ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 الامام الشيخ محمد شلتوت (٢ / ٢) \ الاستاذ الدكتور محمد عمارة

الامام الشيخ محمود شلتوت

المدرسة الفكرية - المسيرة العلمية - الاجتهاد

والتجديد (٢ / ٢)

الاستاذ الدكتور محمد عمارة

محمود شلتوت شيخ الأزهر السابق يتميّز بمدرسة فكرية خاصة تقوم على أساس الإحياء والتجديد، ورفض الجمود والتقليد، والإصلاح الإسلامي، بمعزل عن النموذج الحضاري الغربي العلماني. كما تتميّز مدرسته بالوسطية الاسلامية القائمة على أساس الفطرة، وبالعقلانية المؤمنة التي آخت بين العقل والنقل وبين الحكمة والشريعة. كما تتميّز بالوعي بسنن اللّه في الكون والمجتمع وبإيمانه أن الدولة الاسلامية مدنية - إسلامية لا كهنوتيّة ولا علمانية. ومدرسته أيضاً تقوم على الشورى وعلى أساس العدالة الاجتماعية وإنصاف المرأة. في القسم الأول من هذه الدراسة وضّح الباحث هذه المعالم إضافة الى ترجمة الإمام شلتوت باختصار، وفي هذا القسم يتناول أفكار الامام شلتوت في مجال العقيدة والفقه والمرأة والتقريب.

ـ

[١] ١ - باحث ومفكر مصري، ومن ضيوف ملتقى البروجردي - شلتوت.

- - - - - (٥٢) - - - - -

٣ - الاجتهاد والتجديد

كان الشيخ محمود شلتوت رائدا من رواد النهضة الإسلامية، وواعيا بأننا إذا لم نقدم الإسلام نموذجا حضاريا لنهضة الأمة الإسلامية، فإن النموذج التغريبي اللاديني، الذي يبشر به الاستعمار والمتغربون من أبناء الشرق، جاهز لملء الفراغ الذي يصنعه الجمود والتقليد… ولذلك، كان جهاده - على امتداد ما يقرب من نصف قرن - كبيرا من أجل تجديد دين الإسلام لتجدد به دنيا المسلمين… وكثيرا ما تحدث عن الإسلام باعتباره «دين الفكر، ودين العقل، ودين العلم» … وعن رسول الإسلام (صلى الله عليه وآله) الذي لم يقدم حجة على رسالته إلا ما كان طريقها العقل والنظر والتفكير، والذي لم يشأ له ربه أن يحقق للقوم ما كانوا يطلبون من خوارق حسية تخضع لها أعناقهم: (وقالوا لولا أنزل عليه آية من ربه، قل إنما الآيات عند اللّه وإنما أنا نذير مبين. أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يُتلى عليهم. إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون) [١].

وتحدث عن القرآن الكريم «الذي ارتفع بالعقل، وسجل أن إهماله في الدنيا سيكون سببا في عذاب الآخرة، فقال حكاية لما يجري على ألسنة الذين ضلوا ولم يستعملوا عقولهم في معرفة الحق والعمل به: (لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير) [٢].

«وكان من مقتضيات أن الإسلام دين العقل، ودين العلم، أنه حذر من اتباع الظن، وجعل البرهان والحجة أساس الإيمان (قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون) [٣].

ومن هنا كثرت آيات القرآن الواردة في ذم التقليد والجمود على ماكان عليه سلفهم، وجرى الخلف وراء السلف، دون نظر واستدلال… وكأنهم يرون أن السبق الزمني يخلع على خطة السابقين وآرائهم في المعتقدات وأفهامهم في

ـ

١ - العنكبوت / ٥٩ - ٥١.

٢ - الملك / ١٠.

٣ - الأنعام / ١٤٨.

- - - - - (٥٣) - - - - -

النصوص قداسة الحق وسلطان البرهان، فالتزموها وتقيدوا بها، وسلبوا أنفسهم خاصة الإنسان، خاصة البحث والنظر (وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل اللّه. قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا) [١].

«فالجمود عند الموروث، والاكتفاء به مصادم لما تقضي به طبيعة الكون وطبيعة كل حي من النمو والتوليد… والتناسل الفكري كالتناسل النباتي والحيواني والإنساني، كلاهما شأن لابد منه في الحياة، ولو وقف التناسل الفكري لارتطم الإنسان في حياته بكثرة ما تلد الطبيعيات التي هو منها، وعندئذ يعجز عن تدبير الحياة النامية… فيتحقق فشله في القيام بمهمة الخلافة الأرضية التي اختير لها ووكلت إليه منذ القدم» …

«وكذلك… فالجمود على آراء المتقدمين، لمجرد أنهم متقدمون، فيه سلب لمزية الإنسان في التمييز بين الحق والباطل، والملائم وغير الملائم… فيقاد بالزمام، وزمامه صور الآباء والأجداد، فهي دائما تجذبه القهقرى، ولا تجد من نفسه عونا على التقدم، فيقع في ضيق من الحياة المتجددة حوله (وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا) [٢] … ويظل كذلك حتى تنزل به غاشية من صولة الطبيعة النامية، فتذهب به إلى حيث ذهب الغافلون…

فالجمود جناية على الفطرة البشرية، وسلب لمزية العقل التي امتاز بها الإنسان، وإهدار لحجة اللّه على عباده، وتمسك بما لا وزن له عند اللّه…» [٣].

ولهذا، دعا الشيخ شلتوت إلى ما أسماه «التجديد الانقلابي» - أي الجذري والعميق - في العقلية الأزهرية خاصة، والعقلية الإسلامية عامة، وذلك حتى تكون عصور الازدهار الحضاري هي المرجعية الفكرية لهذه العقلية - وليس عصور التراجع الحضاري - وحتى تتزامل هذه الفكرة التجديدية مع فقه الواقع المعيش في التأسيس لفكر إسلامي أصيل وجديد في ذات الوقت.

ـ

١ - البقرة / ١٧٠.

٢ - الأعراف / ٢٨.

٣ - (من توجيهات الإسلام) ص ١٤٠ - ١٤٣. طبعة دار الشروق. القاهرة ١٤٠٠هـ / ١٩٨٠م.

- - - - - (٥٤) - - - - -

ومما قاله عن هذا «التجديد الانقلابي» - لمؤتمر الملحقين الثقافيين - وهو وكيل للأزهر - في ٨ صفر ١٣٧٨هـ / ٢٤ أغسطس ١٩٥٨م:

«إن هذا الذي نريده للأزهر هو في واقعه انقلاب، ولكنه انقلاب محبب للنفوس الغيورة على ماضيها، المتطلعة إلى مستقبلها. انقلاب يصل بالعقلية الأزهرية إلى الفكر الأصيل يوم كان خالصا في موقفه من القرآن، وفي تعبيره عن تعاليم القرآن، وهو في الوقت نفسه يربط العقلية الأزهرية، أو الفكرة الإسلامية السليمة بالحياة الواقعية، التي يعيش فيه العالم اليوم، والتي تتجاذبها تيارات فكرية متعارضة، يجب أن يقف العقل الأزهري أمامها ليقي الجماعة الإسلامية غزوها، وليحفظها من الانحلال والذوبان في غيره…» [١].

الانقلابي باعتباره «سبيل أمتنا إلى الزعامة» والإمامة في هذه الحياة… ولقد كتب عن هذا المقصد فقال:

«إن سبيل أمتنا إلى الزعامة هو مقاومة الفكر الوافد إلينا عن طريق الاستشراق والإلحاد، هذا الفكر الذي من شأنه أن يزعزع القيم الإسلامية في النفوس، وأن يمزق وحدة المسلمين والعرب عن طريق الغزو العقلي، الذي يملك على الناس قلوبهم، ويصرفهم عن أنفسهم إلى مايريد…

ولا يظن ظان أننا بهذا نسد على أنفسنا مجال الانتفاع بما قد يكون من نتائج البحث الأجنبي الدقيق في مظاهر الحياة العامة ووسائلها، فنحن نفسح أمام أنفسنا مجال ذلك، والإسلام يدفعنا إليه.

إن محمد بن عبد اللّه - عليه صلوات اللّه - لم يتجه إلى مكافحة الغزو السياسي والاقتصادي في بيئته إلا بعد أن تمت له مكافحة الغزو العقلي فيها، عن طريق محو الشرك والوثنية، وعن طريق الإيمان باللّه وحده.

وحينما تمت له مكافحة هذا الغزو القلبي، اتجه بالإيمان نفسه إلى مكافحة

ـ

١ - علي عبد العظيم (مشيخة الأزهر) ج ٢، ص ١٩٥. طبعة القاهرة ١٣٩٩هـ / ١٩٧٩م.

- - - - - (٥٥) - - - - -

الغزو السياسي، حفظا لشخصية الجماعة، وحفظا لمبادئها في النفوس، واتجه كذلك إلى مكافحة الغزو الاقتصادي عن طريق منع الاستغلال والاحتكار والطغيان المالي، وبذلك كملت لشخصيته عناصر الاستقلال المطلق الكامل:

واستقلال السياسة…

واستقلال الاقتصاد…

وما كان ذلك كله إلا بفهم القرآن، والاتصال بالحياة الواقعية… وهذه هي قمة المجد وطريق السؤدد…» [١].

ولقد جاء المشروع الفكري للشيخ شلتوت تجسيدا للاجتهاد على جبهة هذا التجديد… هذه الجبهة التي امتدت لتشمل مختلف قضايا الدين والدنيا… الأمر الذي يجعل الإحاطة بمعالم مواقع هذه الجبهة رهنا بإشارات إلى معالم إبداعه التجديدي في هذه القضايا - التي شملت - ضمن ما شملت - : ١ - العقائد الإسلامية ٢ - وعالم الغيب ٣ - والسنة النبوية ٤ - والبدعة… والإبداع ٥ - والدين والدولة ٦ - والشورى والاستبداد ٧ - والأموال والثروات ٨ - والمعاملات المالية المستحدثة ٩ - والموقف من الشيوعية والفلسفة المادية ١٠ - ونظرية التطور والنشوء والارتقاء ١١ - وتكفير من لم يحكم بما أنزل اللّه ١٢ - والإنصاف الإسلامي للمرأة ١٣ - والزواج السري ١٤ - وزواج المتعة ١٥ - والنسل بين التجديد والتنظيم ١٦ - والموقف الإسلامي من الفنون الجميلة ١٧ - والتقريب بين المذاهب الإسلامية.

ففي العقائد الإسلامية

دعا الشيخ شلتوت - انطلاقا من الأصول الفكرية لمدرسة الإحياء والتجديد - إلى إثبات العقائد بالنصوص القطعية الدلالة والثبوت… وكل القرآن قطعي

ـ

١ - المرجع السابق. ج ٢، ص ١٩٥.

- - - - - (٥٦) - - - - -

الثبوت… ومعه في هذه القطعية الحديث النبوي المتواتر، وإن كان نادرا. وكذلك الرجوع إلى البرهان الذي يملأ القلب في إثبات هذه العقائد - التي هي لب الدين - فهي لا تثبت بالإكراه… ولا بالخوارق الحسية التي تدهش العقول - لأن المطلوب في العقائد هو إعمال العقول، لا إدهاشها - أما أحاديث الآحاد - وهي ظنية الثبوت، ومن ثم ظنية الدلالة - فلا تثبت بها العقائد، وإنما هي مصدر في الأمور العملية.

«إن الطريق الوحيد لثبوت العقائد هو القرآن الكريم، وذلك فيما كان من آياته قطعي الدلالة (يحتمل معنيين فأكثر) … وأما ما كان غير قطعي في دلالته، محتملا لمعنيين فأكثر، فهذا لا يصح أن يتخذ دليلا على عقيدة يُحكم على منكرها بأنه كافر، وذلك كالآيات التي استدل بها بعض العلماء على رؤية اللّه بالأبصار في الدار الآخرة… وكل القرآن قطعي الورود…

والظنية تلحق السنة من جهتي الورود والدلالة… ومتى لحقت الظنية الحديث - ظنية الورود أو ظنية الدلالة، أو هما معا - فلا يمكن أن تثبت به عقيدة يكفر منكرها، وإنما يثبت الحديث العقيدة وينهض حجة عليها إذا كان قطعيا في جميع طبقاته: أوله ومنتهاه ووسطه… وهو عند التحقيق رواية الكافة عن الكافة.

ونصوص العلماء من المتكلمين والأصوليين مجتمعة على أن خبر الآحاد لا يفيد اليقين، فلا تثبت به العقيدة، وذلك ضروري لا يصح أن ينازع أحد في شيء منه… ومن قال إن خبر الواحد يفيد العلم، فمعناه العلم بمعنى الظن، أو العلم بوجوب العمل، وليس العلم بمعنى اليقين الذي تثبت به العقيدة… ومن الناس من يحدث العلم في نفسه بما هو أقل من خبر الواحد، ولكن لا يكون ذلك حجة على أحد، ولا تثبت به عقيدة يكفر جاحدها، فإن اللّه لم يكلف عباده عقيدة من العقائد عن طريق من شأنه ألا يفيد إلا الظن… فأحاديث الآحاد لا تفيد عقيدة، ولا يصح

- - - - - (٥٧) - - - - -

الاعتماد عليها في شأن المغيبات، وهذا قول مجمع عليه وثابت بحكم الضرورة العقلية التي لامجال للخلاف فيها عند العقلاء…» [١].

وفي الغيب

يجب الإيمان بعالم الغيب، عقيدة من عقائد الإسلام (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب…. ) [٢] … مع الاقتصار في أنباء الغيب - الذي هو خاصية من خصائص الإسلام - والوقوف في أخبار الغيب عند النصوص القطعية الدلالة والثبوت… وعند لفظ الوارد، دون خيالات، ولا تأويلات… وصرف وتفسير ما يمكن صرفه وفق السنن الكونية إلى هذه السنن، بدلا من صرفه إلى الإعجاز.

«وقد تتبع بعض المفسرين غرائب الأخبار التي ليس لها سند صحيح، وأغدقوا من شرها على الناس وعلى القرآن، وكان جديرا بهم أن يقيموا بينها وبين الناس سدا يقيهم البلبلة الفكرية فيما يتصل بالغيب الذي استأثر اللّه بعلمه، ولم ير فائدة لعباده في أن يطلعهم على شيء منه.

وإذا كان للناس بطبيعتهم ولع بسماع الغرائب وقراءتها، فما أشد أثرها في إلهائهم عن التفكير النافع فيما تضمنه القرآن من آيات العقائد والأخلاق وصالح الأعمال.

والذي أحب أن أقرره… فيما أخبر اللّه به من شؤون الغيب التي لم يتصل بها بيان قاطع عن الرسول، من الدابة، والصُّور، ونحوهما، هو: أنا نؤمن به على القدر الذي أخبر اللّه به دون صرف اللفظ عن معناه، ودون زيادة عما تضمنه الخبر الصادق، فنؤمن مثلا بأنه سيكون في آخر الدنيا صور ينفخ فيه، فتكون صعقة، ثم ينفخ فيه أخرى، فيكون البعث، أما الخوض في حقيقته ومقداره

ـ

١ - (الإسلام عقيدة وشريعة) ص ٥٧ - ٦١. طبعة القاهرة ١٤٠٠هـ / ١٩٨٠م.

٢ - البقرة / ٢، ٣.

- - - - - (٥٨) - - - - -

وكيفية النفخ فيه، أو حمله على أنه تمثيل لسرعة إفناء العالم وبعثه بسرعة النفخة المعروفة للناس، فإنه رجم بالغيب، وتقوّل على اللّه بغير حق.

ونؤمن بأن القرآن - كما أخبر اللّه - في لوح محفوظ، أما الخوض في حقيقته أو تأويله بأنه تمثيل لصونه عن التغيير والتبديل، فإنه رجم بالغيب، وتقوّل على اللّه بغير حق.

نعم. يجب الوقوف في الإيمان بالغيب عند الحد الذي جاء به الخبر الصادق، ولا ينبغي التصرف فيه بالحمل على التمثيل، أو الزيادة عليه، وضم شيء إليه، فضلا عن استبعاده أو إنكاره، وهذا هو شأن المؤمنين باللّه، وبكتابه وغيبه…» [١].

وفي السنة النبوية

والعلم النبوي، يجب التمييز بين السنة التشريعية… وبين السنة غير التشريعية… كذلك يجب التمييز في السنة التشريعية بين ماهو تشريع عام، إذا كان بيانا لمجمل القرآن، أو تخصيصا لعمومه، أو تقييدا لمطلقه، أو في شؤون العبادات… والحلال والحرام… والعقائد والأخلاق… يجب التمييز بين هذا التشريع العام - في السنة التشريعية - وبين مافيها من تشريع غير عام، مثل ماجاء فيها من تصرفات الرسول (صلى الله عليه وآله)، يوصف الإمامة وسياسة الدولة… ويوصف القضاء في المنازعات، بناء على البينة واليمين.

أما السنة غير التشريعية… فمنها سنة العادة… والحاجات البشرية والاجتماعية… والخبرات الإنسانية.

«فينبغي أن يلاحظ أن كل ماورد عن النبي (صلى الله عليه وآله) ودوّنَ في كتب الحديث من أقواله وأفعاله وتقريراته، على أقسام:

ـ

١ - (الفتاوى) ص ٥٦ - ٥٨. طبعة القاهرة ١٤٠٠هـ / ١٩٨٠م.

- - - - - (٥٩) - - - - -

أحدها: ما سبيله سبيل الحاجات البشرية، كالأكل والشرب والنوم والمشي والتزاور، والمصالحة بين شخصين بالطرق العرفية، والشفاعة، والمساومة في البيع والشراء.

ثانيها: ما سبيله سبيل التجارب والعادة الشخصية أو الاجتماعية، كالذي ورد في شؤون الزراعة والطب، وطول اللباس وقصره.

ثالثها: ما سبيله التدبير الإنساني أخذا من الظروف الخاصة، كتوزيع الجيوش على المواقع الحربية، وتنظيم الصفوف في الموقعة الواحدة، والكمون والكر والفر، واختيار أماكن النزول، وما إلى ذلك مما يعتمد على وحي الظروف والدربة الخاصة.

وكل ما نقل من هذه الأنواع الثلاثة ليس شرعا، يتعلق به طلب الفعل أو الترك، وإنما هو من الشؤون البشرية التي ليس مسلك الرسول (صلى الله عليه وآله) فيها تشريعا ولا مصدر تشريع.

رابعها: ماكان سبيله التشريع، وهو على أقسام:

أولاً: مايصدر عن الرسول (صلى الله عليه وآله) على وجه التبليغ بصفة أنه رسول، كأن يبين مجملا في الكتاب، أو يخصص عاما، أو يقيد مطلقا، أو يبين شأنا في العبادات، أو الحلال والحرام، أو العقائد والأخلاق، أو شأنا متصلا بشيء مما ذكر.

وهذا النوع تشريع عام إلى يوم القيامة، فإن كان منهيا عنه اجتذبه كل إنسان بنفسه، لا يتوقف في ذلك على شيء سوى العلم به والوصول إليه.

ثانياً: ما يصدر عنه (صلى الله عليه وآله) بوصف الإمامة والرياسة العامة لجماعة المسلمين: كبعث الجيوش للقتال، وصرف أموال بيت المال في جهاتها، وجمعها من محالها، وتولية القضاة والولاة، وقسمة الغنائم، وعقد المعاهدات، وغير ذلك مما هو من شأن الإمامة والتدبير العام لمصلحة الجماعة.

- - - - - (٦٠) - - - - -

وحكم هذا أنه ليس تشريعا عاما، فلا يجوز الإقدام عليه إلا بإذن الإمام، وليس لأحد أن يفعل شيئا منه من تلقاء نفسه بحجة أن النبي فعله أو طلبه.

ثالثاً: ما يصدر عنه (صلى الله عليه وآله) بوصف القضاء، فإنه كما كان رسولا يبلغ الأحكام عن ربه، ورئيسا عاما للمسلمين ينظم شؤونهم ويدبر سياستهم، كان عليه الصلاة والسلام مع ذلك قاضيا يفصل في الدعاوي بالبينات، أو الأيمان أو النكول.

وحكم هذا كسابقه، ليس تشريعا عاما، حتى يجوز لأي إنسان أن يقدم عليه بناء على قضائه به وفصله فيه بحكم معين، بين من حكم بينهم. بل يتقيد المكلف فيه بحكم الحاكم، لأن الرسول تصرف بوصف القضاء، ومن هذه الجهة لايلزم المكلف إلا بقضاء مثله، فمن كان له حق على آخر، ويجحده، وله عليه بينة فليس له أن يأخذ حقه إلا بحكم الحاكم، لأن هذا هو الذي كان شأن أخذ الحقوق عند التجاحد على عهد الرسول (صلى الله عليه وآله).

هذا ومن المفيد جدا معرفة الجهة التي صدر عنها التصرف، وكثيرا ما تخفي فيما ينقل عنه (صلى الله عليه وآله) ولا ينظر فيه إلا من جهة أن الرسول فعله أو قاله أو أقره، ومن هنا نجد أن كثيرا مما ينقل عنه (صلى الله عليه وآله) صُوِّر بأنه شرع أو دين، وسنة أو مندوب، وهو لم يكن في الحقيقة صادرا على وجه التشريع أصلا. وقد كثر ذلك في أفعاله الصادرة عنه (صلى الله عليه وآله) بصفة البشرية، أو بصفة العادة والتجارب.

ونجد أيضاً أن ماصور على وجه الإمامة أو القضاء، قد يؤخذ على أنه تشريع عام، ومن ذلك تضطرب الأحكام وتختلط الجهات…» [١].

وفي البدعة… والإبداع

يجب التمييز بين البدعة المحرمة، وهي ما كانت في العقائد… والعبادات…

ـ

١ - (الإسلام عقيدة وشريعة) ص ٤٩٩ - ٥٠١.

- - - - - (٦١) - - - - -

والحلال والحرام… وبين الإبداع في شؤون الدنيا، فهو مطلوب… ذلك «أن الابتداع في الدين إنما يكون فيما تعبدنا اللّه به من عقيدة أو عبادة أو حل وحرمة… فالابتداع في الدين هو الابتداع الذي يخرج به المؤمن عن دائرة الرسالة الإلهية، وهو الابتداع الذي يغتصب به المبتدع حق اللّه في تشريع هو له وحده… هو الابتداع الذي به يضع المبتدع نفسه موضع من يرى أن العبادات والعقائد - التي رسمها اللّه ليتقرب بها عباده إليه - ناقصة أو فاسدة، فأكملها أو أصلحها بابتداعه، أو موضع من يرى أن الرسول، (صلى الله عليه وآله) الذي اصطفاه اللّه لتبليغ دينه قد قصر فيما أمر بتبليغه، وحجز عن عباد اللّه ما يقربهم إليه.

أما ما لم يتعبدنا اللّه بشيء منه - وإنما فوض لنا الأمر فيه باختيار مانراه موافقا لمصلحتنا ومحققا لخيرنا بحسب العصور والبيئات - فإن التصرف فيه بالتنظيم أو التغيير لا يكون من الابتداع الذي يؤثر على تدين الإنسان وعلاقته بربه، بل إن الابتداع فيه من مقتضيات التطور الزمني الذي لا يسمح بالوقوف عند حد الموروث من وسائل الحياة عن الآباء والأجداد» [١].

وفي علاقة الدين بالدولة

ربط الإسلام الدين بالدولة، والدولة بالدين… فلا يتصور قيام الإسلام بلا دولة. والإسلام هو أساس سياسة الدولة… ومع هذا، فالسلطة الدينية مرفوضة إسلاميا، في التفسير والفهم للنص الديني… وفي سلطات الخليفة والإمام… وفي أحكام القاضي… وفي فتاوى المفتين…

ومبادئ الإسلام في الحكم هي

١ - السيادة: للّه وحده، لأنه الخالق المالك. وهي في كل شعب للشعب نفسه

ـ

١ - (الفتاوى) ص ١٧٨ - ١٨٧.

- - - - - (٦٢) - - - - -

بعد اللّه الذي استخلفه في وطنه.

٢ - الحكم: للّه، وهو حقه، وحقّ الشعب يباشره نيابة عن اللّه.

٣ - الحاكم: وكيل للأمة، وليس له عليها سيادة، بل هي سيدته، وهو خادمها الأمين.

٤ - الشورى: أساس الحكم، وكل حكم لا يقوم على الشورى لا يكون شرعيا.

٥ - التضامن الجماعي: الأفراد جميعا يتضامنون في المسؤولية عن صوالحهم وصوالح الدين والدولة.

٦ - الرقابة الشعبية: حق للأمة أن تراقب حكامها، وتحاسبهم، وترسم لهم خطوط تدبير مصالحها، وتشرف على التنفيذ، وتعدله حسب مصلحتها.

٧ - عزل الخليفة: للأمة إذا جار وظلم وظهر غشمه ولم يرعوِ لناصح أو زاجر، فإن رفض العزل عزلته بالقوة، ولو أدى ذلك إلى نصب الحرب وشهر السلاح في وجهه إذا رأت الأمة ذلك في مصالحها.

٨ - أهل الحل والعقد: هم أهل العلم والرأي والخبرة في كل نواحي النشاط الحيوي بالأمة، وهم لسانها المعبِّر عن رضاها وسخطها، ومن حقهم ترشيح أصلحهم للخلافة، وتقديمه للأمة لترى رأيها فيه عن رضى واختيار، دون ضغط أو قهر، ومن حق كل مسلم أن يكون له رأي في اختيار الخليفة، وأن يُمكن من إعلان رأيه بحرية تامة، دون أن يضار بسبب رأيه ولو خالف الأغلبية، وعليه مع هذا أن يلزم الجماعة.

٩ - هدف الحكم: سعادة المحكومين، وتحقيق السلام في الداخل، والعزة في الخارج، ونشر السلام» [١].

«. والإسلام لا يخص أحدا بحق الاستثناء بتفسير النصوص، ولا بحق إلزام الناس برأيه، بل يمنح هذا الحق لكل مسلم حائز لأهلية البحث… والخليفة أو

ـ

١ - (من توجيهات الإسلام) ص ٥٦٠ - ٥٩٦. طبعة القاهرة ١٤٠٠هـ / ١٩٨٠م.

- - - - - (٦٣) - - - - -

الإمام ليس معصوما من الخطأ، ولا هو مهبط الوحي، ولا أثرة له بالنظر والفهم، وليس له سوى النصح والإرشاد، وإقامة الحدود والأحكام في دائرة ما رسم اللّه، وتعزله إذا انحرف عن الحدود واقتحم حدود اللّه.

وكما أن هذا وضع الخليفة، فهو وضع القاضي والمفتي، وشيخ الإسلام و «الملاّ». فوظيفة القاضي لا تعدو الفصل في الخصومات… ووظيفة المفتي لا تعدو بيان المسائل التي يُسأل عنها… وفتواه ليست ملزمة لمن يستفتيه، للمستفتي مطالبته بالدليل، وله أن يستفتي غيره ممن يطمئن إلى علمه.

أما شيخ الإسلام، والملا، فإن المسلمين لا يعرفونهما إلا لقبين علميين شاع في بعض العصور والأقطار إطلاقهما على من عرفوا في بيئاتهم بامتياز خاص في علوم الدين والشريعة، ولا يرتبط بهما حق تحليل أو تحريم في الشريعة، وليس لهما من حق في العصمة من الخطأ، بل لا يعرفهما الإسلام… [١].

والاستبداد والشورى

الاستبداد عدو الإنسانية… والشورى: فريضة إسلامية… وصفة من صفات الأمة المؤمنة… وهي حق لجمهور الأمة، تأثم جميعها بتركه… وهي عامة في كل ميادين الحياة… وملزمة… وليست مجرد «محمدة اختيارية»، كما يذهب إلى ذلك صنائع الملوك المستبدين…

«. وبتقرير القرآن مبدأ الشورى، قضى الإسلام على عدو الإنسانية الفاضلة ومفسدها، الاستبداد بالحكم والرأي، واحتكار التشريع والتصريف والإدارة. وحقق للفرد كرامته الفكرية، وللجماعة حقها الطبيعي في تدبير شؤنها، والقرآن لا يريد من «الشورى» حين يضعها بين عنصري الصلاة، والإنفاق في سبيل اللّه (والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم

ـ

١ - (الإسلام عقيدة وشريعة) ص ٥٤٧، ٥٤٨.

- - - - - (٦٤) - - - - -

ينفقون) [١]، لا يريد هذه الصورة الهزلية التي ألفناها في الماضي، وتواضع أرباب البغي والاحتكار عليها، واتخاذها ستارا يخفون به طغيانهم النفسي في إرادة سلب الحق، وإنما يريدها حقيقة نقية في واقعها، كما يريد من الصلاة والإنفاق حقيقتهما المحققة لأثرهما، الخالصة مما يكدر صفوها.

والإسلام لا يمكن أن يهمل من أصول الحكم ذلك المبدأ الطبيعي في الحياة، وهو «الشورى»، كما لا يمكن أن يريده حين يضعه «محمدة اختيارية» يقصد بها مجرد تأليف القلوب، وتطييب النفوس، دون العمل به. كما يذهب إلى ذلك صنائع الملوك المستبدين، ولا أن يريده «صورة مفتعلة» يبرر بها أرباب الطغيان طغيانهم، وإنما يريده أمرا ثابتا مقررا، مأمورا به، هو حق للأمة تأخذه بالقوة، وواجب عليها، تأثم جميعها بتركه، وحقيقة لها أثرها العملي في الحكم وسياسة الجماعة.

وإذن، فالشورى التي تنسج خيوطها بكثيرة العدد، أو عن طريق الإغراء والإرهاب لا قيمة لها عند اللّه، والشورى التي تجعل من الفرد المفسد، أو الذي لا يعقل حاكما بأمره في الأمة، لا قيمة لها عند اللّه، والشورى التي لا يجد المخلصون في جوها متنفسا يكشفون فيه عن عبث العابثين، وفساد المفسدين، لاقيمة لها عند اللّه، والشورى التي يلبس المنافقون في جوها مسوح الصدق والإخلاص، ويكتمون عن الحاكم المخلص بذور الشر والفساد لا قيمة لها عند اللّه» [٢].

وفي الأموال والثروات:

الملكية الحقيقية - ملكية الرقبة - في الأموال والثروات - للّه سبحانه وتعالى… والنّاس - الأمة - مستخلفون فيها، لهم فيها ملكية مجازية واجتماعية،

ـ

١ - الشورى / ٣٨.

٢ - المصدر السابق. ص ٤٤١ - ٤٤٢. وجدير بالملاحظة أن الشيخ شلتوت كتب هذا في ظل نظام حكم ديكتاتوري، فرغ الشورى من كل القيم التي تحدث عنها شلتوت.

- - - - - (٦٥) - - - - -

محكومة بالشريعة - التي هي بنود عقد وعهد الاستخلاف… والاستخلاف في الأموال والثروات فلسفة مالية إسلامية متميزة بين الفلسفات المالية والاجتماعية، تمثل الوسطية بين الطغيان المالي للرأسمالية، وبين التفريط الشيوعي - بإلغاء الملكية ومصادمة الحوافز الفطرية… ولذلك بلغت هذه الفلسفة الإسلامية في الأموال والثروات عن طريق العدل الاجتماعي مالم يبلغه دعاة الاشتراكية الغربية».

لكم قياما) [٤]. وأرشد بذلك إلى أن الاعتداء عليها، أو التصرف السيء فيها، هو اعتداء أو تصرف سيء واقع على الجميع…

وإذا كان المال مال اللّه، وكان الناس جميعا عباد اللّه، وكانت الحياة التي يعملون فيها ويعمرونها بمال اللّه، هي للّه، كان من الضروري أن يكون المال - وإن ربط باسم شخص معين - لجميع عباد اللّه، يحافظ عليه الجميع، وينتفع به الجميع، وقد أرشد إلى ذلك قوله تعالى: (هو الذي خلق لكم مافي الأرض جميعا) [٥].

ومهما رفع دعاة الاشتراكية رؤوسهم ونادوا بها فيما بين الناس، فإنك لست واجداً في تعبيرهم ولا في واقع حياتهم ما يقرب من تلك الاشتراكية النابعة من ضمير الإيمان، والتي يجعلها الإسلام دينا مقترنا - في الدعوة إليه - بالصلاة

ـ

١ - الحديد / ٧.

٢ - النور / ٣٣.

٣ - البقرة / ١٨٨.

٤ - النساء / ٥.

٥ - البقرة / ٢٩.

- - - - - (٦٦) - - - - -

وشهادة التوحيد، والتي يكون بها كل المال ملكا للأمة، تحفظه اليد المستخلفة فيه وتنميه، ثم تنتفع به كلها… فهو منها كلها، وهو إليها كلها، وما اليد المعطية واليد الآخذة، إلا يدان لشخصية واحدة، كلتاهما تعمل لخدمة تلك الشخصية، ولا خادم منها ولا مخدوم، وإنما هما خادمان لشخصية واحدة هي «شخصية المجتمع»، الذي لاقوام له ولا بقاء إلا بتكافل هاتين اليدين على خيره وبقائه.

ولعل بهذا يظهر معنى «الوسيطة» التي حل بها الإسلام المشكلة المالية، تلكم المشكلة التي ظل بها العالم، في أمسه وحاضره يرتدد بين طرفي الإفراط، بالطغيان المالي، والتفريط، بإلغاء الملكية الفردية وبذلك تقطعت أواصر الرحم الإنساني، وسخّر الأغنياء الفقراء، وثار الفقراء على الأغنياء، ونشبت الحروب المدمرة، وأفلست دعاوى المدعين، الذين يخدمون أنفسهم في واقع الأمر ويتظاهرون بخدمة المجتمع الإنساني، وما ربك بغافل عما يفعلون…» [١].

وفي المعاملات المالية المستحدثة

تلك التي لم تعرفها العصور الإسلامية السابقة، ومن ثم لم تعرض لها اجتهادات الفقهاء الأقدمين… والتي تحتاج إلى نظر جديد وفقه جديد، يبدأ بفقه الواقع الجديد، ثم يبحث لهذا الواقع الجديد عن الحكم الذي لا يخالف روح الشريعة، وقواعد الفقه ونظرياته… ومن هذه المعاملات المستحدثة.

١ - الشركات المساهمة: المحدد ربح الأسهم فيها… وهي حلال، لأنها معاملة مستجدة، وليست من المضاربة، حتى يشترط فيها عدم تحديد نسبة الربح «إنها نوع جديد من الشركة أحدثه أهل التفكير في طريق الاقتصاد والاستثمار، ولم يكن معروفا للفقهاء من قبل.

وإذا كانت هذه الشركات إنما تنشأ للبقاء والاستمرار، ورأى مؤسسوها

ـ

١ - المصدر السابق، ص ٢٥٦ - ١٥٧، ٩٥.

- - - - - (٦٧) - - - - -

لذلك أن توزع أرباحها بنسب للأسهم ثابتة على مرتبات العمال وعلى دعم رأس المال وجهات الخير وأرباب الأسهم، كان ذلك خيرا لا ظلم فيه لأحد ولا استغلال فيه لحاجة أحد، بل كله نفع وفائدة ولابد أن تكون هذه الشركات قد ضمّت في قانونها الأساسي فرض الاحتمالات من جهة عجز الإنتاج عن قيامها بتلك الجهات، وجهة الخسارة التي تلحق رأس المال ووضعت لها أحكاما خاصة يعرفها المساهمون ويطمئنون إليها دون أن تنقطع الشركة بينهم.

ومن هذا يتبين أن هذه الشركات ليست ربوية تستغل حاجة المحتاجين، وليست من مضاربة الفقهاء، حتى تكون فاسدة بتحديد الربح على فرض تسليم شروطهم في المضاربة…»

٢ - الأسهم: داخلة في المضاربة، ولذلك يخضع عائدها للربح والخسارة.

٣ - والسندات: هي قرض بفائدة محددة. فهي ربا… ولا تجوز إلا للضرورة الواضحة. «والفرق بين الأسهم والسندات، أن الأسهم من الشركات التي أباحها الإسلام باسم المضاربة، وهي التي تتبع الأسهم فيها ربح الشركة وخسارتها وأما السندات، وهي القرض بفائدة معينة لا تتبع الربح والخسارة، فإن الإسلام لا يبيحها إلا حيث دعت الضرورة، التي تفوق أضرار السندات التي يعرفها الناس ويقررها الاقتصاديون.

ولو أن الأمم الإسلامية تكاتفت على وضع أساس اقتصادي يحقق مصالحها ويقيها شر التحكم الأجنبي، لوجدوا من مبادئ الإسلامى الاقتصادية ما يجعلهم في مقدمة الأمم اقتصاديا وقوة وحضارة.

٤ - وصندوق التوفير: معاملة جديدة… ربحها المحدد حلال… وهي ليست مضاربة، حتى يحرم تحديد ربحها، وليست قرضا حتى تحرم المنفعة التي تجرها… «فالربح الذي تدفعه مصلحة البريد لأصحاب الأموال المودعة في

- - - - - (٦٨) - - - - -

صندوق التوفير… حلال لا حرمة فيه. ذلك أن المال المودع لم يكن دينا لصاحبه على صندوق التوفير، ولم يقترضه صندوق التوفير منه، وإنما تقدم به صاحبه إلى مصلحة البريد من تلقاء نفسه طائعا مختارا ملتمسا قبول المصلحة إياه، وهو يعرف أن المصلحة تستغل الأموال المودعة لديها في مواد تجارية ويندر فيها - إن لم يعدم - الكساد والخسران.

وقد قصد بهذا الإيداع أولا: حفظ ماله من الضياع، وتعويد نفسه على التوفير والاقتصاد. وقصد ثانيا: إمداد المصلحة بزيادة رأس مالها; ليتسع نطاق معاملاتها، وتكثر أرباحها فينتفع العمال والموظفون وتنتفع الحكومة بفاضل الأرباح.

ولا شك أن هذين الأمرين - تعويد النفس على الاقتصاد، ومساعدة المصلحة الحكومية - غرضان شريفان كلاهما خير وبركة، ويستحق صاحبهما التشجيع، فإذا ما عينت المصلحة لهذا التشجيع قدرا من أرباحها منسوبا إلى المال المودع أي نسبة تريد، وتقدمت به إلى صاحب المال كانت دون شك معاملة ذات نفع تعاوني عام، يشمل خيرها صاحب المال والعمال والحكومة وليس فيها مع هذا النفع العام أدنى شائبة لظلم أحد، أو استغلال لحاجة أحد، ولا يتوقف حل هذه المعاملة على أن تندمج في نوع من أنواع الشركات التي عرفها الفقهاء، وتحدثوا عنها وعن أحكامها، فهذه المعاملة - بكيفيتها وبظروفها كلها وبضمان أرباحها - لم تكن معروفة لفقهائنا الأولين وقت أن بحثوا الشركة ونوعها واشترطوا فيها ما اشترطوا.

وليس من ريب في أن التقدم البشري أحدث في الاقتصاديات أنواعا من العقود والاتفاقيات المركزة على أسس صحيحة لم تكن معروفة من قبل، ومادام الميزان الشرعي في حل التعامل وحرمته قائما في كتاب اللّه (والله

- - - - - (٦٩) - - - - -

٥ - والاقتراض بفائدة: ربا محرم… لا يجوز إلا في حالة الضرورة التي تقدر بقدرها، من حيث مصدر القرض، وحجم الفائدة، وآثار الاقتراض على الاستقلال الوطني [٤].

٦ - والاستقلال الاقتصادي: للأمة فريضة اجتماعية… وهو شرط لاستقلالها السياسي والإداري، وأساس لعزتها وحريتها «ولقد قرر علماء الإسلام أن كل مالا يستغني عنه في قوام أمور الدنيا، فتعلمه ووجوده من فروض الكفاية، قالوا: ومن ذلك أصول الصناعات، مما هو ضروري، أو كالضروري… ويسر الحياة… ودفع الحرج عن الناس… فإذا لم يتحقق ذلك في الأمة كلها، أثمت الأمة كلها.

وليس من ريب في أن أساس هذه الفريضة هو العمل على تحقيق المبدأ الإسلامي الذي يوجبه الإسلام على أهله، وهو مبدأ. استقلال الجماعة الإسلامية، في تحقيق ما تحتاج إليه من الضروريات والحاجات فيما بينها وبيد أبنائها دون أن تمد يدها إلى غيرها من الأمم. وبذلك لاتجد الأمم الأخرى - ذات الصناعات والتجارات - سبيلا إلى التدخل في شؤونها، فتظل محتفظة بكيانها وعزتها ونظمها وتقاليدها، وخيرات بلادها. وكثيرا ما اتخذ هذا التدخل سبيلا لاشتراك الدول الأجنبية في إدارة البلاد وتنظيمها واستعمارها; استغلالا لحاجتها في الصناعات والتجارات.

ـ

١ - البقرة / ٢٢٠.

٢ - البقرة / ٢٧٩.

ونسير على مقتضاه.

ومن هنا يتبين أن الربح المذكور ليس فائدة لدين حتى يكون ربا، ولا منفعة جرها قرض حتى يكون حراما، على فرض صحة النهى عنه، وإنما هو - كما قلنا - تشجيع على التوفير والتعاون اللذين يستحبهما الشرع [٣].

٣ - المصدر السابق، ص ٣٥١، ٣٥٢.

٤ - (الإسلام عقيدة وشريعة) ص ٢٧٠، ٢٧٥.

- - - - - (٧٠) - - - - -

وإذا كان من قضايا العقل والدين، أن مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وكانت الحياة متوقفة على هذه العمد الثلاثة: الزراعة، والتجارة، والصناعة، كانت هذه العمد الثلاثة واجبة وكان تنسيقها على الوجه الذي يحقق خيرها واجبا [١].

والشيوعية

كفر وإلحاد، بسبب فلسفتها المادية… وليس بسبب نظريتها الاقتصادية… وهي عدوة الإسلام ولسائر الأديان. والإسلام عدو لها عداوة لا هوادة فيها. فلو كانت الشيوعية مذهبا اقتصاديا لا يمس الإيمان ولا يهتك حرمته، ولا يفتن الناس في تدينهم بأصول التعاليم الإلهية لأمكن ألاّ نقول بعداوتها للإسلام ولا بعداوة الإسلام لها.

أما واقعها، كما ينقل عن مخترعيها، ويقرأ في كتبها أنها لا تؤمن إلا بالمادة، وأنها تنكر الألوهية والوحي والبعث، وأنها تقتحم في سبيل مادتها كل ما قدسه القرآن، وقدسته الشرائع السماوية من حرمات العقيدة والعبادة والمال والعمل والروابط الجنسية الشرعية، وما إلى ذلك من أسس الإسلام، فإنها بلا شك تكون عدوة للإسلام وعدوة لسائر الأديان السماوية، ويكون الإسلام وسائر الأديان السماوية عدوا لها عداوة لا هوادة فيها [٢].

وفي نظرية التطور والنشوء والارتقاء

هذه النظرية مخالفة للإسلام… ليس بسبب القول بالتطور، وإنما بسبب زعمها تطور الإنسان عن نوع آخر. وهو زعم يرجم بالغيب، ويخالف حديث القرآن عن خلق الإنسان، فهذه النظرية التي تقول بتطور الإنسان عن نوع آخر

ـ

١ - المصدر السابق. ص ٢٥٤ - ٢٥٥.

٢ - (الفتاوى) ص ٣٩٩.

- - - - - (٧١) - - - - -

من الحيوانات بطريقة النشوء والارتقاء نظرية لم يرفضها رجال الدين تزمتا أو تعسفا، وإنما رفضوها على أساس من الدين ونصوصه الواضحة وعلى أساس مما قرره الدين في رفض مالم يدل عليه برهان، أو يشهد بصحته حس أو تجربة.

خلق من ماء دافق. يخرج من بين الصلب والترائب) [٤] وفي تطور الأبناء من هذا الماء يقول: (يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم) [٥].

فهذا ونحوه خبر اللّه الصادق الذي قامت على صدقه المعجزات يحدث بأن الإنسان خلق نوعا مستقلا، ليس متطورا عن نوع آخر من الحيوانات، أيا كان ذلك النوع، وكيفما كان التشابه بينه وبين الإنسان في بعض الخصائص، وبعض الأوضاع الجسمية.

والمسألة بعد مسألة غيبية لا يتناولها الحس ولا محل فيها للتجربة، وليس ثمة مقدمات عقلية يصل بها العقل إلى معرفة واقعها. ومثل هذه المسألة من المسائل التي ينحصر مصدر العلم بها في خصوص الخبر الصادق المؤيد بالمعجزات، الواصل إلى الناس من عالم الغيب ومكون الأنواع والمخلوقات،

ـ

١ - الحجر / ٢٦.

٢ - الحجر / ٢٨ - ٢٩.

٣ - الحجرات / ١٣.

٤ - الطارق / ٥ - ٧.

٥ - الحج / ٥.

- - - - - (٧٢) - - - - -

وقد نفى القرآن أن يكون مبدأ الخلق عامة مما يعلمه الإنسان بنفسه وما منح من قوى الإدراك، قال تعالى: (ما أشهدتهم خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا) [١]. فهذا السند القوي الذي يعتمد عليه رجال الدين في رفض نظرية التطور الفردي ولم يكن رفضهم إياها مجرد تزمت [٢].

وفي تفكير من لم يحكم بما أنزل اللّه

الذي يستدل عليه البعض بقوله تعالى: (ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون) [٣]. رأى الشيخ شلتوت: أن القاضي المضطر إلى الحكم بغير ما أنزل اللّه هو عاص وليس كافرا… وأن الحاكم والمشرع بغير ما أنزل اللّه إذا كان جاحدا لما أنزل اللّه فهو كافر… أما إذا كان مضطرا أو متأولا فهو عاص وليس بكافر… وكل ذلك في الأحكام الشرعية القطعية التي لا تأويل لها ولا اجتهاد فيها.

إذ الحكم الإسلامي نوعان

١ - حكم لم يرد به قرآن ولا سنة، أو ورد به أحدهما ولكن لم يكن الوارد به قطعا فيه بل محتملا له ولغيره وكان بذلك محلا لاجتهاد الفقهاء والمشرعين، فاجتهدوا فيه، ولكل ومجتهد رأيه ووجهة نظره - وأكثر الاحكام الاسلامية من هذا النوع الاجتهادي - والحكم في هذا النوع الاجتهادي لوجاء بما يخالف جميع الآراء والمذاهب الاسلامية، فان الاسلام لا يمنعه ولا يمقته فضلا عن أن يراه يخرج القاضي به عن الاسلام، ذلك أن الاسلام ليس له في هذا النوع حكم معين، وإنما حكمه هو ما يصل اليه المجتهد باجتهاده المبني على تحري المصلحة والعدل فمتى وجد العدل والمصلحة فثم شرع اللّه وحكمه.

٢ - وحكم هو القطعي المنصوص عليه في كتاب اللّه وسنة رسوله الثابتة

ـ

١ - الكهف / ٥١.

٢ - المصدر السابق. ص ٤٠٢ - ٤٠٤.

٣ - المائدة / ٤٤.

- - - - - (٧٣) - - - - -

التي لم يظهر فيها خصوصية الوقت أو الحال… والحكم بغيره، إن كان مبنيا على اعتقاد أنه أفضل منه وأنه هو لا يحقق العدل ولا المصلحة، ردة يخرج بها القاضي عن الاسلام.

أما إذا كان القاضي الذي حكم بغيره مؤمنا بحكم اللّه، وأنه هو العدل والمصلحة دون سواه ولكنه بلد غير اسلامي، أو بلد إسلامي مغلوب على أمره في الحكم والتشريع، واضطر أن يحكم بغير حكم اللّه لمعنى آخر وراء الجحود والانكار فان الحكم في تلك الحالة لا يكون كفرا إنما يكون معصية، وهو نظير من يتناول الخمر وهو يعتقد حرمتها.

الهوى والشهوة… ويشهد لذلك مجيئها في سياق قوله اللّه سبحانه: (من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم) [٢]. ومن هنا يتبين أنها ليست في حق كل من حكم حكما غير إسلامي في قضية ما [٣].

وعن المرأة… وعلاقتها بالرجل

مساواة المرأة للرجل، مع توزيع العمل بينهما وفق فطرة تمايز الذكورة عن الانوثة، وتمايز الانوثة عن الذكورة… هو حكم الاسلام… فلقد رفع القرآن الكريم شأن المرأة الى درجة لم تكن تحلم بها من قبل ولم تصل اليها من بعد في غير جو الاسلام: جعل لها حقا في المال كالرجل، ومنحها حق التصرف فيه دون رقابة عليها أو ولاية، وجعل إذنها شرطا في صحة زواجها، وجعل لها من

ـ

١ - المائدة / ٤٤.

٢ - المائدة / ٤١.

٣ - المصدر السابق. ص ٤٣ - ٤٦.

- - - - - (٧٤) - - - - -

اللّه مثلا للذين كفروا امرأة نوح وأمراة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يُغنيا عنهما من اللّه شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين. وضرب اللّه مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين) [٢]. فالمرأة في وضع القرآن، لا يؤثر عليها وهي صالحة فساد الرجل وطغيانه، ولا ينفعها - وهي صالحة - صلاح الرجل وتقواه، فهي ذات مسؤولية أمام الله وفي أحكام اللّه [٣].

وليس صحيحا أن الاسلام ينتقض من أهلية المرأة في الميراث وفي الشهادة فوضع الرجل والمرأة في الميراث لا علاقة له بالانسانية التي يشتركان فيها على سواء… وكذلك الشهادة فقوله تعالى: (فان لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان) [٤] ليس وارد في مقام الشهادة التي يقضي بها القاضي ويحكم، وإنما هو وارد في مقام الارشاد الى طريق الاستيثاق والاطمئنان على الحقوق بين المتعاملين وقت التعامل (يا أيها الذين آمنوا إذ تداينتم بدين الى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل، ولا يأب أن يكتب كما علمه اللّه)، الى أن قال (واستشهدوا شهيدين من رجالكم فأن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى).

فالمقام مقام استيثاق على الحقوق، ولا مقام قضاء بها. والآية ترشد الى أفضل أنواع الاستيثاق الذي تطمئن به نفوس المتعاملين على حقوقهما.

وليس معنى هذا أن شهادة المرأة بواحدة أو شهادة النساء اللاتي ليس معهن رجل، لا يثبت بها الحق، ولا يحكم بها القاضي فان أقصى ما يطلبه القضاء

ـ

١ - النساء / ٢٤.

٢ - التحريم / ١٠ - ١١٢.

٣ - من توجيهات الاسلام، ص ٢٢٨.

٤ - البقرة / ٢٨٢.

- - - - - (٧٥) - - - - -

هو البينة. وقد حقق العلامة ابن القيم أن البينة في الشرع أعم من الشهادة، وأن كل ما يتبين به الحق يظهره، وهو بينه يقضي بها القاضي ويحكم. ومن ذلك يحكم القاضي بالقرائن القطعية ويحكم بشهادة غير المسلم متى وثق بها واطمأن اليها. واعتبار المرأتين في الاستيثاق كالرجل الواحد ليس نقص عقلها الذي يتبع نقص إنسانيتها ويكون آثراً له، وإنما لأن المراة - كما قال الشيخ عبده «ليس من شأنها الاشتغال بالمعاملات المالية ونحوها من المعاوضات ومن هنا تكون ذاكرتها فيها ضعيفة ولا تكون كذلك في الأمور المنزلية التي هي شغلها فانها فيها أقوى ذاكرة من الرجل، ومن طبع البشر عامة أن يقوي تذكرهم للامور التي تهمهم ويمارسونها ويكثر اشتغالهم بها».

والآية جاءت على ماكان مألوفا في شأن المرأة، ولايزال أكثر النساء كذلك لايشهدن مجالس المدنيات ولا يشتغلن بأسواق المبايعات، واشتغال بعضهن بذلك لا ينافي هذا الأصل الذي تقضي به طبيعتها في الحياة. واذا كانت الآية ترشد الى إكمال وجوه الاستيثاق وكان المتعاملون في بيئة يغلب فيها اشتغال النساء بالمبايعات وحضور مجالس المداينات كان لهم الحق في الاستيثاق بالرجل متى اطمأنوا الى تذكرها وعدم نسيانها على نحو تذكر الرجل وعدم نسيانه. هذا وقد نص الفقهاء على أن من القضايا ما تقبل فيه شهادة المرأة وحدها وهي القضايا التي تجر العادة باطلاع الرجل على موضوعاتها كالولادة والبكارة وعيوب النساء في القضايا الباطنية، وعلى أن منها ما تقبل فيه شهادة الرجل وحده وهي القضايا التي تثير موضوعاتها عاطفة المرأة ولا تقوى على تحملها، وما لنا نذهب بعيدا وقد نص القرآن على أن المرأة كالرجل سواء بسواء في شهادت اللعان وهو ما شرعه القرآن بين الزوجين حينما يقذف الرجل زوجه وليس له على ما يقوله شهود (والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم

- - - - - (٧٦) - - - - -

شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات باللّه إنه لمن الصادقين والخامسة أن لعنة اللّه عليه إن كان من الكاذبين ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين والخامسة أن غضب اللّه عليها إن كان من الصادقين) [١].

أربع شهادات من الرجل يعقبها استمطار لعنة اللّه عليه إن كان من الكاذبين، ويقابها ويبطل عملها أربع شهادات من المرأة يعقبها استمطار غضب اللّه عليها إن كان من الصادقين، فهذه عدالة الاسلام في توزيع الحقوق العامة بين الرجل والمرأة وهي عدالة تحقق أنهما في الانسانية سواء.

وفي الفنون الجميلة

الغناء والموسيقى: الأصل فيهما الحل والحرمة عارضة. وحب اللذة غريزة فطرية في الانسان والشرع ينظمها، دون قمع ودون إفراط. وضروريات التحريم ضعيفة، أو تحدث عن توظيف الغناء والعزف في المحرمات.

إن الاصل الذي أرجو أن يتنبه الناس اليه، هو أن اللّه خلق الانسان بغريزة يميل بها الى المستلذات والطيبات التي يجد لها أثراً في نفسه، به يهدأ وبه ينشط وبه تسكن جوارحه، فتراه ينشرح صدره بالمناظر الجميلة كالخضرة المنسقة والماء الصافي تلعب أمواجه والوجه الحسن الذي تنبسط أساريره، ينشرح صدره بالروائح الزكية التي تحدث خفة في الجسم والروح وينشرح صدره بلمس النعومة التي لا خشونة فيها، وينشرح صدره بلذة المعرفة في الكشف عن مجهول مخبوء، وتراه بعد هذا مطبوعا على غريزة الحب لمشتهيات الحياة وزينتها من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والانعام والحرث.

ولعل قيام الانسان بمهمته في هذه الحياة ماكانت لتتم على الوجه الذي

ـ

١ - النور / ٦ - ٩.

- - - - - (٧٧) - - - - -

لأجله خلقه الله إلا إذا كان ذا عاطفة غريزية توجهه نحو المشتهيات وتلك المتع التي خلقها اللّه معه في الحياة، فيأخذ منها القدره الذي يحتاجه وينفعه، ومن هنا قضت الحكمة الالهية أن يخلق الانسان بتلك العاطفة، وصار من غير المعقول أن يطلب اللّه منه بعد أن خلقه وأودع فيه لحكمته السامية هذه العاطفة إماتتها أو مكافحتها في أصلها. لا يمكن أن يكون من أهداف الشرائع السماوية - في أي مرحلة من مراحل الانسانية - طلب القضاء على هذه الغريزة الطبيعية التي لابد منها في هذه الحياة.

نعم، للشرائع السماوية بازاء هذه العاطفة مطلب آخر يتلخص في كبح الجماح ومعناه: مكافحة الغريزة عن الحد الذي ينسى الانسان واجباته أو يفسد عليه خلقه أو يحول بينه وبين أعمال هي له فيه الحياة ألزم وعليه أوجب.

وكان الشيخ محمود شلتوت واحدا من أنشط العلماء الدين بذلوا الجهود الكبيرة في تأسيس وتدعيم الجماعة التي رأسها الزعيم المصلح محمد علي علوبة باشا (١٢٩٢ - ١٣٧٥هـ / ١٨٧٥ - ١٩٥٦م) والتي ضمت من أئمة مشيخة الازهر الشيخ / عبد المجيد سليم، والشيخ محمد مصطفى عبد الرازق، ومن كبار علمائه: الشيخ علي الخفيف، والشيخ عبد العزيز عيسى (١٣٢٧ - ١٤١٥هـ / ١٩٠٩ - ١٩٩٤م)، والشيخ محمد المدني، والشيخ سيد سابق [١]، والشيخ محمد تقي الدين القمي - الامين العام للجماعة - والسيد محمد الحسين آل كاشف الغطاء، والسيد شرف الدين الموسوي، والشيخ محمد جواد مغنية، والسيد صدر الدين شرف الدين.

ولقد أصدرت هذه الجماعة مجلة «رسالة الاسلام» وكانت منبرا للاجتهاد والداعمة لوحدة الامة الاسلامية.

وعلى صفحات هذه المجلة تعددت وتوالت اجتهادات الشيخ شلتوت في التقريب بين المذاهب الاسلامية الموثقة وبين الشيعة والسنة على وجه الخصوص.

ومن نماذج اجتهاداته في هذا الميدان قوله. «وإن دعوة التقريب هي دعوة

ـ

١ - الاسراء / ٢٩.

٢ - الاعراف / ٣١.

٣ - لقمان / ١٩.

واذن فالشريعة توجه الانسان في مقتضيات الغريزة الى الحد الوسط فهي لم تنزل لانتزاع غريزة حب المال وإنما نزلت بتعديلها على الوجه الذي لا جشع فيه ولا إسراف. وهي لم تنزل لانتزاع الغريزة في حب المناظر الطيبة ولا المسموعات المستلذة وإنما نزلت بتهذيبها وتعديلها على مالا ضرر فيه ولا شر. وهي لم تنزل لانتزاع غريزة الحزن وإنما نزلت بتعديلها على الوجه الذي لا هلع فيه ولا جزع. وهكذا وقفت الشريعة السماوية بالنسبة لسائر الغرائز وقد كلف اللّه العقل - الذي هو حجته على عباده - بتنظيمها على الوجه الذي جاء به شرعه ودينه، فاذا مال الانسان الى سماع الصوت الحسن أو النغم المستلذ من حيوان أو انسان أو آلة كيفما كانت، أو مال الى تعلم شيء من ذلك فقد أدى للعاطفة حقها وإذا وقف بها عند هذا الحد الذي لا يصرفه عن الواجبات الدينية أو الاخلاق الكريمة أو المكانة التي تتفق ومركزه كان بذلك منظما لغريزته سائرا بها في الطريق السوي وكان مرضيا عند اللّه وعند الناس.

وبهذا يتضح أن تعلم الموسيقى مع الحرص على الفرائض والتكاليف نابع من الغريزة التي حكمها العقل بشرع اللّه وحكمه، فنزلت على إرادته وهذا هو أسمى ما تطلبه الشرائع السماوية من الناس في هذه الحياة، ولقد كنت أرى أن هذا القدر كاف في معرفة حكم الشرع في الموسيقى وفي سائر مايحب الانسان ويهوى بمقتضى غريزته لولا أن كثير من الناس لا يكتفون ربما بهذا النوع من التوجيه في معرفة الحلال والحرام، وإنما يقنعهم عرض ماقيل في الكتب وأثر عن الفقهاء وإذا كان ولابد فليعلموا إباحة السماع في إثارة الشوق الى الحج وفي تحريض الغزاة على القتال وفي مناسبات السرور المألوفة كالعيد والعرس وقدوم الغائب ومالها. ورأيناهم فيما وراء ذلك على رأيين:

يقرر أحدهما الحرمة، ويستند الى أحاديث وآثار.

ويقرر الآخر الحل ويستند كذلك الى أحاديث وآثار. وكان قول القائل بالحل: «إنه ليس في كتاب اللّه ولا سنة رسوله ولا في معقولهما من القياس والاستدلال ما يقتضي تحريم مجرد سماع الاصوات الطيبة والموزونة مع آلة من الآلات، وقد تعقبوا جميع أدلة القائلين بالحرمة وقالوا إنه لم يصح شيء».

وقد قرأت في هذا الموضوع لاحد فقهاء القرن الحادي عشر المعروفين بالورع والتقوى رسالة هي (إيضاح الدلالات في سماع الآلات) للشيخ عبد الغني النابلسي الحنفي قرر فيها أن الاحاديث التي استدل بها القائلون بالتحريم على فرض صحتها مقيدة بذكر الملاهي وبذكر الخمر والقينات والفسوق والفجور ولا يكاد حديث يخلو من ذلك، وعليه كان الحكم عنده في سماع الاصوات والآلات المطربه أنه إذا اقترن بشيء من المحرمات أو اتخذ وسيلة للمحرمات أو أوقع في المحرمات كان حراما وأنه إذا سلم من كل ذلك كان مباحا في حضوره وسماعه وتعلمه، وقد نقل عن النبي (صلى الله عليه وآله) ثم عن كثير من الصحابة والتابعين والأئمة والفقهاء أنهم كانوا يسمعون ويحضرون مجالس السماع البريئة من المجون والمحرم. وذهب الى مثل هذا كثير من الفقهاء وهي يوافق تماما في المغزى والنتيجة الأصل الذي قررناه في موقف الشريعة بالنسبة للغرائز الطبيعية.

وكان الشيخ العطار - شيخ الجامع الازهر في القرن الثالث عشر الهجري - ذا ولع شديد بالسماع وعلى معرفة بأصوله ومن كلماته: من لم يتأثر برقيق الاشعار تتلى بلسان الأوتار على شطوط الأنهار في ظلال الأشجار فذلك جلف الطبع حمار.

وإذن فسماع الآلات ذات النغمات والأصوات الجميلة لا يمكن أن يحرم باعتباره صوت آله أو صوت إنسان أو صوت حيوان وانما يحرم إذا استعين به على محرم أو لهي عن واجب.

وهكذا يجب أن يعلم الناس حكم اللّه في مثل هذه الشؤون ونرجو بعد ذلك الا نسمع القول يلقى جزافا في التحليل والتحريم فان تحريم مالم يحرمه الله أو تحليل ما حرمه اللّه كلاهما بغير حق (وأن تشركوا بالله مالم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على اللّه مالا تعلمون) [١]، [٢].

١ - الاعراف / ٣٣.

٢ - الفتاوى ص ٤٠٩ - ٤١٤.

وفي التقريب بين السنة والشيعة

لقد تداعت في أربعينات القرن العشرين كوكبة من كبار العلماء والمفكرين الى تأسيس جماعة للتقريب بين الشيعة والسنة ولا زالة الجفوة التي اتخذها ويتخذها الاستعمار ثغرة لاختراق صفوف الامة الاسلامية وإضعاف وتمزيق جميع شعوبها ومذاهبها… ولتبيان مناطق الاتفاق - وهي كبيرة جدا - وللتعرف على مواضع الاختلاف للتعامل معها بالحكمة الاسلامية التي قررت وتقرر أن الاختلاف والتنوع من سنة اللّه التي لا تبديل لها ولا تحويل…

١ - ذكر الاستاذ الباحث هنا اسم (الامام الاكبر الحاج آقا حسين البروجردي) باعتباره عضوا في جماعة التقريب، ولم يكن كذلك، بل كان راعياً للجماعة ومؤيداً لمسيرتها وداعما لأهدافها (التحرير).

- - - - - (٨١) - - - - -

التوحيد والوحدة، هي دعوة الاسلام والاسلام… كنت أود أن أستطيع تصوير فكرة حرية المذاهب الصحيحة المستقيمة على نهج الاسلام والتي كان عليها الائمة الاعلام في تاريخها الفقهي، أولئك الذين كانو يترفعون عن العصبية الضيقة ويربئون بدين الله وشريعته عن الجمود والخمول، فلا يزعم أحدهم أنه أتى بالحق الذي لا مرية فيه وأن على سائر الناس أن يتبعوه، ولكن يقول (هذا مذهبي، وما وصل اليه جهدي وعلمي ولست أبيح لأحد تقليدي واتباعي دون أن ينظر ويعلم أين قلت، فان الدليل إذا استقام فهو عمدتي والحديث إذا صح فهو مذهبي».

«ولقد آمنت بفكرة التقريب كمنهج قويم منذ أول يوم في جماعتها، وفي وجوه نشاط دارها بأمور كثيرة ثم تهيأ لي بعد ذلك، وقد عهد الي بمنصب مشيخة الازهر أن أصدرت فتوى في جواز التعبد على المذاهب الاسلامية الثابتة الاصول المعروفة المصادر، المتبعة لسبيل المؤمنين، ومنها مذهب الشيعة الامامية الاثنى عشرية… وقرت بهذه الفتوى عيون المؤمنين المخلصين الذين لا هدف لهم الا الحق والالفة ومصلحة الامة، وظلت تتوارد الاسئلة والمشاورات والمجادلات في شأنها وأنا مؤمن بصحتها ثابت على فكرتها في الحين بعد الحين، فيما أبعث به من رسائل للمتوضحين، أو أرد به على شبه المعترضين، وفيما أنشئ من مقال ينشر أو حديث يذاع أو بيان أدعو به الى الوحدة والتماسك والاتفاق حول أصول الاسلام ونسيان الضغائن والاحقاد. حتى أصبحت - والحمد للّه حقيقة مقررة تجري بين المسلمين مجرى القضايا المسلمة بعد أن كان المرجفون في مختلف عهود الضعف الفكري والخلاف الطائفي والنزاع السياسي يثيرون في موضوعها الشكوك والاوهام بالباطل وها هو ذا الازهر الشريف ينزل على حكم هذا المبدأ، مبدأ التقريب بين أرباب

- - - - - (٨٢) - - - - -

المذاهب المختلفة فيقرر دراسة فقه المذاهب الاسلامية، سنيها وشيعيها دارسة تعتمد على الدليل والبرهان وتخلو من التعصب لفلان وفلان [١].

جواز التعبّد وفق المذهب الجعفري

والافتاء بجواز التعبد وفق فقه المذهب الجعفري - مذهب الامام الصادق أبو عبد اللّه جعفر ابن محمد (٨٠ - ١٤٨هـ / ٦٩٩ - ٧٦٥م) وهو المذهب الفقهي للشيعة الاثنى عشرية.

أما الفتوى التي أصدرها الامام الاكبر الشيخ / محمود شلتوت بجواز التعبد على فقه المذهب الجعفري فلقد جاءت ردا على سؤال نصه:

«إن بعض الناس يرى أنه يجب على المسلم لكي تقع عبادته ومعاملاته على وجه صحيح أن يقلد أحد المذاهب الاربعة المعروفة وليس من بينها مذهب الشيعة فهل توافقون فضيلتكم على هذا الرأي على إطلاقه، فتمنعون تقليد مذهب الشيعة الاثنى عشرية مثلا؟ ».

فكان جواب الشيخ شلتوت

«إن الاسلام لا يوجب على أحد اتّباع مذهب معين، بل نقول: إن لكل مسلم الحق في أن يقلد بادئ ذي بدء أي مذهب من المذاهب المنقولة نقلا صحيحا، والمدونة أحكامها في كتبها الخاصة، ولمن قلد مذهبا من هذه المذاهب أن ينتقل الى غيره - أي مذهب كان - ولا حرج عليه في شيء. إن مذهب الجعفرية، المعروف بمذهب الشيعة الامامية الاثنى عشرية، مذهب يجوز التعبد به شرعا كسائر مذاهب أهل السنة، فينبغي للمسلمين أن يعرفوا ذلك وأن يتخلصوا من العصبية بغير الحق لمذاهب معينة فما كان دين اللّه وما كانت شريعته تابعة لمذهب أو مقصورة على مذهب فالكل مجتهدون مقبولون عند اللّه تعالى يجوز

ـ

١ - مشيخة الأزهر ج ٢، ص ١٨٧ - ١٨٨.

- - - - - (٨٣) - - - - -

- لمن ليس أهلا للنظر والاجتهاد - تقليدهم والعمل بما يقرونه في فقههم، ولا فرق في ذلك بين العبادات والمعاملات.

فجهود الشيخ شلتوت - الفكرية والعملية - تبني الأزهر الشريف واحتضان كل المذاهب الاسلامية الموثقة المصادر… ودعمت الدولة - من خلال المؤتمر الاسلامي… الذي كان الشيخ شلتوت مستشاره - دار التقريب ومجلتها… وتفردت مصر - عندما أصدرت الموسوعة الفقهية - باعتماد المذاهب الفقهية الاسلامية الثمانية - الحنفي، والشافعي، والمالكي، والحنبلي، والجعفري، والزيدى، والاباضي، والظاهري في هذه الموسوعة على قدم المساواة.

وهو موقف يتفرد به الازهر الشريف بين كل الجامعات الاسلامية وتتفرد به مصر بين سائر الدول الاسلامية حتى كتابة هذه الصفحات!

تلك إشارات الى معالم بارزة ومتميزة في المدرسة الفكرية التي تربى فيها وعليها الشيخ شلتوت… والى معالم سيرته ومسيرته التعليمية والعلمية، والى نماذج من الميادين التي تجلى فيها إبداعه الفكري بالاجتهاد والتجديد…

رحمه اللّه رحمة واسعة… وجعل حياته… وجهاده… واجتهاده معالم على طريق أمتنا نحو التقدم والتحرر والنهوض… وآخر دعوانا ان الحمد للّه رب العالمين… وصلى اللّه وسلم على خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحابته الطيبين الطاهرين… من عمل بسنته وسار على طريق جهاده الى يوم الدين.

المصادر

* القرآن الكريم

* كتب السنة النبوية

* معاجم القرآن…. والسنة

- - - - - (٨٤) - - - - -

الافغاني، جمال الدين: (الأعمال الكاملة) دراسة وتحقيق: د. محمد عمارة طبعة القاهرة ١٩٦٨م وطبعة القاهرة بيروت ١٩٨١م.

الطهطاوي، رفاعة رافع: (الاعمال الكاملة) دارسة وتحقيق: د. محمد عماره طبعة بيروت ١٩٧٣م.

علي عبد العظيم: (مشيخة الأزهر) طبعة القاهرة ١٣٩٩هـ - ١٩٧٩م.

الغزالي أبو حامد: (الاقتصاد في الاعتقاد) طبعة مكتبة صبيح القاهرة بدون تاريخ

محمد عبده: (الأعمال الكاملة) دراسة وتحقيق: د. محمد عماره طبعة القاهرة ١٩٩٣م.

محمود شلتوت: (الاسلام عقيدة، وشريعة) طبعة القاهرة ١٤٠٠هـ - ١٩٨٠م، (من توجيهات الاسلام) طبعة القاهرة ١٤٠٠هـ - ١٩٨٠م، (الفتاوى) طبعة القاهرة ١٤٠٠هـ - ١٩٨٠م، (تفسير القرآن الكريم) طبعة القاهرة ١٣٩٩هـ - ١٩٧٩م.



[ Web design by Abadis ]