ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 حوار الحضارات على ضوء العلاقات الدولية الراهنة \ الأستاذة الدكتورة نادية محمود مصطفى

"ملخّص"

هل العلاقات الدولية الراهنة مهيئة لحوار حضاري ندّي بين المسلمين وقوى الهيمنة الغربية؟ ولماذا يرفع الغرب بعد الحرب الباردة شعار صراع الحضارات، ويخطط على أساسه؟ وماهو أصل العلاقات بين الحضارات؟ أهو حرب أم سلام؟ هذه أسئلة تحاول أن تجيب عليها الاستاذة الباحثة في ورقتها، وترى أن الجميع يتفقون على أن هناك أزمة عالمية ذات بعد قيمي - ثقافي، والاسلام قادر على أن يقدّم رؤية تساهم في تقنين الرؤية التي تجري صياغتها للعالم. وترى أن المسلمين في حاجة الى خطاب غير اعتذاري، مقترحة طرح مشروع "تعارف الحضارات" من منطلق قرآني، لاننا بحاجة الى خطاب ينطلق من الذات الاسلامية وخصائصها، وبمبادرة تجاه الآخر، لا بانفعال أمامه، حتى يتحقق التوازن في الرؤية الذي هو أساس الفاعلية.

تبين نتائج هذه القراءة النقدية كيف أن هذه الأطروحات تمثل إقراراً بأن الصراع هو منهج الغرب تجاه العالم وتجاه المسلمين بصفة خاصة لأنه يرى فيهم وفي الإسلام تهديداً ذي طابع خاص، وتنبع هذه الرؤية من كيفية إدراك الأبعاد الحضارية الثقافية الكامنة في الأمة الإسلامية. وتتلخص نتائج هذه القراءة النقدية في المجموعة التالية من النقاط:

١ - إذا كان البعض قد رفض أطروحات صراع الحضارات لأنها تقوم على منظور حضاري وليس مادياً يفسح مكاناً للدين وهو الأمر غير المعتاد من الفكر والتنظير الغربي في ظل "علمنة دراسة العلاقات الدولية" إلا أن أخذ "هانتجنتون" للعامل الحضاري كمحرك للحضارات يعتبر تغييراً جوهرياً في المنطلقات النظرية، وهو الأمر الذي يقتضي التوقف عنده والتساؤل عن مبررات هذا المنحى: هل يتصل بما أضحى يدب في الحضارة الغربية من ضعف وتآكل في القوة بالمقارنة بحضارات أخرى أخذت تستنهض قواها من جديد؟ وفي هذا الصدد نلحظ أن "هانتجنتون" في ختام تحليله لمبررات اهتمامه بالحضارات كمحرك للتفاعلات الدولية، يربط بين أثر زوال الأساس الأيديولوجي للصراع العالمي وبين جهود الغرب الرامية لدعم قيمة كقيم عالمية والحفاظ على هيمنته العسكرية ودعم مصالحه الاقتصادية ومن تولد ردود فعل مضادة من قبل الحضارات الأخرى من ناحية أخرى.

٢ - وتحت عنوان خطوط التقسيم بين الحضارات نجد أن النماذج والأحداث التي يشير إليها لتوضيح المستويين من الصدام بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية، وبين الأولى وحضارات أخرى - ليست إلا أحداثاً ووقائع درج المحللون على تفسيرها استناداً إلى عوامل أخرى غير صدام الحضارات. ولهذا يتحدد السؤال: لماذا يسميها الآن هانتنجتون بمسماها الحقيقي الذي يصدق عليها من قبل؟ هل يعني هذا أنه بعد أن استنفد الغرب أرديته وأقنعته السياسية والاقتصادية وحقق من ورائها أهدافه لم يعد يبق له إلا القناع الحضاري؟ ألا يعني هذا أن هانتنجتون يشعر أن الهيمنة الغربية لن تكتمل بالهيمنة السياسية والاقتصادية فقط ولكن يلزم لاكتمالها الهيمنة الحضارية أيضاً وفي قلبها الهيمنة الثقافية؟ ومعه هذا السؤال وفي هذا الموضع يتراكم مغزى أسئلة أخرى مناظرة سبق طرحها حول نفس المغزى والغاية للمقالة برمتها.

ومن ناحية أخرى: يذكر المؤلف أمثلة من الصدام والمواجهة، ولكن لا يحدد المسؤول عن انفجارها. الغرب أم المسلمين، المسلمين أم شعوب أخرى. ولكن يورد خلاصتين لمفكر مسلم ولآخر مستشرق يهودي يقدمان نفس المعنى. فينقل عن أكبر أحمد قوله إن المواجهة التالية ستأتي حتما من العالم الإسلامي، إن الصراع سيبدأ من أجل نظام دولي جديد انطلاقاً من طغيان الموجة الكاسحة التي تمتد عبر الأمم الإسلامية من المغرب إلى باكستان".

وينقل عن برناردلويس قوله "إننا نواجه فراغا وحركة يتجاوزان كثيراً مستوى القضايا والسياسات والحكومات التي تنتهجها، ولا يقل هذا عن كونه صدام بين الحضارات. ربما غير رسمية، لكن لاشك في أنه رد فعل تاريخي لخصم قديم لتراثنا اليهودي - المسيحي، وحاضرنا العلماني، والتوسع العالمي لهما معاً" إن الاستشهاد بهاتين المقولتين تعنيان - على ضوء تحليل هانتجتون السابق لأحد أسباب صدام الحضارات وهو أن الغرب أضحى في أوج قوته - تعنيان أن الصدام إنما هو استجابة ورد فعل للتحدي المتمثل في القوة والتوسع الغربي العلماني.

وأعتقد أن القراءة على هذا النحو لهذا الجزء من تحليل هانتنجتون قد يدفعنا إلى عدم الهجوم على مقولته عن الصدام بين الإسلام والغرب كما فعلت بعض الانتقادات لنفس المقولة دفاعا عن الإسلام ورفضاً أن يكون الإسلام صراعياً أو إكراهياً أو عدوانياً أو إرهابياً، بل يمكن أن نتحول على ضوء هذه القراءة أيضاً إلى هجوم من نوع آخر على هيمنة الغرب ومظاهرها التي يقربها ويعترف المؤلف بآثارها على الآخر كما سنرى لاحقا. وبذا ننتقل من المواقف الاعتذارية التبريرية الدفاعية إلى الهجومية. فنحن لسنا مصدر التهديد ولكننا نحن المعرضون للتهديد ومن ثم. فإن استجابتنا ورد فعلنا هي التي تبدو مصدر "الصراع".

٣ - وتحت العناوين الأربعة التالية الغرب ضد الباقي "البلدان الممزقة" الصلة الكونفوشيوسية - انتهينا إليه من قبل عن غير المعلن في هذه المقالة ومقصدها ومغزاها ألا وهو تقرير هيمنة الغرب في صدام الحضارات ومن ثم مسؤولية هذه الهيمنة عن تفجير هذا الصدام من جانب الغير، ومن ثم تحذير الغرب وتنبيهه لضرورة اتخاذ الإجراءات المناسبة ضد الآخر.

بعبارة أخرى فإن الذي يستوجب الاهتمام في فكر هانتجتون هو المقولات الصريحة والواضحة والحاسمة حول الصدام بين الإسلام والغرب صداماً حضارياً دينياً وحول التضامن بين شعوب الحضارة الواحدة في مواجهة الحضارات الأخرى وحول سياسات الغرب المرتقبة في مواجهة الحضارات الأخرى وخاصة الإسلامية. ولكن هنا يجب ملاحظة أمر هام، فإن هانتجتون لا يضع فقط الإسلام كعدو مرتقب للغرب ومن ثم ينبري البعض للدفاع عن الإسلام، ولكن يبرز أيضاً ما يجب أن نفطن إليه بقوة وهو كيف أن الغرب هو عدو الإسلام والمسلمين والحضارات الأخرى. حقيقة يسجل في مقالته الأولى - كما رأينا - وكذلك في مقالته الثانية أكثر من تحذير للغرب بأن الآخر يصحو ولم يعد مفعولاً به، بل أضحى فواعل تعود إلى جذورها وترغب في تشكيل العالم بطرائق غير غربية، ومن ثم يحذر بأن هناك خطراً ثقافياً يجيء من الجنوب ويحل محل التهديد الأيديولوجي الذي جاء من الشرق، بعد أن انتهى الاستعمار الأوربي وحيث أن الهيمنة الأمريكية آخذة في الانحسار فيتبع ذلك تآكل الثقافة الغربية، حقيقة نستطيع تسجيل هذا كله ولكن ما نستطيع تسجيله بدرجة أكبر وأهم هو الإجراءات التي يوصي بها هانتنجتون لمواجهة هذا الآخر. وهنا مكمن التح

دي الأساسي الذي تفصح عنه المقالة في أكثر من موضع منها وبأكثر من تعبير صريح وحتى تصل إلى صفحاتها الأخيرة فيتركز فيها جل التوصيات الموجهة للغرب لحماية نفسه.

٢ - حوار الثقافات على صعيد نتائج خبرة دراسة "البعد الثقافي للشراكة المتوسطية الأوربية"

انطلقت هذه الدراسة من تحديد خريطة مكونات البعد الثقافي على ضوء الأسئلة التالية:

ماهو البعد الثقافي المعني؟ هل مجمل النشاط الإنساني الإبداعي؟ هل أسلوب حياة؟ هل الإطار الكلي الذي يحيط بالسياسة والاقتصاد والذي يتصل بالتاريخ والتراث والدين والقيم؟

ماهي المستويات التي يتجه إليها العمل الثقافي: الحكومات أم النخب المثقفة أم أجهزة الإعلام أم مؤسسات المجتمع المدني أم المواطن الفرد؟ وهل تقوم المنظمة فقط بهذا العمل أم تقوم بالتنسيق مع حكومات الدول الإسلامية ومع تنظيمات الجاليات المسلمة.

ما الغاية النهائية من إدارة البعد الثقافي: المساعدة في إدارة الجاليات المسلمة لما تواجهه من تحديات؟ أم إدارة حوار ثقافي مع الآخر (تشارك فيه الجاليات المسلمة أيضاً) وما إمكانياته وفعالياته وقيوده في ظل أوضاع الخلل الاقتصادي السياسي في موازين القوى بين طرفي العلاقة: المسلمون والغرب.

وأخيراً ما العلاقة بين الثقافي وبين السياسي والاقتصادي في العلاقة بين الطرفين: بعبارة أخرى ما هي فرص التنمية الثقافية الإسلامية الفاعلة أمام الجاليات المسلمة في الغرب، وماهي فرص الحوار الثقافي الحقيقي أو "التثاقف" مع الأمم الأخرى وماهي نتائجها المرجوة.

وإذا كانت دراسة نماذج محددة ونتائجها الراهنة هي السبيل للإجابة على الأسئلة السابقة، وإذا كانت التقارير والمقالات والدراسات المتوافرة على شبكة المعلومات الحديثة تقدم جانبا من الصورة، فما لاشك فيه أن تقويم الواقع (مشاكله وإدارته) - على الساحة الأوربية - أو الأمريكية يخرج عن إمكانيات هذه الورقة إلا أنه يمكن الاجتزاء والانتقاء والإحالة إلى خبرة دراسة أحد نماذج التفاعلات الثقافية وهو نموذج البعد الثقافي للشراكة المتوسطية - الأوربية (١٩٩٥ - ١٩٩٧) والتي تقدمها دراستان تفصيليتان عن هذا النموذج وإطاره السياسي [٢].

يحوى هذا النموذج الكثير من الدلالات بالنسبة لرؤية الطرف الأوربي (الرسمي وشبه الرسمي) لأبعاد وآفاق مايسمى حوار ثقافي أو حوار بين الثقافات كشرط لدفع تعاون سياسي واقتصادي أو تعاون استراتيجي بين جانبي المتوسط يقع في صميمه أيضاً وضع الجاليات المسلمة في الغرب، على أساس أن الفهم المتبادل الناتج عن "تداخل الثقافات" لابد وأن ينطلق من استبعاد الدين وتخطي التاريخ والتوفيق بين معطيات المصالح الراهنة.

وبدون الدخول في تفاصيل أبعاد الرؤيتين المتقابلتين يكفي هنا - وبفرض قبول إمكانية حوار ثقافي أن نطرح السؤالين التاليين:

هل ماهو قائم على الصعيد المؤسسي هو من قبيل الحوار؟ وهل هو سبيل لدفع التعاون السياسي الاقتصادي المتوسطي لصالح العرب في شمال المتوسط وجنوبه؟

وبصدد السؤال الأول أود أن أحيل إلى التقييم الذي قدمه السفير "هاني خلاف" لمسار ومناهج معالجة مايسمى حوار الحضارات أو الثقافات. وتتلخص هذه الرؤية فيما يلي: [٣]

من ناحية: لايوجد تحت عنوان "حوار الحضارات أو الثقافات" الذي يعد بمثابة موضة فكرية، أبعد من الدعاية المسطحة فيما يشبه المونولوج. ولا ينبغي أن يقتصر الحوار الحقيقي على مجالس يؤمها رجال الدين المسيحي وعلماء الإسلام لاستعراض وجوه التسامح في الديانتين، كما لا ينبغي أن يقتصر على مناظرات أكاديمية تكشف مدى سبق كل من الثقافتين العربية - الإسلامية والغربية.

ومن ناحية أخرى: ينبغي أن يتصدى الحوار لرصد تحليل نوعية الصور المرسومة عن الشعوب وحضاراتها في أذهان الآخرين وإمكانيات تطوير هذه الصور ثم طرح الصور البديلة. وحيث أن الحوار ليس حواراً سياسياً بين أطراف ذات مصالح متعارضة فهو يجب أن يشمل رؤية كل منا للآخر كما تبدو في الآداب والفنون والإعلام والدعاية ومقررات الدراسة.

ومن ناحية ثالثة: لا ينبغي أن يستخدم الحوار كمدخل لإذابة الفوارق والخصوصيات الذاتية لأي من أطرافه، ولا لعولمة ثقافة ما أو تعديل الأنساق القيمية للآخرين بما يتفق ومعايير أنساق هذه الثقافة. لأن الهدف من الحوار ليس إدماج الثقافات ولكن تعويد الشعوب والمؤسسات على احترام الاختلاف وكيفية التعايش رغم الاختلاف.

أما بصدد السؤال الثاني: فلابد وأن أطرح التصور الذاتي التالي: [٤]

وهو ينطلق من أن الخلل في ميزان القوى الاقتصادية والسياسية بين طرفين لا يسمح بـإمكانية حوار ثقافي بمعناه الحقيقي أي الحوار الذي يؤدي ليس إلى تحسين صورتها لدى الآخر فقط ولكن أن نصل إلى عرض صورة الآخر في ذهننا. ومن ناحية أخرى: فإن الخبرة التاريخية تبين كيف أن الأداة الثقافية - بأوسع معانيها - كان لها وزنها بين أدوات الغرب الأخرى في إدارة صراعه مع المسلمين في القرون الأخيرة، أي منذ أن بدأ منحنى القوة الإسلامية في الهبوط فإن خبرة التاريخ الحديث تبين كيف استغلت القوى الغربية العامل الثقافي بأوسع معانيه لتحقيق أهداف سياسية لم تكن تقدر الأدوات التقليدية على تحقيقها بمفردها.

بل كانت الأهداف الثقافية لا تفترق - لدى الغرب - عن أهدافه السياسية تجاه العالم الإسلامي. فلم تكن السيطرة على الأرض والثروات هي الغاية فقط ولكن السيطرة أيضاً على النموذج الثقافي الفكري بل واستبداله.

ولذا فإن الوضع الراهن - الذي يشهد - بمبادرة غربية أو بمبادرة تغريبية فورة الحديث عن حوار ثقافات وحضارات وأديان - ليس إلا حلقة من حلقات سابقة. وتشهد هذه الحلقة قمة الأزمة الفكرية في مجتمعاتنا نظراً لهذا الخضم الهائل من اختلالات ميزان القوى لغير صالحنا، والذي يحيط بمضمون محدد ومعنى محدد للحوار الثقافي في ذهن المبادرين بالدعوة، وذلك في وقت يتعرض فيه البعد الثقافي الحضاري العقدي لأمتنا لأخطر موجات التحدي والتي تستوجب بالضرورة الاستجابة المناسبة لتدعيم الثقافة الإسلامية للشعوب الإسلامية في كل مكان، ليس في الدول الإسلامية فقط ولكن في الأوطان الجديدة التي هاجر إليها البعض. ولهذا لاترى الورقة انفصالاً بين مستويات ثلاثة للعمل الثقافي الإسلامي في داخل الدول الإسلامية ذاتها التي تجتاحها وتخترقها موجات العولمة الثقافية، وبالنسبة للجاليات المسلمة في الغرب، ونحو المجتمعات والجماعات الغربية المختلفة.

٤ - خلاصة القول: إن لم يكن حوار الحضارات بالمفهوم الغربي فماذا إذن؟

إذا كانت دلالات النموذجين السابقين تبين رؤية البحث ومنطلقه الرافض لشيوع الدعوة إلى "حوار الحضارات" نظراً لتراكم الأدلة على أن العكس هو الصحيح فإن ذلك لا يعنى أن البحث بتبنى منطق "الصراع" بالمفهوم الغربي وهنا أود التوقف عند الملاحظات الثلاثة التالية:

الملاحظة الأولى: إن التصور الإسلامي لا يكرس "الصراع" كقانون تاريخي مطلق كما تقدمه المدرسة الواقعية بروافدها المختلفة ومنها فكر هانتجتون (الذي لم ينقض استمرار دور الدول / الأمم). ولكن الصراع في التصور الإسلامي بمعنى التدافع ليس إلا سنة واحدة من سنن الاجتماع البشري إلى جانب سنن اللّه الأخرى، كما أن له منطقة المختلف عن مفاهيم الصراع الأخرى ولذا فإن الجهاد في معناه الواسع ليس صراعاً مع الآخر للقضاء عليه ولكن أداة الدعوة ونشرها نحو هذا الآخر، ومن ثم فهو أحد أدواته حيث أداة التعاون السلمي تظهر إلى جانبه ولكل من الأداتين ضوابطهما وشروطهما وليست أحدهما بديلة مطلقة للأخرى. ولذا فإن القول إن أصل العلاقة بين المسلمين وغيرهم في التصور الإسلامي هو الحرب أو الاسلام ليس قولاً منضبطاً، ولكن القول الأفضل هو متى تكون الحرب ومتى يكون السلام؟ هكذا يجب أن نقرأ المدارس والاتجاهات الفقهية المختلفة حول هذا الموضوع بحثاً عن إجابة هذا السؤال الأخير وهو السؤال الذي يحتل في التصور الإسلامي مكانة السؤال في المنظور الغربي حول الصراع كمحرك بين من وعلى ماذا؟

ومن ناحية أخرى فإن هذا الصراع - في صورته العسكرية أو السلمية - ليس لتأكيد هيمنة قوم على قوم أو ثقافة على ثقافة، ولكن لتحقيق أهداف الدعوة والرسالة باعتبارها رسالة للعالمين ليس بالإكراه والقسر والإجبار للشعوب والأمم، وعلى العكس فإن منطق صدام الحضارات في فكر هانتنجتون يعكس كل منطق التناقض بين عالمية الإسلام وبين هيمنة الحضارة الغربية (أو عولمة النموذج الحضاري الغربي) حيث أنه أي فكر هانتنجتون يعكس تكريساً لهذه الهيمنة وكيفية استمرار قوتها بأساليب إكراهية قسرية إجبارية أفاض في تحديدها في نهاية مقالته.

الملاحظة الثانية: لماذا لا نقول إذن أن مفهومنا - من الدائرة الإسلامية عن نمط العلاقة بين الحضارات هو "تعارف الحضارات" وأنا هنا أستخدم ذلك المصطلح الذي قدمه بعض الأساتذة المفكرين مثل أ. زكي الميلاد [٥]. وكذلك بعض الأساتذة الأكاديميين مثل د. سيف الدين عبد الفتاح [٦].

وإذا كان لابد وأن نسجل أن المفهوم الإسلامي عن حوار الحضارات [٧] ينبني على رؤية الأصول (قرآناً وسنة) ويعكس الأسس المعرفية للرؤية الإسلامية، ومن ثم يختلف في جوهره عن المفهوم الغربي عن الحوار - الثقافي أو الحضاري، كما لابد وأنه يختلف في غاياته ودوافعه - إلا أن استخدام هذا المصطلح "الحوار" من داخل الدائرة الإسلامية وفي ظلال العولمة إنما يضعنا في نطاق الدائرة الاعتذارية الدفاعية عن الإسلام والمسلمين، في حين أن مفهوم التعارف، في إطار عالمية الإسلام وطبيعة حضارته والسنن التي تحكم العلاقة بينها وبين غيرها من الحضارات سواء في مرحلة شهود هذه الحضارة الإسلامية أو أفولها وضعفها، لأنها السنن التي لا تقوم على إبراز أثر العوامل المادية فقط ولكن العوامل غير المادية من قيم وأخلاق.

ومن ثم فإن استخدام "تعارف الحضارات" وليس حوارها أو صراعها يمثل استجابة "إيجابية" وليس مجرد رد فعل لما أثارته أطروحات "صراع الحضارات"، تلك الأطروحات التي جاءت من خارج الدائرة الإسلامية تعبيراً عن الاهتمامات الفكرية والعملية في الغرب (كما سبق التوضيح في نموذجي القراءة والخبرة) في حين أن الرؤية الإسلامية - على مستوى المعرفة والفكر - أسبق إلى تقديم طرح آخر، كما أن الواقع الإسلامي في ظل موقعه من توازنات القوى العالمية، لابد وأن تطرح السؤال التالي: هل يمكن للغرب أن يدخل في حوار حضاري مع حضارات غير متكافئة معه من الناحية المادية وهو المحكوم دائماً باعتبارات توازن القوى المادية؟ حتى أن "هانتجنتون" حين يذكر الحضارات والأديان فلم يقدمها إلا في إطار الصراع والذي يعكس كل دلالات هيمنة الغرب المادية - كما سبق التوضيح في نتائج نموذج قراءتنا لفكره - كذلك وإذا كانت أوربا - في توجهها المتوسطى - قد طرحت الدعوة لحوار ثقافات، إلا أنه ليس هناك من الأدلة في واقع السياسات الأوربية والغربية الرسمية بصفة عامة عن أن حوار الثقافات هو الأساس في تشكيل رؤية هذا الجزء من الغرب للعالم، ولا أدل على ذلك من مضمون ومحتوى "الحوار" حول قضايا المرأ

ة والطفل والاسرة والبيئة والأقليات وذلك في المحافل الدولية الرسمية المعنية بتقنين قواعد إدارة هذه المجالات في عصر العولمة.

الملاحظة الثالثة: تتصل بالآليات المقترحة والمضامين المطلوب توافرها عند المشاركة في دوائر ما يسمى الآن "حوار الحضارات". وفيما يلي نقدم بعض المقترحات بالاتجاهات الكبرى التي تم تقديمها في ملتقيين من ملتقيات منظمتين من أهم المنظمات الرسمية التي تهتم بالعلاقة مع الآخر. ومن ثم يقع الآن موضوع حوار الحضارات والثقافات في صميم اهتماماتها المتنوعة وهما المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في مصر، والمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيكو) إحدى هيئات منظمة المؤتمر الإسلامي [٨].

وتتلخص المقترحات بالاتجاهات الكبرى في المجموعات التالية:

١ - حول الآليات والقنوات:

١ - ١ - الحاجة للأدوار المتكاملة والمتناسقة - وليس المتوازية بين أدوار الأجهزة الرسمية الجماعية أو القومية، وبين المنظمات والهيئات الإسلامية غير الرسمية، وبين مفكري وعلماء الأمة. بعبارة أخرى هناك ضرورة للتنسيق والتكامل بين العلاقات الرسمية، والعلاقات عبر القومية الجماعية والجهود الفردية أو الجماعية للفكرة في المجال الثقافي.

فعلى سبيل المثال: تشجيع إقامة الاتحادات بين المراكز والجمعيات الإسلامية في دول أوربا، وتنسيق الاتصال بينها وبين الحكومات والأجهزة الرسمية وغير الرسمية الإسلامية التي يمكن أن تمدها بالدعم، إيجاد آليات لدعم أنشطة اتحادات الجاليات المسلمة ومساندة مطالبها الثقافية في مجتمعاتها الجديدة.

التواجد في الملتقيات العالمية أو الإقليمية أو عبر الإقليمية الرسمية وغير الرسمية التي تهتم بوضع المواثيق العالمية الراهنة أو الإقليمية الخاصة بقضايا هامة مثل حقوق الإنسان والمرأة، والأقليات، وقوانين تنظيم الهجرة في أوربا وجمعيها تمس مباشرة أوضاع الجاليات المسلمة في الغرب أو صورة الغرب عن الإسلام أو الأوضاع في الدول الإسلامية ذاتها.

الانتباه إلى قنوات وآليات - غير رسمية - قد تمارس تأثيرات سياسية هامة من خلال آليات ثقافية شديدة الخطورة: مثلا المعرض الدولي للثقافات في ديزني لاند خلال صيف ٩٩ وكيف ثارت قضية القدس في الجناح الإسرائيلي وكيف كان فعل الجماعات العربية والإسلامية الأمريكية المضاد وكيف كان خذلان "الرسمي" لهذه الجماعات الرسمية.

مراقبة وملاحظة وتقييم موجات الأزمات الثقافية الإسلامية التي تندلع في الدول الإسلامية التي يصبح لها ردود فعل كبيرة في الغرب بل والتي يوظفها الغرب ضد الإسلام والمسلمين ويكون لها ردود فعل بالنسبة لمسلمي الغرب مثلاً: عقب أزمة سلمان رشدي الشهيرة والتي تلتها أزمة (تسليمة نسرين) ثارت خلال العام الماضي والحالي ثلاث أزمات في لبنان (أنشودة مارسيل خليفة)، وفي الكويت (سجن د. البغدادي الأستاذ الجامعي بعد حملة عليه بسبب أحد مؤلفاته) وفي مصر (نشر كتاب وليمة أعشاب البحر).

الاهتمام بمظاهر التعصب وانتهاكات حقوق الإنسان لأفراد أو مجموعات من الجاليات المسلمة في الغرب وخاصة المتصلة بالحقوق الدينية والثقافية (مثلاً أزمة الحجاب في فرنسا منذ عدة أعوام. وغيرها مما يمكن رصده تراكميا.

الاعتراض على عملية التدمير المنظمة لمعالم الوجود الحضاري الإسلامي في البلقان (في البوسنة ثم في كوسوفا).

١ - ٢ - توسيع دائرة ونطاق الثقافي موضع الاهتمام. فلا يقتصر على الأنشطة ذات الطبيعة الثقافية البحتة ولكن يجب فتح قنوات - التأثير والتأثر - مع - أجهزة ذات أنشطة أخرى سياسية أو اقتصادية تستدعي بالضرورة البعد الثقافي والتي نحن في أمس الحاجة لتقديم رؤية إسلامية اجتهادية معاصرة حولها. فأجهزة التعليم والتربية، ومراكز البحوث ووسائل الإعلام ليست القنوات الوحيدة للعمل الثقافي في زمن تقاطع فيه الثقافي مع السياسي والاقتصادي من الداخل والخارج فعلى سبيل المثال:

تنظيمات حقوق الإنسان، والمرأة، يجب أن تصبح طرفا مستهدفاً. بعبارة أخرى يجب عدم الاقتصار على قنوات الحركة المباشرة للفعل الثقافي في الغرب.

١ - ٣ - تعد المنظمة الجهاز الرسمي الجماعي للعمل الثقافي الإسلامي وهناك فرص وإمكانيات من فتح القنوات مع المنظمات المناظرة أو الشبيهة على أصعدة تجارب الاندماج أو التضامن الغربية، مثل الاتحاد الأوربي، مجلس أوربا، فإن بعضا من أنشطة هذه المنظمات تمس أوضاع الجاليات المسلمة في أوربا وأوضاع الدول الإسلامية، وعلى نحو لم يعد فيه الفصل قائما بين الثقافي وبين السياسي الاقتصادي. ويعد البعد الثقافي الاجتماعي في الشراكة الأوربية المتوسطية كأحد أبعاد ثلاثة لهذا المشروع الاستراتيجي دلالة واضحة على ذلك.

١ - ٤ - أهمية التنسيق مع أجهزة إسلامية نوعية رسمية أو غير رسمية: مثل رابطة العالم الإسلامي، رابطة الجامعات الإسلامية وخاصة حول الأنشطة المتقاطعة مع اهتمامات الإيسيسكو.

١ - ٥ ومع الأخذ في الاعتبار الجدل الدائر حول الآثار المختلفة لشبكة المعلومات العالمية (انترنت) وخاصة في المجال الثقافي بعناصره المختلفة، ومع الأخذ في الاعتبار محدودية حجم مساهمة المسلمين في هذه الشبكة [٩]، فإنه لايمكن إنكار أن العملة ليس لها الاّ وجه سلبيٌّ واحدٌ ولكن هناك وجه آخر يحمل فرصاً وإمكانيات. ومن ثم لابد وأن تنشط الإيسيسكو لدعم موقعها على الإنترنت وجعله سبيلاً من أهم سبل التواصل الثقافي المعاصر بين أبناء الأمة. ومما لاشك فيه أن تواصل الجاليات المسلمة في الغرب مع الأوطان الأم وغيرها من الأوطان الإسلامية عبر هذه الشبكات من أهم سبل هذا التواصل. ولذا يحتاج هذا السبيل دعماً خاصاً وتخطيطاً علمياً مثل الاهتمام بصفة خاصة بجيل الشباب وتصميم قنوات للتواصل فيما بينهم حول فكرة الأمة والتضامن الإسلامي، وتشجيع خلق رأي عام إسلامي حول قضايا الأمة، وتفعيل سبل التضامن الفعلي في أنشطة متنوعة فكرية وثقافية، وتوفير قواعد المعلومات عن مجالات مختلفة في نطاق الاهتمام المتبادل بين المسلمين مثل المؤتمرات والندوات والإصدارات الجديدة، والأحداث الثقافية الهامة.

إن الإنترنت يمكنه - إذا أُحسِن التخطيط لتوظيفه - أن يساعد في التغلب على "التجزئة" وعواقب الحدود القومية، وأن يمثل موقع الإيسيسكو عليه ساحة أساسية لتقديم كثير من الخدمات التي لا غنى عنها لتنفيذ أهداف الاستراتيجية الثقافية الإسلامية برافديها الخاص بالتعاون الثقافي بين الدول الإسلامية، والخاص بالعمل الثقافي الإسلامي في الغرب. وهي الأهداف التي يعوق دون فعالية تحقيقها مبدأ السيادة القومية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء وغير الأعضاء.

٢ - حول اتجاهات المضمون وقضاياه

٢ - ١ - التأكيد على أن الجاليات المسلمة في الغرب جزء من الأمة الإسلامية.

وهناك حاجة لتأصيل واضح وتجديدي لهذا الوضع: لايغفل بالطبع حقيقة وجود هذا الجزء من الأمة بين شعوب غير مسلمة غربية ولكن يحرص في نفس الوقت على تأكيد الروابط بين هذا الجزء من الأمة والأجزاء الأخرى، التي تأخذ الآن شكل الدول الإسلامية (أو شكل جاليات أو أقليات مسلمة في أرجاء أخرى من العالم). وهذه الروابط تبادلية وذات اتجاهين وليس اتجاه واحد: فإذا كانت الجاليات المسلمة في الغرب تتطلب أنماطاً متنوعة من النصرة فإنها بدورها تمثل قاعدة أساسية وركناً أساسياً في الغرب يمكن أن يساهم في تحقيق بعض أهداف العمل الثقافي الإسلامي في الغرب في مواجهة الغرب.

وإذا ما استطاعت هذه الجاليات النجاح في إدارة أنماط التحديات المختلفة التي تواجهها (والتي سيبق تحديدها في المستوى الثاني من الورقة)، فإنها ستصبح رصيداً فاعلاً للإسلام في الغرب، ولقضايا الأمة بصفة عامة ومن ثم فهناك حاجة للاهتمام بهذا المجال التأصيلي الفقهي الفكري الذي لابد وأن ينطلق من دعائم الرؤية الإسلامية. عن العلاقة بين الإسلام، والوطن، والقومية، وعن وضع المسلم في ديار غير إسلامية وهو التأصيل الذي يقع في قلبه أو ينبني عليه "فقه الأقليات المسلمة المعاصرة".

ولعل من أهم الأمور المتصلة بما سبق طرحه - والتي يجدر التنبيه إليها هو ضرورة التصدي لشيوع مصطلح "الدياسبورا" الإسلامية في وثائق غربية وفي أدبيات غربية كناية عن الجاليات المسلمة في العالم والتي جرت الأدبيات العربية على وصفها بالأقليات المسلمة.

٢ - ٢ - عدم اقتصار منظومة العمل الثقافي على المجالات القائمة فقط: تعليم اللغة العربية، الدين الإسلامي المعمار الإسلامي، الفنون الإسلامية، ولكن يجب أن تمتد أيضاً إلى مجالات وقضايا ذات أبعاد ثقافية واضحة: حقوق الإنسان، حقوق الأقليات واللاجئين، حقوق المرأة، الحوار الثقافي والحضاري، الحوار الإسلامي المسيحي، التسامح والتعددية، قضايا الفكر والإبداع بين فكرة الحرية وبين الضوابط… وغيرها.

٢ - ٣ - إذا كانت الرؤية الإسلامية لا تنطلق من لغة "صراع" ولكن من لغة "تعارف"، ولا تسعى نحو "تنميط" ولكن تقوم على سنة التنوع، وإذا كانت الرسالة الإسلامية دعوة للعالمين: لا إكراه ولا إجبار فيها إلا أنها أيضاً ليست اعتذارية، تبريرية، دفاعية.

ومن ثم فإذا كان التحليل السابق في أجزاء الورقة يثير علامات الاستفهام حول مغزى الدعوات من أجل الحوار الثقافي - الحضاري، حوار الأديان كصيغ "للتعاون الثقافي مع الغرب"، فهو أيضاً لا يتبنى أسانيد الأطروحات السائدة عن "الصراع الثقافي، الحضاري، صراع الأديان". والتي تنعكس على علاقات الدول الإسلامية بالغرب بقدر ما تنعكس على علاقة الجاليات المسلمة مع أوطانها الجديدة. إن التحليل في هذه الورقة إنما يسعى للتأكيد على بعض الأمور وهي:

من ناحية: تعزيز التعاون حول "حوار ثقافي" بشروط ومضامين تجعله سبيلاً للتعارف الحضاري الحقيقي، ومن ثم تنأى به أن يكون سبيلاً لتمكين ثقافي لطرف على طرف آخر أو أن يكون قناة للاعتذار والدفاع والتبرير في مواجهة "الاتهامات" المتعددة للإسلام والمسلمين سواء في أوربا ذاتها أو خارجها.

من ناحية أخرى: يقدم رموز الفكر الإسلامي المعاصر أطروحات متكاملة حول "البعد الثقافي" فمن المقاربة بين القيم الإسلامية والقيم الغربية [١٠] إلى تقديم الرؤية عن الدلالات الثقافية المعاصرة في إطارها السياسي الراهن [١١]، إلى تحليل العلاقة بين العولمة والهوية ودور الأديان، إلى البحث في الأبعاد الثقافية السلوكية للمسلمين "الأقليات" في ظل ضغوطات العولمة ومابعد الحداثة [١٢]، إلى الحديث عن حقوق الإنسان في الإسلام كضرورات وليس مجرد حقوق [١٣]، إلى التمييز بين العالمية والعولمة ومن ثم العلاقة بين الإسلام والعولمة.

هذه ليست إلا نماذج على سبيل المثال وليس الحصر وهي تعني، في نظري، نماذج على "المبادرة" الثقافية وليس "الاعتذار" الثقافي، نماذج تدفع للتقدم نحو صياغة رؤية إسلامية وتشارك في هذه الصياغة.

فإذا كان الجميع يتفقون على أن هناك أزمة عالمية ذات بعد قيمي - ثقافي واضح الدلالة يستوجب مراجعة المنظورات: فإن الإسلام قادر على أن يقدم رؤية تساهم في تقنين الرؤية الجاري صياغتها للعالم وخاصة حول أوضاع الأقليات، ومنها المسلمة في العالم.

بعبارة أخيرة نحن في حاجة لخطاب غير اعتذاري، غير دفاعي، نحن في حاجة لخطاب ينطلق من الذات الإسلامية وخصائصها "وبمبادرة" تجاه الآخر وذلك حتى يتحقق التوازن في الرؤية الذي هو أساس الفاعلية.

وإذا كانت اليونسكو أعدّت لأن يكون عام ٢٠٠٠ عام "ثقافة السلام" فلابد وأن يكون الطرح الإسلامي "لمفهوم" السلام حاضراً وفاعلاً ومؤثراً، وإذا كانت مفاهيم "ثقافة التسامح"، ثقافة قبول الآخر "يتم تداولها في محافل "الحوارات الثقافية" فإن الطرح الإسلامي لها يجب أن يكون حاضراً وفاعلاً ومؤثراً، وإذا كانت ندوات وحوارات "الإسلام والغرب" تتعدد في تلاق وتقاطع حول أمور منهاجية ومضمونية شتى فيجب أن تكون الرؤية الإسلامية حاضرة وفاعلة ومؤثرة وإذا، وإذا… الخ.

إذن المطلوب "المبادرة الثقافية" عند تخطيط رؤية استراتيجية للعمل الثقافي الإسلامي في الغرب وذلك انطلاقاً من رؤية كلية عن وضع البعد الثقافي (بين أبعاد أخرى) في هجوم الآخر تجاهنا وعن وضع البعد الثقافي الإسلامي في مشروع النهوض الحضاري الإسلامي. فهذا البعد الثقافي الإسلامي - الذي تضعه وثائق الإيسيسكو في قلب هذا المشروع الحضاري - ليس منقطع الصلة بالأبعاد الأخرى: السياسية، الاقتصادية، العسكرية. وكذلك فإن مشاكل الدول الإسلامية الثقافية لا تنقطع أو تنفصل عن إمكانيات أو قيود العمل الثقافي الإسلامي لنصرة الجاليات المسلمة في الغرب أو عن العلاقة الثقافية مع الغرب.

بعبارة أخرى: فإن الرؤية الاستراتيجية المطلوبة يجب أن تنطلق من عدة أسس وتنبني على بعض الأسس الأخرى. فليس هناك حوار ثقافي حقيقي بين غير متكافئين ماديا، كما أن الحوار في ذاته ليس السبيل بمفرده لحل مشاكلنا مع الآخر أو لديه.

ومع ذلك، فانطلاقاً من وسطية الإسلام وانطلاقاً من رؤيته عن التعارف الحضاري فإن هذا التعارف الحضاري يمثل السبيل للتجديد الحضاري لدينا من ناحية ولمشاركة الفكر الإسلامي في عملية التجديد الحضاري العالمية من ناحية أخرى.

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

١ - أستاذ العلاقات الدولية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة.

٢ - د. نادية محمود مصطفى: المشروع المتوسطي: الأبعاد السياسية (في) د. نادية محمود مصطفى (محرر) مصر ومشروعات النظام الإقليمي الجديد في المنطقة، مركز البحوث والدراسات السياسية، كلية الاقتصاد، جامعة القاهرة ١٩٩٧.

د. نادية محمود مصطفى: البعد الثقافي للشراكة الأوربية المتوسيطة (في) د. سمعان بطرس فرج اللّه (محرر) أعمال ندوة مستقبل الترتيبات الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط وتأثيراتها على الوطن العربي، معهد البحوث والدراسات العربية، القاهرة ١٩٩٨.

٣ - هانى خلاف: حوار الحضارات بين أوربا والعالم العربي… رؤية في مناهج االمعالجة الأهرام ٢٠ / ٤ / ١٩٩٧.

٤ - ينبي هذا التصور على نتائج بعض أجزاء مشروع العلاقات الدولية في الإسلام: انظر: د. نادية محمود مصطفى: مدخل منهاجي لدراسة التطور في وضع ودور العالم الإسلامي في النظام الدولي، مرجع سابق.

٦ - د. سيف الدين عبد الفتاح: حول تعارف الحضارات، ورقة مقدمة إلى ندوة "الإسلام والعولمة"، كلية دار العلوم، جامعة القاهرة مايو ٢٠٠٠.

- كذلك انظر التناول المعرفي والمنهجي لمفهومي الحضارة والسنن، باعتبارهما من عناصر المدخل القيمي لدراسة العلاقات الدولية في الإسلام وذلك في العمل التجديدي التالي.

- د. سيف الدين عبد الفتاح: مدخل القيم مدخل منهاجي لدراسة العلاقات الدولية في الإسلام (في) د. نادية محمود مصطفى (إشراف) مشروع العلاقات الدولية في الإسلام، مرجع سابق، الجزء الثاني.

٧ - انظر مثلاً: محمد خاتمي: مرجع سابق.

- عبد العزيز التويجري: مرجع سابق.

- فهمي هويدي: المسلمون وسيناريو الصراع بين الحضارات، المسلم المعاصر، السنة ١٧. العددان ٦٧ - ٦٨ ١٤١٣هـ / ١٩٩٣م.

- د. محمد عمارة: حضارة أم حضارات، المسلم المعاصر، السنة ١٩، العددان ٧٣ - ٧٤.

- أبحاث مؤتمر "المسلمون وحوار الحضارات في العالم المعاصر" الدورة العاشرة للمجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية، مؤسسة آل البيت، عمان، الأردن ن يولية ١٩٩٥.

- د. زينب عبد العزيز: أبجدية الحوار بين الحضارات، المسلم المعاصر، السنة ١٩، العددان ٧٣ - ٧٤.

٨ - حول الفارق بين نموذجي العالمية والعولمة ومن ثم مدلولاته بالنسبة للاختلاف بين الحوار والتعارف في ظل موازين القوى الحالية انظر:

- د. سيف الدين عبد الفتاح: (في) د. عبد الوهاب المسيري (محرر) إشكالية التحيز، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، الجزء الثاني.

٩ - نبيل شبيب: الشبكة العالمية ومستقبل المسلمين (في) أمتي في العالم (١٩٩٩)، مرجع سابق ص ٢٧٥ - ٣٠٠.

١٠ - Ali Mazriui: Islamic values and Western values. Foreign Affairs vo. ٦٧,No. ٥,١٩٩٧.

١١ - طارق البشري: الإسلام والعصر: ملامح فكرية ومنهجية (في) طارق البشري: في المسألة الإسلامية المعاصرة، الملامح العامة للفكر السياسي الإسلامي في التاريخ المعاصر، دار الشروق ١٩٩٦ص ٤٧ - ٦١.

- طارق البشري، مفهوم المعاصرة بين العالمين الغربي والإسلامي في طارق البشري في المسألة الإسلامية المعاصرة، ماهية المعاصرة، دار الشروق، ١٩٩٦، ص ٤٨ - ٦٥.

١٢ - Akbar Ahmed, Josting Donnan: Islam, Golbalization and Postmodernity, routledge,London ١٩٩٤.

١٣ - د. محمد عمارة: حقوق الإنسان في الإسلام ضرورات لا حقوق، دار الشروق، ١٩٨٩.



[ Web design by Abadis ]