ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 حوار مع الدكتور جعفر عبد السلام \ الأستاذ مجيد مرادي

● عفواً. أستاذ، عرف نفسك في البداية.

O الدكتور جعفر عبد السلام، أستاذ في جامعة الأزهر ونائب رئيس الجامعة، وأمين عام رابطة الجامعات الإسلاميّة.

● ما هي التقسيمات الأساسية للساحة الفكرية في عالمنا الإسلامي من خلال قراءتكم للساحة؟

O نحن نجد في الساحة الإسلاميّة المعاصرة ثلاثة اتجاهات ينضوي تحت أحدها معظم التيارات الفكرية الموجودة في العالم الإسلامي، إن لم نقل جميعها:

* تيار محافظ سلفيّ يدافع عن ثوابت الإسلام، ويرى كلّ خروج عنها خطيئة، يمثله عندنا - في مصر: المرحوم مصطفى صادق الرافعي، الذي خاض حرباً ضروساً ضد الأفكار التي كان ينادي بها أشخاص مثل طه حسين ومنصور فهمي وغيرهما، ممن ذهبوا إلى الخارج في بعثات علمية ثم رجعوا إلى مصر

* _ أجرى الحوار الزميل مجيد مرادي، رئيس تحرير مجلة رسالة قم خلال زيارته لجمهورية مصر العربية.

(١١٨)

ينادون بالتحرر (من التراث) وبالأخذ بالتجارب الغربية.

* التيار الثاني هو التيار المتطرف الذي مثله أشخاص مثل المفكر المصري محمود عزمي هذا التيار كان يرى أن سبب التخلف في عالمنا الإسلامي يكمن في الإسلام ذاته، وأن أفضل حل هو أن نلقي وراءنا بهذا التراث، وأن نبدأ الحياة بأسلوب علماني يتبع المنهج الغربي في كلّ شيء.

طبعاً يعد محمود عزمي من متطرفي هذا التيار، لكن هناك من يمثل نوعاً من الوسطية في هذا الاتجاه، مثل: طه حسين ومنصور فهمي.

ومن المؤسف أن كثيراً من المسيحيين كانوا يتبعون هذا المذهب (الثاني).

* وهناك تيار وسط بين هذا وذاك (وهو التيار الثالث) وأساسه القول: إننا لا ينبغي لنا أن نفرط في ثوابت الإسلام ولكن علينا - في الوقت نفسه - أن نجدد حياتنا وأن نعد أنفسنا لنقبل الأفكار الأخرى.

هذه التيارات الثلاثة (نلحظها في واقعنا) ونستطيع أن نقول إنها تيارات.

● هلا حد ثتموننا أكثر عن الاتجاه السلفي وأبرز شخصياته؟

О إذا أردنا التفصيل بعض الشيء، نقول:

إن الأزهر - بلا شك - يمثل التيار السلفي المحافظ، فلقد كانت العلوم تدرس في الأزهر الشريف، إذ يبلغ عمر الأزهر الآن أكثر من ألف وخمسين عاماً، وكانت الدروس تلقى حول أعمدة جامعها، فكان لكل أستاذ كبير عمود يلتف حوله مجموعة من الطلاب، وكانت الدروس تبدأ من صلاة الفجر حتّى صلاة العشاء. وكان الأستاذ متفرغاً والطالب متفرغاً أيضاً، فكان العلم ناضجاً آنذاك نضوجاً كبيراً وكانت المواد الرئيسية التي تدرس في الأزهر: الفقة الإسلامي وأصول الفقه واللغة العربية والعقائد والتوحيد، وكانت تمثل علوماً إسلامية، وكان الخروج من هذه الدراسات يعدّ في نظر علماء الأزهر نوعاً من الخروج

(١١٩)

على الدين.

وإذا ما أردت أن ترى صورة للمشكلات التي كانت تثار في هذا الصراع فيمكنك أن تقرأ طه حسين، فقد كان أزهرياً انفلت من الأزهر، وكانت له آراء خاصة تخالف ما يجمع عليه السلفيون، فكفروه أولاً واعتبروه خارجاً عن الملة واتهموه بالزندقة، ثم هاجموه هجوماً عنيفاً فيما كان يقول به من آراء. فهذا التيار المحافظ كان يمثله الأزهر، وكان بعض الكتاب والمفكرين مع هذا الاتجاه، ومن أشهرهم مصطفى صادق الرافعي، وقد اخترت الرافعي بالذات لأنه هو الذي رد على طه حسين في كتابه عن الشعر الجاهلي، وجمع خلاصة المعارك بينه وبين طه حسين في كتاب كبير سماه «المعركة تحت راية القرآن». كذلك تصدى الرافعي لبعض المفكرين الآخرين حتّى أنّه تصدى لعباس محمود العقاد وهاجمه هجوماً عنيفاً عندما أحس أنّه يخرج عن ثوابت السلف والتراث.

من هؤلاء المحدثين (أمثال طه حسين) أيضاً محمود شاكر وهناك كثير من العلماء الّذين تفرقوا أيضاً في جامعة عين شمس مثل مصطفى الشكعة، له كتاب مشهور «إسلام بلا مذاهب».

فهذا التيار (المتطرف) برز في مصر منذ وقت طويل ولا يزال له أنصاره ووجوده القوي، وهذا التيار التقدمي هو - في الواقع - تيار يلوذ به الشيوعيون وكثير من الكتاب فكثير من رموز الصحافة عندنا يميل لهذا الاتجاه، وأصحاب هذا الاتجاه يخرجون عن ثوابت الدين بإعلان وبلا إعلان. وكما قلت لك إن المسيحيين أمثال لويس عوض، وغير المسيحيين أمثال محمود أمين العالم يلوذون بهذا الاتجاه و أيضاً يمكن أن نلحق بهم حسن حنفي فهؤلاء يدعون إلى التجديد، ويخرجون عن ثوابت الدين بإعلان أحياناً وبلا إعلان أحياناً.

أما التيار الأزهري الجديد فهو محافظ أيضاً فمثلا نحن نأخذ بالعلوم

(١٢٠)

الحديثة كلها منذ عام ٦١، ولكننا نخصص دراسات دينية لكل طالب يدخل إلى جامعة الأزهر كمتطلبات للجامعة. كما أننا نحذف من (كتب) العلوم ما يمكن أن يتعارض (من العبارات) مع الحقيقة الإسلاميّة كالقول. إن الطبيعة خلقت أو أوجدت، لأن هذا يتنافى مع أن الخالق والموجد هو الله سبحانه وتعالى.

وهذا برأيي هو التيار الوسط، والذي أعتقد أنّه يمثل معظم المفكرين والمثقفين اليوم وهذا الاتجاه يحرز تقدماً يوماً بعد آخر وأساسه عدم إهمال التقدم العلمي مع عدم التفريط - في الوقت نفسه - بثوابت الشريعة الإسلامية، والدعوة أيضاً إلى إعادتها في حياتنا، مع أخذ التطورات التي تحدث اليوم بنظر الاعتبار هذه المسألة نراها واضحة في قضية تطبيق الشريعة:

* فالسلفيون يريدون تطبيق الشريعة وحدها واستبعاد القانون الوضعي.

* والتيار المقابل لهم (أي العلمانيون) يريدون استبعاد الشريعة ويقولون إننا نعيش الآن في مجتمع علماني مختلف، ومن ثم يجب استبعاد الشريعة، ولا يجوز أن نحكمها من جديد.

* أما التيار الوسط فيقول: لا بأس بتطبيق الشريعة مع أخذ التطورات التي أحدثت نصوصاً وقواعد يحكمها القانون الوضعي، بنظر الاعتبار.

صحيح أني تحدثت عن مصر أكثر من غيرها، ولكني أعتقد أن الأمر كذلك في الأقطار العربية الأخرى - سواء في المغرب أو المشرق - مع فارق هو ربما يكون للبلدان التي فيها حكومات تتحكم في كلّ شيء، ولا تستطيع أن تبرز تيارات فكرية تخالف الحكومة، ولابد للدعوة في الإعلام والصحافة أن تؤيد ما تراه الحكومة فقط وإلا فلا، ولا يمكن أن تظهر للوجود وترى النور الخلاصة، هذا هو ما أراه في التيارات الفكرية السائدة في العالم الإسلامي.

(١٢١)

● ظاهرة التجديد والحداثة أمر لا يمكن إنكاره ولا يخفى على أحد.

كيف نواجه هذه الظاهرة برأيكم، أعني ظاهرة العصرنة والحداثة - مع الإبقاء على عقائدنا ومرتكزاتنا الدينية وثوابتنا القيمية؟ وهل يجب علينا تحديث الفكرة الدينية؟ ومن أين نبدأ التحديث للفكر الديني؟

О نحن نعلم أن الدين له أحكام ثابتة وأحكام متغيرة، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هنّ أم الكتاب وأُخر متشابهات فأما الّذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كلّ من عند ربنا…. ﴾. فالآية نفسها تشير إلى أن هناك قواعد ثابتة وآيات محكمة لا ينبغي التفريط بها أبداً، فهي ثوابت، وهناك إطار آخر متغير. ومن حكمة الإسلام أنّه لا يجمد الناس في قوالب وأطر محددة، وإنّما يترك للعقل البشري مجالاً واسعاً، فالقواعد التشريعية ليست كثيرة، وهي قواعد كلية، وهناك مجال كثير لتفسيرات متعددة لها تتلاءم مع ظروف حياة الإنسان، ولهذا كانت المذاهب الفقهية، وكانت الاجتهادات داخل المذهب الفقهي أيضاً. ولذا نجد اجتهادات واسعة، وكذلك تفاسير للقرآن والسنة.

إذن هناك مجال واسع للاجتهاد بما يتلاءم مع أمور الناس مادام ضمن الدائرة المتغيرة (المحكوم بالدائرة الثابتة)، فمثلاً كان للإمام الشافعي مذهب في العراق ولكنه عندما هاجر إلى مصر أخريات حياته وعاش فيها وجد الظروف مختلفة والأعراف متغيرة، فغير كثيراً من أحكام مذهبه، لكي تتطابق مع واقع الحال في المجتمع الجديد الذي هاجر إليه.

وهكذا تجد أنت هنا المذهب الجعفري الاثني عشري، وتجد أيضاً مذاهب

(١٢٢)

أخرى عديدة تحاول جميعها أن لا تخرج عن قواعد الدين، تفسر القرآن الكريم وتفسر الأحاديث بما يتماشى مع ظروف عصر كلّ فقيه.

لاشك أننا اليوم متخلفون في مجال التشريع ففي الماضي وحتى القرن الرابع، إذا حدثت مشكلة تعرض على الفقيه فيبدي رأيه فيها، مستنداً إلى قواعد أصول الفقه … فإذا وجد حكماً في القرآن أخذ به، فإذا لم يجد يلجأ إلى السنة، فإن لم يجد يلجأ إلى الاجتهاد وفق الطرق الأخرى كالقياس، والمصالح المرسلة، وسدّ الذرائع … إلى آخر القواعد المجددة في علم أصول الفقه.

الآن توقف الاجتهاد عندنا في معظم الدول الإسلامية، والأسباب عديدة، منها الاستعمار الذي كان له دور في هذا المجال، ودعاة التحديث - كما حدث عندكم، حيث كان الشاه يرى طرح كلّ ما هو قديم والسير وراء أميركا ووراء الغرب في كلّ ما يأتي به ليس الشاه وحده، فالكثير من حكوماتنا ومثقففينا ساروا بالاتجاه نفسه فماذا حدث؟ نستطيع أن نقول: إنه حدث انفصام ذهني بين ما كان لدينا من فكر وفقه وبين الواقع الجديد، فاضطررنا أن نستدعي قوانين وأفكاراً أخرى لتحكمنا وبقيت مسيطرة ومهيمنة علينا لوقت كبير.

بعد الصحوة الإسلاميّة بدأنا ننادي بتوحيد الاجتهاد، وبالتصدي لكل المشكلات الحديثة وإيجاد الحكم الشرعي له، على نفس الأسس التي اعتمدها علماؤنا الأولون فلو وصلنا إلى هذا نستطيع أن نحل كثيراً من مشكلاتنا أي إننا ندعو إلى إطار ثابت ولكن في داخله فلك متغير، فلا يمكن أن نجمد حياتنا وأوضاعنا في نصوص، نفس الإمام الشهرستاني يقول بعبارة لها مغزى.

«الوقائع والأحداث والأمور متجددة غير متناهية، والنصوص متناهية، ومالا يتناهى لا يضبطه ما يتناهى، لذا وجب أن يكون مصدر كلّ حادثة اجتهاد…. ».

إذن يجب أن يجتهد، فالقرآن الكريم يقول: ﴿ولو ردّوه إلى الله وإلى الرسول

(١٢٣)

لعلمه الّذين يستنبطونه منهم﴾. إذن، فالاستنباط أمر من الله سبحانه وتعالى لنا يجب أن نتبعه ومع الاستنباط يمكن أن ننظر في الأحوال الجديدة ثم نطبق ما عندنا من قواعد كلية، على ضوء المشكلات المستحدثة. إذن يجب أن نحيي وظيفة الاجتهاد لنجدد حياتنا ونأخذ دائماً بما يتناسب مع ظروف الحياة.

هذا من الناحية التشريعية والفقهية أما من ناحية العلوم فيمكن أن نقول: كان هناك تعارض بين الكنيسة والعلم في أوربا، وهو الذي أنشأ ظاهرة العلمانية، أما في الإسلام فلا يوجد هذا التعارض يكفي حديث الرسول - صلى الله عليه وآله - : «اطلبوا العلم ولو في الصين» فمعناه أن نطلب العلوم المدنية في أي مكان و «الحكمة ضالة المؤمن ينشدها حيث وجدها». فنحن ديننا يدعونا إلى الاعتبار في الحياة وفي الكون، في كلّ ما خلقه الله سبحانه، وأن نحكم العقل دائماً في أمور حياتنا، مع عدم إهمال الوحي والأمور القطعية التي يجب أن نوليها دائماً اهتمامنا عند الحديث في أي شيء.

أعود للسؤال وأقول: التجديد يبدأ من هنا اليقظة تبدأ من إحياء أحكام الله سبحانه وتعالى في حياتنا مع اعتبار التطورات التي تحدث في حياتنا أيضاً، لكن لا ينبغي الخروج أبداً عن ثوابت الدين يجب أن نحيي الأنظمة الإسلاميّة أيضاً كنظام الوقف ونظام الزكاة ونظام الشورى …. كلّ هذا الأمور يجب أن نستعيدها من شريعتنا كذلك يجب أن نحيي الحضارة الإسلاميّة فنحن هنا نعيش في بلد الفن لدينا مقامات موسيقية تطرب وتشجي من يستمع إليها، وكذلك لدينا الرسوم العظيمة التي خلفها علماء فهموا فن التوريق والفسيفساء.

الفنون الموسيقية الأخرى التي تتمشى مع طبيعة الأمة والناس طرحناها جانباً وصرنا نلجأ إلى الأشياء الغربية التي لا طرب فيها ولا راحة بل تزعج من يجلس ويستمع إليها ولا أفهم كيف نستسيغها؟

(١٢٤)

إذن: العودة إلى الأصول ليس في الدين والشريعة والعقيدة فقط، بل في الفن والتراث والفكر. نحن مدعوون إلى تجديد ما وضعه آباؤنا وأجدادنا وأسلافنا من أسس للحياة القويمة، دون أن نهمل جوانب العصر الذي نعيش فيه. فنحن في عصر الكهرباء والسيارة والطائرة، وتطورت كثير من وسائل الحياة والعيش، لكن لا ينبغي أن يسلب الإنسان عقيدته وشريعته وفكره لكي يتمشى مع هذه الأشياء فالأسس المادية يمكن الإلمام بها والإحاطة بها، لكن في إطار قواعدنا الكلية والأسس التي شرعت لنا.

● كيف نستطيع أن نتجاوز فترة انقطاع مسيرتنا الحضارية ونحن نواجه هجوما حضاريا ضخما على مجتمعاتنا الإسلاميّة؟

О في المجال المادي نستطيع أن تكون لنا الإرادة في الأخذ من الآخرين ما يناسبنا وأن نرفض مالا يناسبنا. أما التحدي الرئيسي الذي يواجهنا فهو التحدي الثقافي والتحدي الحضاري والحصن الثقافي هو الحصن الباقي الذي نستطيع أن ندافع به عن أنفسنا وهويتنا ضد محاولات التهميش والاقتحام.

نحن أمام مجتمع تعلوه القنوات الفضائية المفتوحة وتصيبه من كلّ مكان السهام الجارحة التي تحاول طمس هويته تحت إطار العولمة وتريد سلب ما تبقى له من أسس الحضارة والثقافية، بل والعقيدة أيضاً.

لاشك أن جزءاً كبيراً من الضعف الذي يعترينا ناجم من أننا لا نواصل بعث التراث، ولا نواصل دراسة مصادر شريعتنا: القرآن الكريم والسنة الشريفة، والرسول الكريم يقول: «إني تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً كتاب الله وسنتي».

إن الانقطاع الثقافي الذي حال بيننا وبين إخراج كنوز ترابنا ومعرفة ما تركه الأسلاف والأجداد والآباء، وتكملته، مسألة في منتهى الخطورة، لأنها هي التي

(١٢٥)

أوقفتنا، وهي التي جعلتنا ضعفاء لا نستطيع مواجهة التحديات المقبلة. لذا نستطيع القول: إنه من الضروري تدريس العلوم الدينية بطريقة أخرى نهضمها جيداً ونعيد كتابتها بالشكل الذي يتماشى ويتلاءم مع قدرات الجيل الحالي، كذلك لابد أن ننقل ما كان عندنا من تراث في الثقافة والفكر والموسيقى و…. نحن لدينا نماذج رائعة لمفكرين مسلمين كانت سلوكياتهم دافعاً للدخول في الإسلام، لدينا أشخاص مثل «خباب بن الأرت» الذي أرسله الرسول - صلى الله عليه وآله - إلى المدينة مفرداً فعلمها لوحده بأكملها الدين لدينا هذه القدرات العظيمة التي استطاعت أن تفعل مالم تفعله أمم بكاملها في الماضي إذن مطلوب منا إحياء التراث، إحياء القدوة من تراثنا، ومواصلة ما بدأه الأجداد والأسلاف بدراسات مستفيضة تلائم العصر. المطلوب أيضاً أن ننقي برامج الاعلام من كلّ ما يشين إلى الثقافة، وأن تكون فيها أبواب ثابتة للتعامل مع معطيات الثقافة الحديثة.

مطلوب أيضاً أن تكون الكتب وبرامج الإعلام وغيرها مكتسبة ثوب التراث، وأن تؤمن فكرنا الإسلامي من مصادر هذا التراث، وأن تعلبه دائماً في كلّ موادها وأعمالها ومطلوب منا أيضاً أن نعيد كتابة التاريخ والجغرافيا ونبعث أنظمة الشورى والوقف والزكاة … كلّ هذا مطلوب لمواصلة ما كان، والقضاء على عيوب فترة الانتقال، والاستعداد لمواجهة تحديات القرن.

● أوربا تركز على عوامل الوحدة بينها ونحن نستثير عوامل التجزئة، فما العلاج؟

О فعلاً، فأوربا (تتوحد) رغم أن بين دولها مشاكل كثيرة وكراهية وحربين داميتين أزهقت فيها عشرات الملايين من الأنفس، وليس لديها عوامل للوحدة، فهم لا يتكلمون لغة واحدة، وليسوا من قومية واحدة، بينما نحن لدينا تاريخ مشترك ولغة تكاد تجمع بين عدد كبير منا، ودين واحد، ومع ذلك فنحن

(١٢٦)

متفرقون، فإذا لم نأخذ العوامل التي قربتنا ووحدتنا ونعيد بعثها فيتا فسنظل - كما قلت - مختلفين ومتخلفين لقد كان هدف الرسول - صلى الله عليه وآله - أن ينشئ أمة واحدة، ويقول الله تعالى ﴿وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون﴾ ويقول: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألف بين قلوبكم…. ﴾ هذه الآيات تدعونا إلى التوحد (الوحدة) بل الآية الثانية التي ذكرتها في سورة آل عمران تقول: ﴿ وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها﴾ فالتفرق حفرة من النار أراد الله لنا أن نتخلص منها. ومن أهداف الرسول الأولى إماتة العصبيات وهدم أسس الجاهلية التي فيها التفاخر بالآباء (وإن كانوا على باطل)، واستطاع أن يبني أمة على هذا الأساس، فقد كان يحارب كلّ محاولة للتجزئة والتفرقة في أمته.

فكما قلت: إننا أصبحنا نعلي (شأن) القوميات المحلية، وهذا خطأ فادح، سيما ونحن في عصر التكتلات أميركا بنفسها تتكتل مع دول البسفيك والمكسيك وكندا في مواجهة التكتل الأوربي الذي صار دولة اقتصادية، وهناك أيضاً تنسيق سياسي وقانوني …. إلى آخره.

الطريق أمامنا واضح نستطيع أن نبدأ بتكتلات جزئية، ومشاريع مشتركة، ومناطق حرة مشتركة إلى أن نصل إلى مرحلة الاتحاد الجمركي ثم السوق الإسلاميّة المشتركة فهذه خطوات يجب أن تبدأ، والمؤتمر الإسلامي كمنظمة تجمع بيننا اتخذ قرارات بهذا الشأن، لكن تعوزنا الإرادة لتنفيذ ذلك وحبذا لو قامت حكومة الجمهورية الإسلاميّة في إيران بتذكير المنظمة في اجتماعاتها السنوية وغير السنوية بضرورة بعث هذه الأسس وتبني أشياء منها فهناك قرار بإنشاء محكمة عدل إسلامية لم ينفذ، وهناك أيضاً قرار بإنشاء سوق إسلامية فهذه عوامل الوحدة، ومعرفة كيفية تحقيقها معروفة، لكن تبقى

(١٢٧)

الإرادة، ويبقى بعث ما يربط بيننا من جديد ليحكمنا ويؤهلنا للقرن المقبل.

● ظاهر انبهار المسلمين بالغرب، ماذا تقول عنها؟

О الغرب هو المنتصر - ودائما المنتصر يعني هو الذي حضارته غالبة - والمغلوب والمتخلف يميل إلى تقليد المنتصر (وصاحب الحضارة) فهذه ظاهرة طبيعية ولكن نستطيع مقاومتها طبعاً نحن لا ندعو إلى نبذ الأشياء الجيدة في الغرب، فهم - مثلاً - قد أخذوا بقيم العمل والعلم، وطوروا التكنولوجيا، ويجب أن نتبعهم في ذلك، فنأخذ منهم ما يلائمنا، ولكن في نفس الوقت لا ينبغي أن يقترن ذلك بالانبهار، فنحن أيضاً لدينا ثقافة وليس التقدم المادي أهم أنواع التقدم، بل إن الغرب يعاني من مشكلات كثيرة …. يعاني من تفكك الأسرة، ومن الحزن الذي يخيم على حياة الناس هناك بسبب سرعة الحياة وغياب النواحي الإنسانية، فيجب أن نأخذ منهم ماتفرقوا فيه بحسب قدرتنا على الهضم والاستفادة، ولكن يجب في الوقت نفسه أن نعترف بقدرنا وقيمة ما عندنا، وأن نصدر أيضاً ما لدينا من فكر وثقافة إلى الغرب، ونحن لدينا ما يسعد الروح وما يؤدي إلى شيوع العدالة وقيمة المساواة بين البشر، وقيم احترام حقوق الإنسان وغيرها.

● وماذا عن أسلوب الدعوة في عصرنا الراهن؟

О أهم أساس هو العلم، ومعرفة مشاكل الناس فالداعية الذي يتحدث كلاماً عاماً ووعظاً (مجرداً)، لم يعد يقنع الناس المطلوب من الداعية أن يفهم المشكلات ويحللها ويحاول النفاذ إليها، وأن يقنع الناس بوجهة نظره فإذا لم يكن الداعية يستند إلى أساس علمي متين وقوي، لم يستطع أن ينقل شيئاً إلى غيره كما يجب التحلي بالأساليب المعروفة للدعوة والآن هناك إذاعة وتلفزيون وانترنيت … كلّ هذا يحتاج إلى عرض الفكر الإسلامي بعد دراسته

(١٢٨)

وهضمه جيداً، عرضاً عصرياً يتصل بالبيئة التي نعيش فيها، وبمشكلات الناس اليوم.

كما أن معرفة اللغات الأخرى مهم في التبليغ، ولهذا فتحت جامعة الأزهر أقساماً للدراسات الإسلامية باللغة الألمانية والإنكليزية والفرنسية بحيث تكون كلّ دراسات الداعية بإحدى هذه اللغات ومن ثم نستطيع أن ننقل صوتنا إلى غيرنا، لأننا قد كونا الداعي تكويناً علمياً جيداً بلغة أجنبية مطلوبة للعالم الآن هذا هو الذي نقوم به نحن الآن.

● وماذا عن طريقة التعامل مع الآخر؟

О التعامل مع الآخر ضروري، سواء كان هذا الآخر من بيننا أم غيرنا. لابد أن نفهم الغير ونتعايش معه، فالحياة لا تقوم على الفرد الواحد ولا على الفكر الواحد، بل الحياة للناس جميعاً. وما لم نفهم الآخرين ونتعامل معهم ونسمح بمساحة من الاختلاف فلن تكون هناك حياة مشتركة إذن يجب احترام الآراء الأخرى، ولكن هناك حد أدنى من حدود المسلمات الإسلامية فنحن لا نناقش كافرا أو ملحداً أو لا يؤمن أساساً بما عندنا.

● ثمة مخاوف من الجمود في التيار الفقهي.

О لا. أنا أقول: لو كنا نستمر على هذا الخوف لما ظهر بيننا شخص مثل الإمام الخميني، لأن أبرز ما يميز الإمام الخميني أنّه استطاع أن يكسر كثيراً من القيود التقليدية. بل إنني قرأت له فتاوى عدل عنها فيما بعد. فهذا نموذج لرجل لا يخشى في الله لومة لائم، ويجدد بما يقتضيه الواقع.



[ Web design by Abadis ]