ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 تمهيد

حين نتأمل أسس حضارتنا الإسلامية التي تقوم على الإيمان بقوله تعالى (يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم ( (سورة الحجرات / ١٣) مما يؤسس لانفتاح إنساني نحو الآخر أيا كان دينه أو مذهبه أو عرقه! خاصة أن الخطاب القرآني كان خطاباً عاماً، فجسّد دعوة للتعارف أي للحوار بين الناس كافة، وبيّن أن اختلاف الأمم والشعوب هو دعوة للانفتاح على الآخر المختلف الذي هو غنى للنفس البشرية، وقد جسّد التراث الإسلامي عبر رموزه المشرقة هذا الانفتاح.

إننا لن نستطيع فهم الآخر المختلف قبل أن نفهم أنفسنا، لهذا علينا أن ننظر إلى كيفية تعامل أجدادنا معه، متى لجؤوا إلى الحوار، ومتى لجؤوا إلى السيف، كي ننهض اليوم في مسؤولية حوار الحضارات على أسس قويمة مستمدة من أعماق حضارتنا الإسلامية ومنسجمة مع قيم ديننا السمحة، في زمن يسعى فيه بعض أبناء هذا الدين، كما يسعى أعداؤه، إلى تشويهه.

حين نتأمل بعض رموز هذه الحضارة نلاحظ كيف كانت نظرتهم للآخر منفتحة موضوعية ترفض أن تكتسي بمشاعر العداء أو سوء التفاهم التي تعتري الإنسان، في كثير من الأحيان، حين يتعامل مع آخر مختلف معه في الرأي، إنها رؤية تغلِّب مصلحة الأمة على المصلحة الذاتية، لذلك وجدنا الإمام علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه) يرضى أن يكون مظلوماً على أن يكون ظالماً في سبيل هدف أسمى هو وحدة المسلمين، وحين امتلك السلطة السياسية، وأحاط به من ينازعونه السلطة مخالفين رأي الجماعة، نجده يحاورهم بالتي هي أحسن، ولم يرفع السيف إلا بعد أن عجز الحوار، فقد كانت معظم رسائل الإمام في» نهج البلاغة «حواراً موجهاً لمعاوية من أجل عدوله عن القتال وحماية دماء المسلمين.

وبذلك جسّد لنا الإمام القيم الإسلامية التي تعلي قيمة العمل الصالح، بل وجدناه (كرم الله وجهه) يجعل "قيمة كل امرئ ما يحسن" من عمل بعيدا عن قيم جاهلية تعلي شأن النسب واللون!

كذلك استطاع الجاحظ» في كتاب "البخلاء «أن يرى الآخر المختلف (الفارسي) بعين نزيهة ترى البخل سبة تلحق الفارسي والعربي، فلم يقتصر في كتابه على بخلاء الفرس دون العرب، إذ أثبتت دراسة صورة الآخر لديه خطأ المزاعم التي تقول، بناء على رؤية عنصرية تستعلي على الآخر، بأن الجاحظ ألحق البخل بالفرس والكرم بالعرب، بما أنه هاجم الشعوبية وانتصر للعرب (في كتابه "البيان والتبيين")

وقد استطاع الجاحظ عبر كتاب "البخلاء" أن يرصد لنا العلاقة مع الآخر التي لم تكن علاقة ثقافية فقط، بل امتدت لتشمل الحياة اليومية بما فيها من علاقات اجتماعية (عادات وتقاليد، طعام، أعياد، الهدايا…. ) وعلاقات اقتصادية (الدين، البيع، الشراء…. )

يفاجأ دارس كنابه» البخلاء «بأنه لم يسم الشعوبيين بالبخل، رغم اختلافه معهم في الرأي، فقد جعلهم كأهل قرية (المازح) العربية مقتصدين أيام الجفاف والمحل، كرماء أيام المطر والخير!

يبدو التفاعل مع الآخر قد بلغ أوجه في القرن الرابع الهجري، وقد استطاع أبو حيان التوحيدي، كالجاحظ، أن يجسّد لنا عبر كتبه ("الإمتاع والمؤانسة" "البصائر والذخائر" "المقابسات"…. ) التفاعل الثقافي بين شتى الأديان والآراء والمذاهب، حتى إنه ذكر الآخر غير الموحد (الثنوية، المجوسية، اليونان…. ) وقدّم صورة إيجابية لهم، فهم يمتلكون الحكمة التي علينا أن نتعلم منها، كما يلتزمون أخلاقا رفيعة، نادى بها الإسلام، أما الفرس الذين أسلموا فقد أبرز دورهم المشرّف بفضل انفتاحهم على الحضارة الإسلامية حتى تحوّل كثير منهم إلى علماء في الدين واللغة العربية!

لم يعرّف هؤلاء الذين امتزجوا بالعرب عبر الدين واللغة، بل عرّف أيضا أولئك الذين رفضوا الامتزاج ونظروا باستعلاء نحو العرب، فأتاح لهم فرصة التعبير عن آرائهم في ذم العرب، كما مارس دور المثقف العضوي في المجتمع، فحاول أن يحاورهم ويبيّن خطأهم، ولفت النظر إلى أن معظم هؤلاء الذين أسهموا في توتر العلاقة مع العرب كانوا ممن يشكّ في دينه! ومع ذلك لم يستنكف عن حوارهم، فقد رأى أن الحوار مع الآخر المختلف أحد عوامل التطور والغنى في الشخصية، إذ بفضله "النفوس تتقادح والعقول تتلاقح والألسنة تتفاصح. " على حدّ قوله.

وبذلك امتلك المثقف ابن الحضارة الإسلامية أدوات الانفتاح على الآخر، فاتسعت آفاقه، وعرف أن منابع المعرفة الإنسانية متعددة، وأن العرب في أوج حضارتهم لم يكونوا سوى جزء من هذه المعرفة، لهذا لايسعنا إن أن نعجب بقول (أبو سليمان السجستاني) أستاذ التوحيدي» نزلت الحكمة على رؤوس الروم، وألسن العرب، وقلوب الفرس، وأيدي الصين «. فالحضارة التي هي رديف للحكمة لن يستطيع إنجازها قوم دون غيرهم، لأن الأمم تتكامل في مهاراتها ومعارفها.

إن دراسة صورة الآخر في التراث توسّع آفاقنا، وتزيدنا معرفة بذواتنا، وتعلّمنا كيف نقرأ الآخر بموضوعية بمعزل عن الهوى والتعصب، فتغتني ثقافتنا عبر الانفتاح والتسامح.

ثمة ضرورة اليوم إلى دعوة الباحثين من أجل دراسة صورة الآخر في تراثنا، لكشف إنجازات الأجداد وإخفاقاتهم في هذا المجال، كي نفهم ذواتنا، ومثل هذا الفهم لن يكون إلا عن طريق فهم الآخر، وكيف تمّ التعامل معه.



[ Web design by Abadis ]