ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 النظام العالمي الجديد و العالم الإسلامي \ الدكتور سعيد عبد الله المهيري

«ملخص»

ما هو النظام الدولي الجديد وما ملامحه وهل يقوم على الأحادية أم التعددية وما تأثيره على المسلمين؟ يقوم النظام الدولي الجديد على ثلاثة عناصر: وجود قواعد تنظم العلاقات الدولية، والدول والمنظمات، والتفاعلات بين أجزاء النظام الدولي ولفكرة النظام الدولي تاريخ عريق ينطلق من رغبة الإنسان في الوحدة الإنسانية والنظام الدولي في القرنين الأخيرين بدأت مرحلته الأولى من مؤتمر فينا في مطلع القرن التاسع عشر، وهو الذي أعاد التوازن الدولي للمجموعة الأوربية، وفي هذه المرحلة تكونت الدولة الرأسمالية وحرية السوق والثانية هي الفترة ما بين الحربين العالميتين، وتميزت بعدم الاستقرار ونشأت في ظل مؤتمر الصلح في فرساي، والثالثة هي التي نشأت مع الحرب العالمية الثانية ووصفت بأنها مرحلة الحرب الباردة وتميزت بثنائية القطبية ثم ظهرت مرحلة النظام الدولي الجديد في منتصف الثمانينات يرفض بعض الباحثين أن يكون ثمة نظام دولي جديد

(١٣٠)

ويرون أن ما حدث هو انحلال لنظام دولي دون أن يتبلور في نظام دولي آخر لكن وثيقة استراتيجية الأمن القومي لبوش تؤكد أن ثمة شيئا جديدا بدأ يظهر على الساحة الدولية، وله آثاره على المجال السياسي، والعسكري، والجيوسياسي، والاقتصادي والمنطقة الإسلاميّة أكثر المناطق تأثراً بالمتغيرات الدولية الأخيرة، فهل حدد المسلمون موقعهم من النظام الدولي الجديد، وهل يمكن لهم ذلك في ظل التخلف والتبعية؟ هذا ما يتوقف على عزم الأمة وأرادتها

النموذج الأمريكي

لقد كانت الفترة الزمنية التي مرت بين عام ١٩٨٥ م وحتى ١٩٨٩ تمثل مرحلة التحول في النظام الدولي الجديد والتي ختمت بقمة «مالطا» التي عقدت في ديسمبر من عام ١٩٨٩ م وجمعت بين قطبي النظام الدولي في ذلك الوقت - الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي - كانت هذه القمة بمثابة قمة التسليم للتحولات السياسية ووضع مفاتيحها بيد لاعب واحد هو الولايات المتحدة الأمريكية، وهذا مادعى «بريجنسكي» للقول «إن غياب الاتحاد السوفيتي من الساحة يعني أن الولايات المتحدة ستكون القوة العظمى الوحيدة ذات المسؤولية الدولية» [١].

لقد جاءت هذه التحولات لتحقق حلماً طالما راود الأمريكيين وهم يطالعون كلّ يوم تطور الصراع بين بلادهم والعدو - اللدود - الاتحاد السوفيتي، ولذا فإن الخطوات التي اتخذها «غورباتشوف» وأدت إلى تفتت الاتحاد السوفيتي واضمحلال خطره، كانت مصدر فرح وسرور لدى المواطن الأمريكي، أكثر ما هي عليه لدى المواطن الروسي ولذلك ردد بعضهم ساخراً «إن غورباتشوف

(١٣١)

لو رشح نفسه لرئاسة الولايات المتحدة لفاز بلا منازع!!».

ولقد عبر «وليام هايلاند» محرر مجلة الشؤون الخارجية عن هذه الحدث في افتتاحية لعدد الربيع عام ١٩٩٠ م حيث كتب «كانت السياسة الخارجية الأمريكية في الخمسين سنة الماضية قد تكونت استجابة للتهديد الذي يطرحه خصوم هذه البلاد وأعداؤها ففي كلّ عام منذ بيرل هاربر كانت الولايات المتحدة مشتبكة إما في حرب أو في مواجهة والآن ولأول مرة منذ نصف قرن، تحظى الولايات المتحدة بالفرصة لإعادة تركيب سياستها الخارجية متحررة من قيود الحرب الباردة وضغوطها … كانت الولايات المتحدة منذ ١٩٤١ م في حالة تورط دائم، والآن ونحن على أعتاب عصر جديد ثمة توق إلى العودة إلى حالة «اللاتورط» بمختلف الأشكال …. فهل تستطيع أمريكا أن تؤوي أخيراً إلى موطنها؟ … إن الولايات المتحدة تتمتع في واقع الأمر ببعض الخيارات الحقيقية لأول مرة منذ ١٩٤٥ م. إن الولايات المتحدة وحلفاءها قد كسبوا الحرب» [٢].

إن هذا الحماس لم يخف قلق بعض الساسة والمفكرين الّذين أبدوا تخوفاً من الاستعجال بوصف ما حدث على أنّه نظام عالمي جديد فهذا «بريجنسكي Zbignelew Brzezinski» مستشار الرئيس الأمريكي الأسبق «جيمي كارتر» للأمن القومي يقول «إن أفول نجم الاتحاد السوفيتي معناه تفرد الولايات المتحدة بمركز الدولة العظمى ذات المسؤولية العالمية. إن أوروبا ستكون في أحسن الأحوال قوة اقتصادية ولو أن توسعها نحو الشرق يؤخر اندماجها وتوحيدها بعض الشيء. ولن تتحول اليابان إلى قوة عسكرية - سياسية إلاّ بعد مضي بعض الوقت وهكذا تبقى الولايات المتحدة الأمريكية القوة العالمية الوحيدة» [٣].

إلاّ أن حديثه هذا لا يعبر عن أن الدور الذي يمكن أن تلعبه الولايات المتحدة

(١٣٢)

يعتبر نظاماً دولياً جديداً، إذ يصرح «بريجنسكي» في موقع آخر بقوله «لقد صاغت إدارة بوش عبارة النظام الدولي الجديد، فإذا كانت تعني أن النظام العالمي الجديد قد تغير بشدة فهي سليمة تماماً، أما إذا كانت تعني أن نظاماً عالمياً جديداً سيحل ويتسم بالاستقرار فهي «طوباوية» في غير محلها، فالنظام العالمي في المستقبل سيرجع مرة أخرى إلى النظام العالمي الذي كان قائماً قبل عام ١٩٣٩ م، وسوف يتسم بسياسة القوة والمناقشات القومية والتوترات العرقية» [٤].

وفي مقابلة معه، قدمها التلفزيون الألماني في برنامجه الأول المعروف بـ ARD بتاريخ ٢ / ٨ / ١٩٩١ م صرح قائلاً بأنه «ليس هناك نظام عالمي جديد، وإنّما الموجود هو النظام القديم الذي تستخدم فيه القوة وتكون الغلبة للأقوى».

أما الأستاذ الفرنسي «دوفيك شوفالييه» الأستاذ بجامعة السوربون فيصرح قائلاً «لا يوجد حتّى اليوم ما يسمى بالنظام العالمي الجديد، فكل ما حدث هو تدمير نظام وتوازنات أقيمت إثر الحرب العالمية الثانية، . وأنه من الصعوبة بمكان القول بانفراد الولايات المتحدة بالسيطرة على العالم، لأنها أكبر دولة مدينة في العالم، كما أن الدولة التي تسيطر على العالم لابد وأن تبدأ بالسيطرة على نفسها أولاً، فهي تعاني من مشكلات اجتماعية وعرقية خطيرة تهدد كيانها، والعالم اليوم لا يجنح إلى العالمية، كما يتصور البعض، فهناك تأجج القوميات، كما أن هناك صحوة للروحانيات الدينية» [٥].

وإذا كان هذا موقف الرافضين لفكرة قيام نظام دولي جديد، فإن البعض الآخر يرى أن ما حدث هو انحلال لنظام دولي قائم دون أن يتبلور نظام دولي جديد، وأن وجود قطبين للنظام السابق كان مدعاة تحدي لكليهما لتطوير قدراتهما، لا العسكرية والسياسية فقط، بل كافة جوانب الحياة المادية وهذا ما

(١٣٣)

عبر عنه الكاتب الأمريكي (Robert Little) روبرت ليتل في مقال نشره في صحيفة

(Herald Tribune) في عددها الصادر بتاريخ ٢٤ أبريل عام ١٩٩٠م، إذ كتب يقول «ما الذي علينا أن نخشاه بعد أن غابت الشيوعية عن المسرح؟ علينا أن نخاف من زحف كاسح للرأسماليين. علينا أن نقلق من أن موت الشيوعية قد خلف فراغاً في النشاط الايديولوجي الذي يعيش عليه بنو البشر.

سمه ما شئت شيوعية أم اشتراكية من النمط السوفيتي فإن مجرد وجود هذا النظام كان له تأثير عميق على العالم الرأسمالي عبر السنين، ويكفي المرء أن يفكر بنظام التأمينات الاجتماعية في إنجلترا وفرنسا والولايات المتحدة أو في المركز القوي الذي اكتسبته النقابات في العديد من البلاد ليدرك أنّه كان صحيحاً بالنسبة للرأسمالية أن تتنافس مع نظام بديل والآن بعد أن مات البديل الذي يجبر الرأسماليين على أن يكونوا منصفين ما الذي سوف يمنعهم من استغلال البلاد النامية والأقل نمواً في نصف الكره الجنوبي.

ومهما يكن من اختلاف الرؤية حول النظام الدولي إلاّ أننا لا ننكر أن شيئاً كثيراً قد تغير في النظام الدولي يمكن أن نطلق عليه بالجديد، أو التجديد الذي بدأت ملامحه تظهر على مسرح السياسة والعلاقات الدولية، منذ أن قدم الرئيس الأمريكي السابق «جورج بوش» وثيقته حول استراتيجية الامن القومي الأمريكي، والتي قدمها للكونجرس في يناير ١٩٩٢ وجاء فيها:

«إن المسألة الأساسية على الصعيد السياسي هي كيفية انعكاس تقلص الخطر السوفياتي على دور أمريكا القيادي في التحالفات، وعلى تحالفاتنا ذاتها وبصورة خاصة في أوروبا بيد أن الخلافات مع حلفائنا ستبرز للعيان بصورة أكثر مع انخفاض حدة الهاجس الأمني التقليد الذي كان وراء وحدة الحلفاء في السابق ستتابع الولايات المتحدة دعمها لنظام اقتصادي عالمي،

(١٣٤)

شامل، ومنفتح كأفضل وسيلة لتقوية تنمية اقتصادية شاملة من أجل الاستقرار السياسي، ونمو المجتمعات الحرة وعلى الرغم من ظهور مراكز قوى جديدة، ستبقى الولايات المتحدة الأمريكية الدولة الوحيدة ذات القوة الحقيقية الشاملة، والنفوذ الكبير بمختلف الأبعاد السياسية، والاقتصادية، والعسكرية، والتركيز على تعزيز الأمن وبخاصة في العالم النامي بوسائل سياسية واقتصادية أكثر منها عسكرية، وردنا هو تشديد تأكيدنا على تقوية الديمقراطية، واستثمارات طويلة الأجل في تطوير الموارد البشرية، وبناء الأسواق الحرة، والحكومات الحرة، وتشمل اهتماماتنا الاستراتيجية الشرق الأوسط، وجنوبي آسيا، وتشجيع استقرار وأمن أصدقائنا، وتأمين تدفق البترول بحرية، ولجم انتشار الأسلحة ذات الدمار الشامل الكثيف والصواريخ البالستية، وتشجيع عملية السلام التي تؤدي إلى المصالحة بين إسرائيل والدول العربية وبين الفلسطينيين وإسرائيل بشكل ينسجم والتزامنا الدائم بأمن إسرائيل، والاهتمام بالأدوار المتنامية لليابان وألمانيا وبهذا المعنى فإن المفاوضات التجارية الجارية حالياً تحمل الأهمية الاستراتيجية نفسها التي أوليناها تقليدياً للمفاوضات حول التسلح مع الاتحاد السو

فياتي».

لقد كانت الرؤية الأمريكية - من خلال الوثيقة - تدور حول رسالة يجب أن تتحملها أمريكا تجاه العالم - باعتبار تفردها بقيادته وتتلخص هذه الرؤية في دعم الأمن والسلام الجماعي العالمي من خلال تطبيق القانون الدولي ومساندة حركة الديمقراطية وحقوق الإنسان وحماية سيادة الدول وأخيراً تقديم النموذج الأمريكي سياسياً وثقافياً واقتصادياً واجتماعياً باعتباره النموذج الأمثل لحل مشكلات العالم.

(١٣٥)

آثار النظام الدولي الجديد

ومن هنا يمكن ملاحظة أبرز ملامح هذا النظام التي تتمثل في المجالات التالية:

أولا: المجال السياسي

١ - من الواضح في هذا النظام هو تغير أدوار اللاعبين (الفاعلين) الأساسيين، إذ انفرد أحدهما وهو الولايات المتحدة الأمريكية - بمعظم الأدوار. ولقد كان الرئيس الأمريكي الأسبق «ريتشارد نيكسون» أكثر المتحمسين لهذا الأمر وهو يقول: «إن زعامة أمريكا للعالم لن يكون هناك بديل عنها طيلة العقود القادمة، فالولايات المتحدة الأمريكية هي الدولة الوحيدة التي تمتلك من القوة الاقتصادية والعسكرية والسياسية، ما يجعلها تقف في ذروة قوتها الجيوبوليتيكية، وإذا ما أنحدر وضعها ومكانتها كقوة عظمى وحيدة، فإن هذا سينتج عن الاختيار وليس الضرورة … إن لدينا فرصة تاريخية لتغيير العالم، ومسؤوليتنا الأولى والأهم يجب أن تكون إعادة تحديد مهمة الولايات المتحدة العالمية، وإعادة صياغة استراتيجيتها وإعادة تشكيل وترتيب سياستها الخارجية كي تتلاءم مع هذا الوضع الجديد» [٦].

فهل انفردت الولايات المتحدة فعلاً بريادة العالم؟ . إن الواقع يشير إلى أن سقوط الاتحاد السوفيتي ترك الساحة فارغة أمام أمريكا، إلاّ أن الأخيرة لم تستطع أن تملأ هذا الفراغ على الرغم من المحاولات التنظيرية - لذلك، صحيح أنّه لا يوجد بديل آخر بمستوى أمريكا إلاّ أنّه وحتى الآن - وبعد مرور خمس سنوات - يمكننا الحكم على ما تم إلى الآن باعتبار أن ما حدث لم يتجاوز محاولة ملء الفراغ، فأمريكا التي يؤمل لها أن تقوم بذلك، تعاني من مشكلات داخلية وخارجية تعيقها عن القيام بهذا الدور، فقد ذكر الباحث «لورانس فريدمان» أن

(١٣٦)

الولايات المتحدة لن تكون القوة العظمى في العالم لعدة عوامل منها ضعف الاقتصاد الأمريكي، الأمر الذي يجعل الموارد المالية المتاحة لتمويل هذا النوع من النشاط السياسي الخارجي محدود، بالإضافة إلى كون المصاعب الأمريكية الاقتصادية الداخلية سينجم عنها ضغوط سياسية داخلية على الإدارة الامريكية كي تحد من نشاطها الخارجي.

وأضاف «فريد مان» إلى أن للضعف الاقتصادي الأمريكي عاملاً آخر، وهو عدم قدرة الولايات المتحدة على توفير الإلزام الاستراتيجي لكافة الأطراف بالقواعد التي تحاول فرضها لصياغة النظام العالمي لعدة أسباب منها:

أ - إن جعل استقرار الوضع القائم الآن هو القيمة الاستراتيجية المركزية للنظام العالمي الجديد محكوم عليه بالفشل المستمر، لأنه يتعارض مع حقيقة الواقع السياسي الدولي الذي يتسم بالديناميكية والتغير المستمر.

ب - إن الغرب (مناطق الجذب اليوم) يتكون من ثلاثة أقطاب جاذبة يعمل كلّ منها كقطب جاذب في نطاقه الإقليمي، فالولايات المتحدة قطب جاذب لأمريكا اللاتينية والكاريبي، وأوروبا الغربية قطب جاذب لأوروبا الوسطى والشرقية وشمال أفريقيا، واليابان قطب جاذب بالنسبة لآسيا ومن ثم فالتفاعلات المحتملة بين هذه الأقطاب الجاذبة من شأنها أن تطرح التساؤل، حول إمكانية استمرار الولايات المتحدة كقوة عظمى وحيدة في العالم.

ج - إن هناك نطاقاً كبيراً في العالم يبدو وكأنه خارج نطاق اهتمام النظام العالمي الجديد، وخاصة دول الجنوب، بالرغم من أن هذه الدول تشهد توترات خطيرة، قد تؤثر سلبياً في المستقبل على المصالح الغربية، والملاحظ أن الغرب لا يهتم بأي منطقة في الجنوب، إلاّ إذا أدرك أن هناك تأثيراً مباشراً على مصالحه، وهو ما يعني إمكانية اختلاف المصالح والرؤى بين الحلفاء الغربيين تجاه

(١٣٧)

بعض قضايا الجنوب.

د - لم تطور الولايات المتحدة بناء مفاهيمياً واضحاً للنظام العالمي الجديد، بل العكس هو الصحيح، فالأطراف الغربية تواجه وضعاً لم تستطع تحديد أبعاده فالمصالح مشوشة، والمبادئ غامضة، والوسائل مبهمة، مع أن السياسة الخارجية تتطلب القدرة على فرض ضغوط متساوية على الأطراف الأخرى من أجل الالتزام والإلزام بقواعد القانون الدولي [٧].

والسؤال الذي طرح نفسه إلى متى سيظل هذا الأمر قائماً؟ هل ستبرز قوى أخرى منافسة، أم أن الولايات المتحدة نظراً لما تعانيه من مشاكل داخلية ستخرج هي الأخرى من المعادلة الدولية؟ فالمعروف أن الولايات المتحدة تعاني من أزمة اقتصادية حيث لم تتجاوز نسبة النمو الاقتصادي في عام ١٩٩١ الـ ٨ % في حين بلغت نسبة التضخم في نفس العام ٣ ر ٤% وارتفعت نسبة البطالة وتعاظم العجز في ميزان التجارة الخارجية كما تحولت الولايات المتحدة من أكبر دولة دائنة إلى أكبر دولة مدينة، حيث تقدر ديونها الخارجية بـ ٤ آلاف مليار دولار وهو ما يساوي ثلثي ديون العالم الثالث تقريباً، وقد ارتفع العجز في الميزانية العامة ما بين عامي ١٩٨٠ و ١٩٩١ من ٨ ر ٣٧ إلى ١ ر ٨١٣ مليار دولار تقريباً. وتعاني كذلك من تدني مستوى التعليم العام الذي يتضح في التقرير الذي صدر في عهد الرئيس رونالد ريغان تحت عنوان «أمة في خطر» (Nation at Risk)، إضافة إلى ارتفاع معدلات الجريمة حيث ارتفعت معدلاتها في ٢٧ ولاية إضافة إلى العاصمة واشنطن. ففي ولاية تكساس ارتفعت بواقع ٥١%، وفي نيوهامشر بنسبة ٥٢ %، وفي فيرمونت بنسبة ٧١%، وفي نورث داكاتو بنسبة ١٢٥ %، وتشير التقارير إلى أن معدلات

الجريمة قد ارتفعت في عام ١٩٩١ بواقع ٧ % عن عام ١٩٩٠.

(١٣٨)

وتعكس الاضطرابات العرقية التي شهدتها المدن الأمريكية في آيار: مايو ١٩٩٢ حالة الانهيار في المجتمع الأمريكي. ويعاني المجتمع الأمريكي كذلك من الخلل في البنية الاجتماعية وغياب العدالة الاجتماعية والمؤشرات في هذا الصدد عديدة، وسنكتفي بالإشارة إلى بعض الظواهر الاجتماعية التي تعكس الوضع السائد في المجتمع، فمثلاً ازدادت في الآونة الأخيرة نسبة الأسر ذات الوالد الوحيد أو ما يعرف بـ

Parant Family single، حيث ارتفعت بين السود إلى ٥٦% في حين لم تكن تتجاوز في عام ١٩٥٠ الـ ١٧ %. وتبلغ معدلات الولادة خارج مؤسسة الزواج بين السود ٦٣ % في حين تصل بين البيض إلى١٠ % وعلى صعيد غياب العدالة الاجتماعية والتفرقة العنصرية يتضح مثلاً في مطالبة المدعين في جورجيا بإنزال عقوبة الإعدام في ٧٠ % من الدعاوي التي اتهم فيها مواطنون سود بقتل البيض أما في حالة المواطنين البيض الّذين اتهموا بقتل السود فلم يطالب هؤلاء بحكم الاعدام إلاّ في ١٥ % فقط من هذه الحالات وتتجلى مظاهر التفرقة في السلوك الانتخابي للشعب الأمريكي ورفضه لزعامة شخص أسود لبلاده، وكذلك في العزلة شبه المفروضة على مناطق السود والأحياء التي يغلب عليها السكان السود خاصة في الولايات الجنوبية كما تبلغ نسبة السود في سجون الولايات المتحدة الأمريكية حوالي ٤٥ %. وأصبح الشباب الأمريكي شباب «البوب» والمخدرات والطرب والجنس والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن: من سيحكم الولايات المتحدة خلال العقود الخمسة القادمة؟ وهل يمكن لهذه النوعية من الأجيال المحافظة على مكانة الولايات المتحدة الدولية؟ هذا بالطبع ما سيكشف عنه المستقبل على المدى المتوسط إن لم يكن القريب. وفي تق

ديري فإن انفراد الولايات المتحدة بالنظام الدولي هو انفراد انتقالي أو مؤقت وذلك لأمرين: الأول؛ التطورات في داخل

(١٣٩)

المجتمع الأمريكي. والثاني؛ يتعلق بالتطورات الخارجية وعليه هل ستبرز اليابان أم ألمانيا أم الولايات المتحدة الأوروبية أم كلّ منها؟ .

ونظراً إلى أن المحافظة على المكانة الدولية التي اكتسبتها الولايات المتحدة تتطلب الاستمرار في صلابة الجبهة الداخلية، فإن المشكلات الاجتماعية التي تعاني منها وانخفاض نموها الاقتصادي وارتفاع ديونها الخارجية سيفقدها مكانتها الدولية وقدرتها على الاستمرار في الهيمنة على النظام الدولي. ويتجلى ذلك في تخفيض بند المعونات الخارجية في الميزانية الأمريكية، ونتيجة لهذه المشكلات برزت الأصوات المنادية بالعودة إلى العزلة ورفع شعار «أمريكا أولاً»، الأمر الذي يعني أن الأولوية من الآن فصاعداً ستكون لعلاج المشكلات والقضايا التي يعاني منها المجتمع الأمريكي داخلياً ويرى هنري كيسنجر أن «هناك تنامياً في الرغبة بالعزلة لدى اليمين واليسار الأمريكيين. وموقع الولايات المتحدة في العالم يعتمد على المعونات الخارجية وبرنامج المعونات يتناقص فعلاً. أما بالنسبة إلى رغبة الأمريكيين في العزلة فهي ظاهرة موجودة وتتنامى لدى الجانبين «الجمهوريين والديمقراطيين» [٨].

ولقد تأكد هذا الموقف مع فوز الجمهوريين في الانتخابات البرلمانية واكتساحهم لمواقع كانت حكراً على الديمقراطية كما استطاعوا انتزاع أغلبية برلمانية لم تتحقق لهم منذ فترة طويلة مما يسهل لهم تنفيذ اتجاهاتهم السياسية الرامية إلى تقليص الدور الأمريكي الخارجي والسعي لحل المشكلات الداخلية.

وهنا يأتي السؤال الأهم - بالنسبة لنا - وهو: ما موقفنا - كعرب ومسلمين - من هذه المسألة؟ . لقد بدا موقفنا من خلال التالي: أسرع كثير منا إلى تسليم مفاتيح أمره إلى الولايات المتحدة الأمريكية - سيدة النظام الدولي الجديد -

(١٤٠)

وكان الأمر قد أصبح «حتماً مقضيا»، ولذلك تداعت كثير من الأعمدة أمام هذا التصور وخرج الموقف العربي والإسلامي بأضعف النتائج وأقل المكاسب ولم نبحث عن بدائل أخرى «نناور» فيها بمواقفنا، إذ أن الموقف العربي والإسلامي يملك من الأوراق ما يستطيع من خلاله - لو أحسن استغلاله - تغيير كثير من تأثير السياسة الأمريكية تجاه العالم العربي والإسلامي، فالنفط ومحادثات السلام مع إسرائيل، والاستثمارات المالية الكبيرة لدى المؤسسات الغربية التي تصل إلى (١٥٠) مليار دولار في الولايات المتحدة الأمريكية، وكذلك الأسواق المفتوحة أمام المنتجات الأمريكية التي بلغت عام ١٩٩٢ نحو ٦ ر ١٧ مليار دولار. تلك بعض من الأوراق التي يمكن أن تكون مؤثرة في الموقع الأمريكي في النظام الدولي.

٢ - تقوم فكرة هذا النظام على إرساء العقلانية السياسية كي تصبح واقعاً نهائياً في الممارسة على جميع المستويات الداخلية والخارجية، الإقليمية منها والعالمية، وبالتالي تعمل هذه العقلانية على الضبط وعدم السماح لأي اختراق لها من خلال ممارسات الدول الداخلية، وما هو يتعارف عليه بحفظ حقوق الإنسان والمساواة والمشاركة السياسية والخارجية من خلال إقرار السلم على المستويات المختلفة وحل المشكلات بالطرق السلمية، وما يتبع ذلك من ضبط للسلوك السياسي والعسكري. ومن هنا يمكننا أن نتصور اتجاه الدول الكبرى إلى التخلص من الأسلحة التدميرية الشاملة وخاصة النووية منها، وكذلك محاولة ضبط الدول ذات القوة العسكرية المتنامية وعدم إتاحة الفرصة لها حتّى لا تشكل تهديداً لهذا النظام ويتبع ذلك تنشيط للمؤسسات والأدوات التي يمكن أن تستعمل لتحقيق هذا الغرض كالمنظمة الدولية للطاقة النووية وكذلك منظمات حقوق الإنسان والعفو الدولية وغيرها من المؤسسات التي

(١٤١)

يمكن أن تكون فعالة في هذا المجال، كما تستخدم المساعدات الاقتصادية لهذا الضبط، إذ تشترط كثير من الدول والمنظمات الاقتصادية ليس إدخال تعديلات اقتصادية فقط بل سياسية في الدول التي يراد تقديم المساعدات المباشرة أو الدولية لها. وتصبح المنظمات الدولية لحقوق الإنسان أداة فعالة أخرى من خلال تقاريرها ودراساتها وتأثير وسائل الأعلام في استخدام هذه التقارير في تغيير اتجاهات الرأي العام نحو أي نظام سلباً أو إيجاباً ولقد بدت آثار النظام الدولي واضحة خلال السنوات الأخيرة إذ اتجهت الدول الغربية إلى اعتماد هذا المنهج في التعامل مع القضايا السياسية الدولية وخاصة في دول العالم الثالث حيث تغيب العقلانية السياسية في كثير من الدول بهذه المنطقة.

ولقد تم تنفيذ هذا التصور من خلال التدخلات السياسية والعسكرية التي قامت بها الولايات المتحدة الأمريكية - بصورة رئيسية - وبعض الدول المساندة لها في موقفها، كما وضح ذلك أثناء أزمة الخليج الثانية، وهاييتي، ومشكلة المفاعلات النووية في كوريا الشمالية، إذ استخدمت القوة العسكرية في الأولى والحصار العسكري في الثانية، بينما تم استخدام الضغوط السياسية والاقتصادية في الحالة الثالثة.

٣ - غابت الإيديولوجيا (السياسية) عن مسرح الأحداث بصورة كبيرة، إذ مع انهيار النظام الشيوعي - كنظام سياسي - تراجع الفكر الشيوعي أو الاشتراكي بصورة عامة، وكذلك الأفكار التي تستند إلى بعض منطلقاته الفكرية كالقومية والوطنية التي تستمد بعض أفكارها من الفكر الاشتراكي ولذا وجدنا انحساراً في الأحزاب الشيوعية أو الاشتراكية على المستوى العالمي، إذ أصبح تأثيرها محدداً في اتجاهات الرأي العام بل إن كثيراً من الأحزاب الاشتراكية والشيوعية - خاصة في العالم الثالث - سارعت إلى التخلي عن الشيوعية

(١٤٢)

كمنطق عقائدي لتستعيض عنها بالاشتراكية الديمقراطية أو الاجتماعية، إلاّ أن «الأيديولوجيا الفكرية» لم تغب عن الساحة بشكل تام، إذ بدت اتجاهات إيديولوجية «دينيه» تحل محل سابقتها خاصة في دول العالم الثالث كالدول العربية الإسلاميّة، إذ سرعان ما نشطت الفكرة الإسلاميّة لتكون بديلاً عن سقوط الاشتراكية، كما صعدت الأحزاب الديمقراطية المسيحية في بعض البلدان الأوروبية وكذلك دول أمريكا اللاتينية، ولذا فمن الخطأ القول بأن قيام النظام الدولي الجديد أنهى عهد «الأيديولوجيا السياسية»، بل يمكن القول: إن الذي حدث هو استبدال فكر بآخر.

٤ - اعتمد النظام الدولي الجديد على المشروعية الدولية كأداة فعالة لحل كثير من المشكلات خاصة فيما يتعلق بالأمن والسلم الدوليين، وذلك في إقرار من اللاعبين الرئيسيين في النظام الدولي لأهمية الدور الذي يمكن أن تقوم به الأمم المتحدة ففي بداية التحول نحو النظام الجديد أصدرت الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي بياناً مشتركاً في ختام مباحثات وزيري خارجية البلدين - آنذاك - «جيمس بيكر وإدوار شيفرنادزه» في ١٢ أكتوبر عام ١٩٩٠ م، تحت عنوان «حول المسؤولية عن السلام والأمن في عالم متبدل» جاء فيه:

«أولاً: يؤكد الطرفان أن الأمم المتحدة قادرة على لعب دور رئيسي في حل القضايا العالمية الشاملة، وأن التخلي عن المواقف العقيمة غير المرنة التي تمليها تصورات ودوافع أيديولوجية يمثل شرطاً ضرورياً لخلق جو من الثقة في الأمم المتحدة بين كافة أعضائها.

ثانياً: يؤكد الطرفان عزمهما على تأييد ودعم الجهود التي تبذل في نطاق الأسرة الدولية والرامية إلى تحقيق وتعزيز مبادئ السلام والأمن والتعاون

(١٤٣)

الدولي.

والواقع أن الفقرة الأولى من هذا البيان هي تأكيد لتخلي الاتحاد السوفيتي عن دوره في معارضة السياسة الأمريكية، إذ كثيراً ما يلجأ لاستخدام حق النقض (الفيتو) لتعطيل المواقف السياسية الأمريكية ولجم مصالحها خاصة في دول العالم الثالث التي كان للاتحاد السوفيتي وجوداً مؤثراً في كثير منها.

إلا أن تنازل الاتحاد السوفيتي عن دوره هذا قد وفّر غطاءً من الشرعية الدولية للمواقف الأمريكية أو تلك التي ترغب أمريكا في تمريرها. وقد أخذت الأمم المتحدة تحوز على حين غرة على ثناء لم تعهده من قبل. فتحت عنوان «الأمم المتحدة تبلغ الرشد» أشاد محررو صحيفة بوسطن غلوب بظهور «تغيير رائع في تاريخ المنظمة» وروحية جديدة من المسؤولية والجدية، إذ أخذت هذه المنظمة تدعم المبادرات الأمريكية لمعاقبة المتعدي وامتدح آخرون كذلك هذا التحول الحميد عن النمط المخزي الذي كان سائداً في الماضي.

وقد عُزي التغيير المحمود في عمل الأمم المتحدة إلى تحسن في سلوك العدو السوفياتي وانتصار الولايات المتحدة في الحرب الباردة جاء في تقرير إخباري للصحيفة المذكورة آنفاً «أن الإدانة السريعة التي صدرت عن موسكو للغزو العراقي قد أطلق يد مجلس الأمن الدولي، وكان مشلولاً منذ أمد طويل بفعل المنافسة بين الدول العظمى، وجعل المجلس يقوم بدور جوهري جواباً على العدوان وكتب مراسل جريدة نيويورك تايمز، ر. و. آبيل، يقول إن واشنطن «تعتمد أكثر فأكثر في صنع قراراتها على الأمم المتحدة، فهي الآن أكثر فعالية مما كانت عليه في عقود مضت بسبب انتهاء الحرب الباردة». وأشاد مقال افتتاحي في الجريدة المذكورة بـ «التغيير الهائل المدهش» عندما أخذت الأمم المتحدة تنحو أخيراً نحو الجدية، فتلقم حجراً في أفواه «أغلبية

(١٤٤)

المستصغرين لشأنها «تتيح للرئيس بوش أن يتابع مجهوده النبيل لخلق نظام عالمي جديد لحل المنازعات بالدبلوماسية المتعددة الأطراف والأمن الجماعي». وفي جريدة واشنطن بوست استعرض جون غوشكو خلفية هذه اللحظة النادرة في تاريخ الأمم المتحدة، التي أخذت تعمل فجأة بالطريقة التي صمّمت المنظمة لكي تعمل بموجبها، فتحولت إلى وسيلة للسلام العالمي «بعد سنين من رميها بالفشل واعتبارها منبراً لشعوذة العالم الثالث خلال المنافسة الطويلة أيام الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي وحلفائه».

إن التصور الأصلي للأمم المتحدة باعتبارها قيّمة على عالم يسوده السلام «قد حيل بينه وبين التحقيق، منذ البداية، بفعل الحرب الباردة المريرة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي. في تلك السنين الأولى كانت صورة الأمم المتحدة التي انطبعت في وعي العالم هي صورة سفراء سوفيات عابسين وهم يُدلون بأصوات النقض أو يخرجون غاضبين من اجتماعات مجلس الأمن»، في حين حول الأعضاء الجدد من العالم الثالث «الجمعية العامة إلى منبر لإلقاء الخطب الطنانة في مناهضة الغرب …. من ثم، وقبل زهاء سنتين، أخذ يسود التغيير نتيجة ما حدث في السياسة السوفيتية الخارجية من تغييرات تتجه نحو الوفاق». وأضاف ديفيد بروردر، كبير المعلقين السياسيين في الجريدة المذكورة موافقته على هذا قائلاً: «في خلال السنين الطويلة من الحرب الباردة جعل الفيتو السوفياتي، والعداء الذي يبديه عدد من دول العالم الثالث، الأمم المتحدة موضوعاً للاحتقار لدى كثير من السياسيين والمواطنين الأمريكيين. أما في مناخ اليوم المتبدل فقد أثبتت المنظمة أنها أداة فعالة للزعامة العالمية وأنها يمكن أن تكون مؤسسة بوسعها أن تحقق السلام وحكم القانون معاً في المناطق المضطربة».

(١٤٥)

أجرى جورج بول تحليلاً نقدياً لسياسة الحكومة، نشرته صحيفة نيويورك رفيو افتتحه بالقول: «مع انتهاء الحرب الباردة وابتداء أزمة الخليج يمكن الولايات المتحدة الآن أن تختبر صلاح المبدأ الذي وضعه ولسون في الأمن الجماعي، وهو اختبار استبعده الفيتو السوفياتي الآلي في مجلس الأمن خلال أربعين سنة مضت». وفي تقرير أذاعته هيئة الإذاعة البريطانية، وكان تقريراً عن الأمم المتحدة، قال منظم التقرير مارك أربان: «كان الاتحاد السوفيتي، إبان الحرب الباردة، يستخدم مراراً وتكراراً حقه في نقض القرارات لحماية مصالحه من خطر تدخل الأمم المتحدة وطالما كان جواب الكرملين في المجلس يتلخص بكلمة كلا، فإن المناقشات ظلت عدائية فيه». أما الآن «فموقف الاتحاد السوفيتي مختلف تماماً»، فالاقتصاد فيه يواجه الانهيار «وفي البلاد زعيم يؤمن بالتعاون».

نفهم من هذا، إذن، أن المنافسة بين الدول العظمى، والعرقلة الروسية، واستخدام الفيتو السوفيتي باستمرار، والخلل المرضي في العالم الثالث، كلّ ذلك حال دون قيام الأمم المتحدة بمسؤولياتها في الماضي [٩].

فهل يعني هذا أن الولايات المتحدة «مبرأة» من ذلك، إن الواقع يشير إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية استخدمت منذ عام ١٩٧٠ م وحتى عام ١٩٩٠م، ٥٨ مرة حق النقض (الفيتو)، منها ٤٥ مرة وحدها، والمرات الأخرى بالاشتراك مع بريطانيا تارة، وتارة أخرى مع بريطانيا وفرنسا.

أما بريطانيا فقد استخدمت حق النقض الفيتو ٢٦ مرة، منها ١١ مرة مع الولايات المتحدة وفرنسا. وقد استخدمت فرنسا الفيتو خلال المدة المذكورة ٧ مرات وحدها. أما الاتحاد السوفيتي فقد استخدم الفيتو ٨ مرات أحداها مع الصين!!

(١٤٦)

فإذا كانت المجموعة الغربية قد أهملت المشروعية الدولية خلال هذه السنوات الطويلة، فما سر الصحوة المفاجئة للشرعية الدولية؟ إن السبب في ذلك يرجع إلى غياب المبرر «المشروع» للتدخل، فقد كان التحدي السوفيتي سبباً مقنعاً لكثير من الدول للقبول بالتدخل أو استخدام القوة لإحلال السلم في كثير من المواقع، كما أن التهديد الشيوعي - كان - يشكل رعباً للدول الرافضة له ولذا فقد كان اللجوء إلى قوة أخرى له ما يبرره ويسنده أما بعد غياب هذا العدو أصبح من الضرورة بمكان إيجاد غطاء شرعي لذلك، وهنا كانت الأمم المتحدة أو المشروعية الدولية هي تلك المظلة التي تؤدي الغرض.

لقد كانت الشرعية الدولية، إما مغيبة أو مجمدة في دهاليز مجلس الأمن والمنظمات الدولية التي تتحكم بها الدول الكبرى، أو يعطى لها تفسيرات لتوطف لمصالح الأقوياء. وعليه فإن حفظ ودوام واستقرار النظام الدولي - نظام مؤتمر مالطا - لم يكن بسبب الالتزام بمبادئ القانون الدولي واحترام ميثاق الأمم المتحدة، بل غالباً بسبب ميزان القوى بين القوتين العظميين أو توازن الرعب بينهما، أو المصلحة المتبادلة بينهما في الحفاظ على الحدّ الأدنى من الاستقرار، دون أن يعني هذا أن القوة هي الضابط الوحيد للعلاقات الدولية، بل كانت تتخللها علاقات قانونية وتفاهم مشترك، أو على حد تعبير ريمون أرون «إن الحرب والسلم وجها عملة واحدة». فالمراقب للعلاقات الدولية خلال العقود الأربعة الماضية، يلاحظ أن الدول العظمى كانت تدفع بالشرعية الدولية وتتباكى عليها وتحض على احترامها، إن حدث خلاف أو صراع أطرافه من العالم الثالث من غير حلفائها، حيث تفرض الدول الكبرى على الدول الصغرى الانصياع للقانون الدولي ولنصوص الميثاق بتأويلات وتفسيرات لا تتناقض مع مصالح الأولين، مثل الحفاظ على الحدود بين الدول التي رسمها الاستعمار

(١٤٧)

أو احترام حقوق الإنسان إن كان خرقها من طرف دولة غير موالية لهم. أما إذا كان الصراع الناشب يتعلق بمصالح مباشرة واستراتيجية لدولة من الدول الكبرى، وخصوصاً إن كان الصراع يتعلق بأمور تمس العلاقة بين القوتين العظميين، فنادراً ما كانت تلجأ الدول الكبرى إلى مبادئ الشرعية الدولية إلا إذا كانت ترمي إلى انتزاع قرار أو تفسير قانون يطلق يدها بالتصرف» [١٠].

لقد خرقت الولايات المتحدة مبدأ الشرعية الدولية عندما غزت غرنادا في عهد «رونالد ريجان» وغزت بنما في عهد «جورج بوش» بل إن الشرعية الدولية كانت تأتي لاحقة لبعض العمليات التي تقودها الولايات المتحدة كما حدث في حصار «هاييتي» ودخول «الصومال». إن تحليلنا هذا لا يعني التقليل من أهمية الشرعية الدولية بل نحن نؤكد على ذلك، لأن هذه الشرعية هي أساس للعلاقات الدولية التي يجب أن تنشأ بين الدول، كما أنها أساس لإحلال السلام العالمي، ومن دونها تبقى الصراعات المحلية والإقليمية والدولية دون أداة فعالة تلجمها، إلاّ أن الشرعية الدولية لاتكال بمكيالين، فقد فشلت هذه الشرعية في إحلال السلام في البوسنة والهرسك، كما فشلت في كرواتيا وكذلك الصومال وأفغانستان وفي ناجورنو قرباغ وكشمير وقبرص، وغيرها من «ثقوب» العالم الملتهبة.

وهنا يأتي سؤالنا عن موقعنا من النظام الدولي في هذا المجال:

لاشك أن الأمة العربية والإسلامية تتأثر تأثراً مباشراً بهذا النظام، ولان كان سقوط الشيوعية هو أحد الدوافع لإبراز ملامح هذا النظام فإن حرب الخليج الأولى والثانية كانتا الدافع الثاني لذلك، إذ أبرزت هذه الحرب حاجة «عملية» للعقلانية السياسية في التعامل مع القضايا الإقليمية والدولية.

إلاّ أن حماسنا لملامح هذا النظام يجب ألا يذهب بنا بعيداً، حيث أن موقعنا في

(١٤٨)

هذا النظام هو الأضعف، فعلى الرغم من أهمية منطقتنا اقتصادياً واستراتيجياً إلاّ أنها لا تشكل ثقلاً واضحاً في صياغة هذا النظام والتأثير فيه، بل تكاد تتأثر به تأثراً سلبياً، لا لأن هذا النظام وجه بصفة عامة لإضعاف شأن هذه الأمة - كما يتصور البعض - بل لأن الضعف ناتج من ذاتنا ومن أنفسنا، مما لم يوفر لنا مكاناً مرموقاً بين الآخرين، وهذا لا يمنع من القول أن جزءً من أهداف هذا النظام موجه لاستمرارية الأوضاع السيئة التي تحياها الأمة الإسلاميّة، فحين نتحدث عن العقلانية السياسية في هذا النظام علينا أن ننظر إلى واقعنا السياسي، وحين نتحدث عن حقوق الإنسان وكرامته أو المشاركة، علينا أن نبحث في ملفات منظمات حقوق الإنسان التي لا نزعم أنها تلتزم الدقة والحياد فيما تكتب، ولكن لا نزعم كذلك أنها أتت بما كتبت من فراغ أو أن ما تكتبه من تقارير عن انتهاكات حقوق الإنسان لا علاقة له بنا.

وحين يتحدث العالم عن المشاركة السياسية، يتصور أبناء الإسلام أنهم جزء مما يلف العالم اليوم من دعوات للمشاركة والديمقراطية، وينسى هؤلاء أن رؤية الآخرين (أعني بهم القائمين على توجيه النظام) لهذه المشاركة إنّما هي رؤية أحادية تنطلق من فهمهم لهذه المشاركة من خلال النظام الديمقراطي الغربي الذي صيغ على أسس ومعايير خاصة بمجتمع ذي مواصفات معينة، ولذا فهم لا يسندون الديمقراطية إلاّ عندما تطرح وفق هذا التصور الذي يحفظ لهم سيادة المفاهيم الغربية في المجتمعات الأخرى، أما عندما تأتي الديمقراطية ببديل آخر فإن موقفهم من الطرح الديمقراطي يختلف كلياً بل يقف منه أحياناً موقف العداء.

٢ - المجال العسكري

يعتمد النظام الدولي الجديد على مبدأ الحدّ الأدنى من الفعل العسكري أي لا

(١٤٩)

يصبح الحسم العسكري إلاّ علاجاً وحلاً نهائياً لمشكلة قائمة حيث يستبدل الفعل العسكري بالحلول السلمية من خلال المفاوضات وطاولات المباحثات، مع الاحتفاظ بالقوة العسكرية السيادية أي التي تكون بيد القوى التي تسود العالم والتي من خلالها يمكن أن تلوح بالعصا الغليظة أو توجع بها إذا لزم الأمر، ومن هنا نجد أن ملامح هذا النظام بدأت من خلال السعي لحل المشكلات بين الدول بالطرق السلمية، ولعل الهدوء الذي مر به تفتيت الاتحاد السوفيتي وإضعاف قوته، وكذلك التغييرات الهادئة أو شبه الهادئة التي عاشتها أوروبا الشرقية «باستثناء رومانيا» يشير إلى أن التحول إلى حالة «رفض القوة في التغييرات» تعطينا مثالاً واضحاً على أثر هذا النظام في حل الأزمات السياسية الداخلية للمجتمعات وكذا الدولية، إذ أن هذه الأزمات السياسية العسكرية ستكون مهيئة لإطفاء حرائقها من خلال العمل السلمي، مع الاحتفاظ ببعض مواقع التوتر مشتغلة لتحقيق أغراض أخرى.

وهنا نسأل مرة أخرى، ما موقعنا في هذا المجال؟ ولانستعجل الإجابة حين نرى أن هذا الجانب من ملامح النظام الدولي الجديد يأتي في ظل تجربة عسكرية سيئة لما يمكن أن يكون عليه الفعل العسكري وأعني بذلك العمل العسكري الذي قاده صدام لاحتلال الكويت وإدخال المنطقة في اضطراب عسكري وسياسي وما تلى ذلك من تقليم أظافر هذه القوة التي ربما كان لها دور بارز في تحديد موقع للعرب والمسلمين في المجال العسكري للنظام الدولي لو حسن استغلالها ووجهت التوجيه الصحيح، إلاّ أن هذه التجربة قد جعلت الفعل العسكري العربي والإسلامي على محك الاختبار، مما عممت الرؤيا على القوى العسكرية غير الموجهة وغير المنضبطة في منطقة الشرق الأوسط، وأعطي المبرر القوي لتداعيات النظام الدولي الجديد من أجل تصفية المنطقة من القوة

(١٥٠)

العسكرية، إذ لم يقتصر الحكم على تجريد العراق من أسلحته التدميرية بل امتدت إلى كلّ قوة عربية أو إسلامية ولعل محاولة حمل مصر على توقيع اتفاقية الحدّ من الأسلحة النووية مع السماح لإسرائيل بذلك خير دليل على هذا الموقف وهناك نموذج آخر لتحجم القوة العسكرية في الشرق الأوسط وهي باكستان التي تتعرض لحملة شرسة من أجل تحجيم الدور الباكستاني في القوة النووية ومحاولة إثارة هذه القضية بصورة أكبر من حجمها وإبرازها كظاهرة خطرة في منطقة الشرق الأوسط على الرغم من محاولات باكستان تبرئة نفسها بتوجيه هذه القوة لخدمة الأغراض السلمية وعلى الرغم كذلك من أن باكستان ليست القوة الوحيدة في المنطقة التي تحاول امتلاك الطاقة النووية، فجيرانها قد سبقوا إلى امتلاك القنبلة النووية.

٣ - في المجال الجيو - سياسي

لاشك أن من أبرز ملامح النظام الدولي الجديد هو اتجاهه نحو التعامل «الكتلي» أي إلى الكتل والمجموعات الكبرى، إن لم تعد الدولة مرتكزاً أساسياً في رسم تصورات المستقبل مهما كان من حجم لهذه الدولة على المستوى السياسي أو العسكري أو الاقتصادي أو السكاني، ولذا فإن أنظمة الدول المستقلة لن تجد لها مكاناً بارزاً إلاّ من خلال تكتلات كبرى بدت ملامحها من المجموعة الأوربية التي تشكل أقوى قوة اقتصادية، كما بدت هذه الصورة من خلال التداعي السريع لإنشاء كتلة - رغم هشاشتها وضعفها - لترث الكتلة الشيوعية المنهارة، وهي كتلة دول الكومنولث المستقلة، وكذا مجموعة الدول الصناعية، وما تتجه إليه منظومة دول جنوب شرقي آسيا من تكتل تبحث من خلاله عن مكان لها بين دول العالم الجديد وتبدو هذه الكتل من خلال التقاء

(١٥١)

المصالح الاقتصادية في عالم تتنافس فيه المصالح، بل تكاد تسير شؤون العلاقات الدولية المعاصرة بصورة شبه كاملة إلاّ أن هذه التكتلات لا تتوقف عند نقطة المصالح الاقتصادية بل تمد نظرها إلى أفق بعيد أرحب وأشمل للتحول بعد ذلك إلى كتل سياسية كبرى. ولعل نموذج الوحدة الأوربية واضح في هذا الأمر فالعصر القادم هو عصر التكتلات أو المجموعات السياسية الكبرى الذي تحتفظ فيه الدول القطرية بشخصيتها القانونية ومكانتها وسيادتها، إلاّ أنها تدور في فلك واسع هو الكتلة التي تنتمي إليها.

في ظل هذه التحولات الكبرى نجد أن الأمة العربية والإسلامية تعيش واقعاً مغيبا، فحين يتجه العالم إلى التكتلات نجد أننا مازلنا نراوح مكاننا في رؤيتنا للتكتلات، فبعد تجارب مريرة كان دافعها العاطفة والمزايدات والشعارات الجوفاء نحو وحدة عربية شاملة وما تلي ذلك من تجارب نظرية وعملية فاشلة، لم تجن منها الأمة إلاّ الفشل والدمار وغياب الحريات وسيادة الرأي الواحد والفكر الواحد والحزب الواحد، وعجزت كلّ المشروعات الوحدوية عن تحقيق الحدّ الأدنى من ذلك، بل كانت تجربة مريرة عندما تحققت بعض نماذج هذه الوحدة.

وفي ظل ذلك تجسدت الدولة القطرية وأصبحت واقعاً قانونيا لابد من التعامل معه وحين نتحدث عن الوحدة والتكتلات تقفز إلى أذهاننا الصورة المقابلة وهي الدولة القطرية، وكانت هذه المقابلة تعني التضاد والتصادم ولا تعني حلا ثالثاً أو بحثاً عن حل آخر.

إن واقعنا العربي والإسلامي وما يسوده من تفرقة وتمزق لا يؤهلنا إلى موضع قدم في سيرة النظام الدولي الجديد، ولا يمكن أن يتحقق ذلك إلاّ من خلال تكتل واضح المعالم محدد القسمات يستطيع أن يزاحم هذه المتغيرات

(١٥٢)

ليحدد مكانه، ولا يعني ذلك العودة إلى الصور والنماذج السابقة لإقامة مثل هذه التكتلات، ولكن من خلال طرح رؤى جديدة تستطيع أن تواكب العصر الذي نعيش فيه محتفظة معه بخصوصية المنطقة وطبيعتها.

٤ - في المجال الاقتصادي

تبدو ملامح النظام الدولي الجديد من خلال اعتماد المصالح الاقتصادية محور أساسٍ في تكوين هذا النظام واستمراريته، إذ يربط هذا النظام بين المتغيرات السياسية والاقتصادية ربطاً وثيقاً يجعل من المسألة الاقتصادية مسألة تقرير مصير لبعض الدول. ولعل نموذج الانهيار السوفيتي واضح الدلالة على ما نقول، إذ أدى العجز الاقتصادي لمؤسسات الدولة إلى نداعي أركان الدولة كلها فلم تستطع القوة العسكرية الضاربة ولا الموقف السياسي المتميز ولا التقدم العلمي الذي أوصل الإنسان إلى الفضاء من وقف الانهيار لأركان الدولة، بل كانت المشكلة الاقتصادية أبرز المشكلات السياسية الداخلية (على الأقل) لسقوط الاتحاد السوفيتي، لذا كانت المواجهة المتوقعة على الساحة العالمية، ألا تكون مواجهة عسكرية كما كانت في المرحلة الماضية، بل ستحل محلها المواجهة الاقتصادية أو ما يمكن أن نسميه الحرب الاقتصادية الباردة، بل ربما دفعت المشكلة الاقتصادية إلى عودة المحورية في النظام الدولي ولكن على أسس اقتصادية بعد أن كانت عسكرية فهناك قوى اقتصادية كاليابان وألمانيا «أو المجموعة الاقتصادية الأوربية بصفة عامة» يمكن أن تشكل أقطاباً في هذه المحورية الجديدة للنظام الدولي.

وإذا كان هناك اختلاف حول مدى تأثير الاقتصاد ودوره في تشكل النظام الدولي الجديد، إلاّ أن هناك إجماع أو شبه إجماع على أن النفط هو الركيزة

(١٥٣)

الأساس - على الأقل في المستقبل القريب - لأي نظام اقتصادي عالمي وغني عن القول مدى تأثير النفط، لا في المتغيرات الاقتصادية فقط، بل في التحولات السياسية. وإذا كنّا نتحدث عن النفط فإننا نتحدث عن ذاتنا وعن مصدر من مصادر قوتنا، ولكن الحديث عن ذلك يجب ألا يذهب بنا إلى بعض التصورات التي تجعل من النفط سلاحاً مسلطاً على رقاب البشرية نستغله لتجويع الآخرين وتدمير حياتهم، بل يجب أن يكون واضحاً أن العالم المعاصر تداخلت فيه المصالح بحيث أصبحت تشكل وحدة واحدة. لذا فإننا عندما نتحدث عن ذلك نتحدث عنه باعتباره وسيلة تواصل مع الشعوب الأخرى، وسيلة تحقق المصالح لجميع الأطراف على أسس من المساواة والتكافؤ والتكامل لا على أساس من التفرقة أو الاستغلال من أي طرف ولذا فإن تعاملنا مع النفط كسلعة يدفعنا إلى التعامل معه كمؤثر مهم في إبراز دور لنا في ملامح ومستقبل النظام الدولي الجديد.

الموقف من النظام الدولي الجديد

١ - لاشك أن المنطقة العربية والإسلامية من أكثر المناطق تأثراً بالمتغيرات الدولية الأخيرة - خاصة سقوط الاتحاد السوفيتي - إذ لم يعد أمامهم خيار سوى التعامل من فاعل واحد أو صورة واحدة من الفاعلين الدوليين في النظام الدولي ومعنى ذلك أن فرص الخيار والتحرك بالنسبة لهم محدودة وضئيلة، مقارنة بما عليه في السابق ولقد بدأ ذلك واضحاً من خلال مشروع السلام في الشرق الأوسط، إذ انعكست هذه المتغيرات بصورة واضحة على موقف الدول العربية التي - كانت - رافضة لمسيرة السلام وأصبحت من أكثر المرحبين والداعين لها وقد انعكس ذلك على المكاسب التي حققها العرب من هذه العملية،

(١٥٤)

إذ أنها لو بدأت مبكرة - مثلاً - بعد حرب أكتوبر أو مع اتفاقية السلام الأولى (كامب ديفيد) لكان موقفهم التفاوضي ومكاسبهم أكبر مما هي عليه.

٢ - إن التحولات الأخيرة حدثت في ظل انهيار للنظام الإقليمي العربي والإسلامي وتفتت وحداته وعجز مؤسسات النظام العربي كالجامعة العربية ومنظماتها المتخصصة وكذلك منظمة المؤتمر الإسلامي عن القيام بدورهم الإيجابي في دعم هذا النظام ومساندته. ولذا يدور الحديث في أروقة السياسة «عن احتمالات إنهاء النظام الإقليمي العربي بعضها على أساس أقاليم فرعية وبعضها الآخر على أساس توازنات بين قوى حقيقية راغبة في الالتزام التعاقدي حول صيانة السلام الإقليمي، وعليه فإن الدول العربية ستصبح جزءً من نظامين أمنيين، الغلبة فيهما لأطراف غير عربية، الأول هو النظام الشرق أوسطي الذي سيشتمل على البلدان العربية الأسيوية ودول وادي النيل وكل من إيران وتركيا والجمهوريات الإسلاميّة الجديدة وإسرائيل، والثاني دمج دول شمال أفريقيا فيما يعرف بأمن حوض البحر الأبيض المتوسط وربطها بأوروبا، وفي كلتا الحالتين فإن الولايات المتحدة الأمريكية هي محور الارتكاز لهذه التكتلات الأمنية» [١١].

وقد بدأت مؤشرات هذا التقسيم تبدو من خلال موقف الدول المؤثرة في النظام الدولي الجديد، ففي بيان قمة المجموعة الأوربية في ١٥ فبراير ١٩٩٥ م لم يرد ذكر لكلمة العرب أو الدول العربية خلال البيان، وإنما ورد تقسيم للدول العربية على أساس المجموعات الأقليمية، فجاءت دول مجلس التعاون الخليجي واليمن والعراق والأردن وإيران ضمن محور الشرق الأوسط، بينما جاءت مصر وسوريا ولبنان وشمال أفريقيا وتركيا ضمن محور الدول المطلة على البحر الأبيض المتوسط، أما السودان وموريتانيا وجيبوتي والصومال

(١٥٥)

وجزر القمر فجاءت ضمن محور المجموعة الأفريقية. ومع إقرارنا جميعاً بضعف النظام الإقليمي والإسلامي، إلاّ أنّه لابد للعرب والمسلمين من هذا النظام الذي يجب أن يعاد النظر في تكوينه ومنطلقاته على أسس جديدة تراعي المتغيرات الدولية والعربية كذلك، لأن في ظل غياب هذا النظام سيبقى العرب والمسلمون إحدى الحلقات الضعيفة في النظام العالمي الجديد وسيؤدي ذلك إلى مزيد من التشرذم والتفتت والضياع ومزيد من الخسائر لمكاسب حقيقية يملكها العرب والمسلمون.

٣ - أدى نشوء النظام الدولي الجديد إلى تنامي دول الجوار، خاصة المرتبطة بالدول الكبرى كاثيوبيا وإسرائيل والهند، وزيادة التنافس بين هذه الدول من أجل ملء الفراغ الذي خلفه ضعف النظام العربي والإسلامي، ولذا وجدنا دولاً كالهند وإسرائيل تحاول القيام بأدوار رئيسية مؤثرة في تحديد اتجاهات النظام الدولي نحو المنطقة العربية الإسلاميّة.

٤ - لقد كانت حرب أكتوبر نقطة تحول في موقف الغرب من العرب، إذ استخدم النفط لأول مرة كسلاح استراتيجي مؤثر، ولذا فإن أي باحث أو مخطط للنظام الدولي لا يمكن أن يتجاهل النفط، خاصة إذا علمنا أن الولايات المتحدة والمجموعة الأوروبية واليابان - مراكز القوة في النظام الدولي - تعتمد بشكل كبير على النفط العربي والإسلامي، إذ تستورد اليابان ٧٠ % تقريباً من احتياجاتها النفطية من منطقة الخليج، بينما تحصل الولايات المتحدة الأمريكية على ٢٨ % وفرنسا ٣٥ % وإيطاليا ٣٢ % من النفط العربي، كما أن ٦٥ % من المخزون العالمي للنفط بيد العرب مقابل ٦ ر ٢ % فقط في الولايات المحتدة الأمريكية، ولذا فإن هذه الدول لا تريد الوصول للنفط العربي فقط بل الحصول عليه بأسعار رخيصة، فإن هذه الورقة الرابحة يمكن أن تجعل للعرب والمسلمين موقعاً

(١٥٦)

مؤثراً داخل النظام الدولي الجديد إذا أحسن استغلالها سياسياً.

بقي أن نسأل السؤال للمرة الأخيرة: هل لنا مكان في النظام الدولي الجديد في ظل غياب لأبسط أسس التعامل مع المتغيرات من حولنا، فنحن إلى الآن لم نحدد موقعنا من هذا النظام قبولاً أو رفضاً، وما يزال منظّرونا يتجاذبهم طرفا الأمر بين القبول المطلق لهذا النظام أو الرفض المطلق له دون أن يوجهوا اهتمامهم للبحث عن بديل آخر؟ .

هل يمكن أن يكون لنا نظام في ظل التخلف والتبعية التي تحياها الأمة؟

وفي ظل الشتات والتمزق الذي وصل إلى كلّ جانب في حياتنا، هل يمكن أن يتحقق لنا مكان في هذا النظام ونحن نحيي فينا أعراف الجاهلية القديمة «بداحس والغبراء» في القرن العشرين؟

هل يمكن أن يتحقق لنا ذلك في ظل غيبة دور الإنسان وتهميش لحقوقه وواجباته وحريته وكرامته؟

هل يمكن أن يتحقق لنا ذلك في ظل تبعية فكرية تقذف بنا إلى الشرق تارة والى الغرب تارات؟

هل يمكن أن يتحقق لنا ذلك في ظل تغييب للإسلام عن واقع حياتنا وفي كثير من شؤوننا؟

إن النظام الدولي قديما كان أم جديداً لن يحقق لنا شيئاً من ذلك إذا لم نكن نحن قادرين على تحقيقه.

وصدق الله العظيم إذ يقول ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتّى يغيروا ما بأنفسهم﴾، فهل نحن فاعلون؟

(١٥٧)

١ - المصدر السابق.

٢ - نعوم تشومسكي، إعاقة الديمقراطية، ص ٢٥.

٣ - محمّد زكريا إسماعيل، المستقبل العربي، العدد ١٤٣، يناير ١٩٩٥ م.

٤ - james Schcesinge,New lnstabilities New Priorities Foreing Policy, N٨٥

Winter. ١٩٩١ / ١٩٩٢

٥ - جريدة الأهرام، القاهرة، عدد ١ مارس ١٩٩٢ م.

٦ - ريتشارد نيكسون، انتهزوا الفرصة، ص ٨ - ٢٨.

٧ - محمّد سعيد أبو عامود، منبر الحوار، العدد ٣١.

٨ - د. حسن العلكيم، مصدر سابق، ص ٩.

٩ - نعوم تشومسكي، مصدر سابق، ص ٢٢٧.

١٠ - إبراهيم أبراش، مصدر سابق، ص ١٦.

١١ - إبراهيم أبراش، مصدر سابق، ص ١٦.



[ Web design by Abadis ]