ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 الفصل الثاني: صورة الفرس في بخلاء الجاحظ

إن تحقيق الانفتاح على الآخر (الفرس) أي التوازن في الرؤية بين الناحية الفكرية والجمالية هو ما تطمح إليه هذه الدراسة، كما تطمح بتناولها نموذجاً من الماضي إلى تقديم فهم للحاضر يستند على أسس قويمة للعلاقات العربية الإيرانية.

نبذة عن حياة الجاحظ وعصره:

هو أبو عثمان عمرو بن بحر، قيل أنه من كنانة، وقبل هو كناني ولاء، وأن جده فزارة كان عبداً أسود يعمل جمّالاً لعمرو بن قلع الكناني، ومن المعروف أنه لقب بالجاحظ لجحوظ عينيه.

بدأ تعليمه في كتاتيب البصرة حيث كان يحفظ القرآن الكريم وشيئاً من الأشعار والنحو والفقه، ثم مضى إلى المساجد يستمع إلى حلقات العلماء الذين كانوا يحاضرون في كل فن وعلم، فأخذ يلتهم كل ما يسمعه هناك، كذلك كان يذهب إلى سوق المربد (التي كانت سوقاً تجارية وأدبية كبيرة آنذاك).

ورغم أنه كان فقيراً يبيع الخبز والسمك بسيحان (أحد نهيرات البصرة) إلا أنه كان نهما في قراءة الكتب حتى إنه كان يكتري دكاكين الوراقين ويبيت فيها للنظر والقراءة، ولم يقع بيده كتاب قط إلا قرأه مهما كان موضوعه، ويقال أنه لم يكتف بقراءة كتاب في اليوم الواحد‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍. ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍

وعلى هذا الأساس لن نستغرب ثقافته المتنوعة، ومن المعروف أن البصرة، في عصره، كانت دار ترجمة، قبل نشوء بغداد وفيها ترجم ابن المقفع كليلة ودمنة وكتب الآداب الفارسية ومنطق أرسطو.

شغف بالاعتزال، فتتلمذ على يد أساتذة المعتزلة أمثال أبي الهذيل العلاف وإبراهيم النظام، الذي كان يمزج بقوة بين الاعتزال والفلسفة، مما دفع الجاحظ للتزود من منابعها الأصلية، وقد شكل أساتذته مثلاً أعلى له في الثقافة الموسوعية التي هي سمة من سمات العصر العباسي، فكان مستوعباً لجميع ثقافات عصره من فارسية وهندية وعربية وإسلامية.

إن تأمله في أفكار المعتزلة وخاصة آراء أستاذه النظام، أدت به أن يعتنق مجموعة من الآراء انطلق منها ليؤسس فرقة معتزلية دعيت باسمه (الجاحظية).

كان يكتب، في بداياته، باسم النابهين من الكتاب القدماء أمثال ابن المقفع أو الخليل أو العتابي أو سلم صاحب بيت الحكمة، لكن سرعان ما لفت نظر الخليفة المأمون، عن طريق أستاذه ثمامة بن أشرس، فتحول من البصرة إلى بغداد، وأصبح كاتباً رسمياً للدولة، ويقال بأن المأمون قلّده ديوان الرسائل، لكنه لم يبق فيه سوى ثلاثة أيام، عاد بعدها إلى صناعته في التأليف والكتابة الأدبية، مكتفياً، فيما يبدو، براتبه، فقد أصبح الكاتب الرسمي للدولة.

تعرّف في بغداد على البيئة الأدبية والعلمية في المساجد وحلقات الدرس والمناظرة، وحين تحولت الخلافة إلى (سامراء) في عهد المعتصم انتقل إليها الجاحظ.

بدت كتبه ثمرة للنضج العقلي الذي شاع في العصر العباسي، خاصة الجهود العقلية للمعتزلة، سواء من حيث وضوح المنطق أو من حيث قوة الاستدلال أو من حيث توليد المعاني.

وقد كان يهدي القواد والوزراء وكبار الكتاب بعض كتبه، فيهدونه بعض أموالهم، فقد أهدى الوزير ابن الزيات كتاب» الحيوان «وأهدى قاضي القضاة ابن أبي داؤد كتابه» البيان والتبيين «أما الكاتب إبراهيم بن العباس الصولي فقد أهداه كتاب» الزرع والنخيل «كذلك لاحظنا في مقدمة كتاب البخلاء أنه كتبه بناء على طلب أحد الأعيان ولم يذكر اسمه، لكنه ذكر إعجابه بالكتاب الذي كتبه الجاحظ» في تصنيف حيل لصوص النهار، وفي تفضيل حيل سرّاق الليل «فطلب منه أن يؤلف كتاباً في نوادر البخلاء.

ويظهر أن مرض الفالج (الشلل) ألم به مبكراً، لكنه لم يستطع أن يقعده عن الحركة أو الكتابة، فقد كتب أثناء المرض أهم كتبه: » الحيوان «و» البخلاء «و» البيان والتبيين «و» الزرع والنخيل « [٢].

كتاب البخلاء:

وجدنا في إحدى قصص» البخلاء «التي كان أحد أبطالها أنه كتبه بعد إصابته بالفالج، فقد دعاه أحد البخلاء (محفوظ النقاش) للمبيت عنده، بعد هطول المطر، بسبب قرب منـزله من الجامع، فجاءه بطبق لبن وتمر، فلما مدّ يده الجاحظ قال له: » يا أبا عثمان إنه لبأ وغِلُظه! وهو الليل وركوده! ثم ليلة مطر ورطوبة، وأنت رجل قد طعنت في السن، ولم تزل تشكو من الفالج طرفاً، ومازال الغليل يسرع إليك، وأنت في الأصل لست بصاحب عشاء « [٣].

يعدّ كتاب البخلاء أحد الكتب التراثية الهامة التي استطاعت أن تجسد لنا العصر العباسي بكل حيويته، فتنقل لنا الحياة الاجتماعية بكل تفاصيلها وتفاعلاتها، كما استطاعت أن تنقل لنا الحياة الثقافية بكل إشعاعاتها ورحابتها المدهشة إذ ظهرت فيها امتزاج الثقافات بأجلى صورة.

يحس المرء مع سرد البخلاء أنه أمام» ممكنات جديدة كانت خفية في فهم التاريخ…لأن النصوص لا توجد في فراغ مكتفية بعزلتها الرائعة عن السياقات الاجتماعية والتاريخية، وليس التراث نفسه بالنصب الفخم القائم فيما وراء الزمان والمكان، بل هو كما أكد بول ريكور، بناء سردي يتطلب عملية إعادة تأويل مفتوحة النهاية، وبالتالي فإن معاينة التراث نعني أيضاً معاينة الوعي، بمعنى التمييز النقدي بين التأويلات المتصارعة « [٤].

إننا نرى في هذا الكتاب صورة مجتمع بدأ يعيش قيم حياة جديدة، ويرفض قيم البداوة التي ترى في صفة الكرم إحدى أهم مظاهر استمرارية الحياة في الصحراء، في حين بات الاقتصاد جزءاً حيوياً من حياة مدنية أكثر تعقيداً، إذ بات الإنسان يحسب للزمن ومصائبه حساباً، فهو يجسد لنا اضطراب القيم في ذلك العصر بين (بين الصحراء والحضر) أي بين بداوة مرتحلة في تفاصيلها المعيشية، لكنها راسخة في قيمها في مدن حديثة، يعيش فيها الكثير من الهامشيين والطفيليين الذين يستغلون القيم البدوية، ليعيشوا عالة على موائد الناس، كما يجسد لنا اضطراب هذه القيم في أعماق النفس الإنسانية وصراعها بين الكرم والبخل.

أما أن تكون الأسباب التي دفعت الجاحظ لتأليف الكتاب أسباب شخصية تتعلق بسمات يمتلكها الجاحظ تجعله بخيلا، كما يرى محققاً الكتاب (أحمد العوامري وعلي الجارم) فالجاحظ» يسخر من البخلاء، ويرسل الضحك عالياً من كثير من أعمالهم، وينسب إليهم كل ما يحط المروءة، لكنه في غضون ذلك يلقنهم الحجج على حسن الاتصاف بادخار المال، وأنه الحزم بعينه، والتدبير الذي هو عماد الحياة المتزنة الفاضلة، ثم هو ينسب الحديث هنا وهناك إلى هذا وذاك، فلا تستطيع أن تأخذ عليه كلمة، أو تتعرف ذات نفسه من عبارة يبوح بها قلمه، ولكننا نرى أنه كان بخيلاً لأن الولوع بالشيء يحبب إلى النفس التحدث عن والإفاضة فيه، لأن من عُرف الجاحظ، ومن أبرع صفاته أن يستر ما يحب أحياناً بإعلان ما لا يحب أحياناً، رجح أن يكون بخيلا « [٥]. لأنه وصف ما يعايشه، هنا لابد أن نتساءل: هل كان الجاحظ لصاً لذلك ألف كتاباً في حيل اللصوص؟ .

إن مثل هذا القول ينفي المقدرة الإبداعية لدى الأديب، ويحول كتاب البخلاء إلى نوع من السيرة الذاتية للجاحظ وهذا ما لا يمكن أن نوافق عليه، نظراً لما امتاز به الجاحظ من سعة الخيال، الأمر الذي يؤكد قدرته على الابتكار، ولا ننسى سعة الثقافة التي كانت إحدى سمات عصره والتي مكنته من التعرف على وجهات نظر متعددة للموضوع الواحد وقد ساعده في كل ذلك امتلاكه أدوات الحوار المنطقي الذي هو جزء من شخصية المثقف المعتزلي، إضافة إلى أن الجاحظ كتب هذا الكتاب في أواخر عمره، بعد أن اكتملت تجربته الحياتية ونضجت ثقافته، وبعد أن استوعب تجارب الآخرين التي عايشها أو سمع عنها، حتى باتت جزءاً حيوياً من شخصيته الأدبية التي تتبع النادرة أينما كانت، لتقدم عبرها المغزى والمتعة للمتلقي، لهذا قيل عن كتب الجاحظ أنها تمتع القلب والعقل معاً.

قبل أن نتحدث عن صورة الفرس في بخلاء الجاحظ، يحسن بنا أن نتعرف على مفهوم البخل لدى الجاحظ، ومن ثم نتعرف على سمات منهجه في تقديم صورة البخلاء بصورة عامة.

مفهوم البخل لدى الجاحظ ومنهجه في تصوير البخلاء:

لاشك أن مفهوم البخل لدى لجاحظ جزء من مفهوم عصره، فأي أديب هو ابن لبيئته ومفاهيمها، لكنه يمتاز عن غيره بقدرته الفنية على تقديم صورة أمينة لدقائق عصره.

نجد الجاحظ منذ فاتحة الكتاب (حين خاطب شخصاً واقعياً أو متخيلاً كان قد طلب منه تأليف كتاب في البخلاء ونوادرهم) يبين أنه سيختصر قصص البخلاء ونوادرهم» كي يصير الكتاب أقصر والعار فيه أقل «.

إذا البخل صفة منبوذة تجلب العار للإنسان، كما يجلب العار للكتاب الذي يتناول قصص البخلاء أيضاً، لكننا لاحظنا الجاحظ المعتزلي الذي يمتلك عقل باحث عالم يتناول مفهوم البخل برؤية علمية، فيرفض التعميم أي إطلاق صفة البخل على أي إنسان دون النظر إلى ظروفه المعيشية، فأهل المازح (قرية قرب الرقة) لا يعرفون بالبخل، ولكنهم أسوأ الناس حالاً فتقديرهم على قدر عيشهم، وإنما نحكي عن البخلاء الذين جمعوا بين البخل واليسر، وبين خصيب البلاد وعيش أهل الجدب، أما من يضيق على نفسه لأنه لا يعرف إلا الضيق، فليس سبيله سبيل القوم « [٦].

إذا مفهوم البخل لدى الجاحظ مفهوم موضوعي، فهو يخص الأغنياء بالبخل دون الفقراء، ويخص سكان الأراضي الخصبة لا سكان الأراضي المجدبة، لأن الإنسان محكوم بعطاء البيئة التي يعيش فيها أو بخلها، لهذا لا عذر لبخيل يعيش في أرض معطاءة، في حين يجد العذر لإنسان يعيش في بيئة فقيرة.

وكذلك بدا لنا مفهوم البخل، في قصصه، أقرب إلى الواقعية، لا يحاول أن يأتي بقصص لا يمكن للعقل أن يقبلها، فإذا ذكر إحداها أشار إلى عدم منطقيتها (مثلاً حين تحدث عن بخيل يمسح خبزه بقطعة الجبن، فجاء ابنه ليضع قطعة الجبن بعيداً ويشير إليها باللقمة من بعيد، نجد الجاحظ يرفض هذه المبالغة ويعلق قائلا: » لا يعجبني هذا…لأن الإفراط لا غاية له، وإنما نحكي ما كان في الناس، وما يجوز أن يكون فيهم مثله حجة أو طريقة، فأما مثل هذا الحرف (أي الإشارة إلى اللقمة) فليس مما نذكره « [٧].

إن الجاحظ، في كتاب البخلاء، يمتلك حس الكاتب الواقعي الذي لا يسعى إلى المبالغة والابتعاد عن المعقول من القصص، وإنما يقدم للمتلقي ما حدث فعلاً وما يمكن أن يحدث، فهو يلجأ إلى أساليب أخرى أكثر فنية لجذبه.

يلاحظ المتتبع لقصص بخلاء الجاحظ التنوع في أسلوب تقديمها بين القصة القصيرة (بالمفهوم المعاصر) والنادرة والفائدة اللغوية والشعرية، كما يلاحظ وجود قصص لا يمكن أن نعدها قصصاً عن البخل حسب مفاهيم عصرنا الحديث، مما انعكس على السمات الشخصية لبخلاء الجاحظ وسلوكهم، فتميّزوا أحياناً بسمات محببة، لذا لا نستطيع أن نلحق بهم دلالات مكروهة لهذه الصفة وفق مفاهيمنا اليوم، نظراً لتصرفاتهم التي لا تدل على البخل والأنانية دائما (فالبخيل لدى الجاحظ يقيم الولائم في بيته، وإن كان يشترط شروطاً وكذلك يقدم هدايا، وهو صاحب أنفة وكبرياء يرفض أن يستعيد ماله إذا حاول أحدهم إهانته ووصفه بالبخل كقصة أبي سعيد المدائني التي سنتعرض لها بعد قليل).

طبعا ستكون لدى الجاحظ مبررات من أجل وضعهم في خانة البخلاء (كأن يشترط على ضيوفه بعض الشروط التي يراها من آداب الطعام وهي بالتالي في صالح الضيوف، أو لا يهتم بنظافته كي لا تبلى ثيابه، أو يكثر الحديث عن هدية قدّمها، حتى نجده يؤرخ الأحداث بيوم تقديمها) وهنا لا ننكر دور خيال الجاحظ في إسباغ حس الفكاهة والمرح على الحدث.

قدّم الجاحظ لنا نوادر لا نستطيع أن نعدها قصص بخلاء، وإنما قصصاً تدل على الفطنة والذكاء، كقصة وال كان بفارس، مدحه أحد الشعراء، فأجزل له العطاء (أربعين ألف درهم) فأقبل عليه كاتبه قائلا: يا سبحان الله كان يرضى منك بأربعين درهما!… قال ويلك! أ تريد أن تعطيه شيئا؟ قال: أمن إنفاذ أمرك بد؟ قال: يا أحمق، إنما هذا الرجل سرّنا بكلام وسررناه بكلام! أهو حين زعم أني أحسن من القمر، وأشد من الأسد، وأن لساني أقطع من السيف وأن أمري أنفذ من السنان، جعل في يدي من هذا شيئاً أرجع به إلى بيتي؟ ألسنا نعلم أنه قد كذّب؟ ولكنه قد سرنا حين كذب لنا، فنحن أيضاً نسرّه بالقول ونأمر له بالجوائز، وإن كان كذباً، فكذب بكذب، وقول بقول، فأما أن يكون كذب بصدق، وقول بفعل، فهذا هو الخسران الذي ما سمعت به!! [٨].

إننا أمام محاكمة عقلية تلخص لنا أن الجزاء يجب أن يكون من جنس القول أو الفعل، وليس من المنطق أن يجازى على كلام بمال وإنما بكلام مثله، فهل نستطيع أن نعد هذه النادرة قصة في البخل أم قصة في حسن التصرف؟ .

وقد نجد قصصاً (عن أحد بخلاء الجاحظ المعروفين) ومع ذلك هي اقرب إلى النادرة التي لا نراها ذات علاقة بالبخل، وإنما تحكي عن أحد الأكولين (يدعى السديري) الذي يلتقيه في الطريق (محمد بن أبي المؤمل) فيدعوه ليأكل معه سمكة اشتراها بثمن باهظ، فلم يترك له الأكول شيئاً يأكله.

إن البخيل هنا يبدو كريماً ومظلوماً نتعاطف معه، فقد قضى طفيلي على حلمه بأكل جزء من السمكة اشتراها ودعا ضيفه ليشاركه فيها فلم يترك له شيئا، ومثل هذه القصة لا يمكن أن نعدها قصة بخيل، وإنما نادرة تدل على وقاحة الطفيليين في ذلك العصر، لذلك بات البخل مع أمثال هؤلاء أمراً مستحبا.

لهذا لاحظنا أن بعض البخلاء لا يخجل من صفة البخل، بل صار يرغب في إعلانها، حتى إن للبخلاء مجالسهم الخاصة، فنجدهم يؤلفون ما يشبه الجمعية اليوم، ليدافعوا عن وجهة نظرهم وينشروها على الملأ دون أي حرج، وبدؤوا بذلك يعلنون تمردهم على قيم تفتخر بها العرب.

صورة الفرس في كتاب البخلاء:

عرف الجاحظ (في كتابه البيان والتبيين) بدفاعه عن العرب في وجه الشعوبية، التي هي حركة تعتز بالتراث الساساني، وتدعو إلى إحياء جوانب منه وترفع شعار أفضلية الأمم الأخرى على العرب، مما يجعلها تميل للزندقة، كل ذلك من أجل أن ترد على النـزعة العربية التي ترى» أن العرب خير الأمم «وهكذا أورث التعصب العربي أيام الأمويين تعصب الأمم التي دخلت في الإسلام حديثا، لذلك انتقل الجدل لدى الشعوبية» من دعوة سليمة إلى المساواة بين الشعوب إلى الهجوم على السلطة القائمة وعلى الثقافة العربية الإسلامية « [٩].

يتصور المرء حين يرى الجاحظ مدافعاً عن العرب ومهاجماً الحركة الشعوبية، أن صورة الفرس في أدبه ستكون صورة مشوّهة، يخصها بدلالات سلبية، في حين يخص العرب بدلالات إيجابية، لكن الجاحظ شأنه شأن كل أديب عظيم، أبعد ما يكون عن التعصب والعنصرية، وكما يقول د. الطاهر مكي» كان الجاحظ يقاتل الشعوبية اتجاها سياسياً، لكنه لم يكن معادياً للثقافات الأجنبية، ولا يستطيع أحد أن يتهمه بالتعصب أو بقصر النظر أو بضيق الأفق « [١٠].

وكي لا نغرق في كلام نظري لابد أن نبرز شواهد تطبيقية على انفتاحه الفكري، فهو حين تحدث عن الأمم التي تمتلك الأخلاق والآداب والحكم والعلم لم يخص العرب وإنما ذكر إلى جانبهم الفرس والهند والروم.

من جهة أخرى لاحظنا في سيرته الذاتية التي أوجزناها قبل قليل، أنه أهدى أحد كتبه لكاتب غير عربي (هو إبراهيم بن العباس الصولي).

وكي لا يقول قائل إن هذا كلام عام بحاجة إلى توضيح وتخصيص! نورد ما جاء في كتاب الجاحظ (البخلاء) الموضع الوحيد الذي ذكرت فيه الشعوبية (الجزء الثاني ص ٢٠٢ - ٢٠٣) لنحلل الصفات الملحقة بهم هل كانت سلبية بالمطلق أم صدرت عن كاتب موضوعي ينقل لنا الحقيقة بأمانة، يقول» والشعوبية والآزادمردية (فرقة شعوبية تدعى الرجال الأحرار) المبغضون لآل النبي (ص) وأصحابه، ممن فتح الفتوح، وقتل المجوس، وجاء بالإسلام … وهم أحسن الأمم حالاً مع الغيث، وأسوئهم حالاً إذا خفّت السحاب، حتى إذا طبّق الغيث الأرض بالكلأ والماء، فعند ذلك يقول المصرم (السيء الحال الكثير العيال) والمقتر: مرعى ولا أكولة وعشب ولا بعير… «

ألا نلاحظ وصفاً يتسم بالموضوعية إذ أبعد عنهم تهمة البخل، ورأى حالهم كحال غيرهم من الناس، يعيشون في أيام الخصب حياة مرفهة كريمة، ثم في ضيق من العيش أيام الجفاف، لذلك لا نستطيع أن نسمهم بالبخل فحالهم كحال القرية العربية (المازح) التي تحدثنا عنها سابقاً.

إن تعاطفه الإنساني مع هؤلاء الذين جادلهم طويلاً في كتابه (البيان والتبيين) واضح حين نقل ما يجول في أعماقهم من أسى بعد هطول المطر، إثر جفاف قضى على ماشيتهم، لهذا يتحسرون قائلين (مرعى ولا أكولة، وعشب ولا بعير).

دلالة الاسم والصفة:

رغم أن الجاحظ لم يعد البخل سبة تشين صاحبها، فقد لاحظنا أنه مازال محكوماً بالموروث من القيم، ففي مقدمة الكتاب يصف البخل بالعار الذي يلحق بصاحبه وبالكتاب أيضاً، ثم يلمح إلى أن من عيوب كتابه، أنه أهمل كثيراً من القصص، حتى لا يحرج بذكر أسماء أصحابها وبينهم الصديق والولي والمستور والمتجمل، إذ يبدو لنا قصص البخل متداولة في عصره مع أسماء أصحابها، فإذا أثبتها الجاحظ في كتابه دون ذكر الاسم فسرعان ما يتراءى للقارئ الاسم لأنه رديف القصة، فيبدو المؤلف متجنياً عليهم، قد ارتكب إثماً في حق الصديق، لذا أغفل الاسم خوفاً على سمعة أصدقائه تارة وخوفاً على نفسه حين يكون البخيل من أصحاب السلطة.

لكن هناك أحاديث في رأي الجاحظ لابد من ذكر أسماء فيها فـ» ليس يتوفر حسنها إلا بأن نعرف أهلها «وهو يعترف بإعمال خياله وكتابة أحاديث مختلقة لكنها» مضافة إلى أربابها، وأحاديث غير مضافة إلى أربابها «دون أن يؤدي به ذلك إلى إيذاء أصدقائه أو نفسه.

لكنه أحياناً يسمي اسم صديقه» إذا كان مما يمازح بهذا، ورأيناه يتظرف ويجعل ذلك الظرف سلماً إلى منع شينه، قال الجاحظ لرجل يدعى عبد الله قد رضيت بأن يقال: عبد الله البخيل؟ قال: لا أعدمني الله هذا الاسم! قلت: وكيف؟ قال: لا يقال فلان بخيل إلا وهو ذو مال، فسلّم لي مالي وادعني بما شئت! قلت ولا يقال: فلان سخي إلا وهو ذو مال، فقد جمع الحمد والمال، واسم البخل يجمع المال والذم، فقد أخذت أخسهما وأوضعهما.

قال: وبينهما فرق. قلت: فهاته. قال في قولهم بخيل: تثبيت لإقامة المال في ملكه، وفي قولهم سخي: إخبار عن خروج المال من ملكه، واسم البخيل اسم فيه حفظ وذم، واسم السخي فيه تضييع وحمد « [١١].

تحولت صفة (البخيل) إلى لقب لعبد الله يفتخر به، ويدافع عنه بحماسة، لنلاحظ الدلالة الموحية لاسم (عبد) فالبخيل لا يأنف أن يكون عبداً للبخل، كما هو عبد لله تعالى! يخترع نظرية في البخل ويدافع عنها بإبعاد الدلالات السلبية وذكر الدلالات الإيجابية، ليجد العزاء فيها والمفخرة، وهو في المقابل يهدم صرح الكرم بتركيزه على الدلالات السلبية وإهماله الإيجابية، وبذلك يصبح البخيل صاحب مذهب في الحياة وفي الفكر أيضاً.

ومع ذلك كان الجاحظ يجد حرجاً في ذكر أسماء أصدقائه، فحين ذكر اسم صديقه أحمد بن خلف اليزيدي يخاف أن يسيء المتلقي الظن بأخلاقه» ولا تقولوا الآن: قد أساء أبو عثمان إلى صديقه…وغير مأمون على جليسه…اعلموا أني لم ألتمس بهذه الأحاديث إلا موافقته وطلب رضاه ومحبته، ولقد خفت أن أكون عند كثير من الناس دسيسا من قبله وكمينا من كمائنه، وذلك أن أحب الأصحاب إليه أبلغهم قولاً في إياس الناس من قبله، وأجودهم حسماً لأسباب الطمع في ماله « [١٢].

إذا بات البخيل، في العصر العباسي، بحاجة إلى وسيلة إعلامية (بلغة عصرنا) تعلن عن بخله، ولذلك فإن الجاحظ يؤدي لصديقه خدمة بإعلانه عبر أدبه عن صفة البخل التي تلازمه، فيبعد عنه الطامعين بماله، وبذلك يصبح الحديث عن بخل صاحبه من باب الوفاء بالأصدقاء لا الغدر بهم.

وفي قصة أخرى أشبه بمشهد مسرحي يحدثنا الجاحظ قائلاً «كنا مرة في موضع حشمة، وفي جماعة كثيرة، والقوم سكوت، والمجلس كبير، وهو بعيد عني (صديقه البخيل: الحزامي) أقبل علي المكي وقال، والقوم يسمعون، فقال: يا أبا عثمان من أبخل أصحابنا؟ قلت: أبو هذيل، قال ثم من؟ قلت: صاحب لنا لا أسميه. قال الحزامي من بعيد: إنما يعنيني! «.

ثم قال: حسدتم للمقتصدين تدبيرهم، ونماء أموالهم، ودوام نعمتهم، فالتمستم تهجينهم بهذا اللقب، وأدخلتم المكر بهذا النبر، تظلمون المتلف لماله باسم الجود، إدارة له عن شينه، وتظلمون المصلح لماله باسم البخل حسداً منكم لنعمته، فلا المفسد ينجو، ولا المصلح يسلم « [١٣].

إننا أمام مشهد مسرحي، شحنه الجاحظ بتفاصيل تشمل المكان وصفته (مجلس حشمة) ووصف لهيئة الناس المشاهدين للحدث (جماعة كبيرة من الحضور في حالة سكوت) ثم الحوار الذي يعتمد المفاجأة الدرامية، حين أعلن البخيل عن نفسه وفاجأ الراوي والحضور بافتخاره بما هو مذل في رأي الناس عامة!!

يمتلك بخيل الجاحظ سمات تجعله شخصية جذابة، رغم امتلاكه لسمة البخل التي يراها أكثر الناس سمة ذميمة، لكن الجاحظ بأسلوبه الفني وانفتاحه الفكري جعل منها شخصيات جذابة، تمتلك رؤية فكرية ومذهباً في الحياة، تدافع عنه، كما تمتلك سمات نفسية لا يمكن أن نتخيل اجتماعها في شخصية بخيل، إذ تلتقي فيها المتناقضات، فصديقه (الحزامي) يصفه بأنه» أبخل من برأ الله وأطيب من برأ الله «فالنفس الطيبة لا يمكن أن نتخيلها بخيلة، لأن سمة المنع تتصل بسمة اللؤم لا بالطيبة والسماحة.

في الحقيقة لم نجد صفة البخل التي لحقت بالشخصية تسيء إلى ملامحها، بل كثيراً ما أكسبتها جاذبية، فقد منحها الجاحظ بعداً فلسفياً وجمالياً يمتع المتلقي، فلا تبدو لنا هذه الشخصية مبعث استهجانه أو نفوره، كما لاحظنا في صورة بخيل موليير الذي تمتع بخيله بصورة منفرة، إذ اجتمع الجهل لديه إلى جانب كل الرذائل.

والآن لابد أن نتساءل أي الأسماء أكثر وروداً في قصص البخل لدى الجاحظ؟

لاحظت بعد إجراء إحصائية لأبطال قصصه البخلاء انهم بلغوا حوالي أربعين بخيلاً من العرب والفرس، منهم عشرة بخلاء من الفرس وثلاثين من العرب.

أما الأستاذ أحمد بن محمد أمبيريك فقد أجرى إحصاء، من نوع آخر، فقد أحصى جميع أسماء الأعلام الواردة في البخلاء، بغض النظر عن قصص البخل، فلاحظ أن الأصمعي قد احتل» المرتبة الثالثة في نسبة الورود في الكتاب، وذلك بعد النبي (ص) وعمر بن الخطاب، كما احتل سهل بن هارون الدرجة الرابعة… « [١٤] كما لاحظ ورود لفظ الجلالة لديه أكثر من أي اسم علم.

وهذا دليل على استغلال الخطاب الديني الإسلامي من قبل البخلاء، وبذلك يعلن الجاحظ انتماء بخلائه إلى المجتمع الإسلامي فلا يصمهم بالكفر، حين خرجوا عن عادات المجتمع السائدة وقيمه العليا، مما يدل على مدى تفتح فكر المؤلف، كذلك نلاحظ موضوعيته فالعربي (الأصمعي) قد يذكر لديه في باب البخل أكثر من الفارسي (سهل به هارون) إذا يمكننا القول بأن ذكر الجاحظ لأسماء البخلاء ليس من باب التشهير أو تشويه صورة أمة دون أخرى، وإنما رصد لظاهرة اجتماعية باتت منتشرة في عصره، وتقديمها بأسلوب يجمع المتعة والفائدة.

وقد لاحظنا أن الجاحظ قلما يكون راوياً للقصة وبطلاً مشاركاً في أحداثها، فهو في اكثر الأحيان يتخذ صفة الراوي المحايد الذي ينقل عن الآخرين أحداث قصته، فنجده يقول» قال أصحابنا «» حدثني عمرو بن نهيوي «» حدثتني امرأة تعرف الأمور «…الخ

وبذلك يوحي للمتلقي بحياديته التام، فهو يجمع القصص والنوادر من ألسنة الرواة الآخرين الذين سمعوها أو شهدوها بأنفسهم، أو كانوا أحد أبطالها، فيضفي المصداقية الواقعية على قصصه.

صور من بخلاء الفرس لدى الجاحظ:

١ـ سهل بن هارون:

عرّف به الجاحظ في كتبه (» البخلاء «و» البيان والتبيين «و» الحيوان «) إذ يعدّ من أهم الكتاب الذين ظهروا في العصر العباسي.

وصف الجاحظ في كتابه» البيان والتبيين «أهم بخلاء الفرس لديه وصفاً رائعا» كان سهل سهلاً في نفسه عتيق (جميل) الوجه، حسن الإشارة، بعيداً عن الفدامة (العي) تقضي له بالحكمة قبل الخبرة وبرقة الذهن قبل المخاطبة وبدقة المذهب قبل الامتحان وبالنبل قبل التكشف «يجدر بنا هنا أن نلفت النظر إلى أن هذه الصفات التي تشكل ملامح شخصية جذابة من الناحية الأخلاقية والثقافية والتي تمتع بها سهل بن هارون، نجدها في الكتاب الذي خصصه للبلاغة العربية وأبرز ممثليها، كما خصصه للدفاع عن العرب ضد الشعوبية، لذلك لا نستطيع أن نقول إن الجاحظ حين تحدث عن بخل ابن هارون كان متحاملاً عليه فقد ذكره إلى جانب العرب الذين اتصفوا بالبخل في كتاب واحد، كما ذكره إلى جانب العرب الذين اتصفوا بالبلاغة، فقد امتزج العرب بالأمم الأخرى تحت راية الثقافة العربية الإسلامية، واستطاع الجاحظ أن يقدم لنا صورة أمينة لهذا التمازج الذي لم يكن تمازجاً ظاهرياً، وإنما اتصل بأعماق النفس الإنسانية فتجلى بأدب جديد ينتمي لروح الإسلام.

لو تأملنا رسالة سهل بن هارون إلى بني عمه من آل رهبون (حين ذموا مذهبه في البخل، وردّوا عليه بعد أن تتبعوا كلامه في الكتب) للاحظنا وحدة الثقافة العربية الفارسية في العصر العباسي، فبالإضافة إلى كونها قد كتبت ببلاغة عربية، نجد سهل بن هارون يستشهد فيها بأحاديث الرسول (ص) وبأقوال الخلفاء والتابعين الذين عرفوا بالتقشف والزهد (عمر بن الخطاب، والإمام علي بن أبي طالب، الحسن البصري…) كما وجدناه يستعين بأقوال حكماء العرب ليؤكد أفكاره في ضرورة الحكمة في صرف المال (أمثال: الأحنف بن قيس…).

في المقابل نجد العرب (في كتاب البخلاء الجزء الثاني، ص ٩١) يرددون أقوال الفرس وخاصة سهل بن هارون، فقد أورد الجاحظ رسالة أبي العاص بن عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، إلى قريبه (الثقفي) قائلا: إنك تحفظ قول سهل بن هارون: في الاستعداد في حال المهلة، وفي الأخذ بالثقة، وأن أقبح التفريط ما جاء مع طول المدة، وأن الحزم كل الحزم، والصواب كل الصواب، أن يستظهر على الحدثان، وأن يجعل ما فضل عن قوام الأبدان، ردءاً دون صروف الزمان، وأنـّا لا ننسب إلى الحكمة حتى نحوط أصل النعمة، بأن نجعل دون فضلها جنة «فيرى في هذا الحفظ شاهداً على إعجابه بمذهب ابن هارون، وبرهان على ميله إلى سبيله.

يقدم لنا هذا النص صورة صادقة لتأثر العربي (من قبيلة بني ثقيف) بالآخر (الفارسي) الذي لم يعد يشكل ثقافة غريبة عنه، بل صار جزءاً حيوياً من الثقافة العربية الإسلامية، يؤثر فيها بعد أن اجتاز مرحلة التأثر وبدأ مرحلة الابتكار، وبذلك تجلت في هذه الثقافة العلاقات الحضارية بين الشعوب المختلفة، خاصة حين تتخذ تعاليم الإسلام هادياً لها فتنفتح على الآخرين، أما حين تترك تعاليمه السمحة فإنها تغرق في التعصب الذي يرفض الآخر (كما حصل لدى الشعوبية والدولة الأموية).

وقد قدم لنا الجاحظ خير مثال على انفتاح المثقف على الآخر، فحاول دائماً أن يضع الرؤية الموضوعية نصب عينيه، تجلت هذه الرؤية، حين تحدث عن ثقافة الفرس الذين دخلوا الإسلام، كما تجلت حين تحدث عن أساليب عيشهم فلم يسبغ صفة البخل عليهم جميعا، وعلى هذا الأساس لا نستطيع أن نعدّ سهل بن هارون رمزا للفرس في بخلهم، فقد لاحظنا قبل قليل كيف ذكر الجاحظ أن أبناء عم ابن هارون (آل رهبون) عابوا عليه مذهبه في البخل، وكتبوا رسالة يردون على مذهبه في الحياة.

٢ - أهل خراسان وغيرهم من الفرس:

لاحظنا قبل قليل أن الجاحظ في (البخلاء) يلتزم طريقة الراوي المحايد في أغلب قصصه، لذلك حين يبدأ الكتاب بأهل خراسان نجده يبين لنا سبب تناوله لهم» لإكثار الناس في (الحديث عن) أهل خراسان، ونخص بذلك أهل مرو بقدر ما خصوا به «أي بقدر ما خصهم الناس بتناقل أخبارهم.

إذا الجاحظ (الراوي المحايد) يروي قصص البخلاء التي تشيع بين الناس، فلا يتعمد أن يذكر فئة أو أمة دون أخرى، وهو حين خصص أهل خراسان بالحديث لم نجده يلتزم بهذا التخصيص، على عادته في الاستطراد، فتحدث عن الكندي، وحين انتبه لخروجه عن المنهج الذي اختطه نجده يقول: » وليس هذا الحديث لأهل مرو، ولكنه من شكل الحديث الأول «أي يشترك الكندي ذو النسب العريق والمكانة الاجتماعية المرموقة (وهو فيلسوف عربي معاصر للجاحظ) مع أهل مرو في صفة البخل نفسها.

هذه الرؤية المتوازنة لم يكشفها لنا أسلوب الجاحظ في الاستطراد فقط، وإنما طريقته الممتعة في تصوير شخصية البخيل، التي بدت في كثير من الأحيان تماثله ثقافة وعلماً، فيبدو لنا صوت البطل كأنه صوت المؤلف، فمثلاً يقول الجاحظ: » وقال أبو نواس: كان معنا في السفينة رجل من أهل خراسان، وكان من عقلائهم وفهمائهم، وكان يأكل وحده، فقلت له: لِمَ تأكل وحدك؟ قال: ليس علي في هذا الموضع مسألة، وإنما المسألة على من أكل مع الجماعة، لأن ذلك هو التكلف، وأكلي وحدي هو الأصل « [١٥].

يجسد لنا بخيل الجاحظ صورة عن ثقافة مبدعه أي صورة لثقافة العصر العباسي التي تعتمد الجدال العقلي (ثقافة المعتزلة) فيحول قضية يومية بسيطة (الأكل وحده) إلى مسألة إشكالية يدافع عنها حسب أصول المنطق.

كذلك تتجلى في حياة البخيل الثقافة الإسلامية فتترك أثرها على علاقاته، فالبخيل كما هو مألوف، يتجنب دعوة الناس إلى مائدته، لكن البخيل ذا الثقافة الدينية، يتجاوز ما تعارف الناس عليه التماسا لثواب الله تعالى» وقال المكي لبعض من كان يتعشى ويفطر عند الباسياني: ويحكم! كيف تسيغون طعامه، وأنتم تسمعونه يقول: (إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا ( (سورة الدهر آية: ٩) ثم ترونه لا يقولها إلا وأنتم على العشاء، ولا يقرأ غير هذه الآية… «

بالإضافة إلى الثقافة الدينية تتجلى في هذا المقطع روح الجاحظ المرحة، إذ لم يكتف بذكر الآية الكريمة، بل يحدد زمان قولها (أثناء العشاء، وكيفية قولها: لا يقرأ آية سواها).

وقد وجدنا الجاحظ يلخص لنا، سمات الشخصية البخيلة وعلاقتها بالدين، أثناء حديثه عن ابن امرأة فارسية (أم فيلويه) يصفها بالصلاح، ويصف ابنها أنه يظهر النسك ويَدين البخل، لذلك يبدو تدينهم أشبه بالطقس الاجتماعي، لا علاقة له بالإيمان الحقيقي، الذي يعني بر الوالدين، فقد سئلت أم فيلويه من قبل عجائز مثلها: كيف يبرها ابنها؟ فتجيب: » كان يجري علي في كل أضحى درهما!! فقالت وقد قطعه أيضاً! فسألتها المرأة مستغربة: ما كان يجري عليك إلا درهما؟ ما كان يجري علي إلا ذاك، وربما أدخل أضحى في أضحى! فقالت: يا أم فيلويه، وكيف يُدخل أضحى في أضحى؟ قد يقول الناس: إن فلاناً أدخل شهراً في شهر، ويوماً في يوم، فأما أضحى في أضحى، فهذا شيء لا يشركه فيه أحد! « [١٦].

يفضح الجاحظ في هذه القصة فئة من الناس تتاجر بالدين، وتتظاهر بالتقشف بخلا، فهي تدين بدين البخل، ولا تعرف غيره، لذلك يبرّ (فيلويه) أمه بدرهم سنة وينساها سنة (فيدخل أضحى في أضحى) فهو على نقيض الناس في إدخالهم المتتابع من الأيام لا المتباعد!!.

إن هذه القصة، أبرزت دلالات السلبية حملها البخيل، مما جعل القيم الدينية قيماً ظاهرية لم تؤثرعلى أخلاق البخيل أي على بنيته الداخلية، فبقي ابنا عاقاً لأمه، مفضلاً الدرهم على رضى ربه وأمه!

لكن الجاحظ في قصة أخرى أبرز أثر القيم الدينية على البنية الداخلية للشخصية، فانعكست عبر صفات إيجابية بدت في سلوك الشخصية وتعاملها مع الناس» حدّثني إبراهيم بن السندي قال: كان على ريع الشاذروان شيخ من أهل خراسان (موظف من قبل الوالي) وكان مصححاً (قويم الخلق) بعيداً عن الفساد، وعن الرّشا، ومن الحكم بالهوى، وكان حفياً جداً (مبالغاً متعمقاً) وكذلك كان في إمساكه، وفي بخله وتدنيقه في نفقاته، وكان لا يأكل إلا ما لابد منه، ولا يشرب إلا ما لابد منه «.

استطاعت هذه الشخصية أن تجمع بين الأخلاق الرفيعة التي يدعو إليها الدين، وقد برزت هذه الأخلاق في تعامله مع الناس، أما أخلاق البخلاء فقد انعكست على حياته اليومية، فلم يصل ضررها إلى أحد سوى ذاته، لذلك تفرض هذه الشخصية احترامها علينا رغم صفة البخل، الذي قد لا تكون الشخصية مسؤولة عنه، فالطبيعة الإنسانية قد تكون مجبولة على البخل، ولا ننسى أثر البيئة والتربية على الإنسان، فابن منطقة ذات إرث في البخل لابد أن يكون بخيلا، لهذا وجدنا الجاحظ يلتمس للخراسانيين العذر في بخلهم، الذي بات جزءاً من تكوينهم النفسي وتربيتهم، مما ترك أثراً ليس فقط على حياتهم اليومية، وإنما على حياة حيواناتهم، وقد وضح لنا الجاحظ هذا» وقال ثمامة: لم أر الديك في بلد قط إلا وهو لاقط يأخذ الحب بمنقاره ثم يلفظها قدام الدجاجة إلا ديكة مرو، فإني رأيت ديكة مرو تسلب الدجاج ما في مناقيرها من الحب! فعلمت أن بخلهم شيء في طبع البلاد، وفي جواهر الماء فمن ثم عمّ جميع حيواتهم « [١٧].

أورد الجاحظ هذه القصة لغايتين، باعتقادنا، الأولى إشاعة جو المرح في كتابه، في تصوير البخل الذي انتشر في مرو حتى وصل إلى أن بات جزءاً من عادات الحيوان.

والغاية الثانية: هي البحث عن أسباب بخل أهالي مرو، ليبرز أثر البيئة عليهم وعلى حيواناتهم (طبع البلاد، جواهر الماء) فيوحي للمتلقي أن هؤلاء الأهالي غير مسؤولين عن بخلهم الذي عمّ جميع نواحي حياتهم، حتى أطفالهم يولدون على فطرة البخل!

خصوصية العلاقة العربية الفارسية في كتاب» البخلاء «

كان التمازج بين العرب والفرس مدهشا في العصر العباسي، وقد استطاع كتاب» البخلاء «رصد هذا التمازج، على كافة المستويات (الاجتماعية والثقافية …) مما يجعلنا نؤكد مع الأستاذ أحمد لواساني ما عرف» تاريخ الإنسانية أمتين مختلفتين اختلاف العرب والإيرانيين في العرق والفكر والبيئة واللسان، ومع ذلك …فقد كان تلاقيهما السياسي والاجتماعي ثم الفكري الحضاري أكثر غنى من أية أمتين أخريين… « [١٨].

وقد رأينا مصداقاً لهذا القول حين تحدثنا عن سهل بن هارون إذ لاحظنا أن الفرس باتوا يشكلون لبنة أساسية من لبنات الحضارة العربية الإسلام وجزءاً حيوياً من المجتمع العباسي، فالملاحظ في هذا العصر أن الفرس أكثر الأمم اختلاطاً بالعرب، وقد ظهر ذلك في تأثرهم بالعرب وتأثيرهم فيهم.

فإذا لاحظنا شعوراً عدائياً لدى البعض (من الشعوبيين والمتعصبين والمتزندقين) فإن هذا الشعور لم نلمسه في أدب الجاحظ، الذي يجسد لنا الروح الإسلامية في لحظة صفائها وأوجها الحضاري.

ومن المعروف أن الأدب الحقيقي يستطيع أن يقدم صورة حقيقة للأمة في واقعها التاريخي الذي عاشته فعلا، كما يقدم صورة للاوعي الأمة، وكل المسكوت عنه مما يخدش حياء الأمة، أي يقدم صورة أمينة وصادقة لحياة الأمة في فترة من الفترات، فيجسد سلبياتها كما يجسد إيجابيتها.

وقد جسد لنا كتاب البخلاء سلبيات الأمة، في العصر العباسي، شيوع ظاهرة البخل في المجتمع الذي بات ينتمي إلى حضارة تختلف عن الحياة البدوية في قيمها وعاداتها، وقد جعل هذه الظاهرة عامة تشمل كل العرب والفرس.

كما استطاع أن يجسد لنا إيجابيات العصر روحه الإسلامية السمحة في التعامل مع الفرس، باعتبارهم جزءاً أساسياً من المجتمع العباسي، لا نلمس غربتهم أو مشاعر عدائية موجهة من العرب المسلمين المتفقهين بأمور دينهم، وكشاهد على هذا القول نورد ما جاء في بخلاء الجاحظ من قول الكندي (الفيلسوف العربي) لمكتري داره» أنتم شر علينا من الهند والروم ومن الترك والديلم، إذ كنتم أحضر أذى وأدوم شرا «.

لم نجد الكندي يذكر الفرس ضمن الأمم التي تضمر الشر للعرب، ويبادلهم العرب الشعور نفسه، فقد أصبحوا مسلمين وباتوا جزءاً من المجتمع.

وفي قصة أخرى للجاحظ تتضح لنا هذه الخصوصية، فقد استدان عربي من ثقيف مالاً من رجل من الفرس، يدعى باسم لا يوحي لنا بهويته، هو (أبو سعيد المدائني) الذي كان يزور الرجل المستدين في وقت طعامه، ليذكره بالدين، فقال له أحد أصدقاء المستدين (وهو من ثقيف أيضاً) بأنه لو أراد التقاضي محضا لكان ذلك في المسجد، ولم يكن في الموضع الذي يحضر فيه الغداء!.

فغضب الفارسي (الذي وصفه الجاحظ» كان أبو سعيد مع بخله أشد الناس نفسا، وأحماهم أنفا «(أي أبعدهم عن احتمال الذل) وثار لكرامته فمزق الصك والكتاب الذي يثبت حقه في الدين، وقال لكل من شهد المجلس: » هذه ألف دينار كانت لي على أبي فلان، اشهدوا جميعا أني قبضت منه وانه بريء «فاضطر الثقفي أن يبيع ثماره قبل أن تنضج، ليسرع في وفاء الدين، وحين جاء بالمال إلى أبي سعيد أبى أن يأخذه، فلما كثر إلحاح الثقفي عليه، قال مشترطاً عليه» أظن الذي دعا صاحبك إلى ما قاله أنه عربي وأنا مولى، فإن جعلت شفعاءك من الموالي أخذت هذا المال، وإن لم تفعل فإني لا آخذه، فجمع الثقفي كل شعوبي بالبصرة، حتى طلبوا إليه أخذ المال [١٩].

إننا أمام مشهد اجتماعي حي لعصر الجاحظ، يبرز لنا مدى تمازج العرب بالفرس، كما يبرز خصوصية العلاقة بينهما، إذ تظهر مدى المشاركة الفعالة للفرس في الحياة الاجتماعية (استدانة العربي من الفارسي، ومشاركته في الطعام).

ورغم أن الفارسي كان بخيلاً إلا أنه لم يبدُ لنا في صورة منفرة، فقد امتلك من الصفات النبيلة ما يجعل صورة البخيل باهتة أو مشكوكاً فيها، إذ ليس سهلاً على البخيل النموذجي الذي نعرفه اليوم رفض ألف دينار من أجل كرامته باعتقادنا!

بدا لنا الفارسي في هذه القصة نداً للعربي، يشترط عليه شرطاً صعباً، لا يستطيع أي إنسان قبوله، لكن العربي الحريص على إيفاء دينه وعلى إقامة علاقة طيبة بالفارسي ينفذ هذا الشرط، فيترك أصدقاءه العرب، ويعاشر الفرس، ويأتي بهم ليلحوا على أبي سعيد من أجل أن يسترد دينه (ألف دينار).

نلمح أيضاً شيئاً من الحساسية بين العرب والفرس ما زالت موجودة نقلها لنا الجاحظ على لسان (العربي) الثقفي، حين عرّض ببخل أبي سعيد، وعلى لسان (الفارسي) أبي سعيد حين حوّل هذا التعريض إلى تعريض عرقي (إنه عربي وأنا مولى) لذلك اشترط على المستدين شرطاً من جنس التعريض، وقد قبله العربي، ليستطيع رد المال إلى أبي سعيد، وليعطينا مثلاً على أن التعصب العنصري ضد الآخر لم يشمل كل الناس.

وهكذا نقل لنا الجاحظ في هذه القصة الانفتاح نحو الآخر، كما نقل الحساسية التي تشوّه هذا الانفتاح والتي لا يمكن أن تنتهي بين ليلة وضحاها، وإن كانت هذه القصة تعزز، كما لاحظنا، الانفتاح نحو الآخر (المعاشرة اليومية بين الفرس والعرب، والسمات النبيلة التي أضفاها على أبي سعيد، وحين قبل العربي شرط الفارسي، وترك أصدقاءه العرب) أكثر مما تعزز الحساسية والتعصب باعتقادنا.

وقد أورد الجاحظ، في إحدى قصصه، ما يبين لنا أن من أهم الأخلاق التي يربى عليها الفتيان في عصره، عدم إيذاء مشاعر الناس الغرباء، بعدم إحراجهم بطرح أسئلة عليهم، خاصة تلك الأسئلة التي تتعلق بالنسب، فقد اختبأ عبد النور (كاتب إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب الذي ثار على المنصور العباسي) عند قبيلة (عبد القيس) وكان أبناء القبيلة يتذاكرون الشعر أمامه، فقال له أحد الفتية: » يا شيخ إنا نخوض في ضروب، فربما تكلمنا بالمثلبة، وأنشدنا الهجاء، فلو أعلمتنا ممن أنت تجنبنا كل ما يسوءك، ولو اجتنبنا أشعار الهجاء كلها، وأخبار المثالب بأسرها، لم نأمن أن يكون ثناؤنا ومديحنا لبعض العرب مما يسوءك فلو عرفنا نسبك، كفيناك سماع ما يسوءك من هجاء قومك ومن مديح عدوك.

فلطمه شيخ منهم، وقال: لا أم لك! محنة كمحنة الخوارج، وتنقير كتنقير العيّابين؟ ولِمَ لا تدع ما يريبك إلى ما لا يريبك؟ فتسكت إلا عما توقن بأنه يسرّه [٢٠].

إننا أمام درس أخلاقي، فالشيخ يعلم الفتى آداب الحديث مع الغرباء، مع أن الفتى لم يسئ التصرف، برأينا، إذ يبدو حريصاً على راحة الغريب فلا يروي أشعاراً تؤذي قومه، لكن الشيخ الحكيم يريد أن يعلم الفتى أصول التعامل مع الغرباء قاطبة، فلا يحرجهم بأسئلة تتعلق بنسبهم، ويكتفي بالتحدث بما يدخل السعادة على قلوبهم، وهكذا يكون الانفتاح على الآخر أول ما يكون بالابتعاد عما يثير حساسيته وشكه والتالي يثير قلقه، فيكون بحثا عما يخلق الأمان والود بين البشر.

كما أننا لاحظنا شيوع العادات الفارسية في الطعام وقد أورد الجاحظ إعجاب العرب ببعض عادات العجم في آداب المائدة فنجد الحارثي لا يدعو أباً فاتك لتصرفاته المشينة على المائدة» والله إني لأفضل الدهاقين حين عابوا الحسو (شرب المرق من الإناء) وتقززوا من التعرق (نهش ما على العظم من لحم (وبهرجوا صاحب التمشيش (عابوا استخراج المخ من العظام) وحين أكلوا بالبارجين (شيء كالشوكة) وقطعوا بالسكين، ولزموا عند الطعام السكتة وتركوا الخوض… « [٢١].

كما يبدو راشد الأعور (في الجزء الثاني من البخلاء) معجباً بعادات الفرس المهذبة في تناول التمر «لم أنتفع بأكل التمر إلا مع الزنج وأهل أصبهان، فأما الزنجي فإنه لا يتخير، وأنا أتخير، أما الأصبهاني فإنه يقبض القبضة، ولا يأكل غيرها، ولا ينظر إلى ما بين يديه، حتى يفرغ من القبضة… «

يبدو لنا الفارسي والزنجي يمتلكان عادات تنم على الحس الجماعي، فمن حق الآخرين أن يأكلوا التمر الجيد (لذا لا يتخيرون الجيد ويهملون الرديء) في حين يبدو العرب يتخيرون التمر الجيد فلا يفكرون إلا بأنفسهم.

لكن ثمة عادات فارسية حاول بعض العرب من أبطال الجاحظ رفضها، كعادة التنوع في أصناف الطعام، فقد حكى الجاحظ عن عمرو بن قعقاع الذي أزعجه أن ينوّع خادمه الطعام لضيوفه، وقال لخادمه» فهلا فعلته طعام يد، ولم تجعله طعام يدين !».

يعلق الجاحظ» والقعقاع عربي كره لمولاه أن يرغب عن طعام العرب إلى طعام العجم، وأراد دوام قومه على مثل ما كانوا عليه وأن الثروة تفنخهم (تذلهم) وتفسدهم، وأن الذي فتح عليهم من باب الترف أشد مما غلق عليهم من باب فضول اللذة (أي الفقر) [٢٢].

حين يرفض، هنا، العربي طريقة الفرس الباذخة في إعداد الطعام، لا يعدّ رفضا للآخر وإنما رفضا لكل ما يكوّن مشوّها لشخصية المسلم، نلمح لديه خوفاً من التفسخ الحضاري الذي تجلبه كل مبالغة سواء أكان في طعام أم ملبس أم مسكن، وقد كانت هذه المبالغة من أسباب سقوط الدولة العباسية باعتقادنا.

ومن صور التفاعل الحضاري بين العرب والفرس في كتاب البخلاء الامتزاج اللغوي بين اللغة الفارسية واللغة العربية، وقد ظهر هذا الامتزاج واضحاً في لغة الجاحظ المتعلقة بالحياة اليومية كأدوات الطعام (خوان البارجين…) وأصنافه (فالودج، الخشكناه…).

ولا تبدو لنا هذه اللغة غريبة، إذ نجده يستخدمها معرّبة، في سياق منسجم مع اللغة العربية» جعل طعامه كله فالوذقا «أو قوله» وقد عاب ناس على أهل المازح… بأمور منها: أن خشكنانهم (الخبز الجاف) من دقيق الشعير «والجاحظ هنا يتحدث عن قرية عربية (قرب الرقة) لا فارسية.

وكي لا يقال إن الجاحظ يستخدم من الألفاظ الفارسية كل ما له علاقة بالطعام فقط، وهذا مما شاع استخدامه بين العرب جميعاً ولا يختص به الجاحظ، فقد لاحظناه يستخدم ألفاظا تتعلق بجوانب حياتية أخرى» قالوا إنك لتعرف المكدين؟ قال وكيف لا أعرفهم! لم يبق في الأرض مخطرانيّ، ولا مستعرض الأقفية، ولا شحاذ، ولا كاغاني، ولا بانوان، ولا عوّاء…الخ « [٢٣].

وقد شرح لنا بعد بالتفصيل ماذا تعني كلمة كاغاني (الشحاذ الذي يتظاهر بالجنون، ليستدر عطف الناس) أما البانوان (الذي يقف على الباب ويسلّ الغلق ويقول: بانوا وتفسير ذلك بالعربية: يا مولاي (الجزء الأول من البخلاء، ص ٩٧).

ويبدو لنا الجاحظ متقناً للفارسية إلى درجة تؤهله للدفاع عن الفرس حين اتهموا بفقر لغتهم» وقد زعم ناس أن مما يدل على غش الفرس، أنه ليس للنصيحة في لغتهم اسم واحد يجمع المعاني التي يقع عليها هذا الاسم…ففي لغتهم اسم للسلامة واسم لإرادة الخير وحسن المشورة، وحملك بالرأي على الصواب، فللنصيحة عندهم أسماء مختلفة، إذا اجتمعت دلّت على ما يدل عليه الاسم الواحد في لغة العرب، فمن قضى عليهم بالغش من هذا الوجه فقد ظلم « [٢٤].

نلمح هنا أيضاً بالإضافة إلى ثقافة الجاحظ وإتقانه اللغة الفارسية، رفضا للنظرة الاستعلائية العنصرية لدى بعض العرب، الذين يسفّهون الفرس ويشوّهون صورتهم، بأنهم لا يقدمون النصيحة لإنسان، حتى إن هذه المفردة غير موجودة في قاموسهم اللغوي، فينبري الجاحظ للدفاع عن الفرس، كما دافع عن العرب في وجه الشعوبية في كتابه» البيان والتبيين «.

صحيح أن الجاحظ في الخبر السابق رصد لنا بعض مظاهر العداء بين العرب المتعصبين والجاهلين في الوقت نفسه بثقافة الآخر، لكنه رصد لنا (في بخلائه) وجهاً آخر مشرقاً للتفاعل العربي الفارسي، فها هو ذا أحد الأطباء العرب ويدعى (أسد بن جاني) يشكو من عدم إقبال الناس عليه وإقبالهم على غير العربي، فيقول: » كان ينبغي أن تكون لغتي لغة أهل جنديسابور، ليقبل الناس على مهنتي «.

يبدو لنا الناس، حالهم كحالنا اليوم، لا يثقون إلا بالطبيب الغريب أو ذاك الذي تلقى علومه في الغرب، لذلك يعلن الطبيب العربي ضيقه على الملأ.

ثمة إحساس يتولد في داخلنا إثر قراءتنا لكتاب البخلاء أن ثمة روح واحدة تجمع الشعوب المختلفة هي روح الإسلام التي ألغت الاستعلائية والعنصرية لذلك استطاعت أن تتقبل الآخر، بل قد تجده متفوقاً عليها في بعض المجالات، كمجال الطب مثلاً، وبذلك قدّم لنا الجاحظ نبض الحياة في عصره بكل تفاصيلها وتجلياتها الإيجابية والسلبية.

جماليات القصة في كتاب البخلاء:

لاحظنا أثناء دراسة صورة الفرس في بخلاء الجاحظ جماليات مدهشة في تصوير شخصية البخيل وعالمه الداخلي والخارجي، سنحاول تأملها وتقديم بعض تفاصيلها.

١ـ الفضاء المكاني في كتاب البخلاء:

لم ينحصر الفضاء المكاني في حيز ضيق، وإنما امتد امتداد الحضارة الإسلامية في ذلك الوقت، وإن كان بإمكاننا أن نلاحظ أن أكثر الأماكن التي كانت مسرحاً لقصص البخلاء هي الأماكن التي عاش فيها الجاحظ (البصرة، بغداد) ثم الأماكن القريبة منها حيث كان سكانها أكثر الشعوب اختلاطاً بالعرب (بلاد فارس) فعلى سبيل المثال نجده يعرض لأحد البخلاء ويدعى (خالد بن يزيد) مولى المهالبة، وهو خالويه المكدي وكان قد بلغ في البخل والتكدية وفي كثرة المال، المبالغ التي لم يبلغها أحد، لذلك نجد يتباهى بالكدية وبمعاشرته جميع أنواع المكدين الذين من بينهم نوع يدعى (المعدّس) وقد حدثنا الجاحظ أن من أهم سمات هذا النوع إتقان عدة لغات لأمم تابعة للدولة العباسية آنذاك» المعدّس الذي يقف على الميت يسأل كفنه، ويقف في طريق مكة على الحمار الميت، والبعير الميت، يدّعي أنه كان له، ويزعم أنه قد أحصر (عيق في سفره) وقد تعلم لغة الخراسانية، واليمانية، والإفريقية، وتعرّف المدن والسكك والرجال، وهو متى شاء كان من إفريقية، ومتى شاء كان من أهل فرغانة، ومتى شاء من أي مخاليف اليمن شاء «(ج١، ص ٩٩).

ثمة حضارة تتداول فيها لغات عدة في الحياة اليومية، لذا كان على المكدي أن يتعلمها، كي يستطيع تحصيل رزقه بأسهل طريقة ممكنة، وهي أن يختلق قصة حزينة، يموت فيها البعير الذي هو الوسيلة الوحيدة التي ستعود به إلى أهله، لذا نجده يختار الوقوف في مكان يتجه بالمسافرين لتأدية فريضة الحج، أي المدينة المقدسة (مكة) وبذلك يضمن جزيل المال من الحاجين أو المعتمرين الطامعين بجزيل الثواب من الله تعالى، خاصة أنه يروي قصته بلغة تتناسب ولغة المسافرين، بذلك سبق الجاحظ الهمذاني (الذي جاء بعده بحوالي مئة وخمسين سنة) في مقاماته، في كشف أحط طبقات الأمة من المكدين [٢٥] فقد بيّن أنواعهم وطرقهم المبدعة في التحايل والكدية.

أبرز الجاحظ، كما أشرنا سابقاً، علاقة البخيل بالبيئة، ففرّق بين البخل الذي هو صفة تلازم من يملك الأرض الخصبة التي تدرّ عليه الغلال، وبين المعدم الذي يملك الأرض القاحلة فيعيش وفق ظروف بيئته، عيشة مقترة، وبذلك نجد أحياناً في كتاب البخلاء انسجاماً بين عطاء الطبيعة وعطاء الإنسان، لكن الجاحظ الفنان لايقدم لنا ما هو مألوف أو متوقع في علاقة الإنسان بالطبيعة فقط، وإنما يسلط الضوء أيضاً على ما يناقض المألوف، مما يهب البخيل صورة دقيقة قد لانجدها منسجمة مع سخاء الطبيعة» وقال أصحابنا نزلنا بناس من أهل الجزيرة، فإذا حطبهم شر حطب، وإذا الأرض كلها غابة واحدة طرفاء، فقلنا: مافي الأرض أكرم من الطرفاء، قالوا هو كريم، ومن كرمه نفر، فقلنا: وما الذي تفرون منه؟ قالوا: دخان الطرفاء يهضم الطعام وعيالنا كثير! «(ج٢، ص ٤٢).

يبدو لنا أن دخان الطرفاء يعطي نكهة مشهية للطعام إلى جانب إنضاجه، فيكثر الأولاد منه، وهذا ما لا يناسب هؤلاء القوم البخلاء!! لذا اختاروا أسوأ أنواع الحطب ليسيء إلى نكهة الطعام فيؤكل منه القليل!

إن البخيل نقيض للطبيعة التي تمنح الخير والطعام اللذيذ، إنه يفسد عطاءها بمنعه، فيستخدم أسوأ ما فيها من الحطب مهملاً أجوده، كي يستطيع تنغيص طعام الآكلين من أهله، فلا يأكلون إلا القليل.

نعيش في كتاب البخلاء تفاصيل البيئة الاجتماعية والثقافية في العصر العباسي، فنتعرف على عادات المائدة، كما نتعرف على أدواتها، وكيفية التعامل مع الضيوف، كما تعرفنا على العادات التي تخص البخلاء في حياتهم اليومية (أثناء الوضوء، عدم هدر ماء الغسل العذب إذ يجمع ليشرب منه الحمار بعد أن لاحظ البخيل نفوره من الماء المالح، التقطير يصل إلى دهن السراج، كذلك عادات غسل آنية الطعام، فقد طلق أحد البخلاء زوجته لأنها غسلت الآنية الملوثة بالدسم بالماء الحار، فهو يريدها أن تمسحه كي يحتفظ الدسم الذي علق به).

وبذلك نعيش تفاصيل الحياة اليومية، في ذلك العصر، بكل دقائقها كما نعايش عاداتها، ولهذا نستطيع أن نعد قصص البخلاء صورة حية للبيئة، لم تكتفِ بتقديم التفاصيل المتعلقة بالحياة المادية بما تعني من طعام وشراب…الخ وإنما تفاصيل تتعلق أيضاً بالحياة الروحية فبدت الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة وأقوال الصحابة والصالحين الزاهدين تشكل وجدان الناس في ذلك العصر، بل لاحظنا في بعض القصص استغلال الآيات القرآنية ليعبر البخيل عن بعض الأفكار التي تراوده (إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً (.

يبدو لنا أن شيوع الخطاب الديني في قصص البخلاء سمة أساسية من سمات العصر، بل يلاحظ استغلال هذا الخطاب من قبل هؤلاء البخلاء، خاصة المثقفين منهم، فمثلاً الكندي الفيلسوف حين يأتيه ضيف (كان قد دعاه) بضيف آخر، يضطر لدعوته إلى الطعام، فيجيب الضيف (الذي لم يتلقَ دعوة من الكندي)» قد والله فعلت؟ فيقول الكندي: ما بعد الله شيء «فلو مدّ الضيف يده كان كافراً أو لكان قد جعل مع الله – جل ذكره – شيئا آخر!.

وبذلك ينتهز الكندي فرصة ذكر الضيف لفظ الجلالة لينبهه بأن لاشيء يمكن أن يصلح فعله إلى جانب ذكر الله تعالى، هنا يستغل البخيل الخطاب الديني ليردع الضيف عن تناول طعامه، فينفس بذلك عن ضيقه، دون أن يخلّ بواجبات الضيافة، وبذلك يتخلص من الضيف تخلصاً لبقا.

إن الثقافة الفكرية (خاصة المعتزلية) والدينية سمة من سمات بخلاء الجاحظ، الذين كانوا يجسدون ثقافة العصر من جهة وثقافة الجاحظ من جهة أخرى.

٢ـ رسم الشخصية:

نجد في كتاب البخلاء ملامح للقصة القصيرة، لعل أهمها تصوير الشخصية بأبعادها الجسدية والفكرية (التي لحظناها قبل قليل) كما لاحظنا عناية الجاحظ بتصوير أبعاد الشخصية النفسية تصويراً دقيقاً، فمثلاً لاحظ أصدقاء أبي سعيد المدائني اتساخ ملابسه، فيسألونه لِمَ لا يأمر بغسلها فيجيبهم» الثوب إذا اتسخ أكل البدن، كما يأكل الصدأ الحديد، والثوب إذا ترادفه العرق وجفّ، وتراكم عليه الوسخ ولبد، أكل السلك (الخيط) وأحرق الغزل، هذا مع نتن ريحه، وقبح منظره (فإذا رآه غلمان الغرماء) في أطمار وسخة، وأسمال درنة، وحال حداد جبهوا مرة وحجبوا مرة، فيرجع ذلك علينا بمضرة «(ج٢، ص ٦٩ - ٧٠) ثم يصف لهم مساوئ الحالة الأخرى، أي يبين لهم مدى الخسارة التي ستلحق به لو أمر بتنظيفه (سيخسر المادة المنظفة والماء، وسيبلى القماش، وستجوع الجارية التي تغسل فتأكل طعاماً أكثر…)

تحول الثوب إلى قضية فكرية يناقشها من جانبيها (جانب الثوب المتسخ ومساوئه، وجانب الثوب النظيف ومساوئه أيضاً) ومثل هذا الانتصار للقضية ونقيضها سمة فكرية تمتع بها الجاحظ وكثير من مثقفي عصره والعصور اللاحقة.

إن مثل هذا الانتصار لنظافة الثوب تارة وقذارته تارة أخرى يوضح لنا أيضاً الصراع الداخلي الذي يضطرم في أعماق الشخصية بين النظافة التي ركز عليها الدين الإسلامي وباتت مظهراً اجتماعياً لا غنى عنه (خاصة لمن يريد أن يطالب بالدين) وبين القذارة التي تنسجم وحالة التقتير التي يعيشها الإنسان البخيل ويتخذها أسلوباً لحياته، ويحسم هذا الصراع لدى (أبي سعيد المدائني) بحل توفيقي بين النظافة والمظهر الاجتماعي وإرضاء ذاته التي تدعوه لإهمال نظافته، فمن أجل أن يحافظ على سرواله ونعله، حين يذهب لمطالبة المدين، الذي يسكن بعيداً عنه، نجده يحدث أصحابه قائلا: » فإني من لدن خروجي من منـزلي، إلى أن أقرب من باب صاحبي، فإنما نعلي في يدي وسراويلي في كمي! فإذا صرت إليه لبستهما! فإذا فصلت من عنده خلعتهما!» (ج٢ ص ٦٨).

يقدم الجاحظ مشهداً حياً، ينبض بالحيوية، إذ يلتقط لنا الشكل الخارجي لأبي سعيد قبل أن يمثل أمام المدين، ثم أثناء مثوله وبعد خروجه، فيصور لنا الحرص على الثياب كما يصور لنا تلك العلاقة الحميمة مع الأشياء التي يحيطها الحرص بهالة ترفعها من منـزلة دنيا إلى منـزلة عليا (النعل أصبح في اليد! لا في القدمين كما هو معتاد).

إن المدهش في هذه القصة ما قدّمه الجاحظ من ذكر للتفاصيل المتعلقة بالمظهر الخارجي للشخصية، خاصة حين أبرز قيمة الملابس لدى البخيل وصراعه الداخلي بين ما يريده المجتمع من مظاهر وبين ما يريده البخيل من اقتصاد.

وفي كتاب البخلاء نلمس مشاهد خارجية تعكس بدقة أحوال النفس البشرية في حالة الجوع فحين يقدم الطعام الذي لا يشبع، تضطرم في أعماق النفس الحاجة إليه، فيبدو الرغيف» في بياض الفضة كأنه البدر وكأنه مرآة مجلوة، ولكنه على قدر عدد الرؤوس. فأكل كل إنسان رغيفه إلا كسرة، ولم يشبعوا فيرفعوا أيديهم، ولم يغذوا بشيء فيتموا أكلهم، والأيدي معلقة، وإنما هم في تنقير وتنتيف! «(ج١ ص ١٠١).

يقدم لنا الجاحظ أعماق الإنسان الجائع الذي يرى رغيف الخبز في أجمل صورة، وبذلك تضفي الحاجة إليه جمالا خاصا، ثم يرصد لنا حالة الإنسان حين لا تلبى حاجته للطعام، فلا يصل حد الشبع والسكينة، لذلك يظهر الاضطراب في حركة اليدين، فهي مازالت على المائدة معلقة، تمسك بكسرة الخبز المتبقية تسقط عليها ضيقها وعنفوان حاجتها للطعام، لذلك نجد اليد تتحرك بعصبية بين تنقير على المائدة، أشبه باستغاثة، وتنتيف لكسرة الخبز أشبه باحتجاج لعله يعوّض بهاتين الحركتين الاستفزازيتين (التنقير والتنتيف) عن حاجته للطعام، وبمثل هذا التصوير الحركي الذي لا يقدم مشهداً خارجياً لحالة الإنسان الجائع، وإنما يجسد أعماق النفس المضطربة التي تتشهى الطعام ولا تحصل عليه.

لا نستطيع أن نعدّ هذا المقطع الوحيد في تقديم أعماق النفس البشرية، وإنما نلمس ذلك في مواضع كثيرة، مما يدل على عمق نظرة الجاحظ لنفسية الإنسان، فها هو ذا يقول على لسان أحد بخلائه» والنفس عزوف، ونفور ألوف، وما حملتها احتملت، وإن أهملتها فسدت، فإن تكف جميع دواعيها، وتحسم جميع خواطرها، في أول ردة، صارت (خواطرها) أقل عدداً وأضعف قوة «(ج١ص ١٦٩).

وبذلك ينبه الجاحظ إلى أهمية التربية للنفس التي إن تركت دون رعاية فسدت، وحين تشملها التربية نجدها تعتاد ما منعت عنه، فتضعف رغباتها في هذا الممنوع، لشدة ألفتها له.

وقد وظّف بخلاء الجاحظ هذه المعرفة بالنفس البشرية أحسن توظيف، فقد سئل أحد البخلاء لِمَ يكثر الطعام ويقلل الخبز؟ فأجاب» لأن كل شيء من المأكول وغير المأكول إذا ملأ العين ملأ الصدر، وفي ذلك موت الشهوة وتسكين الحركة! «.

وبذلك تشبع العين فتوحي للمعدة بالشبع من الطعام الذي يكلف غالياً، وترغب في الخبز الذي هو رخيص، فيحقق البخيل الغاية المرجوة في توفير الطعام الباهظ الثمن.

وحين عوتب أحد البخلاء (سليمان الكثري) في قلة الضحك وشدة القطوب، نجده يجيب» إن الذي يمنعني من الضحك أن الإنسان أقرب ما يكون من البذل إذا ضحك وطابت نفسه! «.

هنا نجد الجاحظ يتأمل في سيكولوجية الضحك، فيرى النفس أسمح ما تكون وهي ضاحكة وأمنع ما تكون حين تكون مقطبة، لذلك يرسم البخيل، عن قصد، ملامح العبوس على وجهه!.

٣ـ المرح والهزل:

برزت في قصص البخلاء روح الجاحظ المرحة، وقد لمسنا، آنفاً، اهتمامه بسيكولوجية الضحك، فقد كان يبحث عن الطرفة كي يرويها ولو كانت عن نفسه، كي يخلق جواً مرحاً يجذب المتلقي إلى متابعة كتبه دون أن يشعر بالملل، وقد ظهرت هذه النـزعة في كثير من القصص (في كتاب البخلاء وفي غيره) مما منحها جمالية متميزة، تقوم على الوصف الدقيق المرح، كما تقوم على السخرية، والمواقف المتناقضة، ففي قصة البخيل (محفوظ النقاش) الذي كان صديقاً للجاحظ، فدعاه للمبيت عنده، حين فاجأتهما الأمطار قرب بيته، وكما هو معتاد يأتيه بالطعام، لكننا نفاجأ بأمر غير مألوف، وهو توجيه النصيحة للجاحظ بعدم تناول العشاء لأنه مريض، بل يصل البخل به إلى أن يقول» إن شئت أكلة وموتة، وإن شئت فبعض الاحتمال ونوم على سلامة… (فيقول الجاحظ) فما ضحكت قط كضحكي تلك الليلة، ولقد أكلته جميعا، فما هضمه إلا الضحك والنشاط والسرور، فيما أظن، ولو كان معي من يفهم طيب ما تكلم به، لأتى عليّ الضحك، ولقضي عليّ، ولكن ضحك من كان وحده لا يكون على شطر مشاركة الأصحاب «لأن مشاركة الجماعة بالضحك يؤدي إلى تضاعف السرور.

إن كلام البخيل يحمل في ثناياه المرح (أكلة وموتة) فقد جمع بين النقائض وجعل الطعام مرادفاً للموت، ومع ذلك نجد الجاحظ يقبل على الطعام ضاحكاً غير ملتفت لنصيحة صديقه، ويبيّن أن من أسباب هضمه لهذا الطعام الليلي، رغم مرضه، حالته النفسية (الضحك، النشاط، السرور) كما يبيّن أمراً دقيقاً ذا علاقة بسيكولوجية الضحك، إذ إن الضحك يتضاعف بمشاركة الأصحاب، ويتضاءل بعدم المشاركة.

إن المرح هنا في لغة البخيل التي جعلت الطعام رديفاً للموت، وفي موقف الجاحظ من كلام صديقه، فبدل النفور من الطعام نجده يقبل عليه، ليثبت نقيض نظرية البخيل.

كذلك لاحظنا المرح في وصف الشخصية، فها هو الجاحظ يصف الحزامي بأنه» يجزع من الإعطاء وهو عدوه، فأما الأخذ فهو ضالته وأمنيته! وإنه لو أعطي أفاعي سجستان وثعابين مصر وحيات الأهواز لأخذها «(ج١، ص ١١٥).

تتضح لنا عبر هذا الوصف الساخر معالم شخصية البخيل وشدة حرصه على الأخذ حتى لو كان ثعباناً يحمل له الموت، ومما أضاف جمالية على الوصف هذه المبالغة المرحة التي تجمع أفاعي سجستان إلى ثعابين مصر إلى حيات الأهواز!!.

٤ـ جمالية اللغة في بخلاء الجاحظ:

تبدو لنا اللغة إحدى الجماليات الأساسية في بخلاء الجاحظ، وقد لاحظنا، سابقاً، تنوعها ودقتها في تصوير تفاصيل الحياة اليومية للبخلاء، وتصوير أعماق نفوسهم، فبدت لنا، أحياناً، مفردة واحدة قادرة على تجسيد حالة نفسية أو صراعا داخلياً (كلفظة تنقير أو تنتيف) فمثل هذه اللفظة تجسد مجموعة حركات عصبية لتعلن توتر الشخصية، وثمة ميزة أخرى للغة الجاحظ، وهي اعتماد اللغة المرحة التي تبرز لنا، عبر المبالغة أو التناقض، أحوال البخلاء، وكما يقول الأستاذ أحمد أمبيريك يمتلك الجاحظ حاسة مجهرية تمنحه القدرة على المقارنة بين الأشياء وتحسس الفوارق والفويرقات بينهما [٢٦] مما يجعل البخيل حساساً لأبسط الأشياء، يبحث عن المنفعة بكل مهمل لدى الآخرين، لذا اعتمدت قصصه على لغة الحوار الذي يدافع عن فكر البخيل وسلوكه، فيلجأ إلى اللغة المقارنة بين حالتي البخل والكرم، أو بين مبلغين (زهيد وكبير) أو بين رغبتي الإقدام على الطعام والعزوف عنه، كل ذلك يجعل لغته تمتاز بالغنى وبالحيوية والدقة التصويرية فتقدم لنا عالما مدهشا في تفاصيله وتنوعه.

إلى جانب ذلك كله قدّم لنا الجاحظ بخلاءه عبر لغة متميزة في مجازاتها التخيليية، » دخلت على فلان بن فلان، وإذا المائدة موضوعة بعد، وإذا القوم قد أكلوا ورفعوا أيديهم، فمددت يدي كي آكل فقال: أجهز على الجرحى ولا تتعرض للأصحاء! «(ج١، ٨٣) أي يطلب منه الأكل من الدجاجة التي نيل منها، أما الصحيح فعليه أن يتركه، وكذلك عليه أن يأكل من الخبز الذي أصابه بعض المرق، نلاحظ أن البخيل يوّظف اللغة المجازية ليجعل طلبه خفيف الظل على ضيفه.

وحين يكون الضيف من الطفيليين الأكولين فإن المصاب يكون جسيماً، والمجاز قاسياً يتسم بالسوداوية، لذا نكاد نعتقد أن اللغة العادية البسيطة تبدو عاجزة عن التعبير عن مثل هذه الحالة، فالبخيل حين رأى ضيفه (ساعة الغذاء المكون من سمكة شهية غالية الثمن)» رأى الموت الأحمر، والطاعون الجارف، ورأى الحتم المقضي، ورأى قاصمة الظهر، وأيقن بالشر، وعلم أنه قد ابتلي بالتنين «(ج١، ١٨٦).

٥ـ جمالية الافتتاحية والخاتمة:

حرصاً على توضيح هذه الجمالية، وعدم الإغراق في تفاصيل قصة جديدة، سنتناول افتتاحية القصة السابقة وخاتمتها، فمن أجل أن يبرز الجاحظ عظم المصيبة على البخيل أتى بافتتاحية للقصة مؤثرة منحته تعاطف المتلقي منذ بداية القصة، فقد اشترى محمد بن أبي المؤمل شبوطة وهو ببغداد، وأخذها فائقة عظيمة، وغالى بها، وارتفع في ثمنها، وكان قد بعد عهده بأكل السمك وهو، بصري لا يصبر عنه، فكان قد أكبر هذه السمكة لكثرة ثمنها، ولسمنها وعظمها، ولشدة شهوته لها! فحين ظن عند نفسه أنه قد خلا بها، وتفرد بأطايبها، وحسر عن ذراعيه، وصمد صمودها (قصدها) هجمت عليه ومعي السديري «.

نلمح هنا إلى جانب الوصف الدقيق للسمكة الذي يحيط السمكة بهالة من التعظيم نظراً لما تتميز به من صفات نادرة، وصفاً للبخيل المشتاق للسمكة، الذي يرغب في الانفراد بها فيعاملها كأنها معشوقته (التي خلا بها).

إن هذا التمهيد يسلط الضوء على البخيل قبل أن يبدأ بتناول السمكة وتحقيق حلمه بهذا الطعام الفاخر، ليبيّن عظم المصيبة التي أصابته حين جاء الجاحظ في صحبة الطفيلي الأكول (السديري)، وقد استخدم المؤلف فعلاً يجسد الهيئة الخارجية لهذه الزيارة غير الطبيعية (هجم) كما يجسد بدلالاته الحركية حالة العدوان التي تعرض لها البخيل.

وبذلك أضفى المجاز جواً مرحاً على فضاء القصة، كما أسهم في رسم شخصية الطفيلي، مما جعل المتلقي متعاطفاً مع شخصية البخيل التي بدت أبعد ما تكون عن الصورة النمطية للبخيل، أي تلك الصورة المنفرة، التي تعيش على موائد الآخرين ولا تدعو أحداً على مائدتها، فهي لا تقيم اعتباراً للمواضعات الاجتماعية التي قد تكلفها مالاً.

إلى جانب عنايته بالافتتاحية نجده يعتني بالخاتمة، ففي هذه القصة نجد البخيل بعد أن أكل الطفيلي سمكته، وهو ينظر إليه» تولد الغيظ في جوفه، و أقلقته الرعدة، فخبثت نفسه، فمازال يقيء …ثم ركبته الحمى!

وصحت توبته، وتمّ عزمه في ألا يؤاكل رغيباً أبداً ولا زهيدا! ولا يشتري سمكة أبداً رخيصة ولا غالية، وإن أهدوها إليه لا يقبلها، وإن وجدها مطروحة لا يمسها! «(ج١، ص ١٨٧ـ ١٨٨).

إذا في الخاتمة يصاب ابن أبي المؤمّل (البخيل) بالمرض حزنا على السمكة، فيكره هذا النوع من الطعام، حتى إنه يصاب بعقدة لا ندري إن كان يصح أن نسميها عقدة السمك (أي النفور من أكل هذا النوع من الطعام ولو أتاه هدية أو وجده ملقى على الطريق).

يكاد المرء هنا يتردد في إطلاق صفة البخيل على ابن أبي المؤمّل، فقد قام بواجب الضيافة ودعا الطفيلي إلى مشاركته الطعام، لكننا نجد بأن هذا الطفيلي انفرد بالسمكة دون المضيف، مما يؤهل هذه القصة لتكون في نوادر الطفيليين أكثر من نوادر البخلاء!.

وبذلك يوّظف الجاحظ كلاً من الافتتاحية والخاتمة من أجل تجسيد لنا صورة أكثر إنسانية ذات دلالات إيجابية في تصوير البخيل.

٦ـ الحـوار:

إلى جانب السرد القصصي برز الحوار الذي أضفى حيوية على فضاء القصة، كما منحها بعداً واقعياً، بفضله كنا على صلة حميمة بالبنية الفكرية والسلوكية للشخصية، فيبرز ذكاءها وحسن تصرفها، كما يبرز ثقافتها الواسعة التي هي صورة لثقافة الجاحظ الكاتب المعتزلي الذي يعلي من شأن المناظرة العقلية ويرى فيها إحدى وسائل الدفاع عن وجهة نظره الفكرية، لذلك اعتمد بخيل الجاحظ على الحوار للدفاع عن وجهة نظره التي يؤسس عليها حياته وسلوكه، لذا يمكننا أن نعد المشهد الحواري جزءاً أساسياً من البنية الجمالية للقصة لديه، فمثلاً ابن خالويه المكدي عاد إلى البيت بعد أن دفن والده» فنظر إلى جرة خضراء معلقة، قال: أي شيء في هذه الجرة؟ قالوا: ليس اليوم فيها شيء. قال: فأي شيء كان فيها قبل اليوم؟ قالوا: سمن. قال: وما كان يصنع به؟ قالوا: كنا في الشتاء نلقي له في البرمة شيئاً من دقيق نعمله له، فكان ربما برقه [وضع قليلاً من السمن] … قال: تقولون ولا تفعلون! (يتحدث عن أبيه الذي أمره بالبخل ولم يلزم نفسه به) السمن أخو العسل. وهل أفسد الناس أموالهم إلا في السمن والعسل؟ والله لولا أن للجرة ثمناً لما كسرتها إلا على قبره! قالوا: فخرج فوق أبيه، وما كنا نظن أن فوق

ه مزيدا! «(ج١، ص ٩٦ - ٩٧).

من الواضح أن الحوار يدور بين البخيل وأهل بيته، وقد شكل لنا الحوار صلب القصة حتى كأننا أمام مشهد مسرحي، فالبخيل الذي تلقى دروس البخل من والده، يريد أن يستفهم عن كل ما تركه والده من متاع، يفاجأ أن والده كان مبذراً عكس ما ينصحه به! لذلك نجد الابن المثقف، عبر هذا الحوار، يجرؤ على نقد سلوك والده مبرزا تناقض شخصيته إذ يقول ما لا يفعل، لذا يحق للابن أن يتجاوز تعاليمه لتصبح أكثر صرامة وبخلاً !.

إلى جانب الحيوية والواقعية، برزت لنا قدرات الجاحظ التخييلية، حتى إنه يدير حواراً بين الإنسان والجماد (الدرهم) الذي يجلّه البخيل، ويجعله يحتل أعلى مكانة في حياته فهاهو ذا ينشئ حواراً بين البخيل والدرهم، فيعلو بالدرهم إلى مرتبة الصديق الحميم الذي يخاطب عادة بأدق الهواجس والأفكار» كم من أرض قطعتَ! وكم من كيس فارقت! وكم من خامل رفعتَ! وكم من رفيع قد أخملت! لك عندي ألا تعرى ولا تضحى! (تصيبك الشمس) ثم يلقيه في كيسه، ويقول له: اسكن على اسم الله في مكان لا تهان ولا تذل ولا تزعج فيه. «(ج٢، ص ٥٧).

نلاحظ أن البخيل يمنح الدرهم قدرات بشرية خارقة، إنه أشبه بملك أو أمير يرفع الناس أو يذلهم، ويبدو أن البخيل هو الوحيد الذي يدرك أهميته وقيمته، لذلك يعاهده على الحفظ في مكان أمين (في كيسه) والصون حتى من أشعة الشمس!.

وكأن الحوار قد تحول في الجمل الأخيرة إلى حوار بين شخصين لا بين إنسان وجماد! لذلك تشكل أفعال العزة والكرامة والسكينة البنية الأساسية لدلالاتها (اسكن، لا تهان، ولا تذل، لا تزعج) لتوحي للمتلقي بالمكانة الرفيعة التي يستحقها هذا الدرهم في الحياة!.

هنا يجدر بنا أن نشير إلى أن هذه العناية بالنواحي الجمالية للقصة في كتاب البخلاء لم تكن سمة دائمة فيه، فقد لاحظنا أحياناً الاستطراد اللغوي يتخلل القصص، كما لاحظنا القسم الأخير من الجزء الثاني لم يعد مخصصاً لقصص البخلاء وإنما لأشعار أو أخبار تتحدث عن أنواع الطعام وأنواع القدور ومدح الرجل الكسوب، والحديث عن دلائل الكرم (كثرة الأيمان والنيران).

كما يلاحظ أننا نجد في كتاب البخلاء ملامح من الفن المسرحي تقف إلى جانب الفن القصصي، وذلك لشدة عنايته بالحوار، فقد رأينا بعض قصص البخلاء أحياناً تقوم على أساس المشهد الحواري، إذ نكاد نفتقد فيها السرد، أو أنه يجعله في مقدمة هذا المشهد ليمهد للحوار، فيبيّن البيئة وهيئة الشخصية.

الخاتمـة:

وهكذا قدّم لنا الجاحظ، عبر كتاب البخلاء، صورة الفرس عبر رؤية جمالية، تضفي بهاء وجاذبية على صورة البخيل بشكل عام، دون أن يميز في هذه الصورة الجذابة بين العرب والفرس، لهذا لم نجد في إلحاق صفة البخل بالآخر دليلاً على أن الجاحظ قدّم صورة مشوهة للفرس، وإنما نجد في ذلك رصد مرحلة حضارية جديدة بدأت تفرض قيمها الاجتماعية والاقتصادية غير المألوفة، فتجلت معطياتها الجديدة في سلوك الأشخاص وفي مناظراتهم الفكرية!

إذا حاول الجاحظ أن يرصد بحس الفنان الشائع في عصره من قيم باتت جديدة على المجتمع العربي والإسلامي، وقد كان البخل أحد هذه القيم، فاستطاع أن يبيّن بروح العالم الموضوعية أن هذه الصفة لم تختص بها أمة دون غيرها من الأمم.

ولعل مما ساعد على تقديم رؤية موضوعية لصورة الآخر اهتمام الجاحظ بجمالية القصة، بغض النظر عن هوية أبطالها، فالغاية رصد حالة طارئة على المجتمع عبر رؤية فلسفية وجمالية.

وبذلك استطاع أن يقدم لنا مثلاً لتفاعل الأديب مع عصره بشكل مبدع، فأسس لرؤية موضوعية في تقديم صورة الآخر، دون أن تعرف الاستعلاء أو العنصرية، لذلك نستطيع القول بأنه قدّم لنا صورة الفرس كما قدّم لنا صورة العرب، إذ لم يرَ الآخر الذي يشاركه الدين ويصنع معه الحضارة نقيضاً له، بل شريكاً مسهماً معه في إغنائها، فبدا لنا، عبر كتبه، مدافعاً عن الفرس ضد المتعصبين العرب، كما دافع عن العرب ضد المتعصبين من الفرس.

إن هذا الانفتاح على الآخر، الذي مازلنا نفتقده اليوم، كنا قد لحظناه في سيرته الذاتية حين أهدى أحد كتبه إلى كاتب غير عربي (إبراهيم بن العباس الصولي) كما لحظناه في أدبه، حين نظر للفرس من البخلاء كما ينظر للعرب تماماً فلم يقدّم صورة مشوّهة لهم، وبذلك كان الجاحظ في انفتاحه على الآخر صورة من انفتاح الحضارة الإسلامية على الثقافات الأخرى، لا أدري إن كنا نستطيع اليوم أن نكون أبناء بررة مثله لهذه الحضارة؟

[٢] د. شوقي ضيف العصر العباسي الثاني، دار المعارف بمصر، ط٢، ١٩٧٣ص ٥٨٧ - ٥٩٢ بتصرف.

[٣] الجاحظ كتاب البخلاء تحقيق أحمد العوامري وعلي الجارم، منشورات دار الكتب العلمية، بيروت، دون تاريخ، ج ٢ ص ٤٥

[٤] عدد من المؤلفين الوجود والزمان والسرد فلسفة بول ريكور، ترجمة سعيد الغانمي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، بيروت، ط١، ١٩٩٩، ص ١٠٤ - ١٠٥.

[٥] الجاحظ البخلاء المقدمة، ص ١٥.

[٦] المصدر السابق، ج٢، ص ٤٣.

[٧] المصدر السابق نفسه، ص ٥٨.

[٨] المصدر السابق نفسه، ج١ ص ٥٩ بتصرف.

[٩] مجموعة من الباحثين العلاقات العربية الإيرانية: الاتجاهان الراهنة وآفاق المستقبل، مركز دراسات الوحدة العربية، ط١، بيروت، ١٩٩٦، ص ١١٣.

[١٠] د. الطاهر مكي في الأدب المقارن، دراسات نظرية وتطبيقية دار المعارف، القاهرة، ط٣، ١٩٩٧، ص ٢٢.

[١١] البخلاء، د١ ص ١١٤.

[١٢] المصدر السابق، ص ٨٢.

[١٣] المصدر السابق نفسه، ج١، ص ١١٨ - ١١٩.

[١٤] أحمد بن محمد أمبيريك صورة بخيل الجاحظ الفنية الدار التونسية للنشر، ط١، ١٩٨٥، ص ٦٦

[١٥] البخلاء ج١، ص ٥٦.

[١٦] المصدر السابق، ج٢، ص ٣٠.

[١٧] المصدر السابق نفسه، ج١، ص ٤٦.

[١٨] أحمد لواساني العلاقات العربية الإيرانية ص ٦١.

[١٩] البخلاء، ج٢، ص ٧١ - ٧٣ بتصرف.

[٢٠] المصدر السابق، ص ١٦٠.

[٢١] المصدر السابق، ج١، ص ١٢٢.

[٢٢] المصدر السابق نفسه، ص ١٣٥.

[٢٣] المصدر نفسه، ص ٨٦.

[٢٤] نفسه، ج٢، ص ١٥٢.

[٢٥] آدم متز الحضارة العربية الإسلامية في القرن الرابع ت مجمد عبد الهادي أبو ريدة، مجلد ١، دار الكتاب العربي، بيروت، ط٤، ١٩٦٧، ص ٤٥٩ بتصرف.

[٢٦] أحمد أمبيريك صورة بخيل الجاحظ ص ١٠٧.



[ Web design by Abadis ]