ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 الفصل الأول: صورة الآخر في فكر الإمام علي بن أبي طالب (ع)

يحسن بنا في البداية أن نشير إلى أننا نقصد بمصطلح الآخر كل من وقف في وجه الإمام (ع) معادياً بالسيف أو مخالفاً في الرأي سواء أكان من الرعية أم من عليّة القوم! ونعتقد أننا لا نستطيع أن ندرك عظمة أي فكر إلا في طريقة تعامله مع الآخر المختلف، لذلك لن نستطيع أن نفصل الفكر لديه عن السلوك والفعل.

والغاية من ذلك أن نستلهم فكر الإمام علي بن أبي طالب (ع) الذي تربى في حضن الإسلام في بيت رسول الله (ص) ونتعلم كيف يكون يتجلى الإسلام حضارة وانفتاحاً على الآخر، ونعايش الإيمان وقد وقر في القلب وصدّقه العمل، فنجد قدوتنا في الحياة بعد أن زاغت أبصارنا وعقولنا.

إننا حين نعود إلى أمثال هذه الشخصيات، التي صدقت ما عاهدت الله عليه، يتجلى لنا الإسلام بأروع صورة في زمن يسعى الكثيرون إلى تشويه صورته.

وسنعتمد في بحثنا هذا على أقوال الإمام وأفعاله، التي وردت في كتاب» نهج البلاغة «الذي جمعه الشريف الرضي، وحققه الشيخ محمد عبده [٢].

الآخر: الرعية المسلمة:

يرى بعض الباحثين أن الرعية المسلمة اعتادت استبداد الحاكم، الذي يظن نفسه أشبه بإله، وبذلك بات الاستبداد جزءاً من طبيعتها وتراثها، تستكين للحاكم المستبد، الذي ينفرد برأيه، كما ينفرد بسلطته، ينقض ذلك ما لمسناه من أقوال وأفعال لدى الإمام علي (ع) الذي حكم المسلمين أربع سنوات، فقد وجدناه في» نهج البلاغة «يقول لرعيته: » لا تكلموني بما تكلَّم به الجبابرة، ولاتتحفظوا مني بما يتحفظ به عند أهل البادرة (الغضب) ولاتخالطوني بالمصانعة… لا تكفوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل، فإني لست في نفسي بفوق أن أخطئ، ولا آمن من ذلك من فعلي إلا أن يكفي الله من نفسي ما هو أملك به مني، فإنما أنا وأنتم عبيد مملوكون لرب واحد لا رب غيره «.

ينطلق الإمام (ع) من مبدأ إسلامي يساوي بين البشر جميعاً، وينفتح على الإنسان مهما كان موقعه، إذ لا فرق بين حاكم ومحكوم، فالجميع يشتركون في العبودية لله تعالى، لذلك أراد الإمام علي (ع) أن تعامله الرعية كواحد منها، لا كما تعامل الجبابرة المستبدين، فتحدثه دون خوف ودون أن تخشى غضبه عليها، كما يطلب منها أن تحدثه بصدق دون تملّق، بل يدعوها إلى أن تسدي إليه النصيحة، بقول الحق والإشارة إلى العدل، لأنه لا ينـزّه نفسه عن الخطأ في قول أو فعل!! وهو الإمام الفقيه ربيب رسول الله (ص).

وفي موضع آخر نجده يكرر طلب النصح من الرعية، ويبيّن المساواة بينه وبينها في الحقوق والواجبات» أيها الناس إن لي حقا ولكم علي حق، فأما حقكم عليّ فالنصيحة لكم، وتوفير فيئكم عليكم، وتعليمكم كيلا تجهلوا وتأديبكم كيما تعلموا، وأما حقي عليكم فالوفاء بالبيعة والنصيحة في المشهد والمغيب، والإجابة حين أدعوكم، والطاعة حين آمركم «. [٣]

نلاحظ أن الإمام علي (ع) الذي كان للإسلام فقيهاً وعاش من أجله مجاهداً، لا يستعلي عن الرعية بل يعلن حاجته إلى نصحها كما هي بحاجة إلى نصحه، ويبيّن لها واجباته وذلك بأن يوفر لها أمورها المادية والمعنوية (التعليم) كي يرتقي بحياتها، وهم في المقابل يتوجب عليها الوفاء والطاعة، وقد لاحظنا كيف دعاها إلى نصحه أولاً ثم إلى طاعته.

رفض في حياته اليومية مظاهر الأبهة التي كانت تحيط بحكام غيره، ففي مسيره إلى الشام التقى دهاقين الأنبار (زعماء الفلاحين من العجم) فترّجلوا له واشتدّوا بين يديه، فقال لهم: ما هذا الذي صنعتموه؟ فقالوا: خُلُق منا نعظّم به أمراءنا، فقال والله ما ينتفع بهذا أمراؤكم، وإنكم لتشقُون به على أنفسكم في دنياكم وتشقَون به في آخرتكم… « [٤].

لن يقبل هذا التصاغر من الرعية وإسباغ مظاهر الأبهة عليه سواء أكانوا من الفرس كما رأينا قبل قليل أم من العرب، فحين مشى شرحبيل الشيبانيّ وكان من وجوه قومه، وكان عليه السلام راكباً، فقال له: » ارجع فإن مشي مثلك مع مثلي فتنة للوالي ومذلة للمؤمن «.

إذاً يرفض مظاهر التعظيم من أجل أن يحافظ على نفسه، ويبعدها عن العجب والتكبر، ومن أجل أن يحافظ على كرامة رعيته.

وهو لن يطالب هذه الرعية بأي التزام إلا بعد أن يحقق العدل بنفسه فيما بينها» الذليل عندي عزيز حتى آخذ الحق له، والقوي عندي ضعيف حتى آخذ الحق فيه «. ولاشك أن إحساس المساواة بين الناس يعزز في الأعماق شعور الكرامة والانتماء إلى القيم التي يدعو إليها الإمام.

وقد جعل من نفسه قدوة صالحة لرعيته، فلم يكتف بالقول وإنما صدّقه بالعمل» أيها الناس إني والله ما أحثكم على طاعة إلا وأسبقكم إليها، ولا أنهاكم عن معصية إلا وأتناهى قبلكم عنها. « [٥]

نجد هذا الفكر الذي قد نراه اليوم قريباً من المثال متجسداً على صعيد تطبيقي وواقعي، فقد كان يسمح بنقده، وفعلاً تعرض لنقد أصحابه لأنه يساوي في العطاء بين المسلمين، مما ألّب عليه بعض كبار الصحابة (أمثال طلحة والزبير) فردّ عليهم» أ تأمروني أن أطلب النصر بالجور فيمن وليت عليه، والله …لو كان المال لي لسوّيت بينهم، فكيف والمال مال الله، ألا وإن إعطاء المال في غير حقه تبذير وإسراف، وهو يرفع صاحبه في الدنيا ويضعه في الآخرة، ويكرّمه في الناس ويهينه عند الله «. [٦]

وحين قام بردّ قطائع عثمان (رض) إلى بيت مال المسلمين، نجد أحدهم ينصحه بأن يهادن القرشيين، ويبقي لهم ما حصّلوه أثناء حكم من سبقه، فيجيب» مالي ولقريش والله لقد قاتلتهم كافرين ولأقاتلنهم مفتونين، وإني لصاحبهم بالأمس كما أنا صاحبهم اليوم «.

يرفض الإمام العادل أن يميّز بين القرشيين وغيرهم، سواء في العطاء أم في المعاملة، لذلك تحالف أغنياء قريش ضده وقاتلوه في موقعة الجمل، تحت ستار الثأر لدم الخليفة.

وفي ساحة الحرب نجده يستمع لرأي جنده، ويضطر للأخذ به رغم عدم اقتناعه بصحته، فقد وجدناه في موقعة صفين، حين اضطرب عليه أصحابه في أمر التحكيم، يستجيب لرأي الأغلبية وهو مدرك أنهم على خطأ، ليس فقط في قبول التحكيم، بل حتى في اختيار الحكم، فقد اختار عبد الله بن عباس، في حين اختاروا أبا موسى الأشعري، فنـزل عند رأيهم رغم أنه يفضل ابن عباس عليه لحنكته وذكائه» أيها الناس إنه لم يزل أمري معكم على ما أحب حتى نهكتكم الحرب، وقد أخذت منكم وتركت، وهي لعدوكم أنهك. لقد كنت أمس أميراً فأصبحت اليوم مأموراً، وكنت أمس ناهياً فأصبحت اليوم منهياً، وقد أحببتم البقاء، وليس لي أن أحملكم على ما تكرهون « [٧].

يحس القائد بجنده وقد أتعبتهم الحرب، لذلك لا يطالبهم بما هو فوق طاقتهم، ويستجيب لرغبتهم في إيقاف القتال رغم أنه يسير في صالحهم، يبدو لنا سماعه لصوت الآخر قد بلغ أقصى درجة ممكنة، حين حصل تبادل للأدوار بين الحاكم والمحكوم، فقد أحس الأمير بأنه مأمور من قبل جنده!!

إذاً ينأى الإمام في معاملته لرعيته عن الاستبداد برأيه، رغم أنه على صواب، ويترك لهم حرية الاختيار، دون أن يرهبهم بمكانته أو بسيفه، فهو حريص على نمو علاقة استثنائية تقوم على الاحترام والود المتبادل بين الحاكم والمحكوم!

إنه يصغي إلى رأي الأكثرية، رغم عدم نضجها، وفجاجة رأيها، ولا يلزمها الأخذ برأيه، الذي تثبت الأيام صوابه! وبعبارة أخرى يعتمد رأيها رغم عدم أهليتها لممارسة الديمقراطية بلغة اليوم.

وخير دليل على ذلك أنها بعد التحكيم، تعود لرأيه، لكن بعض الجند بدل أن يفيء إلى الرشد نجده يتهم الإمام بالكفر ويخرج عليه لقبوله التحكيم!.

بل وجدنا من يتجرأ عليه من رعيته (أهل العراق) ويتهمه بالكذب، فيناقشهم مستهجناً، دون أن يكفّرهم، أو يهدر دمهم! بل يبيّن ضعف رأيهم مستنداً إلى حقائق في تاريخه الشخصي» قاتلكم الله فعلى من أكذب؟ أ على الله؟ فأنا أول من آمن به، أم على نبيه؟ فأنا أول من صدّقه «.

الآخر: أهل الذمة من الرعية:

ساوى الإمام بين أهل الذمة وبين المسلمين، وهو يدعو عماله وولاته بأن يعملوا وفق هذا المنهج، ففي كتاب ينصح فيه واليه الأشتر، الذي أرسله للولاية على مصر، يقول» وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم، ولا تكوننّ عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين، وإنما نظير لك في الخَلق، يفرط منهم الزلل، ويعرض لهم العلل، ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ، فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب أن يعطيك الله من عفوه وصفحه « [٨].

يستخدم الإمام لفظة (الرعية) للدلالة على الرعايا المسلمين وغير المسلمين، كما يستخدم لكليهما ضمير جماعة الغائبين، وبذلك توحدهما دلالة هذا الضمير! كما توحدهما دلالة الأفعال التي يقوم بها الوالي تجاه رعيته المسلمة وغير المسلمة!

وحتى حين أراد أن يصنفهما إلى صنفين (مسلمين وغير مسلمين) نجده يركز على ما يجمعهما» نظير لك في الخَلق «أي نظير لك في الإنسانية، لذلك عليك أن ترفق بهم كما ترفق بالمسلمين، وتوليهم عطفك ومحبتك، فهم بشر مثلك يخطئون ويصيبون، فيدعوه إلى العفو عنهم، كما يحب أن يعفو الله عنه، وهنا يركز الإمام على أمر يهم الولاة وهو جمع الضرائب (الزكاة والجزية) فيطالبه بالعدل بين المسلمين وغيرهم أثناء جمعها فلا يرهقهم مادياً ولا معنوياً.

كما يدعوه، في الكتاب نفسه، إلى المساواة بين المسلمين وغيرهم في الثواب والعقاب، فهم جميعاً أمانة في عنقه، ماداموا يقدمون الخدمات للدولة، لذلك يطالبه بالتزام آداب واحدة في جباية الأموال من المسلمين وغيرهم» لاتضربُنّ أحداً سوطاً لمكان درهم، ولا تمسُّنّ مال أحد من الناس مصلّ ولا معاهد، إلا أن تجدوا فرساً أو سلاحاً يعدى به على أهل الإسلام، فإنه لا ينبغي للمسلم أن يدع ذلك في أيدي أعداء الإسلام فيكون شوكة عليه «.

يرفض الإمام أن يمارس عماله أساليب القهر في تحصيل أموال الدولة، كما حصل بعد خلافته، حين صار كثير من الحكام المسلمين جباة لا دعاة، وقد دعا الإمام إلى استخدام السيف في حالة واحدة فقط، هي حالة الاعتداء على المسلمين، عندئذ يتوجب عليهم قتال من يقاتلهم دفاعاً عن الدين والكرامة.

أما في حالة السلم فيتوجب على الوالي المساواة في المعاملة، لأن الرعية، كما يبيّن في كتابه إلى الأشتر، طبقات لا يصلح بعضها إلا ببعض، لذلك يعدد أصنافها: جند الله، كتّاب العامة والخاصة، ومنها قضاة العدل، ومنها عمال الإنصاف والرفق، ومنها أهل الجزية، وهذه الأصناف لا غنى لبعضها عن ببعض في تدبير أمور حياتها.

الآخر: الخلفاء الراشدون:

إثر وفاة الرسول (ص) اجتمع المهاجرون والأنصار في سقيفة بني ساعدة لانتخاب خليفة للمسلمين، وحين استقر رأيهم على أبي بكر الصديق (رض)، أتاه كل من العباس وأبي سفيان بن حرب لمبايعته من أجل الخلافة، فرفض قائلاً لهم: » أيها الناس شقوا أمواج الفتن بسفن النجاة، وعرّجوا عن طريق المنافرة وضعوا تيجان المفاخرة «. [٩]

رفض أن يشق صفّ المسلمين ووحدتهم، فالمهم لديه هو أن يرسّخ دعائم الدين، بعيداً عن الفتن والعصبيات، إذ لن ينجو المسلمون إلا إذا ابتعدوا عن الخصومة والمفاخرة بالنسب ليعملوا من أجل رفعة الإسلام والمسلمين.

وقد بذل جهده في سبيل رفعة دين الله، رغم إحساسه بالغبن، فساند الخلفاء قبله بعلمه وعمله، حتى إن الخليفة عمر بن الخطاب يقول: » لا بقيت لمعضلة ليس فيها أبو الحسن «فقد كان يستشيره في كل قضايا الخلافة الفقهية والقضائية وغيرها من أمور الحكم.

وفي كتاب» نهج البلاغة «نجده ينصح الخليفة ابن الخطاب حين استشاره في الشخوص لقتال الفرس بنفسه، فيخلص له النصح قائلا: » إن هذا الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه بكثرة ولاقلة، وهو دين الله الذي أظهره، وجنده الذي أعدّه وأمدّه حتى بلغ ما بلغ، وطلع حيث طلع، ونحن على موعود من الله، والله منجز وعده وناصر جنده، ومكان القيّم بالأمر مكان النِّظام من الخرز، يجمعه ويضمه، فإن انقطع النظام تفرّق وذهب، ثم لم يجتمع بحذافيره أبداً. والعرب اليوم وإن كانوا قليلاً فهم كثيرون بالإسلام، وعزيزون بالاجتماع، فكن قطباً واستدر الرحى بالعرب، وأصلهم دونك نار الحرب، فإنك إن شخصت من هذه الأرض انتقضت عليك العرب من أطرافها وأقطارها، حتى يكون ما تدع من العورات أهم إليك مما بين يديك. إن الأعاجم إن ينظروا إليك غدا يقولوا هذا أصل العرب، فإذا قطعتموه استرحتم… « [١٠]

يلاحظ المتأمل في نصيحة الإمام علي (ع) للخليفة ذلك التمهيد الذي بدأ به نصحه، بأن النصر من عند الله، سواء شارك الخليفة بنفسه أم لم يشارك، ثم ينظر لمساوئ المشاركة على الصعيدين الداخلي والخارجي، فحياة المسلمين سيصيبها الخلل حين يتركها ولي الأمر ليشارك في قتال الأعداء، إذ يشكل رمز وحدتها، لذلك فإن ابتعاده عن مركز الخلافة سيطمع ضعفاء النفوس من العرب فيمزّقون وحدة الأمة! أما على الصعيد الخارجي فيبيّن أهمية الخليفة في نظر الأعداء، إذ يمثّل رأس المسلمين، لذلك سيحرصون على قتله كي يحققوا النصر، ويفرّقوا شمل المسلمين.

ويبدو لنا الإمام معجباً بالخليفة عمر بن الخطاب، مادحاً تمثله لقيم الإسلام من استقامة وتقوى، كما كان معجباً بحزمه، فقد» خلف الفتنة وأقام السنة، ذهب نقي الثوب، قليل العيب، أصاب خيرها، وسبق شرّها، أدّى إلى الله طاعته واتقاه بحقه « [١١].

إن المتأمل في كتاب» نهج البلاغة «يلاحظ مدى حرص الإمام علي (ع) على وحدة المسلمين في أقواله وسلوكه مع الخلفاء الثلاثة الذين سبقوه، وحين بايع المسلمون عثمان بن عفان نجده يؤكد هذا الحرص» لقد علمتم أني أحق بها من غيري، والله لأُسَلِّمن ما سلمت أمور المسلمين، ولم يكن فيها جور إلا علي خاصة التماسا لأجر ذلك وفضله، وزهداً فيما تنافستموه من زخرفه… « [١٢]

رفض الفتنة رغم إيمانه بأحقيته بالخلافة، فلم يقاتل أحداً من الصحابة من أجل الفوز بها، خوفاً على دين الله، وإيمانا بالمصلحة العامة للمسلمين، كما رفض السلطة، في خلافة أبي بكر وفي خلافة عثمان (حين أتاه بعض أقاربه والرعية مبايعين) من أجل وحدة المسلمين، ورضي بأن يكون مظلوما على أن يكون ظالماً، فهو لم مشغولاً بزخارف الدنيا، بل مشغولاً برضى الله تعالى، ومثل هذا الموقف قلما نجده في تاريخنا!.

إن مثل هذا الفكر الواعي لمصلحة الإسلام، الذي تجلى سلوكاً وعملاً لدى الإمام، افتقدناه لدى بعض الصحابة، الذين شقوا صفوف المسلمين من أجل المال والمنصب، حين آلت الخلافة إلى الإمام!.

لو تأملنا موقفه حين حدثت الفتنة على الخليفة عثمان بن عفان (رض) الذي استنجد به، لوجدناه ينجده، وقد وجدنا مثالاً على ذلك في» نهج البلاغة «حين أرسل له رسالة، وهو محصور، عن طريق عبد الله بن عباس، يسأله فيها الخروج إلى ماله بينبع (حيث كان للإمام رزق فيها) ليأمر الناس بأن يقِلَّوا هتافهم باسمه للخلافة، وكان قد سأله مثل ذلك من قبل، فأجابه، لذلك قال عليه السلام: يا ابن عباس ما يريد عثمان إلا أن يجعلني جملاً ناضحاً بالغرب، أقبل وأدبر، بعث إلي أن أخرج، ثم بعث إلي أن أقدم، ثم هو الآن يبعث إلي أن أخرج، والله لقد دفعت عنه، حتى خشيت أن أكون آثماً « [١٣].

رغم أن الناس يدعونه لاستلام الخلافة ويهتفون له، إلا أنه رفض ذلك، وبقي متعاوناً مع الخليفة، يلبي أوامره، وينجده جيئة وذهاباً، فكأنه يعمل لديه بالسخرة!

إن الإمام التقي ينجد الخليفة، أثناء الفتنة، وهو يعلم أن أساء التصرف في أموال المسلمين، لذلك يخاف أن يلحق به إثم هذا التصرف!.

وبعد انتهاء هذه الفتنة، نجده يصفها، وبيّن خطأ الخليفة وخطأ الرعية معاً» استأثر فأساء الأثرة، وجزعتم فأسأتم الجزع، ولله حكم واقع في المستأثر والجازع « [١٤].

لا يقف الإمام مع طرف في الفتنة دون طرف! بل يحمّل الحاكم والمحكوم المسؤولية، ويبيّن كيف استبد الخليفة بأموال المسلمين وأطلق يد أقربائه فيها! كما يبيّن كيف أساءت الرعية في اقتصاصها من الخليفة! ورغم ذلك لا يستطيع أن يكفِّر الخليفة ولا الرعية، بل يترك أمرهما لله تعالى.

وقد وجدنا من يعيب عليه (كما فعل معاوية في إحدى رسائله) أنه بايع من سبقه من الخلفاء مكرها فردّ عليه» لعمر الله لقد أردت أن تذم فمدحت، وأن تفضح فافتضحت، وما على المسلم غضاضة في أن يكون مظلوماً ما لم يكن شاكّاً في دينه ولا مرتاباً بيقينه «.

الآخر الخصم: طلحة والزبير والسيدة عائشة:

ما إن استلم الإمام علي الخلافة، حتى كثرت خصومه، خاصة أولئك الأغنياء الذين كانوا يتمتعون بامتيازات زمن الخليفة السابق، فقد أدرك هؤلاء جرأة الإمام علي (ع) في الحق والعدل، إذ لا يهمه سوى مرضاة الله تعالى، وقد خاض خلال خلافته القصيرة عدة وقائع مع خصومه (موقعة الجمل، موقعة صفين، موقعة النهروان…الخ) وقد منعه انشغاله بمحاربة الفتن الكثيرة من التفرغ للحياة المدنية! ومع ذلك أسس لدولة إسلامية نموذجية.

موقعة الجمل:

حين أقبل طلحة والزبير على الإمام علي (ع) لمبايعته اشترطا عليه شرطا رفضه» نبايعك على أنّا شركاؤك في هذا الأمر «فيقول لهما: » لا ولكنكما شريكان في القوة والاستعانة، وعونان على العجز والأود «. [١٥] وبذلك رفض أن يكونا معه على رأس الدولة، لكنه طلب منهما أن يتحملا المسؤولية معه، يساعدانه بما يملكان من قوة.

بعد هذه المبايعة المشروطة، يبدو أنهما عتبا عليه، لأنه ترك مشورتهما، ولم يستعن في الأمور بهما! فيجيبهما موضحاً تسرعهما في العتاب، قبل أن يريا الحقيقة، فهما توقفا عند أمر بسيط لم يقم به الإمام، ولم يريا الأمور المهمة التي حققها» لقد نقمتما يسيرا وأرجأتما كثيراً، ألا خبراني أي شيء لكما فيه حق دفعتكما عنه، وأي قسم استأثرت عليكما به، أم أي حق رفعه إليّ أحد من المسلمين ضعفت عنه أو جهلته، أم أخطأت بابه… «.

ثم يبيّن لهما سبب عدم استشارتهما: وهو أنه اعتمد في حكمه على كتاب الله وسنة رسوله، لذلك لم يحتج إلى رأيهما أو رأي غيرهما، وهو يبيّن لهما ولعامة المسلمين، أنه لن يستعلي عن استشارتهما واستشارة إخوانه من المسلمين إذا حدث أمر يجهل حكمه.

كذلك نجدهما قد عتبا عليه أمر التسوية في العطاء، وعدم التمييز بينهما وبين عامة المسلمين! فيحاورهما بهدوء» لم أحكم أنا فيه برأيي ولا وليته هوى مني، بل وجدت أنا وأنتما ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلم أحتج إليكما فيما فرغ الله من قسمه وأمضى فيه حكمه، فليس لكم والله عندي ولا لغيركما في هذا عتبي، أخذ الله بقلوبنا وقلوبكم إلى الحق، وألهمنا وإياكم الصبر. رحم الله امرأ رأى الحق فأعان عليه، أو رأى جوراً فردّه، وكان عونا بالحق على صاحبه « [١٣].

بيّن لهما أنه ينفذ حكم الله في توزيع العطاء بالعدل بين الناس، وهو في هذا الأمر ليس بحاجة إلى مشورة أحد، لأن ذلك واضح في كتاب الله وسنة رسوله، فلا داعي لأن يعتب عليه أحد، إذ إنه يمارس الحق، ويدعوهما، بطريقة غير مباشرة عن طريق الدعاء (رحم الله…) إلى السير في هذا الطريق ومساعدته في إحقاق الحق وردّ الباطل.

نعتقد أن عدم المساواة في العطاء أشعل أحقادهما الداخلية، ودفعهما إلى قتاله في موقعة الجمل، لكنهما اتخذا سبباً ظاهرياً لحربهما، يقنع بعض العامة، هو المطالبة بالثأر لدم عثمان.

نجد في» نهج البلاغة «مشهداً يبرز فيه طلحة بن عبيد الله مطالباً بدم عثمان، فيبيّن له الإمام تهافت دعوته بعد أن تخاذل عن نصرته أثناء الفتنة، مع أنه كان باستطاعته أن يقوم بواحد من هذه الأمور الثلاثة» لئن كان ابن عفان ظالماً، كما كان يزعم، لقد كان ينبغي له أن يؤازر قاتليه (يناصرهم) أو ينابذ ناصريه، ولئن كان مظلوماً لقد كان ينبغي له أن يكون من المنهنهين عنه، والمعذرين فيه، ولئن كان في شك من الخصلتين لقد كان ينبغي له أن يعتزله ويركد جانباً، ويدع الناس معه، فما فعل واحدة من الثلاث، وجاء بأمر لم يعرف بابه، ولم تسلم معاذيره «.

هنا يناقش من اختلف معه بالرأي بطريقة موضوعية، إذ يبيّن كيف أن طلحة لم يتخذ موقفاً محدداً أثناء الفتنة، فرغم ادعائه بأن عثمان ظالم لم يناصر الثائرين عليه، وبعد انتهاء الفتنة تغير موقفه، وصار يراه مظلوما يتوجب عليه المطالبة بدمه، في حين لم يدافع عنه أثناء الحصار!.

بناء على ذلك لا يستطيع طلحة أن يدعي أنه التزم الحياد أثناء الثورة على عثمان (رض) وإنما بات من الواضح محاولته إثارة الفتنة ثانية بدعوى الثأر لدم عثمان، مع أنه أهمل حمايته، أثناء حياته، ورآه ظالماً لا مظلوماً!.

إذاً يتضح لنا أن المطالبة بدم عثمان كانت ذريعة للفتنة، ونقضاً لبيعة الإمام علي (ع) الذي هدّد بعدله المصالح الاقتصادية لكل من طلحة والزبير، لذلك أعدّا العدة لقتاله في موقعة الجمل بمشاركة السيدة عائشة، وقد حاول الإمام أن يثنيهما عن القتال قبل وقوعه، ودعاهما إلى استخدام العقل، ولم يكتفِ بذلك بل نجده، قبيل القتال، يراجعهما ثانية» أمام الوقاع فغمطا النعمة وردا العافية. «على حد قوله عليه السلام.

عندئذ يدعو ربه قائلاً: » اللهم إنهما قطعاني وظلماني، ونكثا بيعتي، وألّبا الناس علي، فاحلل ما عقدا، ولا تُحكم لهما ما أبرما، وأرهما المساءة فيما أمّلا وعملا… « [١٦].

نتعلم هنا آداب الدعاء على الأعداء! لم يدع الله أن يصيبهما الأذى، وإنما دعاه شاكياً همه، فقد نقضا البيعة ونكثا العهد، دون وجه حق، ثم أرادا إضعافه بالحرب، فحرّضا الناس عليه، من أجل مطالبته بالثأر من قتلة عثمان، لذلك يدعو ربه أن يحبط عملهما، ويبدد شملهما ويضعف أمرهما، حتى يريا الحق، ويعودا إلى رشدهما، فيعرفا أنهما أساءا إليه وإلى المسلمين كافة.

وبعد انتهاء الموقعة بمقتل طلحة والزبير، نجده يعيد السيدة عائشة إلى المدينة، دون أن يمسها أي سوء، ويكتفي بالقول» وأما فلانة فقد أدركها رأي النساء، وضغن غلا في صدرها كمرجل القين، ولو دعيت لتنال من غيري…لم تفعل، ولها بعد حرمتها الأولى، والحساب على الله تعالى « [١٧].

رغم أن السيدة عائشة ساندت عدوّيه، لكنه لم يفكر بالانتقام منها وإنما يحاول أن يلتمس لها العذر، فهي امرأة أصابها ضعف في الرأي، فلم تسطع أن تتخلص من أحقادها القديمة، إذ كانت الأيام تزيدها اشتعالاً، ومع ذلك يغفر لها مؤكداً مكانتها في الإسلام، إنه لا يريد أن يقتص ممن نصره الله عليهم، تاركاً أمر الحساب لله تعالى، لذلك عاتب قاتل الزبير!! وبذلك يجسد عبر الفعل قوله في» نهج البلاغة «» إذا قدرت على عدوك فاجعل العفو عنه شكراً للقدرة عليه « [١٨] إذ إن أولى الناس بالعفو، في نظره، أقدرهم على العقوبة!.

الآخر معاويـة:

تمت البيعة للإمام علي (ع) بعد مقتل عثمان (رض) لكن معاوية في الشام رفض أن يبايعه، وطالبه بدم عثمان، فنجده يحاول أن يقنعه بالمبايعة عبر مراسلات عديدة، ولم يلجأ إلى خيار السيف إلا بعد أن فشل في الوصول إلى نتيجة عبر الحوار! ويلاحظ المتأمل في كتاب» نهج البلاغة «أن رسائله لمعاوية قد شكلت معظم الجزء الثالث (وهو الجزء المخصص لرسائل الإمام) مما يدل على مدى صبره في محاورة من يحالفه الرأي، فنجده يردّ على جميع اعتراضاته.

إنه يبدأ بأصل المشكلة (رفض المبايعة) يناقشه في هذا الرفض مبينا له ضعف حجته» إنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار ولا للغائب أن يردّ، وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإن اجتمعوا على رجل وسمّوه إماماً كان ذلك لله رضى، فإن خرج من أمرهم خارج بطعن أو بدعة ردّوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين… «

يبيّن لمعاوية كيف تمت بيعته بالشورى أي بالطريقة نفسها التي تمت بها بيعة من سبقه من الخلفاء، فقد بايعه أولئك الذين احتلوا مكانة رفيعة في الإسلام (المهاجرون والأنصار) وأن من كان بعيداً عليه أن يقبل بالبيعة، لأن أهل الثقة هم الذين قبلوها! ويبيّن له مخاطر رفضه، إنه يخرج عن جادة الإيمان، ويشقّ صفّ المسلمين ويعصي الشورى، وكل من ينحرف عن هذه الجادة لابد أن يلقى السيف، بعد أن يتمّ نصحه! وهذا مافعله الإمام في خلافه مع معاوية!

وقد توقف في نقاشه عند السبب الأساسي الذي منع معاوية من المبايعة، لعله يزيل أسّ الخلاف بينهما، وهو المطالبة بدم عثمان، ومثل هذه المطالبة تعني اتهام الإمام في المشاركة بمقتله، وعدم نصرته، لذلك نجده في رسائله يدعو معاوية إلى استخدام العقل داحضا هذه التهمة قائلا: » لعمري يا معاوية لئن نظرت بعقلك دون هواك لتجدنّي أبرأ الناس من دم عثمان، ولتعلمنّ أني كنت في عزلة عنه إلا أن تتجنّى فتُجنَّ (تستر الحقيقة) ما بدا لك. « [١٩]

ثم نجد الإمام في رسالة أخرى يقارن بين موقفه من الخليفة المقتول وبين موقف معاوية» أينا كان أعدى له وأهدى إلى مقاتله، أمّن بذل له نصرته، فاستقعده واستكفّه، أمّن استنصره فتراخى عنه، وبثّ المنون إليه، حتى أتى قدره إليه. « [٢٠]

شتان بين موقف الإمام الذي نصر عثمان أثناء الفتنة، ويبدو أن الخليفة قد أبعده عنه بعد أن طالت الفتنة وبدأ الناس يهتفون باسم الإمام للخلافة، لذلك (استقعده واستكفه) فكان في عزلة عنه حين قتل، فكيف يتهمه معاوية بالاشتراك بقتله؟ في حين تثبت المقارنة بين موقف الإمام ومعاوية، أن الأخير قد تخاذل عن نصرته رغم أن الخليفة استنجد به، وبذلك يرد التهمة عليه ويبرز تخاذله في الدفاع عن الخليفة أثناء الفتنة، وبالتالي فهو الشريك بمقتله لا الإمام!

وبهذا الحوار استطاع أن يرد التهمة الباطلة عن نفسه، ويبرز تهاون معاوية في نصرة الخليفة (كما فعل طلحة والزبير) ثم يسارع بعد مقتله لمطالبة الإمام بدمه! موّظفاً في ذلك كل ما يستطيع من وسائل، حتى إنه يستغل الآية الكريمة ويؤوّلها لخدمة مآربه (ولكم في القصاص حياة ( (سورة البقرة، آية ١٩٧)

إنه يبيّن لأهل الشام بأن النص القرآني، أي المصدر الأساسي للمسلمين، يخوّله الحق في المطالبة بدم عثمان من أمير المؤمنين، لذلك يفضح الإمام تجنيه واستغلاله هو وبعض رجال الدين للخطاب القرآني ليثيروا العامة عليه دون وجه حق بل لخدمة مآرب شخصية دنيوية» فعدوت على طلب الدنيا بتأويل القرآن، فطلبتني بما لم تجنِ يديّ ولا لساني، وعصبته أنت وأهل الشام بي وألّب عالمكم جاهلكم، وقائمكم قاعدكم، فاتق الله في نفسك، ونازع الشيطان قيادك « [٢١].

من الواضح أن معاوية لم يخض المعركة مع الإمام وحده بل استعان برجال يدّعون العلم بالدين لذلك ساعدوه في تأويل القرآن الوجهة التي يريدون، ليقنعوا عامة الناس الذي يغلب عليهم الجهل بصدقهم، فيشاركوا معهم في القتال، لهذا يطلب الإمام منه أن يفيء إلى الله، ويعود إلى الحق، ليحمي نفسه من حبائل الشيطان والكذب.

ويمتد الحوار بينهما من الحاضر (وما جرّه رفض معاوية للبيعة من فتن) إلى الماضي (في بداية الإسلام) فقد لاحظ الإمام أنه لايكفي المقارنة بين موقفه من الخليفة المقتول وموقف معاوية! كما لا يكفي فضح معاوية في استغلاله النص الديني، بل نجده يعود إلى الماضي ليبرز له أحقيته في الخلافة، ويذكره بسابقته في الإسلام، ثم يبيّن موقع عشيرة كل منهما من الدين الجديد» منا النبي ومنكم المكذّب (أبو جهل) ومنا أسد الله (حمزة) ومنكم أسد الأحلاف (أبو سفيان) ومنا سيد شباب أهل الجنة، ومنكم صبية النار، ومنا خير نساء العالمين ومنكم حمّالة الحطب. « [٢٢] فالفرق شاسع بين عشيرة الإمام، أول من آمن بالرسول، وعشيرة معاوية، آخر من آمن، فكان من الطلقاء!

ورغم ذلك الفرق يبيّن الإمام له كيف لم يستعلِ قومه على قوم معاوية» فنكحنا وأنكحنا فعل الأكفاء ولستم هناك. «لذلك يرى الإمام في رسالة أخرى أنه من الغريب أن يقارن بمعاوية» فيا عجباً للدهر إذ يقرن من لم يسعَ بقدمي، ولم تكن له كسابقتي التي لا يدلي أحد بمثلها إلا أن يدّعي مدّع ما لا أعرفه… «

إذاً كي يبرز الإمام أحقيته بالخلافة وينأى بالأمة الإسلامية عن الفتنة، يستخدم في حواره مع الآخر الخطاب المنطقي الذي يعتمد لغة التعليل والمقارنة، كما يستخدم لغة الخطاب الديني، فيدعو معاوية إلى تقوى الله، ويبيّن أن نعيم الدنيا زائل، ويذكره بموقفه بين يدي الله تعالى في الآخرة للحساب، ليعيده إلى جادة الحق، فيحاول أن يستشرف في خطابه مشهد القيامة، حيث يحاسب فيه كل امرئ على ما قدّم في دنياه، وكي يجعل هذا المشهد مؤثراً يؤسسه على الحوار، فيجعله أكثر رهبة، إذ يبرز عجز الإنسان بين يدي الله تعالى عن تصحيح أخطائه، ولن يستطيع أحد حمايته» وكيف أنت صانع إذا تكشّفت عنك جلابيب ما أنت فيه من دنيا تبهّجت بزينتها، وخدعت بلذتها، دعتك فأجبتها، وقادتك فاتبعتها، وأمرتك فأطعتها؟ وإنه يوشك أن يقفك واقف على ما لا ينجيك مجنّ، فاقعس عن هذا الأمر وخذ أهبة الحساب. « [٢٣]

يدعوه إلى إزالة الغشاوة الدنيوية عن عينيه، ليتبصّر في آخرته، فالموت آت، حيث يجبر على ترك زخارف الدنيا ليحاسب على عمله، لذلك عليه أن يعدّ العدة لهذا اليوم قبل فوات الأوان!

سيكرر هذه النصيحة في معظم رسائله، فتقوى الله هي التي ستبعده عن جادة الفتنة، وتقرّبه من الحقيقة» فاتقِ الله فيما لديك وانظر في حقه عليك، وارجع إلى معرفة ما لا تعذر بجهالته، فإن للطاعة أعلاماً واضحة، وسبلاً نيّرة…يردها الأكياس (العقلاء) ويخالفها الأنكاس، من يكبّ عنها جار عن الحق وخبط في التيه…فنفسك نفسك فقد بيّن الله لك سبيلك، وحيث تناهت بك أمورك، فقد أجريت إلى غاية حشر ومحلة كفر، وإن نفسك… أوردتك المهالك، وأوعرت عليك المسالك «.

إن الخطاب الديني الذي يتوجه به الإمام لإقناع معاوية، ليس خطاباً وعظياً عادياً، يعتمد التخويف، وإنما هو خطاب يعتمد المنطق، فقد بيّن الله لنا الطريق الصحيح، العاقل من يسير فيها فينجو، أما الجاهل فهو الذي يبتعد عنها فيضيع، لذلك يحذر معاوية أن يكون من أولئك التائهين!!

كوّنت هذه اللغة الدينية شخصية الإمام وشكّلت وجدانه، فكان الإيمان والتقوى أهم جانب في حياته، لذلك ابتعد خطابه عن تلك اللغة المستعلية، فقد رأى نجاة الإنسان بالإيمان بالله والتفكر بيوم الحساب، وأن أي اتباع لطريق البغي والزور» سيضلّ الإنسان في دينه ودنياه، ويبديان خلله عند من يعيبه، وقد علمت أنك غير مدرك فواته «.

إنه ما يفتأ يذكره بساعة الحساب، حيث لن يستطيع إدراك ما فاته من تهاون في حقوق الله، وتصحيح ذنوبه، وبذلك يدعوه إلى تدارك نفسه، وإنقاذها من غيّها!

وكي يبصرّه بسوء عاقبة من اتبع الباطل، يذكّره بمصير أصحاب الجمل» وقد رام أقوام أمراً بغير الحق، فتأوّلوا على الله فأكذبهم، فاحذر يوماً يغتبط فيه من أحمد عاقبة عمله، ويندم فيه من أمكن الشيطان قياده فلم يجاذبه… «

يأتي الإمام بمثال واقعي يدعو عبره معاوية للتفكر فيه، إذ عليه أن ينظر في مصير أولئك الذين اتبعوا طريق الضلالة، فهزمهم الإمام في موقعة الجمل، فكأنه يدعوه ليعتبر بهزيمتهم، فيرتدع عن غيه! خاصة حين يفكر بيوم الحساب، حيث يعاقب المسيء ويكافأ المحسن، لكن معاوية، فيما يبدو، ظل مصراً على القتال!

مع ذلك نجده (ع) قبل بدء القتال في صفين، يدعو معاوية في إحدى رسائله إلى الحفاظ على دماء المسلمين، وأن يحصر القتال بينه وبين الإمام مادام الخلاف بينهما فيوفر دماء المسلمين» وقد دعوت إلى الحرب فدع الناس جانباً، واخرج إليّ، وأعفِ الفريقين من القتال، ليُعلم أينا المرين على قلبه (أي غلب عليه ذنبه وغطى بصيرته) والمغطى على بصره « [٢٤].

لم يكتف الإمام بالحوار مع الآخر، إذ بعد فشل الطرق السلمية في حل المشكلة بينه وبين عدوه، نجده يحاول حماية دماء المسلمين، فقد لمس إصرار معاوية على القتال ورفض البيعة، فدعاه إلى المواجهة الفردية بينهما، لكن معاوية رفض المبارزة معه، وأصرّ على المواجهة بين الجيشين، فسبق وعمرو بن العاص الإمام وعسكراً برجالهما في صفين قرب موقع سهل قريب من شريعة ماء على الفرات، وحين جاء جيش الإمام حيل بينه وبين الماء، وقد طلب علي (ع) من معاوية أن يخلي بينه وبين الماء بالحسنى، ولكنه رفض، فقاتلهم جيشه حتى غلبهم على الماء، وحين أراد جيش (الإمام) منع جند معاوية من الشرب، كما فعلوا معهم سابقاً، رفض وأمر أن يخلّوا بين الشوام والماء! [٢٥].

تخلّق الإمام بأخلاق الإسلام، ورفض أن يخوض حرباً غير شريفة! كما يفعل خصمه، رغم أن ذلك قد يحقق له النصر، وأن عدوه سبقه إلى هذا السلوك، لكن القيم الإنسانية والانتصار لها، كانت عنده أهم من أن ينتصر على عدوه!

أثناء القتال لم ينهَ جنده عن الفعل الخسيس فقط! بل نهاهم عن القول المبتذل في الأعداء، إذ حين سمع جماعة من أصحابه يسبّون أهل الشام أثناء حربهم بصفين نهاهم قائلاً» إني أكره لكم أن تكونوا سبّابين، ولكنكم لو وصفتم أعمالهم وذكرتم حالهم كان أصوب في القول وأبلغ في العذر، وقلتم مكان سبّكم إياهم: اللهم احقن دماءنا ودماءهم، وأصلح ذات بيننا وبينهم، واهدهم من ضلالتهم حتى يعرف الحق من جهله، ويرعوي عن الغي والعدوان من لهج به « [٢٦].

يريد من جنده أن يكونوا مقاتلين يسلكون سلوكاً إسلامياً، فيبتعدون عن السباب الذي لا يفيد، ويدلهم على القول البليغ والمفيد، لذلك يدعوهم إلى التعامل مع العدو بطريقة علمية لاانفعالية، فيقومون بتحليل أوضاعه، ليتعرّفوا نقاط ضعفه، فيجتنبوها، ويتعرّفوا نقاط قوته فيتبعوها، بعيداً عن المهاترات والسباب، وبذلك يؤسس الإمام لقيم إسلامية أصيلة.

إنه يطلب من جنده أن يستبدلوا الدعاء بالسباب، فيدعون ربهم بأن يصلح أمر المسلمين ويوحد كلمتهم، ويحقن دماءهم، ويهدي المضلين منهم إلى طريق الصواب، فيتراجعوا عن الظلم والعدوان، فكأنه يدلّ المسلم في حالة الشدة وتعرضه للعدوان إلى الطريق السليمة، وهي الدعاء عوضا عن السباب، فهذا أنقى للقلب وأجدى للنفس!.

ومن أجل إصلاح حال المسلمين أخّر الإمام القتال في صفين إلى درجة أن أصحابه استبطؤوا إذنه لهم في القتال، واتهموه أنه يكره الموت! أو أنه يشك في ولاء أهل الشام لمعاوية ويطمع في انضمامهم إليه، فأجابهم» فوالله ما أبالي أدخلت إلى الموت أو خرج الموت إلي، وأما قولكم شكّا في أهل الشام، فوالله ما دفعت الحرب يوماً إلا وأنا أطمع أن تلحق بي طائفة، فتهتدي بي وتعشو إلى ضوئي، وذلك أحب إلي من أن أقتلها على ضلالها، وإن كانت تبوء بآثامها «.

نلمس، هنا، أن جند الإمام قد انتقدوه لعدم إسراعه في قتال العدو، حتى فسّروا إبطاءه تفسيراً لا يتناسب وشجاعة الإمام، فيدفع التهمة عن نفسه، ويبيّن لهم أن سبب تأخيره هو رغبته أن تعود الفئة الضالة إلى رشدها، وتستدل إلى ضوء الحق الذي يحمله في ظلام الفتن، عسى أن تهتدي وتقلع عن القتال!.

لم يكن قتال الأعداء بغيته، وإنما كان يسعى إلى هدايتهم وحقن دماء المسلمين، لذلك كان يوصي (معقل) قائد الجيش الذي أرسله إلى الشام» لا يحملنّكم شنآنهم على قتالهم قبل دعائهم والإعذار إليهم. «وتتكرر هذه الوصية حين يخاطب عسكره قبل لقاء جيش معاوية في صفين» لا تقاتلوهم حتى يبدؤوكم، فإنكم بحمد الله على حجة، وترككم إياهم حتى يبدؤوكم حجة أخرى عليهم، فإذا كانت الهزيمة بإذن الله فلا تقتلوا مدبراً، ولا تصيبوا معوراً، ولا تجهزوا على جريح، ولا تهيجوا النساء بأذى وإن شتمن أعراضكم، وسببن أمراءكم « [٢٧].

كان الإمام متحرجاً في أن يكون البادئ في الحرب، مع أنه على حق، لأن القتال كان بينه وبين مسلمين، لهذا أوصى جنده بالتريث وعدم الهجوم، كي لا يتحملوا وزر قتال أخوتهم في الدين، وبهذا يبعد عن جيشه وزر دماء المسلمين.

ثم وجدناه يوصيهم، فيما لو انتصروا، باتباع الأخلاق الإسلامية والرأفة بالجرحى، حتى النساء يدعوهم إلى احترام مشاعرهن وعدم إيذائهن، حتى لو تجرأن على الأمير نفسه، لأنهن في حالة الحزن الشديد على أحبتهن! يردن التنفيس بأي شكل كان!!

على النقيض من ذلك، نجد معاوية يبتعد عن القيم الإسلامية، فيوّظف النص القرآني لمآربه، بل يستخدم القرآن نفسه وسيلة من وسائل الخداع، إذ إنه حين لاحظ أن القتال في صفين يسير في غير صالحه دعا أصحابه إلى رفع المصاحف، داعياً إلى تحكيم كتاب الله بين الفريقين المتحاربين! لكن هذه الحيلة لا تنطلي على الإمام، وإن انطلت على الكثير من جنده الذين وافقوا على التحكيم! فوضّح لهم قائلاً: » ما رفعوها لكم إلا خديعة ودهاء ومكيدة، فقالوا له: ما يسعنا أن ندعى لكتاب الله فنأبى أن نقبله، فقال: ويحكم، إنما قاتلتهم ليدينوا بحكم الكتاب، فقد عصوا الله فيما أمرهم، ونبذوا كتابه، فامضوا على حقكم وقصدكم وخذوا في قتال عدوكم… «

يحاور الإمام جنوده ليقنعهم أن رفع المصاحف خديعة من قبل معاوية، لكنهم أصروا على قبول التحكيم، لذلك لم يلزمهم برأيه، وخضع لرأي الأكثرية، مادامت الدعوة إلى كتاب الله، وقد خاطب معاوية مبينا موقفه» وقد دعوتنا إلى حكم القرآن، ولست من أهله، ولسنا إياك أجبنا، ولكن أجبنا القرآن في حكمه « [٢٨].

اتضح فيما بعد صواب رأي الإمام، فقد كان التحكيم خدعة الغاية منها خلعه (ع) وتثبيت معاوية، وقد انطلت الخديعة على أبي موسى الأشعري، الرجل الذي فرضه أصحاب علي (ع) عوضاً عن الرجل الذي اختاره (عبدالله بن عباس) في حين ثبّت عمرو بن العاص صاحبه معاوية!.

لعل الفارق الأساسي بين الإمام ومعاوية، ليس، كما يقال، أنه لم يكن رجل سياسة ودهاء، وإنما كونه رجلاً تقياً، صدق ما عاهد الله عليه في قلبه وسلوكه، وقد أدرك (ع) ذلك الفارق، لذلك نجده يقول لمن وصف معاوية بالدهاء» والله ما معاوية بأدهى مني، ولكنه يغدر ويفجر، ولولا كراهية الغدر لكنت أدهى الناس، ولكن كل غدرة فجرة، وكل فجرة كفرة، ولكل غادر لواء يعرف به يوم القيامة، والله ما أستغفل بالمكيدة، ولا أستغفر بالشديدة. « [٢٩] أي لا يستضعفه شديد القوة.

وقد تجرأ عمرو بن العاص على اتهامه بالكذب واللعب فردّ عليه، موضحاً الفارق الأساسي بينه وبين ابن العاص» أما والله إني ليمنعني من اللعب ذكر الموت، وإنه ليمنعه من قول الحق نسيان الآخرة « [٣٠].

تبدو السياسة لدى الإمام وجها آخر للدين، فوضع نصب عينيه الوقوف بين يدي الله تعالى للحساب! في حين كانت السياسة لدى خصومه وجها آخر للدنيا، وضعوا نصب أعينهم زخارفها!

الآخر الخوارج:

بعد قبول التحكيم عاد الإمام إلى الكوفة، كما سار معاوية بجيشه إلى الشام، وحين وصل الكوفة خرج عليه اثنا عشر ألف رجل من جيشه، وعسكروا في حروراء (إحدى قرى الكوفة) لذلك دعوا بـ (الحرورية) ويبدو لنا أنه قد انضم إليهم بعض العامة، وكان شعارهم: لا حكم إلا لله، فخرج إليهم (ع) وحاورهم، حتى استطاع أن يقنعهم فدخلوا معه الكوفة.

ويلاحظ أن الإمام لم يتوجه للخوارج بخطاب واحد، وإنما راعى اختلاف مواقعهم، نتيجة لاختلاف تجاربهم، لأن بعضهم شارك في القتال في صفين وبعضهم لم يشارك، فكل فريق بحاجة إلى لغة تختلف عن الآخر، لذلك طلب منهم أن ينقسموا إلى فرقتين» فليكن من شهد صفين فرقة، ومن لم يشهد فرقة، حتى أكلم كلاً بكلامه. «فيحاور من شهد صفين قائلا: » ألم تقولوا عند رفعهم المصاحف، حيلة وغيلة، ومكراً وخديعة: إخواننا وأهل دعوتنا، استقالونا واستراحوا إلى كتاب الله سبحانه، فالرأي القبول منهم والتنفيس عنهم، فقلت لكم: هذا أمر ظاهره إيمان وباطنه عدوان، وأوّله رحمة، وآخره ندامة، فأقيموا على شأنكم والزموا طريقتكم، وعضوا على الجهاد بنواجذكم، ولا تلتفتوا إلى ناعق نعق: إن أُجيب أضلّ، وإن ترك ذلّ… « [٣١].

إنه يحاور من شهد صفين، ويبيّن تهافت منطقهم حين دعوه إلى قبول التحكيم، ورفضوا الاستمرار في القتال، أي رفضوا كل ما دعاهم الإمام إليه، ثم جاؤوا يحاسبونه على ما ألزموه به!

وقد خاطب من لم يشهد صفين قائلا: » إنّا لم نحكّم الرجال وإنما حكّمنا القرآن…ولما دعانا القوم إلى أن نحكّم بيننا القرآن لم نكن الفريق المتولي عن كتاب الله تعالى، وقد قال الله سبحانه (فإن تنازعتم في شيء فردّوه إلى الله والرسول. (فردُّه إلى الله أن نحكم بكتابه، وردُّه إلى الرسول أن نأخذ بسنته، فإذا حُكم بالصدق في كتاب الله، فنحن أحق الناس به، وإن حُكم بسنة رسوله الله صلى الله عليه وآله فنحن أولاهم به « [٢٨].

إن الخوارج الذين لم يشهدوا صفين، نجدهم يرفضون قبول الإمام للتحكيم، فيخاطبهم بمنطق يختلف عن أولئك الذين شهدوا صفين، وألزموا الإمام بقبول التحكيم، فشرح المقصود من التحكيم، وهو العودة إلى كتاب الله وسنة رسوله، وبما أن الإمام على حق فهو أولى الناس بالعودة إلى ذلك.

ويبدو أن الخوارج كانوا قد اعترضوا على الإمام لكونه جعل بينه وبين معاوية أجلاً قبل التحكيم، فوضّح لهم في الخطبة نفسها» فعلتُ ذلك ليتبيّن الجاهل، ويتثبّت العالم، ولعل الله أن يصلح في هذه الهدنة أمر هذه الأمة…إن أفضل الناس عند الله من كان العمل بالحق أحبّ إليه - وإن نقصه وكرثه (أحزنه) - من الباطل، وإن جرّ إليه فائدة وزاده «.

إذاً ثمة هدف من تأجيل التحكيم، أن يمنح الآخر، سواء العالم والجاهل، فرصة للتفكر لينحاز إلى الحق، فيحقن دماء المسلمين، ولاشك أن هذا التأجيل أزعج الإمام لكنه احتمل ذلك من أجل إحقاق الحق ودفع الباطل، فليس المهم أن يتبع المرء مصلحته الذاتية، وإنما أن ينظر في مصلحة عامة المسلمين.

وقد لاحظ (ع) أن فئة من الخوارج رفضت دعوته هذه، وكانت تصرّ على أن يشهد على نفسه بالكفر لقبوله التحكيم، وأن يتوب كأي كافر، فنجده يناقشهم رغم منطقهم الخاطئ، الذي يكفّره، فيبين لهم كيف أنهم يخطئون ليس في حقه فقط! وإنما في حق المسلمين عامة» فإن أبيتم إلا أن تزعموا أني أخطأت وضللت، فلِمَ تضللون عامة أمة محمد صلى الله عليه وآله بضلالي، وتأخذونهم بخطئي، وتكفّرونهم بذنوبي «.

من أجل إقناع الآخر نجده ينطلق في الحوار، هنا، من منطق يرفضه الإمام، لكن الخوارج يؤمنون به، يدعوهم في قضية التكفير، أن يتبعوا سنة رسول الله (ص) الذي كان يعاقب المذنبين دون أهلهم» ولم يمنع سهمهم من الإسلام، ولم يخرج أسماءهم من بين أهله… «

يردّ على زعم الخوارج أن من أخطأ وأذنب فقد كفر، وبما أنهم يرون الإمام على كفر فإن كل من يتبعه كافر! فأراد الإمام أن يقيم الحجة على بطلان زعمهم، ويجعلهم يقتدون بفعل رسول الله (ص).

حاول أن يحاور الخوارج وقد أقنعهم في البداية بفضل عمق علمه واتساع صدره في الحوار، لكنهم بعد التحكيم جمعوا صفوفهم في النهروان قرب المدائن، وقتلوا عامل الإمام على المدائن، عندئذ ألح أتباعه على قتالهم، فحاول إقناع الخوارج أن يسلموه القتلة أو أن يعودوا إلى طريق الحق وإجماع الأمة، وحين رفضوا سار إلى النهروان، وبعث إليهم رسولاً فقتلوه، فلم ير بدّاً من قتالهم حتى هزمهم.

رغم ذلك كله نجده (ع) يوصي بالخوارج خيراً، فيقول لأصحابه» لا تقتلوا الخوارج بعدي، فليس من طلب الحق فأخطأه، كمن طلب الباطل فأدركه «.

إنه حريص على دم المسلم حتى وإن خالفه الرأي، فهؤلاء الخوارج تنقصهم الأدوات المعرفية، رغم ذلك كانوا يبحثون عن الحقيقة لذلك ضلّوا طريقها، في حين كان الآخرون، من أمثال معاوية، يبحثون عن الضلالة وزخرف الدنيا، فوصلوا إليها.

كما أنه حريص، وهو أمير المؤمنين، على استيعاب رأي الآخر المختلف، الذي قد يسيء إليه بأقبح قول أو صفة يمكن أن توجه لمسلم، فقد سمع أحد الخوارج رأي الإمام في إحدى المسائل قال: » قاتله الله كافراً ما أفقهه!! فوثب القوم ليقتلوه، فقال (ع): » رويداً إنما سبّ بسب أو عفو عن ذنب!!» [٣٢].

يقف رجل عادي أمام أعلى سلطة في الإسلام التي يجسدها الإمام ليوجه له تهمة الكفر، فلا ينال عقابه منه، بل يراها أمير المؤمنين مسبة عادية، يردّ عليه بمثلها أو يعفى عنه!!

وحين يطعنه الخارجي (عبد الرحمن بن ملجم) نجده يوصي أبناءه وأقاربه قائلا: » يا بني عبد المطلب لا ألفينّكم تخوضون دماء المسلمين خوضاً، تقولون قتل أمير المؤمنين، ألا لا تقتلُن بي إلا قاتلي. انظروا إن أنا متُّ من ضربته هذه، فاضربوه ضربة بضربة، ولا يمثّل بالرجل، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: ) إياكم والمُثلَة ولو بكلب عقور)» [٣٣].

يفكر الإمام على فراش الموت بالكيفية التي يعاقب بها قاتله (ضربة بضربة) فيوصي بأن يطبق القصاص على الطريقة الإسلامية (العقاب من جنس العمل) لهذا يوصي ألا يمثّل بجثة القاتل، وأن يلتزموا بالأخلاق التي دعا إليها رسول الله (ص).

لم يهتم الإمام على فراش الموت بقضية عقاب القاتل فقط، التي قد يراها البعض أمراً ذاتياً، وإنما كان مهموماً بوحدة المسلمين وحقن دمائهم! لذلك يوصي أبناءه ألا ينشغلوا بالثأر من الجماعة التي ينتمي إليها ابن ملجم (الخوارج) ويقتلوا قاتله فقط، بعيداً عن العقاب الجماعي الذي يثير الفتنة بين المسلمين ويضعفهم!

كان مؤرقاً في حياته، كما كان قبيل موته، بالحفاظ على الحياة الإنسانية عامة، دون تخصيص المسلمين دون غيرهم، لذلك يوصي عامله الذي أرسله إلى مصر (الأشتر النَّخعي)» إياك والدماء وسفكها بغير حِلِّها، فإنه ليس شيء أدعى لنقمة ولا أعظم لتبعة ولا أحرى بزوال نعمة، وانقطاع مدة من سفك الدماء بغير حقها. والله سبحانه مبتدئ بالحكم بين العباد فيما تسافكوا من الدماء يوم القيامة، فلا تقوِّين سلطانك بسفك دم حرام، فإن ذلك مما يضعفه ويوهنه بل يزيله وينقله « [٣٤].

وقد ورد هذا الكلام في سياق حديثه عن عهد الوالي مع الأعداء» وإن عقدت بينك وبين عدوّك عقدة فحط عهدك بالوفاء، وارع ذمتك بالأمانة… «ثم أوصاه بعدم سفك الدماء، مسلمة وغير مسلمة، بغير حق أو قصاص، وينصحه ألاّ يفكر بتقوية سلطانه بسفك الدماء! مبيناً عاقبة ذلك في الدنيا نقمة الناس، زوال الخير وانتشار الفتن، زوال السلطة … وفي الآخرة فإن أول ما يحاسب به عند لقاء ربه هو سفكه للدم، نظراً لفظاعة الجرم!.

يبيّن لنا حرمة النفس البشرية بغض النظر عن انتمائها للإسلام أم عدم انتمائها، كما يبيّن للحكام خلل المنطق الذي يرى أن تثبيت الحكم يكون بسفك الدم، فإن من يلجأ إلى هذا الأسلوب سيخسر في دنياه وآخرته.

لا يعني هذا القول أن الإمام (ع) كان يتوانى عن قتال الأعداء، فكل من شهر عليه السيف من المسلمين، لم يبادره بالسيف، بل بالحوار والحجة، إذ كان يحاول أولاً هدايته، فإن لم يهتدِ أعطاه» جدّ السيف وكفى به شافياً من الباطل وناصراً للحق «.

ومنذ تفتحه مع بداية الدعوة نجده ينافح عنها بالسيف، يقاتل الكفر والانحراف عن نهج الإسلام حتى آخر لحظة في حياته، وقد عرفت عنه الشجاعة والصبر في ملاقاة الأعداء، حتى إننا نجده يوصي لابنه محمد بن الحنفية، لما أعطاه الراية يوم الجمل» تزول الجبال ولا تزُل، عضّ على ناجذيك، أعر الله جمجمتك، تِدّ في الأرض قدمك، ارمِ ببصرك أقصى القوم، وغضّ بصرك، واعلم أن النصر من عند الله سبحانه «.

يتسع صدر الإمام قبل القتال، حباً في حقن دماء المسلمين، ولكن حين لا ينفع الحوار ويصرّ الآخر على القتال يواجهه بشجاعة وثبات، فيعلمنا ألا نجبن عن قتال المعتدي.

وبذلك يعطينا المثل الأعلى في قبول الآخر المختلف، رغم أنه يملك السلطة التي تتيح له قتاله والقضاء عليه، وخير دليل على ذلك أنه لم يبدأ الآخر بقتال قط! وهذا ما أثبتته كتب التاريخ ولحظناه من خلال خطبه ومراسلاته في كتاب» نهج البلاغة «كما يعطينا المثل الأعلى في الدفاع عن الحق والثبات من أجله مهما تكن التضحيات.

نما لديه حس العدل، فلم نجده يجور حتى على خصومه، فجسّد لنا المثل الإٍسلامية خير تجسيد عبر أقواله وأفعاله، وهذا ليس غريباً على ربيب رسول الله (ص).

لقد كان الإمام (ع) قدوة لنا في التعامل الموضوعي مع الآخر المختلف، يعلي شأن الحوار معه، فلا يرفع سيف الحق في وجهه، قبل أن يجادله بالتي هي أحسن، لعله يفيء إلى حكم الله!

وقد بلغ أعلى ذرى الموضوعية حين نجده يطالب محبّه ومبغضه على السواء بالاعتدال في المشاعر تجاهه! فيقول: » سيهلك فيّ صنفان: محبٌّ مفرط يذهب به الحب إلى غير الحق، ومبغض مفرط يذهب به البغض إلى غير الحق، وخير الناس فيّ حالا النمط الأوسط « [٣٥].

وهكذا فإن أية مبالغة في نظره (ع) في الحب والبغض تودي بالإنسان إلى التهلكة، والانحراف عن جادة الحق، لذلك يطالبنا بأن نسير في الطريق الوسطى التي تؤدي إلى كتاب الله وسنة رسوله، فتجمع كلمة المسلمين.

[٢] الإمام علي بن أبي طالب (ع)» نهج البلاغة «ما اختاره الشريف الرضي من كلام الإمام علي بن أبي طالب (ع) شرح الأستاذ محمد عبده (ج٢) دار المعرفة، بيروت، دون تاريخ، ص٢٠١.

[٣] نهج البلاغة" (ج١) ص٨٤.

[٤] نهج البلاغة" (ج٤) ص١٠.

[٥] "نهج البلاغة" (ج٢) ص٩٠.

[٦] المصدر السابق، ص٦ - ٧.

[٧] المصدر السابق نفسه، ص١٨٦ - ١٨٧.

[٨] نهج البلاغة" (ج٣) ص٨٤.

[٩] نهج البلاغة" (ج ١) ص٤٠.

[١٠] نهج البلاغة" (ج٢) ص٢٩ - ٣٠.

[١١] نهج البلاغة (ج٢) ص٢٢٢.

[١٢] نهج البلاغة" (ج١) ص١٢٤.

[١٣] "نهج البلاغة" (ج٢) ص٢٣٣

[١٤] "نهج البلاغة" (ج١) ص٧٦.

[١٥] نهج البلاغة" (ج٢) ص١٨٤ - ١٨٥.

[١٦] المصدر السابق، ص١٤.

[١٧] المصدر السابق نفسه، ص٤٨.

[١٨] "نهج البلاغة" (ج٤) ص١٤.

[١٩] "نهج البلاغة" (ح٣) ص١١٢

[٢٠] المصدر السابق، ص٧ - ٨.

[٢١] المصدر السابق نفسه، ص٣٤.

[٢٢] نفسه، ص٣٢.

[٢٣] نفسه، ص١٠.

[٢٤] نفسه، الصفحة نفسها.

[٢٥] د. نبيه العاقل "تاريخ عصر الرسول والخلفاء الراشدين" مديرية الكتب الجامعية، دمشق (١٩٧٥_١٩٧٦) ص٣١٤.

[٢٦] نهج البلاغة" (ج٢) ص١٨٥.

[٢٧] "نهج البلاغة" (ج٣) ص١٤.

[٢٨] المصدر السابق، ص٧٨.

[٢٩] "نهج البلاغة" (ج٢) ص١٨٠.

[٣٠] نهج البلاغة" (ج١) ص١٤٧.

[٣١] "نهج البلاغة" (ج٢) ص٥.

[٣٢] "نهج البلاغة" (ج٤) ص٩٨.

[٣٣] "نهج البلاغة" (ج٣) ص٧٧.

[٣٤] المصدر السابق، ص١٠٧_١٠٨.

[٣٥] "نهج البلاغة" (ج٢) ص٨.



[ Web design by Abadis ]