ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 الحماني العلوي - شاعر من سلالة الهاشميين \ الأستاذ حيدر محلاتي

"ملخّص"

الحمّاني شاعر العلويين في العصر العبّاسي، وهو أيضا من الاسرة العلوية، والظروف الأدبية والاجتماعية والسياسية للشاعر دفعته لأن يخوض الاغراض الشائعة في زمانه من منطلق انتمائه، فاستند الى القرآن والسنّة والتاريخ ليثبت معتقداته ويدعم ولاءه لآل البيت.

ساهمت الكلمة الشعرية وعبر تاريخها المديد مساهمة فعّالة في بناء الحضارة الانسانية وخاصةً في توطيد دعائم الثقافة ونشر العلوم والمعارف. وقد تبلورت هذه المشاركة بأوضح أشكالها عندما سلكت الكلمة الشاعرة مسلكاً هادفاً جسّدت فيه معاناة مقصودة - فردية كانت أم اجتماعية - صادرة عن مفهوم عقائدى قويم.

حينئذ وجدت الكلمة محلّها من الحياة وهي تخرج من سذاجتها الفطرية ومن إطارها العاطفي الضيّق والمشحون بالمشاعر العريزية الى عالم يصبوالى توظيف النتاج الفكري والابداع الفني لصالح المبادئ الانسانية والقيم البشرية الرفيعة.

ويبقي الشاعر وبكونه المبدع والمنتج للكلمة الشاعرة عنصراً فاعلاً في الكيان الثقافي للمجتمع وأداة حيّة تسعى جاهدة الى تحقيق الأهداف الانسانية السامية من خلال العمل الأدبى المتّسم بالتزامات عقائدية واجتماعية على حد سواء.

ومن الطبيعي أن يتجسّد الالتزام العقائدي - بكل مفاهيمه ومصاديقه - في الشعر الديني وخاصةً الشعر الولائي الذي اتخذ من مبادئ الرسالة المحمدية والقيم السامية لتعاليم أهل البيت عليهم السلام مادة غنية يستمد منها مفاهيم إنسانية رفيعة ومعان شعرية خالدة تبقي على مرّ العصور

والأيام.

ولتميّز الشعر بالتأثير المباشر في نفس السامع والمتلقي، وقابليته الفنية في اختصار المعنى وإيصال المطلوب بأسلوب آسر وأخّاذ، أصبح - وفي العصور المتقدمة خاصة - الوسيلة الإعلامية المثلى التي من خلالها يستطيع الشاعر أن يعبّر عن معاناته وهمومه وعن قضاياه التى لم تسمح السياسة بحلّها عن طريق العمل السياسي والتحرك الإصلاحي البنّاء.

ومن أولئك الشعراء الذين حملوا راية الإعلام الرسالي عالية خفّاقة بكل ما تنطوي عليها من مخاطر ومحن ومخاوف وتضحيات، الشاعر الحمّاني [١] علي بن محمد بن جعفر بن محمد بن زيد بن علي بن الحسين بن على بن أبي طالب (عليه السلام).

قال عنه المسعودي المؤرخ وهويتحدث عن الهاشميين في الكوفة: "كان علي بن محمد الحمّاني نقيبهم بالكوفة وشاعرهم ومدرّسهم ولسانهم، ولم يكن أحد بالكوفة من آل على بن أبى طالب (عليه السلام) يتقدمه في ذلك الوقت". [٢]

نشأ الشاعر في بيت قديم العهد بالشعر والأدب. فقد كان يقول: "أنا شاعر وأبي شاعر وجدي شاعر الى أبي طالب [٣]. ولم يكن الحمّاني بقوله هذا مبالغاً ومحض مدّع، ففصاحة اللسان وبلاغة البيان عريقة الاصول عميقة الجذور في بنى هاشم. وها هوأمير البيان علي بن أبى طالب (عليه السلام) يقول: "وإنّا لأمراء الكلام، وفينا تنشّبت عروقه، وعلينا تهدّلت غصونه". [٤]

أما عن مسقط رأس الشاعر وتاريخ ولادته ووفاته فقد أغفل المؤرخون ذلك الاّ أنّ القرآئن والشواهد ترجّح بأن يكون الشاعر ولد في الكوفة ما بين العقدين الثاني والثالث من المائة الثالثة للهجرة، وتوفي فيها سنة ٣٠١ هـ. [٥]

وبالنسبة الى شعره الذي وصل الينا فقد تنوعت أغراضه وتعددت مواضيعه الاّ أنّ أهمها ينحصر في الشكوى والفخر والغزل والسياسة والعقيدة. [٦] ويغلب استعمال الغرضين الأخيرين على سائر أغراض شعره.

ويتضح من خلال مطالعة شعره المجموع اهتمام الشاعر بأنواع البديع وإكثاره من استعمال التضمين لأبيات مشهورة والاقتباس من القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف.

وما يهمنا في هذا المقال هواكتشاف منهجية الشاعر في نظمه للشعر العقائدي وخاصة شعره في أهل البيت (عليهما السلام) حيث يشغل مساحة واسعة من ديوانه.

مرّ آنفاً أنّ الشاعر كان نقيب الهاشميين في الكوفة وبحكم هذا الموقع كان محتّماً على الشاعر أن يبيّن أحقية أهل البيت (عليهم السلام) في قيادة الامة بعد الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ومواصلة طريق الحق الذي نهجه (صلى الله عليه وآله) من أجل توعية الامة وهدايتها الى الكمال المَنشود، الى جانب الإشادة بتعاليمهم (عليهم السلام) وفضائلهم ومناقبهم والابانة عن مواقفهم الخالدة بغية الاعتبار والتطبيق العملي لها في شؤون الحياة كافة.

والمطالع لديوان الحمّاني يقف عند بدائع وروائع من الشعر الولائي الذي كرّسه الشاعر لذلك الغرض المقدس حيث يعد وبحق التزاماً دينياً وعقائدياً لم يحد عنه الشاعر طوال مسيرته الفكرية والاجتماعية بالرغم من تحديات العصر وضغوط الاجهزة الظالمة.

وتستوقفنا محاورة رئيسية لدى استعراضنا قصائد الحمّاني الولائية يمكن لنا أن نعدّها أُسُساً عامة لمنهجية الشاعر في نظمه لهذا اللون من الشعر. ولابد من الاشارة الى أنّ هذه المحاورة استخلصناها من مجموع شعره المتوفّر لدينا حالياً وهوبطبيعة الحال ليس جميع شعره. أما السمات البارزة في شعر الحمّاني الولائي فهي كالآتي:

١ - الاستدلال بالآيات القرآنية الكريمة لتبيين أفضلية أهل البيت (عليهم السلام) وبيان حقهم المشروع في الخلافة وولاية الأمر بعد النبى (صلى الله عليه وآله).

يعدّ موضوع قيادة الامة الاسلامية بعد الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) من المواضيع المهمة التي كثر النقاش حولها واحتدم الخلاف فيها منذ وفاته (صلى الله عليه وآله) وحتى يومنا هذا. ولا شك أنّ هذا الموضوع كان على بساط البحث في عصر الشاعر الحمّاني وخاصة وأنّ الشاعر كان على رأس نقابة الهاشميين في الكوفة. فكان طبيعياً أن يحظى هذا الموضوع بأهمية خاصة من قبل الشاعر وينعكس بشكل واسع وكبير على شعره.

وقد تعرّض الشاعر الى هذا الموضوع في مواضع مختلفة من شعره مستدلاً بالآيات القرآنية الكريمة على أحقية أهل البيت (عليهم السلام) في خلافة النبي (صلى الله عليه وآله) منها قوله:

وإنّ بكم يا آل أحمد أشرقت *** وجوه قريش لا بوجه من الفخر

وإنّ بكم يا آل أحمد آمنت *** قريشٌ بأيام المواقف والحشر

بأمركم يا آل أحمد أصبحت *** قريشٌ ولاة الأمر دون ذوي الذكر

إذا ما أناخت في ظلال بيوتها *** أنختم ببيت الطهر في محكم الذّكر [٧]

وفي البيت الأخير إشارة واضحة الى قوله تعالى:

(إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً) [٨].

وقد وردت أحاديث متواترة من مصادر الفريقين تدل على أنّ هذه الآية نزلت في الخمسة من أصحاب الكساء وهم النبى (صلى الله عليه وآله) وعلي وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) وقد صرّح بذلك عدد كبير من المفسرين في تفسيرهم لهذه الآية الشريفة. أذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر ما أورده الطبرسي في تفسيره من طرق الفريقين حيث قال: وقد اتفقت الامة بأجمعها على أن المراد بأهل البيت في الآية أهل بيت نبينا (صلى الله عليه وآله) …. ذكر أبوحمزة الثمالي في تفسيره: حدثني شهر بن حوشب، عن أم سلمة قالت: جاءت فاطمة (عليه السلام) الى النبى (صلى الله عليه وآله) تحمل حريرة لها، فقال: ادعى زوجك وابنيك. فجاءت بهم، فطعموا، ثم القى عليهم كساءً له خيبرياً، فقال: "اللهم هؤلاء أهل بيتي وعترتي، فأذهب عنهم الرجس، وطهّرهم تطهيراً" فقلت: يا رسول الله، وأنا معهم؟ قال: أنت الى خير.

وروى الثعلبي في تفسيره أيضاً بالإسناد عن أم سلمة أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) كان في بيتها، فأتته فاطمة (عليها السلام) ببرمة فيها حريرة، فقال لها: ادعي زوجك وابنيك. فذكرت الحديث نحوذلك. ثم قالت: فأنزل الله تعالى (إنما يريد الله) الآية. قالت: فأخذ فضل الكساء، فغشّاهم به، ثم أخرج يده فألوى بها الى السماء، ثم قال: "اللهم هؤلاء أهل بيتي، وحامتي، فأذهب عنهم الرجس، وطهّرهم تطهيراً" فأدخلت رأسي البيت، وقلت: وأنا معكم يا رسول الله؟ قال: إنّك الى خير، إنّك الى خير. [٩]

ومن جملة الآيات القرانية الاخرى التي استدل بها الشاعر الحماني في شعره آية الخمس من قوله تعالى:

(واعلموا إنما غنمتم من شيء فانّ لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان، يوم التقى الجمعان والله على كلّ شىء قدير). [١٠]

وقد أشار الشاعر الى هذه الآية في قوله:

أناسٌ هم عدل القرآن ومألف الـ *** بيان وأصحاب الحكومة في بدر

ومازهم الجبار منهم بخلّة *** يراها ذووالأقدار ناهية الفخر

فأعطاهم الخمس الذي فضّلوا به *** بآية ذي القربى على العسر واليسر [١١]

والمراد بذي القربى كما ورد في الأحاديث الشريفة وكذلك في تفسير آية الخمس وتفسير آية المودة من قوله تعالى:

(قل لا أسألكم عليه أجراً الاّ المودة في القربى) [١٢]

هم علي وفاطمة، والحسن والحسين (عليهم السلام). وقد نوّه، الحمّاني الى آية المودة بقوله:

يا آل حم الذين بحبّهم *** حكم الكتاب منزّلاً تنزيلا [١٣]

وقد وردت أحاديث كثيرة في بيان مصاديق القربى وذويه نشير الى بعض ما ورد في كتب أهل السنة، لأنّ المصادر الشيعية تعج بالأحاديث المتواترة والصحيحة في هذا الشأن.

عن سعيد بن جبير عن ابن عباس "رضى الله عنهما" قال لما نزلت: (قل لا أسألكم عليه أجراً الاّ المودة في القربى)، قالوا: يا رسول الله ومن قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم. قال: علي وفاطمه وابناهما. [١٤]

وعن ابن عباس (رضي الله عنه) انه سئل عن قوله (الاّ المودة في القربى) فقال سعيد بن جبير: قربى آل محمد (صلى الله عليه وآله). [١٥]

ولابد من الاشارة هنا الى أنّنا لا نريد في هذا المقال أن نطيل من ذكر عدة مصادر للحديث الواحد، بل نكتفي بالاشارة الى مصدر أومصدرين للتوثيق فقط. وكما مرّ قبل قليل أنّ أغلب الأحاديث المنقولة في هذا المقال مرجعها كتب أهل السنة لكونها حجة لهم وأنّها من الأحاديث الصحيحة والمشهورة عند الفريقين حيث اعتمدها الشاعر في قصائده الولائية دون أن يقتصر على الأحاديث الواردة في كتب الشيعة فقط. وهذه الطريقة هي الطريقة المثلى التي تبناها الشاعر في استدلاله النقلي حيث الحياد والموضوعية من أهم سماتها البارزة.

ونعود الى موضوع استدلال الشاعر بالآيات الشريفة ذات الصلة بأهل البيت (عليهم السلام) حيث تطرق الى آية الانذار من قوله تعالى (وأنذر عشيرتك الأقربين)، [١٦] وفيها قال الشاعر:

وقال:

وأنذر أقربيك فخلّصت *** بنوهاشم قرباه دون بنى فهر [١٧]

وفى خصوص آية الانذار ورد في الأخبار أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) جمع بنى عبدالمطلب في دار أبي طالب فأطعمهم وسقاهم ومن ثم خطب فيهم قائلاً: "يا بنى عبدالمطّلب، إنّ الله بعثني الى الخلق كافة، وبعثني اليكم خاصّة، فقال عز وجلّ: (وأنذر عشيرتك الاقربين). وأنا أدعوكم الى كلمتين خفيفتين على اللسان ثقيلتين في الميزان، تملكون بهما العَرَب والعَجَم، وتنقادُ لكم بهم الاُمم، وتدخلون بهما الجنة، وتنجون بهما من النار، شهادة أن لا اله الاّ الله وأنّي رسول الله، فمن يُجبني الى هذا الأمر ويؤازرني عليه وعلى القيام به، يكن أخي ووصيي ووزيري ووارثي وخليفتي من بعدي" فلم يجب أحد منهم.

فقال أميرالمؤمنين (عليه السلام): "فقمت بين يديه من بينهم - وأنا إذ ذاك أصغرهم سنّاً، وأحمشهم [١٨] ساقاً، وأرمصهم [١٩] عيناً - فقلت: أنا يا رسول الله أؤازرك على هذا الأمر. فقال: اجلس، ثم أعاد القول على القوم ثانية فأصمتوا وقمتُ فقلتُ مثل مقالتي الأولى، فقال: اجلس، ثم أعاد على القوم مقالته ثالثةً فلم ينطق أحدٌ منهم بحرف، فقلت: أنا أؤازرك يا رسول الله على هذا الأمر، فقال: اجلس، فأنت أخي ووصيي ووزيري ووارثي وخليفتي من بعدي".

فنهض القوم وهم يقولون لأبي طالب: يا أبا طالب، ليهنك اليوم إن دخلت في دين ابن أخيك، فقد جعل ابنك أميراً عليك. [٢٠]

وثمة آية أخرى تناولها الحمّاني في شعره وهي قوله تعالى: (إنما المؤمنون إخوة) [٢١]. وقد روى حديث عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) في خصوص هذه الآية المباركة عرف بحديث المؤاخاة، حيث ذكره الشاعر في قوله مخاطباً القرشيين:

إذا قلتم: منّا الرسول، فقولهم *** أبونا رسول الله فخرٌ على فخر

وآخاهم مثلاً لمثل فأصبحت *** أخوّته كالشمس ضمّت الى البدر

فآخى علياً دونكم، وأصارهُ *** لكم علماً بين الهداية والكفر [٢٢]

وروايات حديث المؤاخاة كثيرة مروية عن طرق الفريقين ولا مجال لذكرها هنا جميعاً، ولكن بحكم المثل القائل: ما لا يدرك كلّه لا يترك كلّه، نذكر هنا للاستشهاد فقط ما ورد عن أهل السنة في هذا الخصوص.

جاء في حديث عن عمر بن عبدالله عن أبيه عن جده أنّ النبى (صلى الله عليه وآله) آخى بين الناس وترك عليّاً حتى بقي آخرهم لا يرى له أخاً، فقال يا رسول الله آخيت بين الناس وتركتني. قال: ولِمَ تَـرَ أني تركتك، إنّما تركتك لنفسي أنت أخي وأنا أخوك. فان ذاكرك أحد فقل أنا عبدالله وأخو رسوله ولا يدّعيها بعدي الاّ كذّاب. [٢٣]

هذه جملة من الآيات المباركات التي أكّد عليها الشاعر في قصائده الولائية لصلتها الوثيقة بأهل بيت النبوة عليهم أفضل الصلاة والسلام، ومكانتهم السامية بين شرائح الأمّة الاسلامية، ولما لهم من فضل عظيم ودور مؤثر في مجال الهداية والارشاد والتوعية والتثقيف.

٢ - الاستدلال بالأحاديث النبوية الشريفة

الاستشهاد بالسنّة النبوية الشريفة أسلوب استدلالي آخر استخدمه الشاعر لإثبات شرعية الأئمة من آل البيت (عليهم السلام) في ولاية الأمر وقيادة الامّة بعد النبي (صلى الله عليه وآله). وقد وظّف الشاعر أسلوبه هذا في معظم شعره العقائدي، حيث يندر العثور على قصيدة ولائية من شعر الحمّاني تخلومن هذا الاسلوب الاستدلالي المقنع.

ومن الأحاديث النبوية الشريفة التي ركّز عليها الشاعر في شعره العقائدي هوحديث الثقلين الذي أشار اليه في عدة مواضع، منها قوله:

هم الثّقلان الداعيان الى الهدى *** مقام وصيٍّ أوبيان مصاحف [٢٤]

وقوله في موضع آخر:

قومٌ إذا اعتدلوا الحمائل أصبحوا *** متقسّمين خليفة ورسولا

نشأوا بآيات الكتاب فما انثنوا *** حتى صدرن كهولة وكهولا

ثقلان لن يتفرّقا أويطفئا *** بالحوض من ظمأ الصدور غليلا

وخليفتان على الأنام بقوله *** الحق أصدق من تكلّم قيلا

فأتوا أكفّ الآيسين، فأصبحوا *** ما يعدلون سوى الكتاب عديلا [٢٥]

وحديث الثقلين هوقول رسول الله (صلى الله عليه وآله): (إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض) [٢٦]. وقد بلغ رواة هذا الحديث عن طرق الفريقين من الكثرة مما لا يسع المجال هنا الى التسمية وذكر المصادر فقط حيث يشكل بحثاً مستقلاً قائماً بذاته.

وإضافة الى حديث الثقلين فقد استشهد الشاعر بحديث آخر هوحديث المنزلة من قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعلي بن أبي طالب (عليه السلام): "أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي" [٢٧] وقد اورد الشاعر مضمون هذا الحديث في سياق بيان أفضلية الامام (عليه السلام) إزاء وجهاء قريش:

وأنزله منه على رغمة العدى *** كهارون من موسى على قدم الدّهر

فمن كان في أصحاب موسى وقومه *** كهارون؟ لازلتم على زلل الكفر

وأنزله منه النبي كنفسه *** رواية أبرار تأدّت إلى البرّ

فمن نفسه منكم كنفس محمد *** ألا بأبى نفس المطهر والطّهر [٢٨]

وحديث المنزلة غني عن التعريف وإيراد الأسانيد لشهرته وتواتره. فقد نقله الفريقان نقلاً معلناً وجلياً بلغ محلاًّ من اليقين والاعتبار لا يرقى إليه أدنى شك.

وتستوقفنا مقطوعة شعرية ضمّنها الشاعر عدة أحاديث نبوية شريفة يبرز من خلالها بوضوح أكثر حديثان نبويان، الأول: قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) "الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة" [٢٩] والثاني: قوله (صلى الله عليه وآله): "علي مع الحق والحق مع علي ولن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض يوم القيامة" [٣٠] والمقطوعة الشعرية هي:

أنتما سيّدا شباب جِنان الـ *** خُلدِ يومَ الفوزين والرَّوعتينِ

يا عديلَ القرآنِ من بين ذي الخَـ *** لقِ، ويا واحداً من الثقلينِ

أنتما والقُرآن في الأرضِ مُذ أنـ *** زل مثلُ السما والفرقدينِ

قمتما من خلافةِ اللهِ في الأر *** ض بحقٍّ مقامَ مُستخلَفَينِ

قالَهُ الصادقُ الحديثَ، ولن يفـ *** ترقا دونَ حوضهِ واردينِ (٣١)

ويتضح من الأبيات هذه أنّ الشاعر قد استرسل في ذكر خصائص ومميزات أهل البيت (عليهم السلام) وخاصة فيما يتعلق بالامام علي وولديه (عليهم السلام) ليستدل في النهاية بقول رسول الله (صلى الله عليه وآله) المؤكّد على مواكبة أهل النبوة لطريق الحق السوية.

وقبل أن نختم هذا الفصل يبدومناسباً الاشارة الى أبيات ثلاثة ضمّنها الشاعر أحاديث صحيحة ومشهورة في فضل الامام علي بن أبي طالب (عليه السلام) وكرامته وأحقيته في ولاية الأمر وخلافة الأمة الاسلامية. يقول فيها الشاعر:

ابنُ الذي ردّت عليـ *** ـه الشمس في يوم الحجاب

وابن القسيم النار في *** يوم المواقف والحساب

مولاهم يوم الغديـ *** ر برغم مرتاب وآبي (٣٢)

وكما هوواضح فانّ البيت الأول يشير الى معجزة طلوع الشمس بعد غروبها عصراً إكراماً لأمير المؤمنين (عليه السلام). فقد جاء في الحديث عن أسماء بنت عنيس: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوحى اليه ورأسه في حجر علي فلم يصل العصر حتى غربت الشمس. فقال رسول الله (عليه السلام): اللهم إنّ عليّاً كان في طاعتك وطاعة رسولك فاردد عليه الشمس. قالت أسماء فرأيتها غربت ورأيتها طلعت بعد ما غربت. (٣٣).

أمّا البيتان الآخران فقد نقل فيهما الشاعر حديثين شريفين من أحاديث النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله):

الاول قوله (صلى الله عليه وآله): "علي قسيم النار" (٣٤). والثاني حديث الغدير المتواتر من قوله (صلى الله عليه وآله): "من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه". (٣٥)

كانت هذه طائفة من الأحاديث النبوية الشريفة التي تناولها الشاعر وتطرق اليها في شعره الولائي وهي أحاديث متواترة ومشهورة معتمدة من قبل الفريقين وموثوق بها عند الجميع. وقد اتضح من خلال هذه النخبة الحديثية المنتقاة حرص الشاعر على ركيزة الاقناع والتفهيم السليم في استدلالاته ومناظراته العقائدية.

٣ - السرد الاستدلالي للوقائع التاريخية.

لا شك انّ الدور الذي اضطلع به أئمة أهل البيت (عليهم السلام) في صيانة الدين الاسلامي المبين يعد دوراً مهماً وأساسياً. والمطالع للتاريخ الاسلامي يلحظ بوضوح تلك الجهود التي بذلها أئمة الهدى (عليهم السلام) في نصرة الرسالة المحمدية وبث الوعي الديني السليم بين شرائح المجتمع كافة.

وتستوقفنا ونحن نقرأ شعر الحمّاني جملة من الوقائع التاريخية المهمة التي توثقت بها عرى الاسلام الحنيف وارتكزت عليها شرائع الدين المبين وهي حوادث مشهورة في مناهضة المشركين ومقارعة أئمة الكفر والضلال من رموز الجاهلية ورؤوس قريش.

وقد أومأ الشاعر الى طائفة من الوقائع التاريخية التي شكّلت منعطفاً تاريخياً خطيراً في حياة الامة الاسلامية وهي في طبيعة الحال أحداث تاريخية أبلى بها الهاشميون وفي طليعتهم الامام علي (عليه السلام) بلاءً حسناً.

يقول الشاعر مفتخراً:

سائلا عنّا قريشاً *** وليالينا الأولْ

نحن أصحاب حنين *** والمنايا تنتضل

وببدر حين وَلّوا *** قللاً بعد قلل

ولنا يومٌ بصفّيـ *** ـنَ ويومٌ بجملْ (٣٦)

وفي هذه الأبيات إشارات واضحة الى وقائع تاريخية خالدة كان لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) جولات فيها وصولات. منها وقعة بدر في السنة الثانية للهجرة وقوله تعالى: (ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلّة). (٣٧)، ومنها غزوة حنين في السنة الثامنة للهجرة التي لم يثبت مع النبي من المسلمين غير تسعة من بني هاشم، وفيهم يقول مالك بن عبادة الغافقي:

لم يُواسِ النبي غيرُ بَني ها *** شِم عند السيوف يومَ حُنَين

هربَ الناسُ غير تسعةِ رهط *** فهمُ يهتفون بالناس أين

ثمّ قاموا مع النبي على المَوْ *** ت فآبوا زَيْناً لنا غيرَ شَين (٣٨)

ولدى استعراضنا شعر الحمّاني في خصوص الوقائع التاريخية التي شهدها العصر الاسلامي تستوقفنا وقعة تاريخية خطيرة يمكث عندها الشاعر بشىء من التريث والتأمل هي وقعة أحد. يقول الشاعر:

وأوقع يوم أحد بهم جلاداً *** يزايل بين أعضاد الشؤون

فلم يترك لعبد الدار قرماً *** يقيم لواء طاغية لعين

فَأَفضوا باللّواءِ إلى "صواب" *** فعانَقَه معانقة الوضينِ

فخذّمه أبوحسن فأهوى *** صريعاً لليدين وللجبين

ونودوا لا فتى الاّ علىٌ *** وليس كذي الفقار حمى جفون (٣٩)

ويتضح من هذه الأبيات أن الشاعر قد ركّز على إحدى الخصال البارزة في شخصية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) وهي شجاعته وإقدامه المنقطع النظير في الحروب. والواقع أن الحديث عن بطولات أميرالمؤمنين (عليه السلام) وتضحياته وجهاده يتطلب بحوثاً ودراسات مستقلة لا يسعها هذا المجال ولا يفي بحقها هذا المقال. فالغاية هنا تبيين منهجية الشاعر في تعامله مع النصوص التاريخية وروايات الأحداث لدى نظمه الشعر الولائي.

٤ - الإشادة بمناقب آل البيت (عليهم السلام)

يشكّل التعريف بمناقب أهل البيت (عليهم السلام) وفضلهم وسجاياهم الكريمة محوراً هاماً في شعر الحمّاني الولائي. ولعل الاهتمام بهذا الجانب يكون مردّه الى عمق تمسّك الشاعر بتعاليم أهل البيت وتفانيه في محبتهم (عليهما السلام) باعتبار ذلك معلماً من معالم التقرب الى الله تعالى، ومنجاة في يوم الحشر العظيم.

ونستكشف من خلال مطالعتنا لقريض الشاعر الملتزم بخطى أئمة الهدى (عليه السلام) أنّه عاش الاسلام بجميع جوارحه فتجسّدت له عظمة أهل البيت من خلال الاسلام الذي تشبّعت به روحه وقرارة نفسه، ورأى أنّ تعاليم أهل البيت (عليهم السلام) هي الامتداد الحقيقي لغنى الفكر الاسلامي والنظم المثلى في بلورة المشروع الحضاري الاسلامي الذي يضمن سعادة الانسان في الدنيا والآخرة.

وتركيز الشاعر على هذا المنحى من النظم يتأتى من خلال إيمانه بأنَّ التمسك بأفكار وأعمال أهل البيت (عليهم السلام) هوالملاذ الوحيد والمنجى الحقيقي من الانحراف عن النهج الاسلامي الحق. فهم (عليهم السلام) عدّته في الدنيا وملاذه في يوم القيامة:

سادتي عُدّتي عمادي مَلاذي *** خمسةٌ عندَهم تُحطّ الرّحالُ

سادتي سادةٌ بهم ينزلُ الغيـ *** ثُ علينا، وتُقبلُ الأعمالُ

سادتي حُبّهم يَحُطّ الخطايا *** ولدَيهم تُصدّق الآمالُ

سادةٌ قادةٌ اليهم إذا ما *** ذُكِرَ الفضلُ تُضرَب الأمثالُ

وبهم تُدفَعُ المكارهُ والخيـ *** فةُ عنا وتكشَفُ الأهوالُ

وبهم طابت المواليدُ وامتا *** زلنا الحقُّ والهدى والضلالُ

وبهم حُرّمَ الحرامُ وزال الـ *** شكُّ في دينِنا وحلَّ الحلالُ (٤٠)

ويلاحظ من خلال إلقاء النظر على هذا اللون من شعر الحمّاني حرص الشاعر على تعميق فكرة الامتداد الرسالي المتمثلة بأهل البيت (عليهم السلام) والذين يعدون امتداداً لرسول الله (صلى الله عليه وآله) حسباً ونسباً وعلماً ومعرفة. وقد أكّد الشاعر في مواضع عديدة ومواقف كثيرة على الصلة الوثيقة والمميزة التي تربط الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام) برسول الله (صلى الله عليه وآله). نجد ذلك متجلّيا في معظم شعره الولائي كقصيدته الدالية المعروفة التي يبدأها بذكر قرابة أبي الأئمة أميرالمؤمنين (عليه السلام) من رسول الله (صلى الله عليه وآله):

بين الوصىِّ وبين المصطفى نسبٌ *** تختالُ فيه المعالي والمحاميدُ

كانا كشمس نهار في البروج كما *** أدارَها ثم إحكامٌ وتجويدُ

كسيرِها انتقلا من طاهر عَلم *** الى مطهَّرة آباؤها صيدُ

تَفرّقا عندَ عبداللهِ واقترنا *** بعدَ النبوةِ توفيقٌ وتسديدُ

وذَرَّ ذوالعرشِ ذِرّاً طابَ بينهما *** فانبثَّ نورٌ له في الأرض تخليدُ

نورٌ تفرَّقَ عند البعث وانشعبت *** منه شعوبٌ لها في الدّين تمهيد (٤١)

ويتابع الشاعر بعد عرضه للنسب الهاشمي الشريف ذكر الخصال الحميدة التي تحلّى بها الهاشميون من شجاعة وإقدام وجود وإنعام ومناقب كريمة يتصف بها الأشراف الأفذاذ:

هم فتيةٌ كسيوف الهند طال بهم *** على المطاولِ آباءٌ مناجيدُ

قومٌ لماء المعالي في وجوهِهِمُ *** عندَ التكرُّم تصويبٌ وتصعيدُ

يدعُونَ أحمدَ إن عُدَّ الفخارُ أباً *** والعودُ ينبتُ في أفنانِه العُودُ

المُنعِمونَ إذا ما لم تكن نِعمٌ *** والذائدونَ إذا قلَّ المذاويدُ (٤٢)

ويستمر الحمّاني بعد ذلك في عدّ مناقبهم (عليهما السلام) وما لهم من مواقف مشرّفة ومآثر خالدة لينتهي آخر المطاف الى الغاية والمقصد الحقيقي من النظم وهو بيان مانزل بهم من فجائع:

في كلِّ يوم لهم بأسٌ يعاشُ به *** وللمكارم من أفعالِهم عيدُ

مُحسِّدونَ ومن يَعقِد بحُبِّهُم *** حبلَ المودّةِ يُضحِ وهومحسودُ

لا يُنكِرُ الدهرُ إن ألوى بحقّهم *** فالدهرُ مُذ كان مذمومٌ ومحمود (٤٣)

والتأكيد على أحقية أهل البيت (عليهم السلام) في ولاية الأمر وهداية الامة بعد الرسول (صلى الله عليه وآله) هي السمة البارزة التي يختم بها الشاعر قصائده الولائية أوبالاحرى الشأن الأسمى الذي يدأب الشاعر في إبرازه بشكل معلن وجلي ليجعل شعره ذاقيمة دينية وتاريخية يصلح أن يكون مادة غنية يستمد منها الحقائق والصحيح من الوقائع:

يا آلَ أحمد أنتم خيرُ مشتمل *** بالمكرمات وأنتم خير معتَرفِ

خلافةُ اللهِ فيكم غيرُ خافية *** يُفضي بها سلفٌ منكم الى خَلَفِ

طِبتُم فطابَ مواليكم لطيبتكم *** وباءَ أعداؤكم بالخُبثِ في النُّطفِ

رأيتُ نفعي وضري عندكم فاذا *** ما كان ذاك فعنكم أين منصرفي (٤٤)

ونخلص من هذا القول الى أنّ الشاعر لم يذكر مناقب أهل البيت (عليهم السلام) في شعره لمجرد الذكر والسرد، بل عمد الى تأصيل وتعميق الرؤى الدينية والمفاهيم الاسلامية المنبعثة من سيرتهم (عليهما السلام) بغية الأخذ بها وترجمتها عملياً على أرض الواقع وفي مجالات الحياة كافة.

ولم يكن الشاعر - كما لا حظنا - مغالياً ومسرفاً في بيانه بل شاهدنا الاعتدال قائماً في معظم أشعاره العقائدية وخاصة فيما يتعلق بشعره الولائي لأهل البيت (عليهم السلام). وكما مرّ سابقاً فانّ الشاعر يهدف بأسلوبه هذا وأدائه البياني المميز الى تعميق الحقائق الاسلامية وتأصيلها في المجتمع لتصبح في النهاية منهل ارتواء ومورد استلهام من قبل المسلمين.

٥ - فخر الشاعر بانتسابه للنبي وأهل البيت:

يُعدّ الفخر وهو إشادة الشاعر بخصال نفسه والتحدّث بمآثر قومه ومكارمهم وطيب عنصرهم ورفعة حسبهم وشهرة شجاعتهم وغير ذلك من الصفات الحميدة التي تتسم بها القبيلة من أبرز أغراض الشعر العربي وفنونه. وهذا اللون من الأدب كان شائعاً منذ أقدم عصور الشعر وحتى يومنا هذا مع تغييرات وتحويرات طرأت عليه بتطور الزمان واختلاف الظروف.

ونلحظ من خلال مطالعتنا لشعر الحمّاني عنايته بأدب الفخر كثيراً. ولكن الفخر الذي نتوقف عنده في أشعاره الولائية يختلف تماماً عن الفخر الشائع بين الشعراء والذي سبق تعريفه آنفاً. فالفخر عند الحمّاني ليس عنصرياً أوقبلياً ضيق الحدود، بل لا يمت أساساً الى النزعة الذاتية المحدودة النطاق والمشحونة بالمفاخرات الفردية والطائفية.

إنّ الفخر عند الحمّاني مستقل قائم بذاته يمتاز بقيمة معنوية ودلالة عبادية وهي الفخر بالانتساب للنبي الأكرم وأهل بيته الأطهار. (٤٥) ولا شك انّ هذه الميزة تمنح شعر الحمّاني الولائي بعداً قيمياً آخر فضلاً عن أبعاده الدينية والتاريخية المتعددة التي مرّ ذكرها.

فالشاعر يفتخر بكونه من سلالة النبي الكريم (صلى الله عليه وآله) صاحب الرسالة الخالدة، وانّ آباءه هم الهاشميين من ذوي الحسب والنسب الرفيع الذين شهدت لهم ميادين الوغى مواقف لن تنسى في نصرة رسول الله والذود عن الدين الاسلامي المبين وإعلاء كلمة الله في الأرضين:

لقد فاخرَتنا من قريش عِصابةٌ *** بمطِّ خدود وامتدادِ أصابعِ

فلمّا تنازعنا الفخارَ قضى لنا *** عليهم بما نَهوى نداءُ الصوامِعِ

ترانا سكوتاً، والشهيد بفضلِنا *** عليهم جهيرُ الصوتِ في كلِّ جامعِ

بأنّ رسولَ الله لا شكَّ جدُّنا *** ونحنُ بنوهُ كالنجومِ الطوالعِ (٤٦)

وفي خصوص هذه الأبيات ورد في مصادر مختلفة أنّ المتوكل العباسي سأل الامام علي بن محمد الهادي (عليه السلام) عن أشعر الناس. فقال الامام: الحمّاني، وأشار الى الأبيات المذكورة. فقال المتوكل: وما نداءُ الصوامع يا أبا الحسن؟ قال: أشهد أن لا إله إلاّ الله وأشهد أنّ محمداً رسول الله، جدّي أم جدّك؟ فقال المتوكل: هوجدّك لا ندفعك عنه. (٤٧)

ويتضح من هذه الرواية أنّ تقديم الامام للحمّاني باعتباره أشعر الناس وأفضلهم يعود الى القيمة المعنوية التي حملتها هذه الأبيات ونظائرها والى التزام الشاعر بتوظيف شعره وخاصة اللون الفخري منه لصالح المفاهيم الاسلامية والتعاليم الدينية القيمة.

وهذه ظاهرة فريدة في حدّ ذاتها. فقلما نجد شاعراً يتجنب الذاتية والفردية في الفخر ليتخذ من الموضوعية والمثالية عنصراً باعثاً ومحرّكاً في منظوماته الفخرية.

وفضلاً عن إشارة الشاعر في شعره الولائي الى نسبه الشريف للنبى وأهل بيته الأطهار، فقد ذكر مراراً وفي جوانب مختلفة من قصائد فخره ببطولات الهاشميين ومآثرهم الخالدة في الدفاع عن الاسلام منذ ظهوره وحتى عصر الشاعر:

إذا ما علا الأعواد منا ابنُ حرّة *** فأسفَر عن بدر ولا حظَ عن صقرِ

رأيتَ عدوالدين أخنعَ كاسفاً *** وذا الدينِ والاسلامِ مُنبلجَ الصّدرِ

لنا سيّدا هذا الأنامِ أبوّةً *** وسيّدتاهم في المواقف والحشرِ

وما عالَنت كفٌّ بإنكارِ فضلِنا *** من الناس إلاّ وهي مُذعِنةُ السرّ

وإنّا أُناسٌ ما تَزالُ نفوسُنا *** مَحَبَّسةً بين المكارم والفخرِ (٤٨)

والحق أنّ مفاخرة الشاعر بهذه الخصال يعدّ لوناً من ألوان الفخر الرفيع أوما يمكن أن نطلق عليه الفخر الايجابى لما يحمل في ثناياه من قيم أخلاقية سامية ومثل معنوية رفيعة. ولا شك أن لمثل هذا الفخر الملتزم مردوداً إيجابياً على صعيد التوعية والتثقيف. فالشاعر صادق في فخره وصادق في قوله وهوقول حق أراد الشاعر إنشاده على مسامع الناس بعد أن أثقلتها أبواق التهم الملفّقة.

إنّ الشاعر يفتخر بحسبه ونسبه لانّه من سلالة بلغت العز والمجد بأفعالها وأعمالها المشرّفة. ويكفيه فخراً أن يكون من ذرية يتربع على عرش مجدها ومفاخرها الرسول الأعظم (عليه السلام) ووصيّه وخليفته من بعده الامام علي بن أبي طالب (عليه السلام):

بلغنا السمآءَ بأحسابنا *** ولولا السماءُ لَجُزنا السماءا

فحسبُكَ من سؤدَد أنّنا *** بحُسنِ البلاءِ كشَفنا البَلاءا

يطيبُ الثناءُ لآبائنا *** وذكُر عَليٍّ يَزينُ الثناءا

إذا ذُكِرَ الناسُ كنا ملوكاً *** وكانوا عبيداً، وكانوا إماءا (٤٩)

وثمرة القول أن الشاعر قد وفق في تعاطيه هذا اللون من الفخر أعني الفخر الايجابي الملتزم، وذلك بسوق هذا النمط من الشعر نحو الحقائق الدينية والمثل الاسلامية القيمة، وابتعاده عن زخرف القول وباطل الكلام. وهي خصوصية امتاز بها الشاعر عن سائر أقرانه ولداته من شعراء عصره على الرغم من الأجواء السياسية القائمة والأوضاع الاجتماع المتردية التي عاشها الشاعر وخيّمت على نشاطه السياسي والفكري.

وبعد هذه الجولة من البحث حول منهجية الشاعر في قصائده الدينية وخاصة الولائية منها يمكن أن نستنتج أنّ الشاعر كان قد وظّف نفسه في تبيين الحقائق الدينية المتعلقة بأحقية أهل البيت بولاية الأمر وهداية الأمّة الاسلامية بعد الرسول الأعظم. وقد حاول الشاعر وبموضوعية ملحوظة أن يثبت ذلك باستناده الى الآيات القرآنية الشريفة الواردة بحق أهل البيت وكذلك الأحاديث النبوية الشريفة المختصة بأئمة الهدى، الى جانب الاشادة بمواقفهم المشرّفة ومآثرهم الخالدة في صيانة الدين الاسلامي من كل آفة ومكروه.

لقد استطاع الشاعر وبحكم منصبه كنقيب للعلويين في الكوفة وما أوتي من قدرة بيانية ومقدرة جدلية وكلامية أن يدحض تقولات المنكرين وادعاءات الجاحدين لفضل أهل البيت من خلال أسلوب بياني مؤثر ولغة شعرية رقيقة تترك في القلب شعوراً طيّباً وإحساساً لطيفاً وعميقاً، فرحم الله الحمّاني وجزاه عن الاسلام والمسلمين خير جزاء المحسنين.

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

١ - نسبة الى بني حمّان الذين كانوا يسكنون الكوفة.

٢ - مروج الذهب، بتحقيق محمد محيى الدين عبدالحميد، دار المعرفة، بيروت، بدون تاريخ، ج ٤، ص ١٥١

٣ - الصنعاني: نسمة السحر، تحقيق كامل سلمان الجبوري، دار المؤرخ، بيروت، ١٩٩٩م، ج ٢، ص ٤٢٩

٤ - نهج البلاغة، تحقيق الدكتور صبحي الصالح، دار الهجرة، قم، ١٤١٢ هـ، ص ٢٥٤.

٥ - الشيخ الأميني: الغدير، دار الكتاب العربي، بيروت، ١٩٨٣، ج ٣، ص ٦٨. وقد ورد في مروج الذهب (ج٤، ص ١٥٣) أن الشاعر توفي سنة ٢٦٠ هـ.

٦ - جمع شعره الدكتور محمد حسين الأعرجي ونشره في مجلة المورد البغدادية (مج ٣ / ٢٤ / ص ١٩٩ - ٢٢٠). كما وجمعه أيضاً مزهر السوداني ونشره في مجلة كلية الآداب - جامعة البصرة (مج ٧ / ٩٤ / ص ٢٩١ - ٣٤٣)

٧ - ديوان الحمّاني، تحقيق الدكتور محمدحسين الأعرجي، دار صادر، بيروت، ١٩٩٨م، ص ٧٢.

٨ - الأحزاب: ٣٣

٩ - مجمع البيان في تفسير القرآن، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، ١٩٩٥ م، ج٨، ص ١٥٦، ١٥٧

١٠ - الأنفال: ٤١.

١١ - ديوان الحمّاني، ص ٧٢، ٧٣.

١٢ - الشورى: ٢٣.

١٣ - ديوان الحمّاني، ص ١٠٠.

١٤ - الطبراني: المعجم الكبير، تحقيق حمدي بن عبدالمجيد السلفي، مكتبة العلوم والحكم، الموصل، ١٩٨٣م، ج ٣، ص٤٧.

١٥ - صحيح البخارى، تحقيق د. مصطفى ديب البغا، دار ابن كثير، بيروت، ١٩٨٧ م، ج ٤، ص ١٨١٩.

١٦ - الشعرا، ٢١٤.

١٧ - ديوان الحمّانى، ص ٧٣.

١٨ - رجل أحمش الساقين، دقيقهما.

١٩ - الرَمَص: وسخ يجتمع في مجرى الدمع.

٢٠ - الشيخ المفيد: الإرشاد: تحقيق مؤسسة آل البيت لاحياء التراث، قم، ١٤١٣، ج١، ص ٤٩، ٥٠.

٢١ - الحجرات: ١٠.

٢٢ - ديوان الحمّاني، ص ٧٣.

٢٣ - أحمد بن حنبل: فضائل الصحابة، تحقيق الدكتور وصي الله محمد عباس، مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٩٨٣ م، ج ٢، ص٦١٧.

٢٤ - ديوان الحمّاني، ص ٨٩.

٢٥ - المصدر السابق، ص ١٠٠.

٢٦ - المعجم الكبير، ج ٥، ص ١٦٩.

٢٧ - صحيح مسلم، تحقيق محمد فؤاد عبدالباقي: دار احياء التراث العربي، بيروت، بدون تاريخ، ج ٤، ص ١٨٧.

٢٨ - ديوان الحمّاني، ص ٧٣.

٢٩ - الطبراني: المعجم الأوسط، تحقيق طاهر بن عوض الله بن محمد وعبدالمحسن بن ابراهيم الحسيني دار الحرمين، القاهرة، ١٤١٥، ج٤، ص ٣٢٥.

٣٠ - الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد، دار الكتب العلمية، بيروت، بدون تاريخ، ج ١٤، ص ٣٢٠.

٣١ - ديوان الحمّاني، ص ١٢٠.

٣٢ - المصدر السابق، ص ٣٥.

٣٣ - المعجم الكبير، ج ٢٤، ص ١٥٠.

٣٤ - ابوشجاع الديلمي: الفردوس بمأثور الخطاب، تحقيق السعيد بن بسيوني زغلول، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٩٨٦، ج ٣، ص ٦٤.

٣٥ - أحمد بن حنبل: مسند أحمد، مؤسسة قرطبة، مصر، بدون تاريخ، ج١، ص ١١٨.

٣٦ - ديوان الحمّاني، ص ٩٧.

٣٧ - آل عمران: ١٢٣.

٣٨ - الارشاد، ج١، ص ١٤١.

٣٩ - ديوان الحمّاني، ص ١٢١.

٤٠ - المصدر السابق، ص ٩٦.

٤١ - المصدر السابق، ص ٥٦، ٥٧.

٤٢ - المصدر السابق، ص ٥٧، ٥٨.

٤٣ - المصدر السابق، ص ٥٨.

٤٤ - المصدر السابق، ص ٩٢.

٤٥ - محمود البستاني: تاريخ الأدب العربي في ضوء المنهج الاسلامي، مجمع البحوث الاسلامية، مشهد، ١٤١٣، ص ٥٨٠.

٤٦ - ديوان الحمّاني، ص ٨١.

٤٧ - ابن شهر آشوب: مناقب آل أبي طالب، دار الأضواء، بيروت، ١٩٨٥، ج٤، ص ٤٠٦.

٤٨ - ديوان الحمّاني، ص ٧١.

٤٩ - المصدر السابق، ص ٣٣، ٣٤.



[ Web design by Abadis ]