ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 دراسة الصورة الأدبية: مقدمة

مقدمة نظرية

بدا الاهتمام في العقود الأخيرة بأحد فروع الأدب المقارن، وهو علم دراسة الصورة الأدبية (أو الصورلوجيا: imagologie) وقد شهد هذا العلم ازدهاراً ملحوظاً بسبب مناخ التعايش السلمي الذي بدأ يظهر لدى أغلب الدول، فقد لوحظ أن الصور التي تقدمها الآداب القومية للشعوب الأخرى تشكل مصدراً أساسياً من مصادر سوء التفاهم بين الأمم والدول والثقافات، سواء كان هذا إيجابياً أم سلبياً، ونعني بسوء الفهم السلبي ذلك النوع الناجم عن الصورة العدائية التي يقدمها أدب قومي ما عن شعب آخر أو شعوب أخرى…

يعني سوء الفهم هذا رؤية غير موضوعية للذات وللآخر في الوقت نفسه، مع أن الذات تدرك نفسها بفضل العلاقة مع الآخر، فالذات تتشكل ويعاد تشكيلها في المواجهة مع الآخر، لذلك فإن أي تشويه في النظرة للآخر لابد أن يعني تشويها كامنا في الذات، وكما يرى آلان تورين في كتابه «نقد الحداثة» ليس هناك من خبرة أكثر أهمية من العلاقة مع الآخر إذ يتشكل الطرفان كذوات، وحين يتم الاعتراف بالآخر (بكونه ذاتا) تندفع الذات إلى المشاركة في جهود الآخر في التحرر من العراقيل التي تمنعه من الحياة الإنسانية الكريمة، وهذه الغاية لا يمكن أن تكون فردية فقط، لأن الذات إذا كانت شخصية فإن العراقيل التي تمنع الإنسان من الحياة باعتباره ذاتا هي غالباً ما تكون اجتماعية إدارية سياسية اقتصادية …تمارس قهراً على الذات، وبالتالي تمتنع هذه الذات عن التفاعل مع الآخر الذي تراه مدمراً لكينونتها.

إذا كل صورة لابد أن تنشأ عن وعي، مهما كان صغيراً، بالأنا مقابل الآخر، وهي تعبير أدبي يشير إلى تباعد ذي دلالة بين نظامين ثقافيين ينتميان إلى مكانين مختلفين، وبذلك تكون الصورة (التي هي جزء من التاريخ بالمعنى الوقائعي والسياسي) جزءاً من الخيال الاجتماعي، والفضاء الثقافي أو الأيديولوجي الذي تقع ضمنه، فيتضح لنا أن الهوية القومية تقف مقابل الآخر الذي قد يكون مناقضا للأنا أو نداً مكملاً لها، تبعا للعلاقة التاريخية التي نشأت بينهما.

ويمكن المرء أن يلاحظ أنه في العقود الأخيرة ترسخت دراسة الصورة الأدبية باعتبارها فرعا من فروع الأدب المقارن.

أسباب تباين صورة الأنا عن الآخر:

إن التباين كبير بين صورة شعب من الشعوب في أدبه القومي (صورة الأنا) وبين ذلك الشعب في الآداب الأجنبية (صورة الآخر) ويمكن رد هذا التباين إلى أسباب أبرزها:

١. إن صورة الأنا تستند إلى تجارب وخبرات غنية وكافية قام بها الأديب في المجتمع الذي يصوره، إذ ولد ونشأ في ذلك المجتمع، وهو يعرف العديد من أبنائه عن كثب، وتربطه ببعضهم علاقات قرابة وصداقة وغيرها من العلاقات الاجتماعية والنفسية، وهكذا فإن المعرفة العميقة والشاملة بالمجتمع الذي يصوره الأديب تجعل الصورة التي يرسمها في أدبه غنية ودقيقة وتفصيلية، وذلك خلافا لصورة يقدمها أديب لشعب أجنبي لا يعرفه حق المعرفة «أليس أهل مكة أدرى بشعابها».

٢. أما السبب الثاني فيتمثل في أن الأديب الذي يصور مجتمعه هو ابن ذلك المجتمع، وهو مرتبط به مادياً واجتماعياً ونفسياً وأخلاقيا.

إن من المعروف أن الأديب الحق يحمل هموم مجتمعه، ويحرص عليه حرصه على نفسه، فهو ملاذ أفراحه وأحلامه، تجتمع فيه ذاكرة الماضي إلى جانب رؤى المستقبل، لذلك حين يقدم صورة لمجتمعه تكون مطبوعة بطابع العلاقة الاجتماعية والنفسية والأخلاقية الوثيقة التي تشد الأديب إلى مجتمعه وما يشكل هويته.

وقد يرسم الأديب أحياناً صورة سلبية لمجتمعه، وهذا ما نلاحظه في كثير من الأعمال الأدبية، لكننا نجد وراء تلك الصورة رغبة عارمة في الإصلاح والتغيير نحو الأفضل، وليس الإساءة إلى المجتمع وهدمه، وهذا لا ينطبق على صلة أديب بمجتمع أدبي لا تربطه به علاقة توحد قومي.

إن الصورة الأدبية التي يرسمها أديب ما لشعب أجنبي لا تستند في أغلب الحالات إلى أساس صلب من التجربة والمعرفة والإحاطة بأوضاع ذلك المجتمع، وكثيراً ما تكون مصدر تلك الصورة أسفار أو رحلات قام بها الأديب إلى بلد أجنبي، أو إقامة الأديب في ذلك البلد فترة طويلة بغرض الدراسة أو العمل أو العلاج، وفي حالات أخرى يقيم الأديب في البلد الأجنبي لأنه ضاق ذرعا بالعيش في بلاده، كإقامة عبد الوهاب البياتي في إسبانيا بسبب الظروف السياسية في بلده.

وقد لا تكون المعرفة المباشرة للبلد الأجنبي مصدراً من مصادر الصورة عنه، إذ كثيراً ما ترجع تلك الصورة إلى مطالعات الأديب أو إلى أحاديث سمعها حول البلد الأجنبي، أو تستند إلى المطالعة وامتلاك الأديب مخيلة واسعة في المقام الأول، وليس إلى معرفة دقيقة بالمناطق التي يصفها بكل تفصيل، أي جبال كردستان ومناطق الصحراء العربية!.

إن أهم ما ينبغي التأكيد عليه، هنا، هو أن الصورة التي يرسمها أديب ما لمجتمع أجنبي لا تعبر عن مشكلات ذلك المجتمع وهمومه وقضاياه، ولا تنبع من التزام الأديب حيال المجتمع الأجنبي ومن رغبته في إصلاحه أو تغييره نحو الأفضل، وهي ليست وليدة توحد الأديب مع ذلك المجتمع الذي لا يرتبط به قومياً، فالصورة التي يرسمها الأديب لمجتمع أجنبي تنبع أولاً وقبل كل شيء آخر من مشكلات الأديب نفسه ومشكلات قومه في مواجهة الآخر، لذلك تلبي الصورة الأدبية في الدرجة الأولى حاجات نفسية أو فنية أو اجتماعية للشعب الأجنبي، دون أن تلبي حاجات المجتمع المدروس.

الصورة «فعل ثقافي لأنها صورة عن الآخر، وماعدا ذلك فنحن حين نتكلم عن الصورة الثقافية، يجب أن تدرس كمادة، وممارسة أنتربولوجية لها مكانتها، ووظيفتها ضمن العالم الرمزي المسمى هنا (خيالياً) والذي لا ينفصل عن أية مؤسسة اجتماعية أو ثقافية، لأن المجتمع يرى نفسه، ويكتب عنها، ويفكر فيها، ويحلم بها من خلال هذا العالم الرمزي.

ومن المعروف أن الصورة لغة (تختلط فيها المشاعر بالأفكار) وهي ترجع إلى واقع ترسمه وتدل عليه، لكن الخيال هو الذي يرفع لغة الصورة إلى مرتبة الجمال الفني، وهو في الوقت نفسه تعبير عن المجتمع والثقافة، إذ يجسد المسرح والمكان الذي تعبر فيه اللغة عن نفسها بطريقة مجازية، أي بمساعدة الصور والأشكال التي يرى فيها المجتمع ذاته فيتحدد وبالتالي يستطيع أن يحلم.

إذاً تتأثر صورة الآخر بحلم اليقظة الذي يراودنا حوله، وبذلك بات الخيال الاجتماعي مشكلاً أفق البحث عن صورة الآخر، ومن هنا نجد الخيال يشكل جزءاً لا يتجزأ من التاريخ بالمعنى الوقائعي والسياسي والاجتماعي.

وهناك مظاهر أخرى تتدخل في تشكيل الصورة مثل ظاهرة «العدو الموروث» والاستعمار ونتائجه الأيديولوجية والثقافية (العنصرية والتغريب الفني والأدبي) كما نجدها تتدخل في مضمون الخيال الاجتماعي في لحظة تاريخية معينة، لذلك من الواضح ارتباط الخيال بماضي المجتمع وصيرورته.

وبما أن الصورة تعد نتاجاً مشوها للواقع، إلى حد ما، فإن الخيال الذي ندرسه لا يمكن أن يكون بديلاً عن التاريخ السياسي والاقتصادي والدبلوماسي.

إن المتأمل للصورة يلاحظ خضوعها لعناصر مشوّهة لها، وخاصة شيوع النمط الذي يعد شكلاً أولياً للصورة أو كاريكاتورياً، تتجلى هذه الصورة من خلال كذب النمط أو تأثيراته المؤذية على المستوى الثقافي، فتبتعد عن التجدد، وتبدو أقرب إلى الآلية والجمود، مما يسيء إليها ويبعدها عن الرمزية والتعدد الدلالي، وبذلك عندما يشيع النمط في الصورة تختزل إلى رسالة واحدة وجوهرية، هي بالنتيجة صورة أولى وأخيرة للآخر، أي صورة جامدة، تصلح لكل زمان دون أن يطرأ عليها أي تغيير، وبذلك يبتعد النمط عن الصورة الحقيقية، ليفسح المجال للصورة المشوهة، التي تعتمد النظرة الثابتة، وتجسد زمنا ماضياً متوقفاً، تبدو تعبيراً عن معرفة تسمى جماعية، تسعى كي تكون صالحة في كل لحظة تاريخية، فإذا كانت ليست متعددة الدلالات لكتها متعددة السياقات، إذ يمكن استخدامها في أية لحظة، وبذلك يطرح النمط بصورة خفية طبقة ثابتة وتفرعا ثنائياً للعالم والثقافات (إن قول الفرنسيين أثناء التعريف الذاتي بأن الفرنسي شارب نبيذ هو نمط يتعارض مع الإنكليزي شارب الشاي أو الألماني شارب البيرة) وذلك بهدف الإيحاء بأن الفرنسيين يحتلون مرتبة أعلى من غيرهم.

يعدّ النمط المعبر عنه بالسرد والصورة والسيناريو بداية ممكنة للأسطورة (التي هي معرفة وسلطة وتاريخ للجماعة، وهي قصة أخلاقية تقوي تماسك الجماعة التي أنتجتها) لذلك نجد الصورة موازية للأسطورة، إذ لو قارنا بين اللغة الرمزية واللغة الأسطورية نستطيع أن نتبين أن الصورة مثل الأسطورة تمتلك القدرة على الرواية، كما تمتلك القدرة على إحياء قصة ما وجعلها نموذجية، تتحرك في عصرنا عبر رؤية الماضي !!.

تخصص دراسة الصورة الإطار المكاني الزمني من أجل فهم أسس الصورة، وهذا الإطار لا يعني أنه مولد لرسم وصفي خارجي، إنه جزء من عناصر أخرى متشابكة في السرد (الشخصيات، الراوي…) يستطيع أن يقدم لنا بعض التفسيرات المضيئة.

إذاً علينا دراسة إجراءات تنظيم صورة الأجنبي، أو نحاول إعادة تنظيمها: مثل طريقة التحديد الفضائي والتفرعات الثنائية الناتجة عن حلم اليقظة عن الفضاء الأجنبي (الأعلى مقابل الأدنى، الحركات المتصاعدة مقابل حركات السقوط والانهيار).

يجب الانتباه إلى كل ما يجعل الفضاء الخارجي مماثلاً للفضاء الداخلي (الشخصية، أنا الراوي) خاصة حين يستطيع الفضاء الأجنبي أن يعيد إنتاج مشهد عقلي أو يعطيه دلالة تساعد على نسج علاقات بين الفضاء الجغرافي والفضاء النفسي على المستوى المجازي على الأقل (مثل دراسة الأماكن المفضلة والمناطق المعطاة أهمية أي قيما إيجابية أو سلبية، وكل ما يسمح بترميز الفضاء، وكل ما يطلق عليه الآخرون تقديس الفضاء).

كما علينا أن ننتبه إلى الفضاء الزمني إذ من المفيد ملاحظة الإشارات المتسلسلة تاريخياً، لأن التواريخ التي يقدمها النص تساعد على إعطاء صورة دقيقة للأجنبي، شرط أن نكون حذرين إزاء كل ما يمكن أن يبدو أسطرة للزمن التاريخي والسردي عند اللزوم، كما يجب الانتباه إلى أن الأنماط يمكن أن تمنح النص بعداً تاريخياً ذا قيمة قصوى، ولاشك أن تقديم الأجنبي يجعله يشارك في الزمن الأسطوري خارج كل حدود دقيقة، الأمر الذي يعني ابتعاداً عن الزمن المتتابع (الخطي) للتاريخ السياسي (الذي يسير في اتجاه واحد لا يتغير ولا يتوقف) وهكذا يبدو لنا أن هناك تعارضا بين الزمن الخطي والزمن الدائري للصورة.

ومن العناصر المكونة للصورة أيضاً تلك العناصر التي تتكثّف فيها تعبيرات الآخر والسمات والحركة والحديث والعلاقات الاجتماعية والعناصر التي تتعدى التعريف البسيط حاملة دلالة خاصة ضمن آلية النص، وبذلك نجد كثيراً من العلاقات داخل النص الأدبي مفيدة من أجل دراسة الآخر، مثل دراسة العلاقات الذكرية والأنثوية ضمن الانتساب إلى ثقافات متنوعة (الرجل العربي يقيم علاقة مع المرأة الغربية أكثر من المرأة العربية مع الرجل الغربي، ).

وهناك الوصف المخالف الذي يساعد على تقديم صورة الآخر من خلال ثنائيات متناقضة تدمج الطبيعة والثقافة مثل متوحش مقابل متحضر، وبربري مقابل مثقف وإنسان مقابل حيوان ورجل مقابل امرأة وكائن متفوق مقابل كائن ضعيف.

ومن مكونات الصورة أيضاً وصف جسد الآخر ومنظومة قيمه ومظاهر ثقافته بالمعنى الإناسي (مثل الدين والمطبخ واللباس والموسيقا…) وهنا يساعدنا علم تطور الإنسان «الإناسي» من الناحية الثقافية، فنواجه النص الصوري بوصفه شاهداً ووثيقة عن الأجنبي، وبذلك تحاول دراسة الصورة فهم كيف كتب النص الذي يعد تطوراً وصفياً وإدراكياً في الوقت نفسه، فنستطيع أن نتعرف ما قيل عن ثقافة الآخر أو ما سكت عنه.

ويبدو لنا عنصر السيناريو هاماً في توضيح صورة الآخر، وبذلك صارت توضيحاً كاملاً لحوار بين ثقافتين من خلالها يقدم الأجنبي عبر تشكيل جمالي وثقافي أي يقدم عبر (الصورة السيناريو).

كذلك فإن المعطيات التاريخية التي تعني الأخبار ذات الطبيعة المزدوجة (سياسية، اقتصادية) كما تعني خطوط القوى التي تتحكم بالثقافة في لحظة معينة، تستطيع أن تساعد على الكشف عن الدلالة الاجتماعية والثقافية للنص، كما تستطيع الدراسة المعجمية للصورة الكشف عن الدلالة النصية، وبذلك يتوجب علينا رؤية مدى انسجام النص الأدبي مع الوضع الثقافي والاجتماعي (ومن هنا يأتي الربط الإجباري بين الأدب والتاريخ أو بصورة أدق بين الإنتاج النصي والتطور التاريخي) فتتم متابعة كيفية تداخل التقديم الأدبي للأجنبي مع الثقافة المحلية، إذ ليس الأمر مقابلة النص مع سياقه الأدبي من أجل فهم وتتبع كيفية اختيار كل عنصر من عناصر الصورة الثقافية (الذي بات عنصراً ضمن النص ليكون مرجعا ثقافياً للمتلقي) بل إن الأمر يجب أن يكون أيضاً خارج النص أي محاولة مقابلته بالتفسيرات التي يقدمها المؤرخون، فيتم فهم النص ووظيفة الصورة التي يقدمها عبر دورة من خلال التاريخ خاصة تاريخ العقليات، لذلك يعرّف التاريخ بوصفه: دراسة التأملات والعلاقات الجدلية بين الشروط الموضوعية لحياة الناس التي يعيشونها، والطريقة التي يروي بها هذه الحياة.

حالات فهم الآخر وقراءته:

لمحنا من خلال ما تقدم معالم عديدة لقراءة الآخر وفهمه، يجدر بنا تأملها وتوضيح أهم الحالات التي يمكننا تلمسها مما سبق:

١. الحالة الأولى (التشويه السلبي) في حالة العداء للآخر حيث تؤدي العلاقات العدائية بين الشعوب إلى تكوين صورة سلبية عن الأخر (المعادي) نظراً للمشاعر العدائية وسوء الفهم، لذلك لن يسمح بسماع صوت (الآخر المعادي) فيبرز الواقع الثقافي الأجنبي في مرتبة أدنى من الثقافة المحلية، وبذلك نواجه علاقات وصور سلبية، يمكن أن ندعوها بالتشويه السلبي، وعلى سبيل المثال بدت لنا صورة الأوروبي (المستعمر) في الأدب العربي مشوهة في كثير من الأحيان (إنه إنسان مادي، غير أخلاقي…)

في مثل هذه الحالة تكون وظيفة صورة الآخر إثارة مشاعر العداء تجاه الآخر ومشاعر الولاء والتضامن والتوحد تجاه الذات أو الأنا أو النحن، وبذلك تتحول الصورة إلى وسيلة من وسائل التعبئة النفسية، وعلى هذا الصعيد قدّم الأدب الصهيوني الحديث مثالاً صارخا على ذلك.

٢. الحالة الثانية (التشويه الإيجابي) يرى فيها الكاتب (أو الجماعة) الواقع الثقافي الأجنبي متفوقاً بصورة مطلقة على الثقافة الوطنية الأصلية، لذلك نجدها على نقيض الحالة الأولى تعدّ نفسها في مرتبة أدنى، فيترافق التفضيل الإيجابي للأجنبي مع عقد نقص تعاني منها الذات تجاه ثقافة الآخر، وأسلوب حياته، فنجد أنفسنا أمام كاتب أو جماعة من الكتاب يعانون من حالة من الهوس والانبهار بالآخر، وبذلك يقدم الوهم في صورة الأجنبي على حساب الصورة الحقيقية له، مما يمكننا أن ندعو هذا التشويه بالتشويه الإيجابي، فمثلاً نجد بعض الكتاب منبهرين بالنموذج الغربي للحياة (حرية، ديمقراطية…) وهذا يعني تمجيداً للحضارة الغربية وتجاهلاً لمشكلاتها، وعدم تبني أي موقف نقدي تجاهها، رغم النكبات التي مازال العرب يعانون منها إلى اليوم بسبب النزعة العدوانية الغربية.

٣. الحالة الثالثة (التسامح) حيث تنطلق دراسة الصورة من رؤية متوازنة للذات والآخر، لذا نجد التسامح هو الحالة الوحيدة للتبادل الحقيقي، إذ يطور تقويم الأجنبي وإعادة تفسيره عبر رؤية موضوعية، تنظر للآخر باعتباره ندا، فينتفي الهوس والانبهار (الاستعارة من الآخر) والرهاب (الذي ينفي الآخر ويفترض الموت الرمزي له، وبذلك يعبر التسامح طريقاً صعباً يمر عبر الاعتراف بالآخر حيث تتعايش الأنا مع الآخر، وتراه نداً غير مختلف (أي غير دخيل أو هامشي…) ولاشك أن التسامح يحتاج إلى نضج فكري يقوم على التأمل والتمثل لا على استيراد الأفكار والمعطيات الأجنبية، وبالتالي يحتاج إلى حوار دائم بين الذات والآخر بعيداً عن العقد النفسية (الهوس، الرهاب) ().



[ Web design by Abadis ]