وقد وجدنا التوحيدي يحدد بعض صفاته على لسان العرب في (البصائر والذخائر: المجلد الثاني، الجزء الثاني) الملامح الجسدية والنفسية لأعداء العرب» زرق العيون، سود الأكباد، صهب السبال «، وهي ملامح تنطبق، غالباً، على الروم الذين امتد عداؤهم للمسلمين منذ القرن الهجري الأول إلى عصر التوحيدي.

٤ - مظاهر التمازج الحضاري بين العرب والفرس:

يلاحظ أن التوحيدي رصد لنا بداية التمازج الحضاري، مع بداية الإسلام، فالصداقة التي جمعت سليمان الفارسي وأبا الدرداء تتيح لهذا الأخير أن يذهب لخطبة امرأة من قريش لصديقه» فذكر سليمان وسابقته في الإسلام وفضله، فقالوا: أما سليمان فما نُزوّجه، ولكن إن أردت أنت زوّجناك، فتزوجها أبو الدرداء، فلما خرج قال: يا أخي قد صنعت شيئاً وأنا أستحيي منك وأخبره، فقال سليمان: أنا أحق أن أستحيي منك أخطب امرأة كتبها الله لك «.

قد نلمح في هذه القصة بوادر تعصب (رفض القرشيين خطبة الفارسي) لكن روح الإسلام هي التي تطغى على العلاقات الاجتماعية، وتزيدها تقارباً وقوة، ويظهر لنا ذلك إيمان الفارسي بالقضاء والقدر وما كتبه الله للإنسان، لهذا يردّ اعتذار أبي الدرداء باعتذار يجسد إيمانه بالله تعالى الذي هو محور القيم الإسلامية.

استمرت هذه العلاقات الإنسانية إلى عصر التوحيدي، فقد حدثنا في كتابه (الصداقة والصديق) عن صداقات قامت رغم اختلاف البلدان والمهنة (الصداقة بين العالم أبي سليمان من سجستان وبين القاضي ابن سيّار) وعن صداقة قامت رغم اختلاف البلد والمذهب (صداقة المنصوري وابن عبدك) وحين سئل المنصوري عن أسباب هذه الصداقة، قال وجدته كما قال الشاعر:

لـه خلائـق بيـض لا يغـيّرهـا

صرف الزمان كما لا يصدأ الذهب

إن الصداقة لا تعترف بالوحدة المكانية أو الفكرية أو المهنية، فقد تنشأ بين الناس رغم اختلاف بلدانهم ومذاهبهم الدينية أو الفكرية أو أعمالهم، المهم أن يكون هناك أساس روحي يجمع الصديقين، ويتجلى هذا الأساس عبر الخلق الرفيع.

إلى جانب الروح الدينية، التي تؤسس لأخلاق رفيعة تتوحد بفضلها النفوس المؤمنة، كانت اللغة العربية أبرز مظاهر التمازج الحضاري، في القرن الرابع الهجري، بين العرب والفرس، وغيرهم من الأقوام، فقد كانت لغة عالمية، تشمل الفنون والعلوم المختلفة، لم تكن أهميتها، في ذلك العصر، تنبع من الموقع السياسي للعرب، فقد باتت مقاليد الأمور في يد الفرس، وإنما اكتسبت أهميتها من كونها لغة الدين الإسلامي، الذي أصبح يشكل هوية الشعوب سواء منها العربية أم الأعجمية.

وضع التوحيدي اللغة العربية في أرفع مكانة، فقد رآها لغة مثلى بألفاظها ومعانيها وأصواتها، وكان مأخوذا بها، إلى درجة يظن المرء المتتبع لبعض كتبه (وخاصة "البصائر والذخائر") أنه أمام عالم لغوي، أو أمام معجم متنقل للغة العربية، لذلك حين نسمع رأيه في تفضيل العربية على غيرها، لا نحس بأنه يعلن رأياً متعصباً، وإنما رأي عالم متبحر، فها هو ذا يقول في كتابه (الإمتاع والمؤانسة): » سمعنا لغات كثيرة… فما وجدنا لشيء من هذه اللغات نصوع العربية، الفرج التي في كلماتها، والفضاء الذي نجده في حروفها، والمسافة التي بين مخارجها، والمعادلة التي نذوقها في أمثلتها، والمساواة التي لا تجحد في أبنيها… «.

يلفت نظرنا صيغة الجماعة التي يتحدث بها التوحيدي بلسان علماء عصره، فمثل هذا الرأي هو رأي علمي جماعي، وهو يؤكد أن هذه المكانة اجتمعت لدى العربية لامتلاكها بعداً تقديسياً وبعداً جمالياً في الوقت نفسه» العربية عندنا أحسن الألفاظ مخارج، وأخفها على اللسان، وأوصلها إلى الآذان، وكل هذه المحاسن تابعة للشريعة التي جعلها الله تعالى تمام الشرائع، ومضافة إلى الرسول (ص) الذي ختم الله عز وجل - به الأنبياء، جعلنا الله عز وجل - من زمرته، كما جعلنا من أمته… « [٢٦] …

اكتسبت اللغة هذه المحاسن بفضل الدين الإسلامي، وبذلك نسمع، هنا، صوت الإنسان المؤمن الذي يدعو الله أن يكون يوم القيامة مع الرسول وأمته وزمرته، لا ننسى أن ترتيل القرآن بالعربية إحدى العبادات المهمة في الإسلام، وبذلك شكل الجانب الديني عاملاً أساسياً لتقديس اللغة العربية وجعلها من أجمل اللغات وأفضلها.

يحاول التوحيدي ألا يظهر لنا أنه متفرد في إعجابه بها، فقد وجدناه ينقل لنا إعجاب علماء عصره وأدبائه بهذه اللغة، الذين كان معظمهم من الفرس، ففي كتابه (المقابسات) نجده يسأل أستاذه (أبا سليمان)» فهل بلاغة أحسن من بلاغة العرب؟ «، فقال: هذا لا يبين إلا بأن نتكلم بجميع اللغات على مهارة وحذق، ثم نضع القسطاس على واحدة واحدة منها حتى نأتي على آخرها وأقصاها ثم نحكم حكماً بريئاً من الهوى والتقليد والعصبية والمين، وهذا ما لا يطمح فيه إلا ذو عاهة!! ولكن قد سمعنا لغات كثيرة من أهلها، أعني من أفاضلهم وبلغائهم، فعلى ما ظهر لنا لم نجد كالعربية، وذلك لأنها أوسع مناهج، وألطف مخارج، وأعلى مدارج، حروفها أتم، وأسماؤها أعظم، ومعانيها أوغل. ولها هذا النحو الذي حصته منها حصة المنطق من العقل… [٢٧].

يأتي التوحيدي، هنا، بكلام عالم العلماء (السجستاني) ليبعد شبهة الانحياز للعربية عنه، ثم نجد أستاذه لا يلقي الكلام على عواهنه، بل يمعن في الموضوعية أثناء الإجابة، فيبين أن الأمر يحتاج إلى اطلاع على سائر لغات العالم لتحديد أكثرها بلاغة، وبما أن ذلك مستحيل فإنه اكتفى بالسماع عن فصحاء اللغات الأخرى، ليصل إلى نتيجة نزيهة، تقنع السامع بموضوعيتها، فهو لا يكتفي بتفضيله العربية، وعدّها أكثر اللغات بلاغة، بل تتجلى لديه الرؤية العلمية لديه حين يعدد الأسباب التي دفعته لاتخاذ هذا الرأي، أما الحماسة لها فقد ظهرت حين أحاطها بأفعال التفضيل.

سنجد الأديب (ابن العميد أبا الفتح) الملقب بذي الكفايتين (الوزارة والقلم) يجيب عن تساؤل العالم اللغوي (ابن فارس) أين مزية كلام العرب على جميع ما لأصناف العجم؟ … إن الغرض الأول في الكلام الإفادة، وجلّ الأمم على هذا، والثاني: تحسين الإفادة، والتحسين تارة يكون بمعاني التوكيد، وتارة بمعاني الحذف… وهو للعرب خاصة ولباقي الأمم عامة، وقد اشتمل القرآن على هذا كله، وعلى ضروب أخرى لم تكن في عادة القوم فاشية… [٢٨].

يحدد لنا ابن العميد وزير ركن الدولة البويهي أن ماهية البلاغة تكمن في الانتقال بالكلام من مستوى العادي إلى مستوى الجميل، عن طريق التحسين، وقد اهتم العرب بتحسين لغتهم عبر عدة وسائل، ولاسيما بعد نزول القرآن الكريم بلغتهم، إذ قدم لهم طرائق جديدة في التعبير، مما أضاف وسائل جديدة إلى وسائلهم البلاغية لم تكن معروفة لديهم، وذلك من أجل إبراز جماليات اللغة القرآنية.

إذاً يبدو لنا أن الجانب الديني هو الذي منح العربية تلك المكانة الرفيعة، وقد كان القاسم المشترك بين العلماء والأدباء وعامة الناس هو إعجابهم باللغة العربية واندفاعهم في تعلمها بل إتقانها، إلى درجة أصبح فيها الكثير من علماء اللغة من غير العرب (سيبويه، ابن فارس، السيرافي…).

لعل المدهش في ذلك العصر أن الحكام الذين لا ينتمون للعرب يشترطون الكفاءة في اللغة العربية، لكن دهشتنا تزول حين نعرف قوة الأثر الديني في ذلك العصر، وهذا ما يدفعهم إلى تقديس العربية لغة القرآن الكريم، ومثل هذه الملاحظة لا تنطبق على القرن الرابع فقط، إنما لحظناها منذ عهد الأمويين، رغم ما عرف عنهم من تعصب ضد غير العرب، فقد حدثنا التوحيدي في (البصائر والذخائر) عن» محمد بن شهاب الزهري: كنت عند عبد الملك بن مروان، فدخل عليه رجل حسن الفصاحة، فقال له عبد الملك: كم عطاؤك؟ قال: مئتا دينار، قال: في كم ديونك؟ قال: في مئتي دينار، قال: أما علمت أني أمرت أن لا يتكلم أحد بإعراب؟ قال: ما علمت ذلك، قال: أمن العرب أنت أم من الموالي؟ قال: يا أمير المؤمنين إن تكن العربية أباً فلست منها، وإن تكن لساناً فإني منها، قال: صدقت، قال تعالى: (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ( [٢٩] « [٣٠].

قد يستغرب البعض أمر الخليفة بعدم الإعراب، لكن هذا الخليفة المؤرق بالفصاحة، والذي كان يقول: شيبني صعود المنابر، بدأ يلاحظ الضعف يشيع في اللغة العربية، بعد أن ترك العرب جزيرتهم، ودخل الإسلام الكثير من الموالي، لذلك يبدو لنا أنه أمر بعدم الإعراب لكثرة الخطأ فيه، لكن يفاجأ بإنسان من الموالي فصيح، يعلن انتماءه الروحي للغة العربية، ونسبه لغير العرب.

يلفت نظرنا، هنا، إقبال العامة على تعلم العربية، وإتقانها إلى درجة يختلط فيها الأمر على الخليفة، فيسأله: أمن العرب أنت أم من الموالي؟

ويبدو أنه في عصر أبي حيان بدأنا نلمح ظاهرة عدم إتقان نطق العربية، لدى بعض الوزراء أو كبار القوم، ففي (الصداقة والصديق) يحدثنا عن صديقة أبي الوفاء أن» ما يقعد به عن المؤانسة الطيبة والمساعدة المطربة، والمفاكهة اللذيذة، والمواتاة الشهية، أن لفظه خراساني، وإشارته ناقصة، هذا مع ما استفاده بمقامه الطويل ببغداد، والبغدادي إذا تخرسن كان أحلى وأظرف من الخراساني إذا تبغدّد، وإن شئت فضع الاعتبار على من أردت، فإنك تجد هذا القول حقاً، وهذه الدعوة مسموعة « [٣١].

كان عدم إتقان العربية عائقاً اجتماعياً يمنع الإنسان من مجالسة الناس ومسامرتهم، وقد أورد، هنا، ملاحظة تبدو لنا نتيجة معاشرته الطويلة لأصدقاء من الفرس، وهي أن اللكنة الفارسية حين تشوب العربية ثقيلة على السمع والقلب، على نقيض اللكنة العربية حين تشوب الفارسية، ويبدو أن التوحيدي كان واثقاً من ملاحظته هذه كل الثقة، لذلك يدعو المتلقي إلى التجربة السمعية، فسيصل مثله إلى هذه الحقيقة.

وقد وجدنا التوحيدي يذم اللكنة الأعجمية لدى العلماء وعدم فصاحتهم من أمثال أبي حامد المروروزي، كما كان يذمها لدى الوزراء من أمثال (الفضل بن سهل) وزير المأمون.

تتجلى دقة ملاحظة التوحيدي وموضوعيته في كونه لاحظ أن الركاكة اللغوية ليست وقفاً على الفرس، وإنما بدأت تنتشر لدى العلماء العرب، فقد وصف الفقيه الشافعي البغدادي الذي يدعى (الداركي) بأنه» ركيك اللسان «، بل ينقل لنا قوله: » أنا ألحن، ولكن كلموني على المعاني إن كان لكم إليها سبيلٌ «، فنسمع التوحيدي يقول مستهجنا: » قد مضغ الداركي ذات بطنه بهذا الكلام، لأن المعاني ليست في جهة والألفاظ في جهة، بل هي متمازجة متناسبة… فمن ظن أن المعاني تخلص له مع سوء اللفظ، وقبح التأليف، والإخلال بالإعراب، فقد دلّ على نقصه وعجزه «.

وهو، هنا، يثبت ما توصلت إليه المناهج النقدية الحديثة اليوم، إذ لا يمكن الفصل بين الشكل (اللفظ) والمضمون (المعنى) وأن أي خلل لغوي لابد أن يؤدي إلى خلل في المعنى.

وكان التوحيدي يتمتع بحساسية لغوية، لذلك لم نجده يسكت على خطأ يسمعه، ولم تعرف عنه المجاملة في اللغة، مهما كلّفه ذلك من معاناة، وقد حدثنا عن أعجمي يدّعي العلم، قال له: اقعد حتى تتغدى بنا! فأجابه: لا أبلاني الله بذلك! ثم شرح له الخطأ الذي أتى به والصواب الذي لم يوفّق إليه، فكانت نتيجة هذا التوضيح أن استهجن الأعجمي ذلك، وابتعد عنه، وأغلق بابه دون التوحيدي، لذلك نسمع تبرمه منه» فأف له ولأضرابه، فما شين الدنيا والدين إلا بقوم هذا منهم، رزقنا الله الأدب الذي به نعلم ما نقول، وإليه نفزع فيما نعمل، وكفانا شرّ كل ذي شرّ بمنّه… «.

إذاً أدعياء العلم المغرورون الذين يوصدون أبوابهم دون المعرفة أساؤوا إلى اللغة، ومثل هذه الإساءة تعني لدى التوحيدي إساءة للدين والدنيا، من هنا نستطيع أن نفهم خصوصية اللغة العربية في الحضارة الإسلامية، ورغبة المسلمين، سواء أكانوا من العرب أم من غير العرب في نقائها، لذلك دعا أمثال هؤلاء الجهلة والدخلاء بـآفة اللغة فهم» يستعملون الألفاظ ولا يعرفون موقعها، أو يعجبهم الاتساع ويجهلون مقداره أو يروقهم المجاز ويتعدون حدوده… وهذه الخلال تجدها في قوم عدموا الطبع المنقاد في الأول، وفقدوا المذهب المعتاد في الثاني…

إنه يعرّض بالعرب والعجم معاً، فالعرب فقدوا الطبع بسبب بعدهم عن جزيرتهم، والعجم لم يتبعوا القواعد التي أوجدها العلماء لحفظ العربية وانتشارها بصورة صحيحة.

كما وجدناه يبين أن الإساءة للغة قد تأتي من الأدباء الذين يبالغون في السجع، إنه يريده أن يكون في الكلام كالملح في الطعام… متى زاد عن المقدار ضارع كلام الكهنة من العرب أو كلام المستعربين من العجم « [٣٢].

إنه يريد لغة عربية نقية، يغلب عليها الطبع، ويرفض لغة التكلف التي يراها بعيدة عن الأسلوب القويم، الذي لا يمت للعربية بصلة، إنه كلام غريب أشبه بلغة ميتة كان يستعملها الكهنة العرب، أو لغة هجينة يستعملها العجم، لذلك يقول التوحيدي: » نعوذ بالله من العجمة المخلوطة بالتعريب، ومن العربية المخلوطة بالتعجيم، ولو أن هذا النقص لم يدل إلا على اللفظ الذي معدنه اللسان، لكان العذر أقرب، لكنه كاشف لعورة العقل «.

إن التشويه الأسلوبي، الذي ينتج عن المبالغة في السجع وعن اختلاط العجمة بالتعريب والعربية بالتعجيم لم يؤثر في الأسلوب دون المعنى، وهو يوضح أن مثل هذا الأسلوب يدل على ضعف في الفكر، ولا يلجأ إليه إلا من هو متهم بعقله من أمثال (الصاحب بن عباد).

إنه متحمس للغة العربية ولأساليبها، وقد ظهر هذا في نقده للنثر وللشعر، ففي كتابه (الصداقة والصديق) يقول بعد أن أورد شعرا لشاعر قديم» هذه أبيات تصلح للحفظ لما فيها من شرف اللفظ وحسن الرونق، وصحة المعنى، وطراز العرب غير طراز المتشبهين بهم ولعمري إن حسيبة الطبع أكثر ماء، وأبهى نضارة من تثقيف التكلف، والجواهر تشرف بمعادنها، والفروع بأصولها، والنجوم بأفلاكها… « [٣٣].

إذاً العربية التي دافع عنها، هي العربية الأصيلة التي لم يتطرق إليها التكلف، وهي التي تجمع شرف المعنى واللفظ، لذلك يفضل شعر الأعرابي علىالشعر المحدث، فهو ابن ثقافة شكل فيها أسلوب القرآن الكريم المثل الأعلى لجمعه بين جمال اللفظ وشرف المعنى.

وبذلك نجد أن اللغة والدين شكّلا أسس الثقافة الإسلامية كما شكّلا أهم عوامل التمازج الثقافي بين العرب وغيرهم من الأمم منذ بداية الإسلام، فقد أبرز التوحيدي ذلك في شعر أورده على لسان سليمان الفارسي أول من أسلم من الفرس في كتابه (البصائر والذخائر) [٣٤]:

أبي الإسلام لا أب لي سـواه

بدعـوى الجاهليـة لم أجبهم

دعيّ القوم ينصر مـدّعيـه

إذا افتخروا ببكـر أو تميـم

ولا يـدعـو بهـا غـير الأثيـم

ليلحقه بذي الحسب الصميم

مع بداية ظهور الإسلام حلّ التباهي بالدين لدى المسلم محل التباهي بالنسب الذي كان شائعاً بين العرب، وقد يبين لنا سليمان الفارسي أن مثل هذا التباهي أبعد ما يكون عن الإسلام، وأقرب ما يكون للجاهلية، فقد بات النسب إلى الدين هو النسب الحقيقي، وهذا ما يحقق أرقى درجات التمازج الحضاري بين الأمم.

اللغة الفارسية:

إذا كانت اللغة العربية أبرز مظاهر التمازج الحضاري بين العرب والفرس فإننا لانستطيع أن ننكر أثر اللغة الفارسية في العربية أيضاً، وهذا التأثير لم يكن بعد الإسلام فقط، وإنما نجده قبل ذلك، إذ إن العلاقات العربية الفارسية قد بدأت منذ الجاهلية، وخير دليل على ذلك ما وجدناه من مفردات في الشعر الجاهلي والقرآن الكريم، ويبدو أن هذه المفردات كانت شائعة في الحياة الاجتماعية العربية، تتغلغل إلى تفاصيل الحياة اليومية، فقد روى التوحيدي أن النبي صلوات الله عليه وسلامه قال لسليمان الفارسي: » اتخذ لنا سوراً «أي طعاماً، كطعام الوليمة.

يلاحظ المتتبع لكتب أبي حيان مدى حضور اللغة الفارسية، في العصر العباسي، ولاسيما في مناحي الحياة الاجتماعية (الطعام، أدوات المطبخ، الملابس، السلوك…).

اللافت للنظر أن هذه الألفاظ لا تشمل أهل الحضر فقط وإنما تأتي على لسان البدو أيضاً، وقد برز لنا هذا الاختلاط على أَوْجَه، حين يقدم للأعرابي طعاماً فارسياً (كامخ معرب كامة والجمع كوامخ)» فيسأل: ممَ يعمل هذا؟ قالوا من اللبن والحنطة، قال: أصلان كريمان «(البصائر المجلد الرابع ص٦٩) بهذا يمتدح الأعرابي الطعام بما يمتدح الناس به عادة (النسب) لشدة إعجابه به.

حتى علماء العربية نجدهم يستخدمون اللفظ الفارسي بلا تردد» قال ابن الأعرابي: يقال للذي إذا أكل استظهر بشيء يضعه بين يديه، ويضع يده اليسرى عليه، ويأكل باليمنى: الجرد بان «(معرب: كرده بان، أي حافظ الرغيف).

المدهش أن نجد التوحيدي قد أظهر لنا سعة انتشار اللفظ الفارسي، حتى إنه أورده على لسان ملك اليونان (الإسكندر) فقد» أشير على الإسكندر بالبيات (أي أن يوقع بأعدائه ليلا دون أن يعلموا) في بعض الحروب، فقال: ليس من آيين الملك استراق الظفر «، وقد شرح لنا التوحيدي المقصود بآيين قائلاً: لفظ فارسي يراد به السيرة والصورة والزي والرسم وما تعرفه العرب من عادات.

يبدو لنا أنه كان على معرفة باللغة الفارسية، حتى إنه يستخدمها ويشرح بعض مفرداتها للمتلقي، دون أن يعني هذا أنه يهتم بهذا الشرح بشكل دائم، ففي الكتاب نفسه (البصائر والذخائر) الذي أورد فيه شرح المفردة الفارسية السابقة نجده يأتي بمفردات بلا شرح» ما يقول القاضي - أعزه الله - في رجل دخل الحمام وجلس في الأبزن … «، يبدو أن هناك كثيراً من الكلمات الفارسية باتت متداولة في الحياة اليومية لذلك لم يجد داعياً لشرحها (الأبزن حوض يغتسل فيه، وقد يتخذ من نحاس، معرب من آب زن).

تأتي اللفظة منسجمة ضمن السياق العربي، بل نلاحظ أن هذه الألفاظ التي تتعلق بمفردات الحياة اليومية تأتي في لغة التوحيدي بكثرة، فمثلا نجد لفظتين في جملتين متتاليتين» قال أبو دلف: دخلت على الرشيد وهو في طارمة، وعلى بابها شيخ جليل قد ألقيت له طنفسة خارج الطارمة…» [٣٥].

(الطارمة: بيت من خشب كالقبة والجمع طارمات، الطنفسة: البساط والحصير من سعف عرضه ذراع، معرب تنبسه بالفارسية والجمع طنافس).

وبذلك نستطيع القول إنَّ الاختلاط الاجتماعي والثقافي ولّد اختلاطاً لغوياً، مازالت آثاره في حياتنا اليومية والثقافية إلى اليوم.

الأمثال الفارسية:

ومع الامتزاج الحضاري الذي شهده القرن الرابع الهجري، الذي كان في أرقى تجلياته امتزاجاً لغوياً، شاع بين الأدباء، والعامة استخدام الأمثال الفارسية بوصفها ثقافة عامة، تكتسب أهميتها من كونها تمثل خلاصة حكمة الشعوب وتجاربها، فمثلا يسأل التوحيدي في (الهوامل والشوامل): ما علة الإنسان في سلوته إذا كانت محنته عامة له ولغيره؟ لِمَ يتمنى، بسبب محنته، أن يشركه الناس؟ ولِمَ يستريح إلى ذلك؟ وأصحابنا يروون مثلا بالفارسية ترجمته» من احترق بيدره أراد أن يحترق بيدر غيره «.

أما في البصائر (المجلد الأول ص ٣٩٧) فيقول: » سمعت أشياخنا يقولون: من أمثال الفرس: ما دخل مع اللبن لا يخرج إلا مع الروح «.

الملاحظ أن مصدر هذه الأمثال سماعي، سمعه التوحيدي من خلال علاقاته الاجتماعية الصداقة (أصحابنا) وإما عن طريق الأساتذة الذين تعلم على يدهم (أشياخنا).

كما يأتي المثل الفارسي في سياق الكلام بشكل طبيعي، كي يزيد المعنى إيضاحاً، ولاسيما حين يعتمد اللغة التصويرية، فمثلا يسأل في (مثالب الوزيرين) صديقه الذي كان من أصل فارسي (أبا الوفاء المهندس) حين عاد من عند ابن عباد كيف شاهدته؟ فيجيبه» يقال لمثله عندنا في نيسابور طبل هرثمي، ويقال لمثله عند إخواننا ببغداد مادح نفسه يقرئك السلام… «.

يظهر لنا التمازج اللغوي، هنا، في أوضح صوره، إذ إن الفارسي لا يكتفي بأن يذكر المثل الذي يعرفه عن طريق الثقافة المتوارثة، وإنما يذكر لنا المقابل له في ثقافته الجديدة في اللغة العربية، وهو بذلك يؤكد حرصه على التواصل اللغوي مع سامعه، فيشرح أبعاد المثل الفارسي بمثل عربي.

العـادات:

اشتد التمازج الحضاري بين العرب والفرس، في العصر العباسي بفعل الهجرة والتزاوج على المستوى الشعبي وعلى مستوى السلطة، إذ إن كثيراً من الخلفاء والوزراء قد اتخذوا المؤدبين من الفرس لتأديب أبنائهم وتعليمهم السياسة، حتى وجدنا الرشيد يقول للكسائي الذي كان مؤدباً لابنه» قد أحللناك المحل الذي لم تبلغه همتك، فروّنا من الأشعار أعفّها، ومن الأحاديث أجمعها لمحاسن الأخلاق، وذاكرنا بآداب الفرس والهند « [٣٦].

تتسع لفظة آداب لما هو أكثر من الشعر والنثر، إنها مجموعة العادات والمعارف والحكم والسلوك الذي يحمد اجتماعياً في بلاد الفرس والهند.

ويبدو لنا أن آداب الفرس كانت مسيطرة في العصر العباسي، بسبب تغلغلهم إلى عمق الحياة الاجتماعية والسياسية، حتى إننا وجدنا أبا جعفر المنصور (كما يحدثنا التوحيدي في الجزء الثاني من الإمتاع والمؤانسة) يتخذ حاجباً له من الفرس، يفرض عاداتهم، ويبدو أن الحاجب في ذلك العصر يمتلك سلطة كبيرة، حتى إنه يضرب من شمّت الخليفة (أي دعا له بالرحمة عند العطسة) وحين شُكي إلى المنصور، قال: » أصاب الرجل الأدب وأخطأ السنة، فيعلق التوحيدي قائلاً: وهذا هو الجهل، كأنه لا يعلم أن السنة أشرف من الأدب، بل الأدب كله في السنة، وهي الجامعة للأدب النبوي والأمر الإلهي، ولكن لما غلبت عليهم العزة، ودخلت النعرة في آنافهم، وظهرت الخنـزوانة (الكبر) بينهم، سمّوا آيين (عادات) العجم أدبا، وقدموه على السنة التي هي ثمرة النبوة… «.

يبدو لنا أن الحديث مع الإنسان العاطس، ولو كان دعاء، مستهجن في عادات الفرس، في تلك الفترة، وقد بدت هذه العادات أكثر تأثيراً من السنة النبوية في مجلس الخليفة، حتى إن الحاجب يتجرأ على ضرب من يمارس السنة (التشميت) وهذا انحراف كبير يسوء التوحيدي، لأنه يراه نتيجة الجهل بأحد أصول الدين الإسلامي (السنة) التي هي آداب النبوة، وانتشار عادات فارسية تدعى (آدابا) ويبين أن من أهم أسبابه التكبر لدى رجال السلطة وإعجابهم بعادات الآخرين، وهذا يكون، غالباً، نتيجة التربية التي تلقاها الخليفة، إذ كانت معظم أمهاتهم من الأعاجم، فطغت عادات غريبة جعلتهم يبتعدون عن أحد أصول الدين، مما أدى إلى انزعاج التوحيدي! ومهاجمة أولئك المتكبرين الجهلة من الخلفاء!!

لكن التوحيدي يمتدح هذه العادات حين لا تتعارض مع الدين الإسلامي، يقول مثلاً في ("البصائر والذخائر" المجلد الأول): » رئيس سنن العجم: الخلال (أي العود الذي يخلل به بعد الأكل) وغسل اليد قبل الطعام وبعده «مثل هذه العادات الفارسية في النظافة دعا إليها الإسلام وجعلها علامة من علامات الإيمان.

كذلك يلاحظ شيوع الاحتفال بالأعياد الفارسية، التي من أهمها عيد النيروز وهو مبدأ السنة الشمسية لدى الفرس، وفيه كان يتمّ بتبادل الهدايا، فكان الخليفة في بغداد يفرّق على الناس أشياء منها صور مصنوعة من عنبر، ومنها ورد أحمر [٣٧].

في المقابل كان الخليفة يتلقى الهدايا في هذا العيد، كما يحدثنا التوحيدي (في البصائر والذخائر، المجلد الثاني) أهدى المعلّى بن أيوب إلى المتوكل في يوم نيروز سكرة عليها خيارة صغيرة، فسئل عن ذلك، فقال: » الحلاوة للسكر، والخيارة: فلأنه في إقبال أيامه وابتداء ظهوره، ولأن اسمه بالفارسية والعربية والنبطية خيار، وهو خيار وخيرة واختيار وخير «.

إذاً في عيد النيروز يتم تبادل الهدايا بين الخليفة والناس، فينتهز أحد الرجال هذه الفرصة ليجامل الخليفة بهدية بسيطة ذات دلالات رمزية، تتألف من السكر (الذي يدل طعمه على تمني حلاوة الأيام للخليفة) وخيارة صغيرة» الذي يحمل اسمها دلالات معنوية يتمنى الرجل أن يمتلكها الخليفة، ولاسيما أنه في بداية حكمه، فيكون متوحداً مع هذه الدلالات أي يكون هو الخير الذي يعمّ الناس، كما يكون من خيرة الخلفاء… الخ «.

وهكذا استطاعت كتب التوحيدي أن تقدم لنا صورة اجتماعية وثقافية حية، يستجلي المرء عبرها صورة للتمازج الحضاري بين العرب والفرس في القرن الرابع الهجري، أعطى العرب فيه غيرهم من الأمم، ولم يستنكفوا من الأخذ من الآخر.

صورة اليونـان:

لم تكن صورة اليونان، لدى التوحيدي، بالغنى نفسه الذي شهدناه لصورة الفرس، ربما لأن الاختلاط بهم كان محدوداً، أي عبر الكتب المترجمة والمأخوذة من زمن مضى، فانتفت العلاقات الاجتماعية والدينية التي أدت إلى التمازج الحضاري بين العرب والفرس، واقتصرت العلاقة على جانبها الثقافي في أضيق حدوده: الترجمة.

حتى الترجمة إلى العربية كانت مقتصرة على كتب العلم والفلسفة، دون كتب الأدب، وقد اطلع التوحيدي على هذه الكتب، وأعجب بها، فاستطاع أن يقدّم لنا صورة مشرقة لفلاسفة اليونان، وكيف كان الأدباء في القرن الرابع الهجري يحاولون تمثلها والاقتداء بها، مثل ابن العميد الذي زعم أنه من شيعة هؤلاء الفلاسفة، لكن التوحيدي يقصيه بعيدا عنهم قائلاً: » والعجب من بخل هذا الرجل ونذالته مع تفلسفه وتكثره بذكر أفلاطون وسقراط وأرسطوطاليس ومحبته لهم على علمه بأن القوم قد تكلموا في الأخلاق وحدودها، وأوضحوا خفاياها، وميزوا رذائلها وبينوا فضائلها وحثّوا على التخلق باليسير من حطامها، وبذل الفضول للمحتاجين إليه… وتحصيل السعادة العظمى برفض الشهوات القليلة والكثيرة منها والإحسان إلى الناس وغير الناس بغير امتنان ولا اعتداء، ولا طلب جزاء ولا استحماد « [٣٨].

إن الفارق الأساسي بين ابن العميد وهؤلاء الفلاسفة، أن ابن العميد يدعي الحكمة في حين كانت تصرفاته تتسم بالنذالة والبخل، في حين نجد لديهم انسجام أفعالهم بأقوالهم الحكيمة، فلم يكتفوا بالدعوة إلى الأخلاق الحميدة وإنما جسّدوها عبر تصرفاتهم، وقد بيّن فضلهم في إرشاد الناس إلى طريق السعادة التي تكمن بمقاومة الشهوات وببذل الخير للناس دون منٍّ أو أذى، ومثل هذه الصفات لا يستطيعها أي إنسان.

وقد وجدنا في (الصداقة والصديق) إعجاب أحد المترجمين (ابن زرعة) بهؤلاء الفلاسفة، إلى درجة أنه يذكرهم في مجالس الشراب (التي يشهدها أبو حيان) الأمر الذي يستنكره قائلاً: » مجالس الشراب تتجافى عن هؤلاء، وهؤلاء يجلون عن مجالس الشراب «ثم يخاطب ابن زرعة» يا نائم، يا غافل، يا ساهي، وأين أنت من هؤلاء الحكماء القدماء؟ أسيرتك سيرتهم؟ أحالك حالهم؟ إنما تدعي عقائدهم باللسان، وتنتحل أسماءهم باللفظ، فإذا جاءت الحقيقة كنت على الشط تلعب بالرمل… «.

إذاً شتان بين ابن زرعة، وبين من يقلّد من هؤلاء الحكماء، فهو لا يملك عمق فكرهم، كما لا يملك سيرة حميدة كسيرتهم، لذلك يعدّه التوحيدي كما عدّ ابن العميد، طفلاً صغيراً إلى جانبهم.

كان التوحيدي مولعاً بحكمهم التي ملأت كتبه (وخاصة البصائر والذخائر) ونجده حريصاً على نسبة هذه الأقوال إلى أصحابها، وقد بدت هذه الحكم منفتحة على الإنسان بغض النظر عن وطنه، إذ المهم هو الأخلاق وسيطرة العقل على الهوى، » قيل لديوجانس، وكان يونانياً، أملك الروم أفضل أم ملك الفرس؟ فقال: من كان فيهما أملك لهواه «.

قدّم هذه الصورة المشرقة أيضاً لعلمائهم (بطليموس، بقراط، إقليدس…) وملوكهم وخاصة الإسكندر، الذي لاحظنا أخلاقه الرفيعة في التعامل حتى مع الأعداء، حين رفض مهاجمتهم ليلاً، مبيناً أنه ليس من عادة الملك سرقة النصر، إلى جانب هذه الأخلاق لاحظنا تمتعه بالحكمة والشجاعة، فحين حذره أحد رجاله بكثرة عدد عسكر ملك الفرس "دارا" أجابه» إن الغنم وإن كثرت تَذِل لذئب واحد «.

وقد كان التوحيدي حريصاً على تقديم أفكار اليونانيين وعلومهم، بل نجده يعرفنا ببعض كتبهم، يقول عن إقليدس: » عالم من علماء الروم يسمى بهذا الاسم، وضع كتاباً فيه أشكال كثيرة مختلفة تدل على حقائق الأشياء المعلومة والمغيبة، يشحذ الذهن، ويدقق الفهم، ويلطف المعرفة، ويصفي الحاسة، ويثبت الروية، ومنه أنتج الخط وعرف مقادير حروف المعجم «.

يبدو لنا التوحيدي قارئاً متعمقاً، للكتب اليونانية، لا يكتفي بتوصيفها، وإنما يبرز أثرها في المتلقي، فيرصد انعكاس المعرفة التي تقدمها كتبهم على الذهن والحواس، وقد كان معنياً، بأن يزين كتبه بحكمهم التي يدعوها بالنوادر، ويرى ضرورة جمع كل فائدة تصدر عنهم، فهي تزيد الإنسان حسناً ومعرفة» فخذ منها ومن غيرها كلّ حسن بهيج، نفعك الله بالعلم وبصّرك بالهدى «.

لا يكتفي بالاستفادة الذاتية من اليونانيين، بل نجده يدعو الآخرين إلى الانفتاح على الثقافة اليونانية وغيرها من الثقافات الأخرى، فالغاية هي الاستفادة والتعلم، وهو هنا يجسد دعوة القرآن الكريم للقراءة والعلم (وقل ربِّ زدني علماً [٣٩]، وقول الرسول (ص): » اطلبوا العلم ولو في الصين «، فهو قد اختار أبعد بلد في ذلك الوقت ليحثّ المسلمين على السفر إليه طلباً للعلم، ولم يشترط أن يكون مسلماً، من أجل العلم، لأن العلم لا هوية له، فالمهم المنفعة التي يجلبها لنا العلم لامصدره.

هناك رغبة كامنة في أعماق التوحيدي وهي الجمع بين العقل والشريعة، لذلك نجده في الجزء الثاني من كتابه (الإمتاع والمؤانسة) يروي عن إخوان الصفا قولهم» متى انتظمت الفلسفة اليونانية والشريعة العربية فقد حصل الكمال «، لذلك يقدم لنا صورة سقراط ممتزجة بصورة مسلم متدين، فقد أورد في كتابه (البصائر والذخائر) هذه الحادثة عنه» إذ كان يعرض جسده للشمس، فأتاه الملك ليسأله: يا سقراط ما الذي منعك من إتياننا؟ فقال له: الشغل أيها الملك بما يقيم الحياة، فقال الملك: لو أتيتنا لكفيناك، فقال سقراط لو علمت أني أجد ذلك لزمتك ما لزمتني الحاجة إلى ذلك، فقال الملك: فسل ما حاجتك؟ قال: حاجتي أن تزيل عني ظلك فقد منعت عني الشمس، فدعا له بكسى فاخرة من الديباج وغيره وبذهب، فقال له سقراط: وعدت بما يقيم الحياة، وبذلت نعيم الأموات، ليس بسقراط حاجة إلى حجارة الأرض وهشيم البيت ولعاب الدود، الذي يحتاجه سقراط معه حيث يتوجه… فقال مزّاح مع الملك: حرمت نفسك من نعيم الدنيا أيها الرجل، فقال سقراط: وما نعيم الدنيا يا هذا؟ قال المزاح: أكل اللحمان، وشرب الخمر، والمنكح والملابس، فقال سقراط: ليس بمستنكر أن يكون نعيم الدنيا هذا عند من رضي بمشابهة الدود من نفسه،

وأن يجعل بطنه مقبرة للحيوان، ويؤثر عمارة الفانية على الباقية « [٤٠].

يحس المرء حين يتابع هذه القصة أنه أمام صورة زاهد، يقترب من روح الإسلام ومبادئه (الإيمان بالآخرة وتفضيلها على الدنيا، عدم شرب الخمر) لذلك ينصرف إلى ما يقوي الروح ويبتعد عن ملذات الجسد، يهمه الآخرة، فيرفض عطايا الملك، ويبحث عمّا يمتّع أعماقه من روحانيات، وقد شاعت في هذه القصة روح الطرافة والسخرية، إذ إن ما يريد سقراط من الملك أن يرحل ويبعد ظله كي تصل الشمس إليه، فيجسد لنا الزهد بما يملكه الملك، والرغبة بما عند الله، كما يجسد لنا عبر قوله هذا أن حضور الملك يمنع نور الشمس والتأمل في الكون.

وقد لاحظنا أن التوحيدي يسبغ هذه الروح الإسلامية في خاتمة قصة أخرى أوردها عن الشاعر اليوناني (كنتس) فقد كان في طريقه إلى الملك ثيودوسيوس، حين اعترضه لصوص أخذوا ماله، وهموا بقتله، فلم يجد أمامه معينا ونظر إلى السماء فوجد فيها كراكي تطير، فصاح» أيتها الكراكي الطائرة، قد أعجزني المعين الناصر، فكوني الطالبة بدمي والآخذة بثأري، فضحك اللصوص… «، وقتلوه، وحين نزلوا إلى مدينته، واجتمعوا في الهيكل، مرت كراكي تتناعى وتصيح، فرفع اللصوص أعينهم وتضاحكوا قائلين: هؤلاء مطالبو دم كنتس الجاهل، فسمع كلامهم من كان قريباً منهم، وأخبر السلطان فقتلهم بعد أن اعترفوا، فكانت الكراكي المطالبة بدمه!!.

يختم التوحيدي هذه القصة بقول لأبي سليمان» إن كنتس وإن كان خاطب الكراكي، فإنه أشار إلى ربّ الكراكي وخالقها، ولم يطل الله دمه، ولا سدّ عنه باب إجابته، فسبحانه كيف يهيئ الأسباب ويفتح الأبواب « [٤١].

ثمة رغبة لدى الناقد التراثي في إضفاء الطابع الإسلامي على كل ما يسرده للمتلقي، لذلك بدت لنا صورة الآخر غير المؤمن بإله واحد في صور منسجمة مع الرؤيا الإسلامية، فكان حديث الشاعر مع الطير هو حديث مع خالق هذا الطير في نظر أبي سليمان، مما يعزز جانب الإيمان بالله تعالى الذي لم يخذل الشاعر حين خاطبه في محنته، فدلّ على قتلته بوساطة الطير.

صورة الآخر الذمي

يعترف آدم متز بأن الحضارة الإسلامية قد تميزت بتسامحها مع غيرها من الأديان، ومثل هذا التسامح» لم يكن معروفاً في أوروبا في العصور الوسطى، ومظهر هذا التسامح نشوء علم مقارنة الأديان، أي دراسة الملل والنحل على اختلافها، والإقبال على هذا العلم بشغف عظيم « [٤٢].

إن التسامح الإسلامي لم يكن نتيجة الحاجة إلى المعيشة المشتركة فقط، كما يرى متز، وإنما نتيجة الانفتاح على الآخر والاعتراف بدينه، والاهتمام بحقوقه، وقد ذكر لنا التوحيدي (في الجزء الثالث من البصائر والذخائر)» أن الخليفة عمر بن الخطاب (رض) لما استخلف بيّن للناس أن الإسلام بني على أربع خصال: تقوى الله في جمع المال من أبواب حله… والثانية أعرف للمهاجرين حقهم وأقربهم… والثالثة: الأنصار الذين آووا … والرابعة: أهل الذمة، أفي لهم بعهدهم، وأقاتل من ورائهم، ولا أكلفهم إلا طاقتهم… «.

يحدد الخليفة أربع سمات للحاكم المسلم: (مخافة الله في جمع المال وإنفاقه، رعاية المهاجرين والأنصار وأهل الذمة) وبذلك يضع الحاكم المسلم أهل الذمة، من حيث الرعاية والاهتمام بالحقوق، في مصاف المسلمين الأوائل الذين نصروا الدين، لذلك من واجبه أن يحمي عهوده معهم، وأن يدافع عنهم، ولا يفرض عليهم جزية لا يستطيعون دفعها.

كما يروي التوحيدي في الجزء الثاني (الإمتاع والمؤانسة) أن الخليفة عمر بن عبد العزيز قد سئل: هل يسلّم على أهل الذمة؟ فقال: » يردّ عليهم السلام ولا بأس أن يبدؤوا به «لقوله عز وجل "فاصفح عنهم وقل سلام" يلفت نظرنا هذا التسامح مع الناس حتى المسيء منهم، وهذا الخلق الرفيع الذي يمثل روح الإسلام، يريد الحاكم نشره بين المسلمين لذلك يدعوهم إلى مبادرة أهل الذمة بالسلام!

١ - اليهودي:

استمر هذا الانفتاح في العصر العباسي، حتى إننا وجدنا مناظرات مختلفة بين المسلمين وغيرهم من أهل الذمة والملحدين، وقد ذكر لنا التوحيدي في (الإمتاع والمؤانسة) كيف كان يجتمع في مجلس الوزير العلماء من جميع الطوائف الدينية وغير الدينية، وقد كانت المناظرات تتم بين العلماء في المجلس، بل قد نجدها تتم بين الوزير المسلم والعالم غير المسلم، وقد نقل لنا في (مثالب الوزيرين) مناظرة في موضوع شديد الحساسية (إعجاز القرآن) بين ابن عباد وبين يهودي يدعى» رأس الجالوت «حيث راجعه فيه طويلاً، وثابته قليلاً، وتنكّد عليه حتى احتدّ وكاد يتّقد، فلما علم أنه قد سجر تنوره، وأسقط في أنفه، احتال طلباً لمصاداته، ورفقاً في مخاتلته، فقال للصاحب ولِمَ تتقد وتشتط، ولِمَ تلتهب وتختلط؟ كيف يكون القرآن آية ودلالة على النبوة ومعجزة من جهة نظمه وتأليفه، وكأن النظم والتأليف بديعان غريبان… وهاأنا أصدق عن نفسي وأقول: إن رسائلك وكلامك وفقرك… فوق ذلك، أو مثل ذلك أو قريب منه، وعلى كل حال فليس يظهر لي أنه دونه… فلما سمع ابن عباد هذا فتر وخمد وجمد… وقال: ولا هكذا أبداً ياشيخ، فكلامنا حسن بليغ… ولكن القرآن له المزية التي لا تجهل… هذا كله يقوله وقد خبا ح

ميه وتراجع مزاجه… مع إعجاب شديد قد شاع في أعطافه… لأنه رأى كلامه شبهة على اليهودي، وعلى عالمهم وحبرهم مع سعة حيلتهم، وشدة جدالهم، وطول نظرهم، وثباتهم لخصومهم… « [٤٣].

يسمح للآخر اليهودي أن يجادل في جوهر الدين الإسلامي، فيناقش مدى إعجاز القرآن، لينفي هذا الإعجاز وبذلك يتجرأ على نفي النبوة أي الدين الإسلامي! وكي يخفف من وطأة جرأته، يمتدح أدب الوزير ويضعه في مرتبة النظم القرآني!

نلاحظ، هنا، أنه أحاط اليهودي بصفات إيجابية (عالم، حبر، سعة الحيلة، شدة الجدال، التعمق، الثبات في الحوار…) بل ينادى بلقب إسلامي (يا شيخ) وحين يلاحظ اليهودي شدة غضب الوزير ابن عباد، فإنه يستطيع أن يمتصه بفضل ذكائه، فيبيّن له أن النظم البديع ليس وقفاً على القرآن، لأن أدبه يفوقه في الحسن!! ثم يستدرك كي لا يبدو مبالغاً، فيراه في مستواه!! وكي يفوز برضى الوزير يعلن أنه لن يكون دونه!! عندئذ يسارع الوزير ليحمي المقدس ويعلن بأن له المزية.

واليهودي لا نجده يجادل الوزير فقط في مسائل نظرية، وإنما نجده يعترض على الخليفة أيضاً في مسائل تنظيمية معيشية، فقد حدثنا التوحيدي قائلاً: قال أبو عمر الجوني: » جاء يهودي إلى عمر بالشام، فقال: يا أمير المؤمنين أهذا في العدل؟ أخذتم كسبي وأنا قوي، حتى إذا كبرت سني، وضعفت ركبتي، تركتموني أهلك! فقال عمر: ما أنصفناك، ففرض له فريضة، وأمر عامله أن يجريها شهراً شهراً «.

يوجه اليهودي النقد إلى رأس الدولة (الخليفة) ويتهم نظامه الضريبي بالظلم، فقد أخذ منه الجزية في شبابه، وحين كبر تركه للضعف وللموت، والمدهش هنا اعتراف الخليفة عمر بن عبد العزيز بالظلم، وإنصاف المشتكي الذمي!!

لا يكتفي اليهودي بنقد الخليفة وما يعتريه من شعور بالظلم، بل نجده، كما يحدثنا التوحيدي، يواجه الخليفة بالفخر بقومه» قال أبو العيناء، قال الأصمعي، دخل ابن شعبة اليهودي على معاوية، فأنشده « [٤٤].

ولكنمـا دهري رواق تحـفّه

يقودون قود الخيل أوتارها القسي

سأطلب مجداً ما حييت وسـؤددا

ثمانون ألفاً من كميّ ومُعْلَم

إذا استمطرت جادوا سماءك بالدم

بمـاء شـبابي أو يولـول مأتـمـي

تحمل هذه الأبيات تهديداً خفياً، إذ نلمس عبر الفخر بالعدد والعدة لليهود، الإمكانيات الكبيرة التي يملكونها، وهذا يعدّ منتهى الجرأة في دولة تفخر بدين الإسلام، لكن قوله: » إذا استمطرت جادوا سماءك بالدم «يوحي للخليفة بأنهم على استعداد لبذل دمائهم فيما لو احتاج إليهم.

نلمح لدى التوحيدي الصورة التقليدية لليهودي الجشع والأناني، والتي وجدناها في الأدب العالمي (تاجر البندقية) لشكسبير، و (أوليفر تويست) لتشارلز ديكنـز، ففي الجزء الثاني من (الإمتاع والمؤانسة) نجد قصة المجوسي واليهودي اللذين التقيا في سفر، المجوسي راكب مرفّه واليهودي يسير على قدميه، فسأل كل واحد منهما الآخر عن عقيدته، فقال اليهودي: » أعتقد أن في هذه السماء إلها هو إله بني إسرائيل، وأنا أعبده وأقدسه وأضرع إليه وأطلب منه فضل ما عنده من الرزق الواسع والعمر الطويل، مع صحة البدن والسلامة من كل آفة، والنصرة على عدوي، وأساله الخير لمن يوافقني في ديني ومذهبي، فلا أعبأ بمن يخالفني، بل أعتقد من يخالفني دمه لي يحلّ وحرام عليّ نصرته ونصيحته والرحمة به «!.

وقد قال له المجوسي: أما عقيدتي ورأيي فإني أريد الخير لنفسي وأبناء جنسي، ولا أريد لأحد من عباد الله سوءاً… لا لموافقي ولا لمخالفي، فقال اليهودي: وإن ظلمك وتعدّى عليك؟ قال: نعم، لأني أعلم أن في السماء إلها خبيراً… يجزي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، عندئذ نقده اليهودي بأنه لا ينصر مذهبه، لأنه تركه، وهو أحد أبناء جنسه، يمشي جائعاً، وهو يركب شبعان، فأطعمه وأعاره بغلته ساعة، فلما امتلكها اليهودي، وأحس أن المجوسي قد تعب، هرب بها، وحين ناداه المجوسي، قال له: » ألم أخبرك عن مذهبي، وخبّرتني عن مذهبك الذي نصرته وحققته؟ فأنا أريد أن أحقق مذهبي، وأنصر معتقدي؟ «وولّى هارباً دون أن يرحمه، عندئذ دعا المجوسي ربه يائساً: » إلهي قد علمت أني اعتقدت مذهباً ونصرته، ووصفتك بما أنت أهله، وقد سمعت وعلمت، فحقق عند هذا الباغي عليّ ما مجّدتك به، ليعلم حقيقة ما قلت «، فما سار إلا قليلاً حتى وجد اليهودي قد رمت به البغلة، فركبها وترك اليهودي يعاني الألم، فناداه قائلاً: » ارحمني واحملني ولا تتركني أهلك في البرية، وانصر مذهبك، وحقّق اعتقادك… «قال» قد فعلت ذلك مرتين… وصفت لك مذهبي فلم تصدقني في قولي، حتى حققته بفعلي، وذلك أني قلت: إن في

السماء إلهاً خبيراً عادلاً لا يخفى عليه شيء، وهو ولي جزاء المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته «، قال اليهودي: قد فهمت ما قلت… فقال المجوسي: فما الذي منعك أن تتعظ بما سمعت؟ قال اليهودي: اعتقاد نشأت عليه، ومذهب تربّيت به، وصار مألوفاً معتاداً كالجبلة بطول الدأب به… واقتداء بالآباء والأجداد والمعلمين من أهل ديني… وقد صار ذلك كالأس الثابت، ويصعب ما هذا وصفه أن يترك ويرفض ويزال، فرحمه المجوسي وحمله حتى المدينة… وحين سئل كيف رحمته بعد خيانته لك؟ قال المجوسي: اعتذر بحاله التي نشأ فيها… وعلمت أن هذا شديد الزوال عنه، وصدّقته ورحمته، وهذا مني شكر على صنيع الله بي حين دعوته… وبالرحمة الأولى أعانني ربي، وبالرحمة الثانية شكرته على ما صنع بي.

نعايش في هذه القصة صورتين نقيضتين (صورة اليهودي في مقابل صورة المجوسي) بدا اليهودي واضحاً في مبادئه، همه محصور بذاته وبقومه، يرفض الآخر ويرى فيه عدواً يحلّ دمه وعدم نصرته ورحمته، وقد جسدت لنا تصرفاته هذه الأفكار، إذ ولى هارباً بالبغلة التي أعارها له المجوسي، دون أن يفكر بذلك الإنسان الذي أسدى له معروفاً، وهذا منتهى الجشع والأنانية.

وقد بدت لنا صورة المجوسي تناقض صورة اليهودي، تحمل سمات إسلامية، من ناحية المعتقد (يؤمن المجوسي بإله عادل، خبير…) ومن ناحية لغوية (يعلم ما يخفى، يجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته) إذ يستخدم لغة إسلامية.

لن نستغرب هذه الصورة الإيجابية للمجوس فقد عوملوا في القرن الرابع الهجري، كما يقول آدم متز، معاملة أهل الذمة، لكن صورتهم كانت في قصة التوحيدي أقرب إلى مفهومات الإسلام، كأن هناك رغبة لدى الراوي المسلم أن يستخدم كل ما هو إيجابي لصالح الإيمان بالله تعالى، لنتأمل مفهوم الرحمة، التي هي إحسان للآخرين يمارسها المؤمن وهو على ثقة بأن الله لن يضيع ثوابه، لذلك أنقذ المجوسي اليهودي من الموت بعد أن أوقعته البغلة، كما كانت الرحمة بالآخر شكراً على نعم الله تعالى، لهذا أنقذ المجوسي اليهودي رغم خيانته، فقد سمع اعتذاره: التربية والمبادئ الأنانية التي غرست به، القدوة غير الصالحة، التي ترسخ هذه المبادئ، عدم القدرة على تغيير الذات بعد أن نشأ على الأنانية ورفض الآخر المخالف….

اللافت للنظر هذه الحرية والصراحة التي عبّر كل من اليهودي والمجوسي عن نفسه، وعن المعتقد، ولعل من أهم جماليات هذه القصة تجسيد هذا المعتقد عبر السلوك، فقد جوبه تعصب اليهودي وجشعه بانفتاح المجوسي عليه في المقابل، بل نجده يتيح له فرصة الدفاع عن ذاته بعد أن أخطأ في حقه، ويتفهم وجهة نظره ويرحمه مرة ثانية، وهذا يعدّ منتهى الانفتاح على الآخر باعتقادنا.

إذا كانت الصورة التقليدية لليهودي هي صورة منفرة أنانية، فإن هذه النظرة لا تشمل الدين اليهودي، إذ ينظر إلى كتابه المقدس التوراة نظرة مساوية للقرآن الكريم، وهذا ما أثبته لنا التوحيدي في المجلد الرابع من (البصائر والذخائر) فقد ذكر قول علي بن الحسين رضي الله عنهما: » ليس في القرآن "يا أيها الذين آمنوا" إلا وفي التوراة "يا أيها المساكين" «فيثبت بذلك أن الخطاب القرآني رديف للخطاب التوراتي، وأن الإيمان رديف للتواضع والمسكنة، وهذا في الدين الإسلامي واليهودي.

ومن مظاهر الانفتاح لدى التوحيدي أيضاً، استخدام بعض مفردات اللغة العبرية أثناء سرده قصة الراهبة مع الرجل الذي ادعى أنه ملاك، وحين قالت له: أراك بلا جناح، قال لها: » نحن معاشر الكروبيين لا يكون لنا جناح «(الكروبيون أو الكروبية: سادة الملائكة أو المقربون منهم، عبرانيتها كروبيم جمع كروب).

كذلك حين يسقط ابن غيلان البزاز مغشياً عليه إثر سماع أغنية، فجاء من يقرأ في أذنه آية الكرسي والمعوذتين ورقى بهيا شراهيا (معناهما في العبرية يا حي يا قيوم).

من الملاحظ أن استخدام مفردات اللغة العبرية كان يأتي ضمن سياق لا تبدو فيه غريبة، وإنما فيما نعتقد هي جزء من اللغة اليومية التي كانت شائعة في عصره.

٢ - صورة النصراني:

يبرز لنا التوحيدي (في الجزء الثاني من "الإمتاع والمؤانسة") الصلة الوثيقة بين الإسلام في بداياته وبين المسيحية، فقد ذكر حديثا موثقاً عن ابن عباس» أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كتب إلى النجاشي أصحمة: سلام عليك فإني أحمد إليك الله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن، وأشهد أن عيسى بن مريم روح الله وكلمته، فكتب النجاشي أصحمة بن أبخر: سلام عليك يا نبي الله من الله تعالى ورحمته وبركاته «.

بيّن لنا، هنا، الخطاب الذي يوحد المسلمين والمسيحيين، هو الإيمان بالله تعالى، لذلك يذكر الرسول (ص) من الصفات الإلهية تلك التي يؤمن بها أتباع المسيح (الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن) كما يبيّن لنا هذا الحديث اعتراف نبي المسلمين بعيسى عليه السلام، الأمر الذي دعا الملك المسيحي أن يعترف بنبوته أيضاً.

تزخر كتب التوحيدي بأقوال عيسى (ع)، التي تعزز صورة المسيح المألوفة والتي تقوم على المحبة والتسامح، فقد قال لتلامذته» علامتكم التي تعرفون بها أنكم مني، أن يودّ بعضكم بعضاً «.

هناك إعجاب كبير بأقوال المسيح حتى إن التوحيدي يفضل أقواله على قول أحد المتقدمين» اعمل لآخرتك كأنك تموت غداً، واعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً «فيعلّق على هذا القول: كلام منمق لا يرجع إلى معنى محقق، أين هو من قول المسيح - عليه السلام - حين قال: » الدنيا والآخرة كالمشرق والمغرب متى بعد أحدكم عن أحدهما قرب من الآخر، ومتى قرب أحدكم من أحدهما بعد عن الآخر « [٤٥].

لم يوضح لنا من هو أحد المتقدمين، لكن من الثابت أنه ينسب لمسلم يجسد الرؤية الإسلامية المتوازنة بين الدين والدنيا، غير أن هذه النسبة الإسلامية لا تشفع لدى التوحيدي، ولن تكون سبباً في تفضيله على قول المسيح، كذلك نلمح لديه رغبة في أن يتم أداء المعنى بعيداً عن اللغة المنمقة، التي يكثر فيها السجع، لذلك يعجب بقول المسيح الذي يقوم على التشبيه الفني المعبر عن صعوبة التوازن بين الدنيا والآخرة، ويجسد حالة القلق التي عاشها التوحيدي في محاولته إيجاد مثل هذا التوازن، لذلك بدا لنا هذا القول أقرب إلى حالته النفسية، فقد رأيناه أحياناً يعيش حالة من التصوف (في كتابه "الإشارات الإلهية") في حين كان يهدر كرامته، أحياناً، وهو يستجدي الوزراء والأغنياء أحياناً أخرى.

لكن أقوال السيد المسيح، لم تكن بمنأى عن الأثر الإسلامي، فقد ظهر هذا في لغته، فقد أورد التوحيدي حديثا يجسد لنا هذا الأثر» قال عيسى بن مريم كن في الدنيا ضيفاً، واتخذ المسجد بيتا «.

نلاحظ أن ثمة تحريفاً قد طرأ على قول الرسول عيسى، إذ نجد اسم مكان العبادة لدى المسيحيين (الكنيسة) باتت تحمل اسم مكان عبادة المسلمين، كأنه يوحي لنا بقول إنسان مسلم، أو لعله يريد أن يؤكد، عبر هذا القول، توحد الأديان من حيث أسُسُها ومنهجها وأماكن عبادتها، إذ يجمعها الإيمان بالله تعالى.

وقد وجدناه يذكر في بداية الحديث اسم الراوي الذي ينتمي إلى النصرانية» حكى لنا ابن زرعة النصراني قال: قيل للمسيح: ما بال الرجلين يسمعان الحق فيقبله أحدهما ولا يقبله الآخر؟ فقال: مثل ذلك مثل الراعي الذي يصوّت بغنمه، فتأتيه هذه الشاة بندائه، ولا تأتيه هذه «!

قال أبو سليمان: » هذا جواب ليس له سنن، ولعل الترجمة قد حافت عليه، والمعنى انحرف عن الغاية، وليس يجوز أن يكون حال الإنسان كيف كان حال الشاة في إجابة الداعي وإبائها، فإن له دواعي وموانع عقلية وحسية «.

يقدم لنا التوحيدي ملاحظة أستاذه الجمالية والمنطقية معاً، إذ من غير المنطقي أن نجد المسيح (النبي الذي يدعو إلى المحبة والرحمة) يشبه الناس بالحيوانات فهذا ما لا ينسجم مع المنطق، فالإنسان منحه الله العقل والحس، وعلى هذا الأساس يملك من المسوّغات التي تدفعه للاستجابة إلى النداء، كما يملك ما يمنعه أيضاً، ولذلك لا يمكن أن يصدر هذا التشبيه عن نبي، من المفروض أن يتميز باحترام إنسانية الإنسان الذي بعثه الله ليرقى بها، وهنا تبرز لنا موضوعية الناقد التراثي في التعامل مع أقوال السيد المسيح المقترنة بالإعجاب، وحين يجد قولا للمسيح لا يليق به أو يستضعفه يستبعد أن يكون المسيح قد قاله بهذه الصورة، فقد طرأ عليه تحريف بسبب الترجمة، إذ من المفترض أن يكون كلام الأنبياء على سوية إنسانية عالية التي هي بالتالي سوية جمالية لدى التوحيدي وأستاذه.

وجدنا هذه السوية أيضاً في كلام الرهبان الذي قدّمه التوحيدي في ثنايا كتبه، فعلى سبيل المثال قيل لراهب: كيف سجنت نفسك عن الدنيا، قال: أيقنت أني خارج منها كارها، فأحببت أن أخرج منها طائعاً. كما وجدنا الأخلاق الرفيعة التي تتجلى في سلوكهم، ففي ("البصائر والذخائر" المجلد الثالث) بدت الراهبة رغم انقطاعها للعبادة، تقوم بأعمال الخير، فتمد يد العون للمحتاجين، وتقري الضيف ليلاً.

إنَّ العلاقة الاجتماعية بين المسلمين والنصارى تقوم على أساس المودة والتواصل الإنساني، وقد قدم لنا التوحيدي نموذجاً عنها في (الإمتاع والمؤانسة) فقد روى أنه» كان للحسن البصري جار نصراني، وكان له كنيف على السطح، وقد ثقب ذلك في بيته، وكان يتحلّب منه البول في بيت الحسن، وكان الحسن أمر بإناء فوضع تحته، فكان يخرج ما يجتمع منه ليلاً، ومضى على ذلك عشرون سنة، فمرض الحسن ذات يوم فعاده النصراني، فرأى ذلك، فقال يا أبا سعيد مذ كم تحملون مني هذا الأذى؟ فقال: منذ عشرين عاماً، فقطع النصراني زناره وأسلم « [٤٦].

يمكننا أن نستنتج أن المسلم والنصراني يعيشان في مكان واحد، بل في بيت من طابقين، النصراني في الأعلى والمسلم في الأسفل، وقد تحمل المسلم أبشع أنواع الأذى (مياه الكنيف) من جاره، دون أن يعاتبه أو يواجهه حرصاً منه على علاقة حسنة مع جاره، وكذلك يبدو لنا النصراني حريصاً على علاقة حسنة بالجوار لذلك حين يمرض جاره المسلم يسرع لزيارته، فيكتشف الأذى الذي يصدر منه، وكيف صبر عليه جاره مدة عشرين سنة، لذلك يعجب بأخلاق الإسلام، ويعلن إسلامه.

كان معظم أطباء الخلفاء والوزراء من النصارى، وقد حدثنا التوحيدي عن أبي الفضل بن العميد في أذربيجان، الذي ظفر بطبيب نصراني» حسن الحذق، بارع الصناعة، مشهود له بصواب الرأي، وجودة التدبير، فأدناه أبو الفضل ورضي هديه… وكان يخصه بالبـرّ والتحفة، فكان من أمره أن أبا الفضل شرب قدحاً من شراب الرمان، وبقي في أسفل القدح قليلاً، ومدّ يده إلى الطبيب يناوله تكرمة له ويقول له: اشرب هذه البقية! فقال له الطبيب: نهى نبيكم عن سؤر الكلب (البقية) وأمسك عن القدح، فاصفرّ وجه أبي الفضل ولم ينطق بكلمة، ولا أساء إليه، ولا اعتذر ذاك من فرطته « [٤٧].

تحيط بالطبيب الصفات ذات الدلالة الإيجابية (حسن الحذق، بارع الصناعة، صواب الرأي، وجودة التدبير، الثقافة الإسلامية…) لكن الصفة اللافتة هي الكبرياء وعزة النفس في مواجهة الوزير، إذ يرفض بقايا الكأس الذي قدمه إليه، لأنه أحس استهانة الوزير به بتقديمه بقايا الكأس، تسعفه ثقافته الإسلامية في تعزيز كبريائه والحفاظ على كرامته، إذ يذكر الوزير بقول النبي (ص) الذي ينهى عن شرب البقية، إذ من الأدب النبوي ألا يقدم للضيف بقايا كأس.

المدهش أنه رغم ظهور معالم الغضب على وجه الوزير (اصفرّ) لكننا شهدنا محاولة كظمه (صمت الوزير) وعدم معاقبة الطبيب، المدهش أكثر عدم اعتذار هذا الطبيب عن رفضه للكأس.

إن الوزير حين قدّم بقايا الكأس للطبيب كان يظن أنه يكرمه بذلك، لكن الطبيب رأى في هذا التقديم نوعاً من الإهانة لهذا ردّ على الإهانة رداً سلوكياً برفض الكأس، ورداً ثقافياً إسلامياً حين أتى بنهي الرسول (ص) كي يبرر سلوكه المستفّز، فيخفف من غضب الوزير، ويرده إلى الصواب، وبذلك تبدو لنا الثقافة الإسلامية ثقافة العصر قد أتقنها المسلم والذمي، وقد احترمها الوزير فكانت شفيعاً عنده للطبيب.

كذلك حدثنا التوحيدي عن أساتذته وأصدقائه من العلماء النصارى الذين عاصرهم، فقدم لنا صورة موضوعية، تبيّن محاسنهم ومساوئهم، فأستاذه يحيى بن عدي» كان شيخاً لين العريكة فروقة، مشوّه الترجمة، رديء العبارة، لكنه كان متأتياً في تخريج المختلفة، وكان مبارك المجلس «.

يتميز التوحيدي بالنـزعة النقدية، إذ لا أحد لديه يجلّ عن النقد، وقد لاحظنا سابقاً كيف لم يسلم أستاذه (السجستاني) من نقده، مع أنه أكثر الأساتذة الذين أثروا فيه ونالوا إعجابه، لذلك لن نستغرب نقده الموضوعي لعلماء النصارى، فيحدد مزايا أستاذه يحيى بن عدي (العمق في تناول القضايا المختلف عليها، دماثة أخلاقه، حضوره الجميل وجاذبيته…) كما يحدد مساوئه (مشوّه الترجمة، رديء الأسلوب…) وهذا دليل على تفرده وإبداعه، وعدم تقليده لأساتذته.

كما قدّم لنا صورة لابن زرعة الذي كان معجباً بالثقافة اليونانية حتى إنه يذكر فلاسفتها في مجالس الشراب، وقد رأينا التوحيدي يذم تصرفه هذا الذي يزري بهؤلاء الفلاسفة، لكنه يراه» حسن الترجمة، صحيح النقل، كثير الرجوع إلى الكتب، محمود النقل إلى العربية، جيد الوفاء بكل ما جلّ من الفلسفة، ليس له في دقيقها منفذ… ولولا توزع فكره في التجارة، ومحبته في الربح، وحرصه على الجمع، وشدّته على المنع، لكانت قريحته تستجيب له، وغائمته تدرّ عليه، لكنه مبدّد مندّد، وحب الدنيا يعمي ويصم «.

يبدو لنا أن أكثر العلماء النصارى كانوا يعملون بالترجمة من اليونانية إلى العربية، وكانوا يتقنون هذه المهمة بشهادة التوحيدي، وإن كان قد لاحظ عدم تفرغ بعضهم للعلم وانصرافهم للتجارة والدنيا، مما يسيء إلى إنتاجهم، ويؤدي إلى افتقادهم للعمق الفلسفي، وقد لاحظنا أن ابن الخمار يعاني من المشكلة نفسها، فهو رغم أنه يعد فصيحاً مديد النفس، طويل العنان، مرضي النقل، كثير التدقيق، لكنه يخلط الدرة بالبعرة، ويفسد السمين بالغث… ويشين كل ذلك بالزهو والصلف، فما يبديه من الفضل يسترجعه بالنقص، وما يعطيه باللطف يسترده بالعنف… [٤٨].

وحين يفتقد لدى العالم المحاسن نجد التوحيدي يشير إلى ذلك ويبين سبب افتقاده لها» وأما ابن مكيخيا، فرجل نصراني أرعن خسيس، ما جاء يوما بخير قط لا في رأي ولا في عمل ولا في توسّط، وأصحابنا يلقبونه بقفا، وهو منهمك بين اللذائذ، همه أن يتحسّى دنّ الشراب في نفس أو نفسين، ثم يسقط كالجذع اليابس لا لسان ولا إنسان «.

يلاحظ المتتبع لنقد التوحيدي اعتماده على التصوير الفني في الحديث عن الشخصية (يسقط من كثرة الشراب كالجذع اليابس لا لسان ولا إنسان) كما يلاحظ أنه لا يعزل أخلاق العالم وسلوكه عن علمه، فكأنه يريد أن يؤكد أن العالم الحقيقي من يستطيع أن يجمع مكارم الأخلاق إلى جانب المعرفة.

الآخر: العبد

يتسع مفهوم العبودية في التراث الإسلامي، ليشمل من يلغي عقله من أجل شهوته، ومن يلغي كرامته من أجل جمع المال والمركز، وهذا ما ذكره لنا التوحيدي (في البصائر والذخائر، المجلد الرابع) أن» العبيد ثلاثة: عبد الرق، وعبد الشهوة، وعبد الطمع «.

صحيح أن الإسلام لم يلغ الرق إلغاء تاماً، إلا أننا لاحظنا أنّه ساعد على تحريره، وجعل للعبد حقوقاً، وأكد ضرورة المعاملة الإنسانية، فقد روي عن الرسول (ص) قوله» شرّ الناس من أكل وحده ومنع رفده، وضرب عبده «بل نجد هناك من يدعو أن يكون السيد صديقاً للعبد، أي يعامله معاملة الند للند، فقد أورد لنا التوحيدي في (الصداقة والصديق) قول الشاعر:

إن كنت تطلب فضلاً

فكـن لعبـدك خلاً

إذا ذكـرت ومجـدا

وكـن لخـلّك عبـدا

ثم يقول: » وكان سببهما أن صديقاً لي ضرب عبداً له، فحضره صديق له، فمنعه الصديق فلم يمتنع، فكتبت إليه هذين البيتين أذكره بحق الصديق في عبودية الطاعة، وأخوة العبد في حق الإيمان، قال تعالى: (إنَّما المؤمنونَ إخوةٌ [٤٩] هذا مع ما في التسلط على المماليك من الدناءة! «.

إنَّ المنطلق الديني واضح في معاملة العبد، الذي هو منطلق إنساني، هناك أخوّة في الإيمان، تجعل العبد مساوياً لسيده، ما دام مؤمناً مثله، واللافت هنا، الشاهد الشعري» فكن لعبدك خلا «الذي يبدو لنا مساوياً لنداء القرآن الكريم للأخوة الإيمانية.

احتل العبيد والإماء مكانة رفيعة في العصر العباسي، ولاسيما أولئك أصحاب الموهبة، وقد حدثنا عن أحدهم في ("البصائر والذخائر" المجلد الرابع) قال: فقد» اشترى إسحاق بن علي بن عبد الله بن العباس غلاما فصيحاً، فبلغ الرشيد فأرسل إليه يطلبه، ، فقال لم أشتره إلا لك، فلما وقف الغلام بين يديه، قال الرشيد: إن مولاك قد وهبك لي، فقال الغلام: يا أمير المؤمنين ما زِِلت وما زُلت، قال: فسر، قال: مازِلت لك وأنا في ملكه، ولا زُلتُ عن ملكه وأنا لك، فأعجب الرشيد وقدّمه «.

ثم نجد التوحيدي يعلق على هذه الحادثة» وبمثل هذا البيان والعقل يتقدم العبد على الحر والوضيع على الشريف «.

نلاحظ هنا اتساع أفق الخليفة حتى إنه يحاور الغلام، ويستمع إليه، وحين يرى فصاحته، يعلي مكانته ويقدّمه على سائر الناس، يغتنم التوحيدي هذه الحادثة ليؤكد وجهة نظره، التي تعلي شأن العقل والفصاحة وترى فيهما مقياس الحرية والعبودية بين الناس.

ورغم أن الإسلام جعل ابن الأمة حراً، وهذا نقيض الديانات الأخرى، إلا أن العرب، فيما يبدو، مع بداية الإسلام كانوا يحتقرون أبناء الإماء، بتأثير الموروث الجاهلي، حتى تزوج الصحابة من الإماء وأنجبوا أولاداً نالوا احترام الناس، قال الأحنف: لم تزل العرب تستخفّ بأبناء الإماء حتى لحق هؤلاء الثلاثة بهم: علي بن الحسين (بن علي بن أبي طالب) والقاسم بن محمد (بن أبي بكر) وسالم بن عبد الله (بن عمر بن الخطاب).

وبذلك غيّر الإسلام النظرة الجاهلية التي كانت ذيولها لا تزال تؤثر في الحياة الاجتماعية، فجاء زواج أبناء الصحابة الكبار من الإماء ليجسد روح الإسلام السمحة ويعلّم الناس هذا التسامح في النظرة إلى أبناء الإماء.

المنهج الذي اتبعه التوحيدي في النظرة إلى الآخر

يقوم المنهج الذي يؤسس نظرة التوحيدي للآخر على الفكر الإسلامي، أي على الإيمان والأخوة والتسامح بين الناس جميعاً، وقد بدا لنا التوحيدي معنياً بتجسيد هذا الفكر، فقد أورد لنا مثلاً قول راشد بن أبي الحمد الحسني» السبب أولى من النسب، والسبب هو التقوى، وبها تظهر الكرامة، قال تعالى: (إن أكرمَكُم عندَ اللهِ أتقاكُم [٥٠] إن النسب لا يمدح به ولا يثاب عليه، وإنما هو كالطول في الطويل، والقصر في القصير، وإنما المدح والذم، والثواب والعقاب راجعة إلى الفعل «(٥١).

من المعروف عن العرب في الجاهلية افتخارها بالنسب، فجاء الإسلام ليحل التقوى محل هذا النسب في أهم دستور له (القرآن الكريم) ويتضح لنا من خلال شرح التوحيدي وتعقيبه أنه لا يمكن أن يمدح المرء بما لا يد له فيه (النسب) وإنما المدح أو الذم يكون بتقوى الإنسان الذي يتجلى بالعمل، ولا يكون بالقول فقط.

وقد أظهر لنا التوحيدي (في "البصائر والذخائر" في المجلد الثاني الجزء الثاني) قوة تأثير الروح الإسلامية في عصر اتسم حكامه بالعداء للموالي (العصر الأموي)» قال ابن شهاب الزهري، قدمت على عبد الملك بن مروان، فقال لي: من أين قدمت يا زهري، قلت من مكة، قال: من خلّفت يسودها؟ قال عطاء بن أبي رباح، قال: أمن العرب هو أم من الموالي؟ قلت: من الموالي، قال: فيمَ سادهم؟ قلت: بالديانة، قال: الديانة والرواية ينبغي أن يسودا… ثم يسأله عن أهل اليمن ومصر والشام والجزيرة وخراسان والبصرة فقال: يسودهم من الموالي، قال: ويلك فمن يسود أهل الكوفة؟ قلت: إبراهيم النخعي، قال: أمن العرب؟ قلت: نعم من العرب، قال: ويلك فرّجت عني، والله ليسودنّ الموالي العرب حتى يخطب لها على المنابر والعرب تحتها، قال: قلت يا أمير المؤمنين إنما هو دين من حفظه ساد، ومن ضيّعه سقط! «.

يبدو لنا الخليفة الأموي في البداية وقد طغى عليه الجانب الديني الذي يرى في الدين العامل الأول للسيادة، لكنه سرعان ما يستفزّ وتستيقظ عنجهيته العربية، حين يلاحظ أن معظم الذين سادوا في المدن الإسلامية هم من الموالي، بل نجده يتنبأ بسيادة الموالي ووصولهم إلى أعلى مرتبة في الحكم، فيأتي محاوره، رجل العلم والدين، ليذكره بحقيقة قد يغفلها المرء في لحظة تعصب، هي أن زمن الجاهلية قد تغيّر، حيث يعدّ النسب القيمة العليا، وجاء الإسلام حيث التفوق والسيادة فيه للدين، وبذلك يواجه رجل العلم الخليفة حين ينحرف تفكيره ويرده إلى حقائق الدين الإسلامي.

وهكذا لم يعد شرف الإنسان في الإسلام يستمده بما ورثه عن آبائه وأجداده، لذلك نسمع التوحيدي يقول: » وإنما يشرف الإنسان بنفسه، وبما يظفر من آثار الحكمة «، وما أحسن قول الإمام علي (ع)» قيمة كل امرئ ما يحسن «لهذا لا يمكن أن يتساوى الناس في الشرف، إذ كيف يتساوون في ارتفاع الشرف؟ لو تساووا لما كان شرف ولا ارتفاع، وإلا فعلى ماذا يرتفع ويشرف والمنازل متساوية؟ .

إن المنطلق الأساسي لدى الإنسان المؤمن هو أن» الناس يتساوون في الإنسانية التي تعمهم «لكنهم يختلفون بما يحسنون من عمل، وبما يقدمونه في خدمة الآخرين، وبذلك تكون قيمة الشرف ملازمة للعمل لا للنسب في الإسلام، ويكون التقى قريناً للعمل الصالح.

وقد أكد لنا التوحيدي هذه المساواة في الإنسانية، وحين نتأمل حال الأمم تأملاً منطقياً بعيداً عن الانفعال والخطابة والتعصب نلاحظ أن الخلق كلهم في نعم الله مشتركون، وفي أياديه مغموسون، وبمواهبه متفاضلون، وإلى مشيئته صائرون، وعن حكمته مخبرون، ولآلائه ذاكرون.

وفي (الإشارات الإلهية) يؤكد لنا أن مكارم الخلاق مصدرها الإيمان، فقد أودع الله تعالى في أعماق الإنسان نزوعاً فطرياً نحوها، سيغذيه الإيمان» ولا أوحشك من رق العبودية إلا وقد هيّأ لك خلعة الحرية… «(٥٢).

ثمة حرص من التوحيدي على الإيمان الحقيقي، في زمن بدأت تظهر فيه النـزاعات الطائفية، لذلك كان يورد في كتبه ما يؤسس لأمة إسلامية تترفع عن الصراعات المذهبية (بين السنة والشيعة) وما ينتج عنها من صراع حول شعائر شكلية لا علاقة لها بجوهر الإسلام» قيل لصوفي: أرفع اليدين في الصلاة أفضل أم إرسالهما؟ فقال: رفع القلب إلى الله تعالى أنفع منهما «.

كذلك استطاع أن يبرز لنا مرونة الفكر الإسلامي، واتساع آفاقه، حتى ليشمل رؤى مختلفة تتناسب مع فكر الشخصية ونظرتها إلى الإيمان، فقد أورد مقولة أبي الدرداء» أحب ثلاثة لا يحبهن غيري: المرض تكفير لخطيئتي، وأحب الفقر تواضعاً لربي، وأحب الموت اشتياقاً إليه «.

فذكر ذلك لابن سيرين فقال: لكني لا أحب واحدة من هذه الثلاثة…. مبيناً السبب في ذلك، ما يهمنا في هذين الرأيين المتعارضين، هو قول أبي حيان» ولولا أن الطرق إلى الله مختلفة، لما عرض هذا الرأي للأول ولا عارضه الثاني «.

إن هذه المرونة في النظرة إلى الإيمان بالله تعالى، تسم الفكر المنفتح على العقل، البعيد عما هو مغلق، أي بعيد عن الرؤية الأحادية التي قد تسيء إلى عقل الإنسان في علاقته مع الله تعالى ومع نفسه ومع الآخرين.

سـمات منهجه

لعل أهم سمات منهجه المرونة الفكرية التي تعني انفتاحاً وقبولاً للآخر المختلف، وهذه سمة ليست سمة خاصة به، وإنما هي سمة عصره وأساتذته، فقد أورد في الليلة الثامنة من (الإمتاع والمؤانسة) قول أستاذه السيرافي» الاختلاف في الرأي والنظر والبحث والمسألة والجواب سنخ (أي أصل) وطبيعة «لأن الناس على» فطر كثيرة, عادات حسنة ومذمومة… فلابد من الاختلاف في كل ما يختار ويجتنب، ولا يجوز في الحكمة أن يقع الاتفاق … ألا ترى أن الاتفاق لم يحصل في تفضيل أمة على أمة، ولا تفضيل بلد على بلد، ولا في تقديم رجل على رجل… «(٥٣).

إنَّ مصدر المرونة الفكرية لدى التوحيدي هو الإقرار بأن تنوع الآراء ووجهات النظر سمة أصلية في حياة الإنسان، لهذا كان من الصعب أن تتفق الآراء في تفضيل أمة أو بلد أو إنسان، لكن ثمة معاني توحد بين الناس، وتتسم بسمات عالمية فلا تنتمي لقوم دون قوم، وبذلك لا يؤثر عليها اختلاف اللغات» لأنها حاصلة بالعقل والفحص والفكر «.

يرفض التوحيدي العصبية التي بدأت تنتشر بين علماء عصره» فإنه قد دبّ فيهم داء الحمية، واستولى عليهم فساد العصبية حتى صار الغيّ متبوعاً والرشد مقموعاً…. «.

يرفض الوهن الفكري الذي بدأ يشيع في عصره على شكل عصبية لعرق أو مذهب، مما يخلق هوة بين الإنسان وبين روح الإسلام، لذلك كان حريصا على تبيان معالم العصبية وتعريفها للناس، عبر استخدام العبارة البسيطة والدقيقة، إنها تجسد انحرافاً عن الحق، يقول في (البصائر والذخائر) معرّفاً العصبية» أن يرى الرجل شرار قومه خيراً من خيار قوم آخرين «.

هناك أمر يهم التوحيدي وهو الحرية الفكرية، التي يريد من الإنسان أن ينطلق منها في تعامله مع أفكار الآخرين، حتى إنه يطلب من المتلقي (في "البصائر والذخائر") أن يتناول كتابه برؤيـة نقدية حـرة» فكن - أيدك الله - شاكراً لصواب ما يمرّ بك في هذا الكتاب، محاذراً في خطأ ما يلوح لك، واعمل بحكم الحرية وعصبية الإنسانية، في نشر جميل أنت أولى بنشره، وستر قبيح أنت أحق بستره «(٥٤).

يبتكر التوحيدي مصطلحاً دقيقاً» عصبية الإنسانية «التي هي رد يف "الحرية" وقد وجدناه يحرض المتلقي لامتلاكها، فيستطيع عندئذ أن يقبل ما يفيده ويرفض ما لا يفيد، وهو يدعوه إلى هذه الممارسة النقدية الحرة فيما يكتبه التوحيدي نفسه.

فالعصبية الإنسانية تعني انفتاحاً على الإنسان بغض النظر عن جنسه، وعن دينه ومذهبه، كما تعني ارتقاء في الفكر وابتعاداً عن الانغلاق والخوف من النقد.

إن ما يؤسس هذه العصبية الإنسانية هو نفسه ما يميز الإنسان عن غيره من الكائنات أي "العقل" وخصائصه من "التمييز" و"الرؤية" أي المحاكمة المنطقية وسعة الأفق، وكلما اتسعت هذه الصفات لديه كان أكثر إنسانية.

وبناء على ذلك لن نستغرب الموضوعية التي شهدناها لدى التوحيدي في نظرته للآخر، في كتابه الذي يحمل عنواناً ذا دلالة غير موضوعية (مثالب الوزيرين) والذي يوحي لنا باهتمام التوحيدي بجانب واحد من صفات الوزيرين هو المساوئ، لكننا ندهش حين نجده يذكر محاسنهما، في عدة مواضع من الكتاب!!

فيقول مثلاً إن لهما» فضائل لم يثلمهما فيها أحد في زمانهما ولا كبير ممن تقدمهما، فإن الفائدة المطلوبة في أمرهما، وشرح حديثهما تأديب النفس واجتلاب الأنس، وإصلاح الخلق «.

وفي موضع آخر من الكتاب نفسه نجده يمعن في شرح فضائلهما، بل نجده يبالغ في تقديم هذه الفضائل قائلاً: » لم يكن في الأولين والآخرين مثلهما، ولا يكون إلى يوم القيامة من يعشرهما، اصطناعاً للناس، وحلما عن الجهال، وقياماً بالثواب والعقاب، وبذلاً لقنية المال، ولكل ذخر من الجواهر والعقد، وأنهما بلغا من المجد الذروة الشماء… «.

هذه المبالغة أوقعت التوحيدي في التناقض، فقد وجدناه مثلاً في الكتاب نفسه يتهمهما بالبخل، وبذلك سيحار المتلقي، ويحس ابتعاد أبي حيان عن الموضوعية.

لذلك نجده يمارس نوعاً من النقد الذاتي، فهو يتوقع ممن يعرفهما معرفة وثيقة أن يردّ قوله في ذمهما في وجهه، بعد زجره وتجهيله، بل أورد لنا صراحة لوم أصحابه على هذا الكتاب، لذلك نجده ينقد ذاته، مسوغاً عدم موضوعيته، بأن حاله حال رجل قال لرسول الله (ص) رضيت فقلت أحسن ما عرفت، وغضبت فقلت أقبح ما عرفت، فلم ينكر ذلك رسول الله (ص) … وبذلك نلاحظ هنا محاولة التوحيدي تبرير سلوكه في ذم الوزيرين تسويفاً نفسياً، كي يحوز التسويغ الديني رغم ابتعاده عن الحقيقة!!

ويبدو لنا متأملاً في النفس البشرية، متعمقاً دواخلها، فيراها مسرفة في حالتي المدح والذم» فمتى يخلو المادح إذا مدح من بعض الإفراط تقرباً إلى مأموله وخلابة لعقله، واستدراراً لكرمه وبعثاً على تنويله وتحويله، أو متى يسلم الذام إذا ذم من بعض الإسراف تعنتا لصاحبه، وحملاً عليه بالإنحاء الشديد، والقول الشنيع، والنداء الفاضح، والحديث المخزي وجرياً مع شفاء الغيظ وبرد الغليل «(٥٥).

إذاً الرغبة في العطاء تحمل المرء على المبالغة في المدح والمجاملة، ولكن إلى جانب الطمع المادي هناك العامل النفسي من حب وكراهية، فقد يحمل المرء على المبالغة في الذم حين تسيطر عليه مشاعر الكراهية، لخص لنا هذا القول في (الإمتاع والمؤانسة)» محبة الرجال للرجال فتنة حاملة على قبول الباطل، وبغض الرجال للرجال فتنة حاملة على ردّ الحق! «.

وقد وجدناه متأملاً ذاته حين يتملكها الهوى، فيعرّف لنا أبعاده وكيف يتمكن أعماق الإنسان، وبذلك يجسد لنا تفاصيل الحالة النفسية الداخلية في لحظة اندفاع، كما يجسد لنا ماهية الهوى» الهوى مقيم لابث، والرأي مجتاز عارض، ولابد للهوى أن يعمل عمله، ويبلغ مبلغه، وله قرار لا يطمئن دونه، وله غول تُضلّ، وتمساح يبتلع، وثعبان إذا فحّ لا يبقي ولا يذر، والرأي عنده غريب خامل، وناصح مجهول، وقال بعض الحكماء: إن الهوى يخصّ والرأي يعمّ، والهوى في حيز العاجل، والرأي في حيز الآجل …. «.

يشرّح التوحيدي الهوى، فتتضح لنا طبيعته التي تبدو أقرب إلى الغريزة التي تلح على الإنسان، كي يستجيب لها بعيداً عن أي رادع، كما تتضح لنا مساوئه، إذ يحيط التوحيدي الهوى بصفات ذات دلالات سلبية، إنه الخمر التي تضل العقل، كما هو أشبه بتمساح يبتلع الخصم أو أفعى تبث السمّ وتنشر أذاها على صاحب الهوى وعلى المحيطين به، وهو يزيد في إيضاح معناه بمقارنته مع نقيضه أي الرأي الذي يصدر عن العقل، والذي يدلّ الإنسان على الطريق القويم، لهذا خيره يعمّ على الناس جميعاً، في حين نجد الهوى يخصّ أذاه أشخاصاً محددين، رغم ذلك يبدو أن الإنسان قلما يتبع عقله، لذلك يشبّه بالغريب، الذي يكون نصيبه النبذ والعقوق، مع أنه يحمل الخير للإنسان، كما قال أعرابي» لم أر كالعقل صديقاً معقوقاً «.

وقد كان حريصاً على تجسيد الحالة التي يسيطر فيها العقل على الإنسان، ليؤسس لرؤية نقدية أقرب إلى الموضوعية على الصعيد النظري قائلاً: » متى كان الخصم منصفاً، وكان مدلاً بالحق متوقفاً، فإن القول معه يسهل، والجدال يخفّ، والحديث يفيد «.

فهو يستفيد من خبرته في الكتابة، ويلاحظ نفسه حين يكتب بشكل موضوعي، فإن الكلام يطاوعه، والهذر يقل في كلامه، فتشعّ الفائدة منه، وبإمكاننا أن نتوقع نقيض ذلك حين يسيطر الهوى على الكاتب.

هناك سمة أخرى تكمّل الموضوعية، التي لحظناها لدى التوحيدي، هي الاهتمام بالحوار مع الآخر، سواء أكان أستاذا أم صديقاً متفقاً معه في الرؤية الفكرية أم مختلفاً، وقد وجدنا معظم مؤلفاته تقوم على هذا الحوار (» الهوامل والشوامل «، » المقابسات «» الإمتاع والمؤانسة «…) نقل لنا عبرها جملة الحوارات التي كانت تحدث في مجالس العلماء ومجالس الوزراء، فتعرفنا على الغنى المعرفي الذي ساد في القرن الرابع الهجري، كما تعرفنا على آداب الحوار في ذلك العصر، حيث يتاح للرأي المعارض فرصة التعبير عن نفسه، يكفي أن نذكر مثالاً على ذلك الليلة الثامنة، حيث دار الحوار بين متى بن يونس وأبي سعيد السيرافي نجد أن متى يقول مدافعاً عن اليونان» إنهم بين الأمم أصحاب عناية بالحكمة والبحث عن ظاهر العالم وباطنه… وبفضل عنايتهم ظهر ما ظهر… من أنواع العلم وأصناف الصنائع، ولم نجد هذا لغيرهم، فيقول له أبو سعيد السيرافي: أخطأت وتعصبت وملت مع الهوى، فإن علم العالِم مبثوث في العالَم بين جميع من في العالم… كانوا كغيرهم يصيبون في أشياء ويخطئون في أشياء… وليس واضع المنطق يونان بأسرها، إنما هو رجل منهم، وقد أخذ عن قبله، كما أخذ عنه من بعده، وليس هو حجة في هذا الخلق

الكثير والجم الغفير «.

نلمس هنا، عبر صوت السيرافي، أسس الحوار مع الآخر، إذ يبين أخطاء محاوره (التعصب، تنـزيه اليونانيين عن الخطأ، الرؤية المحدودة) ليؤكد أن العلم ليس ملكا لأمة دون أمة، وإنما هو جهد مشترك بين من تقدموا ومن تأخروا، وبذلك علل أفكاره ووضح رؤيته المغايرة للآخر بلغة علمية.

إن إيمانه بالحوار أدى به إلى إفساح المجال للآراء المختلفة بالظهور في كتبه، كما أفضى به إلى التسامح الفكري، مما يعني سماع الآخر المخالف وعدم نفيه، بل تقديم وجهة نظره المخالفة، لأنه شريك في صنع الحضارة كما هو شريك بالإنسانية.

أكد لنا التوحيدي، على لسان موريس اليوناني، مبدأ التعددية في الفكر والمنهج» إني لأعجب من ناس يقولون: كان ينبغي أن يكون الناس على رأي واحد، ومنهاج واحد، وهذا لا يستقيم، ولا يقع به نظام «.

من منطلق العصبية الإنسانية كان الحوار لديه أداة أساسية نالت مكانة رفيعة، إذ بفضله ترتقي النفوس وتتطور العقول وتنطلق الألسنة معبرة عن الأفكار والعواطف» النفوس تتقادح، والعقول تتلاقح، والألسنة تتفاتح «فقد كان ولا يزال الأداة المعرفية التي بفضلها يرقى عقل الإنسان وتتهذب روحه.

وبذلك جعل التوحيدي الحوار مع الآخر والانفتاح عليه أساساً حضارياً، بفضله تنهض العقول وتتهذب النفوس، وهو ينتبه إلى الأثر اللغوي الذي يتركه الحوار لدى الإنسان، إنه يرقى بمقدرته اللغوية.

خاتمـة:

أبو حيان التوحيدي ابن بار للحضارة الإسلامية التي انفتحت على الآخر، فكانت القيمة العليا فيها للتقوى، لذلك استطاعت كتبه أن تقدم صورة لانفتاح المسلم على الآخر، ولم تتسم هذه الصورة بالتوتر إلا حين كانت تتعارض مع أخلاق الدين السمحة، وقد لاحظناه يسبغ صورة المسلم المثالية على الآخر (اليوناني والمجوسي).

إننا مدينون للتوحيدي في معرفة كثير من صور التمازج الحضاري التي شاعت في القرن الرابع الهجري بفضل الدين الإسلامي، وقد كانت أوضح صور التمازج لديه هي صورة الفرس والعرب، فبين لنا كيف أخذ العرب من الآخرين كما أعطوهم، وقدّم لنا مظاهر التمازج الذي يقوم على أساس ديني، كانت إحدى مظاهره الاهتمام باللغة العربية، حتى وجدنا معظم علمائها من الفرس، كما رصد نماذج للعلاقة المتوترة بين العرب والفرس، وقد كان رموزها ممن يشك في دينهم.

وبذلك كانت الثقافة الإسلامية ثقافة عالمية تتوحد تحت لوائها الأمم المختلفة، بل لاحظنا أن النصراني والمجوسي والملحد كان متقناً لها.

إن أهم ما بقي من التوحيدي هو اتساع الأفق، وتنوع النظرة، إنه العالم الذي استطاع أن يتخلص من الرؤية المتعصبة، التي كانت قد بدأت تقرّح جسد الأمة الإسلامية بين الفينة والأخرى، وتحصر الكمال في شخص واحد أو أمة واحدة، لذلك كانت الفلسفة العالية في رأيه تقوم على التعدد والتنوع، لهذا كان معجباً بقول أستاذه أبي سليمان» نزلت الحكمة على رؤوس الروم، وألسن العرب، وقلوب الفرس، وأيدي الصين «.

وهكذا تتوزع الأمم الحكمة، فتحصل كل أمة على جانب منها، إذ لا يمكن أن تحوزها أمة دون غيرها، وقد حاول أن يؤكد هذه المقولة على لسانه أيضاً، إمعانا في تثبيتها في الأذهان» ومن جحد بلاغة العرب وجولانها كل مجال وتميزها باللسان فقد كابر، ومن أنكر تقدم يونان في إثارة المعاني من أماكنها وإقامة الصناعات بأسرها، وبحثها عن العالم الأعلى والأوسط فقد بهت، ومن دفع مزية الفرس في سياستها وتدبيراتها وترتيب الخاصة والعامة بحق ما لها وعليها فقد عاند…. فليس من شخص وإن كان زرياً قميئاً إلا وفيه سر كامن لا يشركه فيه أحد «(٥٦).

إننا نلمس اللهجة التعميمية التي تشمل الأمم كما تشمل الإنسان، دون أن تعني هذه اللهجة إغفال خصوصية الإنسان.

لعل من أهم ميزات التوحيدي الفكرية امتلاكه الرؤية الإنسانية العامة التي تنطلق من الإنسان مهما كان مستواه الاجتماعي متدنياً، فإنه يملك سمة تجعله متميزاً بها عن غيره، ومثل هذا التميز بين الأفراد لابد أن يؤدي إلى تميز الأمم.

وبذلك لمسنا في كتبه دعوة إلى حوار الحضارات، إذ لا تستطيع أمة أن تملك بمفردها الحكمة والمعرفة والأدب والصناعة، فكانت هناك ضرورة ملحة للحوار بين الأمم، أي الأخذ والعطاء فيما بينها.

حتى على صعيد العلاقات الاجتماعية بين الأفراد يؤكد لنا هذه الحقيقة، إذ لا يستطيع الإنسان أن يعيش بعيداً عن الآخرين، فهو بحاجة إليهم، وقد بيّن التوحيدي سبب ذلك» اعلم أن في الناس حكمة، وأن مجالستهم تجلو بعض الظلمة، فاحتملهم على المخالفة وتمويه المصادقة، واقتبس منهم المحاسن، وتجافَ عن المساوئ… «(٥٧).

معايشة الإنسان لأخيه الإنسان، ترقى بحياته، في نظر التوحيدي، فيكون مجالسة الآخر، أي الحوار معه، مصدر تعلم الحكمة، مما يؤدي إلى غنى الشخصية، وقد شبه هذه المجالسة والحوار بمصباح ينير ظلمة الحياة، وهو لا ينكر المتاعب التي تصادف الإنسان من معاشرة الناس، لكنه يؤكد أن المرء يستطيع أن يتعلم منهم رغم ذلك، أي أن يأخذ بمحاسنهم ويبتعد عن مساوئهم.

إننا نحس اليوم أن التوحيدي معاصر لنا بفضل تجربته في التعامل مع الآخر المخالف وإعلائه لقيمة الحوار معه، وبفضل تعامله مع نفسه التي كان يخضعها لنقد ذاتي، ولاسيما حين تبتعد عن الموضوعية.

نلاحظ أخيراً أن الحضارة الإسلامية حين كانت في أوج ازدهارها، زمن التوحيدي، لم يشكل الآخر مشكلة أو جحيماً، على حد قول الأستاذ طاهر لبيب (٥٨). ولكن حين نال جسدها الوهن، وضعفت الروح الإسلامية السمحة بدأت علاقتها بالآخر تتوتر، وباتت ترى فيه مهدداً لها.

[٢] أبو حيان التوحيدي "مثالب الوزيرين" تحقيق د. إبراهيم كيلاني، دار الفكر، دمشق، ١٩٦١، المقدمة، ص (ب) بتصرف.

[٣] أبو حيان التوحيدي "الصداقة والصديق" دراسة وتحقيق د. إبراهيم كيلاني، دار طلاس، دمشق ١٩٨١، ص٢٧ - ٢٨.

[٤] أبو حيان التوحيدي "الإمتاع والمؤانسة" (ج١، ج٢، ج٣) تحقيق أحمد أمين وأحمد الزين، منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت، دون تاريخ، ص١٩.

[٥] أبو حيان التوحيدي "الصداقة والصديق" مقدمة المحقق ص١٧ بتصرف.

[٦] الحجرات ١٣.

[٧] رسائل أبي حيان التوحيدي ص٣٢٤.

[٨] البصائر والذخائر، أبو حيان التوحيدي مجلد ٣، جزء ٢، تحقيق د. إبراهيم كيلاني، دار أطلس، دمشق، دون تاريخ، ص١٢.

[٩] أبو حيان التوحيدي أو العالمي الفرد، خوان أنطونيو باتشيكو، مجلة فصول، الجزء ١ المجلد الرابع عشر، العدد ٣ خريف ١٩٩٥، ص٤٨.

[١٠] فلسفة السؤال والتساؤل عند التوحيدي، حامد طاهر، مجلة فصول، الجزء ٢ = المجلد الرابع عشر العدد ٤ شتاء ١٩٩٦، ص١٤٠.

[١١] الهوامل والشوامل، أبو حيان التوحيدي ومسكويه، تحقيق أحمد أمين والسيد أحمد صفر، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة ١٩٥١، ص٢ - ٣.

[١٢] مثالب الوزيرين ص٢١٥.

[١٣] الإمتاع والمؤانسة ج١ / ص٥٥.

[١٤] مثالب الوزيرين ص٧٤.

[١٥] الإمتاع والمؤانسة ص٢٠ - ٢١.

[١٦] البصائر والذخائر أبو حيان التوحيدي المجلد ٢ الجزء ١ تحقيق: د. إبراهيم، مكتبة أطلس، دمشق، دون تاريخ، ص٢٥٤.

[١٧] الإمتاع والمؤانسة ج ١ ص١٢٠.

[١٨] البصائر والذخائر، أبو حيان التوحيدي الجلد ٢ الجزء ٢ تحقيق: د. إبراهيم كيلاني، دار أطلس، دمشق، دون تاريخ، ص٢٩٨ - ٢٩٩.

[١٩] الصداقة والصديق ص١٣٥.

[٢٠] البصائر والذخائر، أبو حيان التوحيدي المجلد ١ تحقيق: د. إبراهيم كيلاني، دار أطلس، دمشق، ط١، ١٩٦٤، ص٢٤.

[٢١] المصدر السابق، المجلد٢ / ج٢ / ص٥٣٣.

[٢٢] الإمتاع والمؤانسة ج١ / ص٣٣.

[٢٣] الصداقة والصديق ص٧٨ - ٧٩.

[٢٤] الإمتاع والمؤانسة ج١ / ص٣٤.

[٢٥] الهوامل والشوامل ص٢٥٥.

[٢٦] البصائر والذخائر المجلد ١ / ص٣٦٣.

[٢٧] المقابسات، أبو حيان التوحيدي، تحقيق: حسن السندري، مكتبة الأسرة، الهيئة العامة للكتاب، القاهرة، ط١، ٢٠٠٠، ص٨٣.

[٢٨] مثالب الوزيرين ص٢٩٤.

[٢٩] الشعراء ١٩٥.

[٣٠] البصائر والذخائر، أبو حيان التوحيدي مجلد ٢ / جزء ٢ / ص٣٣٢.

[٣١] الصداقة والصديق ص٧٧.

[٣٢] البصائر والذخائر المجلد ١ / ص٣٦٤ - ٣٦٥ بتصرف.

[٣٣] الصداقة والصديق، ص٣٥٥.

[٣٤] البصائر والذخائر مصدر سابق المجلد ٢ / الجزء ٢ / ص٦٠٠.

[٣٥] المصدر السابق المجلد ٣ / الجزء ١ / ص٣٢٥.

[٣٦] تأثير الحكم الفارسية في الأدب العربي، في العصر العباسي الأول، عيسى =العاكوب، دار طلاس - دمشق، ط١، ١٩٨٩، ص١٩٣.

[٣٧] الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري، آدم مِتْز، ترجمة محمد عبد الهادي أبو ريد، المجلد ٢، دار الكتاب العربي، بيروت، ط٤، ١٩٧٦، ص٢٩٣.

[٣٨] مثالب الوزيرين ص٢١٥.

[٣٩] طه ١١٤.

[٤٠] البصائر والذخائر، أبو حيان التوحيدي المجلد ٣ / الجزء ٢ / ص٥٥٣ - ٥٥٤.

[٤١] الإمتاع والمؤانسة ج١ / ص١٦.

[٤٢] آدم مِتز الحضارة الإسلامية المجلد ١ / ص٧٥.

[٤٣] البصائر والذخائر المجلد ٣ / الجزء ١ / ص١٠٣.

[٤٤] المصدر السابق المجلد ٢ / الجزء ٢ / ص٨٢٧.

[٤٥] الإمتاع والمؤانسة الجزء ١ / ص١٥.

[٤٦] المصدر السابق الجزء ٢ / ص١٢٩.

[٤٧] مثالب الوزيرين ص٣٠٣.

[٤٨] الإمتاع والمؤانسة الجزء ١ / ص٣٣.

[٤٩] الحجرات ١٠.

[٥٠] الحجرات / ١٢.

(٥١) البصائر والذخائر المجلد ١ / ص١٧٣.

(٥٢) الإشارات الإلهية أبو حيان التوحيدي، حققه وقدّم له عبد الرحمن بدوي، الناشر وكالة المطبوعات - الكويت، دار القلم - بيروت، ط١، ١٩٨١، ص٢٢٨.

(٥٣) (الإمتاع ج٣ / ص١٨٧).

(٥٤) مثالب الوزيرين ص١٠.

(٥٥) المصدر السابق، ص١٠٥.

(٥٦) الإمتاع والمؤانسة الجزء ١ / ص٢١٢ - ٢١٣.

(٥٧) الصداقة والصديق ص٣٤٤.

(٥٨) صورة الآخر: ناظراً ومنظوراً إليه، مجموعة من المؤلفين، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط١، ١٩٩٩، ص٢٢٧.



[ Web design by Abadis ]