ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 المجتمع الإنساني في القرآن الكريم ٦ \ الأستاذ السيد محمّد باقر الحكيم

(ملخص)

الإنسان والمجتمع الإنساني هدف أساسي في القرآن الكريم لما حظي به الكائن البشري من كرامة عند الله ومكانه في الكون وقدرة على الخلاقة.

وسور القرآن الكريم تتناول جوانب شتى مما يرتبط بالإنسان والمجموعة البشرية في إطار عقائدي تارة واجتماعي وتاريخي وأخلاقي تارة أخرى.

والأستاذ الباحث تناول في الحلقات السابقة مباحث تمهيدية ودخل في موضوع الاستخلاف وفصل القول في نظرية خلافة الإنسان على ظهر الأرض ثم عرج على مصطلح المجتمع وتحدث عن عناصر المجتمع الإنساني في نظرية الشهيد الصدر.

* - نواصل في هذا العدد نشر بحوث السيد الأستاذ تحت عنوان: المجتمع الإنساني في القرآن الكريم، بعد انقطاعه في الأعداد الثلاثة السابقة لأسباب فنية.

[١٩]

الفصل الثاني

الثورة والتغيير بالشريعة١

بعد حصول الاختلاف في المجتمع الإنساني بسبب تأثير الهوى على عوامل وحدته الفطرية جاء دور التغيير بالدين وحل الاختلاف به وإقامة المجتمع على أساسه من اجل الرجوع بهذا المجتمع إلى وحدته مرة ثانية ولكن على أساس جديد أقوى من أساس الفطرة السابق الذي أمكنه تحقيق الوحدة في الدور الأول من حياة الإنسان على الأرض وهذا الأساس هو الدين و (الشريعة).

والظاهر من خلال ما يطرحه القرآن ومن خلال الواقع الذي شهده التاريخ الإنساني أن هذا الدور هو الدور الرئيس في التاريخ وحركة البشرية بصورة عامة.

ومن هنا دعت الحاجة إلى دراسة مميزات هذا الدور وخصائصه وتحديد الظواهر الأساسية فيه والاركان المقومة له.

الأولى: التغيير بالشريعة

يبدو من القرآن الكريم أن هناك ظاهرتين رئيسيتين متلازمتين في المجتمع الذي يعيش حالة التغيير على أساس الشريعة:

ظاهرة الشريعة

الأولى: (ظاهر الشريعة) حيث اقتصرت مهمة الوحي الإلهي والنبوة (الدين) في دور الوحدة الفطرية على توجيه الفطرة وهدايتها وتوضيح معالمها كما سبقت الإشارة إلى ذلك.

ثم اتسعت هذه المهمة للدين وأصبحت اكثر شمولية في مرحلة الاختلاف

[٢٠]

حيث تطور الوحي الإلهي إلى مجيء (الشريعة) وجاءت (النبوة) بـ (الكتاب) من اجل أن يشرع ويقنن للناس إعمالهم وتصرفاتهم ويحدد لهم معالم العلاقات المطلوبة في مجتمعاتهم ويحكم بينهم فيما يختلفون فيه من ذلك.

وهكذا امتاز هذا الدور بظاهرة وجود الشريعة كإطار وحالة متميزة لتنظيم الحياة الاجتماعية في داخل المجتمع الإنساني بحيث مارست الشريعة دور الموجه والمحدد للعلاقات المختلفة والمتنوعة في داخل المجتمع.

ظاهرة الإمامية

الثانية: (ظاهرة النبوة القائدة) التي يمكن نعبر عنها بـ (الإمامة) وهي: الظاهرة الأساسية الثانية التي يمتاز بها مجتمع الاختلاف الذي يقود فيه عملية التغيير على أساس الشريعة والدين النبي الذي يأتي بالشريعة.

وبذلك يمكن التعبير عن هذه الظاهرة بظاهرة (النبوة القائدة) حيث يأخذ فيها النبي دور (الإمام) والقائد الذي يقوم بإدارة عملية التغيير الاجتماعي وإدارة تنظيم العلاقات الاجتماعية خارجياً على أساس الشريعة أو الإشراف عليها مباشرة وتقديم التوجيهات العامة للدين فهو المباشر لقيادة عملية التغيير والتنفيذ والتوجيه والتنظيم للمجتمع، لا مجرد النبوة التي تعني البلاغ والتوجيه والإرشاد لأوضاع وحالات الفطرة.

كما يمكن التعبير عن هذه الظاهرة - أيضاً - بظاهرة السعي لإقامة (الدولة الإلهية) والمجتمع الإنساني المرتبط بالوحي الإلهي وبذلك يكون وجود الدولة فكرة رسالية أصلية أن لم نقل بان فكرة وجود الدولة كانت فكرة نبوية ورسالية في اصل وجودها الاجتماعي والتاريخي وإنها جاءت لمعالجة ظاهرة الاختلاف في تطورها الإنساني.

[٢١]

ومن الواضح أن هاتين الظاهرتين ترتبط إحداهما بالأخرى بصورة أساسية لان الدولة الإلهية أو الإمامة أو النبوة التي يكون فيها النبي إماماً وقائداً إنّما تحكم وتحدد علاقات المجتمع الذي تديره من خلال (الشريعة) التي أنزلها الله سبحانه وتعالى على هؤلاء القادة الأنبياء - عليهما السلام ـ.

وقد أشار القرآن الكريم إلى هاتين الظاهرتين والى العلاقة بينهما بقوله تعالى: ﴿كان الناس أمة وحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وانزل معهم الكتب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلاّ الّذين اوتوه من بعد ما جاءتهم البينت بغيا بينهم فهدى الله الّذين ءامنوا لما اختلفوا فيه من الحق بأذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم﴾٢.

ضرورة الشريعة والإمامة

ومن اجل أن نتبين ضرورة وجود ظاهرة الشريعة والإمامة في المجتمع الإنساني وظروف المجتمع الذي وجدت فيه هاتان الظاهرتان والأثر الذي خلفتاه فيه نتعرض إلى ما ذكره السيد الشهيد الصدر قدس سره٣.

حيث ذكر قدس سره وبتسلسل منطقي ربط من خلاله جملة من العوامل بعضها ببعض حتّى انتهى إلى تفسير ضرورة ظاهرة الوحي الإلهي بمعنى (الشريعة) وظاهرة النبوة بمعنى (الإمامة) بحيث يكون النبي هو خليفة الله تبارك وتعالى على الأرض ثم يدير من خلال هذه الخلافة ووفق الشريعة الإلهية شؤون مجتمعه المختلفة مقيما بذلك الدولة الإلهية المطلوبة.

وبالإمكان تلخيص ما طرحه السيد الشهيد قدس سره من تطور في هذا المجال في عدة نقاط هي:

الأولى: وجود الاختلاف في المجتمع

[٢٢]

وقد تعرض قدس سره في هذه النقطة عند بيان دور الاختلاف والعوامل التي أدت إلى بروزه في حركة المجتمع البشري وقد سبق الحديث في كلّ ذلك ضمن البحوث السابقة فلا حاجة إلى الإعادة ٤.

انقسام المجتمع إلى طوائف ٥

وقد تسبب وجود الاختلاف في المجتمع الإنساني في حدوث ظاهرة اجتماعية أخرى وهي ظاهرة انقسام هذا المجتمع إلى طوائف رئيسية ثلاث:

طائفة المستكبرين

١ـ طائفة المستكبرين، وهم: الّذين يهيمنون على مجتماعاتهم أو الشعوب الأخرى ويحكمونها وفق رغباتهم وميوليهم ومصالحهم بحيث يكون دورهم هو دور الاستكبار على الناس والاستغلال لهم ولطاقاتهم في خدمة مصالحهم الخاصة والاستئثار بالقدرات والإمكانات المتاحة والموجودة داخل مجتمعاتهم أو المجتمعات الأخرى دون رعاية العدالة أو مصالح هؤلاء الناس انطلاقاً من ادعاء (الامتياز) بالاستحقاق أو القدرة والقوة أو الامتياز بالطبقة أو العرق أو القيمومة بمعرفة المصالح دون الله والناس.

ويعبر عن هذه الطائفة في الأدبيات السياسية لهذا العصر بـ (المستغلين) و (المستبدين).

وقد عبر القران الكريم عن هؤلاء المستكبرين بتعابير مختلفة ترتبط بطبيعة سلوكهم في المجتمع أو آثاره على الناس يمكن أن نتبينها من خلال بعض العناوين مثل:

(المفسدين) كقول تعالى: ﴿أن فرعون علا في الأرض وجعل اهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم انه كان من المفسدين﴾ ٦

[٢٣]

وقوله تعالى: ﴿وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد﴾ ٧ وقوله تعالى: ﴿فهل عسيتم أن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا ارحامكم﴾ ٨ وقوله تعالى: ﴿أم نجعل الّذين ءامنوا وعملوا الصلحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار﴾ ٩.

و (المترفين) كقوله تعالى: ﴿وإذا أردنا أن نهلك قرية امرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرنها تدميرا﴾ ١٠وقوله تعالى: ﴿وما أرسلنا في قرية من نذير إلاّ قال مترفوها أنا بما أرسلتهم به كفرون﴾ ١١وقوله تعالى: ﴿وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير من نذير إلاّ قال مترفوها أنا وجدنا ءأباءنا على أمة وأنا على ءاثرهم مقتدون﴾ ١٢.

و (المسرفين) كقوله تعالى: ﴿فما ءامن لموسى إلاّ ذرية من قومه على خوف من فرعون وملايهم أن يفتنهم وان فرعون لعال في الأرض وانه لمن المسرفين﴾ ١٣وقوله تعالى: ﴿ولا تطيعوا أمر المسرفين الّذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون﴾ ١٤.

و (الطاغوت) حيث طرح هذا العنوان في القرآن الكريم في مقابل الله تعالى وعبادته كقوله تعالى: ﴿والذين اجتنبوا الطغوت أن يعبدوا وأنابوا إلى الله لهم البشرى فبشر عباده﴾ ١٥ وقوله تعالى: ﴿الله ولي الّذين ءامنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك اصحب النار هم فيها خالدون﴾ ١٦ وقوله تعالى: ﴿الّذين ءامنوا يقتلون في سبيل الله والذين كفروا يقتلون في سبيل الطغوت فقتلوا أولياء الشيطن أن كيد الشيطن كان ضعيفا﴾ ١٧ كما يعبر عنه في القرآن الكريم بالطاغي والطاغية كما في قولـه تعالى: ﴿كذلك ما أتى الّذين من قبلهم من رسول إلاّ قالوا ساحر أو مجنون* اتواصوا به بل هم قوم طاغون﴾ ١٨ وقوله

[٢٤]

تعالى: ﴿فاما ثمود فاهلكوا بالطاغية﴾ ١٩ وما شابه ذلك من العناوين الأخرى.

والجامع لكل هؤلاء وأمثالهم هو تجاوزهم لحدود الله تبارك وتعالى في حركتهم وبتجاوزهم لهذه الحدود الإلهية (أسرفوا) و (أفسدوا) و (استكبروا) و (طغوا) واتصفوا بكل عنوان يعبر عن حالة التجاوز هذه أو يشير إليها.

طائفة الاتباع

١ - طائفة الاتباع وهي: تلك الجماعة التي تتعرض للاستضعاف والاستغلال وتتضرر مصالحهم ولا يتمكنوا من الحصول على حقوقهم الطبيعية داخل مجتمعاتهم بسبب استضعافهم واستغلالهم من قبل المستغلين والسادة والمستكبرين ولكنهم في الوقت نفسه استسلموا لهذا الوضع الاجتماعي ورضوا به وتحولوا إلى مجرد اتباع لأولئك المستكبرين.

وقد تحدث القرآن الكريم عن هذه الطائفة عندما قسم المستضعفين إلى قسمين:

أحدهما: الجماعة التي استضعفت اجتماعيا ولكنها استسلمت لهذا الواقع الاجتماعي دون مقاومة أو رفض فكانت بذلك ظالمة لنفسها لأنها ليس لها آيه مصلحة في هذه الحالة الاجتماعية وهذا الوضع الاجتماعي الخاص بل تحولت إلى أدوات تابعة للمستكبرين والمستغلين والمسرفين والمفسدين في ظلمهم وطغيانهم فيهم ومن خلالهم وبواسطتهم بل تمكنوا من إفسادهم وإضلالهم حتّى اصبحوا يمارسون الظلم والطغيان بالرغم من استضعافهم ٢٠.

ولذلك كانت هذه التبعية تستحق العذاب والعقاب الاخروي لان هذا النوع من الاستسلام والقبول للظلم فضلاً عن الإعانة عليه يمثل حالة من ظلم الإنسان لنفسه أيضاً كما هو ظلم للآخرين بتمكين المستكبرين والطغاة من

[٢٥]

الهيمنه على شؤون المجتمع قال تعالى: ﴿إن الّذين توفهم الملئكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا الم تكن ارض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك ما وهم جهنم وساءت مصيرا﴾ ٢١ وقوله تعالى: ﴿يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يليتنا اطعنا الله واطعنا الرسولا * وقالوا ربنا أنا اطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا﴾ ٢٢.

وقد وصف القرآن الكريم في مشاهد أخرى حالة هؤلاء المستضعفين الّذين وصفهم بالظالمين أيضاً وهم يخاصمون المستكبرين ويلقون باللوم عليهم في يوم القيامة بل يلوم بعضهم بعضا انظر إلى هذا المشهد القرآني قال تعالى: ﴿وقال الّذين كفروا لن نؤمن بهذا القرءان ولا بالذي بين يديه ولو ترى إذ الظلمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الّذين استضعفوا للذين استكبروا لولا انتم لكنا مؤمنين﴾ ٢٣.

ولكن المستكبرين استنكروا على المستضعفين قولهم هذا واتهموهم بانهم نتيجة لاستسلامهم وقبولهم بما كان سائدا في مجتمعهم تحملوا الإثم وتحولوا إلى قوم مجرمين حيث يقول تعالى حكاية عنهم: ﴿قال الّذين استكبروا للذين استضعفوا انحن صددنكم عن الهوى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين﴾ ٢٤.

ولكن هذا الجواب لم يسكت المستضعفين بل كان جوابهم هو: ﴿وقال الّذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر اليل والنهار إذ تامروننا أن نكفر بالله ونجعل له اندادا واسروا الندامة لما راوا العذاب وجعلنا الاغلل في اعناق الّذين كفروا هل يجزون إلاّ ما كانوا يعملون﴾ ٢٥.

والمستكبرين وان كانوا يستحقون العقوبة الأكبر لان ذنبهم اعظم إلاّ انهم جميعا يتعرضون إلى العذاب ويحشرون في صف واحد كأمة ضالة ولذا

[٢٦]

وصفهم القرآن الكريم جميعا:

بكونهم ظالمين ﴿…. ولو ترى إذ الظلمون موقوفون عند ربهم…. ﴾.

ومستحقين للعذاب جميعا﴿…. واسروا الندامة لما رأوا العذاب…. ﴾.

المستضعفون الأباة

٢ - طائفة المستضعفين الأعزاء الأباة: الّذين يرفضون الظلم والطغيان ويأبون القبول به كواقع اجتماعي ويتطلعون ويسعون للخلاص منه سواء بالدعاء واللجوء إلى الله تعالى بالخلاص أو بالهجرة والخروج من الديار وهذه هي الجماعة الأخرى من المستضعفين.

وقد ذكرهم القرآن الكريم بهذا الوصف ولكنه أشار إلى موقفهم هذا في العزة والأباء ومحاولة الخلاص من الاستضعاف ﴿وما لكم لا تقتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدن الّذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا﴾ ٢٦.

ولذلك نجد القرآن الكريم يشير - أيضاً - إلى استثنائهم من العذاب الذي يلحق بالطائفة الأولى: ﴿إلاّ المستضعفين من الرجال والنساء والولدن لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا * فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا﴾ ٢٧.

ومن هذه الطائفة جماعة المستضعفين المهاجرين في سبيل الله والذين يعبرون عن رفضهم وآبائهم بالهجرة وتغيير الأوطان والذين ﴿لا﴾ يهتدون سبيلا إلى ذلك كما أشار القرآن الكريم في آخر الآية السابقة بل يصرح القرآن الكريم في الآية اللاحقة بهم في قولـه تعالى: ﴿ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مرغما كثيرا وسعة ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه

[٢٧]

الموت فقد وقع اجره على الله وكان الله غفورا رحيما﴾ ٢٨.

ومن الواضح أن هذا القسم من المجتمع هو قسم قليل ومحدود جدا في مجتمع الاختلاف الّذين يهيمن عليه المستكبرون وليس له القدرة على تغيير مجمل الأوضاع الاجتماعية التي يعيشها.

كما انه وبسبب ما يقوم به المستكبرون من محاولات للتسلط على مجتمعهم ولإخضاع الناس لهم من خلال قدراتهم وإمكانياتهم من ناحية ولخضوع وخنوع اغلب المستضعفين واستسلامهم للمستكبرين ولواقعهم من ناحية أخرى ولمحدودية إمكانياتهم وعدد الرافضين منهم وعدم قدرتهم على التغيير من ناحية ثالثة بسبب كلّ هذا يتحول المجتمع إلى مجتمع استكباري يتسلط فيه الطغاة والمستكبرون على مقدرات المجتمع وإمكاناته ويخضعون لسيطرتهم وسلطتهم ويسومون الناس فيه الوان الذل والهوان.

الثالثة: ضرورة التغيير

أن الرؤية السابقة للمجتمع الإنساني تبين أن عودة مثل هذا المجتمع الاستكباري إلى مجتمع الحق والعدل وأصوله الفطرية التي فطره الله تعالى عليها والتي تجعله مجتمع الاستخلاف الإلهي ومجتمع الوحدة المطلوبة هذه العودة لا يمكن أن تتم إلاّ من خلال حصول تغيير جذري في هذا المجتمع ينتصر فيه المستضعفون الأباة على المستكبرين.

وهذه الضرورة تنطلق من سنة إلهية في حركة التاريخ الإنساني ذكرها القرآن الكريم وهي سنة غلة الحق على الباطل: ﴿وقل جاء الحق وزهق الباطل أن الباطل كان زهوقا﴾ ٢٩ وينطلق - أيضاً - من هدف الهي وضعه الله تعالى أمام مسيرة التاريخ الإنساني وهو: هدف التكامل في المسيرة الإنسانية في

[٢٨]

إقامة الحكم والعدل والعبادة لله تعالى في الأرض: ﴿ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون﴾ ٣٠.

أساس التغيير

الرابعة: أن التغيير الجذري هل يمكن أن يأتي من داخل المجتمع أو لابد له أن يكون بعوامل من خارجه؟ والجواب عن ذلك هو:

أن هذا التغيير إذا أريد له أن يكون تغييرا جذريا واقعيا وصحيحا يحقق الأهداف المطلوبة فلا يمكن أن يأتي من داخل المجتمع ذاته لأنه مجتمع

على الفرض منحرف يسيطر عليه الانحراف والاستكبار بكل فئاته وطوائفه فلابد للتغيير حينئذ أن يأتي من خارجه.

وقد تعرض السيد الشهيد R إلى شرح فكرة التغيير الخارجي هذه حيث بين - كما ألمحنا إلى ذلك في الفصل السابق - أن التاريخ البشري قد شهد ومنذ إقدام عصور الاستغلال أساسين مختلفين للتغيير الاجتماعي والثورة.

التغيير البشري

الأول: الأساس البشري وهو: مجموع المحتوى الداخلي الذي تزخر به قلوب المستضعفين من المشاعر والأحاسيس الشخصية المتقدة كرد فعل نفسي وفهم عملي للحياة بسبب ما لاقوه من صنوف العذاب والآلام والمعاناة والمشقة على أيدي الآخرين واستهتارهم بحقوق الجماعة ومصالحها حيث يمتد ويتكون هذا الشعور في المستضعفين تدريجا كلما ازدادت حالتهم سوءاً وازداد المستغلون لهم عتوا واستهتارا بهم وإمعانا في استغلالهم والأضرار بهم وعندئذ يعمل هؤلاء المستضعفون وبسبب مشاعرهم تلك على القيام بأعمال ونشاطات كرد فعل تجاه كلّ تك الممارسات التي تصدر ضدهم

[٢٩]

ويحاولون الانتقام لأنفسهم من ظالميهم واسترجاع حقوقهم المصادرة والحصول على منافعهم المسلوبة والخروج من حالة الاستضعاف التي يعيشونها.

ولكي يتحول هذا الشعور إلى ثورة لابد له من وجود بؤرة استضعافية تستقطب هذه المشاعر وتنبثق من هذه الثورة القيادة التي تتزعم المستضعفين في كفاحهم ضد المستغلين والثورة عليهم ٣١.

وكل هذا يتم من خلال عدة مراحل: تبدأ من المرحلة التي تتراكم فيها حالة الاستغلال والاستضعاف في نفوس هؤلاء المستضعفين أولا.

ثم تتوسع دائرة المستضعفين حتّى يتحقق تغير نوعي في هذه الحالة الاجتماعية من خلال تمركز حالة الاستكبار في أفراد وأشخاص معنيين فيبدأ المستضعفون بالتحرك والمقاومة ذلك من اجل الحصول على حقوقهم ومصالحهم ومن اجل الخروج من حالة استضعافهم.

لابد من افتراض وجود (بؤرة) في مثل هذه العملية النفسية والروحية والاجتماعية بحيث تتحول هذه (البؤرة) إلى (قياده) لهذا التحرك في ما بعد فتأخذ بالتخطيط لهؤلاء المستضعفين الّذين يتحولون إلى (قاعدة) لها من اجل الحصول على حقوقهم والدفاع على مصالحهم وبدون هذه البؤرة القيادية يبقى المستكبرون يمارسون دورهم في الاستغلال والاستضعاف والهيمنة بسبب تشتت المستضعفين وتمزقهم كما سوف نوضح ذلك في الفصل الآتي.

ثم يحدث التغيير المقصود هنا من خلال انقضاض المستضعفين على المستكبرين وتحطيم كيانهم وأخذ مواقعهم.

وقد شهد التاريخ الإنساني في بعض أدواره هذا النوع من التغيير حيث نجد

[٣٠]

ـ وعلى سبيل المثال - أن العبيد في بعض الأدوار وباعتبارهم الطبقة المستضعفة في مجتمعاتهم قد تحركوا وفي مقاطع عديدة من التاريخ واتحدوا في ما بينهم وتمحوروا حول بؤرة معينة تحولت فيما بعد إلى قيادة لهم قادتهم في تحركهم من اجل التغيير والسيطرة على الحكومة واخذ مواقع الحاكم الظالم المتسلط الذي استرقهم واستعبدهم واضطهدهم وأذاقهم صنوف العذاب وحرمهم حقوقهم وامتيازاتهم.

ومن الأمثلة التي تذكر - عادة - على هذا النوع من التغيير هو ما حصل في الثورة البلشفية في روسيا حيث انقض المستضعفون على القياصرة وحطموا الوجود القيصري هناك واستولوا على الحكم خلفا له ٣١.

وقد تعرض السيد الشهيد الصدرR إلى هذا الأساس بالنقد والتحليل حيث بين أن التغيير الذي يحصل وفق هذا الأساس لا يعبر عن تغيير حقيقي داخل المجتمع الإنساني لأننا إذا لاحظنا هذا الأساس بعمق فسوف نجد انه يتعامل مع نفس المشاعر الشخصية والمادية التي خلفتها ظروف الاستغلال ذلك أن الاستغلال يكرس في جميع أفراد المجتمع الشعور الشخصي بالمصلحة وينمي فيهم الاهتمام الذاتي بالتملك والسيطرة الذي يمكن أن يعبر عنه بـ (الهوى) غير أن هذا الشعور والاهتمام ينعكس إيجابيا في المستغلين على صورة الاستيلاء المحموم على كلّ ما تمتد إليه أيديهم وتسخير كلّ الإمكانات من اجل إشباع هذه المطامع وينعكس الشعور والاهتمام نفسه سلبيا في المستضعفين على صورة المقاومة العامة أولا والمتحركة ثانيا والثائرة ثالثا على المستغلين كما أشرنا.

ولكنها مقاومة تحمل نفس الخلفية النفسية التي يحملها المستغلون وتنطلق من المشاعر والأحاسيس التي خلقتها ظروف الاستغلال وهذا وان كان يؤدي

(٣١)

إلى الثورة والتغيير الاجتماعي ولكنها في الحقيقة ليست ثورة على الاستغلال وجذوره بل هي ثورة على هذه الجماعة من المستغلين وهي لذلك لن تعيد المجتمع إلى مسيرته الرشيدة ودوره الصالح في الخلافة لله تعالى وإقامة الحق والعدل ومن هنا كانت مجرد تغيير لمواقع الاستغلال٣٣. أو تقليص لدائرته في المساحة الفردية ويبقى الاستغلال والاستثمار والطغيان والتعدي على حقوق الآخرين قائماً، وغاية ما في الأمر أن مستكبري المرحلة السابقة - وهم (القلة) - أصبحوا مستضعفين للـ (كثره) في المرحلة اللاحقة وقد يصاحب ذلك أن يعاني هؤلاء المستضعفون الجدد من الظلم والاضطهاد أكثر مما عانى سابقيهم وذلك لأنه أضيف عامل جديد إلى الاستضعاف والاضطهاد وهو عامل القدرة وروح الانتقام وأخذ الثأر مع تأكيد العامل الشخصي في التملك والسيطرة والاستغلال.

وأما الحق والحقيقة والعدل فلا دور له ولا مجال له في هذه العملية التغييرية أساساً.

وبطبيعة الحال سوف تفرز هذه الحالة وجود طبقة جديدة من خلال الفئة المستضعفة تهتم بمصالحها الخاصة وتستأثر بالمناصب والأموال والإمكانات انطلاقاً من عوامل الاختلاف بسبب الهوى وهذا كله في أحسن الأحوال.

أما إذا افترضنا - كما حدث ذلك في حالات كثيرة - أن المستضعفين بسبب هذه المشاعر وانخفاض الوعي السياسي والاجتماعي، تعرضوا إلى عملية تضليل وخداع وتزييف يستغل فيها بعضهم بعضا أو يستغلهم المستكبرون عندما يتنازعوا ويتصارعوا بينهم فسوف تكون النتائج الاجتماعية أسوأ بكثير.

(٣٢)

وذلك لان عامل الزيغ والخداع كان ولا يزال يواكب مسيرة الإنسان في الأدوار إلى جانب عامل الهوى وهذا ما أكده القرآن الكريم وأذن الله تعالى به لإبليس في حياة الإنسان وحركته وهو من العوامل التي لابد من إبرازها في تحليل وفهم التحولات الاجتماعية.

ومن هذا المنظور يمكن أن نناقش في انطباق فكرة التغيير بسبب تراكم المشاعر لدى المستضعفين على الثورة البلشفية حيث إنها ثورة انطلقت من نظرية فكرية قادها حزب تمكن من تضليل المستضعفين بها وقادهم لأحداث التغيير الاجتماعي مستغلا مشاعرهم المتراكمة والظروف السياسية ليمارس بعد ذلك دور المستغلين ولكن تحت شعار وعنوان الطبقة العاملة المستغلة ويحطم المجموعة القيصرية التي كانت تمارس الاستغلال ويحل محلها.

نعم قد يتشابك ويختلط تأثير العوامل هذه في التاريخ البشري للثورات بتأثير عوامل أخرى وهي عوامل الفطرة التي فطر الله الناس عليها فيتحرك بعض الناس للثورة من اجل إقامة العدل والقسط بين الناس.

وهذا هو الذي يفسر وجود بعض العناصر غير المستضعفة والمتضررة - أحيانا - إلى جانب الثوار المستضعفين عندما تكون على أساس العامل البشري ولكن لا يمكن أن تتجرد الثورة على هذا الأساس من عاملي الهوى والخداع والتضليل بعد أن كان الحاكم في المجتمع الإنساني العوامل والمؤشرات ذات العلاقة بهما مما أدى إلى تمزق مجتمع الوحدة الفطرية.

الأساس الرسالي

الثاني: الأساس الرسالي الإلهي حيث شهد التاريخ البشري - أيضاً - وفي

(٣٣)

بعض أدواره محاولات وعمليات تغييريه انطلقت في حركتها من فكرة استئصال المشاعر التي خلقتها ظروف الاستغلال واعتماد مشاعر أخرى أساسا للثورة تستهدف تحقيق العدل والخير والوصول إلى منافع ومصالح كلّ المجتمع الإنساني وبكل عناصره وإفراده مستكبرين ومستضعفين.

وبكلمة أخرى تطوير مشاعر المستضعف على نحو تمثل الإحساس بالقيم الموضوعية للعدل والحق والقسط وبالكرامة الإنسانية والإيمان بعبودية الإنسان لله تعالى وتحريره من كلّ عبودية أخرى.

وبذلك يمكن لهذه المشاعر أن تخلق القاعدة التي تتبنى تصفية الاستغلال والاستكبار جنبا إلى جنب مع إلغاء حالات الاستضعاف والاستسلام باعتبار أن ذلك لا يمس مصالحها الشخصية فحسب بل لأنه - أيضاً - يمس المصالح الحقيقية للمجتمع وللظالمين والمظلومين معا على السواء وتنتزع وسائل السيطرة من المستغلين لا طمعا فيها وحرصا على احتكارها بل إيمانا بأنها من حق الجماعة كلها وتلغي العلاقات الاجتماعية التي نشأت على أساس الاستغلال لأنها تمثل حالات الظلم داخل المجتمع سواء كانت حالات استكبار أو حالات استضعاف ولا تنشئ علاقات مماثلة من الاستغلال لفئة أخرى من المجتمع بل لتعيد إلى المجتمع البشري الشروط الضرورية لممارسة الخلافة العامة لله تعالى على الأرض وتحقق أهدافها الرشيدة ٣٤.

وذلك لان المستكبر ظالم في استكباره لتجاوزه حدود الحق الذي لا يسمح له باستغلال الآخرين والمستضعف ظالم في استسلامه لتجاوزه حدود الحق الذي لا يسمح له بالسكوت على استغلاله من قبل الآخرين فكل منهما ظالم لأنه على خلاف الحق والعدل والمساواة والتغيير الحقيقي هو في عودة الحق إلى نصابه.

(٣٤)

المقارنة بين الأساسين

أن المقارنة بين الأساسين السابقين تبين أن الثاني منهما هو الذي يمكنه أن ينتج ثورة حقيقية وان الرصيد الروحي لها هو القادر على الاستمرار بها حتّى تحقيق الهدف الكامل الذي يرجع المجتمع من خلاله إلى مجتمع الاستخلاف الإلهي الذي لا محور له إلاّ الله سبحانه وتعالى ولا أساس لعلاقاته ولا حدود لها إلاّ الحق والعدل الذي يرتضيه سبحانه وتعالى.

بينما لا ينجز الأساس البشري إلاّ ثورة نسبية تتجمد في منتصف الطريق أو صورية وشكلية تتغيير فيها مواقع الاستكبار والاستغلال بين معادلات المستكبرين أنفسهم أو بينهم وبين المستضعفين وتختلف فيها وتأثر الانتهاك للحقوق في جانب الكم والكيف مع بقاء أساس الظلم والعدوان في المجتمع الإنساني.

غير أن هذا التقييم لهذين الأساسين لا يكفي بمجرد إدراكه والعلم به لاختيار الأساس الثاني الرسالي من قبل المستضعفين واعتمادهم عليه في كفاحهم بل لابد من أمرين مهمين:

الأول: التربية الصحيحة والتزكية الروحية العالية للمحتوى الداخلي للثائرين أنفسهم من اجل أن يتبنوا بإرادتهم هذا الأساس الصحيح ويجاهدوا من اجله ويطهرهم من كلّ مشاعر الاستغلال والانتقام والحرص على الحياة الدنيوية المادية.

والثاني: الوعي والإدراك الصحيح للمبادئ التي يقوم عليها مجتمع العدل والمنهج الأصيل الذي لابد من اتباعه في عملية التغيير.

ضرورة الرسالة والرسول

وهنا يأتي دور الشريعة (الرسالة) والأنبياء (الرسول) لحل الاختلاف

(٣٥)

وتحقيق هذا الهدف الإلهي السامي وذلك لان كلا من هذين الأمرين لا يمكن إيجادهما من داخل الجماعة نفسها بل لابد من تربية تتلقاها من خارج إرادتها الضعيفة ومن هدى تتلقاه من خارج وعيها المتخلف.

أما التربية والتغيير النفسي والروحي فانه لا يمكن أن يبدأ من داخل الجماعة فلان الجماعة - بصورة عامة - قد تمزقت وحدتها وضعفت إرادتها وهيمنت عليها الظروف النفسية التي تعيق حركتها ولا يمكن لمجتمع الاختلاف والضعف بعد أن اصبح مجتمعا ظالما لنفسه أن يتحرك من داخله نحو الحق والعدل إذ كيف يمكن للظالم نفسه أن يطلب العدل والحق ويقيمه في مجتمعه؟ !

ومن هنا كان لابد لهذه التربية أن تأتي من خارج هذا المجتمع من الله سبحانه وتعالى وعن طريق الوحي الإلهي.

(فالوحي الإلهي وحده هو القادر على أن يؤمن التربية الثورة والخلفية النفسية الصالحة التي تنشئ ثائرين لا يريدون في الأرض علوا و فسادا وتجعل من المستضعفين أئمة لكي يتحملون أعباء الخلافة بحق ويكونوا هم الوارثين ﴿ونريد أن نمن على الّذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين﴾ ٣٥) ٣٦.

وأما الهدى الإلهي فلان إقامة مجتمع الحق والعدل يحتاج إلى معرفة الحق والعدل بتفاصيله في البناء والعلاقات والمنهج الذي يوصل إليه ولا يمكن للمجتمع الذي تخلف في وعيه أن يصل إلى هذا الهدى بعد أن فقدت الفطرة الإنسانية فاعليتها من خلال سيطرة الاستغلال وردود الفعل لدى المستغلين وبعد أن اصبح الهوى والمصالح المادية هي التي تهيمن على مسيرة الإنسان وبعد أن اصبح الإنسان في معرض الإضلال والتحريف والتزوير والزيغ.

(٣٦)

والوحي الإلهي وحده هو - أيضاً - القادر على أن يهدي الإنسان إلى هذه الحقيقة ويرشده إلى هذا الطريق وهذا ما وعد به سبحانه وتعالى عباده في قصة آدم عند هبوطه إلى الأرض من قولـه تعالى: ﴿فأما ياتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ ٣٧.

ولان هذه العملية التغييرية بكلا بعديها بحاجة إلى من يقودها لان هذا القائد لا يمكن أن يكون قد تربى أو تم إعداده نفسيا أو عرف الحقيقة من خلال هذا المجتمع المنحرف لأنه حينئذ أما أن يكون مستكبرا يحاول الحصول على المزيد من المصالح والإمكانات أو مستضعفا يريد الانتقام لنفسه أو مضللاً يهتدي إلى الحق سبيلا و هؤلاء لا يتحركون باتجاه الحق ومن اجله ولا يصلحون للقيام بعملية التغيير المنشود لكل هذا وجب أن يكون القائد لهذا العملية التغييرية (نبيا) أو (إماما) قد تربى من خلال الاصطفاء وبني بناءا ربانيا في إرادته وعرف الهداية من ربه لمعرفة طريقه ﴿ووجدك ضالا فهدى﴾٣٨ مما يجعله قادرا على تربية مجتمعه وقيادته وهدايته لتحقيق مجتمع الحق والعدل ﴿…. إنّما أنت منذر ولكل قوم هاد﴾٣٩.

ومن هنا اشترطنا الوحي و (العصمة) في الأنبياء - عليهم السلام - والعلم الإلهي الكامل والعصمة في الأئمة - عليهم السلام - وذلك لأن النبي هو حامل رسالة الهدى من السماء والإنسان المبني ربانيا لكي يبني للثورة قواعدها الإنسانية والمعنوية الصالحة ويعيد للجماعة الشروط الحقيقية لاستعادة دورها الخلافي الصالح ولان الأئمة أولئك الأشخاص الّذين يقودون المجتمع قيادة ربانية نحو الحق والعدل وهم يمثلون الامتداد لحركة الأنبياء بعد أن تربوا في مدرستهم تربية كاملة في العلم والعمل واعدوا أعدادا ربانيا بحيث لا يتأثرون بالأوضاع الاجتماعية السائدة في مجتمع الظلم ذاك وإلا فلو كانوا ممن يتأثرون بذلك فسوف

(٣٧)

يتعرضون إلى الانحراف أو الضلال، ولن تكون عملية التغيير حينئذ التي يقودونها في نتائجها إلاّ عملية تبديل للمواقع وعملية استغلال جديدة، ولن تحقق مجتمع الخير والصلاح والحق ولن توجد التوازن الاجتماعي المطلوب الذي أشار القرآن الكريم له عند الحديث عن هدف بعثة الأنبياء وإنزال الكتب ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينت وأنزلنا معهم الكتب والميزان ليقوم الناس بالقسط…. ﴾٤٠.

عناصر التغيير الرسالي

ومن اجل أن يتحقق ما يهدف إليه الدين والأنبياء والأئمة - عليهم السلام - معا من إيجاد التغيير الجذري والثورة الواقعية واستعادة الجماعة الصالحة لدورها الحقيقي في الخلافة الصالحة على الأرض نجد الأنبياء والأئمة - عليهم السلام - قد دعوا اتباعهم والناس - بصورة عامة – إلى عدة أمور أساسية يمكن تلخيصها بالأمور التالية٤١.

الأول: العلم بالله تعالى والمعرفة للحقائق الكونية والسنن الإلهية من اجل أن يعرف الهدي الإلهي وبدون ذلك يقع الإنسان تحت تأثير عمليات الإضلال والخداع.

الثاني: الجهاد الأكبر الذي يلتزم به الإنسان بالأحكام الشرعية والحدود الإلهية والأخلاق الربانية وذلك من اجل أن يكون المستضعفون قادرين على الانتصار على شهواتهم ويبنوا أنفسهم بناءا ثوريا صالحا يتحركون من خلاله باتجاه الحق والعدل وبدون هذا البناء النفسي والروحي يسقط الإنسان في حركته الاجتماعية ويضعف أمام ضغوط الهوى والميول والشهوات ويتجه نحو مصالحه الخاصة والاستغلال.

(٣٨)

الثالث: الجهاد الأصغر وهو: بذل الجهود المادية من اجل إزالة المستغلين والظالمين عن مواقعهم التي يتمسكون بها عادة ويستخدمون القوة لمنع تحقق التغيير الاجتماعي الجذري ويصبح القتال في سبيل الله ضرورة من اجل كسر شوكة المستكبر الذي يعيق حركة دعوة الحق لأنها تعارض مصالحه ويمثل القتال في سبيل الله أحد مفردات الجهاد الأصغر لان مفهوم الجهاد الأصغر مفهوم واسع يتضمن كلّ الجهود والمحاولات المضنية والنشاطات والأعمال الصعبة التي يقوم بها الإنسان الصالح من اجل تغيير المجتمع وصياغته صياغة صالحة تتطابق مع الشريعة الالهية٤٢.

وهنا لابد أن نؤكد أن عمليتي الجهاد الأكبر والجهاد الأصغر في ثورة الأنبياء متلازمتان تسيران جنباً إلى جنب فالنبي ينتقل بأصحابه دائماً من الجهاد الأكبر إلى الأصغر ومن الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر بل إنهم يمارسون - أحيانا - الجهادين في وقت واحد وحتى عندما يخوضون ساحات القتال في أحرج لحظات الحرب٤٣.

خلاصة أركان التغيير الرسالي

من خلال هذا العرض يمكن أن نصل إلى الخلاصة في تحديد القضايا والأركان الأساسية المهمة في حركة التاريخ الإنساني والتي لابد منها في إيجاد عملية التغيير الجذري وهي العناصر الأربعة في هذا الدور وهي:

١ـ الدين: بمعنى الشريعة وذلك من اجل معرفة معالم الهدى والحق والعدل الإلهي لمواكبة تطور المجتمع الإنساني وتصحيح ما تعرضت له من تحريف أثناء فترات الاختلاف.

٢ـ الإنسان المعصوم: نبيا كان أو إماما جنبا إلى جنب مع الدين من اجل

(٣٩)

قيادة عملية الغيير والثورة.

٣ـ الجهاد الأكبر: وهو: جهاد النفس وتزكيتها والأمر بالتقوى وتقوية الإرادة للالتزام بها من اجل أن يكون مؤهلا للقيام بدور إقامة الحق والعدل ووراثة الأرض وحمل الأمانة كما وعد الله سبحانه وتعالى.

٤ـ الجهاد الأصغر: ببذل كلّ الجهود ومنها القتال في سبيل الله من اجل إزالة الطاغوت أو أي عائق آخر يقف أمام حركة إحقاق الحق وإقامة مجتمع العدل.

ولابد أن نعرف أن هذه الأركان والعناصر الأربعة والتي يتم من خلالها إقامة المجتمع الموحد على أساس الشريعة وبقيادة الأنبياء والأئمة - عليهم السلام - هي عناصر مترابطة فيما بينها يكمل بعضها بعضا وتشكل نظرية متكاملة تبني النظرية الإسلاميّة في إيجاد عملية التغيير الاجتماعي من ناحية.

كما تبنى طبيعة الموقف الذي يجب أن يتخذه الإنسان تجاه مجتمعه وتجاه حركة التاريخ من ناحية أخرى.

كما توضح أن المحور الأساس في التغيير الاجتماعي والمؤثر في حركة التاريخ الإنساني هو المحتوى الداخلي للإنسان من ناحية ثالثة.

وبذلك نعرف بأن الثورة الحقيقة لا يمكن أن تنفصل بحال عن الوحي والنبوة ومالها من إمدادات روحية ومعنوية وعقائدية في حياة الإنسان، كما أن النبوة والرسالة الربانية لا تنفصل بحال عن الثورة الاجتماعية على الاستغلال والترف والطغيان ومقاومته٤٤.

النظرية القرآنية في حركة التاريخ

بعد أن عرفنا العناصر والأركان الأساسية في التغيير وهي الشريعة والنبوة والهدى والجهاد الأكبر والأصغر يحسن بنا أن نعرف النظرية القرآنية

(٤٠)

في التغيير وحركة التاريخ ومن أين يبدا التغيير في نظر القرآن؟ وكيف يتم؟ وما هي أهدافه؟ وما هو شكله وصورته؟

وفي البداية لابد أن نعرف أن حركة التاريخ الإنساني تتميز عن غيرها من الحركات الكونية بانها حركة تتسم - بصورة واضحة – بأنها (غائية) لا (سببية) فحسب٤٥ فهي ليست مشدودة إلى سببها المؤثر في وجودها والى ماضيها بل هي مشدودة أيضاً إلى الغاية فيها لأنها حركة هادفة لها علة غائية متطلعة إلى المستقبل وليست كحركة النجوم والكواكب التي تبدو إنها قهرية.

فالمستقبل هو عامل محرك لأي نشاط من النشاطات التاريخية وهذا قد يثير سؤالا وهو: أن المستقبل إذا كان لا وجود له ومعدوما فعلا فكيف يكون سببا محركا وعلة للوجود؟ !

والجواب: أن ذلك يمكن أن نتصوره من خلال الالتفات إلى أن الوجود الذهني للمستقبل هو أمر موجود بالفعل حيث يتمثل فيه هذا المستقبل على شكل صورة ذهنية والوجود الذهني يقوم بدور التحريك وهذا هو حقيقة تأثير العلة الغائية في الأشياء.

والوجود الذهني المحرك للتاريخ يتمثل في جانبين:

الأول الفكر: ونعني به الجانب الذي يضم تصورات الهدف والرؤية للمستقبل أي الوجود الذهني للأهداف وللمستقبل لدى الإنسان لان المستقبل أمر غير موجود بشكله المادي فعلا - كما أشرنا إلى ذلك – وإنّما يوجد في الإنسان من خلال الصورة الذهنية المرتبطة به فهو أمر موجود - أذن - في داخل الإنسان لا خارجه.

الثاني الإرادة: ونعني بها الطاقة التي تحرك الإنسان نحو الأشياء من اجل إيجادها وتحقيقها في الخارج سواء كانت هذه الأشياء أفعالا وممارسات

(٤١)

سلوك للإنسان نفسه أو أشياء مادية خارجية منفصلة عنه.

ومن الواضح أن الإرادة - كالفكر - ليست وجودا ماديا خارجيا بل هي أمر موجود خلقة الله تعالى في داخل الإنسان لا في خارجه وبها كرمه وميزه - كما أشرنا سابقاً - على كثير من المخلوقات.

وهي قد تكون قوية قادرة على تحقيق الأمور الصعبة وتحمل المشكلات وقد تكون ضعيفة تخضع للمؤثرات الخارجية والداخلية وتضعف أمامها وبذلك فهي تتأثر بالعوامل الخارجية ولكنها أمر داخلي في الإنسان.

المحتوى الداخلي: الفكر والإرادة

ومن هنا يتبين أن (الفكر) و (الإرادة) هما في الحقيقة من المحتوى الداخلي الشعوري للإنسان.

وان هذا المحتوى الداخلي والذي عبرنا عنه في بداية البحث بالوجود الذهني هو أساس حركة التاريخ لانه يصنع الغايات ويجسد الأهداف من خلال مزجه بين الفكر والإرادة فيتحرك الإنسان أولا ومن ثم يتحرك التاريخ الإنساني ككل بعد ذلك٤٦.

وهذا التفسير لحركة التاريخ وان كان صحيحا ودقيقا ولكن لابد في الوقت نفسه من الإشارة إلى عنصرين مهمين رئيسيين لهما تأثير مهم على هذا المحتوى الداخلي للإنسان ومن ثم يكون لهما تأثير على حركة التاريخ أكدهما القرآن الكريم في مواضع عديدة لما لهما من التأثير وقد أشرنا إليهما في الفصول السابقة:

الأول: الغرائز والميول التي أودعها الله تعالى في نفس الإنسان وعبر عنها القرآن الكريم بـ (الزينة) وما زين الله للإنسان من الشهوات في هذه الدنيا والتي

(٤٢)

يكون لها تأثير خاص على رؤيته للأشياء وعلى فاعلية إرادته وقوتها وضعفها وهو ما يعبر عنه القرآن الكريم بـ (الهوى).

الثاني: الضغوط الخارجية التي يتعرض لها الإنسان ولاسيما من قبل الطغاة والمستكبرين أو المبتدعين المضللين أو شياطين الجن والأنس الّذين يخدعون الإنسان في رؤيته للأشياء ويضللونه والإنسان وان كان في اكثر هذه الموارد لا يفقد إرادته إلاّ أن هذه الإرادة تتأثر إلى حد كبير بهذه العوامل التي لابد من إحصائها ومعرفتها وقد أشرنا إليها في الفصل السابق ٤٧.

المحتوى الداخلي في البناء الفوقي

وبناءا على هذا الفهم يمكن أن نقدم التفسير المنطقي الإنساني لما ذكرناه في المدخل لهذا البحث بعد تفسير أهميته من أن المحتوى الداخلي للإنسان هو الأساس لحركة التاريخ والبناء الاجتماعي العلوي بكل ما يضم علاقات وأنظمة وأفكار وتفاصيل وهذا البناء العلوي مرتبط بهذه القاعدة بل أن الكون المحيط بالإنسان يتأثر - أيضاً - بهذا المحتوى والعلاقات الاجتماعية التي تقوم على أساسه كما أشرنا سابقاً.

ويكون تغير وتطور هذا البناء العلوي والفوقي والكون المحيط به تابعا لتغير هذه القاعدة وتطورها فإذا تغير الأساس تغير البناء العلوي وإذا ثبت الأساس بقي ذلك البناء ثابتا.

(فالعلاقة بين المحتوي الداخلي للإنسان والبقاء الفوقي والتاريخي للمجتمع هذه العلاقة هي علاقة تبعية وعلاقة سبب بمسبب) ٤٨.

وقد تحدث القرآن الكريم عن هذه العلاقة بوصفها سنة تاريخية – كما أشرنا سابقا - من خلال قولـه تعالى: ﴿…. أن الله لا يغير ما بقوم حتّى يغيروا ما

(٤٣)

بانفسهم﴾٤٩ فهذه الآية واضحة جدا في أن المحتوى الداخلي للإنسان هو الأساس للبناء العلوي وللحركة التاريخية لأنها تحدثت عن تغييرين:

أحدهما: تغيير القوم ﴿…. أن الله لا يغير ما بقوم…. ﴾ أي تغيير أوضاع القوم وشؤونهم والأبنية العلوية لهم وظواهر هم.

وهذا التغيير لا يتم إلاّ أن يتم التغيير الآخر.

والتغيير الآخر: هو تغيير ما بأنفس القوم ﴿…. حتّى يغيروا ما بأنفسهم…. ﴾ حيث عبر القران الكريم عن تغيير المحتوى الداخلي للقوم بتغيير ما بأنفسهم.

ومن الواضح أن المقصود من تغير (ما بالأنفس) تغيير ما بأنفس القوم بحيث يكون المحتوى الداخلي للقوم كقوم وكأمة متغيرا وإلا فان تغيير الفرد الواحد أو الفردين أو الأفراد الثلاثة لا يشكل الأساس لتغير ما بالقوم بصورة عامة.

فالمحتوى الداخلي للامة كأمة لا لهذا الفرد أو ذاك هو الذي يعتبر أساسا وقاعدة للتغييرات في البناء العلوي للحركة التاريخية كلها.

بل تشير بعض الآيات القرآنية إلى ارتباط تغييرات أوسع من ذلك بهذا المحتوى الداخلي وذلك في الكون المحيط بالإنسان نفسه وتؤكدها كسنه من سنن التاريخ وقاعدة من قواعده بحيث تعمم هذا التأثير إلى المحيط بال إنسان كقوله تعالى: ﴿ولو أن أهل القرى ءامنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فآخذناهم بما كانوا يكسبون﴾ ٥٠ حيث ربط القران الكريم بين الإيمان والتقوى وهي من الأمور النفسية الموجودة داخل الإنسان وبين التغيير الذي يحصل في مجمل الأوضاع التي ترتبط بهؤلاء القوم نحو الخير والصلاح أو الشر والفساد في حياة الإنسان الاجتماعية والحياة الكونية المحيطة به.

(٤٤)

فكما أن للتقوى والإيمان اثر أيجاب في التغيير الذي يحصل في المجتمع كذلك لها اثر في التغييرات في الكون والطبيعة المحيطة به وكذلك للتكذيب والفساد والخروج عن التقوى وارتكاب الذنوب اثر سلبي في الكون والطبيعة وبالاتجاه المعاكس والى هذا أشارت آيات أخرى كقوله تعالى: ﴿وضرب الله مثلا قرية كانت ءامنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كلّ مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصفعون﴾ ٥١ وقوله تعالى: ﴿ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم يعض الذي عملوا لعلهم يرجعون﴾ ٥٢ فلما يكسبه الناس من ذنوب وما يمارسونه من أعمال طالحة اثر في ظهور الفساد في البر والبحر معا ٥٣.

المحتوى الداخلي والخارجي متلازمان

وبذلك نعرف أن هناك ترابط أساسيا في الرؤية القرآنية بين حركة المحتوى الداخلي للإنسان والمحتوى الخارجي أو البناء الفوقي له ولذلك يجب أن تسير عملية التغيير في المحتوى الداخلي للإنسان إلى جنب عملية التغيير في البناء الخارجي له وقد قال الشهيد الصدر (قدس) في ذلك:

(والإسلام والقرآن الكريم يؤمن بان العمليتين يجب أن تسير جنبا إلى جنب عملية صنع الإنسان لمحتواه الداخلي وبنائه لنفسه ولفكره ولأرادته لطموحاته هذا البناء الداخلي يجب أن يسير جنبا إلى جنب مع البناء الخارجي ومع الأبنية العلوية لها ولا يمكن أن نفرض انفكاك البناء الخارجي عن البناء الداخلي إلاّ إذا بقي البناء الخارجي بناءا مهزوزا متداعيا.

ولهذا سمى الإسلام عملية بناء المحتوى الداخلي إذا اتجهت اتجاها صالحا (الجهاد الأكبر) وسمى عملية البناء الخارجي إذا اتجهت اتجاها صالحا بعملية

(٤٥)

(الجهاد الأصغر) واعتبر أن الجهاد الأصغر إذا فصل عن الجهاد الأكبر فقد محتواه ومضمونه وقدرته على التغيير الحقيقي على الساحة التاريخية والاجتماعية) ٥٤.

ومن هنا لو فرضنا أن الإنسان قام بعملية التغيير الداخلي وترك التغيير في البناء الفوقي فانه سيعيش حالة من الانطواء الداخلي والعزالة الاجتماعية (الرهبانية) التي رفضها الإسلام والتي تجسدت في ظواهر اجتماعية وأخلاقية عديدة في التاريخ الإنساني ووجدت لها بعض الأمثلة في التاريخ الإسلامي في بعض طرق التصوف والعرفان قال تعالى: ﴿…. ورهبانية ابتدعوها ما كتبنها عليهم إلاّ ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فأتينا الّذين ءامنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون﴾ ٥٥.

فقد أشار القرآن الكريم إلى أن الجهاد الأكبر وان كان واجبا مفروضا على الإنسان ولكنه حينما يقتصر عليه الإنسان في حركة ذاتية معزولة عن المجتمع الإنساني ويترك عملية البناء الفوقي الاجتماعي يصبح ذلك بدعة وانحرافا عن عملية التغيير المطلوب في تطبيق هذا الواجب الإلهي ولا يراعيه حق رعايته وأهدافه.

وهكذا لو اهتم الإنسان بالبناء الفوقي والحياة المدنية له فقط وترك التغيير في المحتوى الداخلي النفسي فسيحصل التناقض في حركته - أيضاً - ولا تتكامل هذه الحركة بل قد تتحول هذه الحركة إلى حركة مدمرة للإنسان نفسه وللمجتمع.

وأشار القرآن الكريم إلى بعض النماذج هذه الحالة حينما تحدث عن بعض المرتدين أو المنافقين الّذين تخلوا عن المحتوى الداخلي أو الّذين يختلف محتواهم الداخلي عن مظهرهم الخارجي قال تعالى: ﴿واتل عليهم نبا الذي

(٤٦)

ءاتينه ءايتنا فانسلخ منها فاتبعه الشيطان فكان من الغاوين* ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هاوه فمثله كمثل الكلب أن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الّذين كذبوا بايتـنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون﴾ ٥٦ وقال تعالى: ﴿وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وان يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كلّ صيحة عليهم هم العدو فأحذرهم قاتلهم الله إني يوفكون﴾ ٥٧ وقال تعالى: ﴿ومن الناس من يعجبك قولـه في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام* وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد﴾٥٨.

فالإنسان إذا لم ينفذ بعملية التغيير إلى قلبه وإذا لم يبن نفسه بناءا صالحا لا يمكنه أبدا أن يطرح الكلمات الصالحة في مجتمعه بل قد يتحول إلى شخصية مزدوجة ومتناقضة بين ظاهره الحسن وكلماته التي تثير الإعجاب وباطنه السيء المقيت المدمر كما تشير الآيات إلى ذلك وإنّما يمكن أن تتحول هذه الكلمات إلى بناء صالح في المجتمع إذا انبعثت عن قلب يعمر بتلك القيم التي تدل عليها تلك الكلمات ٥٩.

ومن هنا نجد أئمة أهل البيت - عليهم السلام - يعطون الجهاد معنى واسعا يستوعب الجهاد الأكبر والأصغر معا ويعطون الجهاد الأصغر معنى يشمل كلّ البناء الفوقي لحركة الإنسان لا مجرد القتال في سبيل الله كلّ ذلك لوجود الارتباط العميق بين هذه المصاديق.

ومن هذه الروايات الدالة على هذا المعنى الواسع للجهاد ما ورد عن فضيل بن عياض – في تقسيم الجهاد - قال: (سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن الجهاد أسنة هو أم فريضة؟ فقال - عليه السلام - الجهاد على أربعة أوجه فجهادان فرض وجهاد سنة لا يقام إلاّ مع فرض فأما أحد الفرضين فمجاهدة الرجل نفسه عن معاصي الله عز وجل

(٤٧)

وهو من اعظم الجهاد ومجاهدة العدو فرض على جميع الأمة ولو تركوا الجهاد لآتاهم العذاب وهذا هو من عذاب الأمة وهو سنة على الإمام وحده أن يأتي العدو مع الأمة فيجاهد هم وأما الجهاد الذي هو سنة فكل سة أقامها الرجل وجاهد في إقامتها وبلوغها واحيائها فالعمل والسعي فيها من افضل الأعمال لأنها أحياء سنة وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وآله ـ: من سن سنة حسنة فله اجرها واجر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شيء) ٦٠.

نرى في هذه الرواية أن الإمام يعطي جهاد النفس صفة (من اعظم الجهاد) ويعطي كلّ أعمال الخير والصلاح التي يحققها الإنسان بجهده وتعبه معنى (الجهاد) وهو عبارة عامة عما يبذله الإنسان من جهد في البناء الفوقي والتغيير الاجتماعي العام.

١ - اعتمدنا بصورة أساسية في هذا الفصل على ما طرحه أستاذنا الشهيد الصدر في كرامة (خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء) وفي محاضراته حول التفسير الموضوعي (عناصر المجتمع الإنساني) كما يحسن مراجعة بعض فصول اقتصادنا في فهم نظرتيه وقد أضفنا لها بعض التوضيحات والأمثلة وسجلنا عليها بعض الملاحظات والإضافات.

٢ - البقرة ٢١٣.

٣ - انظر: التفسير الموضوعي الدرس العاشر من محاضراته.

٤ - سوف يتضح ذلك – أيضاً - عند الحديث عن المثل الأعلى مستقبلا راجع بصدد ذلك المدرسة القرآنية (التفسير الموضوعي) الدرس العاشر: ١٥٧ - ١٦٠.

(٤٨)

٥ - قد أشرنا في (الفصل الأول) إلى أسباب وجود هذا الانقسام والاختلاف وهنا نستعرض مرة أخرى هذه الظاهرة تمهيدا للدخول في بحثها وبحث آثارها وطريقة معالجتها قرآنيا راجع في عرض هذه الطوائف الدرس الثالث عشر من التفسير الموضوعي للشهيد الصدر: ٢٣٠ طبعة دار التعارف الأولى.

٦ـ القصص: ٤.

٧ـ البقرة: ٢٠٥.

٨ - محمّد: ٢٢.

٩ـ ص: ٢٨.

١٠ـ الإسراء: ١٦.

١١ـ سبأ: ٣٤.

١٢ـ لزخرف: ٢٣.

١٣ـ يونس: ٨٣.

١٤ـ لشعراء: ١٥١ - ١٥٢.

١٥ـ لزمرد: ١٧.

١٦ـ لبقرة: ٢٥٧.

١٧ـ النساء: ٧٦.

١٨ـ الذاريات: ٥٢ - ٥٣.

١٩ـ الحاقة: ٥.

٢٠ـ يلاحظ نماذج بشرية لهؤلاء في عالمنا اليوم يتمثل ببعض عناصر أل أجهزة القمعية أو بعض عناصر الشرطة والجيش في بعض الدول وبعض عناصر الأجهزة الإدارية الحكومية بل يلاحظ ذلك في بعض العناصر الحزبية السياسية والإعلامية التابعة للطغاة.

٢١ـ النساء: ٩٧.

٢٢ـ الأحزاب: ٦٦ - ٦٧.

٢٣ـ سبأ: ٣١.

٢٤ـ و [٢] سبأ: ٣٢ - ٣٣.

(٤٩)

٢٦ـ النساء: ٧٥.

٢٧ـ و [٢] النساء: ٩٨ - ١٠٠.

٢٩ـ الإسراء: ٨١.

٣٠ـ الأنبياء: ١٠٥.

٣١ - الشهيد الصدر الإسلام يقود الحياة خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء: ١٥٦.

٣٢ - ولكن يمكن أن يناقش في تطبيق هذا العامل على الثورة البلشفية باعتبار انها كانت تستند إلى نظرية فكرية وسياسة وتحولت بعد ذلك إلى حزب قاد العملية وليست مجرد تجمع لعواطف ومشاعر وان كان العامل فيها داخليا.

٣٣ـ الإسلام يقود الحياة: ١٥٧ بتصرف.

٣٤ـ المصدر السابق: ١٥٨.

٣٥ - القصص: ٥.

٣٦ - خلافة الإنسان: ١٥٩ للسيد الصدر (قدس) ط٢ وزارة الإرشاد الإسلامي.

٣٧ - البقرة: ٣٨.

٣٨ - الضحى: ٧.

٣٩ - الرعد: ٧.

٤٠ - الحديد: ٢٥.

٤١ - يراجع كراس خلافة الإنسان: ١٥٩ في توضيح الثاني والثالث ولم يؤكد الشهيد الصدرPهنا على الأمر الأول مع انه أمر ضروري يرتبط بالوحي الإلهي وبعملية التغيير الحقيقي.

٤٢ - ورد مصطلحا (الجهاد الأكبر) و (الجهاد الأصغر) فيما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وآله - من أحاديث شريفة فعن أبي عبد الله الصادق - عليه السلام - أن النبي بعث سرية فلما رجعوا قال: مرحبا بقوم قضوا الجهاد الأصغر وبقي عليهم الجهاد الأكبر فقيل: يا رسول الله ما الجهاد الأكبر؟ قال: جهاد النفس. البحار١٩: ١٨٢ حديث٣١.

حيث عبر الرسول - صلى الله عليه وآله - عن جهاد النفس بالجهاد الأكبر وأراد بالجهاد الأصغر: القتال في سبيل الله أو المعنى الأعم الذي يشمل كلّ مجاهدة من اجل إقامة الدين وتحقيق

(٥٠)

أهدافه كما ورد في قولـه تعالى: ﴿جاهدوا في الله حق جهاده…. ﴾ الحج ٧٨ حيث أعطت الآية معنى عاما للجهاد يشمل إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والاعتصام بالله بل ويشمل كلّ ما يرتبط ببذل الجهد من اجل إقامة المجتمع الإسلامي الصالح كما ورد عن أبي الحسن الأول - عليه السلام - من طلب هذا الرزق من حله ليعود به على نفسه وعياله كان كالمجاهد في سبيل الله» البحار ١٠٣: ٣، حديث ٦، وهكذا في الروايات الدالة على أن إقامة أحكام الله أو إيجاد المجتمع الصالح، وما شابه ذلك هي من أنواع الجهاد في الإسلام.

٤٣ - من الأمثلة البديعة التي تعبر عن ذلك في صدر الإسلام موقف الإمام علي - عليه السلام - عند مبارزته لعمرو بن عبد ود الذي كان يعتبر رجل الحرب الأول لدى المشركين واعتبر الناس هذه المبارزة نوعا من الانتحار شبه المحقق ثم حين أطاح به الإمام علي - عليه السلام - في المبارزة امسك عن قتله بضع لحظات وعندما سأل عن ذلك أجاب - عليه السلام ـ: بان عمرو أثار في مشاعر الغضب عندما سب والدي في مصرعه فأمسكت من اجل أن اقتله غضبا لله تعالى لا تعبيرا عن مشاعر الغضب الشخصي وإنّما دفاعا عن الإسلام وليس دفاعا عن كرامتي.

٤٤ - خلافة الإنسان: ١٦٠.

٤٥ - مصطلح غائي وسببي من المصطلحات الفلسفية فالغائي هو: الذي يتحرك لهدف وغاية بحيث يكون الهدف والغاية لها علاقة وتأثير في حركته مضافاً إلى الأسباب المؤثرة في وجود حركته بخلاف السببي الذي تكون حركته مرتبطة بالعوامل المؤثرة في وجود حركته والحركة الغائية غالبا ما تكون في الحركة الإرادية كحركة الإنسان وإنّما قيدناها بصورة واضحة حيث قد تكون هناك حركات كونية أخرى غائية لا ندركها في عملنا وهي موجودة في علم الله تعالى.

٤٦ـ التفسير الموضوعي.

٤٧ـ لقد ألمح الشهيد الصدر قدس سره إلى ذلك في بحثه هذا عندما تحدث عن تأثير الطغاة والجهاد الأكبر والأصغر ولكن بدون إبراز دور هذين العاملين بصورة واضحة وبدون ذلك لا تكتمل الصورة في عرض هذه النظرية.

٤٨ـ التفسير الموضوعي: ١٤١ الدرس التاسع.

(٥١)

٤٩ـ الرعد: ١١.

٥٠ - الأعراف: ٩٦.

٥١ - النحل: ١١٢.

٥٢ - الروم: ٤١.

٥٣ - لقد سبق الحديث عن هذه السنة في بداية الحديث وتمت إعادة الإشارة إليه هنا لربط الموضوعات بعضها مع بعض.

٥٤ - التفسير الموضوعي: ١٤٢ - ١٤٣ الدرس التاسع.

٥٥ - الحديد: ٢٧.

٥٦ - الأعراف: ١٧٥ - ١٧٦.

٥٧ - المنافقون: ٤.

٥٨ - البقرة: ٢٠٤ - ٢٠٥.

٥٩ - التفسير الموضوعي: ١٤٣ - ١٤٤ الدرس التاسع بتصرف.

٦٠ـ الكافي ٩: ٥ حديث ١ باب وجوه الجهاد.



[ Web design by Abadis ]